شرب الدخان (التبغ) والشيشة
يصنع الدخان من التبغ، وهو نبات تستخدم أوراقه، أساسًا في صناعة السجائر والسيجار، وتشمل منتجات التبغ الأخرى: تبغ الغليون. وتبغ المضغ والسعوط، إلى جانب تبغ الأرجيلة، ويحتوي التبغ على النيكوتين، وهو ينبه الجهاز العصبي وقد يؤدي إلى الإدمان، ومن الممكن أن تؤدي الكميات المستهلكة من نيكوتين السجائر إلى حدوث الأزمات القلبية وقرحة المعدة، ويمكن أن يسبب استعمال الدخان سرطان الرئة (١)، والتدخين سحب دخان التبغ من سيجارة أو سيجار أو غليون أو غير ذلك إلى داخل الفم ثم إلى الرئتين ثم نفخه للخارج، وقد وجد علماء الطب والباحثون خلال القرن العشرين دليلًا متزايدًا على أن التدخين يعرض صحة الإنسان للخطر، ويعد التدخين من الأسباب الرئيسية للأمراض العديدة المهددة للحياة.
حكم شرب الدخان والشيشة:
جاء الإسلام بحل الطيبات وحرمة الخبائث، قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
ويعتبر الدخان والشيشة ونحوها من النوازل؛ حيث لم تكن معروفة إلا في عام ١٤٩٢ م، وبدأ ظهوره في بلاد الإسلام بعد القرن العاشر الهجري.
وحيث إن الدخان والشيشة ليست من الطيبات، بل هي من الخبائث، ولا فائدة من استعمالها بل هي مضرة في الصحة، وتسبب كثيرًا من الأمراض الخطيرة؛ والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
فإنه يتبين حرمته؛ لما له من آثار سيئة وسلبية، صحية واجتماعية واقتصادية وغيرها على الفرد والمجتمع والأمة.
стр. 2627
ومن قواعد الإسلام العامة تحريم ما فيه ضرر؛ لأنه جاء بحفظ الضروريات الخمس، حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، وما دام أن الدخان فيه ضرر على الصحة والصحة فيها حفظ للنفس؛ فإنه يحرم ما يؤدي إلى مضرتها أو تلفها، وحكم الإسلام على الشيء بالحرمة أو الكراهة لا يتوقف على وجود نص خاص بذلك الشيء، بل إن لقواعد التشريع وعلل الأحكام قيمتها في معرفة الأحكام، وبهذه القواعد وتلك العلل كان الإسلام ذا أهلية قوية في إعطاء كل شيء يستحدثه الناس حكمه من حل أو حرمة، وذلك عن طريق معرفة الخصائص والآثار الغالبة للشيء؛ فحيث كان الضرر كان الحظر، وحيث خلص النفع أو غلب كانت الإباحة، وإذا استوى النفع والضرر كانت الوقاية خيرًا من العلاج، والدخان والشيشة فيها الضرر ولا نفع فيها ولذلك يقال بحرمتها. قال الدكتور يوسف القرضاوي: (الدخان) ما دام أنه قد ثبت أنه يضر بمتناوله فهو حرام (١).
وقد أفتى كل من سماحة الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ بن عثيمين وغيرهم بحرمة شرب الدخان؛ لأنه من الخبائث ولما فيه من الأضرار (٢).
стр. 2628
أثر الأعلاف الصناعية المركبة في الحيوانات المأكول لحمها والحكم الشرعي
حيث إن الناس قد كثروا، وذلك يتطلب زيادة أطعمتهم من اللحوم، وقد ترتب على ذلك أن قامت المشاريع الكبيرة لتلبية هذه الاحتياجات، وأدى ذلك إلى إدخال مواد في الأعلاف المقدمة للحيوانات لتكفي كميتها للأعداد الكبيرة منها وتؤدي إلى تسمينها بشكل أسرع لتخفيف الأعباء الاقتصادية المترتبة على طول مدة تربيتها.
فما حكم هذه الأعلاف المركبة التي قد تشتمل على مواد ليست طاهرة أو مواد ضارة كالهرمونات والمضادات الحيوية؟ اختلف الفقهاء المعاصرون ولهم في ذلك قولان:
١ - فريق من المعاصرين يقول بالمنع من استخدام الأعلاف الصناعية المركبة أو التي تشتمل على نجاسة كالهرمونات والمضادات الحيوية، وإذا استخدمت أدت إلى عدم طهارتها وبالتالي عدم جواز أكلها.
٢ - وفريق آخر يرى جواز استعمالها، ويعتبرها طاهرة وبناء عليه يحل أكل الحيوان المتناول لها.
الأدلة:
أولًا: استدل القائلون بالمنع بما يأتي:
١ - حديث ابن عباس ﵁: "لا ضرر ولا ضرار" (١)؛ وذلك لأن تلك الأعلاف تجعل الحيوان عرضة للإصابة بالأمراض الخطيرة، وهو بذلك يكون مصدر خطر وضرر على الإنسان فيحرم تناوله.
стр. 2629
٢ - أن الرسول ﷺ نهى عن أكل لحوم الجلاله التي تتغذى على النجاسات وهو لأذى عارض مؤقت، والنهي عن أكل اللحوم التي فيها ضرر دائم أولى.
ثانيًا: استدل المبيحون بما يأتي:
١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]. والأصل في اللحوم الإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه ومنعه، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
وقد دلت الآية على أن ما لم يبين تحريمه فهو حلال.
٢ - إن المواد المستخلصة من عظام الميتات طاهرة، وعلى القول بنجاستها فإنها لا تؤثر في الحيوانات التي تأكلها لسببين هما:
أ - إن نسبتها إلى مجموع خلطة العلفية لا تزيد على ١٠ % وهذه النسبة لا تؤثر في لحمها؛ لأنها قليلة جدًّا.
ب- إن هذه النسبة قد عولجت بوسائل الطهو المتطورة معالجة أزالت منها آثار الميكروبات الضارة وحولتها إلى أشياء أخرى تختلف اسمًا ووصفًا وتركيبًا وحكمًا شرعيًّا وهو ما يسمى بالاستحالة.
الراجح:
بدراسة أقوال الفريقين وأدلتهما يتبين لنا ما يأتي:
١ - استعمال تلك الأعلاف والمواد جائز ما لم يؤدِ إلى ضرر الحيوان الذي بدوره يؤدي إلى ضرر الإنسان.
٢ - أنه ينبغي الاتجاه إلى الأعلاف والمواد المركبة السليمة والبعد عن الأعلاف التي تؤدي إلى الضرر.
стр. 2630
٣ - أنه لا يجوز استعمال الهرمونات والمضادات الحيوية التي يترتب عليها ضرر الإنسان.
٤ - أن ما فيه ضرر على الحيوان وينعكس أثره على الإنسان من الأعلاف المركبة والمواد الأخرى لا يجوز استعماله، فإذا أعطي للحيوان فلا يجوز أكله إبعادًا لضرر على الإنسان، وقد جاء في الحديث الذي رواه ابن عباس: "لا ضرر ولا ضرار" (١).
стр. 2631
استعمال الأسمدة والمبيدات الكيميائية في زراعة النبات الذي يتغذى به الإنسان
اتجه المزارعون الأفراد منهم والشركات إلى زيادة انتاجهم الزراعي وتحسين صفاته وذلك باستعمال الأسمدة والمبيدات الكيميائية.
الحكم الشرعي لاستعمال الأسمدة والمبيدات الكيميائية في الزراعة وتنمية المحاصيل المستهلكة للإنسان والحيوان؟
اتجهت بعض الدول بعد دراسات وأبحاث ميدانية إلى استعمال الأسمدة والمبيدات الكيميائية لزيادة كميات المزروعات وتحسينها والقضاء على الحشرات والآفات التي تصيبها وتؤدي إلى قلة الانتاج أو القضاء عليه، وقد وضعت لذلك قواعد ومبادئ يتم استعمال تلك الأشياء على ضوئها، وأنها إذا تم الالتزام بها فإنها لا تؤدي إلى ضرر للإنسان أو الحيوان، وبناء على ذلك فإنا لا نرى ما يمنع من استخدامها لزيادة الانتاج وتحسين نوعيته بشرط أن يلتزم المزارعون بالمواصفات والشروط المحددة لذلك الاستعمال؛ حيث لم يثبت فيها ضرر، أما إذا ثبت أن استخدامها أو نوعًا منها فيه ضرر على الإنسان أو الحيوان، فإنه لا يجوز استعمالها لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (١).
