← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى أو على ركبته اليسرى، باسطًا يده قائلًا: "رب اغفر لي، رب اغفر لي" (١) كما كان الرسول ﷺ يقوله. ويستحب أن يأتي بما ثبت عنه ﷺ في هذه الجلسة كأن يقول: "اللَّهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وارزقني وعافني" (٢) أو بما شاء من أدعية أخرى. الثامن عشر: إذا انتهى من جلوسه بين السجدتين يسجد السجدة الثانية ويفعل فيها مثل ما فعل في السجدة الأولى، ويقول فيها بما قاله في السجدة الأولى. التاسع عشر: إذا انتهى من سجوده الثاني يكبر رافعًا وناهضًا إلى الركعة الثانية، والأفضل للمصلى هنا أن يجلس جلسة الاستراحة كما ذكرنا ذلك سابقًا، وإن قام ولم يجلس فلا حرج، وليس هناك ذكر ولا دعاء في هذه الجلسة. العشرون: إذا نهض إلى الركعة الثانية مكبرًا قائلًا: "الله أكبر" يفعل فيها كما فعل في الركعة الأولى. الحادي والعشرون: إذا فرغ من القراءة كبر للركوع وفعل في ركوعه مثل ما فعل في ركوعه الأول. الثاني والعشرون: إذا انتهى من ركوعه نهض رافعًا يديه حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ أو حذو أذنيه قائلًا: "سمع الله لمن حمده" إذا كان إمامًا أو منفردًا، ثم يفعل مثل ما فعل في رفعه الأول.

стр. 317

الثالث والعشرون: إذا انتهى من رفعه وقال بما هو واجب وما هو مستحب، فإنه ينحط ساجدًا كما تقدم من غير رفع لليدين على الصحيح مكبرًا عند انحطاطه، ثم يقول في سجوده بمثل ما قال في سجوده الأول. الرابع والعشرون: إذا فرغ من سجوده رفع قائلًا: "الله أكبر" ويجلس ويقول: "رب اغفر لي، رب اغفر لي" ويطمئن ويفعل كما تقدم في الركعة الأولى. الخامس والعشرون: إذا فرغ من جلوسه هذا كبر وسجد السجدة الثانية ويفعل كما تقدم. السادس والعشرون: إذا انتهى من سجوده هذا جلس للتشهد الأول مفترشًا رجله اليسرى ناصبًا اليمنى كجلسته بين السجدتين، هذا هو الأفضل، ثم يأتي بالتشهد الأول وهو كما ذكرنا سابقًا: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" والأفضل له أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية في تشهده هذا هو الأصح، وإن اقتصر على تشهده فلا بأس فهي هنا ليست بواجبة بل هي سنة، ووجوبه يكون في التشهد الأخير كما ذكرنا سابقًا. السابع والعشرون: إذا انتهى من تشهده الأول قام فأتى بالركعة الثالثة إن كانت ثلاثية، ثم أتى بالرابعة إن كانت الصلاة رباعية. يفعل في هاتين الركعتين مثل ما فعل في الأول والثانية. الثامن والعشرون: إذا انتهى من صلاته ولم يبق إلا التشهد الأخير فإنه يجلس له متوركًا، فيفضي بوركه اليسرى الأرض ويخرج قدميه من ناحية واحدة أو يجعل اليسرى تحت فخذه وساقه أو ينصب اليمنى، وإن فرشها أحيانًا فلا بأس؛ كل هذا جاءت به السنة، وللمصلي أن يأتي بما هو أرفق عليه، وإن فعل هذا

стр. 318

أحيانًا وهذا أحيانًا، فحسن. التاسع والعشرون: إذا جلس في تشهده قال فيه مثل ما قال في التشهد الأول؛ فيقول: "التحيات لله ... " إلى آخر التشهد، ويجب هنا أن يأتي بالصلاة الإبراهيمية وهي: "اللَّهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللَّهم بارك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (١) هذا هو الأكمل، وإن أتى بأي صيغة أخرى من صيغ الصلاة الإبراهيمية فلا بأس، والأحسن أن ينوع في صيغ الصلاة على النبي، فيفعل هذا تارة وهذا تارة محافظة على فعل السنة، وإن اقتصر على واحدة أجزأه ذلك. الثلاثون: إذا انتهى من تشهده هذا وصلاته على النبي ﷺ ، فيشرع للمصلي أن يدعو في آخر صلاته، فيستعيذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال. يحافظ على ذلك في فرائضه ونوافله على ما ذكرنا ذلك سابقًا، ثم يتخير بعد ذلك من الدعاء ما يعجبه فيدعو الله به، ويستحب له أن يدعو بما جاء عنه ﷺ في مقامه هذا، ومن ذلك: "اللَّهم أَعِنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (٢). أو "اللَّهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت" (٣).

стр. 319

أو يقول: "اللَّهم إني أعوذ بك من البخل ومن الجُبْن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العُمُرِ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا ومن عذاب القبر" (١). كل هذا ثابت عن النبي ﷺ ، فإن شاء أتى به وإن شاء أتى بغيره، فلا بأس بذلك. إذا انتهى المصلي من تشهده الأخير ومن دعائه فيه يقوم بالتسليم عن يمينه وشماله قائلًا: "السلام عليكم ورحمة الله" وإن زاد أحيانًا في التسليمة الأولى "وبركاته" فهذا أفضل؛ لورود (٢) ذلك عنه ﷺ ، لكن لا يداوم عليها بل يأتي بها أحيانًا. هذه صفة الصلاة التي جاءت بها نصوص السنة، وقد قال ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٣).

стр. 320

أذكار ما بعد الصلاة يستحب للمصلي إذا انتهى من صلاته أن يأتي بالأذكار التي تقال بعد السلام؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (١)، ومن ذلك: ١ - أن يستغفر الله ثلاث مرات: "أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله" (٢)، ٢ - ثم يقول: "اللَّهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام" (٣). ٣ - إن كان إمامًا ينصرف إلى الناس بعد هذا ويقابل الناس بوجهه. ٤ - يقول المصلي بعد هذا: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون" (٤)، "اللَّهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجَدُّ منك الجَدُّ" (٥).

стр. 321

٥ - ثم يشرع للمصلي أن يقول: "سبحان الله والحمد لله والله أكبر" (١) ثلاثًا وثلاثين مرة يعقد ذلك بأصابعه ثم يقول تمام المائة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (٢). ٦ - ثم يقرأ بعد ذلك آية الكرسي (٣)، ثم يقرأ سورة الإخلاص، ثم المعوذتين (٤) مرة واحدة بعد الظهر والعصر والعشاء، أما بعد الفجر والمغرب فيشرع أن يقرأ هذه السور ثلاث مرات. ويستحب للمصلي أيضًا أن يقول بعد الفجر وبعد المغرب: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" عشر مرات (٥) زيادة على الذكر المشروع.

