النازلة الثالثة والعشرون: منع الزوج زوجته من تناول العلاج الموصوف لها لمرض الصرع
قال ابن القيم ﵀ في كتابه (زاد المعاد في هدي خير العباد) (١) ما نصه:
"الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرع من الأخلاط الرديئة. والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء؛ في سببه وعلاجه.
وأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به، ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدافع آثارها، وتعارض أفعالها وتبطلها.
وأما جهلة الأطباء وسقطهم وسفلتهم، ومن يعتقد بالزندقة فضيلة فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحس والوجود شاهد به. وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها. . . إلى أن قال: وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم.
وعلاج هذا النوع يكون بأمرين: أمر من جهة المصروع، وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه، وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها، والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان، فإن هذا نوع محاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحًا في نفسه جيدًا، وأن يكون الساعد قويًّا، فمتى تخلف أحدهما لم يغن
стр. 2487
السلاح كثير طائل" انتهى.
ومن خلال ما ذكره ابن القيم ﵀ يتبين لنا أنه إذا كان نوع الصرع من الأرواح الخبيثة الأرضية فإن العلاج الطبي قد لا يكون نافعًا له، لكن لا يجوز للرجل أن يمنع زوجته من تناول العلاج الطبي؛ لأنها قد تجد راحة في أخذه، ولعل ما يكون عندها هو عوارض نفسية أو قد يكون ما عندها من الصرع هو من النوع الذي يحتاج إلى علاج طبي، وقد صدر بخصوص هذه النازلة قرار من مجمع الفقه الإسلامي (١) جاء فيه:
"ليس للزوج منع زوجته من تناول العلاج المناسب، المباح شرعًا، الموصوف لها من الطبيب الثقة المؤتمن؛ لأن في منعها من العلاج إلحاقًا للضرر بها، وقد نهى رسول الله ﷺ -عن الضرر فقال: "لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ". وهذالحكم ينطبق أيضًا على كل ولي، فلا يجوز له منع المولَّى عليه من العلاج المباح له شرعًا".
стр. 2488
النازلة الرابعة والعشرون: حكم إسقاط الجنين المشوه خلقيًّا
لقد أصبح من الممكن من خلال العلم الحديث في الوقت الحاضر معرفة تشوه الجنين عن طريق الأشعة، وأصبح بإمكانه معرفة ما إذا كان هذا الجنين سيولد مشوهًا أم لا، وذلك عن طريق الأشعة بأنواعها، فهل يجوز إسقاطه في هذه الحال أو لا يجوز؟
وهذه النازلة -إسقاط الجنين المشوه- بحثت في مجلس هيئة كبار العلماء (١)، وفي مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (٢)، وصدر فيها قرار من مجلس الهيئة، وقرار من المجمع، والقراران متقاربان في تقرير الحكم الشرعي ومما جاء في القراران ما يلي:
أولًا: لا يجوز إسقاط الحمل في مختلف مراحله إلا لمبرر شرعي، وفي حدود ضيقة جدًا؛ حتى في طور الأربعين لا بد من مبرر شرعي، وأما إسقاط الحمل؛ خشية المشقة في تربية الأولاد، أو العجز عن تكاليف معيشتهم، أو الاكتفاء بما لدى الزوجين من أولاد، فهذا لا يعتبر مبررًا شرعيًّا، فيكون الإسقاط لأجل هذا الغرض غير جائز، وقد نص على هذا في قرار الهيئة: أن الإسقاط خشية المشقة في تربية الأولاد أو العجز عن تكاليفهم أو الاكتفاء بما لدى الزوجين من أولاد أنه غير جائز ولو كان في طور الأربعين الأولى.
ثانيًا: أن يكون في طور الأربعين الأولى، فيجوز إسقاطه إذا وجد في ذلك مصلحة شرعية، أو دفع ضرر متوقع، ومن ذلك أن يكون هذا الجنين لو عاش لكان مشوهًا خلقيًّا، فهنا لا بأس بإسقاطه في طور الأربعين الأولى.
стр. 2489
ثالثًا: إذا كان ذلك بعد الأربعين وقبل مرور مائة وعشرين يومًا على الحمل فالأمر فيه أهون، يمكن أن يسقط ويعمل إجهاض؛ لأنه الآن ليس إنسانًا، لم تنفخ فيه الروح، فمتى أثبت الأطباء بأن الجنين في هذه المرحلة مشوه تشويهًا خطيرًا، وغير قابل للعلاج، وأنه إذا بقي فستكون حياته سيئة وآلامًا عليه وعلى أهله، أو قالوا: إن بقاءه يكون سببًا لهلاك أمه، فحينئذٍ لا حرج أن نجهض هذا الحمل بناء على طلب الوالدين؛ وذلك لأن هذا الجنين في هذه المرحلة لم تنفخ فيه الروح، وليس بإنسان، إنما هو مضغة أو علقة فيجوز إسقاطه.
رابعًا: إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يومًا، فإنه لا يحل إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة؛ وذلك لأنه قد نفخت فيه الروح، وأصبح إنسانًا فإسقاطه هو في الحقيقة قتلٌ لإنسان، ولكن إذا كان بقاؤه فيه خطر مؤكد على حياة الأم فهل يجوز إسقاطه في هذه الحال؟
اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز إسقاطه ما دام أنه قد نفخت فيه الروح ولو كان فيه خطر محقق، ولو ماتت أمه ببقائه لا يحل إسقاطه بأي حال من الأحوال، حتى لو قرر الأطباء أنه إن لم يسقط ماتت أمه، فإنه لا يحل إسقاطه وهذا هو قول الشيخ محمَّد العثيمين (١) ﵀ وغيره، وعللوا لذلك: بأنه لا يجوز لنا أن نقتل نفسًا لاستبقاء نفس أخرى، وإسقاطه بعد مائة وعشرين يومًا هو قتل لنفس.
القول الثاني: أنه إذا ثبت من الأطباء الموثوقين أن بقاء الجنين فيه خطر مؤكد على حياة الأم، وأنه سوف يتسبب في موتها لو بقي بعد استنفاذ كافة الوسائل لإنقاذ حياته، فإنه يجوز إسقاطه في هذه الحال، وقد أخذ بهذا القول مجلس هيئة كبار العلماء
стр. 2490
بالمملكة (١)، ومجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي (٢)؛ وعللوا ذلك بأن إسقاطه في هذه الحال فيه دفع لأعظم الضررين، وجلب لأعظم المصلحتين، وذلك لأن عندنا في هذه المسألة ضررين: وهو موت الأم، أو موت هذا الجنين، وموت الأم أعظم ضررًا من موت الجنين، وذلك أن حياة الأم متيقنة، وبقاء هذا الجنين حيًّا بعد الولادة أمر مشكوك فيه، فموت الأم أعظم ضررًا، قالوا: فيجوز إسقاطه دفعًا لأعظم الضررين.
والراجح عندنا هو القول الأخير بشرط أن يكون هناك اتفاق بين الأطباء بأن بقاء هذا الجنين فيه خطر مؤكد على حياة الأم، وأنه لو بقي فسوف يتسبب في وفاتها، فإذا اتفق الأطباء على ذلك، واستنفذت جميع الوسائل لإنقاذ حياته، ولم يمكن ذلك إلا بإسقاطه؛ استنقاذًا لحياة الأم جاز إسقاطه في هذه الحال.
وقد صدر بخصوص هذه النازلة قرار المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي، وقد جاء فيه ما يلي:
"إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يومًا، لا يجوز إسقاطه، ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية، من الأطباء الثقات المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم، فعندئذ يجوز إسقاطه سواء كان مشوهًا أم لا، دفعًا لأعظم الضررين.