وعلى المزارعين التقيد بالتعليمات والشروط المحددة لاستعمالها كمًّا ونوعًا وزمنًا فإن أخل بذلك فقد ارتكب محرمًا حيث أنه يؤدي إلى الضرر كما أن ذلك غش للمستهلك حيث لا يعلم بما يحتوي عليه من مواد ممنوعة وضارة وقد جاء منع الغش في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من غش فليس منا" (٢).
стр. 2632
الأغذية المعالجة بالأشعة
تستعمل الأشعة لحفظ الأغذية مدة أطول، ويطلق على ذلك معالجة الأغذية بالإشعاع، ويقصد بها تعريض الغذاء سواء أكان معبئًا أو غير معبأ إلى كمية محسوبة من الأشعة تحت ظروف محكومة مسيطر عليها تتم مراقبتها بدقة لمدة زمنية معينة، لتحقيق غرض معين يكون مرغوبًا فيه، مثل منع تزريع البطاطس، أو تطهير الحبوب من الحشرات، أو قتل الميكروبات الملوثة للحوم والدواجن والأسماك، وتستعمل هذه الطاقة في القضاء على البكتيريا المسؤولة عن أغلب حالات فساد الأغذية.
وقد حددت لجنة الخبراء الدولية عام ١٩٨٠ م وخبراء منظمة الأغذية والزراعة (FAO) والوكالة الدولية للطاقة الذرية (LAEA) ومنظمة الصحة العالمية أنواع الأشعة المستخدمة في حفظ الأغذية ومصادرها، وأن تعمل هذه المصادر عند مستويات منخفضة لضمان عدم توليد نشاط إشعاعي في الغذاء المعرض للأشعة وعدم تحويله لمادة مشعة أو إكسابه فعالية إشعاعية.
أنواع الأشعة المستعملة والمسموح باستخدامها في تشعيع المواد الغذائية:
١ - أشعة جاما (A) وهي عبارة عن موجات كهرومغناطيسية كالضوء إلا أن لها طولًا موجيًا قصيرًا جدًّا ولها طاقة عالية وقدرة على اختراق الأجسام وهي أكثرها استخداما في معالجة الأغذية.
٢ - الأشعة السينية، وأشعة إكس (XRey) وهي أشعة كهرومغناطيسية وذات طاقة عالية وقدرتها على النفاذ في الهواء ضعيفة واستخدامها في المجال الطبي أوسع، أما في تشعيع الغذاء فقليلٌ لكثرة كلفتها وتشغيلها.
٣ - الأشعة الإلكترونية (E.R).
وهي أشعة منتجة للإلكترونات السريعة، وتعد قدرتها على النفاذية والاختراق
стр. 2633
ضعيفة مما جعل استخدامها في مجال الأغذية ضعيفًا.
وقد وضعت لاستخدام تلك الأشعة معايير وضوابط يتم الالتزام بها حفاظًا على صحة الإنسان.
الحكم الشرعي لمعالجة الأغذية بالأشعة:
يدور الحكم الشرعي لمعالجة الأغذية بالأشعة بين الجواز والمنع:
أولًا: فمن يقول بالجواز يستدل لذلك بما يأتي:
١ - أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما ورد الشرع بتحريمه، ولم يرد بمنع ذلك دليل فيبقى على الجواز.
٢ - أن لمعالجة الأغذية بالأشعة فوائد منها:
أ- إطالة مدة حفظ الأغذية وفترة تخزينها.
ب- مقاومة الحشرات ومسببات الأمراض في الغذاء من فطريات وطفيليات وميكروبات.
ج- القضاء على بعض حالات التسمم الغذائي والذي يشكل تهديدًا كبيرًا لصحة الإنسان.
د- المساعدة في المشاركة بالتجارة العالمية للأغذية الإقليمية والدولية؛ حيث تستطيع الدولة المعالجة بالإشعاع الوفاء بالشروط المحددة في قوانين الحجر والصحة العامة.
٣ - أن في القول بالجواز تيسيرًا على الأمة ورفع الحرج عنها؛ لأن فيه فائدة ومصلحة ولا ضرر فيها، وقد جاء الشارع بجلب المصالح ودرء المفاسد.
ثانيًا: أما من يقول بالمنع فيستدل بما يأتي:
١ - الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا ضرر
стр. 2634
ولا ضرار" (١)، وقد جدت أضرار من الغذاء المشع، فقد بينت بعض التقارير أن تناول الغذاء المشع يحدث تطورات غير طبيعية في الكروموزومات (الصبغيات) والشريعة الإسلامية تمنع الضرر؛ فلذلك يقال بمنع استعمال الأشعة في معالجة الأغذية.
٢ - أن زيادة جرعة الأشعة يؤدي إلى تلوث الغذاء بالأشعة، وينتج عن ذلك ظهور التسمم على متناولها، فيسبب تلفًا في الأنسجة تظهر على صورة أمراض سرطانية، وإذا كان كذلك فيجب منعها لأضرارها.
٣ - أن كثيرًا من الدول لم تقدم على استعمال الأشعة في معالجة الأغذية مما يدل على خطورته وضرره؛ ولذلك يقال بمنعه حفظًا على صحة الإنسان وحياته.
الراجح:
نرى أن الراجح هو القول بالجواز؛ لأن الأصل في الأشياء الجواز والإباحة وذلك لما يترتب على القيام به من مصلحة تعود على الفرد والمجتمع والدول، ولكن يتم ذلك وفق المعايير والضوابط التي وضعتها منظمة الصحة العالمية والجهات المتخصصة في شؤون الغذاء، وبذلك تتحقق المصلحة والبعد عن المفسدة التي يحذرها المانعون، ولعل في ذلك توفيقًا بين القولين والله أعلم.
стр. 2635
الأغذية المعدلة وراثيًا في النبات والحيوان
اتجه الإنسان إلى تحسين الإنتاج الزراعي بشتى الوسائل، ومن ذلك أنه استحدث أدوات وتقنيات جديدة لانتقاء أصناف وسلالات نباتية أكثر إنتاجًا وذات صفات أكثر جودة.
ومع ظهور علم الهندسة الوراثية أمكن إجراء عمليات التهجين بين أفراد غير متوافقة وراثيًا لإنتاج أفراد ذات صفات مرغوبة عن طريق فصل الجينات المرغوبة من نبات ثم زرعها في كائن آخر للحصول على الصفة المطلوبة لتحقيق الكفاية المتزايدة للإنسان، وبدأ ذلك في الخمسينات من القرن العشرين الميلادي وقد زرعت المحاصيل المعدلة وراثيًّا في مختلف أنحاء العالم.
حقيقة التعديل الوراثي:
هو تطعيم المحاصيل بجينات مأخوذة من بكتيريا أو من نباتات أخرى.
موقف المتخصصين من استخدام الأغذية (النبات-الحيوان) المعدلة وراثيًا:
اختلف علماء الأغذية في ذلك:
١ - فريق يرى أنه لا ضرر في استخدامها، بل إن فيها خصائص صحية وبيئية لا تكاد توجد في النباتات غير المعدلة جينيًّا، وأن هذه التقنية تفتح الطريق أمام تحسين كمية ونوع الأغذية المتوفرة حاليًا، وهي تخضع كغيرها من الأغذية في العالم إلى قانون سلامة الغذاء الذي يشترط أن يكون الغذاء صالحًا للاستهلاك الآدمي ولا يضر بالصحة.
