← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

الشهادة وخلصت النية فليحمل؛ لأن مقصوده واحد منهم (١). وذلك بيّن في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. وقد قال رجل من المسلمين يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة ضعوني بالحَجَفة (٢) وألقوني إليهم، ففعل الصحابة، وقاتلهم وحده وفتح الباب. ونقل الرازي (٣) رواية عن الشافعي أن رسول الله ﷺ ذكر الجنة، فقال رجل. أرأيت إن قتلت في سبيل الله فأين أنا؟ قال: "في الجنة"، فألقى تمرات في يديه، ثم قاتل حتى قتل (٤). وقال ابن العربي (٥): والصحيح عندي جوازه؛ لأن فيه أربعة أوجه: * الأول: طلب الشهادة. * الثاني: وجود النكاية. * الثالث: تجرئة المسلمين عليهم. * الرابع: إضعاف نفوس الأعداء ليروا أن هذا صنيع واحد منهم فما ظنك بالجميع. وجاء في توضيح الأحكام "قال الحافظ: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجوز للرجل الشجاع أن يحمل على الكثير من العدو، إذا كان له قصد حسن، كأن يرهب العدو، أو

стр. 2662

يجرئ المسلمين على الإقدام أو نحو ذلك من المقاصد" (١). وجاء في الموسوعة الفقهية: "وربما يشبه ذلك لبس الحزام الناسف وإلقاء النفس أمام دبابات العدو للقضاء عليها مع علمه بأنه سيقتل" (٢). الراجح: يتبين مما ذكر من أقوال الفقهاء أن تلك الحالة وما يماثلها جائزة؛ لما ذكروه من فوائد للمسلمين، بل هي مرتبة عالية إن تحققت فيها الرغبة الصادقة لإعلاء دين الله وكسر شوكة الكفر، ودفع المسلمين إلى الجرأة على أعدائهم، والنيل منهم بتحقيق الشهادة في سبيل الله، ولا سيما في هذا العصر الذي اختلت فيه موازين القوى، وأصبح للأعداء اليهود في فلسطين وغيرها قوة حربية كبيرة، قد لا يستطيع المسلمون التصدي لهم حاضرًا ولم يبق أمامهم إلا مثل تلك العمليات. قال القرطبي (٣): "وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ. . .﴾ [التوبة: ١١١]. وأما الآية التي استدل بها المانعون فيجاب عنها بما جاء في حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ عندما غزا المسلمون القسطنطينية، فحمل رجل على عسكر العدو، فقال قوم: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إن هذه الآية نزلت في الأنصار حين أرادوا أن يتركوا الجهاد، ويعمروا أموالهم. وأما هذا، فهو الذي قال الله فيه (٤): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ

стр. 2663

مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] فالتهلكة هي ترك الجهاد وما فيه من عظيم الأجر وحلول النصر، والركون إلى الدنيا وما يترتب على ذلك من ضعف المسلمين وقوة أعدائهم وتسلطهم عليهم وغزوهم في عقر دارهم وإذلالهم، وهو ما يؤدي إلى التهلكة للفرد والأمة، وأما من افتدى المسلمين والإِسلام بنفسه، فقد باعها لله رغبة فيما عنده من عظيم الأجر وجزيل الثواب للشهداء والمجاهدين في سبيله. ويجاب عن الآية الثانية بأنها لا تتناول موضوع الاستدلال، وإنما المراد بها أن يقتل الناس بعضهم بعضا. قال القرطبي (١): أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضا، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل والحرص على الدنيا وطلب المال بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي للتلف، ويحتمل أن يقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناوله النهي. وليست تلك العمليات انتحارًا؛ إذ الانتحار قتل للنفس وتخلص منها بعد أن ضاقت الدنيا في وجهه لأي سبب من أسباب الحياة، فهو لا يقصد أبعد من ذلك، وإنما الفداء بالنفس لإعلاء كلمة الله وعز الإسلام والمسلمين وقهر الأعداء والنكاية بهم شراء للآخرة بالحياة الدنيا، فهو لم يقدم على إزهاق نفسه سخطًا لأمر من أمور الدنيا، وإنما أرخصها لهدف أسمى وأعلى ألا وهو الشهادة في سبيل الله، فقد باع نفسه وما يفني بما يبقى من رضوان الله والدرجات العلى. وقد حققت مثل هذه العمليات نتائج طيبة بالنيل من العدو ورفع الروح المعنوية للمسلمين، وأنه يمكن النصر على الأعداء إذا صدق المسلمون مع الله وحققوا عوامل النصر، وإن لم يكونوا مثل الأعداء عددًا وعدة كما هي شواهد التاريخ.

стр. 2664

ونرى أن يقيد هذا الجواز بشروط هي: ١ - ألا يقصد قتل نفسه والخلاص من الدنيا. ٢ - أن يحاول تنفيذ العملية الفدائية مع المحافظة على نفسه ما أمكن. ٣ - أن تكون تلك العمليات موجهة إلى أعداء المسلمين المحاربين من الكفار فقط. ٤ - أن يكون فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين ونكاية مؤثرة في العدو. ٥ - أن تكون تلك العمليات مقرَّة من علماء البلد الذي يحارب العدو؛ لأنهم أدرى بما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين عندهم. وبتحقيق تلك الشروط يتم البعد عن السلبيات التي يمكن أن تقع إذا قيل بالجواز مطلقًا. والله أعلم.

стр. 2665

أسلحة الدمار الشامل التعريف: أسلحة جمع سلاح، وهو أداة تستخدم في الدفاع عن الأرواح والممتلكات ومواجهة الأعداء. وأسلحة الدمار الشامل أسلحة تؤدي إلى أضرار خطيرة، وتنقسم إلى ثلاثة أنواع: ١ - الأسلحة النووية: السلاح النووي هو سلاح يستمد قدرته التدميرية من تحويل المادة إلى طاقة، وتشمل الصواريخ والقنابل (القنبلة الذرية والقنبلة الهيدروجينية) وقذائف المدفعية والألغام، وهي أكثر تدميرًا من السلاح التقليدي. ٢ - الأسلحة الجرثومية أو البيولوجية: وهي إما أن تكون بكتيريا أو فيروسات أو خمائر، وتعد تلك الأوبئة بما يعرف بالقنبلة البيولوجية ثم تلقى على الأعداء لنشر الأوبئة والأمراض. ٣ - الأسلحة الكيميائية: وهي تقوم على استخدام الغازات السامة بمختلف أنواعها ومنها غاز الأعصاب وغاز الخردل وغاز السيانيد والجمرة الخبيثة وغيرها (١). وهي محرمة دوليًّا، ويعتبر مستخدمها ضد مدنيين مجرم حرب. خصائص أسلحة الدمار الشامل: ١ - التأثير الشديد على البيئة: سواء أكان الإنسان أم الحيوان أم النبات. ٢ - امتداد التأثير زمنيًّا: حيث قد يمتد أثرها إلى عقود قادمة. ٣ - القوة التدميرية الكبيرة بحيث يمكن أن تدمر مدينة بكاملها بكل من فيها وما تشتمله حتى المباني.