أما قبل مرور مائة وعشرين يومًا على الحمل، فإذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات -وبناء على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل المختبرية- أن الجنين مشوه تشويهًا خطيرًا، غير قابل للعلاج، وأنه إذا بقي وولد في
стр. 2491
موعده، ستكون حياته سيئة، وآلامًا عليه وعلى أهله، فعندئذ يجوز إسقاطه بناء على طلب الوالدين، والمجلس إذ يقرر ذلك يوصي الأطباء والوالدين بتقوى الله، والتثبت في هذا الأمر. والله ولي التوفيق.
стр. 2492
النازلة الخامسة والعشرون: حكم الانتفاع بالمشيمة
تعريف المشيمة:
يقول أهل الطب في تعريفها: المشيمة عضو شبه أسطواني ينمو متصلًا بباطن جدار الرحم عند معظم الثدييات.
تمد المشيمة الجنين بالطعام والأكسجين، وتسحب نتاج نفايات الجنين، كما أن العضو ينتج كيميائيات تُسمى هورمونات تحافظ على الحمل وتنظم نمو الجنين.
وللمشيمة ثلاث وظائف رئيسية هي:
١ - تغذية الجنين: إذ تمد المشيمة الجنين بالطعام والأكسجين، وتسحب نتاج نفايات الجنين، كما أن العضو ينتج كيميائيات تُسمى هورمونات تحافظ على الحمل وتنظم نمو الجنين.
٢ - التنفس: إذ أن المشيمة تقوم بوظيفة الرئتين، فيحصل الجنين بواسطتها على الأكسجين ويطرح ثاني أكسيد الكربون
٣ - تثبيت الحمل: وذلك بفرزها هرمون البروجسترون الذي يساعد على استمرار الحمل.
مدى الانتفاع بالمشيمة في الطب الحديث:
بفضل التقدم العلمي أمكن الانتفاع بالمشيمة لعلاج السرطان ولإزالة تجاعيد الوجه وغير ذلك، وهذا أولى من إهدارها، وكما يقال: إذا وجدت المصلحة فثم شرع الله، وذلك فيما لم يرد فيه نص قاطع ولم يعارض حكمًا مقررًا. ومن القرارات التي اتخذت بشأن هذه النازلة قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم
стр. 2493
الإسلامي (١) ومما جاء فيه: "لا مانع من الانتفاع بها (المشيمة) في الأغراض الطبية، أما الأدوية التي تستخرج من المشيمة، وتؤخذ عن طريق الفم أو الحقن، فلا تجوز إلا للضرورة. والله ولي التوفيق".
ومما جاء في فتوى الأزهر حول الانتفاع بالمشيمة: "وبفضل التقدم العلمي أمكن الانتفاع بهذه الفضلات، وهذا أولى من إهدارها، وكما يقال: إذا وجدت المصلحة فثم شرع الله، وذلك فيما لم يرد فيه نص قاطع ولم يعارض حكمًا مقررًا" (٢).
ولذلك نرى أنه لا مانع من استغلال هذه الفضلات في المنفعة.
стр. 2494
النازلة السادسة والعشرون: السر في المهن الطبية
لا شك أن مهنة الطب فيها اطلاع على الأسرار، وأهم ما يعتمد عليها في مهنة الطب قضية الأمانة التي يسميها الغربيون "شرف المهنة"، ونحن نسميها "أمانة" أوصانا الله بحفظها. فقد يطلع الطبيب على ما لا يطلع عليه غيره فالواجب عليه أن يحافظ على الأسرار التي قد علم بها أثناء كشفه على المريض أو أثناء إجراء عملية جراحية له. لكن قد يحتاج أحيانًا إلى إفشاء بعض الأسرار في بعض الأمور منها:
١ - إذا كان أحد الزوجين مصابًا بمرض جنسي معد (ينتقل بالمباشرة)، فإنه يجب إبلاغ الطرف الآخر.
٢ - إذا كان المريض غير لائق بعمل معين كالمصاب بالاضطرابات العصبية أو ضعف الرؤية الشديد فلا بد من إبلاغ جهة عمله فيما لو كان سائقًا مثلًا.
٣ - إذا علم بوجود مرض معد سارٍ.
٤ - عند الكشف الطبي قبل الزواج، إذا تبين عدم توافق أحد الزوجين مع الآخر فلا بد من إبلاغه.
٥ - إذا تبين له أن وفاة الشخص قد حصلت نتيجة جريمة.
٦ - إذا علم بإصابة الزوج بمرض غير معد، ولا تعلم به الزوجة مثلًا فإنه لا يجوز له إخبارها لعدم الموجب.
ومما جاء في القوانين الطبية في المادة الثالثة والعشرين ما نصه:
يجب على الطبيب أن يحافظ على الأسرار التي علم بها عن طريق مهنته ولا يجوز له إفشاؤها إلا في الأحوال التالية:
стр. 2495
١ - إذا كان الإفشاء مقصودًا به الإبلاغ عن وفاة ناجمة عن حادث جنائي، أو الحيلولة دون ارتكاب جريمة، ولا يجوز الإفشاء في هذه الحالة إلا للجهة الرسمية المختصة.
٢ - إذا كان الإفشاء بقصد التبليغ عن مرض سار أو معد.
٣ - إذا كان الإفشاء بقصد دفع الطبيب لاتهام موجه إليه من المريض أو ذويه يتعلق بكفاية أو بكيفية ممارسته المهنة.
٤ - إذا وافق صاحب السر كتابة على إفشائه، أو كان الإفشاء لذوي المريض مفيدًا لعلاجه.
٥ - إذا صدر له أمر بذلك من جهة قضائية.
وقد صدر قرارٌ من مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (١) بخصوص هذه النازلة ومما جاء فيه:
ج- الأصل حظر إفشاء السر، وإفشاؤه بدون مقتض معتبر موجب للمؤاخذة شرعًا.
د- يتأكد واجب حفظ السر على من يعمل في المهن التي يعود الإفشاء فيها على أصل المهنة بالخلل، كالمهن الطبية، إذ يركن إلى هؤلاء ذوو الحاجة إلى محض النصح وتقديم العون، فيفضون إليهم بكل ما يساعد على حسن أداء هذه المهام الحيوية، ومنها أسرار لا يكشفها المرء لغيرهم حتى الأقربين إليه.
٢ - تستثنى من وجوب كتمان السر حالات يؤدي فيها كتمانه إلى ضرر يفوق ضرر إفشائه بالنسبة لصاحبه، أو يكون في إفشائه مصلحة ترجح على مضرة كتمانه،
стр. 2496
وهذه الحالات على ضربين:
أ- حالات يجب فيها إفشاء السر بناء على قاعدة ارتكاب أهون الضررين لتفويت أشدهما، وقاعدة تحقيق المصلحة العامة التي تقضي بتحمل الضرر الخاص لدرء الضرر العام إذا تعين ذلك لدرئه.
وهذه الحالات نوعان:
* ما فيه درء مفسدة عن المجتمع.
* وما فيه درء مفسدة عن الفرد.
ب- حالات يجوز فيها إفشاء السر لما فيه:
* جلب مصلحة للمجتمع.
* أو درء مفسدة عامة.
وهذه الحالات يجب الالتزام فيها بمقاصد الشريعة وأولوياتها من حيث حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
ج- الاستثناءات بشأن مواطن وجوب الإفشاء أو جوازه ينبغي أن ينص عليها في نظام مزاولة المهن الطبية وغيره من الأنظمة، موضحة ومنصوصًا عليها على سبيل الحصر، مع تفصيل كيفية الإفشاء، ولمن يكون، وتقوم الجهات المسؤولة بتوعية الكافة بهذه المواطن.
стр. 2497
النازلة السابعة والعشرون: ضوابط كشف العورة أثناء علاج المريض
أولًا: تعريف العورة والتحذير من إبدائها وبيان حدها:
العورة هي ما يجب تغطيته، ويقبح ظهوره، ويستحيى منه، أي: ما يسوء الإنسان إخراجه، والنظر إليه؛ لأنها من العور وهو العيب، وكل شيء يسوؤك النظر إليه، فإن النظر إليه يعتبر من العيب.