٢ - وفريق يرى أنها تشكل خطرًا على الإنسان والحيوان والبيئة؛ حيث إنه قد يؤثر نقل جين واحد إلى نبات ما إلى كارثة بيئية وإلى حدوث التلوث الجيني ومن هؤلاء جماعة الخضر وجماعة المحافظة على البيئة.
стр. 2636
الحكم الشرعي للأغذية النباتية والحيوانية المعدلة وراثيًّا:
إن موضوع الهندسة الوراثية يعد نازلة؛ حيث لم يكن موجودًا من قبل فلم يتناوله الفقهاء بالبحث والدراسة وبيان الحكم الشرعي له، وقد اختلف فقهاء العصر في حكمه إلى قولين:
١ - يرى كثير من علماء العصر جواز التعديل الوراثي في النبات، ومن هؤلاء مفتي مصر سابقًا الدكتور نصر فريد واصل، والدكتور وهبه الزحيلي، والدكتور عبد الستار أبو غدة، حيث جاء عنه: "هذا التصرف في النبات لون من ألوان التنمية والتثمير لما سخر الله للإنسان" (١). وبذلك قال الشيخ ابن عثيمين حيث نقل عنه: أنا مبدئيًّا مع الاتجاه بإباحة الاستنساخ بالنسبة للنبات والحيوان" (٢).
٢ - يرى بعض علماء العصر عدم جواز إجراء التعديل الوراثي في النباتات ومن هؤلاء الدكتور محمَّد سعيد البوطي، والدكتور على المحمدي حيث جاء عن البوطي قوله: "لا يجوز للإنسان التلاعب والتحكم بهندسة الجينات ومعايير المورثات" (٣).
أدلة كل من الرأيين:
أولًا: أدلة الرأي الأول:
١ - أن الله سخر ما في الكون من النبات والحيوان والجماد للإنسان وتسهيل عيشه على الأرض، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وكل ما يعين الإنسان على الانتفاع بها أو يزيد فيه أو تحسينه فإنه يكون مشروعًا وفقًا لحاجة الإنسان.
٢ - إن في التعديل الوراثي مصالح معتبرة شرعًا؛ وذلك لأنها تسد حاجة الإنسان للغذاء.
стр. 2637
٣ - أن الأصل في الأشياء الإباحة، فالقول بجواز الهندسة الوراثية مبني على الأصل وهو الإباحة والجواز.
ثانيًا: أدلة الرأي الثاني:
١ - إن الله جعل الإنسان خليفة في الأرض يعمل فيها ما ينفع ولا يضر، وفي القول بالهندسة الوراثية ضرر على الإنسان والبيئة والنبات والحيوان؛ ولهذا قلنا بمنعه.
٢ - جاء عن النبي ﷺ في الحديث قوله: "لا ضرر ولا ضرار" (١)، والتعديل الوراثي فيه ضرر؛ فيمنع دفعًا للضرر (٢).
الترجيح:
بدراسة أقوال المجيزين والمانعين نرى أنه يجوز العمل بالهندسة الوراثية في النبات والحيوان لتحسين الغذاء كمًّا ونوعًا ولكن بشروط وضوابط وهي:
١ - أن يكون في القيام بها مصلحة حقيقية بحيث يترتب عليه زيادة في الغذاء كمًّا ونوعًا.
٢ - أن لا يترتب عليها ضرر أكبر من المصالح المستفادة منها؛ وذلك لأن الحكم الشرعي يدور مع المصالح والمفاسد، فمتى تحققت المصلحة وانتفت المضرة تعين القول بالجواز، ومتى وجدت المصلحة والمضرة معًا فينظر إلى الأغلب منهما، فيحكم بالجواز إذا كانت المصلحة راجحة، ويقال بالمنع إذا كانت المفسدة غالبة، وهذا هو ما يتمشى مع القواعد الشرعية في الحكم بالجواز أو المنع.
جاء في قواعد الأحكام: وإذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك، وإن تعذر الدرء والتحصيل؛ فإن كانت المفسدة
стр. 2638
أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة (١).
وجاء في الفتاوى لابن تيمية: فكل ما نفع فهو طيب، وكل ما ضر فهو خبيث، والمناسبة الواضحة لكل ذي لبٍّ أن النفع يناسب التحليل، والضرر يناسب التحريم، فإن التحريم يدور مع المضار وجودًا في الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها مما يضر، وعدمًا في الأنعام والألبان وغيرها (٢).
وقد ذهب إلى القول بالجواز مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، فقد جاء في قراره رقم (١٠٠ / د/ ١٠): يجوز شرعًا الأخذ بتقنية الاستنساخ والهندسة الوراثية في مجالات الجراثيم وسائر الأحياء الدقيقة والنبات والحيوان في حدود الضوابط الشرعية بما يحقق المصالح ويدرأ المفاسد.
وكذلك ذهب إلى القول بالجواز مجمع الفقه الإسلامي التابع للرابطة فقد جاء عنه: "يجوز استخدام أدوات علم الهندسة الوراثية ووسائله في حقل الزراعة وتربية الحيوان شريطة الأخذ بكل الاحتياطات؛ لمنع حدوث أي ضرر ولو على المدى البعيد للإنسان أو الحيوان أو البيئة" (٣).
стр. 2639
النوازل في الأيمان والنذور
مما حدث في الأيمان أداء القسم ممّن يتولى أعمالا ومواقع إدارية أو مهنية مهمة، وذلك يتطلب بيان حقيقة النازلة وحكمها:
أداء اليمين والقسم عند تولي منصب معين في الدولة وقسم الطبيب وغيره من المهن:
أداء اليمين والقسم عند تولي منصب في الدولة وقسم الطبيب وغيره من المهن أمر حادث ونازلة تتطلب حكمًا شرعيًّا لها، وصيغة هذا القسم تختلف من دولة إلى دولة.
الحكم الشرعي لأداء القسم عند تولي مسؤولية أو منصب وقسم الطبيب وغيره من المهن:
نرى أنه يجوز أداء اليمين كما هو متبع بالوقت الحاضر إذ أنه قد يزيد الهيبة والخشية من الله في تحمل المسؤولية وذلك بشروط:
١ - ألا يكون القسم مشتملًا على ألفاظ شركية.
٢ - أن يكون القسم بالله تعالى وحده لقول الرسول ﷺ : "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (١).
وضع اليد على التوراة والإنجيل للمسلم حين أداء القسم أمام القضاء أو غيره:
تقوم الدول عند التعيين في المناصب والمواقع الهامة كالوزراء وغيرهم وكذلك بعض المحاكم بالطلب إلى المسؤول أو المتقاضي بأداء القسم لإعطاء الهيبة والخوف من مخالفة اليمين أو القسم.
стр. 2640
ولكل دولة صيغة للقسم وطريقة معينة حيث إن كثيرًا من الدول غير الإسلامية تطلب وضع اليد عند أداء القسم على التوراة أو الإنجيل أو كليهما وتتجه بعض الدول الإسلامية إلى طلب وضع اليد على القرآن عند أداء القسم.
الحكم الشرعي لذلك:
يجوز وضع اليد على القرآن الكريم عند أداء القسم لتولي منصب أو للمتقاضيين أمام القضاء، وهو ليس شرطًا لصحة القسم، ولكن يقصد به إضفاء مزيد من الهيبة والخوف عند أداء القسم؛ ليكون حافزًا للالتزام به وعدم مخالفته وذلك بشروط:
١ - أن يكون القسم بالله تعالى وحده دون غيره لقول الرسول ﷺ : "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (١).
٢ - أن يضع المسلم يده عند الحلف على المصحف، ولا يجوز وضعه على التوراة والإنجيل؛ لأن الإسلام ناسخ لما قبله من الشرائع، ولأن التوراة والإنجيل قد أصابهما التحريف والتبديل، فليسا هما أصل الكتابين المنزلين على موسى وعيسى ﵉.