стр. 322

الأحكام المتعلقة بالقنوت في الصلاة أولًا: مواطن القنوت: القنوت في الصلوات ينحصر في ثلاثة مواطن: الموطن الأول: الصبح: حكمه: اختلف الفقهاء في حكم القنوت في صلاة الصبح على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يشرع القنوت في صلاة الصبح، وذهب إلى ذلك الحنفيّة (١) فقالوا بأنه بدعة، وقال الحنابلة بأنه يكره (٢). القول الثاني: أنه مستحبّ وفضيلة، وهذا هو المشهور عند المالكية (٣)، واحتجّوا لذلك بما جاء عن أنس ﵁ وهو قوله: "ما زال رسول الله يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا" (٤). القول الثالث: أن القنوت في صلاة الصبح سنة مؤكدة، وهذا هو قول الشافعيّة (٥)، ولو تركه عمدًا أو سهوًا فإنه لا تبطل صلاته ولكن يسجد للسهو. هذه هي الأقوال الثلاثة في حكم القنوت، ومن نظر إلى الأدلّة وجد أن الصحيح هو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول من عدم مشروعيّة القنوت في

стр. 323

صلاة الصبح إلا لنازلة تحلّ بالمسلمين، فهنا يشرع القنوت في الصبح وغيره من الصلوات الأخرى كما سنبيّنه إن شاء الله. أما جعل ذلك سنة يداوم عليها فليس بمشروع، دليل ذلك: ١ - ما رواه البخاريّ ومسلمٌ عن أنس ﵁ قال: "قنت رسول الله ﷺ في صلاة الفجر شهرًا يدعو في قنوته على أحياء من أحياء العرب ثم تركه" (١). ٢ - ما رواه الترمذيّ عن سعد بن طارق الأشجعيّ ﵁ قال: "قلت لأبي: يا أبت، إنّك قد صلّيت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ها هنا بالكوفة نحو خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني محدث" (٢) وفي لفظ آخر عند النسائيّ: "يا بني، إنها بدعة" (٣). وقال الإِمام الترمذيُّ: "والعمل عليه عند أكثر أهل العلم" (٤). أما احتجاجهم بحديث: "ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا" فهو حديث ضعيف لا يحتجّ به كما بيَّنا ذلك في الهامش عند تحقيقنا لهذا الحديث. الموطن الثاني: القنوت في الوتر . اختلف الفقهاء في حكم القنوت في الوتر على أربعة أقوال:

стр. 324

القول الأول: أن القنوت في الوتر واجب في جميع السنة، وهذا هو قول أبي حنيفة (١) وخالفه صاحباه أبو يوسف ومحمَّد (٢) فقالا بأنه سنة في كل السنة. القول الثاني: أنه لا يشرع القنوت في الوتر، وهذا هو المشهور عند المالكيّة (٣)، وفي رواية عن مالك (٤) أنه يقنت في الوتر في العشر الأواخر من رمضان. القول الثالث: أنه يستحبّ القنوت في الوتر في النصف الأخير من شهر رمضان خاصّة. وهذا مذهب الشافعية (٥). وفي وجه آخر عندهم أنه يقنت في جميع رمضان، وفي وجه آخر أنه يقنت في جميع السنة بلا كراهيّة، ولا يسجد للسهو لتركه في غير النصف الأخير (٦). القول الرابع: أنه يسنّ القنوت في الوتر في جميع السنة، وهذا هو المشهور عند الحنابلة (٧) وعليه المذهب. والأظهر -والله أعلم- أن قنوت الوتر، سنة لكن لا يداوم عليه؛ لأنه لم يثبت عنه ﷺ أنه كان يقنت في الوتر، فالصحابة الذين رووا الوتر لم يذكروا القنوت فيه، فلو كان ﷺ يفعله دائمًا لنقلوه إلينا جميعًا، وكون أحد الصحابة روى ذلك عنه دل على أنه كان يفعله أحيانًا، أي: لا يداوم عليه.

стр. 325

الموطن الثالث: القنوت عند النازلة . اختلف الفقهاء في حكم القنوت عند النازلة على أربعة أقوال: القول الأول: أنّه لا يقنت في غير الوتر إلا لنازلة كفتنة وبلية، فيقنت الإمام في الصلاة الجهريّة (١). القول الثاني: أنّه لا يقنت للنازلة في غير الصبح مطلقًا، لا بوتر ولا بسائر الصلوات عند الضرورة، وهذا هو المشهور عند المالكيّة (٢). القول الثالث: أنّه إذا نزل بالمسلمين نازلة كوباء وقحط أو مطر يضرّ بالعمران أو الزرع أو خوف عدوّ أو أسر عالم، قنتوا في جميع الصلوات وهذا هو المشهور عند الشافعيّة (٣)، وبه قال بعض المالكيّة (٤). القول الرابع: وعند الحنابلة أنه يكره في غير وتر إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة فإنّه يسنّ للإمام الأعظم القنوت فيما عدا الجمعة من الصلوات المكتوبة لرفع النازلة (٥). والذي يظهر من هذه الأقوال: أن الأولى فيها مراعاة عموم الأدلّة التي جاءت في ذلك؛ فالذي يظهر من الأدلة أنه ﷺ كان يقنت أول وقوع النازلة في الصلوات الخمس، ثمّ يتركه في الظهر والعصر والعشاء ويبقيه في المغرب والفجر، ثمّ يتركه في المغرب ويبقيه في الفجر ثمّ يتركه إذا زالت النازلة.

