← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أ- ذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢) وهو رواية عند الشافعية (٣) إلى أنه يشترط أن يكون سالمًا من الأعذار، كسَلَسِ بول وانفلات ريح ونحوه. ب- وذهب المالكية (٤) إلى أن لا يشترط ذلك في الإِمام، وعللوا لذلك بأن هذه الأعذار عفي عنها في حق صاحبها، فيعفى عنها في حق غيره. والصحيح من القولين: ما ذهب إليه المالكية من صحة إمامته، لكن الأولى أن لا يكون إمامًا راتبًا ولا يتقدم للإمامة، خروجًا من الخلاف في ذلك. ٧ - نية الإمامة: أ- ذهب الحنابلة (٥) إلى أنه يشترط للإمامة نية الإمامة؛ لأن من شروط صحة الجماعة أن ينوي الإِمام الإمامة، وأن ينوي المأموم أنه مأموم. وقالوا أيضًا: إنه من أحرم منفردًا ثم جاء آخر فصلى معه فنوى إمامته، صح. ب- وأما المالكية (٦) والشافعية (٧) فيرون أن النية للإمامة مستحب وليس بشرط إلا في الجمعة والصلاة المعادة والمنذورة عند الشافعية. والصحيح: هو ما ذهب إليه الحنابلة من اشتراط النية في الإمامة؛ لقوله ﷺ "إنما الأعمال بالنيات" (٨).

стр. 387

وهذا هو ما ذهب إليه سماحة الشيخ ابن باز ﵀ (١). ثانيًا: الأحق بالإمامة: جاءت السنة ببيان الأحق بالإمامة؛ فقد روى مسلم عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤم اقوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا، ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تَكْرِمَتِهِ إلا بإذنه" (٢). واختلفت آراء الفقهاء في بيان فقه هذا الحديث: ١ - فالحنفية (٣) والمالكية (٤)، والشافعية (٥) على أن الأعلم بأحكام الفقه أولى بالإمامة من الأقرأ، واحتجوا لذلك بحديث: "مُروا أبا بكر فليصل بالناس" (٦). قالوا بأن أبا بكر ﵁ لم يكن أقرأ الصحابة، بل ثَمَّةَ من هو أقرأ منه. وقالوا أيضًا بأن الحاجة للفقه أهم منها إلى القراءة. ٢ - وذهب الحنابلة (٧) إلى أن الأقرأ مقدم على من هو أعلم منه، واحتجوا لذلك بمنطوق حديث أبي مسعود المتقدم، وبقوله فيه: "فإن كانوا في القراءة سواء

стр. 388

فأعلمهم بالسنة"؛ حيث فاضل بينهم بالعلم بالسنة مع تساويهم في القراءة. وقالوا أيضًا: بأن القراءة ركن لا بد منه، والحاجة للعلم في الصلاة أمر عارض قد يحتاج إليه وقد لا يحتاج. فهذا جانب من جوانب اختلافهم في الأحق بالإمامة، ونظرًا لطول الخلاف في هذه المسألة نقول: الصحيح في الأحق بالإمامة هو: القارئ لكتاب الله، أي (الأكثر حفظًا، وقيل: هو الذي يجيد القراءة) العارف بفقه صلاته وما يلزم فيها من شروطها وأركانها وواجباتها ومبطلاتها، بحيث لو طرأ عليه عارض في صلاته من سهو وغيره، تمكن من تطبيقه وفق الأحكام الشرعية. فإن كانوا فيما تقدم سواء، قُدم الأكثر فقهًا في دين الله، وهو بلا شك العالم بالسنة فقهًا وأحكامًا. فإن استووا في الفقه والقراءة، قُدم الأقدم هجرة. فإن استووا في ذلك كله، قُدم الأسبق إسلامًا. فإن استووا في ذلك قُدم الأكبر سنًا؛ لحديث مالك بن الحويرث: "وليؤمكم أكبركم" (١). ويستثنى مما ذكر ما يلي: ١ - إمام المسجد الراتب: الإِمام الراتب أحق بالإمامة من غيره وإن كان غيره أقرأ أو أفقه منه؛ لقوله