٣ - إذا كان أداء القسم أمام القضاء أو غيره في بلاد غير إسلامية، فإنه لا يجوز للمسلم وضع اليد على التوراة والإنجيل، وعليه أن يبين ذلك للمحكمة أو غيرها، فإن لم يستجب له فلا مانع من قيامه بذلك؛ ليس تعظيمًا لهما ولكن من باب الإلزام، وتعد من باب الإكراه، وقد رفع الحرج عن المكره لحديث ابن عباس ﵄: "إن الله تجاوز لي عن أمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢).
وقد جاء الكلام عن ذلك في القرار الأول من قرارات الدورة الخامسة لمجمع الفقه الإِسلامي التابع للرابطة والمنعقدة سنة ١٤٠٢ هـ.
стр. 2641
كتاب الجنايات
جدت نوازل وحدثت قضايا في هذا العصر من الجنايات التي تصيب الإنسان ومنها:
المسؤولية عن أضرار الأشياء من بناء ونحوه:
قد يحدث أن ينهار المبنى أو الجسر ونحوهما، ويترتب على ذلك هلاك أنفس ودمار لما حوله من أموال كسيارات وغيرها.
الحكم الشرعي لذلك:
١ - أن يكون الانهيار بسبب الإهمال أو التقصير أو إعداد المخططات أو سوء التنفيذ، وفي تلك الحال فإن ضمان تلك الجناية على من حدث منه ذلك من مالك أو غيره.
٢ - أن يكون الانهيار بسبب فعل فاعل غير المالك أو المنفذ فإن ضمان ذلك يكون على من تسبب فيه.
جاء في القرار الثالث من الدورة الرابعة عشرة المنعقدة عام ١٤١٥ هـ لمجمع الفقه الإسلامي التابع للرابطة وفي الفقرة ثانيًا: يكون مالك البناء وناظر الوقف وولي اليتيم والقيم على ناقص الأهلية مسؤولًا إذا شيد البناء من أصله مصحوبًا بالخلل بسبب الإهمال أو التقصير أو الغش، وللمالك الرجوع على من تسبب في ذلك، وكذلك على هؤلاء ضمان التلف بانهيار البناء بسبب الخلل الطارئ عليه.
التشريح الجنائي:
إن حرمة الميت في الإسلام كحرمة الحي؛ لذلك فإنه لا يجوز تشريح جثث الموتى إلا للضرورة بحيث يكون في ذلك مصلحة راجحة على المفسدة المترتبة على انتهاك
стр. 2642
كرامة الإنسان، ومن ذلك التحقيق في أمر جنائي لمعرفة أسباب الموت أو الجريمة في الحالات التي تتطلب معرفة ذلك، ويكون التشريح للجثة بقدر الضرورة وبعد موافقة أهل الميت على التشريح لكشف الأسباب المؤدية للوفاة على أن يتم دفن جميع أعضاء الجسم بعد الانتهاء من التشريح.
وقد جاء ذلك في القرار الأول من قرارات الدورة العاشرة لمجمع الفقه الإسلامي التابع للرابطة والذي تم انعقاده في ٢٤/ ٢ / ١٤٠٨ هـ.
الملاكمة والمصارعة الحرة ومصارعة الثيران:
ظهرت أنواع من الممارسات تم إلحاقها بالرياضة، وهي تقوم على إيذاء كل من الملاكمين أو المصارعين للآخر والتغلب عليه وسط تشجيع الجماهير، وحيث إن في تلك الممارسات من الملاكمة والمصارعة الحرة إيذاءً للإنسان وضررًا يقع عليه، فإنه لا يجوز القيام بها؛ لأن الإسلام قد حرم الإيذاء والضرر، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال تعالى: ﴿ولَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
وقال ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (١).
أما مصارعة الثيران أو التحريش بين الحيوانات التي تتم في بعض البلاد والتي تؤدي إلى قتل الثور أو الحيوان وقد تؤدي إلى قتل الإنسان؛ فإنه لا يجوز القيام بها لما تؤدي إليه من ضرر وإيذاء للإنسان وللحيوان، والإسلام قد حرم إيذاء الإنسان والحيوان وإلحاق الضرر بأي منهما.
وقد جاء الكلام عن ذلك في القرار الثالث من قرارات الدورة العاشرة لمجمع الفقه الإسلامي التابع للرابطة والمنعقدة في ٢٤/ ٢ / ١٤٠٨ هـ.
стр. 2643
مسؤولية سائق وسائل النقل الجماعي في القتل الخطأ وتعدد الكفارة:
تطورت وسائل النقل كثيرًا جدًّا، فوجدت الطائرات والقطارات والسفن الكبيرة والحافلات وغيرها بحيث إذا حصل حادث، فإنه يموت أعداد كبيرة من الركاب، فما مدى مسؤولية السائق عن دياتهم والكفارة المترتبة على ذلك؟
يرى الفقهاء أنه يجب دية لكل مقتول خطأ بأي سبب كان مهما كان عددهم، وتتحمل العاقلة تلك الديات، وليست تلك نازلة من هذا الوجه ولكن تعد نازلة من حيث كثرة أعداد القتلى الذين قد يصلون إلى مئات بسبب تطور وسائل النقل التي تحمل الأعداد الكثيرة، والسائق أو الطيار أو قائد السفينة مسؤول عن ذلك إن كان متعديًا.
وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في بروناي دار السلام عام ١٤١٤ هـ أن السائق والقائد مسؤول ولا يعفى من المسؤولية إلا في الحالات الآتية:
أ - إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها وتعذر عليه الاحتراز منها، وهي كل أمر عارض خارج عن تدخل الإنسان.
ب- إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيرًا قويًّا في إحداث النتيجة.
ج- إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه، فيتحمل ذلك الغير المسؤولية.
وإذا أعفي من المسؤولية فإن المسؤول عن التعدي هو من يدفع الديات، بحيث يتم دفعها من قبل شركة التأمين المتعاقد معها على ذلك كما هو متبع في هذا الزمان أو تدفعها عاقلة المتعدي (عصبته) (١).
стр. 2644
الكفارة المترتبة على ذلك:
١ - يرى الحنفية وبعض الحنابلة أنه تجزئ القاتل خطأ كفارة واحدة إذا تعدد القتل؛ لأن حقوق الله مبنية على المسامحة، ولأن الكفارة جزاء جناية تكرر سببها قبل استيفائها فتتداخل.
٢ - ويرى المالكية والشافعية وبعض الحنابلة: أنه لا تجزئ كفارة واحدة وإنما يلزم أكثر من كفارة بعدد القتلى (١).
الراجح:
إن الموضوع قد تم دراسته وبيان حكمه من قبل الفقهاء قديما، ولكن نتيجة لكثرة أعداد المتوفين الذين قد يصل إلى مئات في مثل تلك الحالات، وهذه أمور قد جدت في هذا الزمان، من حيث كثرة العدد وهي من هذا الجانب تعد نازلة، فنرى أنه إذا كان القاتل خطأ في وسائل النقل الجماعي من طائرات وسيارات وسفن وغيرها متعديًا فإن عليه الكفارة ولمرة واحدة؛ لأن السبب في هذه الحوادث واحد لم يتعدد، ولأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة (٢). فقد يكون القتلى مئة أو أكثر، فلو قيل بالتعدد للكفارة لاستغرق تأديتها عمر المتعدي أو معظمه، وفي ذلك مشقة عظيمة عليه، وقد أخذت بذلك دار الإفتاء المصرية كما جاء في الفتوى ٣٦٣ وتاريخ ٢٤/ ٢ / ٢٠٠٧ م فقد جاء فيها: "ومن المناسب في عصرنا الأخذ بالرأي الأول (٣)، في حال تعدد القتلى بحادث واحد في وسائل النقل الجماعية؛ لأنه أيسر من الرأي الثاني الذي يلزم بالكفارات بعدد القتلى، وفي هذا حرج ومشقة، والمشقة تجلب التيسير؛ ولا سيما أن القتل حدث خطأً".