стр. 326

وإذا كان القنوت لغير نازلة بل هو لحاجة المسلمين والدّعاء لهم وعلى أعدائهم، فإنّ المستحبّ أن يدعو بين الحين والآخر، هذا هو الذي نرجّحه في قنوت النوازل. دليل هذا الترجيح ما يلي: أولًا: كونه ﷺ كان يقنت في الصلوات الخمس: عن ابن عبّاس ﵄ قال: "قنت رسول الله ﷺ شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة" (١). ثانيًا: قنوته ﷺ في الظهر والعشاء والفجر: عن أبي هريرة ﵁ قال: "لأقربن لكم صلاة رسول الله ﷺ فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح بعد ما يقول سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار" (٢) وفي رواية "وصلاة العصر" بدل من "صلاة العشاء". ثالثًا: قنوته ﷺ في صلاة المغرب والفجر: عن البراء بن عازب ﵁ قال: "إنّ النّبي ﷺ كان يقنت في المغرب

стр. 327

والفجر" (١) وعن أنس ﵁ قال: "كان القنوت في المغرب والفجر" (٢). رابعًا: أما قنوته ﷺ في الفجر فقط، فمن ذلك: حديث أنس ﵁ في القرّاء الذين قتلوا في بئر معونة قال: " ... فدعا النبي ﷺ على الذين قتلوهم شهرًا في صلاة الغداة ... " (٣)، وحديث ابن عمر ﵄ أنّه سمع النّبي ﷺ إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة من الفجر بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربّنا ولك الحمد، يقول: "اللَّهم العن فلانًا وفلانًا ... " (٤). ثانيًا: محل القنوت: اختلف الفقهاء في محلّ القنوت، هل هو قبل الركوع أم بعده؟ فذهب الحنفيّة (٥) والمالكيّة (٦) إلى أنّه قبل الركوع أو بعده، غير أنّ المندوب الأفضل كونه قبل الركوع عقب القراءة بلا تكبيرة قبله. أما الشافعيّة (٧) والحنابلة (٨) فيرون أنه بعد الرفع من الركوع بعد قول سمع الله لمن حمده ربّنا لك الحمد. والأظهر هو جواز الأمرين. وهو قول الجمهور، فيجوز أن يكون القنوت قبل الركوع ويجوز بعده؛ لورود الأمرين عنه ﷺ ، ولذا بوّب البخاري ﵀

стр. 328

بابًا قال فيه: "باب القنوت قبل الركوع وبعده". لكن الأولى أن يقنت بعد الركوع؛ لأن رواة القنوت بعده أكثر وأحفظ، فهو أولى، والأمر فيه سعة ولله الحمد. ثالثًا: مدّة القنوت للنازلة: تختلف مدّة القنوت في النازلة وذلك حسب النازلة، فيشرع القنوت مدّة النازلة إن كانت ذات وقت. فإنْ نزلت فجأة ثمّ أقلعت فيشرع لأيّام بعدها، والسنة في ذلك شهرًا. وإن كان لحاجة المسلمين فحتى تقضى. فإن طالت قنت وترك إلى أن تزول. فهي سنته ﷺ في قنوت النازلة. فقد قنت رسول الله ﷺ شهرًا في صلاة الغداة يدعو علي بني سُليم ورِعْل وذَكْوَانَ حينما قتلوا القرّاء (١). أما استمراره بالقنوت ما دامت النازلة نازلة فقد جاء في البخاري ومسلمٌ أنّ النبي ﷺ قال: "اللَّهم نَجِّ الوليد بن الوليد اللَّهم نَجِّ عَيَّاشَ بن أبي ربيعة، اللَّهم نجّ المستضعفين من المؤمنين" قال أبو هريرة ﵁: ثمّ رأيت النّبي ﷺ ترك القنوت بعد، فقلت: أرى رسول الله ﷺ قد ترك القنوت؟ قال: قيل "وما تراهم قد قدموا" (٢).

стр. 329

رابعًا: في حكم الجهر والإسرار في القنوت: ذهب المالكيّة (١) إلى استحباب الإسرار بالقنوت في حق الإِمام والمأموم والمنفرد؛ وذلك لأنه دعاء فينبغي الإسرار به حَذَرًا من الرياء. أما الشافعيّة (٢) فيفرِّقون بين ما إذا كان المصلي إمامًا أو منفردًا أو مأمومًا؛ فإن كان إمامًا فيستحبّ له الجهر بالقنوت، وإن كان منفردًا فيسرّ بلا خلاف، وإن كان مأمومًا؛ فإن لم يجهر الإِمام قنت سرًا كسائر الدعوات، وإن جهر الإِمام أمَّن على دعائه. وهذا هو الصحيح وعليه أكثر أهل العلم. والجهر به سواء كانت الصلاة جهريّة أو سرية، فيدعو الإِمام ويؤمِّن المأموم على دعائه. خامسًا: في حكم رفع اليدين في القنوت: ذهب المالكيّة (٣) إلى أنّه لا يشرع رفع اليدين في القنوت، أمّا الشافعيّة (٤) ففيه وجهان عندهم؛ أصحّهما استحباب الرفع وهو قول الحنابلة (٥) وهو الصحيح؛ لوروده عن النبي ﷺ ، قال أنس ﵁: "فما رأيت النبي ﷺ وجد على شيء قَطُّ وَجْدَهُ عليهم -يعني- القرّاء" فلقد رأيت النبي ﷺ في صلاة الغداة رفع يديه فدعا عليهم ... " (٦)، وكذلك ذكر البيهقي (٧) آثارًا كثيرة عن الصحابة أنّهم كانوا يرفعون

стр. 330

أيديهم في القنوت، وكذلك النووي في المجموع (١). سادسًا: في حكم مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من القنوت: اختلف الفقهاء في هذه المسألة؛ فالشافعيّة (٢) لهم وجهان، أصحّهما عدم استحباب المسح. أما الحنابلة (٣) فقد اختلفت الروايات عن الإِمام أحمد في ذلك؛ فأشهرها أنه يمسح، واختارها الأكثرون، والثانية: أنه لا يمسح، نقلها جماعة. واختارها الآجري؛ لضعف الخبر، والثالثة: يكره، والرابعة: يمرّها على صدره. والصواب أنه لا يستحب مسح الوجه في الدعاء خارج الصلاة ولا في القنوت؛ لعدم ورود ذلك، والأحاديث التي جاءت في مسح الوجه ضعيفة لا يحتجّ بها. ذكر بعض الصِّيَغ المستحبّة في دعاء القنوت: ذكرنا أنَّه ليس هناك صيغة ملزمة بالدعاء في القنوت، لكن يستحبّ للمصلي أن يأتي بما ورد عن النبي ﷺ في ذلك وكذا عن صحابته ﵃، فمن ذلك: ١ - "اللهمّ إنا نستيعنك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونخضع لك ونخلع ونترك من يكفرك، اللَّهم إيّاك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك إن عذابك الجِدَّ بالكافرين مُلْحِقٌ" (٤). ٢ - "اللَّهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولّني فيمن تولّيت وبارك لي فيما أعطيت وقني شرّ ما قضيت، إنّك تقضي ولا يقضى عليك وإنّه

