← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

لحديث أم سلمة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث عشرة ركعة" (١). ثالثًا: أدنى الكمال للوتر: أدنى الكمال للوتر ثلاث ركعات، فلو اقتصر على ركعة كان خلاف الأولى، على أنه لا يكره الإتيان بها، ولو بلا عذر. ٧ - صفة صلاة الوتر: لصلاة الوتر صفتان: الوصل، والفصل. أولًا: الفصل: والمراد أن يفصل المصلي بين ركعات الوتر؛ فيسلم من كل ركعتين، فإذا صلى خمسًا مثلًا صلى ثنتين ثم ثنتين ثم يسلم، ثم يصلي واحدة هكذا. ودليل هذه الصورة: عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي في الحجرة وأنا في البيت فيفصل عن الشفع والوتر بتسليم يُسْمِعُنَاهُ" (٢). وكذا حديث عائشة ﵂ حيثما قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء، وهي التي يدعو الناسُ العتمةَ، إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة" (٣). ثانيًا: الوصل: وهي أن يصلى الوتر الذي هو أكثر من ركعة متصلًا لا يفصل بينها بسلام،

стр. 352

ولهذه الصورة حالات: الحالة الأولي: هي أن يوتر المصلي بثلاث ركعات، فالأفضل في حقه كما ذكرنا أن يصلي ركعتين ثم يسلم ثم يصلي ركعة ثم يسلم. وإن سردها من غير أن يفصل بينها بسلام ولا جلوس، جاز له ذلك. والمتعين عند الحنفية (١) إذا أوتر بثلاث: إذا وصلها فإنه يجلس من الثنتين للتشهد، ثم يقوم فيأتي بثالثة كهيئة صلاة المغرب، إلا أنه يقرأ في الثالثة سورة زيادة على الفاتحة خلافًا للمغرب. والصواب أنه لا يجلس في الثانية، بل عليه أن يقوم ويأتي بالثالثة دون تشهد؛ لكي لا تشبه صلاة المغرب. الحالة الثانية: أن يوتر بخمس أو سبع، فالأفضل هنا أن يسردهن سردًا، فلا يجلس في آخرهن؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها" (٢). وأيضًا لحديث أم سلمة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يوتر بسبع أو بخمس لا يفصل بينهن بتسليم" (٣). الحالة الثالثة: أن يوتر بتسع، فالأفضل أن يسلم من كل ركعتين، ويجوز أن يسرد ثمانيًا، ثم يجلس للتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم.

стр. 353

ويجوز في هذه الحالات الثلاث أن يسلم من كل ركعتين. الحالة الرابعة: أن يوتر بإحدى عشرة ركعة، فالأفضل أن يسرد عشرًا، يتشهد ثم يقوم ويأتي بركعة ويسلم، ويجوز أن يسردها كلها فلا يجلس ولا يتشهد إلا في آخرها. ٨ - القراءة في صلاة الوتر: اتفق الفقهاء على أن المصلي يقرأ في كل ركعة من الوتر بالفاتحة وسورة، لكن السورة عندهم سنة لا يعود لها إن ركع. لكن هل هناك سور معينة يسن الإتيان بها في الوتر؟ أ- الحنفية (١) يقولون بعدم التوقيت في القراءة في الوتر بشيء، فما قرأ فيها فهو حسن. ب- وذهب الحنابلة (٢) إلى أنه يندب القراءة بعد الفاتحة بالسور الثلاث، وهي: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في الركعة الأولى، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في الثانية، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الثالثة. ج- وذهب المالكية (٣) والشافعية (٤) إلى أنه يندب هذه السور الثلاث، غير أنه مع الإخلاص المُعَوِّذتَانِ. والصحيح من هذه الأقوال أنه تسن القراءة بما ذكر، أما الزيادة على الإخلاص بالمعوذتين فالحديث الوارد في ذلك ضعيف لا تقوم به حجة.

стр. 354

ثالثًا: صلاة التراويح: ١ - سبب التسمية: سميت بذلك؛ لأن من عادتهم أنهم كانوا إذا صلوا أربعًا كانوا يجلسون قليلًا ليستريحوا، وذلك أنهم كانوا يطيلون القيام فيها فيجلسون بعد كل أربع ركعات للاستراحة. ٢ - حكم صلاة التراويح: اتفق الفقهاء على أنها سنة مؤكدة، دليل ذلك: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (١). قال الفقهاء في معنى الحديث: اتفقوا على أن المراد في القيام هنا هو صلاة التراويح. وصلاة التراويح مما تسن له الجماعة، وهي أفضل مما لا تسن له الجماعة؛ لتأكده بسنيتها له. ٣ - تاريخ مشروعية صلاة التراويح: صلاة التراويح صلاها النبي ﷺ فصلى بصلاته ناس، ثم إنه لما اجتمع الصحابة وكثروا في الصلاة خلفه، تركها ﷺ ؛ خشية أن تفرض على أمته. فعن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم" وذلك في رمضان (٢).

стр. 355

ثم توفي النبي ﷺ والأمر على ذلك، فكان الصحابة يصلون فُرَادَى كُلٌّ بمفرده، واستمر الأمر على ذلك إلى خلافة أبي بكر، فلما تولى عمر الخلافة ورأى الناس على هذه الحال، جمعهم على إمام واحد؛ وهو أبي بن كعب، فكانوا يصلونها جماعة. فعن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون؛ يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ... " (١). ٤ - هل ينادى لصلاة التراويح ؟ أ- ذهب الشافعية (٢) إلى أنها ينادى لها بقول: الصلاة جامعة. ب- وذهب الحنابلة (٣) إلى أنه لا ينادى على التراويح، وقالوا بأنه محدث، وهذا هو الصحيح؛ لأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة فعله من عهد خلافة عمر ﵁ إلى من بعده. ٥ - عدد ركعات التراويح: اختلفت أقوال الفقهاء في عدد ركعات التراويح: أ- فالجمهور على أنها عشرون ركعة، عدا الوتر بثلاث ركعات، فيكون المجموع ثلاثًا وعشرين ركعة، واحتجوا لذلك بما جاء عن عمر بن الخطاب