стр. 2645
اختطاف الطائرات المدنية واحتجاز الرهائن:
ظهرت في هذا العصر عملية اختطاف الطائرات المدنية واحتجاز الرهائن لأسباب متعددة، ويترتب على ذلك نشر الخوف والرعب بين الناس، وقد أصدرت كثير من المنظمات الدولية قوانين تجرم وتعاقب من يقوم بذلك فردًا كان أو جماعة، وقد حدت تلك القوانين من تلك الأعمال الإجرامية.
الحكم الشرعي لذلك:
حيث إن تلك الأعمال تبث الرعب والخوف بين الناس سواء أكانوا ضمن المختطفين والمحتجزين أو من ذويهم، بل وكثير من الناس غيرهم، فإن القيام بشيء من ذلك يعد جريمة يحاسب مرتكبها ومن ساعده على أعماله، ولا يبرر عمل ذلك القبض على مطلوب أو غيره؛ نظرًا لما تحدثه تلك الأعمال من ذعر وخوف وهلع لدى الآخرين، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥].
القيام بأعمال التفجير والتخريب:
حدثت في هذا العصر بعض الأعمال التي يقوم بها بعض الأشخاص أو الجماعات من تفجير للمنشآت والمساكن والجسور وغيرها، وتتطلب تلك النازلة بيان حكمها الشرعي.
الحكم الشرعي:
لا يجوز القيام بتلك الأعمال من تفجير وتدمير وتخريب للمنشآت والمساكن والجسور في بلاد المسلمين وغيرها ممّن ليسوا محاربين للإسلام والمسلمين.
ويعد ذلك في الشريعة الإسلامية جريمة يحاسب عليها القائمون بها تخطيطًا وتنفيذًا، وينطبق عليهم حد الحرابة الوارد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ
стр. 2646
خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]
وقد جاء في ذلك بيان لمجمع الفقه التابع للرابطة في دورته السابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة عام ١٤٢٤ هـ.
كما صدر بيان من هيئة كبار العلماء في السعوية يحذر من تلك الأعمال ويجرمها.
стр. 2647
كتاب الديات
جدت حوادث ونوازل في هذا العصر مما يندرج في الديات ومن ذلك:
حوادث السير:
نظرًا إلى كثرة السيارات وزيادة حوادث السير وما يترتب عليها من وفيات وفقد للأعضاء والممتلكات، وذلك يتطلب دراسة تلك النازلة وبيان الحكم الشرعي لها.
الحكم الشرعي لحوادث السير:
تقع حوادث السير غالبًا من باب الخطأ، وتأخذ حكم الجنايات من حيث ترتب الحكم على الفعل عمدًا أو شبه عمدٍ أو خطأ. وألحق مجمع الفقه الإِسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في قراره رقم (٧١) حوادث السير بالجنايات فتطبق عليها أحكامها المقررة في الشريعة الإسلامية، وهي في الغالب من قبيل الخطأ ولا يعفى السائق من المسؤولية إلا في حالات ورد ذكرها في القرار، كما أن مفتي السعودية سابقًا الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ قد أفتى بمثل ذلك فيما يحدث من حوادث السيارات وما ينشأ من الأطباء عند إجراء العمليات الجراحية من حوادث الوفيات (١).
مقدار الدية:
ورد في الفقه الإسلامي تحديد مقدار الديات وهي إما: مئة من الإبل أو ألف دينار من الذهب، أو اثنا عشر ألف درهم من الفضة.
وقد صدر بتحديد الديات نقدًا قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم (٥٠) بتاريخ ٣/ ٨ / ١٣٩٦ هـ المتضمن أن مقدارها في العمد وشبه العمد خمسة وأربعون ألف ريال وفي الخطأ أربعون ألف ريال وذلك تقديرًا لقيمة الإبل
стр. 2648
في ذلك التاريخ، ثم جرى زيادتها بعد ذلك إلى مائة وعشرة آلاف للعمد وشبه العمد ومائة ألف للخطأ، وذلك استنادًا إلى ارتفاع قيمة الإبل.
وحيث إنه قد مضى وقت طويل منذ ذلك التقدير وما صاحبه من ارتفاع قيمة الأشياء وتوفر النقود أكثر من ذي قبل، فإنا نرى إعادة النظر في زيادة مقدار الدية بما يناسب العصر من حيث قيمة الإبل وغيرها مما تم تقدير الدية به، وقد يكون من المناسب أن يكون مقدارها ثلاثمائة ألف ريال سعودي للعمد وشبه العمد، ومائتا ألف ريال سعودي للخطأ أو نحوًا من ذلك، مقارنة بكل الأسباب والحيثيات التي ينبغي مراعاتها عند النظر في زيادتها بما يناسب الوقت الحاضر في المملكة العربية السعودية، أما في البلاد الأخرى فتقدر بما يناسبها حاضرًا مما يقره أهل العلم والخبرة والله أعلم.
العاقلة وتحميلها الدية:
تتحمل عاقلة القاتل خطأً الدية لولي المجني عليه وهم عصبة القاتل عند الجمهور وأهل ديوانه عند الحنفية، وذلك مبني على التعاون والتكافل بين القاتل خطأً وأولياؤه من العصبة أو أهل ديوانه ومواساتهم له وتخفيفًا عليه لأنه معذور.
التطبيقات المعاصرة للعاقلة:
نتيجة للتطور وكثرة الناس ووقوع الحوادث فإنه قد تم إيجاد بعض البدائل عن العاقلة في العصر الحاضر، ذلك أن كثيرًا من الشعوب في الدول الإسلامية وغيرها لا يوجد لهم عاقلة، ومن تلك التطبيقات المعاصرة للعاقلة ما يأتي:
١ - شركات التأمين القائمة على مبدأ التعاون والتكافل بحيث تتولى التسديد عن المشترك فيها عند وقوع الحوادث.
٢ - النقابات والاتحادات التي تقام بين أصحاب المهنة الواحدة كالطب والهندسة والمحاماة وغيرها معنية بذلك إذا تم الاتفاق بينهم عليه، وتضمن نظامها تحقيق التعاون والتكافل في تحمل المغارم.
стр. 2649
٣ - الصناديق الخاصة التي يكونها الموظفون والعاملون بالجهات الحكومية وغيرهما معنية بدفع الديات استنادًا على مبدأ التكافل والتعاون بينهم في تحمل المغارم.
٤ - بيت المال في حال عدم وجود عاقلة أو من يحل محلها؛ لأن دم المسلم لا يذهب هدرًا في الإسلام، وبيت المال وارث من لا وارث له، فيكون الغرم بالغنم. وقد قال النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دينًا فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته"، وفي رواية: "من ترك مالًا فلورثته ومن ترك كلًّا فإلينا" (١)، وقد جاء بيان التطبيقات المعاصرة للعاقلة في تحمل الدية بقرار مجمع الفقه الإِسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم ١٤٥ (٣/ ١٦) المنعقد في دورته السادسة عشرة في دبي.
стр. 2650
كتاب الحدود
ومن النوازل الحادثة مما له تعلق بالحدود:
إعدام الجاني بواسطة الحقن الجرثومي وغيره:
يتنوع أسلوب الإعدام بين الدول؛ فمنها ما يتم الإعدام فيها للجاني بالحقن الجرثومي، ومنها ما يتم بواسطة الكرسي الكهربائي، وهذه أمور لم تكن معروفة من قبل وتعتبر نازلة يتطلب الأمر بيان حكمها الشرعي في الإسلام.
الحكم الشرعي لوسائل الأعدام الحديثة (الحقن الجرثومي وغيره):
ترى بعض الدول أن المقصود هو إعدام الجاني وإزهاق روحه ويرون أن في تلك الأساليب رأفة به.
