← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

٢ - أن المرأة البريئة من الفاحشة إذا أجزنا لها فعل جراحة الرتق قفلنا باب سوء الظن فيها، فيكون في ذلك دفع للظلم عنها، وتحقيق لما شهدت النصوص الشرعية باعتباره وقصده من حسن الظن بالمؤمنين والمؤمنات. ٣ - أن رتق غشاء البكارة يوجب دفع الضرر عن أهل المرأة، فلو تركت المرأة من غير رتق واطلع الزوج على ذلك لأضرها، وأضر بأهلها، وإذا شاع الأمر بين الناس فإن تلك الأسرة قد يمتنع من الزواج منهم؛ فلذلك يشرع لهم دفع الضرر لأنهم بريئون من سببه. ٤ - أن قيام الطبيب المسلم بإخفاء تلك القرينة الوهمية في دلالتها على الفاحشة له أثر تربوي عام في المجتمع، وخاصة فيما يتعلق بنفسية الفتاة. ٥ - أن مفسدة الغش في رتق غشاء البكارة ليست موجودة في الأحوال التي حكمنا بجواز الرتق فيها. والذي يترجح عندنا هو القول بجواز رتق غشاء البكارة وبخاصة للمغصوبة والتائبة لما يترتب عليه من مصلحة هي أعلى من المفسدة (١).

стр. 2522

النازلة الخامسة والثلاثون: ما يسمى بموت الرحمة المقصود بموت الرحمة: هو الموت السهل أو الرحيم، أو الموت الهادئ بدون ألم، أو بمعنى آخر هو تيسير موت الشخص الميئوس من شفائه، وهو في انتظار موته المحقق لا يتحمل الألم، فيلح على الطبيب المعالج إنهاء حياته بطريقة خالية من الألم. ويعرف موت الرحمة من الناحية القانونية تحت اصطلاح (قتل الرحمة)، وهو فعل أو ممارسة ما يسهل موت الأشخاص الذين يعانون من أمراض مستعصية من شفائها فهو: (القتل بدافع الشفقة أو الرحمة)؛ لتخليص مريض لا يرجى شفاؤه من آلامه المبرحة التي لا تطاق .. الحكم الشرعي لما يسمى بموت الرحمة: لا يجوز قتل المريض الذي يأس من شفائه إشفاقًا له أو لمنع انتقال مرضه إلى غيره، بل ويحرم على المريض أن يقتل نفسه تخلصًا من الألم والواجب عليه الصبر، ويحرم على غيره قتله حتى لو أذن له في قتله، فالأول انتحار، والثاني عدوان على الغير بالقتل، وإذنه لا يحلل الحرام، فهو لا يملك روحه حتى يأذن لغيره أن يقضي عليها. فقتل الرحمة ليس من الحق، بل من المحرم قطعًا وفقًا للنصوص الشرعية. والواجب على الطبيب تقديم العلاج اللازم له والنتائج بعد ذلك على الله . وقد قرر المجمع الفقهي الإسلامي (١) في دورته السابعة المنعقدة بجدة رفضه بشدة لما يسمى (قتل الرحمة)، بأي حال من الأحوال، وأن العلاج في الحالات

стр. 2523

الميئوس منها يخضع للتداوي والعلاج، والأخذ بالأسباب التي أودعها الله في الكون. ولا يجوز شرعًا اليأس من روح الله أو القنوط من رحمته، بل ينبغي بقاء الأمل في الشفاء بإذن الله.

стр. 2524

النازلة السادسة والثلاثون: الترقيع الجلدي ترقيع الجلد: هي طريقة جراحية لتغطية الجروح التي على سطح الجسم بالجلد، أو هي عمليات جراحية يقصد منها نقل الجلد السليم من أحد أعضاء جسم المريض؛ لتغطية الجرح في جزء آخر من الجسم. حكم هذه النازلة: يجوز ترقيع جلد الآدمي بأجزاء من جلده، بشرط أن تكون المصلحة في ذلك أعظم من ترك الجزء. أما ترقيع جلد الآدمي بجلد إنسان آخر فهو محل خلاف بين أهل العلم كما سبق بيان ذلك في نازلة حكم التبرع بالأعضاء، والذي يظهر لنا جواز ذلك، وهو ما أوصت به بعض المنظمات الإسلامية ومنها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت (١)؛ حيث جاء في توصياتها ما يلي: أولًا: الترقيع الجلدي: ١ - للآدمي مسلمًا وغير مسلم حرمة ذاتية. وتكريم الآدمي والحفاظ على حرمته مقصد من مقاصد الشريعة؛ لذا فإن عمليات الترقيع الجلدي الجائزة بالشروط المبينة فيما يلي، لا تتنافى مع هذا المقصد بل تحققه وترسخه. ٢ - الجلد عضو حي ينطبق عليه من حيث النقل ما ينطبق على نقل الأعضاء وزرعها طبقًا لما قررته المجامع الفقهية.

стр. 2525

٣ - عمليات الترقيع الجلدي برقعة من مصدر آدمي ربما تكون ضرورة شرعية تخضع في أحكامها للشروط العامة للضرورة. ٤ - الرقعة الجلدية المأخوذة من مصدر آدمي حي أو ميت، ذاتية (من الشخص لنفسه)، أو مثلية (من آدمي لآدمي) طاهرة شرعًا. ٥ - يتوقف جواز عمليات الترقيع الجلدي برقعة من مصدر آدمي على توافر الشروط التالية: أ - أن يكون الترقيع الجلدي هو الوسيلة الطبية الوحيدة الممكنة لعلاج المريض. ب- أن لا يتسبب نزع الجلد في حالة التبرع من الحي في ضرر يماثل ضرر المتبرع له أو يفوقه. ج- أن يبلغ نجاح عملية الترقيع حد غلبة الظن. د- أن يكون الحصول على الجلد الآدمي عن غير طريق البيع أو الإكراه أو التغرير، ولا مانع من بذل المال من قبل المحتاج من أجل الحصول على الجلد اللازم إذا لم يجد متبرعًا. ٦ - الرُّقَع الجلدية المأخوذة من حيوان طاهر مذكىً حسب الشروط الشرعية مصدر يبيحه الشرع. ٧ - الرُّقَع الجلدية المأخوذة من حيوان غير مأكول (باستثناء الكلب والخنزير) يجوز الترقيع بها إن ذكيّ تذكية شرعية. ٨ - الرقع الجلدية المأخوذة من الميتة أو من حيوان حي نجسة لا يجوز استخدامها إلا عند الضرورة.

стр. 2526

٩ - الرقع الجلدية المأخوذة من الكلب أو الخنزير لا يجوز استخدامها إلا عند عدم وجود البديل الجائز شرعًا وعند الضرورة، شريطة أن تكون مؤقتة. ١٠ - يجوز إنشاء بنك لحفظ جلد الآدمي مع مراعاة ما يلي: أ- أن يكون البنك بيد الدولة أو هيئة مؤتمنة تحت إشراف الدولة. ب- أن يكون الاختزان للجلود الآدمية على قدر الحاجة، الواقعية والمتوقعة. ج- أن تحترم قطع الجلد التي يستغنى عنها، فتدفن ولا تلقى في مصبِّ الفضلات.

