٣ - توضع الخلايا المنوية داخل أنابيب، ويحتفظ البنك ببيانات سرية وخاصة إلى أن يولد الجنين، ثم يقوم بحرق جميع المعلومات الخاصة المتعلقة بالمتبرع.
٤ - تفتح هذه البنوك للراغبين على وجهين:
أ - خاصة: وهي التي يفتحها عميل واحد بالذات يرغب في حفظ نطفه لاستعمالها في المستقبل أيام شيخوخته أو يهبها لأحد أولاده أو أحفاده إذا كان لديه عقم، ويدفع مبلغًا ماليًا محددًا رسم افتتاح الحساب.
ب- عامة: وهي التي تحفظ فيها تلك المصارف نطف المتبرعين ليبيعها المصرف إلى الراغبين أو الراغبات مقابل مبلغ مالي حسب نوع المني وهو يتخذ الأسلوب التجاري.
ثالثًا: حكم إنشاء بنوك للأجنة وبنوك للمني:
يحرم إنشاء هذه البنوك والتعامل معها وذلك للأدلة التالية:
أولًا: حديث ابن عمر ﵁ قال: "نهى النبي ﷺ عن عسب الفحل" (١). وجه الدلالة من الحديث أن الشارع نهى عن بيع مني الحيوان الذي لا ينظر لنسبه، فكيف بالإنسان المكرم الذي ينبني على النسب أحكام مهمة.
ثانيًا: إن هذه البنوك تعيش فوضى عارمة في تضييع نسب الإنسان، ومن الضرورات التي عظمتها الشريعة (النسب)، وقد ذكرت المصادر الغربية أن بنوك المني تستخدم مني رجل واحد لتلقيح مئة امرأة، بل ذكر أحد المراكز أن هناك حالات تكون فيها أم الطفل جدته وأخته في وقت واحد، وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي الدولي ومجمع الفقه الإسلامي بالرابطة أن طفل الأنبوب يكون
стр. 2557
جائزًا إذا كان من الزوجين فقط وأثناء قيام العلاقة الزوجية وفي رحم الزوجة، وإذا اختل أحد الأركان الأربعة كان محرمًا، وهذا الحاصل في هذه البنوك.
ثالثًا: إن اختيار المرأة أن تلقح نفسها بمني معين ذات خصائص معينة يقوم مقام نكاح الاستبضاع الذي كان في الجاهلية، وجاء الإسلام بتحريمه، والاستبضاع كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه فيعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها؛ ويفعل ذلك رغبة في نجابة الولد.
رابعًا: إن دخول المني لفرج المرأة -غير الزوجة وملك اليمين- من الكبائر فهو في حكم الزنا؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].
خامسًا: أن أساس هذه البنوك تتعارض مع أصول الشرع ومبادئ الفطرة حيث يولد أبناء بلا آباء مع العبث بماء الرجل والمرأة وإحداث مسائل معقدة كما لو حملت الزوجة بلقاح زوجها بعد ربع قرن من الزمان، فكيف تنضبط قضية الميراث والحقوق الأخرى؟
فالحاصل أن إنشاء هذه البنوك بهذه الطريقة يتعارض مع أصول الدين وهو محرم قطعًا.
стр. 2558
النازلة السادسة والخمسون: طبيعة التزام الطبيب بالعلاج ومدى جواز المشارطة على البرء
إن من أهم ما تتميز به عقيدة كل مسلم ومسلمة أن الشافي من المرض هو الله تعالى، وأنه يجب الالتجاء إليه والتوكل عليه، إيمانًا بقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]. غير أنه لا يحق أن يكون هناك جدل في أن العلاج والتداوي لا يتعارض مع هذا التوكل، فالأخذ بالأسباب في جلب المصالح ودرء المفاسد لا يتنافى معه، والمكلف إنما يتعاطى السبب امتثالًا لأمر الله، مع يقينه بأنه لا يقع في ملك الله إلا ما شاء الله أن يقع.
أما اشتراط البرء من المرض لاستحقاق الطبيب المقابل، وهو ما يطلق عليه في الفقه الإسلامي (المشارطة على البرء)، فالأمر فيه محل خلاف:
فذهب بعضهم إلى أنه لا تجوز مشارطة الطبيب على البرء أصلًا؛ لأنه بيد الله، لا بيد أحد، وإنما الطبيب يعالج من مقو للطبيعة بما يقابل الداء، ولا يعرف كمية قوة الدواء من كمية الداء، فالبرء لا يقدر عليه إلا الله تعالى (١).
ويرى بعضهم جواز المشارطة على البرء وأنها من باب الإجارة فلا يستحق الطبيب الأجرة إلا بحصوله، فإن ترك قبل البرء فلا شيء له إلا أن يتمم غيره فله بحسب كرائه الأول.
ويرى فريق آخر أن المشارطة على البرء سائغة، ولكنها تخرج العقد من باب الإجارة لتدخله في باب الجعالة، فلا يستحق الطبيب شيئًا حتى يتحقق البرء، أي: حتى يبرأ من جرحه أو مرضه أو رمده.
стр. 2559
والذي يترجح عندنا جواز المشارطة على البرء، وأنها من باب الجعالة لا من باب الإجارة؛ لأنها تحمل معنى عدم استحقاق المقابل إلا عند البرء فكأن المريض قال: إذا عالجتني فشفاني الله على يديك كان لك عندي كذا، وهذه صيغة واضحة في معنى الجعالة التي لا تعدو أن تكون التزامًا بعوض معلوم على عمل معين أو مجهول.
وبناء على اعتبار المشارطة على البرء جعالة فإنه يثبت ما يأتي:
أ- أنه لا يجوز اشتراط تقديم الأجرة، وإن جاز دفعها مقدمًا دون شرط، فهذا ما تقتضيه طبيعة الجعالة، فضلًا عن أن تقديم الأجرة يجعلها تتردد بين السلف والجعالة وذلك ممنوع شرعًا.
ب- إنه يجوز لكل من طرفي الجعالة فسخ العقد؛ لأنه عقد على عمل مجهول بعوض، فجاز لكل واحد منهما فسخه كالمضاربة، فإن فسخ الطبيب لم يستحق شيئًا؛ لأن الجعل يستحق بالفراغ من العمل وقد تركه فسقط حقه، وإن فسخ المريض، فإن كان قبل العمل لم يلزمه شيء، وإن كان بعد ما شرع الطبيب في العمل لزمه أجر المثل لما عمل، وهنا نؤكد أن الاشتراط على البرء في العصر الحالي يجب أن يكون واضحًا وضوحًا لا لبس فيه، إذ العرف يجري على اعتبار التزام الطبيب في عقد العلاج؛ لأنه التزام ببذل عناية، وليس التزامًا بتحقيق الشفاء، وبالتالي فإن الإقرار بعدم استحقاق المقابل إلا عند البرء هو على خلاف الأصل، فلا يفترض، ولا يحق أن يكون نتيجة تفسير موسع لما اتفق عليه الطرفان.
стр. 2560
النازلة السابعة والخمسون: الحجر الصحي
الحجر الصحي: هو عزل أشخاص بعينهم وأماكن أو حيوانات قد تحمل خطر العدوى. وتتوقف مدة الحجر الصحي على الوقت الضروري لتوفير الحماية من مواجهة الأمراض الوبائية.
ولقد جاءت نصوص السنة بكيفية احتواء انتشار الأمراض الوبائية، فعن أسامة بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِذَا سَمِعْتُمْ بالطَّاعُونِ في أَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا" (١)، وَفي رواية: "الطَّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ، ابْتَلَى اللهُ بهِ نَاسًا مِنْ عِبَادِهِ، فَإذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَفِرَّوا مِنْهُ" (٢).