وقد كان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت عراة، ويزعمون أن ذلك من الدين فأبطل الله ادِّعاءهم وسمى كشف العورة فاحشة في قوله عنهم: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]، فكشف العورة والنظر إليها يجر إلى شر خطير، ووسيلة إلى الوقوع في الفاحشة وهدم الأخلاق؛ كما هو مشاهد في المجتمعات المتحللة التي ضاعت كرامتها وهدمت أخلاقياتها؛ فانتشرف فيها الرذيلة، وعدمت فيها الفضيلة.
وفي المقابل؛ فإن ستر العورة إبقاء على الفضيلة والأخلاق، ولهذا يحرص الشيطان على إغراء بني آدم بكشف عوراتهم، وقد حذرنا الله منه في قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧]، فكشف العورات مكيدة شيطانية قد وقع فيها كثير من المجتمعات البشرية اليوم، وربما يسمون ذلك رقيا وتفننا، فتكونت نوادي العراة، وتفشى السفور في النساء، فعرضت أجسادها أمام الرجال بلا حياء ولا خجل.
وإنه لمن المؤسف المحزن ما وصل إليه كثير من نساء العصر المسلمات من تهتك وتساهل في الستر، وتسابق إلى إبراز مفاتنهن، واتخاذ اللباس الذي لا يستر؛ تقليدًا لنساء الكفرة والمرتدين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 2498
وتنقسم العورة إلى ثلاثة أقسام: مغلظة، ومخففة، ومتوسطة.
فالمخففة: عورة الذكر من سبع إلى عشر سنوات، وهي الفرجان فقط، أي: إذا ستر قبله ودبره فقد أجزأه الستر، ولو كانت أفخاذه بادية.
والمغلظة: عورة الحرة البالغة؛ فكلها عورة إلا وجهها؛ فإنه ليس عورة في الصلاة، وإن كان عورة في النظر.
والمتوسطة: ما سوى ذلك، وحدها ما بين السرة والركبة، فيدخل فيها الذكر من عشر سنوات فصاعدًا.
[ثانيًا] (*) حكم كشف العورة عند الطبيب المعالج:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز عند الحاجة الملجئة كشف العورة من الرجل أو المرأة، لأي من جنسهما أو من الجنس الآخر، وقالوا: إنه يجوز للقابلة النظر إلى الفرج عند الولادة أو لمعرفة البكارة في امرأة العنين أو نحوها، ويجوز للطبيب المسلم إن لم توجد طبيبة أن يداوي المريضة الأجنبية المسلمة، وينظر منها ويلمس ما تلجئ الحاجة إلى نظره أو لمسه، فإن لم توجد طبيبة ولا طبيب مسلم جاز للطبيب الذمي ذلك.
ويجوز للطبيبة أن تنظر وتلمس من المريض ما تدعو الحاجة الملجئة إلى نظره إن لم يوجد طبيب يقوم بمداواة المريض.
لكن اشترطوا لذلك شروطًا منها:
١ - أن توجد حاجة ماسة للعلاج ونحوه، كمرض أو ألم، وألحقوا بذلك حاجات أخرى منها الختان للرجال والنساء؛ لأنه سنة في حق الرجال ومكرمة في حق النساء، ومن ذلك أيضًا الولادة تعتبر حاجة مبيحة لنظر القابلة إلى موضع الفرج وغيره من المرأة؛ لأنه لا بد منه لاستقبال المولود، وبدونه يخشى على الولد،
стр. 2499
ومن ذلك أيضًا إعطاء الحقنة للعلاج، فإنها نوع من المداواة، فيباح النظر إلى موضع الحقن.
٢ - أن يكون النظر بقدر الضرورة أو الحاجة فما لزم لدفعها جاز، وما زاد عن قدر الضرورة بقي على أصل التحريم، فالطبيب لا يعدو نظره مواضع المرض وما يلزم لمعرفته؛ ففي الختان لا ينظر إلا إلى موضع الختان، وفي الحقنة لا ينظر إلا إلى موضع الحقن، وفي الفصد والحجامة يقتصر في إباحة النظر على موضعهما، وكذلك النظر لتحديد البكارة والثيوبة والبلوغ لا يحل النظر إلا إلى المواضع اللازمة لهذا الغرض.
٣ - عند اختلاف الجنس يشترط لإباحة النظر للعلاج أن لا تكون خلوة بين الرجل والمرأة ؛ لأن الحاجة تسوغ النظر، ولا تسوغ الخلوة، فتبقى محرمة، إلا إذا تعذر وجود مانع للخلوة من محرم أو زوج أو خيف الهلاك قبل حضوره.
٤ - أن يتعذر دفع الحاجة باللجوء إلى الجنس المشابه ، فلا يعالج الرجل المرأة مع وجود امرأة أخرى تستطيع القيام بذلك على النحو الذي يدفع الحاجة، وكذلك لا تعالج المرأة الرجل مع وجود رجل يمكنه القيام بالعلاج المطلوب؛ وذلك لأن نظر الإنسان إلى جنسه أخف من نظره إلى غير جنسه، فإن لم يوجد المعالج من الجنس الواحد أو وجد وكان لا يحسن العلاج، جاز نظر الرجل إلى المرأة وعكسه.
٥ - أن لا يكون المعالج ذميًا إذا وجد مسلم يقوم مقامه ، فلو لم يوجد لعلاج المرأة إلا طبيبة كافرة وطبيب مسلم تقدم الكافرة؛ لأن نظرها ومسها أخف من الرجل.
٦ - أن يكون الطبيب المعالج أمينًا غير متهم في خلقه ودينه ، فإن تعذر وجود الأمين جاز الرجوع إلى غيره بقدر الضرورة، ويشترط في معالجة الرجل للمرأة
стр. 2500
وجواز نظره إليها أن يأمن الافتتان بها إن لم يتعين، فإن تعين فينبغي أن يعالجها ويكف نفسه ما أمكن.
وقد صدر بخصوص هذه النازلة قرار من مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (١)، ومما جاء فيه:
١ - الأصل الشرعي أنه لا يجوز كشف عورة المرأة للرجل، ولا العكس، ولا كشف عورة المرأة للمرأة، ولا عورة الرجل للرجل.
٢ - يؤكد المجمع على ما صدر من مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بقراره رقم ٨٥/ ١٢ / ٨٥. في ١ - ٧/ ١ / ١٤١٤ هـ وهذا نصه: "الأصل أنه إذا توافرت طبيبة مسلمة متخصصة يجب أن تقوم بالكشف على المريضة، وإذا لم يتوافر ذلك، فتقوم طبيبة غير مسلمة، فإن لم يتوافر ذلك يقوم به طبيب مسلم، وإن لم يتوافر طبيب مسلم يمكن أن يقوم مقامه طبيب غير مسلم، على أن يطلع من جسم المرأة على قدر الحاجة في تشخيص المرض ومداواته، وألا يزيد عن ذلك، وأن يغض الطرف قدر استطاعته، وأن تتم معالجة الطبيب للمرأة هذا بحضور محرم أو زوج أو امرأة ثقة خشية الخلوة" انتهى النقل.
٣ - في جميع الأحوال المذكورة، لا يجوز أن يشترك مع الطبيب إلا من دعت الحاجة الطبية الملحة لمشاركته، ويجب عليه كتمان الأسرار إن وجدت.
٤ - يجب على المسؤولين في الصحة والمستشفيات حفظ عورات المسلمين والمسلمات من خلال وضع لوائح وأنظمة خاصة تحقق هذا الهدف، وتعاقب كل من لا يحترم أخلاق المسلمين، وترتيب ما يلزم لستر العورة وعدم كشفها أثناء العمليات إلا بقدر الحاجة من خلال اللباس المناسب شرعًا.