стр. 2527

النازلة السابعة والثلاثون: أحكام التخدير الجراحي أولًا: تعريف التخدير وأنواعه: التخدير: هو وضع المريض بحالة فقدان الوعي بحيث يتمكن الطبيب الجراح من القيام بالعملية الجراحية. ويعتبر التخدير وسيلة مساعدة في مجال الجراحة وليس وسيلة علاجية حيث يخدم في: ١ - تجنيب المريض الإحساس بالألم، وبالتالي تجنيب الجراح بذل جهد أكبر كي لا يسبب مزيدًا من الألم للمريض، وبالتالي يوجه كل جهده وتركيزه على العملية الجراحية. ٢ - ارتخاء العضلات يسهل عمل الجراح. أما مهمة طبيب التخدير: فهي تكون بوضع المريض تحت تأثير التخدير قبل العملية الجراحية، والحفاظ على التخدير خلال فترة العملية، ثم إفاقة المريض من التخدير بعد العملية الجراحية، ويتم ذلك بواسطة استنشاق المريض لخليط من الأوكسجين وعوامل التخدير باستخدام جهاز التخدير. يعتبر جهاز التخدير من أجهزة الخطورة العالية ويتواجد في غرف العمليات. أنواع التخدير: * الموضعي: وهو الذي يسبب زوال الحس في منطقة محدودة من الجسم. * العام: وهو الذي يسبب ضياع الإدراك وفقدان الحس التام في سائر الجسم.

стр. 2528

ثانيًا: الحكم الشرعي: بالنسبة لمشروعية التخدير الجراحي فإن الطبيب يحتاج أثناء قيامه بمهمة الجراحة الطبية إلى سكون المريض وعدم حركته كي يستطيع القيام بمهمته، ولا تخلو الحاجة إلى التخدير في الجراحة الطبية من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تصل إلى مقام الضرورة: وهي الحالة التي يستحيل فيها إجراء الجراحة الطبية بدون تخدير كما في جراحة القلب المفتوح ونحوها من أنواع الجراحة الخطيرة والتي إذا لم يخدر فيها المريض فإنه سيموت في أثناء الجراحة أو بعدها بقليل. وحكم هذه الحالة: جواز فعل التخدير؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات. الحالة الثانية: أن تصل إلى مقام الحاجة: وهي الحالة التي لا يستحيل فيها إجراء الجراحة الطبية بدون تخدير، ولكن المريض يلقى فيها مشقة فادحة لا تصل به إلى درجة الموت والهلاك، وهي الحالة المتوسطة، ومن أمثلتها جراحة بتر الأعضاء. وحكم هذه الحالة: جواز فعل التخدير أيضًا؛ لأن الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة. الحالة الثالثة: وهي التي لا تصل إلى مقام الضرورة والحاجة: حيث يمكن فيها إجراء الجراحة الطبية دون أن يخدر الشخص المريض ويلقى فيها بعض الآلام البسيطة التي يمكنه الصبر عليها دون أن تلحق به مشقة فادحة في الغالب، ومن أمثلتها: قلع السن في بعض حالاته. وحكم هذه الحالة: أنه يرخص في اليسير من المخدر في التداوي بناء على نص الفقهاء المتقدمين على جواز استعمال المخدر في التداوي.

стр. 2529

وهنا لا بد من التنبيه على أنه لا يجوز للمخدر أن يختار طريقة أشد ضررًا من غيرها متى أمكن التخدير بالطريقة التي هي أقل منها ضررًا، كما لا يجوز له أن يعدل إلى التخدير عن طريق العورة "فتحة الشرج" متى أمكن التخدير عن طريق الوريد ونحوه؛ لأن العورة لا يستباح كشفها إلا عند الحاجة وانعدام البديل. ثالثًا: بعض الأحكام المترتبة على التخدير: خلاصة هذه الأحكام فيما يلي: الأول: أن الأصل في التخدير المنع إلا إذا دعت له الضرورة أو الحاجة المنزلة منزلة الضرورة، فيجوز منه المقدار الذي يندفع به الضرر ويتحقق معه المقصود. الثاني: لا يعتبر إقرار المريض أثناء التخدير الجراحي وبعيد الإفاقة إقرارًا صحيحًا؛ نظرًا لأن شرط صحة الإقرار أن يكون المقر عاقلًا يدري ما يقول، ومن المعلوم أن المخدر فاقد للإدراك والشعور، ومن ثم فلا يصح إقراره لتخلف شرط القبول. الثالث: لو أن المريض في حال تخديره تلفظ بكلمة الردة فإنه لا ينطبق عليه حكمها؛ لأنه غير مدرك لما يقول؛ لأن التقرر في شروط التكفير أن تصدر كلمة الكفر من العاقل والمخدر زائل العقل في حال تخديره. الرابع: متى طلق المريض أثناء تخديره فإن طلاقه غير معتبر، وذلك لكونه فاقدًا لعقله على وجهٍ يعذر فيه شرعًا، ومن ثم فإن طلاقه لا يقع ولا يصح منه؛ لأنه كالمجنون والنائم، وقد أجمع أهل العلم على أن طلاق المجنون والنائم لا يقع فكذلك المريض المخدر بجامع فقد كل منهما للعقل بسبب مباح ومعذورٍ فيه شرعًا.

стр. 2530

الخامس: المريض إذا خدره الأطباء تخديرًا كاملًا، وفاتت عليه بعض فروض الصلاة، فإنه يجب عليه إذا أفاق ورجع له ذهنه أن يبادر بقضائها، والأمر بالقضاء على الفورية؛ وذلك لأن المريض حال تخديره بمنزلة النائم، وإذا أمكن ألا يخدر المريض إلا بعد الصلاة إذا كان الوقت قريبًا فهو الأفضل، وإذا كانت هذه الصلاة تجمع لما بعدها وكانت مدة التخدير ستطول إلى ما بعد وقت الفريضة الثانية، فللمريض أن يجمع بين الصلاتين جمع تقديم قبل تخديره؛ لأن الجمع رخصة عارضة لرفع الحرج (١).

стр. 2531

النازلة الثامنة والثلاثون: حكل التصوير بالأشعة التصوير بالأشعة: هو تصوير تلتقط من خلاله صور عن طريق آلات التصوير التي تقوم برسم الأجزاء الداخلية من جسم الإنسان. وقد ثبت علميًّا من خلال ما ذهب إليه أهل الطب ضرر الأشعة السينية على الجلد والنخاع الشوكي والغدد الجنسية، بل أشارت بعض المصادر الطبية المختصة إلى أنها قد تتسبب في الإصابة بالسرطان. ونظرًا لوجود هذه الأضرار، فإن الأصل حرمة استعمالها إلا لحاجة فعلى الطبيب أن يتولى النظر في مفسدة تعريض المريض للأشعة ومفسدة المرض المشتكى منه ثم يقارن بينهما فإن غلبت مصلحة الأشعة أقدم وإلا فلا، وإذا احتيج إلى الأشعة فيقتصر على القدر الكافي دون زيادة.