ويعتبر الحجر الصحي من أهم وسائل مقاومة انتشار الأمراض الوبائية والوقاية منها والحد من انتشارها، وهو من المطالب المهمة التي تحمي صحة البشر، قال ﷺ : "لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ" (٣)؛ وذلك حتى لا يكون وروده سببًا في انتشار المرض وإصابة قوم آخرين، والوقاية خير من العلاج، لذلك فلا ينبغي تجاهل الإرشادات الصحية المتعلقة بمرض (أنفلونزا الخنازير)، أو (أنفلونزا الطيور) مثلًا، والصادرة من الجهات المتخصصة، ولا بد من التجاوب معها.
وقد طبق هذا المنهج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يوم أن خرج إلى الشام، وعندما علم أن الوباء قد وقع بها، عاد عملًا بحديث أسامة بن زيد المتقدم.
стр. 2561
فالحاصل أن الضروريات الخمس وهي: (حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، والعرض) قد شدد الإسلام عليها، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، والحجر الصحي هو وسيلة من الوسائل التي تحافظ على إحدى هذه الضروريات وهي النفس" (١).
стр. 2562
النازلة الثامنة والخمسون: التشخيص المبكر قبل الزواج ومدى الإلزام به
أولًا: التعريف به:
هو إجراء الفحص للمقبلين على الزواج لمعرفة وجود الإصابة أو الحمل لصفة بعض الأمراض الوراثية بغرض إعطاء المشورة حول إمكانية نقل الأمراض الوراثية للأبناء، وإعطاء الخيارات والبدائل أمام الخطيبين؛ من أجل التخطيط لبناء أسرة سليمة صحيا.
وعرفته وزارة الصحة بأنه: إجراء الفحص للمقبلين على الزواج لمعرفة وجود الإصابة لصفة بعض أمراض الدم الوراثية، وذلك بغرض إعطاء المشورة الطبية حول احتمالية انتقال تلك الأمراض للطرف الآخر في الزواج أو الأبناء في المستقبل، وإعطاء الخيارات والبدائل أمام الخطيبين؛ من أجل مساعدتهما على التخطيط لأسرة سليمة صحيًّا.
ثانيًا: الآثار الفقهية للتشخيص المبكر قبل الزواج:
تظهر الآثار الفقهية للتشخيص المبكر قبل الزواج في الأمور التالية:
١ - إذا ظن البعض أن هذا الأمر فيه كلفة ومشقة على الراغبين في الزواج، فإن التأكد من السلامة أمر أكثر أهمية حتى لا يقع ما يندم عليه، وذلك يخضع تحت قاعدة: "الضرر يزال"، وأيضًا: "وإذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمها بارتكاب أخفهما"، فإنه ينبغي الكشف الطبي قبل النكاح؛ دفعًا للأضرار وجلبًا للمصالح.
٢ - أن الأدلة الشرعية يفهم منها الوصية بإعلام أحد الزوجين الآخر بما فيه من العيوب منعًا للتدليس والغش.
стр. 2563
ثالثًا: مدى الاستفادة من التشخيص المبكر قبل الزواج:
١ - تعتبر التشخيصات المبكرة قبل الزواج من الوسائل الوقائية الفعالة جدًا في الحد من الأمراض الوراثية والمعدية والخطرة.
٢ - تحاول هذه الفحوصات أن تضمن -بإذن الله- إنجاب أطفال أصحاء سليمين عقليًا وجسديًا من تزاوج الخاطبين المعنيين، وعدم انتقال الأمراض الوراثية التي يحملها أو يظهرها أحد الخاطبين أو كلاهما.
٣ - تحديد قابلية الزوجين المؤهلين للإنجاب من عدمه بصورة عامه وإلى حد ما؛ لأن أسباب العقم ليست معروفة كلها، ويحقق رغبة الخاطبين لمعرفة الأسباب المحتملة للعقم.
٤ - يهدف التشخيص المبكر إلى التحقق من قدرة كل من الزوجين المؤهلين على ممارسة علاقة جنسية سليمة مع الطرف الآخر بما يشبع رغبات كل منهما بصورة طبيعية، والتأكد من عدم وجود عيوب عضوية تقف أمام هذا الهدف المشروع لكل من الزوجين.
٥ - يهدف التشخيص المبكر للتحقق من وجود أمراض مزمنة مؤثرة على مواصلة الحياة بعد الزواج مثل السرطانات وغيرها، مما له دور في إرباك استقرار الحياة الزوجية.
رابعًا: سلبيات التشخيص المبكر قبل الزواج:
١ - قد يؤدي هذا الفحص إلى الإحباط الاجتماعي، فلو أثبتت الفحوصات أن هناك احتمالا لإصابة المرأة بالعقم، أو سرطان الثدي، واطلع الآخرون على ذلك فإن ذلك يسبب لها ضررًا نفسيًّا واجتماعيًّا، وفي هذا قضاء على مستقبلها خاصة أن الأمور الطبية تخطئ وتصيب.
стр. 2564
٢ - نتائج التحليل تبقى احتمالية في العديد من الأمراض، وهي ليست دليلًا صادقًا لاكتشاف الأمراض المستقبلية.
٣ - قد تحرم هذه الفحوصات البعض فرصة الارتباط بزواج نتيجة فحوصات قد لا تكون أكيدة.
خامسًا: التكييف الفقهي للتشخيص المبكر قبل الزواج:
التشخيص المبكر قبل الزواج مسألة حادثة لم يتطرق لها الفقهاء السابقون؛ وذلك لعدم وجود المختبرات والإمكانات لديهم، خصوصًا فيما يتعلق بالأمراض الوراثية، وكذلك ما يتعلق بالمقدرة على الإنجاب، أما فيما يتعلق بالأمراض فقد تكلم الفقهاء عن بعضها إلا أنهم لم يتكلموا عن الفحص لأجلها، ولعل مسألة التشخيص المبكر قبل الزواج تخضع للمصالح المرسلة، إذ أن التشخيص المبكر قبل الزواج مسألة حادثة لم يتطرق لها الفقهاء السابقون، ولا يمكن إدراجها تحت فرع من فروعهم، وتسمى في العصر الحديث التشخيص المبكر قبل الزواج أو الفحص قبل الزواج.
سادسًا: الحكم الشرعي للتشخيص المبكر قبل الزواج:
اختلف أهل العلم المعاصرون في هذه النازلة؛ فذهب جمهورهم إلى مشروعية هذا الفحص، وذهب بعض الفقهاء إلى عدم مشروعية التشخيص المبكر قبل الزواج.
الراجح في هذه النازلة:
الذي يظهر لنا هو جواز التشخيص قبل الزواج، وهو قول جمهور العلماء كما سبق، حيث أن الأدلة الشرعية تقتضي ذلك، وقد وافقتها المقاصد الشرعية في الجواز، وهذا الحكم من حيث العموم لكن قد يلفه عوارض تنقله للوجوب أو
стр. 2565
التحريم، فلو اشترط أحد الزوجين على صاحبه إجراء الفحص فإنه يكون واجبًا، ولو أن بلدًا من البلاد يتضرر فيه المقبلون على الزواج بإفشاء أسرارهم فهنا قد ينهى عنه، والله تعالى أعلم.