стр. 2501
٥ - ويوصي المجمع بما يلي:
أ- أن يقوم المسؤولون عن الصحة بتعديل السياسة الصحية فكرًا ومنهجًا وتطبيقًا بما يتفق مع ديننا الإسلامي الحنيف وقواعده الأخلاقية السامية، وأن يولوا عنايتهم الكاملة لدفع الحرج عن المسلمين، وحفظ كرامتهم وصيانة أعراضهم.
ب- العمل على وجود موجه شرعي في كل مستشفى للإرشاد والتوجيه للمرضى. وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2502
النازلة الثامنة والعشرون: استفادة المسلمين من عظم الحيوانات وجلودها في صناعة الجيلاتين:
أولاً: التعريف بالجلاتين:
الجلاتين مادة هلامية تميل إلى اللون الأصفر الغامق، وأحيانًا تكون ذات لون أبيض به لون أصفر، وهي شفافة هشة وليس لها طعم، وتستخرج المادة من بروتين الكولاجين خلال مراحل من التصنيع من جلد وعظام الحيوانات المختلفة (بما فيها الخنزير).
ثانيًا: أنواع الجيلاتين:
١ - الجلاتين (أ): وهو يستخرج غالبًا من جلود الخنازير، فيستخلص بمحلول حمضي، وله القدرة على امتصاص ثلاثة أمثال وزنه من الماء.
٢ - الجيلاتين (ب): ويستخرج من فضلات المدابغ (جلود الأبقار والعظم)، ويستخلص بمحلول قلوي، ويمتاز بقدرته على امتصاص ثمانية أمثال وزنه من الماء.
٣ - الجيلاتين المستخلص من جلود الأسماك القشرية: وأكثر استخدامات الجلاتين تكون من جلد الخنزير، والسبب يعود لسهولة استخلاصه بطريقة النقع في الحامض مدةً بسيطة وبتكلفة أقل بكثير من طريقة الاستخلاص من العظام أو جلود الأبقار بالطريقة القاعدية.
ثالثًا: فوائد الجيلاتين:
يستخدم في تحضير بعض الحلويات، وبعض أنواع اللبان أو العلك، ومنتجات الروب، ومسحوق الهلام (الجيلي)، ومسحوق حلوى المهلبية، والعجائن، والكعك، والفطائر، وهلام (جيلي) حفظ الفاكهة، ومنتجات الأسماك، واللحم، و (كبسولات)
стр. 2503
الأدوية، وكسوة الحبيبات لتصبح غير قابلة للذوبان السريع، والأقراص، وتحضير التحاميل بأنواعها؛ لأنه يذوب بفعل حرارة الجسم، ومعاجين الأسنان، والمراهم، والكريمات.
وهنا ننبه إلى أمر هام وهو ما يقوله المختصون بصناعة الجلاتين من أن تحديد نوع الحيوان الذي هو منشأ الجيلاتين أمر لا يمكن تحقيقه بإتباع إجراءات التفتيش الغذائي أو طرق التحليل المعتمدة في الوقت الحاضر.
وبناءً على قولهم فإن أي ملصق على أي منتج غذائي في حالة تم ذكر أنه حلال أو حرام (كذب) لعدم وجود أجهزة مخبرية تكشف أصل الجيلاتين لأي حيوان ينتمي إليه.
حكم استفادة المسلمين من عظام الحيوانات وجلودها في صناعة الجيلاتين: نقول يتوقف الحكم في هذه النازلة على نوع الحيوان الذي أخذت منه المادة، وكيف تمت ذكاته.
فإن أخذت من حيوان مأكول اللحم، مذكى ذكاة شرعية (وهو ما ذكاه المسلم أو الكتابي -يهوديًّا كان أو نصرانيًّا- وكانت ذكاته بقطع الحلقوم، والودجين) فهي طاهرة، يجوز استعمالها فيما ذكرناه في فوائد استعمال الجيلاتين.
وإن أخذت من ميتة، أو حيوان لم يذك ذكاة شرعية، أو من حيوان لا يحل أكله كالخنزير، فهي موضع خلاف بين أهل العلم، فقال بعضهم: أنه إذا استحالت النجاسة طَهُرت، وبناء عليه فإن ما يكون عينه نجسة كالخنزير مثلًا أو كان من حيوان مأكول اللحم غير أنه لا يجوز الأكل منه لكونه لم يذك، فإنه إذا استحال أصبح مادة أخرى فيجوز استعماله في الأكل والشرب وكل شيء؛ لأن عينه النجسة تحولت إلى شيء آخر، والحكم يدور مع عِلّته وجودًا وعدمًا، فالعِلَّة لم تعد موجودة هنا.
стр. 2504
وذهب بعض أهل العلم إلى أن النجاسة لا تطهر بالاستحالة، وعلى ذلك يحرم الانتفاع بها في الأكل أو الإدهانات؛ لنجاستها.
والذي يظهر لنا أنه لا يجوز الاستفادة من عظام أو جلود الحيوانات إلا إذا اجتمع فيه وصفان:
الأول: أن يكون مباحًا أكله حال الحياة، أي: مما تحله الذكاة.
الثاني: أن يذكى ذكاة شرعية، وتكون بالتسمية، وبقطع الحلقوم، والودجين.
وقد صدر من مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي (١) قرار بخصوص هذه النازلة، ومما جاء فيه ما يلي:
أولًا: يجوز استعمال الجيلاتين المستخرج من المواد المباحة، ومن الحيوانات المباحة، المذكَّاة تذكية شرعية، ولا يجوز استخراجه من محرم؛ كجلد الخنزير وعظامه وغيره من الحيوانات والمواد المحرمة.
ثانيًا: يوصي المجلس الدول الإسلامية والشركات العاملة فيها وغيرهما أن تتجنب استيراد كل المحرمات شرعًا، وأن توفر للمسلمين الحلال الطيب.
стр. 2505
النازلة التاسعة والعشرون: في البصمة الوراثية
أولًا: التعريف بالبصمة الوراثية:
لقد دلَّت الاكتشافات الطبية أنه يوجد في داخل النواة التي تستقر في خلية الإنسان (ستة وأربعون) من الصبغيات (الكروموسومات)، وكل واحد من الكروموسومات يحتوي على عدد كبير من الجينات الوراثية قد تبلغ في الخلية البشرية الواحدة إلى مئة ألف مورثة جينية تقريبًا، وهذه المورثة هي التي تتحكم في صفات الإنسان، والطريقة التي يعمل بها، بالإضافة إلى وظائف أخرى تنظيمية للجينات.
وقد أثبتت التجارب الطبية الحديثة بواسطة وسائل تقنية في غاية التطور والدقة: أنَّ لكل إنسان جينومًا بشريًّا يختص به دون سواه، لا يمكن أن يتشابه فيه مع غيره أشبه ما يكون ببصمة الأصابع في خصائصها بحيث لا يمكن تطابق الصفات الجينية بين شخص وآخر حتى وإن كانا توأمين.
ولهذا جرى إطلاق عبارة (بصمة وراثية) للدلالة على تثبيت هوية الشخص أخذًا من عينة الحمض النووي المعروف بـ (دنا- DNA) الذي يحمله الإنسان بالوراثة عن أبيه وأمه إذ أنَّ الكروموسومات، لـ (ستة وأربعين) التي يحملها كل شخص داخل كل خلية من خلايا جسمه، يرث نصفها وهي (ثلاثة وعشرين) كروموسومًا عن أبيه بواسطة الحيوان المنوي، والنصف الآخر وهي (ثلاثة وعشرين) كروموسومًا يرثها عن أمه بواسطة البويضة، وكل واحدة من هذه الكروموسومات والتي هي عبارة عن جينات الأحماض النووية (دنا) ذات شقين، يرث الشخص شقًا منها عن أبيه والشق الآخر عن أمه، فينتج عن ذلك كروموسومات خاصة به، لا تتطابق مع كروموسومات أبيه من كل وجه، ولا مع كروسومات أمه من كل وجه، وإنما جاءت
стр. 2506
خليطًا منهما، وبهذا الاختلاط اكتسب صفة الاستقلالية عن كروموسومات أي من والديه مع بقاء التشابه معهما في بعض الوجوه، لكنه مع ذلك لا يتطابق مع أي من كروموسومات والديه فضلًا عن غيرهما.