стр. 2666

٤ - ليس لها سلاح مضاد يمنع تأثيرها (١). الحكم الشرعي لاقتناء أسلحة الدمار الشامل واستعمالها: مبادئ الإِسلام تدعو إلى نشر السلم والعدل وأداء الحقوق؛ ولهذا فإنه يمكن القول إن صناعة تلك الأسلحة واقتناءها ومن ثم استعمالها لا يجوز لما تحدثه من ضرر على البشر والشجر والحيوان وغيرها، ولكن نظرًا لأن كثيرًا من الدول ومنها دول معادية للإسلام والمسلمين تمتلك تلك الأسلحة وغيرها، والمسلمون قد أمروا بإعداد القوة المناسبة حسب الاستطاعة، فإنه ينبغي للدول الإِسلامية امتلاك تلك الأسلحة ليس من أجل استخدامها ولكن من باب الردع والزجر للعدو من أن يستعملها في أي وقت ومكان، فإذا سولت للعدو نفسه استعمالها فإنه يقابل باستعمالها بالمثل لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وما قيمة المعاهدات الدولية بمنع انتشار الأسلحة تلك إذا كان كثير من الدول يملكها وخاصة دولة إسرائيل، إن الأمر يتطلب إعداد العدة بكل ما يملك المسلمون وما يستطيعون توفيره حاضرًا ومستقبلا.

стр. 2667

الإرهاب الإرهاب في اللغة: يقال أرهب فلانًا إرهابا: خوفه وفزعه. أما في الاصطلاح فإنه لم يتم تعريف الإرهاب المقصود والذي يتحدث عنه في الوقت المعاصر بتعريف جامع مانع يشمل المفردات المراد تعريفها، وإنما هو مصطلح عام وعائم يدخل تحته كل عمل يتم به التخويف والرعب والفزع سواء أكان مشروعًا كحركات التحرير ضد المعتدي الغاصب كما في فلسطين مع اليهود، أم غير مشروع كإخافة الناس الآمنين وإفزاعهم بالقتل والتدمير. وقد جاء الكلام عن الإرهاب في بيان مكة المكرمة الذي أصدره مجمع الفقه الإِسلامي التابع للرابطة في دورته السابعة عشرة المنعقدة بتاريخ ١٩ - ٢٣/ ١٠ / ١٤٢٤ هـ حيث قال: إن الإرهاب مصطلح لم يتفق دوليًّا على تعريفٍ له يضبط مضمونه ويحدد مدلوله. لذا فإن مجلس المجمع يدعو رجال الفقه والقانون والسياسة في العالم إلى الاتفاق على تعريفٍ محددٍ للإرهاب تنزل عليه الأحكام والعقوبات، ليتحقق الأمن وتقام موازين العدالة، وتصان الحريات المشروعة للناس جميعًا. ثم أورد بيانًا لما يتضمنه الإرهاب جاء فيه: "الإرهاب هو العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول بغيًا على الإنسان في دينه ودمه وعقله وماله وعرضه ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق". وذكر صنوفًا متعددة تندرج تحت مسمى الإرهاب، وذكر أن للإرهاب أسبابًا لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند المعالجة له، فليراجعه من يرغب المزيد من البيان. الحكم الشرعي للأعمال الإرهابية: إن الأعمال الإرهابية التخريبية من تفجير للمنشآت والمساكن والجسور وغيرها وترويع الآمنين من المسلمين أو من أعطوا العهد والأمان كلها أعمال محرمة وتعد من

стр. 2668

كبائر الذنوب، وقد رتب الشارع الحكيم عليها عقوبات رادعة كفيلة بمنعها ومجازاة فاعليها، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. أما أعمال المقاومة التي يقوم بها المغلوبون والمعتدي على أرضهم وبلادهم كما في فلسطين فليست إرهابًا ممنوعًا؛ لأن الصهاينة هم المعتدون وإنما هي دفاع عن النفس والمال والعرض أقره الإسلام، وأيدته جميع الشرائع والقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، وهي من الإرهاب المشروع، وقد ورد في القرآن الكريم إطلاق الإرهاب على تخويف العدو بامتلاك وسائل الردع قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسيره لهذه الآية: والعلة إرهاب الأعداء والحكم يدور مع علته، وجاء في بيان مكة الذي أصدره مجمع الفقه الإِسلامي التابع للرابطة في دورته السادسة عشرة التي عقدت في مكة المكرمة: وينبه المجلس إلى أن ما ورد في الآية من ذكر الإرهاب يعني إعداد العدة من قبل المسلمين ليخافهم عدوهم، ويمتنع عن الاعتداء عليهم وانتهاك حرماتهم، وذلك يختلف عن معنى الإرهاب الشائع في الوقت الحاضر، وجاء في الحديث الذي رواه سعيد بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" (١). فقد بين في الحديث أنه تكتب لهم الشهادة ما داموا يدافعون عن ذلك، وهذا يدل على مشروعية عملهم.

стр. 2669

كتاب القضاء ورد من النوازل في القضاء ما يأتي: الإثبات بالبينات والقرائن الحديثة (المعاصرة): البينة: هي كل ما يبين الحقّ ويظهره. ومن تلك البينات والقرائن ما يأتي: ١ - بصمات الأصابع. ٢ - البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها. ٣ - الكلب البوليسي. ٤ - التسجيل الصوتي والصور. أولًا: بصمات الأصابع: أثبت العلم أن بشرة الأصابع مغطاة بخطوط دقيقة على عدة أنواع، وهذه الخطوط لا تتغير مدى الحياة، وهي لا تتشابه بين إنسان وآخر في كل البشر، وقد أشار إليها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤]، ولم يتم اكتشاف بصمات الأصابع إلا حديثًا عام ١٨٨٤ م في إنجلترا، ثم اعتبرت قرينة في جميع البلاد. الحكم الشرعي لها: نرى أنه لا يعتمد على بصمات الأصابع في القصاص أو الحدود لما ورد من درء الحدود بالشبهات، ولكن يمكن الاستفادة من البصمات كأداة وقرينة لدى القاضي لدفع الجاني للاعتراف، فإن لم يعترف فإنه يمكن التعزير بناء على تلك القرينة بما يراه القاضي مناسبًا.

стр. 2670

ثانيًا: البصمة الوراثية (DNA) ومجالات الاستفادة منها: البصمة الوراثية هي البنية الجينية نسبة إلى الجينات (المورثات) التي تدل على هوية كل إنسان بعينه. وقد أفادت البحوث والدراسات العلمية أنها وسيلة تمتاز بالدقة لتسهيل مهمة الطب الشرعي، ويمكن أخذها من أي خلية بشرية من الدم أو اللعاب أو المني أو البول أو غيره. الحكم الشرعي للاعتماد على البصمة الوراثية: البصمة الوراثية أكثر دقة من القيافة التي يبنى عليها شرعًا في إثبات النسب؛ ولذلك فإنه يمكن الاستفادة منها في غير إثبات الحدود الشرعية والقصاص، لحديث: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" (١). وقد جاء في القرار السابع من قرارات مجمع الفقه الإِسلامي التابع للرابطة في دورته السادسة عشرة المنعقدة في مكة المكرمة عام ١٤٢٢ هـ. أوجه الاستفادة من البصمة الوراثية: أولًا: لا مانع شرعًا من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي، واعتبارها وسيلة إثبات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص، لخبر: "ادرؤوا الحدود بالشبهات"، وذلك يحقق العدالة والأمن للمجتمع، ويؤدي إلى نيل المجرم عقابه وتبرئة المتهم، وهذا مقصد مهم من مقاصد الشريعة. ثانيًا: إن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لا بد أن يحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية، ولذلك لا بد أن تقدم النصوص والقواعد الشرعية على البصمة الوراثية.