سابعًا: حكم الإلزام به:
بعد أن تبين لنا جواز إجراء التشخيص المبكر قبل الزواج، واتضحت فوائد إجرائه، فهل لولي الأمر أن يلزم به، فلا يمكن المقدم على الزواج من إتمام زواجه حتى يجري التشخيص؟
نقول: اختلف العلماء في مشروعية الإلزام بالتشخيص المبكر قبل الزواج على قولين:
القول الأول: أنه لا مانع شرعًا أن يصدر ولي الأمر نظامًا يلزم الناس بإجراء التشخيص المبكر قبل الزواج، واستدلوا لذلك بأمرين:
الأول: أن من القواعد المقررة شرعًا أن تصرف الإِمام على الرعية منوط بالمصلحة، ومنع إجراء الزواج قبل إجراء الزوجين للتشخيص الطبي عليهما وثبوت سلامتهما من الأمراض الخطيرة يعد من المصالح البينة القائمة على منع الفساد؛ إذ فيه حماية للنسل وغيره مما سبق ذكره من المصالح.
ثانيًا: أن عقد النكاح يدخله خيار العيب كغيره من العقود المدنية، وإن اختلفوا في تحديد العيوب التي يفسخ بها العقد، مما يدلل على أنه من الواجب على الخاطبين معرفة عيوب كل منهما الجسدية لكي لا يحدث الفسخ وما ينبني عليه من إشكالات مادية ونفسية وإنسانية.
القول الثاني: لا يجوز إجبار أي شخص لإجراء الاختبار الوراثي، ويجوز
стр. 2566
تشجيع الناس ونشر الوعي بالوسائل المختلفة بأهمية التشخيص المبكر، وذهب إلى هذا القول المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإِسلامي، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
أولًا: أن أركان النكاح وشروطه التي جاءت بها الأدلة الشرعية محددة، وليس منها وجوب إجراء التشخيص المبكر، وإيجاب أمر على الناس وجعله شرطًا للنكاح زيادة على شرع الله وهو باطل.
ثانيًا: أن النكاح لا يلزم منه الذرية، فقد يتزوج الرجل لأجل المتعة فقط، فلا وجه للإلزام بالتشخيص المبكر.
الترجيح: الذي يظهر لنا -والله أعلم- أن الإلزام بالفحوص الطبية قبل الزواج وربط توثيق العقد بها أمر غير جائز؛ لأن عقد النكاح من العقود التي تولى الشارع الحكيم وضع شروطها، فلا يليق فتح الباب للزيادة على ما جاء به الشرع، ومع اختيارنا لهذا القول إلا أنه قد صدر قرار من مجلس الوزراء السعودي بالإلزام، ومعلوم أن حكم الحاكم يرفع الخلاف، وبناء على ذلك يجب على كل مقبل على الزواج تطبيق هذا القرار طاعةً لولي الأمر.
وقد صدر من المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإِسلامي (١) قرار بهذه النازلة، ومما جاء فيه:
"أولًا: إن عقد النكاح من العقود التي تولى الشارع الحكيم وضع شروطها، ورتب عليها آثارها الشرعية. . . وفتح الباب للزيادة على ما جاء به الشرع، كالإلزام
стр. 2567
بالفحوص الطبية قبل الزواج أمر غير جائز.
ثانيًا: يوصي المجلس الحكومات والمؤسسات الإِسلامية بنشر الوعي بأهمية الفحوص الطبية قبل الزواج، والتشجيع على إجرائها، وتيسير تلك الفحوصات للراغبين فيها، وجعلها سرية، لا تفشى إلا لأصحابها المباشرين" (١).
стр. 2568
النازلة التاسعة والخمسون: أثر الأمراض المعدية الحديثة في الخيار بين الزوجين وفي حق المعاشرة وفي حضانة الولد
أولًا: تعريف المرض المعدي:
عرَّفَت منظمة الصحة العالمية المرض المعدي بأنَّه: المرض الذي ينتج من الإصابة بعدوى بعامل مُسبِّب يمكن انتقاله من إنسانٍ لإنسان، أو من حيوان لإنسان، أو من البيئة للإنسان والحيوان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
ثانيًا: أثر الأمراض المعدية في الخيار بين الزوجين:
تكلَّم الفقهاء ﵏ عن أسباب كثيرة للفرقة بين الزوجين، واختلفوا في حد العيب الذي يثبت به الخيار، والذي يظهر لنا أن أي ضرر أو عيب أو مرض يضر بأحد الزوجين أو يخالف مقصود النكاح فإن له حق طلب الفسخ.
ثالثًا: حكم التفريق بين الزوجين بسبب الأمراض المعدية الحديثة:
لقد فشت بعض الأمراض الخطيرة في هذا الزمان التي لم تكن في العصور السابقة، فما حكم الفسخ بالأمراض المعدية الحديثة التي استجدت في هذا العصر؟
أ- رأي الأطباء:
قرر الأطباء تقسيم الأمراض المعدية إلى حالتين:
الحالة الأولى: المرض المعدي الذي يمكن علاجه:
فالذي يظهر أن المرض حينئذٍ لا يكون عيبًا يُسوغ الخيار في النكاح لأحد الزوجين، ويمكن عند النزاع بين الزوجين أن يضرب القاضي مدةً يُنتظر فيها زوال
стр. 2569
العيب من عَدِمه، كما ذكر الفقهاء في مسألة العِنِّين.
الحالة الثانية: المرض المعدي المستعصي الذي لا يمكن علاجه:
فلو نظرنا إلى مرض (الإيدز) مثلًا، لوجدنا أن من تقريرات الأطباء فيه ما يلي:
* احتمالات انتقال العدوى من الزوج المريض إلى الزوج السليم واردة، ولا سيما إذا كان المريض يرفض استعمال العازل الذكري.
* معدَّل الحياة بعد ظهور أعراض المصاب بالإيدز ما بين عامين إلى ثلاثة أعوام فقط، وهو مرض لا يمكن الشِّفاء منه إلا بإذن الله؛ حيث لم يوجد لقاح حتى الآن معالج لفيروس الإيدز.
* طرق العدوى بمرض الإيدز محصورة في الاتصال الجنسي ونقل الدم.
* الأطباء ينصحون بالابتعاد عن الاتصال الجنسي ما أمكن، فإن أصرا على الاتصال الجنسي فيكون ذلك عن طريق استعمال العازل الذكري أو الأنثوي؛ لمنع ملامسة الإفرازات الجنسية لكل من الطرفين مما يقلل نسبة الإصابة للسليم.
ب- رأي الفقهاء:
بناءً على ما تقدم من معلومات طبية فقد اختلف الفقهاء المعاصرون في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: جواز طلب الفرقة من أي طرف متى طلب ذلك ويثبت له خيار العيب، ولا يجوز للمصاب إجبار زوجته على البقاء أو المعاشرة الجنسية.
وقد جاء في بحث إجراءات الوقاية الزوجية في الفقه الإِسلامي (١) من مرض الإيدز: "أن يمتنع الطرف الآخر عن المعاشرة ويبقى معافى من الإصابة، وهذا يجوز
стр. 2570
له أن يطلب التفريق حماية لنفسه ومستقبله، ومستقبل أولاده من العدوى الممكنة في كل وقت بالدم أو المعاشرة أو اللبن".
القول الثاني: إجبار الزوجين على الفرقة ولو رضي السليم بالبقاء، فإذا كانت المرأة هي السليمة فعلى الأولياء أن يأخذوا على يدها؛ لما تقرر شرعًا من الضرر الحاصل ببقائها معه.
وإذا كان السليم هو الزوج، فيجب على الحاكم منعه وحجره عن ذلك، إن لم يبتعد عما هو فيه؛ لأن تزوج الرجل المعافى من مريض بمرض خطير ضار -كالإيدز والبرص والجذام- أولى من سفه التصرف بالمال، فالسفه في التصرف في النفس وإهلاكها أشد خطرًا من السفه في التصرف بالمال. وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإِسلامي (١) ما نصه: "حق السليم من الزوجين في طلب الفرقة من الزوج المصاب بعدوى مرض نقص المناعة المكتسبة الإيدز: للزوجة طلب الفرقة من الزوج المصاب باعتبار أن مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) مرض معدٍ تنتقل عدواه بصورة رئيسية بالاتصال الجنسي".