وعلماء الطب الحديث يرون أنهم يستطيعون إثبات الأبوة أو البنوة لشخص ما أو نفيه عنه من خلال إجراء فحوصات على جيناته الوراثية؛ حيث دلَّت الأبحاث الطبية التجريبية على أن نسبة النجاح في إثبات النسب قد تصل إلى قريب من القطع وذلك بنسبة (٩٩ %) تقريبًا، وفي حالة نفي النسب تصل إلى حدِّ القطع، أي: بنسبة (١٠٠ %).
وطريقة معرفة ذلك: أن يؤخذ عينة من أجزاء الإنسان بمقدار رأس الدبوس من البول، أو الدم، أو الشعر، أو المني، أو العظم، أو اللعاب، أو خلايا الكلية، أو غير ذلك من أجزاء جسم الإنسان، وبعد أخذ هذه العينة يتم تحليلها وفحص ما تحتوي عليه من كروموسومات -صبغيات- تحمل الصفات الوراثية، فبعد معرفة هذه الصفات الوراثية الخاصة بالابن وبوالديه يمكن بعد ذلك أن يثبت أنَّ بعض هذه الصفات الوراثية في الابن موروثة له عن أبيه، لاتفاقهما في بعض هذه الجينات الوراثية فيحكم عندئذ بأبوته له، أو يقطع بنفي أبوته عنه لعدم تشابههما في شيء من هذه الجينات الوراثية، فيحكم عندئذ بنفي أبوته له وكذلك الحال بالنسبة للأم.
ويرى المختصون في المجال الطبي وخبراء البصمات أنه يمكن استخدام البصمات الوراثية في مجالات كثيرة، ترجع في مجملها إلى مجالين رئيسين هما:
١ - المجال الجنائي: وهو مجال واسع يدخل ضمنه الكشف عن هوية المجرمين في حالة ارتكاب جناية قتل أو اعتداء، وفي حالات الاختطاف بأنواعها، وفي حالة انتحال شخصيات آخرين وغير ذلك.
стр. 2507
٢ - مجال النسب: وذلك في حالة الحاجة إلى إثبات البنوة أو الأبوة لشخص، أو نفيه عنه، وفي حالة اتهام المرأة بالحمل من وطء شبهة أو زنا.
ثانيًا: مدى مشروعية العمل بالبصمة الوراثية (١):
البصمة الوراثية ومدى العمل بها والاستفادة منها ومدى بناء الحكم الشرعي عليها تناولته الكثير من الأبحاث والندوات والمؤتمرات وصدرت بخصوصها القرارات العدة.
والذي نراه في هذه النازلة ما قرره مجمع الفقهي الإسلامي (٢) التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة وهذا نص القرار:
أولًا: لا مانع شرعًا من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي، واعتبارها وسيلة إثبات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص؛ لخبر: "ادْرَؤوا الحُدُودَ بالشُّبُهاتِ". وذلك يحقق العدالة والأمن للمجتمع، ويؤدي إلى نيل المجرم عقابه وتبرئة المتهم، وهذا مقصد مهم من مقاصد الشريعة.
ثانيًا: إن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لا بد أن يحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية، ولذلك لا بد أن تقدم النصوص والقواعد الشرعية على البصمة الوراثية.
ثالثًا: لا يجوز شرعًا الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على اللعان.
رابعًا: لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب
стр. 2508
الثابتة شرعًا، ويجب على الجهات المختصة منعه وفرض العقوبات الزاجرة؛ لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصونًا لأنسابهم.
خامسًا: يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات التالية:
أ- حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء، سواء أكان التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها، أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه.
ب- حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات، ومراكز رعاية الأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب.
ج- حالات ضياع الأطفال واختلاطهم، بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب، وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف على هويتها، أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين.
سادسًا: لا يجوز بيع الجينوم البشري لجنس، أو لشعب، أو لفرد، لأي غرض، كما لا تجوز هبتها لأي جهة؛ لما يترتب على بيعها أو هبتها من مفاسد.
سابعًا: يوصي المجمع بما يلي:
أ- أن تمنع الدولة إجراء الفحص الخاص بالبصمة الوراثية إلا بطلب من القضاء، وأن يكون في مختبرات للجهات المختصة، وأن تمنع القطاع الخاص الهادف للربح من مزاولة هذا الفحص؛ لما يترتب على ذلك من المخاطر الكبرى.
ب- تكوين لجنة خاصة بالبصمة الوراثية في كل دولة، يشترك فيها المتخصصون الشرعيون، والأطباء، والإداريون، وتكون مهمتها الإشراف على نتائج البصمة
стр. 2509
الوراثية، واعتماد نتائجها.
ج- أن توضع آلية دقيقة لمنع الانتحال والغش، ومنع التلوث وكل ما يتعلق بالجهد البشري في حقل مختبرات البصمة الوراثية؛ حتى تكون النتائج مطابقة للواقع، وأن يتم التأكد من دقة المختبرات، وأن يكون عدد المورثات (الجينات المستعملة للفحص) بالقدر الذي يراه المختصون ضروريًّا دفعًا للشك. والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمَّد.
стр. 2510
النازلة الثلاثون: بنوك الحليب
تمهيد: بنوك الحلِيب فكرة مُسْتَحْدَثَة لم تكن معهودة من قبل، ثم أصبحت من قضايا العصر، وقد عقدت لأجلها عدَّة ندوات، فما هي فكرة بنوك الحليب، وما مدى مشروعيتها؟
أولًا: نشأتها والتعريف بها:
نشأت بنوك الحلِيب منذ ما يقرب من ثلاثين عامًا في دول أوربا وأمريكا، وتتلخص الفكرة: في جمع اللَّبن من أمهات متبرعات، أو بأجر، ويؤخذ هذا اللَّبن بطريقة معقَّمة، ويحفظ في قوارير معقَّمة بعد تعقيمه مرَّة أخرى في بنوك الحلِيب.
فالبنك إذًا يقوم بجمع لبن الأمَّهات عن طريق التَّبَرُّع، أو البيع ثم تبريده، وحفظه في ثلاجات لمدَّة تصل إلى ثلاثة أشهر، أو تجفيفه، وإعطائه للأطفال المحتاجين للرَّضاعَة الطَّبيعيَّة.
ثانيًا: الحكم الشرعي لهذه النازلة:
لما كانت هذه المسألة من المسائل الحديثة، فقد اختلفت فيها أنظار أهل العلم فمنهم من أجازها بلا قيد ومنهم من أجازها بقيود منها:
١ - أن تكون الأم صاحبة اللَّبن سليمة البدن ذات عقل راجح؛ لأن للرضاع تأثيرًا في نمو عقل الأطفال، فالمرضعة السكرى، أو المجنونة، أو الَّتي تتغذى على لحوم الخنازير، أو الَّتي تتناول المخدرات، وما إلى ذلك يجب اجتناب لبنها.
٢ - يجب التأكد بواسطة العلماء المختصِّين من احتواء اللَّبن على كل عناصر الغذاء المطلوبة لنمو الطِّفل وإلا لا فائدة من استعماله.