стр. 2532

النازلة التاسعة والثلاثون: الكحت وتوسيع الرحم أولًا: التعريف بهذه النازلة: تشير كلمة التوسيع إلى توسيع عنق الرحم، أما الكحت فهو إجراء جراحي يقوم فيه الجراح بإزالة جزء من بطانة الرحم أو محتويات الرحم سواء عن طريق الكشط أو الشفط. ويعتبر التوسيع والكحت إجراء تشخيصي لبعض أمراض الرحم. ثانيًا: مدى الحاجة لإجراء هذه العملية: يستخدم التوسيع والكحت في تشخيص وعلاج العديد من أمراض النساء مثل عدم انتظام الطمث (الدورة الشهرية)، وكذلك يستخدم في إزالة الزيادات في بطانة الرحم والتي تنتج عن بعض الأمراض مثل تكيس المبايض الذي يسبب اضطرابات هرمونية تؤدى إلى زيادة نمو بطانة الرحم. ويستخدم الكحت أيضًا في إزالة أسباب النزيف المهبلي الأخرى مثل الإجهاض الخفي أو المفقود (عدم نزول الجنين بالرغم من وفاته داخل الرحم)، وأيضًا نزيف ما بعد الولادة والذي يسببه عدم نزول المشيمة أو جزء منها بعد الولادة، وكذلك يستخدم في علاج حالات أخرى منها الإجهاض في الشهور الثلاثة الأولى من الحمل. ثالثًا: الحكم الشرعي لهذه النازلة: لا تعدو هذه النازلة عن كونها عملية جراحية، فهي جائزة بشرط تعذر علاج هذه الحالات بالبدائل الأخرى، أو كانت البدائل تتضمن مفسدة كشف العورة والإيلاج في الفرج، فيعدل عنها إلى فعل الكحت.

стр. 2533

وينبغي أن يقوم بهذا العمل النساء، وأن يسعى المرضى في طلب ذلك ما أمكن، كما ينبغي على المستشفيات أن يهتموا بذلك، وألا يسند شيء منه إلى الرجال إلا في الضرورة القصوى.

стр. 2534

النازلة الأربعون: المواد المحرمة والنجسة في الدواء أولًا: إن قضية المواد المحرمة والنجسة: المستخدمة في الأدوية وما يتفرع عنها من المسائل والجزئيات من الأمور المهمة التي تشغل بال كثير من المسلمين في هذا الزمان، ويتكرر السؤال عنها والاستفتاء فيها في سائر الديار التي يعيش فيها المسلمون وخصوصًا في البلدان الغربية؛ لملابستها لمعيشتهم وصلتها باحتياجاتهم، وتعذر الانفكاك عن العلاقة بها في كثير من الأحيان، بداعي الضرورة، أو عموم البلوى، أو مسيس الحاجة، أو غير ذلك. ثانيًا: الحكم الشرعي لهذه النازلة: نقول: لما كان الكحول مادة مسكرة فلا يجوز خلط الأدوية بها، لكن لو خلطت بالكحول جاز استعمالها إن كانت نسبة الكحول قليلة ولم يظهر أثرها في لون الدواء ولا طعمه ولا ريحه ريثما يتحقق ما يتطلع إليه المسلمون من تصنيع أدوية لا يدخل الكحول في تركيبها ولا سيما أدوية الأطفال والحوامل؛ وذلك لأن المسكر إذا خلط بنسبة قليلة مع الماء أو الدواء، فإنه يستهلك ولا يبقى له أثر، فلا يصير الشراب المشتمل على نسبة كحول (٥ %) مثلًا مسكرًا، والإسكار هو علة التحريم في الخمر، فإذا انتفت عن ذلك المخلوط، لم يأخذ حكم التحريم الوارد في الخمر؛ لا من حيث حرمة تناوله، ولا من حيث نجاسته. فالحاصل أنه لا مانع شرعًا من تناول الأدوية التي تصنع حاليًا ويدخل في تركيبها نسبة ضئيلة من الكحول؛ لغرض الحفظ، أو إذابة بعض المواد الدوائية التي لا تذوب في الماء مع عدم استعمال الكحول فيها مهدئًا، وهذا حيث لا يتوافر بديل عن تلك الأدوية.

стр. 2535

ومما جاء من قرارات بخصوص هذه النازلة ما جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإِسلامي بمكة المكرمة (١)، ومما جاء فيه: "وبعد النظر في الأبحاث المقدمة عن الأدوية المشتملة على الكحول والمخدرات، والمداولات التي جرت حولها، وبناء على ما اشتملت عليه الشريعة من رفع الحرج، ودفع المشقة، ودفع الضرر بقدره، وأن الضرورات تبيح المحظورات، وارتكاب أخف الضررين لدرء أعلاهما، قرر ما يلي: ١ - لا يجوز استعمال الخمرة الصرفة دواء بحال من الأحوال؛ لقول رسول الله ﷺ : "إنَّ الله لم يَجْعَل شِفَاءَكمْ فِيمَا حَرَّم عَلَيْكُمْ" (٢). ولقوله ﷺ : "إنَّ الله أنزَل الدَّاءَ وجعَل لِكُلِّ داءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا، ولا تَتَدَاوَوْا بحَرَامٍ" (٣)، وقال لطارق بن سويد، لما سألة عن الخمر يُجعَلُ في الدواء: "إنَّ ذلك لَيْسَ بِشِفَاءٍ، ولَكِنَّه دَاءٌ" (٤). ٢ - يجوز استعمال الأدوية المشتملة على الكحول بنسب مستهلكة تقتضيها الصناعة الدوائية التي لا بديل عنها، بشرط أن يصفها طبيب عدل، كما يجوز استعمال الكحول مطهرًا خارجيًّا للجروح، وقاتلًا للجراثيم، وفي الكريمات والدهون الخارجية. ٣ - يوصي المجمع الفقهي الإِسلامي شركات تصنيع الأدوية والصيادلة في الدول الإسلامية، ومستوردي الأدوية، بأن يعملوا جهدهم في استبعاد الكحول من

стр. 2536

الأدوية، واستخدام غيرها من البدائل. ٤ - كما يوصي المجمع الفقهي الإِسلامي الأطباء بالابتعاد عن وصف الأدوية المشتملة على الكحول ما أمكن".

стр. 2537

النازلة الحادية والأربعون: الطب الصيني (الوخز بالإبر) أولًا: التعريف بها: الإبر الصينية هي إبر رفيعة جدًّا تغرز في أماكن محددة من الجسم لعلاج بعض الأمراض أو الوقاية منها. والصينيون هم أول من استعمل الإبر للعلاج، وكان ذلك منذ أكثر من ألف عام. والإبر الصينية تستخدم لعلاج الكثير من الحالات المرضية من أهمها: أنها تساعد في تخفيف ألم عمليات السرطان، بل تعمل على إيقاف الإحساس بالألم والمعالجة للاكتئاب، وهي مفيدة في تقليل ضغط الدم وأمراض القلب، وتعمل على إنقاص الوزن مع الالتزام بالسعرات الحرارية، وعلاج الصداع النصفي وغير ذلك من الأمراض. ثانيًا: الحكم الشرعي لهذه النازلة: بعد الاطلاع على كثير من المقالات العلمية المختصة بالوخز بالإبر الصينية، من الأطباء العاملين بها، والممارسين لها من المختصين، ثبت لدينا أن استخدام الإبر المذكورة للعلاج مأمون تمامًا، ولم تسجل لها أية مضاعفات، أو أعراض جانبية أثناء العلاج أو بعده؛ ولذا لم نر مانعًا من استعمالها في العلاج، وعلى المسلم أن يحذر من العلاج عند الأدعياء لها، وعليه أن يتحرى في أمر علاجه بها، كما يتحرى في العلاج بالطرق الأخرى.