стр. 356

-﵁: "أنه جمع الناس على هذا العدد من الركعات" (١). قال الكاساني: "جمع عمر أصحاب رسول الله ﷺ في شهر رمضان على أُبَيِّ ابن كعب ﵁ ولم ينكر عليه أحد؛ فيكون إجماعًا منهم على ذلك" (٢). ب- وذهب مالك (٣) في إحدى الروايات عنه أنه قال بأنها ست وثلاثون ركعة، واحتج بعمل أهل المدينة في خلافة عمر بن عبد العزيز حيث كانوا يصلون بهذا العدد. وذهب مالك في رواية أخرى إلى أنها إحدى عشرة ركعة (٤). والأمر في ذلك واسع، ولله الحمد. والنبي ﷺ لم يحدد في صلاة الليل شيئًا، بل لما سئل عن صلاة الليل قال: "مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر ما قد صلى" (٥) فلم يحدد إحدى عشرة ركعة ولا غيرها، فدل على التوسعة في صلاة الليل في رمضان وغيره. وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٦). ٦ - ختم القرآن في صلاة التراويح: استحب الفقهاء أن يختم القرآن الكريم في صلاة التراويح؛ ليسمع الناس جميع القرآن في تلك الصلاة. هذا ما استحبه الفقهاء، وهذا الأفضل، وأن يدعو

стр. 357

عند ختم القرآن؛ لما رُوِي أن أنس بن مالك كان إذا ختم القرآن جمع ولده وأهل بيته فدعاهم، وما روي عن مجاهد أنه قال: بلغنا أن الدعاء يستجاب عند ختم القرآن (١). لكن إذا كان في ختم القرآن مشقة على الناس وذلك بتطويل القراءة فيه، فالأفضل للإمام أن يقرأ على حسب القوم، فيقرأ قدر ما لا ينفرهم عن الجماعة؛ لأن تكثير الجماعة أفضل من تطويل القراءة. ٧ - المسبوق في صلاة التراويح: من فاته بعض التراويح وقام الإِمام إلى الوتر فله أمران: إما أن يقتصر على ما أدركه مع الإِمام في التراويح ويوتر معه ويسلم، وإما أن يصلي معه الوتر، فإذا سلم الإِمام جعلها شفعًا ثم يكمل ما فاته من التراويح ثم يوتر لنفسه.

стр. 358

أوقات النهى جاءت نصوص السنة ببيان بعض الأوقات التي ورد النهي عن الصلاة فيها، وهي خمسة أوقات: الوقت الأول: بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس. الوقت الثاني: عند طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح. الوقت الثالث: عند استواء الشمس حتى تميل للغروب. الوقت الرابع: بعد صلاة العصر حتى تغرب. الوقت الخامس: إذا شرعت الشمس للغروب بمغيب حاجبها حتى تغيب. أما الأدلة على ذلك فهي: حديث ابن عباس ﵁ قال: شهد عندي رجال مَرْضِيُّونَ، وأرضاهم عندي عمر، أن النبي ﷺ قال: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب" (١). وعن عمرو بن عبسة قال: قلت: يا نبي الله، أخبرني عن الصلاة، قال: "صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة؛ فإنه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي

стр. 359

العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار" (١). وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تَضِيفُ الشمس للغروب حتى تغرب" (٢). فهذه الأدلة التي جاءت ببيان الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها. وقد اختلف الفقهاء في هذه الاوقات: ١ - فالحنفية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) على أن الأوقات ثلاثة وهي: عند طلوع الشمس إلى أن ترتفع بمقدار رمح أو رمحين، وعند استوائها في وسط السماء حتى تزول، وعند اصفرارها لا تتعب العين في رؤيتها إلى أن تغرب. ٢ - أما المالكية (٦) فقالوا بأن عدد الأوقات المنهي عن الصلاة فيها اثنان: عند طلوع الشمس، وعند اصفرارها، أما عند الاستواء فلا تكره الصلاة فيه عندهم. وحجتهم في ذلك أن هذا هو عمل أهل المدينة؛ فإنهم كانوا يصلون وقت الاستواء، وعمل أهل المدينة حجة عندهم.

стр. 360

والصواب هو ما ذهب إليه الجمهور؛ لورود النهي عن ذلك. وحجة المالكية بعمل أهل المدينة ليس حجة على ما جاء عن النبي ﷺ ، كما هو مذكور في حديث عقبة بن عامر سالف الذكر. أداء الصلوات ذوات الأسباب في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها: اختلف الفقهاء في جواز الصلوات ذوات الأسباب في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها: ١ - فذهب الأئمة الثلاثة؛ أبو حنيفة (١) ومالك (٢) وأحمدُ (٣) في المشهور في مذهبه، إلى عدم جواز الصلاة في أوقات النهي مطلقًا، سواء كانت من ذوات الأسباب أو من غيرها. ٢ - وذهب الشافعي (٤) وهي رواية عن الإِمام أحمد (٥) واختارها شيخ الإِسلام (٦) ﵀، إلى جواز فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي. وهذا هو الصحيح وهو اختيار الشيخين ابن باز وابن العثيمين (٧)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية حيث قالت: "الراجح من أقوال العلماء أن ذوات الأسباب، كتحية المسجد وركعتي الطواف وركعتي الوضوء والصلاة على الميت، تستحب مطلقًا في أوقات النهي وغيرها،