ويستدل على ذلك بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [النساء: ١٨٥]، وفي بقاء الزوجة السليمة مع زوجها المريض بهذا المرض عسر وحرج ومشقة لا تطاق.
٢ - قوله ﷺ : "وَفِرَّ مِنْ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنْ الأَسَدِ" (٢)، فالنبي ﷺ أمر بالبعد
стр. 2571
عن المريض بالمرض المعدي كالجذام وهذا منه.
٣ - أن هذا المرض يحول دون تحقيق مقاصد النكاح من الاستمتاع وتحقيقه من الولد والإحصان والمودة والرحمة؛ لما يسببه من نفره تمنع قربانه، قياسًا على الجذام والبرص.
٤ - من القواعد الشرعية المعتبرة: (أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وهذا المرض متعدي إلى من يخالط صاحبه، بل قد يتعدى إلى النسل.
٥ - ومن القواعد الشرعية: أن (الضرر يزال)، وفي بقاء الزوجة السليمة ضرر كبير عليها، وإزالته واجب شرعي.
ولذلك فإن الذي يترجح في هذه المسألة أن هذه الأمراض المعدية المستعصية تدخل من ضمن أسباب التفريق، وأنه يثبت بها خيار العيب بين الزوجين، هذا من حيث الأصل، ومعلوم أن النظر في مثل هذه المسائل مرهون بالمصلحة والمفسدة، فإن رأى الحاكم أن التفريق بين الزوجين فيه المصلحة -وإن رضيا بالبقاء- فرق بينهما، لكن الأصل هو الرجوع إلى الطرف السليم فإن رضي بالبقاء فله ذلك؛ لأن الخيار له، بشرط التزامهما بالضوابط والتوجيهات الصحية اللازمة لحماية السليم منهما من المرض، والله أعلم.
رابعًا: أثر الأمراض المعدية الحديثة في المعاشرة بين الزوجين:
إذا قرر كل من الرجل والمرأة استمرار الزوجية بينهما فلا بد لهما من الأخذ بالأسباب التي تكون معينةً -بإذن الله- على عدم نقل العدوى من المصاب إلى السليم، لكن هل يبقى حق التمتع والمعاشرة بين الزوجين على حاله؟ أم أنه يعد خطرًا على السليم منهما؟
стр. 2572
أ- آراء الأطباء في المسألة:
يقرر الأطباء أنه من الممكن انتقال المرض المعدي بأحد طريقين:
الأول: عن طريق الاتصال الجنسي بين الزوجين.
الثاني: عن طريق تقرُّحات أو جروح في بدن المُصَاب، سواءٌ كان الجرح في الأعضاء التناسلية أو غيرها.
ب- رأي الفقهاء:
بناءً على ما ذكره الأطباء يمكن تقسيم المعاشرة بين الزوجين على قسمين:
القسم الأول: معاشرة في الفرج.
القسم الثاني: معاشرة في ما دون الفرج.
أما حكم القسم الأول وهو المعاشرة في الفرج، فإنه يحرم شرعًا إذا كان هذا المرض المعدي مما ينتقل بالاتصال الجنسي، فإذا طلب المصاب من الزوجين ذلك وجب على السليم الامتناع من ذلك، ولا تعد الزوجة السَّليمة ناشِزَةً، وكذا الزوج لا يُعدُّ مولِيًا لو امتنع.
ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وفي المعاشرة في الفرج إلقاء للنفس في التهلكة، ويغلب على الظن انتقال المرض بها، وكذا فإن قواعد الشرع ونصوصه جاءت بسد باب الضرر ودفعه وسد الوسائل الموصلة إليه، فلا ضرر ولا ضرار، وإذا ثبت حق الفسخ بسبب الضرر، فالامتناع مع البقاء أولى.
أما في حال استخدام الزوجين للعازل أو الواقي فالمسألة مشكلة، خاصة إذا عرفنا أنه في أحدى الدراسات الطبية التي شملت العلاقة بين المتزوجين بعد حوالي (١٥٠٠٠) اتصال جنسي هي (صفر) ولذلك فإن المسألة يتنازعها أصلان، أصل
стр. 2573
الجواز والإباحة، وأصل المنع، أخذًا للحيطة والحذر؛ لأن الاحتمال يبقى قائمًا ولو كان ضعيفًا، وكل يدرك خطورة الإصابة بمرض كالإيدز لا يوجد له علاج إلى الآن، والسلامة لا يعدلها شيء والله أعلم.
أما القسم الثاني وهو المباشرة في ما دون الفرج، فقد اختلف الفقهاء فيه على قولين:
القول الأول: أن المباشرة فيما دون الفرج أمر محرم، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وهذه قاعدة عامة منع الله تعالى فيها الناس من إلقاء أنفسهم إلى الضرر والتهلكة.
وقد حذر النبي ﷺ من إيقاع الضرر على النفس أو الغير، في قوله: "لاَ ضَرَر وَلَا ضِرَارَ" (١). وهذا الأمر بلا شك من أعظم الضرر؛ لأنه يعود بمفسدة كبيرة على النفس.
وقد كان النبي ﷺ يأخذ بالأسباب دفعًا للضرر، فعندما جاء وقد ثقيف يبايع النبي ﷺ وكان فيهم رجل مجذوم أرسل إليه النبي ﷺ بقوله: "إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ" (٢).
ومعلوم أن الأمراض المعدية وخاصة الإيدز يحتاج معها إلى الابتعاد عمن هو مصاب به، دفعًا للضرر الحاصل من الاختلاط به، وعلى ذلك فلا تجوز المعاشرة حتى ولو كانت فيما دون الفرج.
القول الثاني: أن المباشرة فيما دون الفرج جائزة، لكن مع استخدام كافة الاحتياطات، كالواقي الذكري أو العازل، حيث أجاز هؤلاء المعاشرة الزوجية
стр. 2574
والمساس حال الرضا.
واستدلوا بأن الأصل هو بقاء الزوجية وعدم التفريق، فمتى ثبتت لا يجوز التفريق إلا بدليل من كتاب أو سنة وإلا فلا.
وأيضًا، فإن حصول المرض بالمباشرة فيما دون الفرج مشكوك فيه، ولا يزول اليقين بالشك، وتبعًا للأصل، والأصل بقاء ما كان على ما كان.
وأيضًا، إن التدابير الوقائية يجب أن تقتصر على طرق انتقال المرض، وما دامت هذه المباشرة ليست ناقلة، فما الداعي لحظرها؟
والذي يظهر لنا بعد ذكر القولين جواز العشرة الزوجية، والمباشرة فيما دون الفرج بالضوابط التالية:
١ - أن يكون احتمال انتقال العدوى بها ضئيلًا جدًّا.
٢ - التزام الزوجين باستعمال كافة الاحتياطات التي يوصيهم بها الطبيب، ومنها استخدام العازل بكل انتظام ودقة.
٣ - الاستمرارية في استعمال العازل حتى مع طول المدة، وعدم التساهل في تركه، ولا سيما أن الحياة الزوجية الأصل فيها الدوام.
فإذا لم تتوفر هذه الضوابط فالأولى في ذلك المنع؛ لأنه الأحوط نظرًا لخطورة الأمراض المعدية.
خامسًا: أثر الأمراض المعدية الحديثة في حق الحضانة:
صورة المسألة: أن يكون أحد الزوجين مُصابًا بمرضٍ معدٍ، فهل يؤثر ذلك على استحقاقه لحضانة الطفل؟
стр. 2575
وهذا فيما إذا لم يترتَّب ضرر ظاهرٌ على المحضون؛ إذ قِيَام الحضانة على مصلحة المحضون، وليس ثمة مصلحة إذا عُلِمَ انتقال المرض إليه، أو كانَ المُصَاب لا يقوى على شؤون الحضانة بسبب مرضه.