стр. 2671

ثالثًا: لا يجوز شرعًا الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب ولا يجوز تقديمها على اللعان. رابعًا: لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا، ويجب على الجهات المختصة منعه وفرض العقوبات الزاجرة لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصونًا لأنسابهم. خامسًا: يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات الآتية: ١ - حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء، سواء أكان التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها، أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه. ٢ - حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات ومراكز رعاية الأطفال ونحوها وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب. ٣ - حالات ضياع الأطفال واختلاطهم بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف على هويتها أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين. سادسًا: لا يجوز بيع الجينوم البشري لجنس أو لشعب أو لفرد لأي غرض كما لا تجوز هبتها لأي جهة؛ لما يترتب على بيعها أو هبتها من مفاسد. سابعًا: يوصي المجمع بما يأتي: أ- أن تمنع الدولة إجراء الفحص الخاص بالبصمة الوراثية إلا بطلب من القضاء، وأن يكون في مختبرات للجهات المختصة، وأن تمنع القطاع الخاص الهادف للربح من مزاولة هذا الفحص، لما يترتب على ذلك من المخاطر الكبرى.

стр. 2672

ب- تكوين لجنة خاصة بالبصمة الوراثية في كل دولة، يشترك فيها المتخصصون الشرعيون، والأطباء، والإداريون، وتكون مهمتها الإشراف على نتائج البصمة الوراثية، واعتماد نتائجها. ج- أن توضع آلية دقيقة لمنع الانتحال والغش، ومنع التلوث وكل ما يتعلق بالجهد البشري في حقل مختبرات البصمة الوراثية، حتى تكون النتائج مطابقة للواقع، وأن يتم التأكد من دقة المختبرات، وأن يكون عدد المورثات (الجينات المستعملة للفحص) بالقدر الذي يراه المختصون ضروريًّا دفعًا للشك. ثالثًا: التعرف على المجرم عن طريق الكلب البوليسي: هذه القرينة من النوازل الحديثة التي يعمل بها القانون الوضعي في التعرف على المجرم، وذلك عن طريق الشم؛ بحيث يشم الكلب البوليسي أثرًا من آثار الجريمة، ثم يعرض عليه مجموعة من الناس يتعرف على المجرم من بينهم. الحكم الشرعي: إن الإسلام يشدد في أمر الإثبات، فالمتهم برئ حتى تثبت إدانته، وليس الكلب وهو من الحيوانات بطريقٍ للإثبات؛ ولذلك فإنا نرى أنه لا يعول على ذلك كقرينة في إثبات الجريمة، ويمكن أن يستفاد منها فقط في التعرف على المجرم لحمله على الاعتراف، فإن اعترف أخذ باعترافه، وإلا فلا يبنى على تلك القرينة مطلقًا؛ لأن شهادة بعض الشهود قد ترد وهم بشر فكيف بالحيوان الذي لا يمكن أن ينظر إليه في الشهادة التي من شروطها العقل. رابعًا: التسجيل الصوتي والصور: قد يتم تسجيل الصوت والصورة للمتهم من قبل أحد الأشخاص أو الجهات أو حتى من قبله هو، فهل يعد ذلك قرينة على ارتكاب الجريمة ووسيلة لإثبات وقوعها؟

стр. 2673

الحكم الشرعي لذلك: لا يعد التسجيل للصوت أو الصورة للمتهم وسيلة للإثبات؛ لأن ذلك قد يتم بالدبلجة أو تقليد الأصوات أو غيرها، ولا يبنى عليها في إدانة المتهم، ولكن إذا كان التسجيل للصورة والصوت قد تم من قبل المتهم نفسه كما في بعض الأحوال واعترف المتهم بجريمته، فإنه يؤاخذ باعترافه لا بتلك الوسيلة، وإنما استفيد منها فقط في مواجهته للاعتراف، فإن أنكر فلا ينظر إليها، فإن وجدت قرائن أخرى تساعد على قوة التهمة، فإن للقاضي أن يعزره بما يراه مناسبًا لردعه وزجره. والله أعلم. دور الطب الشرعي في إثبات الجرائم والحقوق: الطب الشرعي: هو تطبيق علم الطب على مشكلات القانون والقضاء كإثبات البنوة والعته والإصابات والموت المسبب من عوامل العنف (١). ويطلق على الطب الشرعي في بعض البلاد الطب العدلي أو الطب القضائي وذلك إشارة إلى الصلة التي تربط بين الطب والقانون والعدالة، وهو أحد الفروع التخصصية في الطب. الموضوعات التي يدرسها المتخصص في الطب الشرعي: ١ - علم التشريح وأسباب الوفيات وجميع الإصابات الجسدية. ٢ - الخبرات الطبية في جميع التخصصات. ٣ - بعض المبادئ القانونية (القانون الجزائي، المدني، قانون الصحة، أخلاقيات مهنة الطب). ٤ - علم السموم. ٥ - الجرائم الجنسية.

стр. 2674

٦ - علم طب النفس الشرعي. والطب الشرعي عامل مساعد للقضاء في تطبيق العدالة على كثير من الجرائم التي يحتاج القضاء فيها إلى رأي الطب الشرعي وبيان ما يراه وفقًا لمهارته وخبرته متوجًا بضميره ومراقبته لربه . الهدف من تقارير الطب الشرعي: ١ - إثبات وقوع الجريمة من عدمه. ٢ - إيجاد العلاقات السببية. ٣ - بيان مدى مسؤولية المتهم في الجريمة. ٤ - ضبط الآثار المادية والأدلة الجنائية. ٥ - اعتبار الطب الشرعي وسيلة لإثبات الحقوق والجرائم. الحكم الشرعي لذلك: نرى أن تطبيق العدالة يتطلب وجود أدلة أو قرائن تعين على إثبات الحقوق والجرائم وتحدد مسؤولية المتهم، وما دام أن تلك المهنة وما تقوم عليه قد تساعد القضاء في تحقيق العدالة وتطبيق الجزاء على مرتكبي الجرائم، فإنه لا مانع من الاستفادة منها بعد التأكد من التقارير والنتائج الطبية وما تؤدي إليه والله أعلم.