стр. 361

ولا حرج في تركها؛ جمعًا بين الأدلة ... " (١). هل النهي عن الصلاة في أوقات النهي متعلق بفعل الصلاة أم بالوقت ؟ اتفق الفقهاء على أن النهي عن الصلاة بعد العصر متعلق بفعل الصلاة، فمن لم يصل أبيح له التنفل وإن صلى غيره، ومن صلى العصر فليس له التنفل. أما النهي بعد الفجر فمتعلق بطلوع الفجر، وهو قول الحنفية وغيرهم، وذهب الشافعية، وهو مروي عن أحمد (٢)، إلى أن النهي متعلق بفعل الصلاة أيضًا كالعصر، واختارها شيخ الإِسلام ابن تيمية (٣) حيث يرى أن النهي متعلق بفعل الصلاة، سواء صلاة العصر أو الصبح. والصحيح ما ذهب إليه شيخ الإِسلام من أن النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الفجر متعلق بفعل الصلاة، فمن لم يصل العصر جاز له التنفل قبل صلاته لها. حكم صلاة ركعتي الوضوء بعد صلاة العصر وركعتي تحية المسجد قبل المغرب يوم الجمعة . إن توضأ ليصلي فلا يجوز؛ لأنه تعمد الصلاة في أوقات النهي، وإن توضأ للطهارة صلى -على القول الصحيح- (٤). إن قصد المسجد ليصلي تحية المسجد حتى يشمله الحديث؛ وهو: "إن في

стр. 362

الجمعة لساعةً، لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله خيرًا، إلا أعطاه إياه" (١)، فإن فعله هذا لا يجوز، وإن قصد المسجد من أجل المتقدم لصلاة المغرب ثم لما دخل المسجد صلى ركعتين من أجل أنه دخل المسجد، فإنه لا بأس به (٢).

стр. 363

صلاة الجماعة والأحكام المتعلقة بها أولًا: فضلها: جاءت نصوص السنة ببيان فضل صلاة الجماعة، فمن ذلك: ١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الْفَذِّ بخمس وعشرين درجة" (١). ٢ - وعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الْفَذِّ بسبع وعشرين درجة" (٢). ٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلمُ الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا، ولو يعلمون ما في التَّهْجيِر لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في الْعَتَمَةِ والصبح لأتوهما ولو حَبْوًا" (٣). ٤ - عن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله" (٤). ومن هنا كان لا بد من إقامة الصلاة في جماعة؛ لأنها شعار الإِسلام، ولو

стр. 364

تركها أهل مصر قوتلوا على تركهم إياها، بل لو تركها أهل حَيٍّ أو حارة فإنهم يجبرون على إقامتها. ثانيًا: حكم صلاة الجماعة: اختلف الفقهاء في حكم صلاة الجماعة على أربعة أقوال: القول الأول: أنها فرض كفاية. وذهب إلى هذا القول الشافعي (١)، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه، وبه قال الحنفية (٢)، والمالكية (٣). ذكر ذلك ابن حجر في الفتح (٤). القول الثاني: أنها سنة مؤكدة. وهذا هو المذهب عند الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، وبه قال الشوكاني (٧). القول الثالث: أنها شرط لصحة الصلاة، وأن وجوبها على الأعيان إلا لعذر. وهذا هو قول شيخ الإِسلام ابن تيمية (٨)، وتلميذه ابن القيم (٩)، وحكاه السبكي عن ابن خزيمة (١٠)، وهو قول الظاهرية (١١).

стр. 365

القول الرابع: أنها فرض عين وليست بشرط في صحة الصلاة. وهذا هو المذهب عند الحنابلة (١)، وعليه أئمة السلف وعلماء الحديث (٢)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء وهو القول الصحيح (٣). فمتى ترك المسلم صلاة الجماعة فإنه يأثم، وصلاته صحيحة. والأدلة على صحة هذا القول كثيرة، منها: أدلة الكتاب: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٤). وجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى أمر بوجوب صلاة الجماعة حال الخوف، ففي غيره أولى. ٢ - قوله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٥). وجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالركوع مع الراكعين، وذلك يكون في حال المشاركة في الركوع؛ فكان أمرًا بإقامة الصلاة في جماعة، ومطلق الأمر لوجوب العمل. أما أدلة السنة، فمنها: ١ - ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "والذي

стр. 366

نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فَيَؤُمَّ الناس، ثم أُخَالِفَ إلى رجال أُحَرِّقُ عليهم بيوتهم ... " (١). فالحديث ظاهر في كون الجماعة من فروض الأعيان، وليست بسنة؛ إذ لو كانت سنة -كما يقول البعض- لم يهدد تاركها بالتحريق المذكور. ٢ - ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: "أتى النبي ﷺ رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخِّص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، قال ﷺ : "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " فقال: نعم. قال: "فأجب" (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يرخص للأعمى في ترك صلاة الجماعة في المسجد مع ما أبداه هذا الأعمى للنبي ﷺ من الأعذار، فإذا كان النبي ﷺ لم يرخص لهذا الأعمى في تركها، فالبصير الذي يبصر من باب أولى في عدم تركها. ٣ - ما رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد اسْتَحْوَذَ عليهم الشيطان؛ فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القَاصيَةَ" (٣). ويعني بالجماعة هنا: أي صلاة الجماعة.

стр. 367

وجه الدلالة من الحديث: أن ترك الجماعة سبب في استحواذ الشيطان عليهم، ونحن مأمورون بعداوة الشيطان وعدم استحواذه، ولو كانت الجماعة سنة لما استحوذ الشيطان على تاركها. فهذه الأدلة التي ذكرناها من الكتاب والسنة تدل دلالة واضحة على وجوبها، ولا يجوز التخلف عنها إلا لعذر؛ من مرض أو خوف ونحوه من الأعذار المبيحة لتركها، كما سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. ثالثًا: حكم صلاة الجماعة للنساء: ما ذكرناه في وجوب الجماعة إنما هو خاص بالرجال، أما في حق النساء: ١ - فعند الشافعية (١) والحنابلة (٢) أنه يسنّ لهن الجماعة منفردات عن الرجال، سواء أَمَّهُنَّ رجل أو امرأة. ٢ - وعند الحنفية (٣) فالجماعة للنساء مكروهة، وعللوا ذلك بحصول الفتنة؛ لأن خروجهن إلى الجماعات يؤدي إلى الفتنة. أما المالكية (٤) فعندهم إذا كان النساء يصلين جماعة مع الرجال، فلا بأس إذا لم تكن هناك فتنة، أما كونهن يصلين فيما بينهن -أي: النساء- جماعة وتؤمهم امرأة، فلا يشرع؛ وذلك لأن شرط الإِمام أن يكون ذَكَرًا. والصواب أن الجماعة للنساء مباحة، فيباح للمرأة أن تصلي جماعة مع النساء منفردات عن الرجال، ويجوز لهن أن تَؤُمَّ إحدى النساء جماعة النساء.