стр. 331

لا يذلّ من واليت تباركت ربنا وتعاليت" (١) وإن زاد: "ولا يعزّ من عاديت" (٢) قبل: "تباركت ربّنا وتعاليت" وكذلك: "فلك الحمد على ما قضيت أستغفرك وأتوب إليك" فلا بأس. ٣ - "اللَّهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألِّف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوِّك وعدوِّهم، اللَّهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدّون عن سبيلك ويكذّبون رسلك ويقاتلون أولياءك، اللَّهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا تردّه عن القوم المجرمين" (٣). فهذه بعض صيغ القنوت التي يستحب الإتيان بها. تنبيه: إذا كان المصلي إمامًا لا يخصّ نفسه بالدعاء بل يعمّم ويأتي بلفظ الجمع: "اللَّهم اهدنا". سابعًا: حكم الإطالة في الدعاء في القنوت: وينبغي أن يكون دعاؤه جامعًا ولا يطيل فيه؛ فالمعروف من هديه ﷺ أنه كان لا يطيل في قنوته، بل كان يأتي بجوامع الكلم. أما ما يفعله الكثير من أئمة المساجد في زماننا من إطالة للدعاء وتعمّد السجع فيه، فهذا ليس من هديه ﷺ . والعبرة في الدعاء تكون بصدق الداعي وطهارة نفسه وإخلاصه وقوة رجائه والعبودية لله تعالى فيه، وليست العبرة بطول الدعاء وتكلّف السجع.

стр. 332

قال الإِمام البخاري: "باب ما يكره من السجع في الدعاء" وساق هذا الأثر عن عكرمة عن ابن عبّاس ﵄ قال: "حَدِّثِ الناس كل جمعة مرّة، فإن أَبَيْتَ فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرّات. ولا تملّ الناس هذا القرآن، ولا ألفَيَنَّكَ تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقصّ عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملّهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه. وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه؛ فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب" (١). ومعنى السجع هو الكلامُ المتشابهُ المخارجِ وليس بشعر. وخلاصة الكلام في ذلك أنّه لا يتكلّف الداعي السجع تكلّفًا يذهب صدق الدعاء واللهج به ويصرفه عن قصده. ولا يطيل فيه إطالة يخالف فيها هدي النبي ﷺ ويشقّ على المأموم فيها. فعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يستحبّ الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك" (٢). ثامنًا: حكم الدعاء على مُعَيَّنٍ: لا يجوز تعيين أشخاص بأسمائهم بالدعاء عليهم، وما نراه من بعض الأئمة من تعيين رموز الكفر بالدعاء عليهم، هذا الأمر لا ينبغي؛ وذلك لأمور منها: أولًا: أن الله تعالى نهى نبيه ﷺ عن ذلك حينما عين بعض الأشخاص -وهم صفوان بن أميّة وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام- فأنزل الله تعالى: ﴿ليْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٣)، (٤).

стр. 333

ثانيًا: لعلّ الله أن يتوب على المدعُوِّ عليه فَيُسْلِمَ، وهذا قد حصل فيمن ذكرنا أسماءهم؛ فقد تاب الله عليهم كلهم، فأسلموا وحسن إسلامهم. ثالثًا: أنه في دندنة المسلم بلعن الكافر المعين صرفٌ عن المقصود الأول والحكمة البالغة، فإن في تعيينه باسمه ما يحمله أن يزداد في طغيانه وصرفه عن دعوة الإِسلام التي جاءت بمثابة الهداية لجميع الخلق، وهذا أمر محسوس وملموس؛ فإن الواحد منا لا يرضى أن يذكر بأمر يسوءه، بل يزداد تمرّدًا عن قبوله للحق، فكيف بحال من لم يذق طعم الإيمان؟! رابعًا: من نظر إلى دعاء عمر ﵁ في قنوته يجِدْ أنه سلك المنهج النبوي، فلم يعيّن، بل قال: "اللَّهم العن كفرة أهل الكتاب الذي يصدّون عن سبيلك ويكذّبون رسلك ويقاتلون أولياءك ... " (١) وهؤلاء كان لهم حكَّام، فلم يعيّنهم عمر بن الخطاب ﵁ بأسمائهم بل عمّم ولم يخصّ. ومن هنا نرى أنه لا يشرع تعيين أحد من الكفرة ولا غيرهم في القنوت؛ حيث ورد النهي عنه، وفي الدعاء بالوصف كما فعل عمر ﵁ غُنْيَةٌ.

стр. 334

أحكام سجود السهو أولًا: تعريفه: سجود السهو عرفه الفقهاء بأنه: "ما يكون في آخر الصلاة أو بعدها؛ لجبر خلل؛ بترك مأمور به، أو فعل منهي عنه دون تعمد" (١). ثانيًا: حكم سجود السهو: اختلف الفقهاء في حكم سجود السهو: ١ - فالحنفية (٢) والحنابلة (٣) على وجوب سجود السهو، ودليلهم حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يَدْرِ كم صلى، ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وَلْيَبْنِ على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شَفَعْنَ له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع، كانتا ترغيمًا للشيطان" (٤). وجاء في حديث ابن مسعود ﵁: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين" وفي رواية: "فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين" (٥).

стр. 335

وجه الدلالة من الحديثين أنه ﷺ أمر من شكّ أو نسي فزاد أو نقص في صلاته، أن يسجد سجدتين، والأمر يقتضي الوجوب. ٢ - وذهب المالكية (١) إلى أنه سنة، سواء كان قبل السلام أو بعده، وهو المشهور في مذهبهم، وقول آخر أنهم يفرقون بين السهو في الأفعال والسهو في الأقوال وبين الزيادة والنقصان؛ فقالوا بأن سجود السهو الذي يكون في الأفعال الناقصة واجب، وقول آخر عندهم: إن كان للزيادة فهو مستحب، وإن كان للنقصان فهو واجب (٢). ٣ - أما الشافعية (٣) فيرون أنه سنة مطلقًا، وهذه هي إحدى الروايتين عند الحنابلة. والصحيح ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، أن سجود السهو واجب، وهذا هو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية (٤) وهو قول الشيخين ابن باز وابن العثيمين (٥)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٦). وذلك لأن النبي ﷺ أمر به وداوم عليه ولم يدعه، وهذه دلائل واضحة بينة على وجوبه.