стр. 2675

تولي المرأة القضاء بحث الفقهاء تولية المرأة القضاء، واختلفوا في ذلك وفقًا لما يأتي: يرى جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة والمالكية (١) أنه لا يجوز تولية المرأة القضاء مطلقًا لحديث: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" (٢). والقضاء نوع من الولاية فلا يجوز توليها إياه. يرى الحنفية جواز أن تتولى المرأة القضاء في الأمور التي تقبل شهادتها فيها، وذلك في غير القصاص والحدود، قال في شرح القدير (٣): "وأما الذكورة فليست بشرط إلا للقضاء في الحدود والدماء فتقضي المرأة في كل شيء إلا فيهما". يرى بعض الفقهاء ومنهم ابن جرير الطبري وابن حزم (٤) أنه يجوز تولية المرأة القضاء مطلقًا، ذلك أن المرأة يجوز لها الاحتساب كما حدث للشفاء بنت عبد الله حيث عينت من قبل عمر ابن الخطاب ﵁ محتسبة على السوق في المدينة، والحسبة نوع من القضاء. واختلف الفقهاء المعاصرون في ذلك، فذهب بعضهم إلى الأخذ برأي الجمهور، وذهب آخرون إلى الأخذ برأي الحنفية، وذهب غيرهم إلى الأخذ برأي الطبري وابن حزم ومنهم الدكتور يوسف القرضاوي وشرط لذلك شروطًا. الترجيح: القول بتولي المرأة القضاء أو منعه لا يعد نازلة، حيث تم بيان الحكم في ذلك

стр. 2676

قديمًا، ولكن يعد نازلة من حيث التطبيق العملي؛ حيث لم يذكر تولي امرأة للقضاء منذ عصور الإسلام الأولى حتى عصرنا، كما أن القوانين والأنظمة في أكثر الدول تجيز تولي المرأة القضاء، وأمور الحياة تتشابك بين الأمم، ويسهل التواصل بين الحضارات، والمرأة تعمل قاضية في كثير من الدول. ونرى أن ولاية المرأة في شؤون الأسرة وما له علاقة بالنساء جائزة، فما رأى ولي أمر المسلمين أن من المصلحة توليها له فلا بأس به، بشرط أن تتوفر فيها شروط تولي القضاء، وأن عدم توليها ما عدا ذلك إنما هو رحمة بها وشفقة عليها (١)، فتولي القضاء إنما هو تكليف قبل أن يكون تشريفًا، فقد ورد في الحديث: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة ... " (٢)، كما أن كثيرًا من كبار العلماء ومنهم أبو حنيفة امتنع عن تولي القضاء؛ لما يعلمه من عظم مسؤوليته وخطر أمره. والله أعلم.

стр. 2677

حكم اشتراط التحاكم إلى القوانين الوضعية في العقود التجارية نتيجة للتطور والتقدم الذي تعيشه البشرية وما صاحبه من توسع في المعاملات التجارية وعقود التوريد والمناقصات والمقاولات، بحيث أصبح يتم التعامل في بعضها مع شركات أجنبية، وما يترتب عليه من عقد اتفاقيات تبين ما لكل من الطرفين وما عليه، ومن ذلك طريقة حل النزاعات التي تحدث أثناء أو بعد التنفيذ، فقد يشترط في العقد أنه عند الخلاف يتم اللجوء إلى التحكيم أو القضاء في بلد معين كفرنسا أو بريطانيا مثلًا، وتجيز القوانين الدولية الاتفاق على مثل ذلك، لكن ما حكم الإقدام على هذا العمل في الشريعة الإِسلامية؟ الحكم الشرعي لاشتراط التحاكم إلى القوانين الوضعية في العقود التجارية: للعلماء المعاصرين في ذلك قولان: ١ - قول يرى حرمة النص في العقود على التحاكم إلى هذه القوانين، لكونها مخالفة لشرع الله، وقد وردت الآيات والأحاديث الكثيرة الدالة على حرمة ذلك ومن هؤلاء العلماء الشيخ محمد بن عثيمين (١). ٢ - قول يرى أن التحاكم إلى غير شرع الله لا يجوز في حال السعة والاختيار، ولكن الحياة الآن تغيرت وتعددت جوانبها التجارية والاجتماعية، بحيث يتعذر على المسلم أن يجد نظامًا تجاريًا يتحقق به المقصود، ولذلك فإنه يجوز القبول بهذا الشرط وتنفيذ مقتضاه عند وجود ما يدعو لذلك استثناءً للضرورة أو الحاجة، ودليلهم آيات الاضطرار، والمسلم الذي يقبل محتاجًا أو مضطرًا بشرط التحاكم إلى القوانين الوضعية ظاهرًا مع عدم رضاه به في نفسه له مندوحة في ذلك.

стр. 2678

ويستندون في ذلك إلى بعض القواعد الفقهية ومنها: المشقة تجلب التيسير، وقاعدة: إذا عم الحرام جاز استعمال ما يحتاج إليه ولا يقتصر على الضرورة. وذكروا أن القول بمنع ذلك يؤدي إلى انسداد باب التعامل، وهو يفضي إلى مفسدة كبيرة لا تقرها الشريعة، وممن قال بالتحاكم عند الضرورة فقط الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "ليس له أن يتحاكم إليهم إلا عند الضرورة، إذا لم يتيسر له الحصول على حقه إلا بذلك" (١). وأفتت اللجنة الدائمة للفتوى في السعودية: "بعدم جواز التحاكم إلى القوانين الوضعية إلا عند الضرورة، إذا لم توجد محاكم شرعية" (٢). الترجيح: نرى أنه لا يجوز التحاكم إلى القوانين الوضعية في العقود التجارية ولا غيرها، وأنه يجب على المسلم التحاكم إلى شريعة الله، وقد يضطر المسلم عند الوقوع في المشكلة إلى التحاكم إلى غير شريعة الله مما يساعده على أخذ حقه ومن ذلك: ١ - أن تكون القضية في بلد لا يحكم بشرع الله، ولو لم يلجأ إلى محاكمها لضاع حقه، فله أن يلجأ إلى القضاء للحصول عليه. ٢ - أن يكون تنفيذ المشروع أو المقاولة في بلد لا يحكم الشرع الإِسلامي ونشأت مشكلة، فإن للمسلم أن يلجأ إلى القضاء لأخذ حقه إذا لم يدركه إلا بذلك. وليس من الضرورة أن يتفق المسلم مع غيره من الشركاء أو الشركات على تنفيذ

стр. 2679

عقد تجاري في بلد يحكم بالشريعة الإِسلامية ثم يقبل بالعقد ابتداء في أنه حال الخلاف سيتم حله وديًّا، فإن لم يحل فإنه يتم التحكيم أو التحاكم إلى القوانين الوضعية في بلد آخر كفرنسا أو غيرها. ولكن على المسلم أن ينص على أن يكون التحكيم أو التحاكم عند وقوع الخلاف وهو في بلد إسلامي إلى الشريعة الإِسلامية عن طريق محاكمها وقضائها. وبذلك يمكن الجمع بين أدلة القولين؛ القائلين بالمنع للأدلة والأسباب التي أوردوها، والمجيزين لأدلتهم ومبرراتهم، وتوجيه كل منها إلى حاله بعينها. والله أعلم.