стр. 2538

النازلة الثانية والأربعون: حكم شق بطن الأم الميتة لإخراج ولدها الحي اختلفت آراء الفقهاء في هذه النازلة والذي يترجح عندنا أنه متى رجي حياة الجنين في بطن الأم الميتة، وجب شرعًا شق جوفها لإخراجه. فإذا علم أن الجنين حي بتحركه واضطرابه، وجب إخراجه بشق بطن الميتة لوجوب إحياء النفس، وحفظ الحياة الإنسانية، وفي عدم إخراجه هلاك له وقتل للنفس وهو محرم لا يجوز شرعًا. والقاعدة الشرعية في ذلك ارتكاب أخف الضررين وأهون الشرّين: فأحد الشرّين هو شق بطن الميتة وانتهاك حرمتها، والثاني هلاك الولد الحي، فوجب شرعًا شق بطن الأم الميتة لإخراج ولدها الحي الذي هو أهون من إهلاك ولدها الحي، كما أن انتهاك حرمتها هو أخف من جريمة قتل للنفس البريئة؛ ولأنه يشق بطن الأم الميتة (بالعمليات الجراحية) إذا خرج بعض الجنين حيًّا ولم يمكن خروج بقيته إلا بشق، فجاز الشق بالوسائل الطبية الحديثة (فإنه يشق بطنها طولًا)؛ فجاز ذلك لأنه إتلاف جزء من الميت لإبقاء الحي وهو أولى بالجواز شرعًا. قال الشيخ أحمد محمَّد شاكر ﵀: "أما إخراج الولد الحي من بطن الحامل إذا ماتت فإنه واجب، وأما كيف يخرج فهذا من شأن أهل هذه الصناعة من الأطباء والقوابل" (١).

стр. 2539

النازلة الثالثة والأربعون: حكم الانتفاع بالجنين الميت المقصود بالجنين الميت: هو الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح، إذا كان ميتًا حقيقة أو حكمًا، أي: بمعني صيرورة خلايا جسده عاجزة عن النمو والتطور والانقسام. ومن علامات وفاة الجنين في بطن أمه توقف حركته تمامًا، أي: عدم شعور الأم بالحركة داخل بطنها مطلقًا، ويمكن الاستعانة بالأجهزة الطبية للتأكد من ذلك (١). وحكم استخدام الجنين الميت الذي لم تنفخ الروح فيه في الأبحاث والتجارب العلمية يتضح فيما يأتي: إن استخدام الجنين الميت الذي لم تنفخ فيه الروح في الأبحاث والتجارب العلمية يستوجب شرعًا احترام الضوابط الشرعية التي قررها الفقهاء، ووافق عليها المجمع الفقهي الإسلامي (٢) في دورته السادسة المنعقدة في جدة من ١٤ إلى ٢٠ مارس ١٩٩٠ م. وهي أن يكون استخدام الجنين بإذن أبويه ورضاهما كليهما، وأن لا توجد طريقة أخرى لتحقيق المصالح المبتغاة إلا باستخدام الجنين الآدمي، وأن يتيقن أهل الاختصاص (وهم الأطباء المختصون) بتحقيق مصالح معتبرة للآدمي الذي ينتقل إليه جزء من الجنين، وأن يتم الاحتياط للأنساب من الاختلاط والمفاسد، وأن لا يكون الغرض من استعمال أعضاء الجنين هو العبث أو التجارة أو التلاعب بالأجنة بما يتنافى مع مقاصد الشرع وكرامة الآدمي بإهانة أصله ومادته (٣).

стр. 2540

النازلة الرابعة والأربعون: حكم عملية شد البطن بعد الولادة، وهل تعد انتحارًا ؟ بعد الولادة قد يحدث للمرأة تدلي في الجلد الذي فوق بطنها، فهل يجوز لها إجراء عملية لشد ذلك الجلد وعودته إلى حالته قبل الولادة؟ نقول: قد سبق بيان الحكم الشرعي في العمليات الجراحية، وقلنا بأن العمليات الجراحية إما أن تكون جراحة تجميل حاجية، وهي التي يراد بها إزالة عيب سواء كان في صورة نقصٍ أو تلفٍ أو تشوه، فهو ضروري أو حاجي بالنسبة لدواعيه الموجبة لفعله، وتجميلي بالنسبة لآثاره ونتائجه، وإما أن تكون جراحة تجميل تحسينية، أي: من أجل تحسين المظهر وتجديد الشباب، فغاية ما فيه هو التجميل الزائد، أي: ليس من أجل إزالة العيب بل لزيادة الحسن وفيه نوع من تغيير خلقة الله، والعبث بها حسب أهواء الناس وشهواتهم، فهو غير مشروع، ولا يجوز فعله. وبناءً على ما ذكرناه نقول بخصوص هذه النازلة: إنه إذا كان هذا التدلي بسيطًا وعاديًا، وكان المراد من إجراء العملية مجرد التجمل واختيار الحجم الذي يناسب الذوق، فلا ينبغي إجراء العملية؛ لأنه قد يكون من تغيير خلق الله تعالى دون ضرورة أو حاجة. وإن كان التدلي شديدًا أو ملفتًا أو مؤذيًا أو مضرًّا، أو نحو ذلك، فلا بأس بإجراء العملية لإزالته إذا لم يترتب عليه تغيير الخلقة.

стр. 2541

النازلة الخامسة والأربعون: حكم إجراء عملية تجميل للجفون المنتفخة سبق أن ذكرنا أن تجميل الأعضاء بتغيير هيئتها بالتصغير أو التكبير، أو الزيادة أو النقصان، إذا كان العضو في حدود الخلقة المعهودة فالأصل فيه عدم الجواز لحديث: "لَعَنَ اللهُ الوَاشِمَاتِ، وَالمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالمتنَمِّصَاتِ، وَالمتفَلِّجَاتِ لِلحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلقَ الله" (١). قال ابن حجر ﵀: "قال الإمام الطبري: لا يجوز للمرأَة تغيِير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أَو نقص التماس الحسن لا للزوج ولا لغيره" (٢) أ. هـ. وقال ابن العربي: "إن الله سبحانه خلق الصور فأحسنها في ترتيب الهيئة الأصلية، ثم فاوت في الجمال بينها، فجعلها مراتب، فمن أراد أن يغير خلق الله فيها ويبطل حكمته، فهو ملعون؛ لأنه أتى ممنوعا" (٣). وبناءً على ذلك فلا يجوز الإقدام على تغيير خلق الله بقصد التجميل وزيادة الحسن، لكن إذا كان الإنسان على صورة مشوهة مشينة، وكانت الجفون منتفخة بما يخرج عن المعتاد بحيث يكون شكل المرأة مشوهًا بالنسبة لطبيعة عمرها وسنها، فلا بأس بالاقتصار على الضروري من عملية التجميل بحيث تجعلها في حد الاعتدال، بشرط ألا يكون في هذا تدليس وغش وخداع، فلا يجوز للمرأة العجوز إجراء عملية جراحية بقصد إظهار صغر السن. وأما إن كان العلاج لهذه الجفون المنتفخة والمتهدلة من غير تدخل جراحي ينتج عنه تغيير للخلقة بل عن طريق حقن بعض المواد التي تزيل التجاعيد وتشد المكان الذي تحقن فيه، فالظاهر أن ذلك جائز ما دام لم يترتب عليه ضرر جانبي.