أ- آراء الأطباء: للأطباء في هذه المسألة رأيان:
الرأي الأول: من رأى منهم أنه لم يثبت طبيًّا انتقال العدوى بسبب المخالطة العادية والاختلاط بين الأفراد، وجاء ذلك في بحث معلومات أساسية حول مرض الإيدز (١): "ولم يثبت انتقال العدوى في العائلات حتى ولو لم تتخذ احتياطات إضافية إلا بين الزوج والزوجة، فإذا راعت الأم الأساسيات البسيطة لنقل العدوى فلن تكون مصدر خطر على طفلها".
الرأي الثاني: يرى أن الصلة الحميمة تفترق عن الممارسات العادية، فالصلة الحميمة قد تسبب انتقال المرض.
ب- آراء الفقهاء: اختلف الفقهاء المعاصرون في هذه المسألة بناء على اختلاف الأطباء فيها على قولين:
القول الأول: لا يجوز إسقاط الحضانة من المصاب بمرض معدي.
وممن قال بذلك مجمع الفقه الإِسلامي، وكذا الندوة الفقهية الطبية.
جاء في قرار مجمع الفقه الإِسلامي (٢): "لما كانت المعلومات الطبية الحاضرة تدل على أنه ليس هناك خطر مؤكد من حضانة الأم المصابة بعدوى مرض نقص المناعة المكتسبة الإيدز لوليدها السليم وإرضاعها له، شأنها في ذلك شأن المخالطة
стр. 2576
والمعايشة العادية، فإنه لا مانع شرعًا من أن تقوم الأم بحضانته ورضاعته ما لم يمنع من ذلك تقرير طبي".
القول الثاني: التوقف في إعطاء حق حضانة للمريض المصاب بالمرض المعدي حتى يتضح الأمر، ويقطع بعدم الانتقال، إن وجد من يقوم بحضانته غير المصاب.
جاء في كتاب الإيدز (١) أحكامه وعلاقة المريض الأسرية والاجتماعية: "ولكن الذي أميل إليه والحالة هذه من عدم وضوح وسائل انتقاله: أنه يأخذ حكم الجذام والبرص حتى يقطع بعدم الانتقال بالمعايشة إن وجد من يقوم بحضانته غير المصاب، وإلا وجب بقاؤه مع المريض".
والذي يترجح عندنا أن الأصل في هذه الحالة سقوط الحضانة حتى يتضح الأمر، ويكون المرجع في هذه الحالة إلى القضاء ليحكم في كل حالة بما يناسبها (٢).
стр. 2577
النازلة الستون: الأحكام المتعلقة بمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)
أولًا: التعريف به:
الإيدز اعتلال خطير جدًّا ينتج عن عجز مقدرة أجهزة المناعة في الجسم على محاربة كثير من الأمراض، وغالبًا ما يقود هذا المرض في نهاية المطاف إلى الموت.
وتعني كلمة إيدز متلازمة عوز المناعة المكتسب، ويشير اسم هذا المرض إلى حقيقة أنه يصيب جهاز المناعة لدى المريض، ورغم أن بعض الباحثين كانوا يتابعون حالات هذا المرض منذ عام ١٩٥٩ م إلا أن أول اكتشاف للإيدز كان في أمريكا في عام ١٩٨١ م، ثم تتابع تشخيص حالات هذا المرض في جميع أنحاء العالم.
ثانيًا: طرق العدوى بمرض الإيدز:
تكمن العدوى بهذا المرض الخطير في عدة أمور منها:
١ - الاتصال الجنسي، وهو السبب الرئيسي لانتقال فيروس الإيدز.
٢ - عن طريق نقل الدم أو مشتقاته الملوث بالفيروس.
٣ - زراعة الأعضاء من متبرع مصاب.
٤ - استخدام إبر أو أدوات حادة أو ثاقبة للجلد ملوثة مثل أمواس الحلاقة أو أدوات الوشم.
٥ - عن طريق المشيمة من الأم الحامل.
стр. 2578
ثالثًا: التكييف الشرعي لمرض الإيدز من جهة مرض الموت:
إن مرض الموت عُرفًا هو: المرض الذي يستشعر فيه الإنسان بدنوّ أجله، وقد حكم الشارع في هذه الحالة بالحجر على تصرفات المريض التي تضرّ بحقوق الدائنين والورثة. وبما أن مرض الإيدز -على ما ذكره الأطباء- يكمن في الجسم عدة سنوات قد تبلغ عشر سنين أو أكثر يكون فيها المصاب بالمرض عاديًا في كل تصرفاته في أكثر هذه المدة، إذًا لا يمكن أن يحكم على المريض بمرض الإيدز أنه في حالة مرض الموت.
فإذا وصل المريض إلى مراحله المتأخرة من العدوى التي يستفحل فيها المرض وتصاحب المريض تغييرات سلوكية مصحوبة بالخرف، وتقعده عن ممارسة الحياة اليومية، وتتصل هذه التغييرات بالموت، ففي هذه المراحل يحكم على المريض بأنّ مرضه مرض الموت، حيث إنّه في هذه الحالة الشديدة يستشعر بدنوّ أجله، وبهذا ينطبق عليه عنوان (مرض الموت)، فتتقيّد تصرفاته المضرّة بحقوق الديان والورثة.
رابعًا: حكم عزل المصاب بالإيدز:
إن عزل المريض فيه نفع للمجتمع وللمريض معًا، أما للمجتمع فيتصور في الوقاية من انتشار المرض، وأما للمريض فيتصور في حفظ المريض من أن تسري إليه العدوى بأمراض الآخرين وهو في حالة منهكة، وتقديم الرعاية المركزة له.
وبناء على ما ذكرناه آنفًا من أسباب نقل العدوى بمرض الإيدز فلا مسوّغ لعزل المريض بالإيدز من المجتمع في مصحّات خاصة؛ لعدم وجود أي احتمال أساسي لانتقال المرض عن طريق الطعام أو الشراب أو المرافق الصحية أو المسابح أو التنفس أو المقاعد أو أدوات الطعام أو الملابس أو اللمس.
стр. 2579
ولكن هنا أمر يتوجه إلى المريض نفسه وهو: أن يتجنب طرق العدوى للآخرين ممّن هو محترم النفس؛ لما ثبت من نصوص الشرع الحنيف من حرمة الإضرار وإلقاء الأنفس إلى التهلكة.
خامسًا: حكم تعمد نقل العدوى بمرض الإيدز:
إن تعمد نقل العدوى إلى الآخرين عمل محرم؛ وذلك لحرمة الإضرار بالآخرين وبخاصة الأضرار المؤدية إلى الموت.
وتعمد نقل العدوى بمرض الإيدز له أحوال:
الأول: أن يتعمد نقل العدوى إلى شخص سليم بغرض قتله:
فالحكم هنا أنه يأثم بفعله هذا، فإن مات ذلك الشخص كان جزاء الجاني أن يقتل قصاصًا لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وإن لم يمت عوقب الجاني بعقوبة تعزيرية تتفق مع فظاعة الجرم.
الثاني: أن يتعمد نقل العدوى بقصد إشاعة المرض في المجتمع، فهذا الجرم يعد نوعًا من الحرابة تستوجب عقوبتها، وذلك دفاعًا عن النفوس التي يجب حفظها عن المرض المهلك؛ لقول الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ في الدُّنْيَا وَلَهُمْ في الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٢٣].