стр. 2680

المحاماة تناول الفقهاء موضوع المحاماة من خلال الحديث عن الوكالة، حيث إن المحامي يكون وكيلًا عن موكله من مدعٍ أو مدعى عليه، وبينوا ما يطلب فيه. والمحاماة تكون نازلة من حيث تسميتها وإصدار الأنظمة واللوائح المبينة حق المحامي وما له وما عليه، والشروط المطلوب توفرها فيه، وذلك وفق ما جاء في الأنظمة والقوانين المنظمة له، ومن تلك الأنظمة نظام المحاماة في المملكة العربية السعودية الذي صدر بتاريخ ٢٨/ ٧ / ١٤٢٢ هـ وهو يشتمل على ثلاث وأربعين مادة جاء الحديث فيها عن تنظيم عمل المحاماة، وقد جاء في المادة الأولى منه: يقصد بمهنة المحاماة في هذا النظام الترافع عن الغير أمام المحاكم وديوان المظالم واللجان المشكلة بموجب الأنظمة والأوامر والقرارات لنظر القضايا الداخلة في اختصاصاتها ومزاولة الاستشارات الشرعية والنظامية، ويسمى من يزاول هذه المهنة محاميًا. الحكم الشرعي لمهنة المحاماة: يرى بعض العلماء المعاصرين ومنهم الشيخ أبو الأعلى المودودي أن مهنة المحاماة محرمة؛ لأن المحامين لا يهمهم سوى نصرة موكلهم سواء أكان محقًّا أو مبطلًا، ولقد نهى الله عن الخصومة للخائن بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]. كما أن فيها الترافع أمام المحاكم التي لا تحكم بشرع الله، وفي هذا التحاكم إلى الطاغوت، والأجر الذي يستحقه المحامي قد يكون مجهولًا وفيه غرر، والشريعة الإِسلامية تمنع الغرر. ويرى أكثر العلماء مشروعيتها، ويستدل لذلك بما ورد من أدلة تبين مشروعية الوكالة بالخصومة (١)، ومنها قوله تعالى عن موسى ﵇: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ

стр. 2681

أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤]، حيث طلب موسى إرسال هارون معه عونًا له. الترجيح: نرى أن الراجح هو القول بجوازها ومشروعيتها إذا كانت للدفاع عن الحق، وبذلك فإن المانعين يتفقون مع المجيزين لها، وما ورد من أنظمة وقوانين تبين الأساليب والإجراءات اللازمة للقيام بالمهنة إنما هو من باب تحقيق المصلحة فلا مانع منه. والله أعلم. التحكيم: تناول الفقهاء قديمًا التحكيم وبيان أحكامه وشروطه، وإنما جد فيه بعض الأمور التنظيمية بما يلائم مستجدات العصر؛ فلهذا يعد نازلة ينبغي بيان حكمها، وقد صدرت بذلك الأنظمة والقوانين واللوائح التنفيذية له في مختلف الدول حيث جاء نظام التحكيم السعودي في خمس وعشرين مادة بينت الشروط والواجبات، وكذلك الإجراءات المتبعة، وصدرت اللائحة التنفيذية له وتحتوي على ثمان وأربعين مادة بينت كيفية تنفيذ النظام وتوضيح ما يحتاج إلى توضيح. الحكم الشرعي لما يعد نازلة في التحكيم من الأنظمة واللوائح والتنظيم: إن تنظيم التحكيم وفق إجراءات وأساليب معينة يندرج تحت باب المصالح وهو يحقق مصلحةً للفرد والمجتمع والأمة فيكون مشروعًا. وقد جاء قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم ٩١ (٨/ ٩) بمشروعية التحكيم سواء أكان بين الأفراد أم في مجال المنازعات الدولية. وبين ما لا يجوز التحكيم فيه، وهو ما كان حقًّا لله تعالى كالحدود، أو ما استلزم الحكم فيه إثبات حكم أو نفيه بالنسبة لغير المتحاكمين ممّن لا ولاية للحكم عليه

стр. 2682

كاللعان لتعلق حق الولد به، أو ما ينفرد القضاء دون غيره بالنظر فيه. وبين في البند سادسًا أنه: إذا لم تكن هناك محاكم دولية إسلامية، يجوز احتكام الدول أو المؤسسات الإسلامية إلى محاكم دولية غير إسلامية؛ توصلًا لما هو جائز شرعًا.

стр. 2683

الفِقهُ الميَسَّر النوازل العامة

стр. 2684

النَّوازل العامة وهي التي لا تدخل تحت مسمى باب من أبواب الفقه المسماة ومنها: توزيع نسخ القرآن الكريم في غرف الفنادق: يعد توزيع نسخ من القرآن الكريم في غرف الفنادق نازلة؛ حيث لم يكن ذلك موجودًا، ومع انتشار الفنادق في البلاد الإسلامية جدت هذه النازلة، إذ أن أصحاب الديانات الأخرى غير الإسلام يوزعون في الفنادق نسخًا من كتبهم كالتوراة والإنجيل، فهل الأولى توزيع نسخ من القرآن الكريم في غرف الفنادق أو منع ذلك لما يظن من إمكانية امتهان المصحف؟ يرى مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي أنه يجوز توزيع نسخ من القرآن الكريم في غرف الفنادق؛ لأن المصلحة ظاهرة في جعله في غرف الفنادق لتعم منه الفائدة، جاء ذلك في قراره رقم ٦ في الدورة السادسة عام ١٤٠٣ هـ. ونرى أنه يمكن توزيع نسخ من ترجمة معاني القرآن الكريم في الفنادق؛ لأنه قد يقيم في الفنادق غير مسلمين وغير عرب فتكون الفائدة أتم، ولا يكون فيه محذور مس المصحف من غير المتطهر بل وغير المسلم أو امتهان المصحف ممّن لا يقدره قدره. والله أعلم.

стр. 2685

الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية الانتخابات هي عملية يدلى فيها الناس بأصواتهم للمرشح أو الاقتراح الذي يفضلونه، وتجري الانتخابات لاختيار المسؤولين في كثير من التنظيمات مثل الجمعيات والنقابات العمالية، والنوادي الرياضية والاجتماعية، وكثير من المؤسسات العامة والخاصة. وهناك نوع آخر من الانتخابات يعرف باسم الاستفتاء للبت في مسائل دستورية أو سياسية مهمة. وتختلف إجراءات ونظم الانتخابات من بلد لآخر، إلا أن هناك أسسًا معينة يجري العمل بها في كثير من البلاد، وينتخب رؤساء الدول والحكومات والهيئات التشريعية على فترات منتظمة. ويحق لكل مواطن تجاوز عمره ١٨ أو ٢١ سنة حسب النظام الإدلاء بأصواتهم ما داموا مسجلين ولم يفقدوا هذا الحق لسبب أو آخر (١). الحكم الشرعي للانتخابات: ١ - يرى بعض المعاصرين من العلماء ومنهم الألباني والشيخ صالح الفوزان وغيرهم أن الانتخابات غير جائزة؛ لأنها تقوم على أساس غير إسلامي، ولأنها تجعل الاختيار لكل الناس والاختيار في الإسلام إنما هو لأهل الحل والعقد. ٢ - يرى عامة العلماء المعاصرين ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز (٢)، والشيخ د. يوسف القرضاوي (٣)، والشيخ عبد الله بن جبرين وغيرهم أن الانتخابات جائزة،

стр. 2686

وتحقق المصلحة للمسلمين، وهي من النوازل التي جدت في العصر الحاضر؛ نتيجة لكثرة الناس، وعدم إمكانية الإحاطة باختياراتهم إلا عن طريق الانتخابات، ولا يمنع إن كانت تطبق في بلاد غير إسلامية، فالحق ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، ويرى الشيخ ابن جبرين أهمية ذلك واختيار الأفضل من المرشحين من أهل الخبرة والمعرفة والصلاحية (١). الترجيح: نرى أن الانتخابات جائزة، وأنها تحقق مصلحة راجحة للمسلمين سواء أكانوا في بلادهم أم في بلاد غير إسلامية، بل يرى الشيخ محمَّد بن عثيمين (٢) أن الدخول في الانتخابات واجب للسعي إلى تعيين من فيه خير وإبعاد أهل الشر وذلك باختيار من يراه المسلم صالحًا للقيام بذلك.