стр. 2542

النازلة السادسة والأربعون: حكم إجراء عملية لتجميل الثدي المتهدل يقال في هذه النازلة كسابقتها، فإذا كان هذا التهدل في حدود المعتاد المعهود حدوثه للنساء من جراء الحمل والوضع والرضاعة، ولم يصل إلى حد التشوه والخروج عن المألوف، فلا يجوز إجراء تلك العملية. وإذا كان تهدل الثديين على سورة مشوهة مشينة، وكانت بما يخرج عن المعتاد بحيث يكون شكل المرأة مشوها بالنسبة لطبيعة عمرها وسنها، فلا بأس بالاقتصار على الضروري من عملية التجميل بحيث تجعلها في حد الاعتدال، بشرط ألا يكون في هذا تدليس وغش وخداع كما سبق.

стр. 2543

النازلة السابعة والأربعون: حكم إزالة أو إضافة حبَّة الخال على وجه المرأة ما يسمى بحبة الخال: قد تكون خلقة في الإنسان، أي: أوجدها الله بها، وهي ملفتة للنظر بحيث تشوه الوجه وتوجب أن ينفر الناس من مشاهدتها فهنا لا حرج في إزالتها والقاعدة كما سبق في أن ما كان للتجميل والتحسين فحرام وما كان لإزالة العيب فحلال. أما وضع حبَّة الخال: وذلك بأن تجعلها المرأة في وجهها بقصد الزينة فلها حالان: الحال الأول: أن تكون فعلت ذلك بطريق الوشم، أي: بغرز الجلد بلونٍ أسود أو أخضر أو نحو ذلك من الزركشة التي نراها في أيدي بعض الناس أو وجوههم لتجميلها، فظاهر النصوص صريحة في أن ذلك محرم بل من الكبائر؛ لأن النبي ﷺ لعن فاعله بقوله: "لَعَنَ اللهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُسْتَوْشِمَاتِ وَالمتنَمِّصَاتِ وَالمتفَلِّجَاتِ لِلحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلقَ الله" (١). الحال الثاني: أن يكون وضعها عن طريق استخدام قلم أو لون ونحو ذلك، فهذا لا حرج فيه بشرط إزالته عند الوضوء أو الغسل إذا كان له جرم حتى يباشر الماء الوجه.

стр. 2544

النازلة الثامنة والأربعون: حكم زراعة شعر صدر الرجل نقول في هذه النازلة كما قلنا سابقًا أنه إذا كانت زراعة الشعر يقصد بها إزالة العيب ورد ما خلقه الله فالراجح جوازها. وأما زراعة الشعر التي يقصد بها طلب الحسن والتجمل فلا تجوز؛ لما فيها من تغيير خلق الله، ولأن هذه العملية تستلزم التخدير والأصل منعه لغير ضرورة أو حاجة معتبرة؛ لما فيه من إزالة العقل. ومن المحاذير المترتبة على العملية -أيضًا- أنها تضيع فيها أموال لغير حاجة، وقد روى البخاري في الصحيح أن النبي ﷺ : "كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الَمالِ" (١).

стр. 2545

النازلة التاسعة والأربعون: حكم زراعة شعر المصاب بالصلع وذلك بأخذ شعر من خلاف الرأس وزرعه في المكان المصاب نقول: قد سبق بيان حكم الجراحة التجميلية، وهذا النوع من النوع الجائز شرعًا لأنه داخل في الجراحة التجميلية الحاجية الضرورية، فيجوز له ذلك؛ لأن هذا من باب رد ما خلق الله ومن باب إزالة العيب، وليس هو من باب التجميل أو الزيادة على ما خلق الله فلا يكون من باب تغيير خلق الله. بل هو من رد ما نقص وإزالة العيب، وقد جاء في قصة الثلاثة النفر الذي كان أحدهم أقرع وأخبر أنه يحب أن يَرُدَّ الله عليه شعره فمسحه الملَك فرد الله عليه شعره فأُعطي شعرًا حسنًا.

стр. 2546

النازلة الخمسون: فيما يختص به طب الأسنان أولًا: تلبيس الأسنان: نقول بأن تلبيس الأسنان لا يخلو إما أن يكون ذلك للمرأة، وإما أن يكون للرجل، فأما إن كان للمرأة فلا بأس سواءً للحاجة أو للزينة كل ذلك جائز لها لا سيما إذا كان ذلك هو عادة قومها، فإن العلماء قرروا أنه يجوز للمرأة من الذهب والفضة ما جرت العادة بلبسه. وأما إذا كان رجلًا فلا يخلو إما أن يكون ذلك من باب ضرورة شد الأسنان، وإما أن يكون من باب الزينة المجردة، فإن كان من باب الزينة المجردة فإنه لا يجوز؛ لقول النبي ﷺ في الحرير والذهب: "هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لإِنَاثِهَا" (١). وأما إذا كان من باب ضرورة شد الأسنان وربطها فإنه يجوز بالقدر الذي تندفع به الضرورة، فيجوز للرجل ربط أسنانه بالذهب وتلبيسها به عند الضرورة أو الحاجة المنزلة منزلة الضرورة استدلالًا بحديث عرفجة ﵁ "أنه قطع أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفًا من فضة فأنتن عليه، فاتخذ أنفًا من ذهب" (٢)؛ لأن الذهب له خاصية حيث لا يصدأ في الفم. ثانيًا: تسوية الأسنان: نقول بأنه إذا كان بعضها زائدًا فذلك جائز إذا كان من باب إزالة العيب الحادث، وإذا كان طولها يؤدي صاحبها فيزيل ما يتحقق به إزالة الأذى والضرر؛ لأن المتقرر شرعًا أن الضرر يزال، وليس هذا داخلًا تحت النهي عن وشر الأسنان

стр. 2547

ولا عن تفليجها؛ لأن صاحب هذه الأسنان الزائدة لا يقصد التجمل وإنما يقصد به إزالة العيب وهذا جائز. ثالثًا: تركيب طقم الأسنان الصناعي: نقول بأن من يضع طقم الأسنان الصناعي بسبب سقوط أسنانه أو ما شابه ذلك فلا حرج عليه في وضعه؛ لأنه من التداوي بالمباح وفي الحديث: "تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إلَّا وَضْعَ لَهُ دَوَاءً" (١)، وهذا نوع من التداوي، ولا يلزمه أن يضع خلاله أسنان ذهب؛ لأنه لا يجوز استعمال الذهب للرجال إلا للحاجة كما سبق. وأما من كانت أسنانه طبيعية فلا يسوغ أن يضع الطقم عليها بشكل الأسنان الطبيعية؛ لما فيه من التدليس وتغيير الخلق. رابعًا: هل تخلع أسنان الميت إذا كانت من الذهب أو كانت صناعية ؟ نقول: أما إن كانت أسنان الميت من الذهب فنعم تخلع هذه الأسنان؛ لأنها مال يستحقه الوارث، والأحياء أحوج إلى هذا الذهب من الأموات، ولعموم قوله: "مَنْ ترَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ" (٢)، ومجرد تركيبها في حياته لا يكسبها حرمة الأعضاء الأصلية، لكن يشرط أن يكون نزعها بسهولة ومن غير عملية جراحية أو أذية للميت. وأما إن كانت هذه الأسنان صناعية، فهي نوع مال قد يستفيد منه الأحياء وقد لا يستفيدون، فإن كان مما يمكن الاستفادة منه، فلا بأس بخلعها بشرط أن يكون لها قيمة وأن يمكن نزعها دون تأثير على ما حولها، وأما إن كان مما لا يمكن الاستفادة منه ولا يمكن نزعه إلا بمشقة فلا يشرع خلعه.