الثالث: أن يكون قصد المعدِي هو قتل المُعدَى، وقد تحقق القتل بعد أن مات المُعدَى، فالحكم هو ثبوت الديّة فيما تركه المُعدِى؛ وذلك لعدم إمكان القصاص فنتنزل إلى الدية.
стр. 2580
الرابع: أن يكون قصد ناقل المرض هو قتل من ينقل إليه المرض، وقد حصلت العدوى فقط، فهنا لا يجوز قتل الناقل (المصاب)؛ وذلك لعدم جواز القصاص قبل وقوع الجناية (القتل)، لكن يستحق الناقل للمرض التعزير من قبل الحاكم الشرعي حسب ما يراه مناسبًا.
الخامس: أن يكون قصد حامل الفيروس نقل المرض لفرد معين واعترف بذلك ولم تحصل الإصابة، فينطبق عليه عنوان التجري وحكمه فلا يبعد استحقاقه التعزير بسبب قصده الإيذاء وإيقاع الفساد.
السادس: أن يكون قصد المصاب العدوى، وقد حصلت في الخارج، فيكون عمله خطأ، فإذا مات المنقول إليه المرض بسبب العدوى فقد حصل القتل الخطأ فتثبت الدية على العاقلة.
سادسًا: حكم إجهاض الأم المصابة بعدوى الإيدز:
ذكر الأطباء أنّ نسبة انتقال المرض إلى الجنين أثناء الحمل ضئيلة لا تتجاوز ١٠ %، وبناءً عليه لا يجوز قتل الجنين أو إجهاضه، كما سبق بيانه في نازلة حكم الإجهاض.
ومن قرارات مجمع الفقه الإِسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي (١)، بخصوص هذه النازلة:
أولًا: تؤكد المعلومات الطبية المتوافرة حاليًا أن العدوى بفيروس العوز المناعي البشري مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) لا تحدث عن طريق المعايشة أو الملامسة أو التنفس أو الحشرات أو الاشتراك في الأكل والشرب أو حمامات السباحة
стр. 2581
أو المقاعد أو أدوات الطعام، ونحو ذلك من أوجه المعايشة في الحياة اليومية العادية، وإنما تكون العدوى بصورة رئيسية بإحدى الطرق التالية:
١ - الاتصال الجنسي بأي شكل كان.
٢ - نقل الدم الملوث أو مشتقاته.
٣ - استعمال الإبر الملوثة، ولا سيما بين متعاطي المخدرات، وكذلك أمواس الحلاقة.
٤ - الانتقال من الأم المصابة إلى طفلها في أثناء الحمل والولادة.
وبناء على ما تقدم فإن عزل المصابين إذا لم تخش منه العدوى عن زملائهم الأصحاء غير واجب شرعًا، ويتم التصرف مع المرضى وفق الإجراءات الطبية المعتمدة.
ثانيًا: تعمد نقل العدوى بمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) إلى السليم منه بأية صورة من صور التعمد عمل محرم، ويعد من كبائر الذنوب والآثام، كما أنه يستوجب العقوبة الدنيوية، وتتفاوت هذه العقوبة بقدر جسامة الفعل وأثره على الأفراد وتأثيره على المجتمع.
فإن كان قصد المتعمد إشاعة هذا المرض الخبيث في المجتمع، فعمله هذا يعد نوعًا من الحرابة والإفساد في الأرض، ويستوجب إحدى العقوبات المنصوص عليها في آية الحرابة (١).
وإن كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه وتمت العدوى ولم يمت المنقول إليه بعد، عوقب المتعمد بالعقوبة التعزيرية المناسبة، وعند حدوث
стр. 2582
الوفاة ينظر في تطبيق عقوبة القتل عليه، وأما إذا كان قصده من تعمد نقل العدوى إعداء شخص بعينه ولكن لم تنتقل إليه العدوى، فإنه يعاقب عقوبة تعزيرية.
ثالثًا: نظرًا لأن انتقال العدوى من الحامل المصابة بمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) إلى جنينها لا تحدث غالبًا إلا بعد تقدم الحمل (نفخ الروح في الجنين) أو أثناء الولادة، فلا يجوز إجهاض الجنين شرعًا.
رابعًا: حضانة الأم المصابة بمرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) لوليدها السليم وإرضاعه:
أ- لما كانت المعلومات الطبية الحاضرة تدل على أنه ليس هناك خطر مؤكد من حضانة الأم المصابة بعدوى مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) لوليدها السليم، وإرضاعها له، شأنها في ذلك شأن المخالطة والمعايشة العادية، فإنه لا مانع شرعًا من أن تقوم الأم بحضانته ورضاعته ما لم يمنع من ذلك تقرير طبي.
خامسًا: للزوجة طلب الفرقة من الزوج المصاب باعتبار أن مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) مرض مُعْد تنتقل عدواه بصورة رئيسية بالاتصال الجنسي.
سادسًا: يعد مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) مرض موت شرعًا إذا اكتملت أعراضه، وأقعد المريض عن ممارسة الحياة العادية، واتصل به الموت.
стр. 2583
الفِقهُ الميَسَّر
قِسْمِ النَّوازل
(مبادئ وقواعد في النَّوازل - النَّوازل في الأشربة والأطعمة - النَّوازل في الإيمان والنِّذور - النَّوازل في الجنايات - الديات - الحدود - الجهاد - القضاء)
النَّوازلُ العَامَّة
مَوسُوعة فقهيَّة حَديثَة تتناوَل أحكام الفقه الإسلامي بأسُلوب وَاضح للمختصّين وغيرهم
تَأليف
د/محمَّد بن إبراهيم الموسَى
عضو مجلس الشورى سابقًا - المجلس الأعلى للأوقاف
أ. د/عبد الله بن محمّد المطلق
عضو هَيئة كبار العُلَماء، وعضو اللجنة الدَّائمة للإفتاء
أ. د/عَبد الله بن محمد الطيّار
أستَاذ الدراسات العليا بكليَّة الشَّريعة والدِّراسات الإسلامية بجامعة القصيم
الجزء الثَّالث عشر
مدار الوطن للنشر
стр. 2584
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2585
الفِقهُ الميَسَّر
قِسْمِ النَّوازل
стр. 2586
حقُوق الطَّبع محفُوظَة
الطَّبعَة الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م
مَدَارُ الوَطن للنَّشر
المملكة العربية السعودية - المقر الرئيسي: الرياض - الملز
ص. ب: ٢٤٥٧٦٠ - الرمز البريدي ١١٣١٢ - هاتف ٤٧٩٢٠٤٢ (٥ خطوط) - فاكس ٤٧٢٣٩٤١
البريد الإلكتروني: pop@madaralwatan.com
موقعنا على الإنترنت: www.madaralwatan.com
الرياض: ٠٥٠٣٢٦٩٣١٦
الغربية: ٠٥٠٤١٤٣١٩٨
الشرقية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٨
الشمالية والقصيم: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٨
التوزيع الخيري للشرقية والجنوبية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩
التوزيع الخيري لباقي جهات المملكة: ٠٥٠٦٤٣٦٨٠٤
التسويق للجهات الحكومية: ٠٥٠٠٩٩٦٩٨٧
مبيعات المكتبات الخارجية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩
стр. 2587
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مبادئ وقواعد في النوازل
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. وبعد:
تمهيد: فإن من سنن الله القائمة في كونه تبدل الأحوال وتغير الظروف، فلكل عصر أدواته ووسائله، ولكل أهل زمان عاداتهم وأعرافهم الخاصة، وقد تميز هذا العصر عن العصور السابقة بالتطور المادي الكبير الذي شمل كافة نواحي الحياة، وبخاصة في مجال العلوم والتكنولوجيا؛ حيث نشهد هذه الأيام ثورة عارمة وتقدمًا مذهلًا في وسائط الإعلام والاتصال وتقنية المعلومات، إلى درجة أن المرء بات عاجزًا عن ملاحقة ما يستجد في هذا المجال.