стр. 2511
٣ - ألَّا يؤخذ من لبَن الأم المتبرعة أو المستأجرة أكثر من مرَّتين، حتَّى لا يكون في ذلك إضرار بالطِّفل صاحب اللبن، أما إذا فطمت الأم ولدها أو توفي أو أصيب بمرض منعه الرَّضاع، فلا حرج على الأم عندئذ أن تهب أو تبيع لبنها.
٤ - تدوين أسماء الأمهات المتبرعات، أو عمل سجل خاص بكل أم إن أمكن ذلك؛ لتتأكد الجهة المختصة من خلاله استيفاء جميع الضوابط المذكورة سابقًا، وحبذا استعمال أجهزة الحاسوب في ذلك.
٥ - تقوم الجهة المختصة بتقسيم اللَّبن إلى نوعين:
الأول: اللَّبن الطازج: وهو نوعان:
أ- نوع خاص: وذلك بجمع لبن كل أم في قارورة خاصة مع كتابة اسمها، وبياناتها عليها، أو تدوين ذلك في شهادة ميلاد الطِّفل بحيث يمكنه التحري -فيما بعد- من الوقوع في حرمة الزَّواج من أخواته من الرَّضاع وفي هذا النوع -إذا تم- لا تكون بحاجة إلى بيان حكم التحليل، أو التَّحريم ألبتة.
ب- الثَّاني نوع عام: وذلك بجمع لبن الأمهات مختلطًا عند تعذر الكتابة والتدوين، واستعماله حال الضرورة فيما لو كان اللَّبن الصناعي غير كاف، أو ملوثًا بمواد سامة، أو غير مناسب لتغذية هؤلاء الأطفال، أو عقب الكوارث الَّتي يقدرها الله على بعض الأقطار الإسلاميَّة كالزلازل الشديدة الَّتي تحول دون وصول المساعدات العاجلة، أو الحروب الَّتي تمنع وصول الألبان الصِّناعيَّة ... إلخ.
الثَّاني: اللَّبن المجفف:
وهو ما يمكن الاحتفاظ به لفترات طويلة بعد معالجته، والاحتفاظ به في صورة (بودرة) تخلط بالماء عند الاستعمال، أو يخلط بالطعام أو الدواء، فيأخذ حكم اللَّبن
стр. 2512
المشروب ويستعمل ضرورة للأطفال الخدج، أو الطبيعيين مع مراعاة الضوابط المذكورة سابقًا.
والذي نراه بعد النظر في الأقوال وأدلتها أن الصواب هو التحريم، فلا يجوز إنشاء هذه البنوك وذلك لعدة أوجه:
الأول: بإنشاء مثل هذه البنوك تعم الفوضى، فقد يتزوج الرجل امرأة يكون قد ارتضع منها أو من لبن ابنتها أو من لبن أمها وهذه مفسدة عظيمة تفضي إلى اختلاط الأنساب، فتمنع سدًّا للذريعة، وقد تقرر في القواعد أن سد الذريعة من أصول هذه الشريعة.
الثاني: أن حفظ النسل من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بها، فأي سببٍ يفضي إلى ضياع النسل واختلاطه، فإنه لا بد أن يمنع محافظة على هذه الضرورة، وهذا اللبن في البنوك المسماة لا يعرف لبن أي امرأة ولا ندري من الطفل الذي سيرتضع منه، وحفظ النسل واجب والتسبب في اختلاطه وإضاعته محرم، وقد تقرر في القواعد أن ما لا يتم ترك الحرام إلا به فتركه واجب وفعله محرم.
الثالث: أن القول بجواز إنشاء هذه البنوك فيه إقدام على مفاسد متحققة من أجل مراعاة مفاسد متوهمة، فإن ارتضاع الطفل يمكن باستئجار مرضعة إن لم تكن أمه موجودة، أو عن طريق الحليب الصناعي فإنه يسد الغرض مع أنه لا يقوم مقام لبن الأم، وبناءً عليه فإنشاء هذه البنوك لا ضرورة تدعو له ولا حاجة لها أصلًا فالإقدام عليها إقدام على مفاسد متحققة من أجل دفع مفاسد متوهمة، والمتقرر في القواعد أنه لا يجوز الإقدام على المفاسد المتحققة من أجل دفع المفاسد المتوهمة وهذا واضح.
الرابع: أن الفائدة من إنشاء هذه البنوك إغاثة الأطفال ونفعهم بحليب النساء فإنه لا يقوم مقامه شيء في فائدته وله عوائده الطيبة في الحال والمآل، وهذا من باب
стр. 2513
تحقيق المصلحة، فالقول بإنشائها فيه تحقيق مصلحة، والقول بإلغائها وسد أبوابها فيه دفع لمفسدة عظيمة وهي اختلاط النسل وضياع الأمور وفساد المجتمع، فالقول بجوازها فيه تحقيق مصلحة، والقول بعدمها فيه درء للمفسدة، وقد تقرر في القواعد أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح (١).
وقد صدر من مجمع الفقه الإسلامي (٢) قرار بحرمة بنوك الحليب ومما جاء فيه ما نصه:
١ - أن بنوك الحليب تجربة قامت بها الأمم الغربية، ثم ظهرت مع التجربة بعض السلبيات الفنية والعلمية فيها فانكمشت وقل الاهتمام بها.
٢ - أن الإسلام يعتبر الرضاع لحمة كلحمة النسب، يحرم به ما يحرم من النسب بإجماع المسلمين، ومن مقاصد الشريعة الكلية المحافظة على النسب، وبنوك الحليب مؤدية إلى الاختلاط أو الريبة.
٣ - أن العلاقات الاجتماعية في العالم الإسلامي توفر للمولود الخداج -إلقاء المرأة ولدها قبل أوانه لغير تمام الأيام، وإن كان تام الخلق- أو ناقص الوزن أو المحتاج إلى اللبن البشري في الحالات الخاصة ما يحتاج إليه من الاسترضاع الطبيعي، الأمر الذي يغني عن بنوك الحليب. وبناء على ذلك قرر:
أولًا: منع إنشاء بنوك حليب الأمهات في العالم الإسلامي.
الثاني: حرمة الرضاع منها.
стр. 2514
النازلة الحادية والثلاثون: نقل الدم
إذا مرض إنسان واشتد ضعفه ولا سبيل لتقويته أو علاجه إلا بنقل دم من غيره إليه، فهل يشرع لغيره أن يتبرع له من دمه؟
نقول إذا مرض إنسان واشتد ضعفه ولا سبيل لتقويته أو علاجه إلا بنقل دم من غيره إليه وتعين ذلك طريقًا لإنقاذه، وغلب على ظن أهل المعرفة انتفاعه بذلك، فلا بأس بعلاجه بنقل دم غيره إليه، ولو اختلف دينهما، فينقل الدم من كافر ولو حربيًّا لمسلم، وينقل من مسلم لكافر غير حربي، أما الحربي فنفسه غير معصومة فلا تجوز إعانته، بل ينبغي القضاء عليه إلا إذا أُسِر؛ فلإمام المسلمين أو نائبه أن يفعل به ما يراه مصلحة للمسلمين؛ من قتل أو استرقاق، أو مَنٍّ عليه، أو قبول فداء منه أو من أوليائه، وإلا إذا أمّن فيجار حتى تبيّن له الحجة، فإن آمن فيها وإلا بلغ مأمنه.
الأصل في هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وقوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
وجه الدلالة من هذه الآيات أنها أفادت أنه إذا توقف شفاء المريض أو الجريح وإنقاذ حياته على نقل الدم إليه من (شخص) آخر بأن لا يوجد من (الأغذية والأدوية المباحة) ما يقوم مقامه في شفائه وإنقاذ حياته جاز نقل الدم إليه، وهذا في الحقيقة من باب الغذاء لا من باب الدواء (واستعمال الغذاء المحرّم عند الضرورة جائز كأكل الميتة للمضطر)، ولا يكون هذا التبرع إلا بشروط هي:
стр. 2515
١ - ألا يترتب على المتبرع عند نقله منه ضرر فاحش؛ لعموم قوله ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" (١).