стр. 389

- ﷺ : "لايؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه" (١). ٢ - صاحب البيت: إذا كان صاحب البيت ممّن تصح إمامته فإنه أحق بالإمامة من غيره؛ لحديث أبي مسعود البدري، وفيه: "ولا يُؤَمُّ الرجل في بيته ولا في سلطانه، ولا يجلس على تَكْرِمَتِهِ إلا بإذنه" (٢)، فمتى أذن صاحب البيت جاز لغيره الإمامة، وإلا فلا. ٣ - السلطان: وهو الإِمام الأعظم أو نائبه، فلا يتقدم عليه أحد في الإمامة إلا بإذنه؛ للحديث المتقدم. ثالثًا: حكم اختلاف نية المأموم عن نية الإمام: إذا كانت نية الإِمام تختلف عن نية المأموم كأن تكون صلاة الإِمام العصر مثلًا، والمأموم الظهر، أو تكون صلاة الإِمام نافلة وصلاة المأموم فريضة -فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين-: القول الاول: أنه لا يجوز اختلاف نية الإِمام عن نية المأموم، وبهذا قال الجمهور من الحنفية (٣) والمالكية (٤) والحنابلة (٥)، واحتجوا لذلك بقوله ﷺ : "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (٦)، فقالوا بأن في اختلاف النية اختلافَ القلوب.

стр. 390

واحتجوا أيضًا بقوله ﷺ : "الإِمام ضامن" (١)، أي ضامن لصلاة المأموم التي يؤديها، ومن هنا قالوا بعدم الجواز. القول الثاني: وهو قول الشافعية (٢)، وهو رواية عند الحنابلة (٣)، أنه يجوز إمامة المفترض بالمتنفل والعكس، وأنه يجوز اختلاف نية الفرض بين الإِمام والمأموم، لكن بشرط أن تتناظم صلاة الإِمام مع المأموم، فإن اختلفت الكيفية بين صلاة الإِمام والمأموم، لا يصح، كأن تكون صلاة الإِمام صلاة كسوف مثلًا، والمأموم يصلي فريضة، أو تكون صلاة الإِمام جنازة فهنا لا تصح المتابعة. وبها أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٤). ودليل ذلك فعل معاذ ﵁ كما جاء في الصحيحين: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كان معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء ثم يأتي مسجد قومه فيصلي بهم" (٥). ولقوله ﷺ : "من يتصدق على هذا" (٦) فصلى معه بعض الصحابة.

стр. 391

رابعًا: إمامة المقيم بالمسافر والعكس: يجوز إمامة المقيم بالمسافر والعكس باتفاق الفقهاء، لكن إذا أتم المقيم لزم المسافر الإتمام معه، وكذلك يجوز إمامة المسافر بالمقيم، ويستحب أن ينبه المأمومين قبل الصلاة ويقول لهم: أتموا صلاتكم فإني على سفر، أو مسافر، فإذا سلم الإِمام قام المأموم المقيم فكمل صلاته. خامسًا: إمامة من يخالف في الفروع: إذا كان الإِمام يخالف المأموم في بعض الفروع، كأن يرى الإِمام أن أكل لحم الجزور غير ناقض للوضوء، والمأموم يرى أنه ناقض، فهنا تصح إمامته؛ لأن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المسلمين لم يزل بعضهم يقتدي ببعض مع اختلافهم في الفروع؛ لما في ذلك من وَحْدَةِ الصف وقوة المسلمين، ولأن الجماعة واجبة فتقدم على أمرٍ مختلَفٍ فيه.