стр. 368

فقد أمر النبي ﷺ أم وَرَقَةَ أن تؤم أهل دارها (١)، ولقد كانت النساء يشهدن الصلاة مع النبي ﷺ ثم ينصرفن مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهنَّ ما يعرفهن أحد من الغلس، كما أخبرت عائشة ﵂ (٢). فإذا ثبت جواز إمامة الرجل بالمرأة وإمامة المرأة بالمرأة، فإن الذي ينبغي لها إذا أمها الرجل أن تكون خلفه، وإذا كانت في جماعة الرجال فإنها تكون في آخر الصفوف؛ إبعادًا للمرأة عن نظر الرجال. أما في المساجد -كما هو في عصرنا- حيث خُصِّصَ مكان للنساء فيه، فإن الأفضل لها الصف الأول كالرجال؛ حيث لا محذور يترتب على ذلك. وإذا أَمَّتْهَا المرأة؛ فإن كانت امرأة واحدة وقفت عن يمينها، وإن كُنَّ جماعة فمن أمتهن تقف وَسَطَهُنَّ؛ لأن المرأة مأمورة بالتستر، وهذا أستر لها. لكن إن كانت صلاة جهرية، هل يشرع لها أن تجهر بالقراءة؟ الصواب أنه إن كان هناك رجال من غير محارمها، فإنها لا تجهر، فإن كانوا من محارمها فلا بأس. رابعًا: على من تجب صلاة الجماعة ؟ تجب صلاة الجماعة على الرجال الأحرار العقلاء القادرين عليها دون حرج، هكذا قال الفقهاء، ولبيان ذلك نقول: قولهم "الرجال": خرج منه النساء والصبيان غير الممِّيزين. وهذا بإجماع أهل العلم، فالنساء لا تلزمهن صلاة الجماعة؛ لأنهن لَسْنَ من أهل الاجتماع،

стр. 369

ولا يطلب منهن إظهار الشعائر، ولأن النبي ﷺ قال: "بيوتهن خير لهن" (١). أما الصبيان غير البالغين فلأنهم غير مأمورين بها أصلًا، فمن باب أولى أن لا تلزمهم الجماعة. وقولهم: "الأحرار": أي لا تلزم العبيد صلاة الجماعة، وعللوا ذلك لأن العبد مشغول في خدمة سيده، فكان في إيجاب الجماعة عليه حرج. وهناك قول آخر بأنها تلزمه؛ لأن النصوص عامَّة، فلم يستثن منها العبد، ولأن حق الله مقدم على حق البشر. والصواب: هو أن يقال بأنه إذا كان السيد يتضرر بصلاة العبد في جماعة، فلا تجب على العبد، أما إذا لم يكن هناك ضرر فإنها تجب عليه. وهذا هو أعدل الأقوال. قولهم: "العقلاء": أي لا تجب الجماعة على فاقد العقل بإغماء أو جنون ونحوه، كما بيَّنا ذلك في شروط الصلاة. وقولهم: "القادرون": خرج بذلك أهل الأعذار من مرض وغيره، أو يكون هناك عذر يحول بين الرجل وأداء الصلاة في جماعة، أو أن يشق عليه الصلاة في جماعة، فهنا لا تجب عليه. خامسًا: العدد الذي تنعقد به صلاة الجماعة: اتفق الفقهاء على أن أقل عدد تنعقد به الجماعة اثنان لحديث مالك بن الحويرث: "فإذا حَضَرَتِ الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليَؤُمَّكُمْ أكبركم" (٢).

стр. 370

سواء كان الذي يصلي مع الإِمام رجلًا أم امرأة، فمن صلى إمامًا بزوجته مثلًا يحصل لهما فضل الجماعة. أما إذا كان الذي يصلي مع الإِمام صبيًّا مُميزًا، فهل تنعقد به الجماعة وتحصل فضيلة الجماعة؟ اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - فالحنفية (١) والشافعية (٢) ورواية عن أحمد (٣) على انعقادها به وحصول فضيلة الجماعة. ٢ - وذهب المالكية (٤) وهو رواية عن الإِمام أحمد (٥) أنها لا تحصل الجماعة ولا فضلها باقتداء الصبي في الصلاة في الفرض بخلاف النفل، فمتى صلى إمام بصبي في فرض لا يحصل له فضل الجماعة؛ فكأن الإِمام صلى منفردًا. والصحيح هو صحة الاقتداء بالصبي المميز في الفرض والنفل، ووقوع الجماعة به، وحصول الأجر المترتب على الصلاة في الجماعة (٦). سادسًا: ما تدرك به الجماعة: اختلف الفقهاء فيما تدرك به فضيلة الجماعة:

стр. 371

١ - فعند الحنفية (١) والحنابلة (٢) -وهو الصحيح عند الشافعية (٣) - أن الجماعة تدرك بإدراك جزء من الصلاة، ولو في القعْدَةِ الأخيرة قبل السلام؛ لأنه أدرك جزءًا من الصلاة. ٢ - وقال المالكية (٤) وهو قول عند الشافعية (٥) ورواية عن أحمد (٦): إنها لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة. والصحيح هو القول الثاني: أي قول المالكية أنها لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة؛ لقوله ﷺ : "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (٧) وهذا هو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية (٨)، واختيار الشيخين ابن باز وابن العثيمين (٩)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (١٠). الدخول مع الإِمام وهو في التشهد الأخير: إذا دخل رجل المسجد فوجد الإِمام في التشهد الأخير، هل يدخل معه، أم ينتظر جماعة أخرى ليحصل على فضيلة الجماعة؟

стр. 372

اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فقال بعضهم: الأفضل أن يدخل مع الإِمام ولا ينتظر أحدًا؛ لعموم قوله ﷺ : "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" (١)، ويكون ثوابه بقدر ما أدركه مع الإِمام. وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٢)، وهو قول الشيخ عبد العزيز بن باز (٣). وقال بعض العلماء: بل الأفضل أنه إذا كان يرجو وجود جماعة فلا يدخل مع الإِمام، وإن كان لا يرجو فإنه يدخل معه. وهذا هو قول الشيخ ابن العثيمين (٤). سابعًا: حكم إعادة الصلاة جماعة لمن صلى منفردًا: ١ - من صلى منفردًا ثم وجد جماعة يصلون، فله أن يدخل معهم، ليحصل على فضيلة الجماعة، ويكون ما صلاه جماعة نافلة له. وهذا هو قول الحنفية (٥) والحنابلة (٦). ٢ - وقال المالكية (٧) في حكم المعادة: يفوض في الثانية أمره إلى الله -تعالى- في قبول أَيِّ الصلاتين.