стр. 336

ثالثًا: أسباب سجود السهو: أسباب السجود للسهو ثلاثة: ١ - الزيادة. ٢ - النقصان. ٣ - الشك. فيجب تارة، ويسن أخرى. ولا يعني ذلك أنه يشرع في كل زيادة أو نقص أو شك، بل حسبما ورد به الدليل. ولا يشرع سجود السهو في العمد؛ لأنه إن ترك ركنًا أو واجبًا عمدًا بطلت صلاته، فلا فائدة من سجود السهو حينئذ؛ لأنه غير معذور. وإن ترك سنة عمدًا فصلاته صحيحة، لكن هل يسجد للسهو عند تركه سنة من السنن؟ محل خلاف، والصواب أنه لا يشرع لترك السنن سجود السهو. ولا يشرع كذلك سجود السهو لحديث النفس؛ لعدم ورود نص بذلك. ولبيان ذلك نقول: أولًا: الزيادة في الصلاة: الأول: إذا زاد المصلي في صلاته قيامًا أو قعودًا أو سجودًا متعمدًا، بطلت صلاته. الثاني: إن كان ناسيًا ولم يذكر الزيادة حتى فرغ منها، فليس عليه إلا سجود السهو، وصلاته صحيحة. الثالث: إن ذكر الزيادة في أثنائها وجب عليه الرجوع عنها. ووجب عليه سجود السهو، وصلاته صحيحة.

стр. 337

ثانيًا: النقصان في الصلاة: النقص في الصلاة إما أن يكون نقصًا في الأركان أو نقصًا في الواجبات؛ فإن كان النقص في الأركان ففي ذلك تفصيل على النحو الآتي: ١ - إن كان النقص في تكبيرة الإحرام فلا صلاة له، سواء تركها عمدًا أو سهوًا؛ لأن صلاته لم تنعقد. ٢ - وإن كان غير تكبيرة الإحرام؛ فإن تركه عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوا فله حالتان: الحالة الأولى: أن يصل إلى موضعه من الركعة الثانية، فهنا تلغى الركعة التي تركه منها، وتقوم الثانية مقام الأولى. الحالة الثانية: إن لم يصل إلى موضعه في الركعة الثانية، وجب عليه أن يعود إلى الركن المتروك فيأتي به وبما بعده ثم يسجد للسهو، وصلاته صحيحة. وإن كان النقص في الواجبات فهنا له أربع حالات: الحالة الأولى: إن ترك المصلي واجبًا من واجبات الصلاة متعمدًا، بطلت صلاته. الحالة الثانية: إن ترك الواجب ناسيًا ثم ذكره قبل أن يفارق محله في الصلاة، أتى به ولا شيء عليه. الحالة الثالثة: أن يترك الواجب ناسيًا ثم يذكره بعد مفارقة محله قبل أن يصل إلى الركن الذي يليه، فالواجب عليه أن يرجع؛ ليأتي به، ثم يكمل صلاته ثم يسجد للسهو ويسلم. الحالة الرابعة: أن يترك المصلي الواجب ناسيًا ثم يذكره بعد وصوله إلى

стр. 338

الركن الذي يليه، فهنا يسقط عنه الإتيان به ولا يرجع إليه، بل يستمر في صلاته ويسجد للسهو. ثالثًا: الشك: لا يخلو الشك في الصلاة من حالتين: الحالة الأولى: أن يترجح عنده أحد الأمرين، فيعمل بما ترجح عنده، فيتم صلاته ويسلم ثم يسجد للسهو ويسلم. فلو شك في الركعة هل هي الثانية أو الثالثة لكن ترجح عنده أنها الثالثة، فإنه يجعلها الثالثة ثم يسجد للسهو. الحالة الثانية: أن لا يترجح عنده أحد الأمرين، فيعمل باليقين، وهو الأقل، ثم يتم صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلم ثم يسلم. أحكام متعلقة بالشك في الصلاة: ١ - من شك في صلاته فعمل باليقين أو بما ترجح عنده ثم تبين له أنه لا زيادة ولا نقص، هل يلزمه سجود السهو؟ على قولين: قيل: إنه يسقط عنه سجود السهو، لزوال موجب السجود وهو الشك. وقيل بأنه لا يسقط عنه؛ ليراغم به الشيطان، ولأنه أدى جزءًا من صلاته شاكًا فيه حين أداه. وهذا هو الراجح. ٢ - إذا جاء المأموم فوجد إمامه راكعًا فركع معه غير أنه شك هل أدرك معه الركوع أم لا، فما المشروع في حقه؟ الجواب: هذه الحال لا تخلو من أمرين:

стр. 339

الأمر الأول: أن يشك هل أدرك الإِمام في ركوعه أم لا ثم يترجح عنده أحد الأمرين -أي: أنه أدرك الركوع مع الإِمام أو أنه لم يدرك الركوع مع الإِمام- فهنا يعمل بما ترجح عنده فيتم صلاته ثم يسلم ثم يسجد للسهو ويسلم. الأمر الثاني: أن يشك هل أدرك الركوع أم لا ولا يترجح عنده، فهنا يعمل باليقين فيبني على الأقل، وهو أن الركعة فاتته، فيتم صلاته ثم يسجد للسهو قبل أن يسلم ثم يسلم. ٣ - إذا سها الإِمام وجب على المأموم متابعة إمامه في سجود السهو؛ لقوله ﷺ : "إنما جعل الإِمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" إلى قوله ﷺ : "وإذا سجد فاسجدوا" (١). فيسجد المأموم مع إمامه، سواء كان سجوده للسهو قبل السلام أو بعده، إلا أن يكون المأموم مسبوقًا، أي قد فاته شيء من صلاته -فهنا لا يتابعه في السجود بعده؛ لتعذر ذلك؛ لأنه لا يمكن أن يسلم مع إمامه، لكن الواجب عليه أن يقضي ما فاته من صلاته ويسلم ثم يسجد للسهو بعد السلام. ٤ - إذا سها المأموم دون الإِمام هل يلزمه سجود السهو؟ في هذه المسألة لا يخلو المأموم من حالتين: الحالة الأولى: أن يسهو المأموم ولم يفته شيء من الصلاة؛ بمعنى أنه يدرك الصلاة من أولها مع الإِمام ثم يطرأ عليه نِسْيَانٌ، فيسجد حال ركوع الإِمام مثلًا أو يقوم حال جلوس الإِمام، فهنا لا سجود عليه؛ لأن سجوده يؤدي إلى الاختلاف عن الإِمام واختلال متابعته، ولأن الإِمام يتحمل السهو عن المأموم في هذه الحالة.