стр. 2548

خامسًا: حكم تقويم الأسنان: نقول لا يخلو تقويم الأسنان من حالين: الأول: أن يكون المقصود به زيادة التجمُّل فهذا حرام ولا يحل، وقد قال النبي ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُوتَشِمَاتِ وَالمتنَمِّصَاتِ وَالمتفَلِّجَاتِ لِلحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلقَ الله" (١)، هذا مع أن المرأة مطلوب منها أن تتجمل وهي من يُنشأ في الحلية، والرجلُ من باب أولى أن يُنهَى عن ذلك. الثاني: إذا كان تقويمها لعيب، فلا بأس بذلك فيها فإن بعض الناس قد يبرز شيء من أسنانه إما الثنايا أو غيرها تبرز بروزًا مُشينًا بحيث يستقبحه من يراه، ففي هذه الحالة لا بأس من أن يُعدلها الإنسان؛ لأن هذا إزالة عيب وليس زيادة تجميل، ويدل لهذا أن النبي ﷺ أمر الرجل الذي قُطع أنفه أن يتخذ أنفًا من وَرِق، أي: فضة ثم أنْتَنَ، فأمره أن يتخذ أنفًا من ذهب؛ لأن في هذا إزالة عيب وليس المقصود زيادة تجمُّل.

стр. 2549

النازلة الحادية والخمسون: في حكم سفر المرأة خارج بلادها بلا محرم بغرض دراسة الطب وحكم اختلاطها أثناء دراسة الطب وحكم حضورها الندوات التي تعقد من أجل دراسة الطب نقول أولًا: أما سفر المرأة بلا محرم فإنه لا يجوز البتة لعموم حديث: "لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا" (١). وليس هناك ضرورة لهذا السفر، ودراسة الطب في البلاد الإسلامية كافٍ في تحصيل المقصود، أعني في بلد هذه المرأة، ولا ينبغي للمرأة أن تخالف أمر الشارع من أجل دراسةٍ ولا غيرها، وهي مسؤولة يوم القيامة عن عملها في الدنيا، ومن خالفت في ذلك فإنها تعرض نفسها لعقوبة ربها . ثانيًا: أما الدراسة المختلطة: فإنها لا تجوز مطلقًا؛ لما في ذلك من الفتنة والمفسدة المتحققة، فلا يجوز للفتاة الدراسة المختلطة، ولا يجوز لها أصلًا أن تدرس في مدرسة يتولى التدريس فيها الرجال إذا كان تدريسهم وجهًا لوجه؛ لما في ذلك من العواقب السيئة. ثالثًا: أما حضور الندوات: فإن كان الملقي من النساء وسائر الحضور من النساء فلا بأس بذلك، وأما إن كان الحضور مختلطًا فلا يجوز حضورها؛ درءًا للفتنة ودفعًا للفساد ولا ضرورة تدعو لذلك، فإنه يمكن للمسؤولين أن يخصصوا محاضرات للنساء لا رجال فيها، ومحاضرات للرجال لا نساء فيها، ويمكن أيضًا تسجيل المحاضرات المختلطة والاستفادة منها، أو متابعتها على الشبكة العنكبوتية، ومتابعة ما يكتب في ذلك من المقالات والرسائل والتقارير.

стр. 2550

النازلة الثانية والخمسون: حكم زراعة الرموش نقول: إذا كان تركيب الرموش لضرورة كمن أصيب بمرضٍ أو حرق أو نحوه من الآفات، فأتلف هدب (رموش) العين مما أدى إلى تغير شكله وقبح صورته، فهذا لا حرج فيه إذا كان بالقدر المطلوب، فالضرورات تقدر بقدرها. أما إذا كانت هذه الرموش للزينة فقد حصل بها مفسدتان: الأولى: أنها تغيير لخلق الله، وقد سبق بيان ذلك مفصلًا في الجراحة التجميلية التحسينية. الثانية: أن هذا داخل تحت النهي العام الوارد في قوله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ"، والواصلة: هي التي تصل شعرها بشعر غيرها، والرموش الصناعية داخلة في هذا الوعيد؛ لأنها تشبه الوصل.

стр. 2551

النازلة الثالثة والخمسون: حكم أخذ إبرة لتصغير الأنف لا حرج في تصغير الأنف إذا كان ذلك عن طريق أخذ إبرة إن كان هذا الأمر ثابتًا علميًّا، إن لم يترتب عليه ضرر؛ لأن ذلك ليس فيه تدخل يد الإنسان بالجراحة، وسواء كان الباعث عليها هو ضرورة أو حاجة، أو كانت بقصد التجميل. وأما إزالتها عن طريق العمليات الجراحية، فقد ذكرنا أنها إنما تباح إذا كان في ذلك ضرر معتبر، لا إن كان الغرض من إزالتها هو مجرد التجميل.

стр. 2552

النازلة الرابعة والخمسون: حكم أخذ أعضاء الميت لإنشاء بنوك الأعضاء من المعروف طبيًّا أن أعضاء الميت بعد اقتطاعها من الجثة تحفظ في سائل معين، وفي درجة برودة معينة، ويمكن أن تبقى حية محفوظة في بنوك الأعضاء لفترة من الزمن كما سبق بيان ذلك. وقد أجاز جماعة من العلماء اقتطاع أعضاء الميت؛ كالعيون والكليتين مثلًا، ووضعها في بنوك الأعضاء لمداواة الأحياء بها إذا دعت إليه الضرورة، وصدرت في هذا الخصوص الفتوى المشهورة رقم (٧٣/ ١٩٦٦) من دار الإفتاء المصرية التي قررت بأن الاستيلاء على عين الميت لتحقيق مصلحة راجحة للحي الذي حرم نعمة البصر عقب وفاته، وحفظها في بنك يسمى "بنك العيون" لاستعمالها في ترقيع قرنية المكفوفين الأحياء الذين حرموا نعمة البصر، ليس فيه اعتداء على حرمة الميت، وهو جائز شرعًا؛ لأن الضرورة دعت إليه، فإذا كان أخذ عين الميت لترقيع قرنية عين المكفوف الحي مصلحة ترجح المحافظة على الميت جاز ذلك شرعًا؛ لأن الضرر الذي يلحق بالحي المضطر لهذا العلاج أشد من الضرر الذي يلحق الميت الذي تؤخذ منه عينه بعد وفاته، غير أنه ونظرًا لأن الضرورة شرعًا تقدر بمقدارها، فإنه يجب الاقتصار في هذا الاستيلاء على أخذ عين الميت، الذي لا أهل له قبل دفنه لاستخدامها في هذا الغرض العلاجي، أما الأموات الذين لهم أهل، فإن أمر الاستيلاء على عيون موتاهم يكون بيدهم، فإن أذنوا جاز ذلك، وإلا فلا يجوز بدون إذنهم" (١)