стр. 373

٣ - وذهب ابن المسيب وعطاء والشعبي (١) إلى أن المعادة مع الجماعة تكون المكتوبة. والصحيح ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، وهو اختيار الشيخ ابن العثيمين (٢)؛ لأن الفرض لا يتكرر في وقت واحد. ثامنًا: حكم إعادة صلاة الجماعة لمن صلي جماعة: من صلى الفريضة في جماعة ثم أتى إلى مسجد آخر توجد فيه جماعة أخرى فهل يصلي معهم؟ ١ - ذهب الشافعية (٣) في الصحيح عندهم والحنابلة (٤) إلى استحباب فعل الصلاة مرة أخرى في الجماعة الثانية؛ لقوله ﷺ للرجلين اللَّذين لم يصليا معه: "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة" (٥). ٢ - وذهب المالكية (٦) إلى أنه لا يعيد في جماعة أخرى؛ لأنه حصَّل فضيلة الجماعة، فلا معنى للإعادة، بخلاف المنفرد، واستثنوا من ذلك المساجد الثلاثة (الحرام، النبوي، الأقصى) فقالوا بأنه يعيد فيها جماعة؛ لفضلها. والصحيح استحباب ذلك؛ للدليل السابق.

стр. 374

تاسعًا: حكم تكرار الجماعة في مسجد واحد: ذهب بعض الفقهاء إلى عدم جواز ذلك. والصحيح في هذه المسألة جواز تكرار الجماعة في مسجد واحد؛ وذلك لعموم قوله ﷺ : "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وَحْدَهُ، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى" (١). ولقوله ﷺ لأصحابه حينما فرغ من الصلاة فوجد بعض الصحابة وقد فاتته الصلاة فقال: "من يتصدق على هذا فيصلي معه" (٢)، فقام بعض الصحابة فصلى معه. وبجواز ذلك أفتى الشيخان ابن باز وابن العثيمين (٣)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٤). لكن هذا إذا كانت الجماعتان عارضتين، بحيث يأتي جماعة بعد انتهاء الجماعة الأولى، فإقامة الجماعة الثانية حينئذ مستحبة. أما تكرار الجماعة في وقت واحد، أو تعمد ترك الجماعة الأولى لإقامة جماعة أخرى، فهذا لا يشرع؛ لأنه دعوة إلى التفرق، ولأنه لا ينبغي أن تكون جماعتان في مسجد واحد.

стр. 375

عاشرًا: الأعذار المبيحة لترك صلاة الجماعة: الأعذار المبيحة لترك صلاة الجماعة تنقسم إلى نوعين: عامة، وخاصة. أولًا: الأعذار العامة في ترك صلاة الجماعة: ١ - المطر الشديد. ٢ - الريح الشديدة. ٣ - البرد الشديد. ٤ - الوحل الشديد. ٥ - الظلمة الشديدة. دليل هذه الأعذار: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١)، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢). فمتى كان هناك مشقة على العبد في حضوره للجماعة، فإنه يسقط عنه الواجب، فلا تكليف إلا بمقدور. أما السنة: فمنها ما رواه البخاري ومسلمٌ من حديث ابن عمر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: "ألا صلوا في رحالكم"، وفي رواية: كان يأمر مناديه في الليلة الممطرة والليلة الباردة ذات الريح، أن يقول: "ألا صلوا في رحالكم" (٣). وعند البخاري ومسلمٌ أيضًا عن ابن عباس ﵁ أنه قال لمؤذنه في يوم الجمعة في يوم مطير: "وإذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول

стр. 376

الله، فلا تقل حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، قال: فكأن الناس استنكروا ذاك، فقال: أتعجبون من ذا؟! قد فعل ذا من هو خير مني، إن الجمعة عَزْمَةٌ، وإني كرهت أن أُحْرِجَكُمْ فتمشوا في الطين والدَّحْضِ" (١). قال ابن بطال: "أجمع العلماء على أن التخلف عن الجماعة في شدة المطر والظلمة والريح وما أشبه ذلك، مباح" (٢). ثانيًا: الأعذار الخاصة: ١ - المرض: من الأعذار المبيحة لترك صلاة الجماعة المرض، والمقصود به هو الذي يحصل به مشقة مع الحضور لصلاة الجماعة، أما المرض الخفيف كصُدَاعٍ بسيط في الرأس مثلًا، فليس بعذر. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣). ومن الأدلة أيضًا: أن النبي ﷺ لما مرض تخلف عن الجماعة، وقال ﷺ : "مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس" (٤). ومن ذلك الأمراض المعدية والتي يخشى منها انتقال العدوى إلى الناس. ويلحق بالمريض كبير السن الذي يشق عليه الإتيان إلى المسجد.

стр. 377

٢ - الخوف: مما يعذر به تارك الجمعة والجماعة الخوف، والخوف المبيح لترك الجمعة والجماعة على ثلاثة أنواع: الأول: الخوف على النفس؛ كأن يخاف على نفسه عَدُوًّا، أو لِصًّا، أو سَبْعًا، أو دابة، أو سيلًا، ونحو ذلك، فهنا يشرع له ترك الجماعة. الثاني: الخوف على المال من ظالم أو لص، أو يخاف أن يسرق منزله، أو يحرق، أو يكون له خبز في تَنُّورٍ، أو طبخ على نار. فيخاف على ذلك ونحوه، فهنا يعذر بتركه للجمعة والجماعة. الثالث: الخوف على الأهل؛ كأن يخاف على والديه أو ولده إن كان يقوم بتمريضهما، وكذلك إن كان يقوم بتمريض رجل أجنبي لم يكن له من يقوم بتمريضه، وكان يخشى عليه الضياع لو تركه. دليل أن الخوف عذر في ترك الجماعة: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). ولقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٣). وقوله ﷺ : "من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر" (٤) وهذا معذور بلا شك.