стр. 2687

تطبيق فقه الشورى في الوقت المعاصر الشورى لغة: مصدر من شار العسل: استخرجه من الخلية (١). والشورى عملية يستخرج بها الآراء المتعددة في الأمر المعروض على من يحسن ذلك، قال البدر العيني: وحاصل معنى شاورته: عرضت عليه أمري حتى يدلني على الصواب فيه (٢). والشوري اصطلاحًا: قال ابن العربي هي: الاجتماع على الرأي ليستشير كل واحد صاحبه ويستخرج ما عنده. وقد عرفها بعض المعاصرين بأنها: النظر في الأمور من أرباب الاختصاص والتخصص؛ لاستجلاء المصلحة المقصودة شرعًا وإقرارها (٣). الفرق بين الشورى والديمقراطية: يرى بعض علماء العصر أن فيه اختلافًا بين الشورى والديمقراطية، فالديمقراطية كما هي عند غير المسلمين تستند على مبدأ أن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر الشرعية، فالسلطة في النظام الديمقراطي هي للشعب؛ ذلك أن كلمة الديمقراطية مركبة من كلمتين يونانيتين هما ديموس، أي: الشعب، وكراتوس أي: الحكم ومعناها: حكم الشعب، أما الشورى فإنها تستند على أن الحكم في الشورى هو الكتاب والسنة، وهي مبدأ من مبادئ الإسلام في الحكم، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨]، وهو تشريع رباني تقوم عليه الدولة الإسلامية في كل شؤونها، وهي

стр. 2688

ملزمة بذلك شرعًا. لكن نقول: إن الشورى مبدأ عام وقاعدة أساسية في الحكم والتطبيق يختلف من عصر لآخر ومن مكان لغيره، ولا نرى مانعًا في اتخاذ الديمقراطية أو غيرها أسلوبًا تنفيذيًّا لمبدأ الشورى شريطة أن يكون مصدر الحكم الكتاب والسنة وليس الشعب أو من يمثله، لكن يمكن أن يكون للشعب أو من يمثله دور فيما يتعلق بالتشريعات المبنية على المصالح المرسلة مما لا يعارض كتابًا ولا سنة وهو مما يقتضيه التطور في حياة البشرية.

стр. 2689

المواطنة في الإسلام المواطنة: اصطلاح يشير إلى الانتماء إلى أمة أو وطن، ويعني ذلك الجنسية. وتسبغ المواطنة حقوقًا وواجباتٍ معينة على المواطنين تشمل حق التصويت وشغل الوظائف العامة، وواجبات تناط بالمواطنين مثل دفع الضرائب، والدفاع عن وطنهم (١). الحكم الشرعي لذلك: إن مفهوم المواطنة قد أرسي في الإسلام حيث تشير الصحيفة التي كتبها الرسول ﷺ عندما قدم المدينة المنورة، التي تعد أول دستور في الإسلام، وقد حددت الصحيفة العلاقة بين سكان المدينة المنورة من المسلمين وغيرهم من اليهود، وبينت الحقوق والواجبات، وحققت لهم العدل والمساواة. وبهذا يتضح أن الإسلام يؤيد مبدأ حق المواطنة وما يبنى عليها من حقوق وواجبات، وهو يحقق المصلحة للفرد والمجتمع وللأمة، ولا يترتب عليه مفاسد. والله أعلم.

стр. 2690

حقوق الإنسان في الإسلام تعريف الحقوق في اللغة: قال الجوهري: الحق خلاف الباطل (١)، وقال الفيروز آبادي (٢): الحق من أسماء الله تعالى أو من صفاته، والقرآن، وضد الباطل، والأمر المقضي والعدل، والموجود الثابت وهو واحد الحقوق، والحق هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. واصطلاحًا: هي مجموعة القواعد والنصوص التشريعية التي تنظم على سبيل الإلزام علائق الناس من حيث الأشخاص أو الأموال. ويستحق الشخص تلك الحقوق بصفته إنسانًا، ويجب أن يتمتع بها منذ ولادته، فمن حق كل إنسان العيش بعزة وكرامة وحرية دون خوف من التعرض إلى الظلم والقمع والمهانة، وانتقاص أي حق منها يعتبر انتقاصًا من إنسانية الشخص وانتهاكًا لكرامته. لقد سبقت الشريعة الإسلامية كافة المواثيق والإعلانات الدولية لحقوق الإنسان في بيان تلك الحقوق وتطبيقها فنعمت الشعوب الإسلامية وغيرها بالعدل والحرية والمساواة. إن حقوق الإنسان الصادرة من الهيئات الدولية إنما هي جهد بشري جاء متأخرًا عن إقرارها والعمل بها في الإسلام، وهي جهد مشكور ينبغي تطبيقه والالتزام به من كافة الدول دون تمييز، وتعد تلك الحقوق متماشية مع الشريعة الإسلامية فيما يحقق المصلحة ولا يعارض نصًّا شرعيًّا، وقد استفاد واضعوها من التعاليم الإسلامية ولا سيما إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، وإن قانون نابليون الفرنسي قد تأثر في قواعده العامة ومبادئه بالفقه المالكي الذي كان منتشرًا في بلاد المغرب العربي التي كانت على تواصل مع فرنسا في ذلك العصر.

стр. 2691

وقد صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بتاريخ ١٥/ ١٢ / ١٩٤٨ م عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وجاء في ثلاثين مادة لا تتعارض مع ما جاء به الإسلام من مبادئ وقواعد إلا في ناحيتين إحداهما: ما جاء في المادة السادسة عشرة رقم (١) للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزويج وتأسيس أسرة دون قيد بسبب الجنس أو الدين، ولهما حقوق متساوية عند الزواج وأثناء قيامه وعند انحلاله. وذلك في قوله: "وتأسيس أسرة دون قيد بسبب الجنس أو الدين"؛ ذلك أن الإسلام لا يجيز زواج المسلمة بغير المسلم، لما للزواج من تأثير على دين الزوجة عقيدة وشريعة، ولما للزوج من حقوق على زوجته قد تؤدي إلى الإخلال بحق الله. كما أن المسلم لا يجوز له الزواج بغير المسلمة والمحصنة من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) فلا يجوز زواجه من امرأة تعتنق أي دين أو نحلة غير ذلك؛ لما يؤدي إليه ذلك من التأثير على الأولاد عقيدة وسلوكًا والتزامًا بشعائر الإسلام. وثانيتهما: هو ما جاء في المادة الثامنة عشرة وهي: قوله: "لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته ... " إلى آخر ما جاء فيها. وهي قد أعطت الحق للشخص في تغيير دينه أو عقيدته، وهذا مخالف للإسلام؛ حيث إن الإسلام يتيح الدخول إليه بالرغبة دون إكراه ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. ودخوله يعني قناعته بدين الإسلام، فإذا فعل ذلك فإنه لا يجيز له تركه بعد أن عرفه واقتنع فيه بل يعتبر مرتدًّا تطبق عليه أحكام الردة. وهذه الصرامة والحزم مع من دخل في الإسلام تجعله يفكر كثيرًا ويتأنى عند دخوله في الإسلام، فلا يقدم عليه إلا عن قناعة تامة ولو ترك الأمر كما جاء في المادة المذكورة لأصبح التدين لعبة يتخذها المرء متى شاء ويتركها متى شاء، ولما لهذا الارتداد من تأثير على عامة الناس من تشكيكهم في دينهم وعقيدتهم كما جاء عن اليهود في أول