стр. 2553

والذي يظهر لنا: أنه يجوز إنشاء بنوك للأعضاء وفق ما رجحناه في نازلة حكم التبرع بالأعضاء مع ملاحظة أن هذه البنوك يجب أن تكون تحت إشراف هيئة رسمية متخصصة موثوقة في دينها وعلمها وخبرتها، وأن تحاط بجملة من الاحتياطات اللازمة، وأن تكون مراقبة بأجهزة فعالة، بحيث لا يدخل شيء من الأعضاء أو الأنسجة، أو أجزاء الأعضاء، ولا يخرج منها إلا أن يكون تحت نظر المراقبين، وذلك لضمان ألَّا تستعمل أعضاء الآدمي في أغراض التجارة بما يتنافى مع حرمة وكرامة الإنسان.

стр. 2554

النازلة الخامسة والخمسون: حكم إنشاء بنوك للأجنة وبنوك للمني ما يسمى ببنوك الأجنة المجمدة وبنوك المني: قد أفرزته تقنية التلقيح الصناعي (طفل الأنبوب)؛ حيث تقوم فكرة البنك على أخذ النطف سواء الذكرية (المني) أم الأنثوية (البييضات) وتقوم بحفظها في مخازن ذات خصائص فيزيائية وكيميائية مناسبة فترة من الزمان قد تصل لربع قرن، ثم يتم استرجاعها وقت الطلب. ففي عام ١٩٩٨ م استخدم الأطباء حوالي ١٧٢٢٨ بييضة ملقحة في محاولات لإحداث حمل، لكن ١٩. ٣ % تمخضت عن حدوث حمل وولادة، ثم تطورت التقنية مؤخرًا وارتفعت النسبة إلى ٨٣ %، وقد انتشرت هذه البنوك في أوربا وأمريكا انتشارًا واسعًا حتى أنهم ليجنون من خلالها أرباحًا خيالية، بل إن لها مواقع على الإنترنت يمكن من خلاله إرسال العينات أو طلبها أو حتى طلب الأرحام لحمل اللقيحة المطلوبة، وقد تطورت الفكرة فأصبحت البنوك تشتري النطف من المتميزين في المجتمع كلاعب مشهور أو مغني ذائع الصيت أو الفائزين في مسابقة كمال الأجسام وهكذا، وتم أيضًا شراء بييضات النساء المتميزات كملكات الجمال، فيمكن للراغب عندهم في شراء بييضة ذات مواصفات معينة دفع الثمن وإجراء التلقيح الصناعي وانتظار المولود. وقد يحصل في هذه البنوك ما لا يتوقعه العميل، فقد تقدمت امرأة إلى المحاكم تشتكي أحد بنوك المني؛ لأنها حصلت على مني معتوه أو مجنون أو مصاب بالأمراض الجينية، وهناك من طلبت ماء رجل أبيض فولدت مولودًا أسودًا، وقد اعترفت أحد المستشفيات في استراليا بأن أربعة من النساء اللائي خصبن بهذه الطريقة تلقين فيروس مرض الإيدز عندما تم تخصيبهن بماء رجل مصاب بالإيدز بل إن عائلة في أمريكا اعتمدت في إنجابها على هذه البنوك فأنجبت ثلاثة أطفال

стр. 2555

حيث جاءت الفتاة الكبيرة قمة في الذكاء والتوهج، والثانية اتصفت بالرشاقة والخفة حيث كانت نطفها من راقصة مشهورة في نيويورك، أما الثالث فكان صبيًّا ولد أصمًا أخرسًا. بل قام بعض أصحاب هذه الفكرة بابتكار فكرة بنك خاص للعباقرة، فهو يهدف إلى إنجاب الأطفال المتفوقين عقليًّا والنوابغ والعباقرة، ويشترط في المتبرع أن يكون من الحاصلين على جائزة نوبل في أحد المجالات العلمية. وبنفس النظام في أخذ بييضات المرأة فلا بد أن تكون من المتفوقات في الذكاء منذ الطفولة بموجب اختبارات الذكاء التي أجريت لها، أو تكون فازت بجائزة علمية عالية، وقد أعلنت جامعة بيل الأمريكية مؤخرًا عن توفر السائل المنوي لبعض العباقرة وبييضات لملكات سعر البييضة ١٥ ألف دولار. وقد أوضحت دراسة جديدة متعلقة ببنوك المني والأجنة المجمدة، قامت بها صحيفة (نيوزويك) الأمريكية بتاريخ: ١٨/ ٣ / ١٩٨٥ م، وجود ربع مليون طفل أمريكي لا يعرف لهم أب أصلًا ولا أم من ناحية النسب، وإنما الذي حملته امرأة استخدمت رحمًا مؤجرًا أو رحم ظئر أو أمًّا مستعارة، حملت الجنين عن طريق ما يسمى بالرحم المستأجر ولو بعد وفاة الأبوين. ثانيًا: الخطوات التي يتم فيها الحفظ: ١ - تجميد السائل المنوي بواسطة سائل النتروجين تحت درجة منخفضة جدًّا (- ١٦٩) تحت الصفر في ثلاجة خاصة، ثم إن السائل المنوي يوضع في علبة أو قارورة مصنوعة من رصاص خاص لحفظ المنويات ووقايتها من الأشعة والتلوث. ٢ - يؤخذ السائل المنوي من أناس أصحاء أقوياء وذوي مواصفات معينة.

стр. 2556

٣ - توضع الخلايا المنوية داخل أنابيب، ويحتفظ البنك ببيانات سرية وخاصة إلى أن يولد الجنين، ثم يقوم بحرق جميع المعلومات الخاصة المتعلقة بالمتبرع. ٤ - تفتح هذه البنوك للراغبين على وجهين: أ - خاصة: وهي التي يفتحها عميل واحد بالذات يرغب في حفظ نطفه لاستعمالها في المستقبل أيام شيخوخته أو يهبها لأحد أولاده أو أحفاده إذا كان لديه عقم، ويدفع مبلغًا ماليًا محددًا رسم افتتاح الحساب. ب- عامة: وهي التي تحفظ فيها تلك المصارف نطف المتبرعين ليبيعها المصرف إلى الراغبين أو الراغبات مقابل مبلغ مالي حسب نوع المني وهو يتخذ الأسلوب التجاري. ثالثًا: حكم إنشاء بنوك للأجنة وبنوك للمني: يحرم إنشاء هذه البنوك والتعامل معها وذلك للأدلة التالية: أولًا: حديث ابن عمر ﵁ قال: "نهى النبي ﷺ عن عسب الفحل" (١). وجه الدلالة من الحديث أن الشارع نهى عن بيع مني الحيوان الذي لا ينظر لنسبه، فكيف بالإنسان المكرم الذي ينبني على النسب أحكام مهمة. ثانيًا: إن هذه البنوك تعيش فوضى عارمة في تضييع نسب الإنسان، ومن الضرورات التي عظمتها الشريعة (النسب)، وقد ذكرت المصادر الغربية أن بنوك المني تستخدم مني رجل واحد لتلقيح مئة امرأة، بل ذكر أحد المراكز أن هناك حالات تكون فيها أم الطفل جدته وأخته في وقت واحد، وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي الدولي ومجمع الفقه الإسلامي بالرابطة أن طفل الأنبوب يكون