стр. 340

الحالة الثانية: أن يكون المأموم مسبوقًا بركعة أو أكثر ثم سها مع إمامه أو فيما قضاه بعده، فهنا لا يسقط عنه سجود السهو، بل يلزمه الإتيان به. ٥ - محل سجود السهو في الصلاة: اختلف الفقهاء في موضع سجود السهو في الصلاة: أ- فالحنفية (١) يرون أن سجود السهو يكون بعد السلام مطلقًا، سواء في الزيادة أو النقصان. ب- أما المالكية (٢) فإنهم يفرقون بين الزيادة والنقصان، فإن كان السهو عن نقصان فالسجود يكون قبل السلام، وإن كان عن زيادة فيكون بعد السلام، وإن جمع بين زيادة ونقص فيسجد قبل السلام؛ ترجيحًا لجانب النقص. ج- أما الشافعية (٣) فالأظهر عندهم أنه يكون قبل السلام، وفي قول آخر: إن شاء قبل السلام وإن شاء بعده. د- أما الحنابلة (٤) فيرون أن سجود السهو كله قبل السلام، إلا في الموضعين اللذين ورد النص بسجودهما بعد السلام، وهما إذا سلم من نقص ركعة فأكثر، وإذا تحرى الإِمام فبنى على غالب ظنه، فهنا يكون محل سجود السهو بعد السلام. وهذا هو الراجح؛ لما فيه من جمع بين الأدلة، والجمع أولى من الترجيح. ٦ - حكم من سها عن سجود السهو: إذا سها المصلي عن سجود السهو فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال:

стр. 341

أ- فالحنفية (١) يرون أنه يلزمه سجود السهو ما دام في المسجد. ب- والمالكية (٢) يفرقون بين سجود السهو الذي قبل السلام والذي بعده؛ فإن سها عن سجود السهو البعدي يقضيه متى ذكره، ولو بعد سنين، فلا يسقط بطول الزمان. أما السجود القبلي فإنهم قيدوه بعدم خروجهم من المسجد رقم يطل الزمان وهو في مكانه أو قربه. ج- أما الشافعية (٣) فيرون أنه إن طال الفصل فإنه يسقط. د- أما الحنابلة (٤) فيرون أنه إن نسي سجود السهو قضاه، وذلك بشرطين: الأول: أن يكون في المسجد، الثاني: أن لا يطول الفصل. وهذا هو الأقرب. ٧ - حكم استجابة الإِمام للمأمومين ومتابعتهم. ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الإِمام إذا زاد في صلاته وتيقن المأموم أنه قام لركعة زائدة، فإن الواجب على المأموم أن ينبه الإِمام، وذلك بالتسبيح، أي قول سبحان الله، للرجال، أما النساء فالمشروع في حقهن التصفيق. لكن إذا كان الإِمام على يقين أو غلب على ظنه أنه مصيب والمأموم يرى أنه مخطئ، فهنا لا يستجيب لهم، ولا يجوزُ للمأمومين إذا كانوا كثرة ويرون أن الإِمام قد زاد في الصلاة، متابعةُ الإِمام على الزيادة.

стр. 342

باب في ذكر أحكام صلاة التطوع أولًا: تعريف صلاة التطوع: صلاة التطوع هي ما زادت على الفرائض، لقوله ﷺ حينما سأله الأعرابي عن الإِسلام، فقال: "خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تَطَوَّعَ" (١). ثانيًا: الحكمة في مشروعيتها: الصلاة كما لا يخفى هي ركن من أركان الدين ومبانيه العظام؛ لأنها في الحقيقة صلة بين العبد وخالقه، ولذلك رغب الرب في الإكثار منها والحث عليها؛ حتى يزداد العبد قربًا وصلة من ربه ، قال ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (٢). ومن هنا شرع الله تعالى لعباده صلاة التطوع زيادة على الفرائض؛ لتدوم الصلة به، بل جعل صلاة التطوع منها ما هو قبل الفرائض ومنها ما هو بعدها؛ لجبر النقص الحاصل في الفريضة. ولذلك استنبط العلماء بعض المعاني اللطيفة، فقالوا: أمَّا في تقديم السنن على الفرائض فلأن النفس لاشتغالها بأسباب الدنيا بعيدة عن حال الخشوع والحضور التي هي روح العبادة، فإذا قدمت النوافل على الفرائض أنست النفس بالعبادة.

стр. 343

أما في تأخيرها عن الصلاة فقد ورد في أن النوافل جابرة لنقص الفرائض، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم، الصلاة. قال: يقول ربنا -جل وعز- لملائكته وهو أعلم: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها، فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئًا قال: انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم" (١). ثالثًا: حكم صلاة التطوع: صلاة التطوع سنة، لكن منها ما هو سنن مؤكدة، ومنها ما هو غير مؤكد. والسنن المؤكدة هي: ما حافظ عليها النبي ﷺ ، ورغَّب في المحافظة عليها. ذكر بعض السنن المؤكدة: أولًا: السنن الرواتب: وهي التي تكون دائمة مستمرة تابعة للفرائض، وهذه السنن منها ما يكون قبل الصلاة، ومنها ما يكون بعدها. فالتي قبل الصلاة كركعتي الفجر، وأربع ركعات أو اثنتين قبل الظهر. أما التي بعد الفرائض، فهي ركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء. وقد اختلف الفقهاء في عدد السنن الرواتب، فمنهم من ذهب إلى أنها عشر ركعات، وذهب آخرون إلى أنها اثنا عشرة ركعة، وهذا هو الصحيح، لحديث عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة" (٢).

стр. 344

وعن أم المؤمنين حبيبة زوج النبي ﷺ و ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة، إلا بنى الله له بيتًا في الجنة، أو إلا بني له بيت في الجنة" (١). أفضل السنن الرواتب: أفضل السنن الرواتب وأشدها تأكيدًا ركعتا سنة الفجر، فعن عائشة ﵂ قالت: "لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشدَّ منه تعاهدًا على ركعتي الفجر" (٢). ومما يدل على تأكيدهما أنه ﷺ كان لا يدعهما في الحضر أو السفر. خصائص ركعتي الفجر: ١ - تخفيفها: عن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إني لأقول هل قرأ بأم الكتاب" (٣). ٢ - القراءة فيهما بـ "الكافرون والإخلاص": فمن هديه ﷺ أنه كان يقرأ في ركعتي الفجر سورتي ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ كما ذكر ذلك أبو هريرة ﵁ (٤) وأحيانًا كان يقرأ فيهما، في الركعة الأولى منها: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ

стр. 345

إِليْنَا ..﴾ (١)، وفي الركعة الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ...﴾ (٢)، (٣). فيسن الإتيان بهذا وهذا؛ لكي يتحقق الإتيان بالسنة. وقد ذهب أبو حنيفة (٤) إلى أنه لا توقيف في هاتين الركعتين في القراءة يستحب، وأنه يجوز أن يقرأ فيهما المرء حزبه من الليل. قلنا: والصحيح ما ذهب إليه الأولون من استحباب القراءة فيهما بما ورد عن النبي ﷺ ؛ لورود ذلك في الصحيحين وغيرهما. ٣ - مشروعيتها في السفر والحضر: ركعتا الفجر تصلى في السفر، وقد ذكرنا حديث عائشة ﵂ سابقًا، فهي بخلاف الرواتب الأخرى؛ فإنه يشرع تركها في السفر. ٤ - ثوابها: تميزت ركعتا الفجر عن غيرها في الثواب والأجر، فهما خير من الدنيا وما فيها، قال ﷺ : "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" (٥). ٥ - أنه يسن الاضطجاع على الجنب الأيمن بعدها: وقد اختلف الفقهاء في حكم الاضطجاع بعد ركعتي الفجر لمن صلاهما؛ فقيل بأنها سنة مطلقًا، وقيل بأنها ليست بسنة مطلقًا، وقيل بأنها شرط لصحة صلاة الفجر.

стр. 346

والصحيح من الأقوال أن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر سنة لمن يقوم بالليل؛ لأنه يحتاج إلى الراحة. لكن إذا كان المضطجع ممّن إذا وضع جنبه على الأرض نام ولم يستيقظ إلا بعد مدة طويلة يترتب عليها تضييعه لصلاة الصبح في جماعة، فهنا لا يسن له فعل هذا الاضطجاع؛ لأنه يفضي إلى ترك واجب، وربما يفوته أداء الصلاة في وقتها فيؤديها بعد طلوع الشمس. ثانيًا: الوتر: ١ - تعريفها: الوتر في اللغة -بفتح الواو وكسرها-: هو العدد الفردي، كالواحد والثلاثة والخمسة، ومنه قوله ﷺ : "إن الله وتر يحب الوتر" (١) وقوله ﷺ : "من استجمر فَلْيُوتِرْ" (٢) أي: فَلْيَسْتَنْجِ بثلاثة أحجار أو خمسة أو سبعة. أما في الاصطلاح فهي: صلاة تفعل بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، سميت بذلك؛ لأنها تصلى وترًا، أي: ركعة واحدة أو ثلاثًا أو أكثر. ٢ - حكم صلاة الوتر: اختلف الفقهاء في حكم صلاة الوتر على قولين: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن صلاة الوتر سنة مؤكدة وليست واجبة، واحتجوا لذلك بما يأتي:

стр. 347

أولًا: حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ في الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عما فرض عليه في اليوم والليلة، فقال: "خمس صلوات"، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تَطَوَّعَ شيئًا" (١). ثانيًا: ما رواه النسائي وغيره عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عهد عند الله؛ إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة" (٢). ثالثًا: ما جاء عن علي ﵁ أنه قال: "الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة، ولكنه سنة سنها ﷺ " (٣). هذه أدلة عدم وجوب الوتر. أما أدلة تأكيد سنيتها فمنها: أولًا: حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ أوتر ثم قال: "يا أهل القرآن، أَوْتِرُوا فإن الله وتر يحب الوترِ" (٤). ثانيًا: حديث عمرو بن العاص ﵁ خَطَبَ الناسَ يوم الجمعة فقال: إن أبا بَصْرَةَ حدثني أن النبي ﷺ قال: "إن الله زادكم صلاة، وهي الوتر، فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر" (٥).

стр. 348

فهذه الأدلة وغيرها تدل على أن الوتر سنة مؤكدة. القول الثاني: ذهب أبو حنيفة (١) إلى أن الوتر واجب، واستدل على ذلك بأدلة منها: أولًا: قوله ﷺ : "الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا" (٢). ثانيًا: حديث عمرو المتقدم ذكره وقوله ﷺ فيه: "فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر ... " (٣). قالوا: الأمر هنا للوجوب. ثالثًا: أنها صلاة مؤقتة، وقد جاء في السنة ما يدل على أنها تقضى. والصحيح من القولين هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ من أن الوتر سنة مؤكدة؛ لقوة الأدلة، وما احتج به أصحاب القول الثاني؛ فهو إما أن يكون حديثًا ضعيفًا، أو أن الاحتجاج به في غير المراد. وقولنا بأنه سنة مؤكدة لا يعني التقليل من شأنه، بل على الإنسان المسلم أن يحرص على الوتر كل الحرص، فلا يتركه عمدًا، قال الإِمام أحمد: "من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء ولا ينبغي أن تقبل شهادته" (٤). فأراد بهذا أن يبالغ في تأكيده على الوتر. ٣ - وقت الوتر: اتفق الفقهاء على أن وقته من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، كما اتفقوا على أن أفضل وقته هو السَّحَرُ؛ لقول عائشة ﵂ حيث قالت: "من كل الليل قد

стр. 349

أوتر رسول الله ﷺ ؛ من أول الليل وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر" (١). وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل" (٢). ٤ - حكم صلاة الوتر بعد طلوع الفجر: اختلف الفقهاء في ذلك؛ فذهب البعض إلى أنها تُصلى ولو بعد طلوع الفجر ما لم يصل الصبح، وذهب آخرون إلى أنه لا تصلى بعد طلوع الفجر؛ لقوله ﷺ : "أوتروا قبل أن تصبحوا" (٣)، وقوله ﷺ في حديث خارجة المتقدم: " ... فصلوها ما بين العشاء وطلوع الفجر" (٤) وهذا هو القول الصحيح. ٥ - حكم قضاء صلاة الوتر: إذا طلع الفجر ولم يوتر المسلم فالمشروع في حقه أن يصلي من الضحى وترًا مشفوعًا بركعة، فإذا كان من عادته أنه يوتر بثلاث جعلها أربعًا، وإن كان من عادته أن يوتر بخمس جعلها ستًا؛ وذلك لحديث عائشة ﵂: "أن رسول الله ﷺ كان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة" (٥).