٢ - أن يكون المتبرع له معصوم الدم فينقل الدم من كافر ولو حربيًّا لمسلم، وينقل من مسلم لكافر غير حربي، أما الحربي فنفسه غير معصومة فلا يجوز نقل الدم له.
٣ - أن يكون الدم خاليًا من الأمراض المعدية.
٤ - أن تكون هناك ضرورة للمتبرع له بحيث تتوقف حياته إذا كان مريضًا أو جريحًا على نقل الدم؛ وذلك لأن الدم عند أكثر أهل العلم نجس، فلا يجوز التداوي به إلا إذا خشي على نفسه الهلاك فيجوز، مثل الميتة.
٥ - أن يكون الدم بلا عوض، فإن كان بعوض حرم أخذ العوض؛ لأن الله إذا حرَّم شيئًا حرم ثمنه، فإن تعذر حصوله على الدم بلا عوض جاز له أن يشتري ويدفع الثمن للضرورة، لكن الذي يبيع الدم هو الذي يأثم ولا يجوز له أن يأخذ الثمن.
وقد صدرت عدة قرارات بخصوص مدى مشروعية التبرع بالدم منها مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن رابطة العالم الإِسلامي (٢)، ومما جاء فيه: "نقل الدم لا يحصل به التحريم، وأن التحريم خاص بالرضاع. أما حكم أخذ العوض عن الدم وبعبارة أخرى: بيع الدم، فقد رأى المجلس: أنه لا يجوز؛ لأنه من المحرمات
стр. 2516
المنصوص عليها في القرآن الكريم، مع الميتة ولحم الخنزير، فلا يجوز بيعه وأخذ عوض عنه، وقد صح في الحديث: "إنَّ الله تعالى إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثَمَنَهُ". كما صح أنه ﷺ نهى عن بيع الدم، ويستثنى من ذلك حالات الضرورة إليه؛ للأغراض الطبية ولا يوجد من يتبرع به إلا بعوض، فإن الضرورات تبيح المحظورات، بقدر ما ترفع الضرورة، وعندئذ يحل للمشتري دفع العوض، ويكون الإثم على الآخذ، ولا مانع من إعطاء المال على سبيل الهبة أو المكافأة؛ تشجيعًا على القيام بهذا العمل الإنساني الخيري؛ لأنه يكون من باب التبرعات، لا من باب المعاوضات".
стр. 2517
النازلة الثانية والثلاثون: إنشاء بنوك الدم
من الأشياء المستحدثة في هذا العصر ما يسمى ببنوك الدم، وهي من ضرورات العصر لدعاء الضرورة الملحة له، وهو المعمول به في كل بلاد الدنيا؛ لا سيما مع كثرة الحوادث والحروب في هذه الأزمنة، ويدخل هذا الفرع تحت تحقيق مقصد حفظ النفوس، وقد تواترت الأدلة على ضرورة حفظ النفس.
وصدر من هيئة كبار العلماء قرار ومما جاء فيه (١):
أولًا: يجوز أن يتبرع الإنسان من دمه بما لا يضره عند الحاجة إلى ذلك لإسعاف من يحتاجه من المسلمين.
ثانيًا: يجوز إنشاء بنك إسلامي لقبول ما يتبرع به الناس من دمائهم وحفظ ذلك لإسعاف من يحتاج إليه من المسلمين، على أن لا يأخذ البنك مقابلا ماليًا عن المرضى أو أولياء أمورهم عوضًا عما يسعفهم به من الدماء، وألا يتخذ ذلك وسيلة تجارية للكسب؛ لما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين.
стр. 2518
النازلة الثالثة والثلاثون: منع الحمل الجراحي
عمليات منع الحمل الجراحي: وهي التي تعرف بعمليات التعقيم التي تجري في الأغلب للنساء وفي الأقل للرجال، فهذه العمليات من المحدثات التي ظهرت في عصرنا الحاضر.
وهذا النوع من التعقيم؛ الناس فيه على صنفين:
الصنف الأول: وهو ما يلجأ إليه الطبيب حين يتبين له أن حملًا جديدًا لامرأة بذاتها هو بمثابة إلقاء بالمرأة إلى التهلكة، ومواضع ذلك أمور فنية يعلمها الأطباء.
حكم هذا الصنف:
يجوز فيه إجراء التعقيم إن قبلت به المرأة وزوجها بعد البيان الشافي والنصح الوافي من الطبيب، فإن رفضا فقد أبرأ الطبيب ذمته وترك الأصلح لما يليه.
الصنف الثاني: وهو ما يلجأ إليه الزوجان من أجل تحديد حجم الأسرة بما تم إنجابه من أطفال لأسباب اجتماعية أو اقتصادية.
حكم هذا الصنف:
لا يجوز إجراء الجراحة التي تؤدي إلى عقم المرأة، وقد سبق بيان ذلك مفصلًا في نازلة الحكم الشرعي في تحديد النسل، بل لا يجوز للطبيب إجراء مثل هذه العملية حتى لو قبل المريض وتحمل المسؤولية ودفع الأتعاب؛ لأن هذا من التعاون على فعل محرم، وقد قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
стр. 2519
النازلة الرابعة والثلاثون: رتق غشاء البكارة
أولًا: التعريف بغشاء البكارة:
البكارة: فعالة من البكر، وهو أوّل كلِّ شيء، والمرأة البكر هي العذراء، وهي التي لم تجامع بنكاح ولا غيره، وعلامة ذلك غشاء رقيق يغلق الفتحة الفرجية لدى الفتاة يزول عند الوطء، وينتج عن ذلك نقطة أو نقطتان من الدم.
وليس وجود الغشاء أو عدم وجوده دليل حتمي قاطع على حصول الوطء، فإن بعض البنات يولدن دون غشاء بكارة، كما قد تكون فتحة غشاء البكارة واسعة خلقةً لا تتأثر بالوطء، كما أن تمزقه قد يحصل نتيجة حادث عادي، وقد تحتاج المرأة لإجراء عملية لفتح غشاء بكارة مقفل يمنع خروج دم الحيض، ولكنه مع ذلك قرينة تدل على حصول الوطء من عدمه.
ثانيًا: حكم رتق غشاء البكارة:
اتفق الفقهاء أنَّه إذا تمزق غشاء البكارة بسبب وطء في عقد نكاح صحيح أنَّه يحرم رتقه سواء كانت المرأة متزوجة أو مطلقة أو أرملة؛ لأنه بذلك لا مصلحة فيه.
وكذلك اتفقوا أيضًا أنه إذا تمزق غشاء البكارة بسبب زنى اشتهر بين الناس إما نتيجة صدور حكم على الفتاة بالزنى أو لتكرره منها واشتهارها به، فإنه يحرم على الطبيب رتق عشاء البكارة، لعدم المصلحة واشتماله على المفسدة.
واختلفوا في حكم رتق غشاء البكارة إذا كان سبب التمزق حادثًا ليس وطئًا، أو إذا كان بسبب زنى لم يشتهر بين الناس على قولين:
الأول: أنه لا يجوز الرتق مطلقًا، واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
стр. 2520
١ - أن رتق غشاء البكارة يسّهل ارتكاب الزنى، وفيه اطلاع على العورة دون موجب ضروري.
٢ - أنه قد يؤدي إلى اختلاط الأنساب، إذ قد تحمل المرأة من جماع سابق، ثم تتزوج بعد الرتق فيلحق الحمل بالزوج.
٣ - أنه نوع من غش الزوج والغش محرم.
٤ - أنه إذا اجتمعت المصالح والمفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك، وإن تعذر الدرء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة. وتطبيقًا لهذه القاعدة فإننا إذا نظرنا إلى رتق غشاء البكارة وما يترتب عليه من مفاسد حكمنا بعدم جواز الرتق لعظيم المفاسد المترتبة عليه.