стр. 392

صلاة أهل الأعذار الأعذار جمع عذر، والمراد بها هنا المرض والسفر والخوف، فهذه هي الأعذار التي تختلف بها الصلاة عند وجودها. واختلاف الصلاة هنا هو اختلاف هيئة وعدد مأخوذ من القاعدة العامة، وهي قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢)، وقوله: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٣). ومن القواعد المعروفة عند الفقهاء: "أن المشقة تجلب التيسير". أولًا: أحكام صلاة المريض: المريض هو الذي اعتلت صحته، سواء كانت هذه العلة في جزء من بدنه أو في جميع بدنه، فمن اشتكى عينه أو أُصْبُعَه فهو مريض، ومن أخذته الحمى فهو مريض. صفة صلاة المريض: ١ - يجب على المريض أن يتطهر بالماء لرفع الحدث الأصغر والأكبر؛ لأن الطهارة شرط للصلاة، فإن لم يستطع تيمم. ٢ - يجب على المريض أن يطهر ثوبه وبدنه من النجاسات، فإن عجز صلى على حاله، وصلاته صحيحة.

стр. 393

٣ - يجب على المريض أن يصلي على شيء طاهر، فإن عجز صلى على ما هو عليه، وصلاته صحيحة، ولا إعادة عليه. ٤ - ويلزم المريض أن يصلي الفريضة قائمًا، ولو منحنيًا، ولا بأس إن اعتمد على عصًا أو جدار، فإن عجز عن القيام أو كان في قيامه مشقة ظاهرة أو تأخُّر بُرْءٍ أو زيادة مرض، صلى قاعدًا بأن يجلس متربعًا؛ لحديث عائشة ﵂: "رأيت النبي ﷺ يصلي متربعًا" (١). وله أن يجلس كجلوس التشهد، وله أن يجلس على الهيئة التي تسهل عليه، ولا ينقص ذلك من ثوابه؛ لقوله ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا" (٢) ولقوله ﷺ لعمران بن الحصين: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" (٣). ٥ - فإن عجز المريض عن القعود أو كان فيه مشقة ظاهرة، صلى على جنبه متجهًا إلى القبلة. لكن على أي الجنبين يصلي؟ المذهب عند المالكية (٤) والحنابلة (٥) أن الأفضل أن يصلي على الجنب الأيمن ثم الأيسر. والصواب: أن الأفضل في حق المريض أن يفعل ما هو أيسر له، فإن كان الأيسر أن يكون على جنبه الأيسر فهو أفضل، وإن كان العكس فهو أفضل.

стр. 394

لكن إن تساوى عنده الأمران كان الأيمن هو الأفضل؛ لعموم قول عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يعجبه التيمُّن في تَنَعُّلِه وترجُّله وطَهوره وشأنه كله" (١). ٦ - فإن عجز المريض عن استقبال القبلة أو لم يجد من يحوله إليها، فإنه يصلي على حسب حاله، فيصلي إلى أي جهة تسهل عليه. ٧ - فإن عجز المريض أن يصلي على جنبه قال بعض أهل العلم: يصلي مستلقيًا على قفاه ورجلاه إلى القبلة. ٨ - فإن عجز عن الركوع والسجود أَوْمَأَ بالركوع والسجود برأسه، ويجعل السجود أخفض من الركوع. ٩ - فإن عجز عن أن يومىء بالرأس لركوعه وسجوده، فقد قال الجمهور بأنه يومىء بما يستطيع؛ لقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢) فمتى عجز عن الإيماء بالرأس قالو: يومىء بالعين. وقد اختلف الفقهاء عند العجز عن الإيماء بالرأس مع إمكان أداء الأقوال في الصلاة إلى قولين: الأول: إذا عجز عن الإيماء بالرأس يومىء بعينه. وهذا هو قول الجمهور. الثاني: أنه تسقط عنه الأفعال دون الأقوال. وهذا قول شيخ الإِسلام ابن تيمية وقول الشيخين ابن باز وابن العثيمين (٣).