стр. 350

٦ - عدد ركعات الوتر: أولًا: أقل الوتر: أما أقل الوتر فعند المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) ركعة واحدة، ويجوز ذلك عندهم بلا كراهية، والاقتصار عليها خلاف الأولى، واستدلوا لذلك بما ورد عن ابن عمر ﵄ أن رجلًا قال: يا رسول الله، كيف صلاة الليل؟ قال ﷺ : "مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة" (٤). وقال الحنفية (٥): لا يجوز الإتيان بركعة. والصحيح من القولين هو القول الأول وهو جواز الاقتصار على ركعة في الوتر، لحديث ابن عمر. ثانيًا: أكثر الوتر: أما أكثره فعند الشافعية (٦) والحنابلة (٧) إحدى عشرة ركعة، وفي قول عند الشافعية ثلاث عشرة ركعة. والأولى أنه إحدى عشرة ركعة، وإن أوتر أحيانًا بثلاث عشرة ركعة، فلا بأس؛

стр. 351

لحديث أم سلمة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث عشرة ركعة" (١). ثالثًا: أدنى الكمال للوتر: أدنى الكمال للوتر ثلاث ركعات، فلو اقتصر على ركعة كان خلاف الأولى، على أنه لا يكره الإتيان بها، ولو بلا عذر. ٧ - صفة صلاة الوتر: لصلاة الوتر صفتان: الوصل، والفصل. أولًا: الفصل: والمراد أن يفصل المصلي بين ركعات الوتر؛ فيسلم من كل ركعتين، فإذا صلى خمسًا مثلًا صلى ثنتين ثم ثنتين ثم يسلم، ثم يصلي واحدة هكذا. ودليل هذه الصورة: عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي في الحجرة وأنا في البيت فيفصل عن الشفع والوتر بتسليم يُسْمِعُنَاهُ" (٢). وكذا حديث عائشة ﵂ حيثما قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء، وهي التي يدعو الناسُ العتمةَ، إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة" (٣). ثانيًا: الوصل: وهي أن يصلى الوتر الذي هو أكثر من ركعة متصلًا لا يفصل بينها بسلام،

стр. 352

ولهذه الصورة حالات: الحالة الأولي: هي أن يوتر المصلي بثلاث ركعات، فالأفضل في حقه كما ذكرنا أن يصلي ركعتين ثم يسلم ثم يصلي ركعة ثم يسلم. وإن سردها من غير أن يفصل بينها بسلام ولا جلوس، جاز له ذلك. والمتعين عند الحنفية (١) إذا أوتر بثلاث: إذا وصلها فإنه يجلس من الثنتين للتشهد، ثم يقوم فيأتي بثالثة كهيئة صلاة المغرب، إلا أنه يقرأ في الثالثة سورة زيادة على الفاتحة خلافًا للمغرب. والصواب أنه لا يجلس في الثانية، بل عليه أن يقوم ويأتي بالثالثة دون تشهد؛ لكي لا تشبه صلاة المغرب. الحالة الثانية: أن يوتر بخمس أو سبع، فالأفضل هنا أن يسردهن سردًا، فلا يجلس في آخرهن؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها" (٢). وأيضًا لحديث أم سلمة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يوتر بسبع أو بخمس لا يفصل بينهن بتسليم" (٣). الحالة الثالثة: أن يوتر بتسع، فالأفضل أن يسلم من كل ركعتين، ويجوز أن يسرد ثمانيًا، ثم يجلس للتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم.

стр. 353

ويجوز في هذه الحالات الثلاث أن يسلم من كل ركعتين. الحالة الرابعة: أن يوتر بإحدى عشرة ركعة، فالأفضل أن يسرد عشرًا، يتشهد ثم يقوم ويأتي بركعة ويسلم، ويجوز أن يسردها كلها فلا يجلس ولا يتشهد إلا في آخرها. ٨ - القراءة في صلاة الوتر: اتفق الفقهاء على أن المصلي يقرأ في كل ركعة من الوتر بالفاتحة وسورة، لكن السورة عندهم سنة لا يعود لها إن ركع. لكن هل هناك سور معينة يسن الإتيان بها في الوتر؟ أ- الحنفية (١) يقولون بعدم التوقيت في القراءة في الوتر بشيء، فما قرأ فيها فهو حسن. ب- وذهب الحنابلة (٢) إلى أنه يندب القراءة بعد الفاتحة بالسور الثلاث، وهي: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في الركعة الأولى، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في الثانية، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الثالثة. ج- وذهب المالكية (٣) والشافعية (٤) إلى أنه يندب هذه السور الثلاث، غير أنه مع الإخلاص المُعَوِّذتَانِ. والصحيح من هذه الأقوال أنه تسن القراءة بما ذكر، أما الزيادة على الإخلاص بالمعوذتين فالحديث الوارد في ذلك ضعيف لا تقوم به حجة.

стр. 354

ثالثًا: صلاة التراويح: ١ - سبب التسمية: سميت بذلك؛ لأن من عادتهم أنهم كانوا إذا صلوا أربعًا كانوا يجلسون قليلًا ليستريحوا، وذلك أنهم كانوا يطيلون القيام فيها فيجلسون بعد كل أربع ركعات للاستراحة. ٢ - حكم صلاة التراويح: اتفق الفقهاء على أنها سنة مؤكدة، دليل ذلك: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (١). قال الفقهاء في معنى الحديث: اتفقوا على أن المراد في القيام هنا هو صلاة التراويح. وصلاة التراويح مما تسن له الجماعة، وهي أفضل مما لا تسن له الجماعة؛ لتأكده بسنيتها له. ٣ - تاريخ مشروعية صلاة التراويح: صلاة التراويح صلاها النبي ﷺ فصلى بصلاته ناس، ثم إنه لما اجتمع الصحابة وكثروا في الصلاة خلفه، تركها ﷺ ؛ خشية أن تفرض على أمته. فعن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم" وذلك في رمضان (٢).

стр. 355

ثم توفي النبي ﷺ والأمر على ذلك، فكان الصحابة يصلون فُرَادَى كُلٌّ بمفرده، واستمر الأمر على ذلك إلى خلافة أبي بكر، فلما تولى عمر الخلافة ورأى الناس على هذه الحال، جمعهم على إمام واحد؛ وهو أبي بن كعب، فكانوا يصلونها جماعة. فعن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون؛ يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ... " (١). ٤ - هل ينادى لصلاة التراويح ؟ أ- ذهب الشافعية (٢) إلى أنها ينادى لها بقول: الصلاة جامعة. ب- وذهب الحنابلة (٣) إلى أنه لا ينادى على التراويح، وقالوا بأنه محدث، وهذا هو الصحيح؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة فعله من عهد خلافة عمر ﵁ إلى من بعده. ٥ - عدد ركعات التراويح: اختلفت أقوال الفقهاء في عدد ركعات التراويح: أ- فالجمهور على أنها عشرون ركعة، عدا الوتر بثلاث ركعات، فيكون المجموع ثلاثًا وعشرين ركعة، واحتجوا لذلك بما جاء عن عمر بن الخطاب
следующие страницы →