٥ - أن من قواعد الشريعة الإِسلامية أن الضرر لا يزال بالضرر، وبناء على ذلك لا يجوز للفتاة أن تزيل الضرر عنها برتق الغشاء وتلحقه بالزوج.
٦ - أن مبدأ رتق غشاء البكارة مبدأ غير شرعي؛ لأنه نوع من الغش، والغش محرم شرعًا.
٧ - أن رتق غشاء البكارة يفتح الباب للأطباء أن يلجؤوا إلى إجراء عمليات الإجهاض، وإسقاط الأجنّة بحجة السّتر. وأما الضرر اللاحق بالمرأة فيكفي في منعه إعطاؤها شهادة طبيّة بحقيقة حالها.
القول الثاني: أنه يجوز في هذه الحالات، أي: (إذا كان سبب التمزق حادثًا ليس وطئًا أو إذا كان بسبب زنى لم يشتهر بين الناس)، واستدلوا لقولهم بأدلة منها:
١ - أن النصوص الشرعية دالة على مشروعية الستر وندبه، ورتق غشاء البكارة معين على تحقيق ذلك في الأحوال التي حكمنا بجواز فعله فيها.
стр. 2521
٢ - أن المرأة البريئة من الفاحشة إذا أجزنا لها فعل جراحة الرتق قفلنا باب سوء الظن فيها، فيكون في ذلك دفع للظلم عنها، وتحقيق لما شهدت النصوص الشرعية باعتباره وقصده من حسن الظن بالمؤمنين والمؤمنات.
٣ - أن رتق غشاء البكارة يوجب دفع الضرر عن أهل المرأة، فلو تركت المرأة من غير رتق واطلع الزوج على ذلك لأضرها، وأضر بأهلها، وإذا شاع الأمر بين الناس فإن تلك الأسرة قد يمتنع من الزواج منهم؛ فلذلك يشرع لهم دفع الضرر لأنهم بريئون من سببه.
٤ - أن قيام الطبيب المسلم بإخفاء تلك القرينة الوهمية في دلالتها على الفاحشة له أثر تربوي عام في المجتمع، وخاصة فيما يتعلق بنفسية الفتاة.
٥ - أن مفسدة الغش في رتق غشاء البكارة ليست موجودة في الأحوال التي حكمنا بجواز الرتق فيها.
والذي يترجح عندنا هو القول بجواز رتق غشاء البكارة وبخاصة للمغصوبة والتائبة لما يترتب عليه من مصلحة هي أعلى من المفسدة (١).
стр. 2522
النازلة الخامسة والثلاثون: ما يسمى بموت الرحمة
المقصود بموت الرحمة:
هو الموت السهل أو الرحيم، أو الموت الهادئ بدون ألم، أو بمعنى آخر هو تيسير موت الشخص الميئوس من شفائه، وهو في انتظار موته المحقق لا يتحمل الألم، فيلح على الطبيب المعالج إنهاء حياته بطريقة خالية من الألم.
ويعرف موت الرحمة من الناحية القانونية تحت اصطلاح (قتل الرحمة)، وهو فعل أو ممارسة ما يسهل موت الأشخاص الذين يعانون من أمراض مستعصية من شفائها فهو: (القتل بدافع الشفقة أو الرحمة)؛ لتخليص مريض لا يرجى شفاؤه من آلامه المبرحة التي لا تطاق ..
الحكم الشرعي لما يسمى بموت الرحمة:
لا يجوز قتل المريض الذي يأس من شفائه إشفاقًا له أو لمنع انتقال مرضه إلى غيره، بل ويحرم على المريض أن يقتل نفسه تخلصًا من الألم والواجب عليه الصبر، ويحرم على غيره قتله حتى لو أذن له في قتله، فالأول انتحار، والثاني عدوان على الغير بالقتل، وإذنه لا يحلل الحرام، فهو لا يملك روحه حتى يأذن لغيره أن يقضي عليها. فقتل الرحمة ليس من الحق، بل من المحرم قطعًا وفقًا للنصوص الشرعية.
والواجب على الطبيب تقديم العلاج اللازم له والنتائج بعد ذلك على الله .
وقد قرر المجمع الفقهي الإسلامي (١) في دورته السابعة المنعقدة بجدة رفضه بشدة لما يسمى (قتل الرحمة)، بأي حال من الأحوال، وأن العلاج في الحالات
стр. 2523
الميئوس منها يخضع للتداوي والعلاج، والأخذ بالأسباب التي أودعها الله في الكون. ولا يجوز شرعًا اليأس من روح الله أو القنوط من رحمته، بل ينبغي بقاء الأمل في الشفاء بإذن الله.
стр. 2524
النازلة السادسة والثلاثون: الترقيع الجلدي
ترقيع الجلد:
هي طريقة جراحية لتغطية الجروح التي على سطح الجسم بالجلد، أو هي عمليات جراحية يقصد منها نقل الجلد السليم من أحد أعضاء جسم المريض؛ لتغطية الجرح في جزء آخر من الجسم.
حكم هذه النازلة:
يجوز ترقيع جلد الآدمي بأجزاء من جلده، بشرط أن تكون المصلحة في ذلك أعظم من ترك الجزء.
أما ترقيع جلد الآدمي بجلد إنسان آخر فهو محل خلاف بين أهل العلم كما سبق بيان ذلك في نازلة حكم التبرع بالأعضاء، والذي يظهر لنا جواز ذلك، وهو ما أوصت به بعض المنظمات الإسلامية ومنها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت (١)؛ حيث جاء في توصياتها ما يلي:
أولًا: الترقيع الجلدي:
١ - للآدمي مسلمًا وغير مسلم حرمة ذاتية. وتكريم الآدمي والحفاظ على حرمته مقصد من مقاصد الشريعة؛ لذا فإن عمليات الترقيع الجلدي الجائزة بالشروط المبينة فيما يلي، لا تتنافى مع هذا المقصد بل تحققه وترسخه.
٢ - الجلد عضو حي ينطبق عليه من حيث النقل ما ينطبق على نقل الأعضاء وزرعها طبقًا لما قررته المجامع الفقهية.
стр. 2525
٣ - عمليات الترقيع الجلدي برقعة من مصدر آدمي ربما تكون ضرورة شرعية تخضع في أحكامها للشروط العامة للضرورة.
٤ - الرقعة الجلدية المأخوذة من مصدر آدمي حي أو ميت، ذاتية (من الشخص لنفسه)، أو مثلية (من آدمي لآدمي) طاهرة شرعًا.
٥ - يتوقف جواز عمليات الترقيع الجلدي برقعة من مصدر آدمي على توافر الشروط التالية:
أ - أن يكون الترقيع الجلدي هو الوسيلة الطبية الوحيدة الممكنة لعلاج المريض.
ب- أن لا يتسبب نزع الجلد في حالة التبرع من الحي في ضرر يماثل ضرر المتبرع له أو يفوقه.
ج- أن يبلغ نجاح عملية الترقيع حد غلبة الظن.
د- أن يكون الحصول على الجلد الآدمي عن غير طريق البيع أو الإكراه أو التغرير، ولا مانع من بذل المال من قبل المحتاج من أجل الحصول على الجلد اللازم إذا لم يجد متبرعًا.
٦ - الرُّقَع الجلدية المأخوذة من حيوان طاهر مذكىً حسب الشروط الشرعية مصدر يبيحه الشرع.
٧ - الرُّقَع الجلدية المأخوذة من حيوان غير مأكول (باستثناء الكلب والخنزير) يجوز الترقيع بها إن ذكيّ تذكية شرعية.
٨ - الرقع الجلدية المأخوذة من الميتة أو من حيوان حي نجسة لا يجوز استخدامها إلا عند الضرورة.