ويرى الباحث في الشريعة الإِسلامية أن هناك اختلافًا بين الفقهاء فيما يتم القتل به من وسائل الإعدام السابقة: فمنهم من يرى أنه يقتل بآلة ماضية كالسيف والسكين، ومنهم من يرى أن الجاني يقتل بما قتل به، فإن غرق المجني عليه أو خنقه أو قتله بالرمي أو غير ذلك، فإنه يقتل بالطريقة نفسها، وقد أورد كل منهم أدلته التي بيناها في صفة القصاص من كتاب الجنايات، واخترنا أن الراجح هو قتل الجاني بما قتل به؛ لأن ذلك يقتضي المساواة والمماثلة، وهو أقوى في الردع والزجر، وبناء عليه فإن كان الجاني قد قتل بواسطة الحقن الجرثومي أو الصعق الكهربائي أو غير ذلك فإنه يقتل بالطريقة نفسها، وإن لم يتيسر بالطريقة ذاتها فإنه يقتل إما بالسيف أو الرمي بالرصاص، وإن لم يكن قتل بالحقن الجرثومي أو الصعق الكهربائي فلا يقتل به وإنما يقتل بما قتل به. والله أعلم.
التخدير عند إقامة الحد أو القصاص:
هذه من النوازل حيث كان القاتل أو الجاني يقتل أو يقطع دون إعطائه شيئًا من المسكنات أو التخدير وقد اختلف الباحثون في ذلك:
стр. 2651
١ - من الباحثين من يرى عدم جواز التخدير سواء كان المقام عليه حدًّا أو قصاصًا؛ لأن الإيلام وتأذي الجاني مقصود نكاية به وردعًا لغيره.
٢ - ومنهم من يرى جواز ذلك عند إقامة حد القطع والقتل؛ لأن المقصود هو الإتلاف وليس الإيلام، وفي إقامة الحد جلدًا فإنه لا يجوز؛ لأن الإيلام مقصود في ذلك.
الراجح:
نرى عدم جواز ذلك في الحد مطلقًا؛ لأن الإيلام والشعور بالعذاب مقصود في إقامة الحد، وأما القصاص فإنه حق للمجني عليه على الجاني، فإن وافق المجني عليه أو وليه على التخدير فلا مانع؛ لأنه من حق المجني عليه فإذا أسقطه جاز ذلك، وإن لم يوافق فإنه لا يجوز استخدام التخدير، ويتم التنفيذ مثل ما نفذ بالمجني عليه؛ لأن الألم في ذلك مقصود لتشفي المجني عليه من الجاني معاقبة له بمثل ما فعل، وقد صدر بذلك قرار هيئة كبار العلماء في السعودية بالأكثرية.
زراعة عضو قطع في حد أو قصاص:
حيث إن الطب قد تقدم بحيث يمكن إعادة العضو المنفصل عن الإنسان في حال الحوادث وغيرها، فما هو حكم إعادة عضو قطع في حد أو قصاص؟
إن هذه المسألة من النوازل المعاصرة، وقد درست وصدرت فيها فتوى اللجنة الدائمة في السعودية رقم (٣٣٣٩) بأنه لا يجوز للسارق استرداد يده المقطوعة، وصدر فيها قرار المجمع الفقهي الدولي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي رقم (٥٨) لعام ١٤١٠ هـ وقد جاء فيه:
١ - لا يجوز شرعًا إعادة العضو المقطوع تنفيذًا للحد؛ لأن في بقاء أثر الحد تحقيقًا كاملًا للعقوبة المقررة شرعًا، ومنعًا للتهاون في استيفائها وتفاديًا لمصادمة حكم الشرع في الظاهر.
стр. 2652
٢ - بما أن القصاص قد شرع لإقامة العدل وإنصاف المجني عليه وصون حق الحياة للمجتمع، وتوفر الأمن والاستقرار، فإنه لا يجوز إعادة عضو استؤصل تنفيذًا للقصاص إلا في الحالات التالية:
١ - أن يأذن المجني عليه بعد تنفيذ القصاص بإعادة العضو المقطوع.
ب- أن يكون المجني عليه قد تمكن من إعادة العضو المقطوع منه.
ج- يجوز إعادة العضو الذي استؤصل في حد أو قصاص بسبب خطأ في الحكم أو في التنفيذ.
سرقة المال من آلات الصراف الآلي:
جدت أمور ونوازل في الأموال والأشياء المسروقة، فمن ذلك سرقة المال من آلات الصراف الآلي إما بكسرها أو الاعتداء عليها بأي شكل كان.
حكم سرقة المال من آلات الصراف الآلي:
إن كانت مكائن وآلات الصراف الآلي ضمن البنك فإنها تعتبر محرزة، ويقطع بالسرقة منها إذا توافرت شروط القطع الأخرى، أما إذا كانت الآلات في الميادين العامة والشوارع فهل تعتبر محرزة أم لا؟
يرى بعض الباحثين أنها ليست محرزة؛ لأنها ليست أماكن لحفظ المال عادة ولذلك فلا يتم القطع فيها وإنما التعزير بما يراه القضاء.
ويرى آخرون أنها تعد محرزة، لأن الحرز يختلف باختلاف البلدان حسب العرف، والعرف في عصرنا على أنها محرزة في حرز مثلها كما أنها مراقبة بآلات التصوير حيث يتم تسجيل ما يتم فيها، وبناء عليه فإن السارق منها يقطع إذا توافرت شروط القطع الأخرى.
стр. 2653
سرقة المال من الحساب المصرفي عن طريق الحاسب الآلي (الإنترنت):
يعمد بعض المجرمين إلى الدخول إلى الحسابات البنكية عن طريق الحاسب الآلي وسرقة الأموال من الحسابات وتحويلها إلى حساب آخر.
الحكم الشرعي لذلك:
يعد القيام بذلك من السرقة ويترتب عليه حكمها وهو القطع؛ لأن الأموال محرزة في البنك، والعرف في عصرنا يقضي بكونها محرزة، فإذا توافرت شروط القطع الأخرى فإنه يقطع السارق وإن لم تتوافر فإنه يعزر بما يراه القاضي رادعًا له وزاجرًا لغيره والله أعلم.
سرقة السيارات والمعدات:
يقدم بعض ضعاف النفوس على سرقة السيارات، ويعد ذلك نازلة تتطلب حكمًا شرعيًّا.
الحكم الشرعي لسرقة السيارات والمعدات:
لا يخلو الأمر من أن تكون السيارة محرزة بحيث تكون مغلقة الأبواب أو في منزل أو مستودع مغلق الأبواب أو لا، فإن كانت كذلك فإنه يترتب على سرقتها ثبوت القطع متى توافرت الشروط الأخرى للقطع، أما إذا كانت غير محرزة بأن كانت في الشارع خارج المنزل ومفتوحة فإنه لا يترتب على سرقتها القطع؛ لأن مالكها قد فرط وأهمل في حفظها، وإنما يجب في تلك الحال التعزير، وذلك راجع إلى ما يراه القضاء مناسبًا لتلك الجريمة.
سرقة الآثار والتحف واللوحات الفنية:
أصبحت للآثار والتحف واللوحات الفنية قيمة مالية كبيرة، وتكالب الناس عليها في هذا العصر فما حكم سرقتها؟ وهل يتم قطع يد السارق لها؟
стр. 2654
حكم سرقة الآثار والتحف واللوحات الفنية:
لا يجوز سرقة الآثار والتحف واللوحات الفنية سواء أكانت ملكًا للدولة أو للأفراد والشركات؛ لأن لها قيمة مالية كبيرة في الوقت المعاصر.
ويتم القطع فيها إذا سرقت من حرز، كأن تكون في متحف محصن واستكملت الشروط التي يجب توافرها في قطع يد السارق.
أما إذا لم تكتمل الشروط فإن القاضي يعزر السارق بما يراه مناسبًا لجريمته ورادعًا له عن تكرارها وزاجرًا لغيره عن ارتكابها.
стр. 2655
إثبات الزنا بالوسائل الحديثة
يعد الزنا جريمة كبيرة لما يترتب عليه من آثار عظيمة على المتهم وأسرته وعلى الأمة؛ ولذلك فإن إثباته إنما يكون بطرق لا يتطرق إليها الشك، وهي إما أربعة شهود أو إقرار المتهم وما عدا ذلك فلا يعد طريقًا للإثبات.