وكان لانتشار هذه الوسائل دور هام في تيسير أمور الناس وقضاء احتياجاتهم، فصاروا يعتمدون عليها في أغلب شؤون حياتهم، ولم يعد بإمكان أحد الاستغناء عنها في هذا الزمن، وقد أفرز هذا التطور جملة من النوازل والمسائل الجديدة التي تتطلب من علماء الشريعة بذل الجهد واستفراغ الوسع في استنباط أحكامها.
ولقد اهتم علماء الشريعة بما يستجد من النوازل الفقهية، وحظيت هذه النوازل باهتمام علماء العصر اهتمامًا بالغًا، فقاموا ببيان المنهج الشرعي في استنباط أحكامها، وبذل الوسع في بيان حكم ما وقع منها.
ونبين معنى فقه النوازل وأهميته، والضوابط التي ينبغي لأهل العلم أن يسلكوها عند حصول النازلة، وبيان الحكم الشرعي فيها.
أولًا: تعريف فقه النوازل لغة واصطلاحًا:
أ- تعريف الفقه لغة: الفِقه بالكسر: فهم الشيء.
وفي الاصطلاح: معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية.
стр. 2588
ب- تعريف النوازل: النوازل جمع نازلة، وهي لغة: تدل على هبوط شيء ووقوعه.
واصطلاحًا: يختلف مفهوم النازلة عند أهل العلم في القديم والحديث:
ففي القديم كانت تطلق ويراد بها: الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالناس ومن ذلك مشروعية القنوت في النوازل، أما في الحديث فقد عرفت النازلة بعدة تعريفات منها:
أ- الوقاع والمسائل المستجدة، والحادثة التي تحتاج إلى حكم شرعي.
فيكون تعريف فقه النوازل بناء على ما سبق: معرفة الحوادث التي تحتاج إلى حكم شرعي.
فقولنا معرفة: يشمل العلم والظن، فخرج بذلك الجهل والوهم والشك؛ لأن إدراك الأحكام الفقهية قد يكون يقينيًّا وقد يكون ظنيًّا.
وقولنا الحوادث: يراد بها الشيء الذي يقع ولم يكن له ما يماثله، ولها عدة صور:
١ - حوادث جديدة تقع لأول مرة، مثل: النقود الورقية، وزراعة الأعضاء.
٢ - حوادث جديدة تغيّر حكمها؛ لتغير ما اعتمدت عليه من عرف، مثل: صور قبض المبيع المعاصرة.
٣ - حوادث اشترك في تكوينها أكثر من صورة من الصور القديمة، مثل: عقد الاستصناع، بيع المرابحة للآمر بالشراء.
وقولنا تحتاج إلى حكم شرعي: يخرج بهذا القيد الحوادث التي لا تحتاج إلى حكم شرعي، مثل، الزلازل والكوارث والبراكين.
ويطلق على العلم الذي يُعنى بالنازلة عدة مصطلحات منها:
١ - فقه النوازل.
стр. 2589
٢ - فقه الواقع: يعني: فقه الحياة التي يعيشها الشخص.
٣ - فقه المقاصد: فالنوازل أحكامها تستنبط من مقاصد الشريعة وتعلل بها.
٤ - فقه الأولويّات: يعني أن النازلة سواء كانت للفرد أو المجتمع، فهي أولى بالبحث والاستقصاء وإبراز الحكم من غيرها، فهي من الأولويات في هذا الجانب.
٥ - فقه الموازنات: أي إن من أبرز الوسائل لإيضاح فقه النازلة الموازنة بينها وبين ما يشبهها أو يقاربها.
ثانيًا: أهمية دراسة فقه النوازل:
سبق أن قلنا بأن تغير الأحوال والظروف أنتج كمًّا هائلًا من القضايا الفقهية المعاصرة، ولا تخفى أهمية الموضوع وضرورته للمهتمين بعلوم الشريعة بخاصة، ولجميع المسلمين بعامة، وتكمن أهمية دراسة النوازل الفقهية في عدة أمور منها:
١ - معالجة القضايا الفقهية المستجدة المطروحة على الساحة، وما هي الأسس والقواعد والضوابط التي يجب اعتمادها للوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح في تلك النوازل.
٢ - أن فقه النوازل يقوم على الدراسة الشاملة لجميع ما يتعلق بالنازلة من كافة أبعادها الشرعية، التاريخية، القانونية، الاجتماعية، النفسية، ومن ثم إعطاء الحكم الشرعي المناسب لها.
٣ - إبراز قدرة الفقه الإِسلامي وفاعليته لتقديم الحلول الناجحة التي تستجيب لواقع العصر وتحدياته.
٤ - صدق الإِسلام وخلوده وصلاحيته للقيادة والريادة والتوجيه إلى يوم الدين.
٥ - أنه يظهر كمال الشريعة الإِسلامية، وقدرتها على استيعاب كافة المستجدات والحوادث، فإنها امتازت عن الشرائع السماوية والقوانين الأرضية بكونها صالحة لكل
стр. 2590
زمان ومكان.
٦ - أنه يتعلق بعلم أصول الفقه، هذا العلم العظيم الذي جعلت المعرفة به شرطًا من شروط الاجتهاد والفتوى.
٧ - حاجة الناس الماسة إلى بيان أحكام هذه النوازل؛ خصوصًا بعد انتشارها، واعتماد أغلب المسلمين عليها، وكونها واقعًا لا مفر منه.
٨ - إنارة السبيل أمام الناس بإيضاح حكم هذه النازلة؛ حتى يعبدوا الله على بصيرة وهدى ونور في منهج إسلامي واضح، فلو تُرك التصدي لتلك النوازل دون إيضاح لأحكامها لصار الناس في تخبّط، ثم استفتوا من لا يصل إلى رتبة الاجتهاد، وهذا قد يفتي بغير علم فيَضِلّ ويُضِلّ.
٩ - كسب الأجر والمثوبة من الله ؛ فإن الدارس (للنازلة) المتجرد الذي يريد أن يصل إلى حكمها الشرعي إذا بذل جهده ووصل إلى حكم فيها فهو مأجور، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر.
١٠ - الحرص على تأدية الأمانة التي حمّلها اللهُ العلماءَ؛ فقد أخذ اللهُ الميثاقَ على العلماء ببيان الأحكام الشرعية وعدم كتمانها، وقد حصر التكليف بهم؛ فكان لزامًا عليهم التصدي للفتوى في النوازل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا؛ إبراء للذمة بإبلاغ العلم وعدم كتمانه.
ثالثًا: أنواع النوازل:
النوازل تتنوع باعتبارات شتى؛ فمن هذه الاعتبارات:
١ - بالنظر إلى أبواب الفقه:
أ- نوازل في العبادات: وتتميز بالقلة إذا ما قورنت بنوازل المعاملات، مثل: تطهير المياه الملوثة بالوسائل الحديثة، والصلاة في الطائرة.
стр. 2591
ب- النوازل في المعاملات: وتتميز بالكثرة والتوسع، مثل: المرابحة للآمر بالشراء، والمصارف الإِسلامية، والأوراق المالية.
ج- نوازل في حكم الأسرة في كتاب النكاح: وتتميز بالخطورة؛ لأن الأصل في الأبضاع الحظرُ والمنع، ولما يترتب على إهمالها من اختلاط الأنساب مثل: قضايا الإجهاض، وموانع العمل كاللولب، وما يتعلق بأطفال الأنابيب.