стр. 2692

الإسلام: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. قال ابن سعدي: أي ادخلوا في دينهم على وجه المكر والكيد أول النهار، فإذا كان آخر النهار فاخرجوا منه لعلهم يرجعون عن دينهم فيقولون: لو كان صحيحًا لما خرج منه أهل العلم والكتاب. وكذلك قوله في عجز المادة: "وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرًّا أم مع الجماعة". حيث أجاز النص إقامة شعائر الدين أي دين، جماعة، وذلك غير جائز في جزيرة العرب؛ لأن التوجيه النبوي الكريم الذي رواه مالك (١) عن ابن شهاب: أن رسول الله ﷺ قال؛ "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب". فهي مركز الإسلام وخاصته، فلا يجوز أن تقام فيها الشعائر جماعة غير شعائر الإسلام، كما أن الفاتيكان لا يقام فيها غير دين النصارى.

стр. 2693

علاقات الدول الإسلامية بغيرها وبالمواثيق الدولية الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، فهو يولي العلاقات بين دوله وشعوبه عناية تامة، بحيث يكونون كالجسد الواحد، وأمة واحدة ترعى شؤونها ومصالحها الدينية والدنيوية، وهو يهتم كذلك بالتعامل مع الأمم والشعوب الأخرى، فهو يبني علاقات طيبة تقوم على السلام والاحترام المتبادل، والتعاون فيما يحقق المصالح المشتركة دون التدخل في الشؤون الداخلية لأمة الإسلام أو الدول الأخرى. إن الدولة الإسلامية جزء من هذا العالم، ولا يمكن أن تعيش منفردة لوحدها، بل تبني علاقاتها وتعاملاتها بما يحقق العزة والكرامة لها حكومةً وشعبا، وهي لا تعادي غيرها لاختلاف الدين بينهما، وإنما تسالم من سالمها وتعادي من يعاديها. ويجوز للدولة الإسلامية الدخول في المعاهدات وإبرام الاتفاقيات الثنائية أو الدولية بما لا يتعارض مع مبادئ الإسلام وأحكامه، وبما لا يؤدي إلى هيمنة أي قوة دولية، أو تدخلها في شؤون الدول الإسلامية، وإنما التساوي في الحقوق والالتزامات دون وهن أو ضعف. وقد جاء الكلام عن ذلك في قرار المجمع الفقهي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته السابعة عشرة في عمان بالأردن عام ١٤٢٧ هـ.

стр. 2694

التسجيل العيني للعقار يقصد بالتسجيل العيني للعقار: الطريقة التي تجعل من الوحدة العقارية محل الحق أساسًا لقيد الحقوق العقارية، بحيث تخصص صحيفة في السجل العقاري لكل وحدة عقارية توصف فيها الوحدة وصفًا دقيقًا، من حيث موقعها ومساحتها وطبيعتها، وتبين فيها الحقوق والالتزامات الواردة عليها. وقد صدرت بذلك أنظمة في مختلف الدول، ومنها المملكة العربية السعودية، حيث صدر نظام التسجيل العيني للعقار في ثمان وسبعين مادة، وبين النظام الاختصاصات وإجراءات القيود والأحكام الانتقالية والجزاءات، ثم صدرت لائحته التنفيذية في ثلاثمائة مادة، وهي تبين النظام وتفسره وتوضح الطريقة والإجراءات التي يتم بها التسجيل وأهميته وأسباب اكتساب الحقوق العينية. إن هذا النظام وما صدر له من لائحة تنفيذية إنما وضع لمصلحة المجتمع وتنظيم ما يخص العقارات وضبطها لمالكيها، وهو يحقق مصلحة ظاهرة، فعلى المسلم الالتزام به وتنفيذه، إذ هو يندرج تحت باب المصالح المرسلة التي يجوز لولاة الأمر عمل ما يحقق مصلحة الفرد والمجتمع والأمة من خلالها ما لم يخالف نصًّا شرعيًّا.

стр. 2695

تجنس المسلم بجنسية دولة غير إسلامية الجنسية: هي مصطلح سياسي جديد، وهي حق الإنسان في أن يكون عضوا في بلد ما وهذا هو التفسير القانوني للكلمة. وتكتسب الجنسية عند الولادة وفقًا لأحد المبدأين: الأول: مبدأ حق الدم الذي يعطي للطفل جنسية أحد الوالدين، وغالبًا ما تكون جنسية الوالد، أما المبدأ الثاني فهو حق مسقط الرأس الذي يجعل من الفرد مواطن البلد الذي ولد فيه (١). الجنسية المكتسبة: هي العملية القانونية التي يكتسب من خلالها الأجنبي جنسية الدولة الأخرى التي يريد الانتماء إليها، وتضع كل دولة مجموعة من الشروط التي يجب استيفاؤها لاكتساب الجنسية. الجنسية المزدوجة: يحمل بعض الأشخاص جنسية دولتين، ويطلق على هذه الحالة الجنسية المزدوجة، ويكتسب بعض الأشخاص الجنسية المزدوجة بالميلاد ويكتسبها بعضهم نتيجة للتجنس، وهناك دول تسمح لمواطنيها الاحتفاظ بجنسياتهم الأصلية مع الجنسية التي اكتسبوها، كما تمنع بعض الدول مواطنيها من الجمع بين الجنسيتين (٢). الحكم الشرعي لذلك: إن المواطن المسلم في البلد غير الإسلامي يعد أصلي الجنسية وعليه التمسك بدينه، وأن يكون قدوة حسنة لغيره، وعليه بيان محاسن الدين الإسلامي، وألا يذوب في المجتمع من حوله، وعليه التمسك بحقوقه والتعاون مع المسلمين في المطالبة بحقوقهم وأداء واجباتهم.