ولا يثبت الزنا بغير ذلك من الوسائل الحديثة، كالفحص الطبي أو التصوير بآلات التصوير والتسجيل، ولا يثبت بالفحص الكيميائي ولا غيره؛ لأن تلك الوسائل أمور محتملة، والإِسلام قد جعل مبدأ درء الحدود بالشبهات كما جاء في الحديث: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" (١).
جاء في الفتوى رقم (٣٣٣٩) من فتاوى اللجنة الدائمة في السعودية: أنه لا يصح إثبات جريمة الزنا بالتقرير للفاحص الكيميائي وتقرير إخصائي في بصمات الأصابع والشهادة الظرفية (٢).
وجاء في الفتوى الصادرة من دار الإفتاء المصرية برقم ٥٤ لسنة ٢٠٠٩ م عدم الاعتماد على إثبات الزنا بالوسائل الحديثة؛ لأنها لا ترقى إلى مستوى الدليل اليقيني، وإنما يتطرق الشك إليها؛ لأنه قد يعتريها الخطأ، وإثبات الزنا إنما يكون بأحد أمرين: اعتراف المتهم أو أن يشهد أربعة شهود أنهم رأوا ذلك الفعل يحصل واستشهدت الفتوى بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. أ. هـ.
стр. 2656
لكن إذا رأى القاضي أن إيًّا منها تصلح قرينة يمكن قبولها بعد الفحص والتأكد، ويبنى على ذلك تعزير المتهم بالزنى بما يراه مناسبًا فلا مانع. والله أعلم.
التزوير
تعريفه - حكمه:
والتزوير: هو العبث بوثيقة مكتوبة أو تقليد التواقيع أو الأختام أو غيرها بهدف الغش أو الاحتيال.
وتتضمن أنواع التزوير: التوقيع تحت اسم شخص آخر إما على شيك أو على وصية أو عقد أو أوراق الهوية والشهادات العلمية وغيرها، وهي جريمة محرمة في الإسلام لما يترتب عليها من إبطال حق وإثبات باطل وقد قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].
وقد جاء الكلام عن جريمة التزوير في نظام مكافحة التزوير في المملكة العربية السعودية الصادر برقم ١٤٤ وتاريخ ٢٦/ ١١ / ١٣٨٠ هـ، وجاء في إحدى عشرة مادة تبين تعريف جريمة التزوير المقصودة بالنظام والعقوبات المترتبة على المخالفات التي تضمنها النظام.
التعزير بالعمل التطوعي في الجمعيات الخيرية أو تعلم شيء لمصلحة المخالف وخدمة المجتمع:
حدثت في هذا العصر في بعض البلاد بعض الجزاءات لمخالفة أنظمة المرور أو وقوع بعض المخالفات، وذلك بتكليف القاضي للمخالف أو المذنب بالقيام ببعض الأعمال إما مع الجمعيات الخيرية أو غيرها؛ وذلك ترويضًا له وتعويدًا على الأخلاق والسلوك الحسن مما يدفعه إلى الامتثال وعدم تكرار المخالفات.
стр. 2657
الحكم الشرعي لذلك:
نرى أنه يمكن للقاضي عند المجازاة في المخالفات التي ليس لها جزاءات وعقوبات محددة، وليست من الجرائم، أن يجازي المخالف بالعمل التطوعي وخدمة المجتمع أو إدخاله إلى مدرسة لتعليم ما ينفعه ويزيده ثقافة لتلافي تكرار وقوع المخالفة منه، ذلك أن القصد من الجزاء الردع والزجر وتقويم سلوك المخالف بحيث يكون عضوًا نافعًا في المجتمع.
стр. 2658
كتاب الجهاد
قد جدت نوازل وقضايا مما يندرج في كتاب الجهاد ومنها:
الهدنة مع اليهود في فلسطين:
إن اليهود أشد الناس عداوة للمسلمين، قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢].
وقد كان منهم نقض العهود التي أبرمها معهم محمَّد رسول الله ﷺ في المدينة وساعدوا المشركين عليه، وهم اليوم قد اغتصبوا فلسطين ودنسوا مقدساتها، ولم يبق أمام المسلمين إلا جهادهم وقتالهم لاسترداد حقوقهم والذود عن أراضيهم ومقدساتهم، وقد أفتى بذلك علماء المسلمين في شتى الأقطار وعلى مر العقود الماضية، وحيث إن اليهود اليوم قد أصبحت لهم شوكةٌ ومنعةٌ نتيجة لاستعدادهم ووقوف الدول الاستعمارية معهم ضد المسلمين وهذا هو الحبل الذي أخبر الله عنه بقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ...﴾ [آل عمران: ١١٢].
والمسلمون اليوم في حالة من الضعف والتفرق، فهل يجوز عقد الهدنة مع اليهود في فلسطين لأجلٍ مسمى، أم أن ذلك غير جائز؟
حكم عقد الهدنة:
حيث إن المسلمين في حالة من الضعف كما أن القوى الاستعمارية تقف مع اليهود في الوقت الحاضر تمشيًا مع مصالحهم وحقدهم على الإسلام والمسلمين فإنا نرى أنه لا مانع من عقد الهدنة معهم بشروط:
١ - أن تكون الهدنة لمصلحة المسلمين، كما إذا كان القتال غير ممكن لعجزهم وتفرقهم على أن يتم إعداد العدة وتهيئة الأمة للقتال واسترداد الحقوق ما أمكن ذلك.
стр. 2659
٢ - أن تكون فترة الهدنة محددة بمدة معينة قدرها بعض الفقهاء ومنهم الشافعية وهو رواية عن أحمد بحدٍّ أقصى عشر سنين؛ وذلك لأن النبي ﷺ قد عقد هدنة مع قريش في الحديبية مدتها عشر سنين، وأجازها بعضهم ومنهم الحنفية وهو رواية عن أحمد حتى لو زادت عن عشر سنين ما دام أن فيها حاجة ومصلحة راجحة للمسلمين، كما إذا كان في المسلمين ضعف وعدوهم أقوى منهم (١). قال الشيخ ابن باز: الصلح لا يقتضي تمليك اليهود لما تحت أيديهم تمليكًا مؤبدا، وإنما يقتضي ذلك تمليكهم تمليكًا مؤقتًا حتى تنتهي الهدنة المؤقتة أو يقوى المسلمون على إبعادهم عن ديار المسلمين بالقوة في الهدنة المطلقة (٢).
أما عقد الصلح الدائم معهم فلا يجوز؛ لأنه إقرار لهم على الظلم، وإضاعة لحق المسلمين في بلادهم ومقدساتهم، وإبطال للجهاد الذي شرعه الله لحماية دينه والدفاع عن الحقوق في البلاد وعلى مختلف الأزمان، وإذا كان المسلمون اليوم في ضعف وتفرق، فإنه سيجيء يوم -بحول الله- يكونون على حال من القوة والمنعة والاجتماع، يستطيعون فيها أخذ حقوقهم، واسترداد بلادهم ومقدساتهم، ونصر دين الله بنشره في المعمورة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
وعقد الصلح الدائم يغلق الباب أمام الأجيال القادمة، فلا ينالون حقوقهم واسترداد مقدساتهم وأراضيهم بما التزم به من سبقهم من اتفاقيات وعقود مع اليهود.
стр. 2660
العمليات الفدائية في الأعداء من الكفار المحاربين
اختلفت أساليب الحرب وفنون القتال من عصر إلى آخر، ولكنها أكثر تغيرًا وفتكًا في هذا العصر، ومن أساليب القتال تلك قيام المسلم بقتل مجموعة من المحاربين ويتم ذلك بتفجير نفسه وسط الأعداء المقاتلين من الكفار فيموت هو ومن حوله، كما يحدث في فلسطين، وقد شكلت تلك العمليات عنصرًا مهمًّا وأساسيًّا في إدارة الصراع مع إسرائيل، وأحدثت توازنًا في القوى بين الفلسطينيين واليهود على الرغم من تفوق اليهود في الأسلحة والعتاد.