د- نوازل في الجنايات والحدود والأطعمة: مثل إعادة العضو المقطوع حدًّا أو قصاصًا سواء لصاحبه أو لغيره، والأطعمة المستوردة، والقتل بالصعق الكهربائي.
٢ - النوازل المتعلقة بالرجل والمرأة:
أ- نوازل خاصة بالرجل، مثل: نوازل الخلافة والإمامة ونحوها.
ب- نوازل خاصة بالمرأة، مثل: موانع الحمل كاللولب ونحوه.
٣ - النوازل المتعلقة بالإفراد والتركيب:
أ- نوازل مفردة، مثل: غسيل الكلى وأثره في الطهارة.
ب- نوازل مركبة، مثل: المراصد الفلكية وأثرها في تحديد أوقات العبادات.
رابعًا: حكم دراسة النازلة:
الاجتهاد في النوازل له حالات:
١ - كونه فرض عين: وذلك في حالين:
أ- في حق المجتهد الذي تعين عليه الاجتهاد واستفتاه من لا يسعه سؤال غيره.
ب- والاجتهاد في حق نفسه في ما نزل به؛ لأن المجتهد لا يجوز له تقليد غيره.
٢ - كونه فرض كفاية: وذلك في حالين.
стр. 2592
أ- ألا يخاف من ذوات الحادثة، وذلك بحيث تكون قابلة للتأخير.
ب- إمكانية سؤال غيره من المجتهدين.
٣ - كون الاجتهاد مندوبًا إليه أو مستحبًا، وذلك في حالين:
أ- الاجتهاد من العالم نفسه قبل نزول الحادثة محل الخلاف.
ب- أن يفترض المقلد سؤالًا عن حادثة لم تقع بعد.
فالاجتهاد في هاتين الحالتين عند بعض العلماء من باب المستحب، وهما من باب ما يسمى بالفقه الافتراضي، وهو أن يفترض الشخص حادثة لم تقع، ثم يبين حكمها ويجتهد فيما افترضه وتخيّله، ويصدر الحكم على هذا الأساس.
٤ - الاجتهاد المحرم، وله صور:
أ- الاجتهاد في مقابل النص القاطع.
ب- الاجتهاد في مقابل الإجماع الثابت بالتواتر.
ج- الاجتهاد من غير أهله؛ سواء من المقلدين أو ممّن لم يبلغوا درجة الاجتهاد.
د- الاجتهاد الذي هو نتيجة التشهي وطلب الشهرة والتعالي.
قال ابن القيم ﵀: "الفائدة السبعون: إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء فهل يجوز الاجتهاد فيها بالإفتاء والحكم أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه:
* أحدها: يجوز.
* الثاني: لا يجوز له الإفتاء ولا الحكم، بل يتوقف حتى يظفر فيها بقائل.
* والثالث: يجوز ذلك في مسائل الفروع لتعلقها بالعمل وشدة الحاجة إليها وسهولة خطرها، ولا يجوز في مسائل الأصول.
стр. 2593
والحق التفصيل، وأن ذلك يجوز بل يستحب أو يجب عند الحاجة، وأهلية المفتي والحاكم؛ فإن عدم الأمران لم يجز، وإن وجد أحدهما دون الآخر؛ احتمل الجواز والمنع، والتفصيل فيجوز للحاجة دون عدمها. والله أعلم" (١).
خامسًا: الشروط المعتبرة في المتصدي للنازلة:
يشترط فيمن يتصدى لفقه النوازل أن يكون مجتهدًا:
أ- تعريف المجتهد.
لغة: مأخوذ من الجهد ومادته (ج هـ د) تدور على بذل الجهد والطاقة في أمر ما.
واصطلاحًا: بذل المجهود في العلم بأحكام الشرع.
ب- شروط المجتهد:
١ - إحاطته بمدارك الأحكام (الكتاب والسنة والإجماع).
٢ - أن يكون عالمًا باللغة العربية.
٣ - معرفة مقاصد الشريعة.
٤ - أن يكون عارفًا باستنباط معاني الأصول ليعرف بها حكم الفروع.
٥ - أن يكون عارفًا بمراتب الأدلة، وما يجب تقديمه، وما يجب تأخيره.
٦ - أن يكون على معرفة بالواقع والظروف التي تحيط به؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
٧ - أن يكون مأمونًا، ثقة في دينه.
ج - مراتب المجتهدين:
стр. 2594
وهي في الجملة أربع مراتب:
١ - المجتهد المطلق: وهو مَن بلغ رتبة الاجتهاد، واستقل بإدراك القواعد لمذهب معين، دون تقليد أو تبعية لأحد.
٢ - المجتهد المطلق المنتسب: وهو مَن بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، لكنه لا زال منتسبًا إلى مذهب غيره، ولم يؤسس قواعد وضوابط للاستنباط.
٣ - المجتهد المذهبي: وهو مَن يقوم بتقرير أصول الإِمام والتخريج عليها غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول ذلك الإِمام وقواعده، فهو مجتهد داخل المذهب.
٤ - المجتهد الخاص: أو المجتهد الجزئي: وهو المجتهد في بعض أبواب الفقه أو في بعض مسائله لا في كله، وهو ما يعبر عنه بتجزئة الاجتهاد. ولذلك قال ابن قدامة: "ليس من شرط الاجتهاد في مسألة بلوغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل، بل متى علم أدلة المسألة الواحدة، وطرق النظر فيها، فهو مجتهد فيها، وإن جهل حكم غيرها" (١).
ولعلّ المجتهد الخاص هو المناسب لدراسة النوازل لا سيما في هذا العصر، وخاصة في الاجتهاد الجماعي الذي يضم مجموعة من العلماء قد يكون من بينهم متخصصون غير شرعيين، وإنما يستفاد منهم في كشف أكثر من علم مثل قضايا الطب ونحوها.
سادسًا: خطوات دراسة النازلة:
ذكر العلماء خطوات لدارسة النازلة ينبغي الإلمام بها، وهي:
١ - التجرد في دراسة النازلة والإخلاص لله في ذلك.
٢ - الإلحاح بالدعاء، وطلب الفتح من الله أن يلهمه رشده وصوابه وتوفيقه إلى السداد وإصابة الحق في هذا الأمر. قال ابن القيم: الفائدة العاشرة: ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي؛ لا العلمي المجرد
стр. 2595
إلى ملهم الصواب ومعلم الخير وهادي القلوب أن يلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد، ويدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة، فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق، وما أجدر من أمّل فضل ربه أن لا يحرمه إياه .. (١).
وقال أيضًا: الفائدة الحادية والستون: حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح اللَّهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم وكان شيخنا -أي ابن تيمية- كثير الدعاء بذلك (٢).
٣ - فقه حقيقة النازلة: من خطوات دارسة النازلة التي ينبغي له الإلمام بها فقه حقيقة النازلة، وذلك بتصورها تصورًا واضحًا، وتصويرها تصويرًا دقيقًا يدور على الإحاطة بها من جميع الجوانب؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ويتحقق ذلك بثلاثة أمور:
أ- جمع المعلومات المتعلقة بموضوع النازلة، فيعرف حقيقتها وأقسامها ونشأتها والظروف التي أحاطت بها وأسباب ظهورها وغير ذلك.
ب- الاتصال بأهل الاختصاص في موضوع النازلة.
ج- تحليل القضية المركبة إلى عناصرها الأساسية.
٤ - تكييف النازلة تكييفًا فقهيًّا: من خطوات دراسة النازلة التي ينبغي له الإلمام بها تكييف النازلة تكييفًا فقهيًّا، وهذا التكييف يفيد في تحديد مسار البحث بتعيين مصادره المُعِينة في معرفة الحكم؛ كما أنه يضيق دائرة البحث في المصادر والمراجع الواسعة.