стр. 378

ولأن مع الخوف يحصل انشغال القلب بما يخاف منه أو عليه. وهذا منافٍ للمقصود الأعظم الذي من أجله شرعت الصلاة؛ وهو سكون القلب وخشوعه بين يدي خالقه . ٣ - حضور طعام محتاج إليه: متى حضر الطعام وهو محتاج إليه فهنا يجوز له ترك الجماعة، بل المستحب له أن يبدأ به قبل الصلاة؛ ليكون أفرغ لقلبه وأحضر لباله. دليل ذلك: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان" (١). وفي لفظ آخر عن أنس ﵁: "إذا قرب العَشَاء وحضرت الصلاة فَابْدَؤُوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عَشَائكم" (٢). ولا فرق بين أن يخاف فوات الجماعة أو لا يخاف؛ لقوله ﷺ في حديث أنس ﵁: "إذا قرب العَشَاء وحضرت الصلاة فَابْدَؤُوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تَعْجَلُوا عن عَشائكم" (٢). وفي حديث ابن عمر ﵄: "إذا وضع عَشَاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعَشَاء ولا يعجلن حتى يفرغ منه" (٣). ٤ - مدافعة الأخبثين: هذا عذر آخر في ترك صلاة الجماعة، دليل ذلك: حديث عائشة المتقدم: "لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان" (٤).

стр. 379

والنفي هنا بمعنى النهي، أي: لا تصلوا وأنتم في حال مدافعة الأخبثين. ولأن مدافعة الأخبثين تقتضي انشغال القلب عن الصلاة، وهذا خلل في نفس العبادة. ولأن في انحباس الأخبثين ضررًا على الإنسان، فإنه يضر البدن ضررًا بينًا، والشريعة أمرت بالمحافظة على النفس مما يضرها. ٥ - أكل مَا لَهُ رائحة كريهة: من أكل بَصَلًا أو كُرَّاثًا أو ثُومًا أو فُجْلًا ونحو ذلك مما له رائحة كريهة، فإنه يعذر بترك الجماعة. دليل ذلك قوله ﷺ : "من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته" (١). وفي رواية: "فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم" (٢). وهذا الذي أكل هذه الأشياء لا نقول بأنه معذور أمام الله إذا كان يتعمد ذلك ويكرره ولم يكن مصادفة، فلا يعذر بتخلفه عن صلاة الجماعة؛ لأنه يمكنه أن يأكل هذه الأشياء مطبوخة، أو يأكلها في غير أوقات الصلاة، فتركه للجمعة والجماعة دفعًا لأذيته للملائكة والمصلين. أما إذا كان يتناول هذه الأشياء من أجل العلاج لمرض أصابه، وكان ممّن يحافظ على الصلوات في جماعة، فلا شك أنه من أهل الأعذار، ويحصل له أجر الجماعة؛ لقوله ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا" (٣).

стр. 380

سؤال: هل يلحق بمن يأكل هذه الأشياء شارب الدُّخَان؟ الجواب: نعم، يلحق بهم؛ لأن رائحة الدخان أَنْتَنُ وأكره مما ذُكر، فلا يحل لشارب الدخان أن يؤذي غيره. حكم من أكل هذه الأشياء المذكورة: (البصل، الثوم، الكراث): إن أكلها بقصد التخلف عن صلاة الجماعة فهذا حرام، ويأثم بتركه الجماعة. وإن أكلها بقصد التمتع وأنه يشتهيه، فليس بحرام. ٦ - أن يكون على سفر ويخاف فوات الرفقة: من تأهب لسفر مباح مع رفقة ثم أقيمت الجماعة وكان يخشى أنه إذا صلى فاتته الرفقة، فله التخلف عن الجماعة. وهذا عذر من وجهين: الأول: فوات المقصود من الرفقة إذا انتظر الصلاة مع الجماعة. الثاني: انشغال القلب بالرفقة. ٧ - غلبة النوم: من غلبه النوم ودافعه فلم يستطع، فله أن يتخلف عن الجماعة؛ ليأخذ قسطًا منه، ثم يصلي حتى يَفْقَهَ صلاته ويعلم ما يقوله فيها؛ فلعله إذا غلبه النعاس أو النوم يذهب ليدعو فيدعو على نفسه، ولهذا فالأولى له أن ينام قليلًا ثم يصلي، ولقوله ﷺ : "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى" (١)، ولقوله ﷺ من حديث عائشة ﵂: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه" (٢).

стр. 381

٨ - تطويل الإِمام بالصلاة: إذا أطال الإِمام الصلاة فللمأموم أن ينصرف عنه ويصلي منفردًا، بشرط أن تكون هذه الإطالة خارجة عن هدي النبي ﷺ ، أما إذا كانت موافقة للسنة فليس له الخروج. دليل ذلك: ما رواه البخاري ومسلمٌ عن ابن مسعود ﵁: أن رجلًا قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت النبي ﷺ في موعظة أشد غضبًا منه يومئذٍ، ثم قال: "إن منكم مُنَفِّرِينَ، فأيكم ما صلى بالناس فَلْيَتَجَوَّزْ" (١). فائدة: هذه الأعذار كلها ليست عذرًا في إخراج الصلاة عن وقتها، بل على الإنسان أن يصليها في الوقت على أي حال كان. لكن من كان مريضًا مرضًا لا يستطيع معه أداء كل فرض في وقته، فله أن يجمع بين الظهر والعصر، وكذا المغرب والعشاء، وألحق بعض أهل العلم مدافعة الأخبثين؛ لما يكون منهما من ضرر على الإنسان.