وقد اختلف العلماء المعاصرون في مثل هذا الأسلوب:
١ - فذهب بعضهم إلى أن هذا الأسلوب لا يجوز، وهو نوع من الانتحار وأنه لم يكن معهودًا من قبل، وفيه إلقاء بالنفس إلى التهلكة والله يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
ويقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
٢ - وذهب آخرون إلى جواز ذلك؛ فقد صرح الحنفية بأنه إن علم أنه يقتل إذا قاتل بشرط أن ينكي في العدو فإنه جائز، أما إذا علم أنه لا ينكي فيهم فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم؛ لأنه لا يحصل بحملته شيء من إعزاز الدين.
وقال محمَّد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في قتل أو نكاية في العدو.
كما ذهب المالكية إلى جواز إقدام الرجل المسلم على الكثير من الكفار إن كان قصده إعلاء كلمة الله، وكان فيه قوة وظن تأثيره فيهم ولو علم ذهاب نفسه، ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا وقيل إذا طلب
стр. 2661
الشهادة وخلصت النية فليحمل؛ لأن مقصوده واحد منهم (١).
وذلك بيّن في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
وقد قال رجل من المسلمين يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة ضعوني بالحَجَفة (٢) وألقوني إليهم، ففعل الصحابة، وقاتلهم وحده وفتح الباب. ونقل الرازي (٣) رواية عن الشافعي أن رسول الله ﷺ ذكر الجنة، فقال رجل. أرأيت إن قتلت في سبيل الله فأين أنا؟ قال: "في الجنة"، فألقى تمرات في يديه، ثم قاتل حتى قتل (٤). وقال ابن العربي (٥): والصحيح عندي جوازه؛ لأن فيه أربعة أوجه:
* الأول: طلب الشهادة.
* الثاني: وجود النكاية.
* الثالث: تجرئة المسلمين عليهم.
* الرابع: إضعاف نفوس الأعداء ليروا أن هذا صنيع واحد منهم فما ظنك بالجميع.
وجاء في توضيح الأحكام "قال الحافظ: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجوز للرجل الشجاع أن يحمل على الكثير من العدو، إذا كان له قصد حسن، كأن يرهب العدو، أو
стр. 2662
يجرئ المسلمين على الإقدام أو نحو ذلك من المقاصد" (١).
وجاء في الموسوعة الفقهية: "وربما يشبه ذلك لبس الحزام الناسف وإلقاء النفس أمام دبابات العدو للقضاء عليها مع علمه بأنه سيقتل" (٢).
الراجح:
يتبين مما ذكر من أقوال الفقهاء أن تلك الحالة وما يماثلها جائزة؛ لما ذكروه من فوائد للمسلمين، بل هي مرتبة عالية إن تحققت فيها الرغبة الصادقة لإعلاء دين الله وكسر شوكة الكفر، ودفع المسلمين إلى الجرأة على أعدائهم، والنيل منهم بتحقيق الشهادة في سبيل الله، ولا سيما في هذا العصر الذي اختلت فيه موازين القوى، وأصبح للأعداء اليهود في فلسطين وغيرها قوة حربية كبيرة، قد لا يستطيع المسلمون التصدي لهم حاضرًا ولم يبق أمامهم إلا مثل تلك العمليات. قال القرطبي (٣): "وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ. . .﴾ [التوبة: ١١١].
وأما الآية التي استدل بها المانعون فيجاب عنها بما جاء في حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ عندما غزا المسلمون القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إن هذه الآية نزلت في الأنصار حين أرادوا أن يتركوا الجهاد، ويعمروا أموالهم.
وأما هذا، فهو الذي قال الله فيه (٤): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ
стр. 2663
مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]
فالتهلكة هي ترك الجهاد وما فيه من عظيم الأجر وحلول النصر، والركون إلى الدنيا وما يترتب على ذلك من ضعف المسلمين وقوة أعدائهم وتسلطهم عليهم وغزوهم في عقر دارهم وإذلالهم، وهو ما يؤدي إلى التهلكة للفرد والأمة، وأما من افتدى المسلمين والإِسلام بنفسه، فقد باعها لله رغبة فيما عنده من عظيم الأجر وجزيل الثواب للشهداء والمجاهدين في سبيله.
ويجاب عن الآية الثانية بأنها لا تتناول موضوع الاستدلال، وإنما المراد بها أن يقتل الناس بعضهم بعضا. قال القرطبي (١): أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضا، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل والحرص على الدنيا وطلب المال بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي للتلف، ويحتمل أن يقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناوله النهي.
وليست تلك العمليات انتحارًا؛ إذ الانتحار قتل للنفس وتخلص منها بعد أن ضاقت الدنيا في وجهه لأي سبب من أسباب الحياة، فهو لا يقصد أبعد من ذلك، وإنما الفداء بالنفس لإعلاء كلمة الله وعز الإسلام والمسلمين وقهر الأعداء والنكاية بهم شراء للآخرة بالحياة الدنيا، فهو لم يقدم على إزهاق نفسه سخطًا لأمر من أمور الدنيا، وإنما أرخصها لهدف أسمى وأعلى ألا وهو الشهادة في سبيل الله، فقد باع نفسه وما يفني بما يبقى من رضوان الله والدرجات العلى.
وقد حققت مثل هذه العمليات نتائج طيبة بالنيل من العدو ورفع الروح المعنوية للمسلمين، وأنه يمكن النصر على الأعداء إذا صدق المسلمون مع الله وحققوا عوامل النصر، وإن لم يكونوا مثل الأعداء عددًا وعدة كما هي شواهد التاريخ.
стр. 2664
ونرى أن يقيد هذا الجواز بشروط هي:
١ - ألا يقصد قتل نفسه والخلاص من الدنيا.
٢ - أن يحاول تنفيذ العملية الفدائية مع المحافظة على نفسه ما أمكن.
٣ - أن تكون تلك العمليات موجهة إلى أعداء المسلمين المحاربين من الكفار فقط.
٤ - أن يكون فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين ونكاية مؤثرة في العدو.
٥ - أن تكون تلك العمليات مقرَّة من علماء البلد الذي يحارب العدو؛ لأنهم أدرى بما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين عندهم.
وبتحقيق تلك الشروط يتم البعد عن السلبيات التي يمكن أن تقع إذا قيل بالجواز مطلقًا. والله أعلم.
стр. 2665
أسلحة الدمار الشامل
التعريف:
أسلحة جمع سلاح، وهو أداة تستخدم في الدفاع عن الأرواح والممتلكات ومواجهة الأعداء.
وأسلحة الدمار الشامل أسلحة تؤدي إلى أضرار خطيرة، وتنقسم إلى ثلاثة أنواع:
١ - الأسلحة النووية: السلاح النووي هو سلاح يستمد قدرته التدميرية من تحويل المادة إلى طاقة، وتشمل الصواريخ والقنابل (القنبلة الذرية والقنبلة الهيدروجينية) وقذائف المدفعية والألغام، وهي أكثر تدميرًا من السلاح التقليدي.
٢ - الأسلحة الجرثومية أو البيولوجية: وهي إما أن تكون بكتيريا أو فيروسات أو خمائر، وتعد تلك الأوبئة بما يعرف بالقنبلة البيولوجية ثم تلقى على الأعداء لنشر الأوبئة والأمراض.
٣ - الأسلحة الكيميائية: وهي تقوم على استخدام الغازات السامة بمختلف أنواعها ومنها غاز الأعصاب وغاز الخردل وغاز السيانيد والجمرة الخبيثة وغيرها (١).
وهي محرمة دوليًّا، ويعتبر مستخدمها ضد مدنيين مجرم حرب.
خصائص أسلحة الدمار الشامل:
١ - التأثير الشديد على البيئة: سواء أكان الإنسان أم الحيوان أم النبات.
٢ - امتداد التأثير زمنيًّا: حيث قد يمتد أثرها إلى عقود قادمة.
٣ - القوة التدميرية الكبيرة بحيث يمكن أن تدمر مدينة بكاملها بكل من فيها وما تشتمله حتى المباني.