стр. 2696

أما من كانت جنسيته لبلد إسلامي ويريد الحصول على جنسية بلد غير إسلامي، فإن ذلك لا يخلو من حالات وتفصيلها كما يأتي: ١ - أن يكون طلبه وحصوله على جنسية البلد غير الإسلامي لمجرد الحصول على منافع الدنيا لا غير، وذلك لا يجوز حيث يخشى عليه التأثر في دينه وانتمائه الإسلامي، وما يترتب على ذلك من خطر على أولاده وأهله، ورغبته عن المسلمين، وفي بلاد المسلمين غنية عن غيرها في طلب الرزق والمنافع. ٢ - أن يكون حصوله على الجنسية لهدف أسمى، وذلك حرصًا على الدعوة للإسلام، وهو يملك أسباب ذلك من العلم النافع والعمل الصالح، فهذا جائز بل يكون مستحبًّا له، فلعل الله أن يهدي على يديه غيره للإسلام، فقد جاء في الحديث: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" (١). ٣ - أن يكون حصوله على الجنسية لمصلحة أمته بحيث يتمكن من العلم والخبرة في العمل بما يعود على المسلمين بالمصلحة والخير في حاضرهم ومستقبلهم، فهذا جائز على أن يتمسك بدينه وأخلاقه، وأن يراعي عدم الذوبان في تلك المجتمعات، وأن يعود إلى أمته ليؤدي دوره في نهضتها وتقدمها. ٤ - أن يكون حصوله على الجنسية مضطرًّا لذلك، كما لو كان هاربًا من الظلم ويخاف على دينه أو نفسه ونحو ذلك، فهذا يجوز له الحصول على الجنسية مع مراعاة التمسك بدينه وأخلاقه هو ومن يرعاه من أهل وأولاد، وإظهار شعائر دينه دون خوف، وعليه أن يرجع إلى موطنه الأصلي متى ما زال السبب الذي أدى إلى هجرته وهربه وحصوله على الجنسية لتلك الدولة. جاء عن الشيخ عبد الله بن جبرين في الفتوى رقم (٦٢٤٧) قوله: من اضطر إلى طلب جنسية دولة كافرة لمطاردة من بلده ولم يجد مأوى؛ فيجوز له ذلك بشرط أن يظهر

стр. 2697

دينه ويكون متمكنًا من أداء الشعائر الدينية، وأما الحصول على الجنسية من أجل مصلحة دنيوية محضة فلا أرى جوازه. والله أعلم. وجاء عن اللجنة الدائمة للفتوى في السعودية في الفتوى رقم (٢٣٩٣): لا يجوز لمسلم أن يتجنس بجنسية بلاد حكومتها كافرة؛ لأن ذلك وسيلة إلى موالاتهم، والموافقة على ما هم عليه من الباطل، لكن من أقام من أهل العلم والبصيرة في الدين بين المشركين لإبلاغهم دين الإسلام ودعوتهم إليه، فلا حرج عليه إذا لم يخش الفتنة في دينه، وكان يرجو التأثير فيهم وهدايتهم. وجاء عن مجمع الفقه التابع للرابطة بمكة المكرمة قوله في الموضوع: وقد رأى المجلس أن الموضوع تحف به الاعتبارات المختلفة من سلبية وإيجابية ومصالح ومفاسد وضرورات وعدمها؛ مما يجعل من غير الممكن إصدار رأي عام، وإنما يجب فيه رعاية وضع كل فئة وواقعها وظروفها بحسبها.

стр. 2698

خدمة المسلم في جيش غير إسلامي ومشاركته في القتال توجب كثير من الدول على مواطنيها الخدمة الإجبارية في الجيش، وإذا كان المسلم أحد مواطنيها فهل يجوز له الخدمة في الجيش والمشاركة في القتال؟ الحكم الشرعي لذلك: إذا أخذ المسلم جنسية بلد غير إسلامي، كما إذا كان مواطنًا أصليًا، أو بالتجنس، فإنه لا يجوز له العمل في الجيش، إلا إذا كان ذلك ضرورة من حيث كون التجنيد إجباريًّا، وعليه إذا التحق بالجيش ألا يحارب معهم المسلمين مطلقًا، فإن حارب فهو آثم إن قتل أحدًا، وعليه الوعيد الشديد بقتل المؤمن، ولا يجوز أن يحارب غيرهم إذا كان ذلك اعتداءً وظلمًا، وعليه المحافظة على دينه وأخلاقه، وأن يكون مثالًا حيًّا للمسلم الصادق عسى الله أن يهدي به أحدًا ممّن يعمل معهم. والله أعلم.

стр. 2699

مقاطعة المنتجات والبضائع الواردة من الدول المعادية مقاطعة المنتجات تكون بالتوقف عن شراء البضائع والمنتجات بأنواعها من الدول المعادية للإسلام والمحاربة له، كدولة اليهود في فلسطين ومن يدعمها في حربها على المسلمين. إن الحصار الاقتصادي كان موجودًا عبر التاريخ سواء أكان بالبيع للعدو أو الشراء منه، ثم حدث ذلك في أول الإسلام عندما منع الصحابي الجليل ثمامة بن أثال ﵁ قومه في اليمامة من تصدير القمح إلى المشركين في مكة حتى يأذن رسول ﷺ ، فكتبت قريش إلى النبي ﷺ بذلك، فكتب إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين التصدير إليهم. إن مقاطعة المنتجات والبضائع الواردة من الدول المعادية كإسرائيل ومن يدعمها أمر مشروع، وهو من الحرب الاقتصادية، وقد كان العرب يقاطعون بعض الشركات التي تدعم اليهود في فلسطين على أهل فلسطين، وكان لها أثر كبير من حيث وقوع تلك الشركات المقاطعة في خسائر كبيرة، وقد أفتى كثير من علماء العصر بأهميتها ومنهم الشيخ ابن عثيمين حيث قال (١): المسلمون لو قاطعوا كل أمة من النصارى تساعد الذين يحاربون إخواننا، لكان له أثر كبير، ولعرف النصارى وغير النصارى أن المسلمين قوة، وأنهم يد واحدة. وجاء عن الشيخ ابن جبرين قوله (٢): وعلى المسلمين أن يقاطعوا بترك التعامل معهم، وبترك شراء منتجاتهم، ففي ذلك إضعاف لاقتصادهم. ونقل عن الشيخ الألباني (٣): أما إذا كانوا محاربين فلا يجوز التعامل معهم سواء كانوا في الأرض التي احتلوها كاليهود في فلسطين أو كانوا في أرضهم ما داموا أنهم لنا من المحاربين، فلا يجوز التعامل معهم إطلاقًا، أما من كان مسالمًا فهو على الأصل جائز.

стр. 2700

وبذلك قال الشيخ د. يوسف القرضاوي حيث جاء في موقعه على الإنترنت: هناك جهاد اقتصادي وهو أن تفعّل الفتوى التي أصدرتها وأصدرها معي عدد من علماء الأمة بتحريم التعامل مع البضائع الإسرائيلية والأمريكية، مقاطعة البضائع الإسرائيلية والأمريكية هذا واجب الأمة. وترى اللجنة الدائمة للفتوى بالسعودية جواز المقاطعة إذا كانت صادرة من ولي أمر المسلمين فهو الذي يقدر المصلحة في ذلك، جاء ذلك في الفتوى رقم ٢١٧٧٦ بتاربخ ٢٥/ ١٢ / ١٤٢١ هـ. وهذه المقاطعة من التعاون بين المسلمين على البر والتقوى، لكن ينبغي كي تؤتي ثمارها أن تكون مدروسة من حيث كيفية تنفيذها، وماذا يترتب عليها، وتكون مقرة من علماء البلد الذي يريد القيام بتلك المقاطعة حتى تؤدي النتائج والفوائد المراد تحقيقها. والله أعلم.
следующие страницы →