стр. 382

أحكام الإمامة أولًا: شروط الإمامة: يشترط للإمامة ما يلي: ١ - الإسلام: فلا تصح الصلاة خلف الكافر، سواء كان كفره بالاعتقاد، أو بالقول، أو بالفعل، أو بالترك. فالاعتقاد: كأن يعتقد أن مع الله إلهًا آخر، فهذا لا تصح إمامته. أما القول: فكأن يسب دين الله، أو يسب الله، وكذا رسوله ﷺ ، فهذا لا تصح إمامته، وكذا من يَسْتَهْزِئُ بالله أو برسوله ﷺ أو دينه، فهذا كافر ولو كان يصلي، وكذا من يستغيث بغير الله أو يدعوه من دون الله، فهؤلاء لا تصح إمامتهم. أما الفعل: فمثل أن يسجد لمن سوى الله، أو يذبح لغير الله، أو يتعامل بالسحر، ونحو ذلك من الأفعال المكفرة. أما الترك: فمثل من يترك الصلاة، فهذا لا تصح الصلاة خلفه؛ لأنه لا يصير مسلمًا إلا إذا صلى، وهو حين تكبيره للإحرام كافر؛ لأنه لا يُسْلِم إلا إذا صلى. حكم إمامة الفاسق: الفاسق الذي يأتي بعض الكبائر كالشارب للخمر، أو الزاني، أو آكل الربا، أو الذي يداوم على الصغائر، اختلف الفقهاء في حكم إمامته:

стр. 383

١ - فالمذهب عند الحنابلة (١) وهو قول عند المالكية (٢) أنه لا تجوز إمامة الفاسق. ٢ - أما الحنفية (٣)، والشافعية (٤) وقول عند المالكية هو المعتمد (٥)، ورواية عند الحنابلة، فقالوا: تجوز إمامته، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٦)، وهو الصحيح، وذلك للأدلة الآتية: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" (٧). * قوله ﷺ في الأَئِمَّةِ الجَوَرَةِ: "يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم" (٨). * أن الصحابة ﵃ كانوا يصلون خلف الحجاج ومعروف من هو الحجاج بن يوسف، فلو كانت الصلاة خلفه لا تجوز ما صلى خلفه أحد من الصحابة. * ولأن كل من صحت صلاته لنفسه، صحت صلاته لغيره. والأولى للإنسان أنه متى تمكن أن لا يصلي خلف الإِمام الفاسق، فالأولى أن لا يصلي خلفه إن تيسر ذلك ولم تحدث فتنة، وإن صلى خلف الفاسق جاز له ذلك، لكنه خلاف الأولى.

стр. 384

٢ - العقل: من شروط الإمامة أن يكون الإِمام عاقلًا؛ فلا تصح إمامة السكران ولا المجنون؛ وذلك لأن صلاتهم لأنفسهم غير صحيحة، فلا تصح صلاتهم لغيرهم، لكن من كان يُجَنُّ أحيانًا ويُفيقُ أحيانًا، فقد اختلف فيه الفقهاء، والأولى أن لا يكون إمامًا. ٣ - البلوغ: اختلف الفقهاء في ذلك: أ- ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يشترط في الإمامة كون الإِمام بالغًا؛ فلا تصح إمامة المميز بالبالغ في الفرض، أما النفل فالمالكية (١)، والحنابلة (٢) على جوازها فيه، وخالف الأحناف (٣) فقالوا: لا تصح مطلقًا. ب- أما الشافعية (٤) فأجازوا إمامة المميز بالبالغ مطلقًا، سواء كانت في الفرض أو النفل، واحتجوا لذلك بما رواه البخاري في صحيحه: عن عمرو بن سلمة الجُرْمِيِّ أنه كان يؤم قومه على عهد رسول الله ﷺ وهو ابن ست أو سبع سنين (٥). والصحيح من القولين: ما ذهب إليه الشافعية؛ وهو صحة صلاة الصبي مطلقًا، بشرط أن يعقل صلاته ويؤديها على الوجه المطلوب شرعًا؛ لما استدل به أصحاب هذا القول من حديث عمرو بن سلمة، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة

стр. 385

للبحوث العلمية في السعودية (١). ٤ - الذكورة: يشترط في الإمامة أن يكون الإِمام ذكرًا، فلا تصح إمامة المرأة، وكذا الخنثى للرجال، هذا باتفاق الأئمة الأربعة؛ لقوله ﷺ : "لن يفلح قوم وَلَّوْا أمرهم امرأة" (٢). وأيضًا قوله ﷺ : "خير صفوف النساء آخرها" (٣)، وهذا دليل على أنه لا موقع لهن في الأَمَامِ، والإِمَامُ لا يكون إلا في الأَمام، ولحصول الفتنة المترتبة على تقدمهنَّ على الرجال. أما الخنثى: فلا تصح أيضًا صلاة الرجل خلف الخنثى، والخنثى هو الذي لا يُعرف أذكرٌ هو أم أنثى، وكذلك لا تصح إمامة الخنثى لمثله بلا خلاف؛ لاحتمال أن يكون رجلًا، أما إمامته للنساء فتصح. ٥ - القدرة على النطق بالقراءة: يشترط في الإِمام أن يكون قادرًا على القراءة؛ فلا تصح إمامة الأخرس إلا بمثله؛ لأنه لا يستطيع النطق بالركن وهو الفاتحة، ولا بالواجبات كالتشهد، ولا بما تنعقد به الصلاة وهو تكبيرة الإحرام. ٦ - السلامة من الأعذار: اختلف الفقهاء في ذلك:

стр. 386

أ- ذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢) وهو رواية عند الشافعية (٣) إلى أنه يشترط أن يكون سالمًا من الأعذار، كسَلَسِ بول وانفلات ريح ونحوه. ب- وذهب المالكية (٤) إلى أن لا يشترط ذلك في الإِمام، وعللوا لذلك بأن هذه الأعذار عفي عنها في حق صاحبها، فيعفى عنها في حق غيره. والصحيح من القولين: ما ذهب إليه المالكية من صحة إمامته، لكن الأولى أن لا يكون إمامًا راتبًا ولا يتقدم للإمامة، خروجًا من الخلاف في ذلك. ٧ - نية الإمامة: أ- ذهب الحنابلة (٥) إلى أنه يشترط للإمامة نية الإمامة؛ لأن من شروط صحة الجماعة أن ينوي الإِمام الإمامة، وأن ينوي المأموم أنه مأموم. وقالوا أيضًا: إنه من أحرم منفردًا ثم جاء آخر فصلى معه فنوى إمامته، صح. ب- وأما المالكية (٦) والشافعية (٧) فيرون أن النية للإمامة مستحب وليس بشرط إلا في الجمعة والصلاة المعادة والمنذورة عند الشافعية. والصحيح: هو ما ذهب إليه الحنابلة من اشتراط النية في الإمامة؛ لقوله ﷺ "إنما الأعمال بالنيات" (٨).

стр. 387

وهذا هو ما ذهب إليه سماحة الشيخ ابن باز ﵀ (١). ثانيًا: الأحق بالإمامة: جاءت السنة ببيان الأحق بالإمامة؛ فقد روى مسلم عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤم اقوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا، ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تَكْرِمَتِهِ إلا بإذنه" (٢). واختلفت آراء الفقهاء في بيان فقه هذا الحديث: ١ - فالحنفية (٣) والمالكية (٤)، والشافعية (٥) على أن الأعلم بأحكام الفقه أولى بالإمامة من الأقرأ، واحتجوا لذلك بحديث: "مُروا أبا بكر فليصل بالناس" (٦). قالوا بأن أبا بكر ﵁ لم يكن أقرأ الصحابة، بل ثَمَّةَ من هو أقرأ منه. وقالوا أيضًا بأن الحاجة للفقه أهم منها إلى القراءة. ٢ - وذهب الحنابلة (٧) إلى أن الأقرأ مقدم على من هو أعلم منه، واحتجوا لذلك بمنطوق حديث أبي مسعود المتقدم، وبقوله فيه: "فإن كانوا في القراءة سواء

стр. 388

فأعلمهم بالسنة"؛ حيث فاضل بينهم بالعلم بالسنة مع تساويهم في القراءة. وقالوا أيضًا: بأن القراءة ركن لا بد منه، والحاجة للعلم في الصلاة أمر عارض قد يحتاج إليه وقد لا يحتاج. فهذا جانب من جوانب اختلافهم في الأحق بالإمامة، ونظرًا لطول الخلاف في هذه المسألة نقول: الصحيح في الأحق بالإمامة هو: القارئ لكتاب الله، أي (الأكثر حفظًا، وقيل: هو الذي يجيد القراءة) العارف بفقه صلاته وما يلزم فيها من شروطها وأركانها وواجباتها ومبطلاتها، بحيث لو طرأ عليه عارض في صلاته من سهو وغيره، تمكن من تطبيقه وفق الأحكام الشرعية. فإن كانوا فيما تقدم سواء، قُدم الأكثر فقهًا في دين الله، وهو بلا شك العالم بالسنة فقهًا وأحكامًا. فإن استووا في الفقه والقراءة، قُدم الأقدم هجرة. فإن استووا في ذلك كله، قُدم الأسبق إسلامًا. فإن استووا في ذلك قُدم الأكبر سنًا؛ لحديث مالك بن الحويرث: "وليؤمكم أكبركم" (١). ويستثنى مما ذكر ما يلي: ١ - إمام المسجد الراتب: الإِمام الراتب أحق بالإمامة من غيره وإن كان غيره أقرأ أو أفقه منه؛ لقوله

стр. 389

- ﷺ : "لايؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه" (١). ٢ - صاحب البيت: إذا كان صاحب البيت ممّن تصح إمامته فإنه أحق بالإمامة من غيره؛ لحديث أبي مسعود البدري، وفيه: "ولا يُؤَمُّ الرجل في بيته ولا في سلطانه، ولا يجلس على تَكْرِمَتِهِ إلا بإذنه" (٢)، فمتى أذن صاحب البيت جاز لغيره الإمامة، وإلا فلا. ٣ - السلطان: وهو الإِمام الأعظم أو نائبه، فلا يتقدم عليه أحد في الإمامة إلا بإذنه؛ للحديث المتقدم. ثالثًا: حكم اختلاف نية المأموم عن نية الإمام: إذا كانت نية الإِمام تختلف عن نية المأموم كأن تكون صلاة الإِمام العصر مثلًا، والمأموم الظهر، أو تكون صلاة الإِمام نافلة وصلاة المأموم فريضة -فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين-: القول الاول: أنه لا يجوز اختلاف نية الإِمام عن نية المأموم، وبهذا قال الجمهور من الحنفية (٣) والمالكية (٤) والحنابلة (٥)، واحتجوا لذلك بقوله ﷺ : "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (٦)، فقالوا بأن في اختلاف النية اختلافَ القلوب.

стр. 390

واحتجوا أيضًا بقوله ﷺ : "الإِمام ضامن" (١)، أي ضامن لصلاة المأموم التي يؤديها، ومن هنا قالوا بعدم الجواز. القول الثاني: وهو قول الشافعية (٢)، وهو رواية عند الحنابلة (٣)، أنه يجوز إمامة المفترض بالمتنفل والعكس، وأنه يجوز اختلاف نية الفرض بين الإِمام والمأموم، لكن بشرط أن تتناظم صلاة الإِمام مع المأموم، فإن اختلفت الكيفية بين صلاة الإِمام والمأموم، لا يصح، كأن تكون صلاة الإِمام صلاة كسوف مثلًا، والمأموم يصلي فريضة، أو تكون صلاة الإِمام جنازة فهنا لا تصح المتابعة. وبها أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٤). ودليل ذلك فعل معاذ ﵁ كما جاء في الصحيحين: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء ثم يأتي مسجد قومه فيصلي بهم" (٥). ولقوله ﷺ : "من يتصدق على هذا" (٦) فصلى معه بعض الصحابة.
следующие страницы →