стр. 2557

جائزًا إذا كان من الزوجين فقط وأثناء قيام العلاقة الزوجية وفي رحم الزوجة، وإذا اختل أحد الأركان الأربعة كان محرمًا، وهذا الحاصل في هذه البنوك. ثالثًا: إن اختيار المرأة أن تلقح نفسها بمني معين ذات خصائص معينة يقوم مقام نكاح الاستبضاع الذي كان في الجاهلية، وجاء الإسلام بتحريمه، والاستبضاع كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه فيعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها؛ ويفعل ذلك رغبة في نجابة الولد. رابعًا: إن دخول المني لفرج المرأة -غير الزوجة وملك اليمين- من الكبائر فهو في حكم الزنا؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]. خامسًا: أن أساس هذه البنوك تتعارض مع أصول الشرع ومبادئ الفطرة حيث يولد أبناء بلا آباء مع العبث بماء الرجل والمرأة وإحداث مسائل معقدة كما لو حملت الزوجة بلقاح زوجها بعد ربع قرن من الزمان، فكيف تنضبط قضية الميراث والحقوق الأخرى؟ فالحاصل أن إنشاء هذه البنوك بهذه الطريقة يتعارض مع أصول الدين وهو محرم قطعًا.

стр. 2558

النازلة السادسة والخمسون: طبيعة التزام الطبيب بالعلاج ومدى جواز المشارطة على البرء إن من أهم ما تتميز به عقيدة كل مسلم ومسلمة أن الشافي من المرض هو الله تعالى، وأنه يجب الالتجاء إليه والتوكل عليه، إيمانًا بقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]. غير أنه لا يحق أن يكون هناك جدل في أن العلاج والتداوي لا يتعارض مع هذا التوكل، فالأخذ بالأسباب في جلب المصالح ودرء المفاسد لا يتنافى معه، والمكلف إنما يتعاطى السبب امتثالًا لأمر الله، مع يقينه بأنه لا يقع في ملك الله إلا ما شاء الله أن يقع. أما اشتراط البرء من المرض لاستحقاق الطبيب المقابل، وهو ما يطلق عليه في الفقه الإسلامي (المشارطة على البرء)، فالأمر فيه محل خلاف: فذهب بعضهم إلى أنه لا تجوز مشارطة الطبيب على البرء أصلًا؛ لأنه بيد الله، لا بيد أحد، وإنما الطبيب يعالج من مقو للطبيعة بما يقابل الداء، ولا يعرف كمية قوة الدواء من كمية الداء، فالبرء لا يقدر عليه إلا الله تعالى (١). ويرى بعضهم جواز المشارطة على البرء وأنها من باب الإجارة فلا يستحق الطبيب الأجرة إلا بحصوله، فإن ترك قبل البرء فلا شيء له إلا أن يتمم غيره فله بحسب كرائه الأول. ويرى فريق آخر أن المشارطة على البرء سائغة، ولكنها تخرج العقد من باب الإجارة لتدخله في باب الجعالة، فلا يستحق الطبيب شيئًا حتى يتحقق البرء، أي: حتى يبرأ من جرحه أو مرضه أو رمده.

стр. 2559

والذي يترجح عندنا جواز المشارطة على البرء، وأنها من باب الجعالة لا من باب الإجارة؛ لأنها تحمل معنى عدم استحقاق المقابل إلا عند البرء فكأن المريض قال: إذا عالجتني فشفاني الله على يديك كان لك عندي كذا، وهذه صيغة واضحة في معنى الجعالة التي لا تعدو أن تكون التزامًا بعوض معلوم على عمل معين أو مجهول. وبناء على اعتبار المشارطة على البرء جعالة فإنه يثبت ما يأتي: أ- أنه لا يجوز اشتراط تقديم الأجرة، وإن جاز دفعها مقدمًا دون شرط، فهذا ما تقتضيه طبيعة الجعالة، فضلًا عن أن تقديم الأجرة يجعلها تتردد بين السلف والجعالة وذلك ممنوع شرعًا. ب- إنه يجوز لكل من طرفي الجعالة فسخ العقد؛ لأنه عقد على عمل مجهول بعوض، فجاز لكل واحد منهما فسخه كالمضاربة، فإن فسخ الطبيب لم يستحق شيئًا؛ لأن الجعل يستحق بالفراغ من العمل وقد تركه فسقط حقه، وإن فسخ المريض، فإن كان قبل العمل لم يلزمه شيء، وإن كان بعد ما شرع الطبيب في العمل لزمه أجر المثل لما عمل، وهنا نؤكد أن الاشتراط على البرء في العصر الحالي يجب أن يكون واضحًا وضوحًا لا لبس فيه، إذ العرف يجري على اعتبار التزام الطبيب في عقد العلاج؛ لأنه التزام ببذل عناية، وليس التزامًا بتحقيق الشفاء، وبالتالي فإن الإقرار بعدم استحقاق المقابل إلا عند البرء هو على خلاف الأصل، فلا يفترض، ولا يحق أن يكون نتيجة تفسير موسع لما اتفق عليه الطرفان.

стр. 2560

النازلة السابعة والخمسون: الحجر الصحي الحجر الصحي: هو عزل أشخاص بعينهم وأماكن أو حيوانات قد تحمل خطر العدوى. وتتوقف مدة الحجر الصحي على الوقت الضروري لتوفير الحماية من مواجهة الأمراض الوبائية. ولقد جاءت نصوص السنة بكيفية احتواء انتشار الأمراض الوبائية، فعن أسامة بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِذَا سَمِعْتُمْ بالطَّاعُونِ في أَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا" (١)، وَفي رواية: "الطَّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ، ابْتَلَى اللهُ بهِ نَاسًا مِنْ عِبَادِهِ، فَإذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَفِرَّوا مِنْهُ" (٢). ويعتبر الحجر الصحي من أهم وسائل مقاومة انتشار الأمراض الوبائية والوقاية منها والحد من انتشارها، وهو من المطالب المهمة التي تحمي صحة البشر، قال ﷺ : "لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ" (٣)؛ وذلك حتى لا يكون وروده سببًا في انتشار المرض وإصابة قوم آخرين، والوقاية خير من العلاج، لذلك فلا ينبغي تجاهل الإرشادات الصحية المتعلقة بمرض (أنفلونزا الخنازير)، أو (أنفلونزا الطيور) مثلًا، والصادرة من الجهات المتخصصة، ولا بد من التجاوب معها. وقد طبق هذا المنهج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يوم أن خرج إلى الشام، وعندما علم أن الوباء قد وقع بها، عاد عملًا بحديث أسامة بن زيد المتقدم.
следующие страницы →