стр. 395

والراجح من هذه الأقوال أن من عجز عن الإيماء بالرأس كفاه النية والقول، ولا يومىء بعينه ولا بأصبعه ولا بغيره. ١٠ - إن استطاع المريض أن يصلي قائمًا وعجز عن الركوع والسجود، لزمه أن يصلي قائمًا وأومأ بالركوع، ثم يجلس ويومىء بالسجود. ولا بأس أن يجعل له وِسادة ليسجد عليها، ويجعل الوسادة منخفضة قدر طاقته (١). فإن كان الظهر مقوسًا رفع المصلي قدر طاقته حال القيام وينحني عند الركوع قليلًا، فإن قدر على الركوع دون السجود ركع عند الركوع وأومأ بالسجود، وإن قدر على السجود دون الركوع سجد عند السجود وأومأ بالركوع. ١١ - إن صلى المريض قاعدًا وأمكنه السجود على الأرض، لزمه ذلك، ولا يكفيه الإيماء، لكن إن عجز عن السجود على الجبهة فقط لكن يقدر باليدين وبالركبتين، فنقول: يضع يديه على الأرض ويدنو من الأرض بقدر استطاعته؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢). ١٢ - إذا بدأ المسلم صلاته قائمًا وعجز في أثنائها، أتم صلاته على حسب طاقته، فإن أحس بنشاط في أثنائها لزمه القيام؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣). ١٣ - من كان في ماء وطين ولا يمكنه السجود بالتلوث والبلل فله الصلاة بالإيماء والصلاة على دابته؛ لما رواه مسلم عن ابن عمر ﵁ قال: كان رسول

стр. 396

الله ﷺ يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: "ألا صلوا في الرحال" (١). وروى يعلي بن مرة ﵁: "أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سير فانتهوا إلى مضيق وحضرت الصلاة فمطروا؛ السماء من فوقهم، والبِلَّةُ من أسفل منهم، فأذن رسول الله ﷺ وهو على راحلته وأقام، فتقدم على راحلته يومئ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع" (٢). ١٤ - لا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها ما لم يشق عليه، فإن شق عليه جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير على ما يتيسر له، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣). ثانيًا: صلاة الخوف: حكمها: ذهب جمهور الفقهاء إلى مشروعية صلاة الخوف في حياته ﷺ وبعد مماته. دليل ذلك من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ

стр. 397

وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (١). فهذه الآية جاءت ببيان مشروعية هذه الصلاة وبيان إحدى صفاتها. أما السنة فقد ثبت عن النبي ﷺ من سنته القولية وكذا من سنته الفعلية؛ أما القولية فهي من مفهوم قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢). وأما الفعلية فقد صلاها ﷺ هو وأصحابه معه كما جاءت نصوص السنة بذلك. لكن ذهب أبو يوسف (٣) من الحنفية إلى أنها مختصة بالنبي ﷺ واحتج بالآية على أن المخاطب بها هو ﷺ . والصحيح أنها مشروعة له ولأمته ﷺ ؛ لأن خطاب النبي ﷺ خطاب له ولأمته ما لم يقم دليل على التخصيص، وتخصيصه ﷺ بالخطاب لا يقتضي تخصيصه بالحكم. بل لم يقل أحد من صحابته ﷺ أن صلاة الخوف مختصة به ﷺ . أنواع الخوف الذي تشرع له صلاة الخوف: الخوف من العدو، أي عدو كان آدميًا أو سَبْعًا، مثل أن يكون في الأرض سِبَاعٌ يخاف على نفسه منها، فليس بشرط أن يكون العدو بني آدم بل أي عدو كان يخاف الإنسان على نفسه منه. كيفية صلاة الخوف: لصلاة الخوف كيفيات متعددة منها:

стр. 398

١ - إذا كان العدو في غير جهة القبلة والإمام يصلي الثنائية، في هذه الحالة يقسم قائد الجيش جيشه إلى طائفتين؛ طائفة تصلي معه، وأخرى أمام العدو؛ لئلا يهجم، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم إذا كانت الركعة الثانية نووا الانفراد وأتموا لأنفسهم وسلموا، ثم يذهبون ويقفون مكان الطائفة الثانية أمام العدو والإمام لا يزال قائمًا، وتأتي الطائفة الثانية، وتدخل مع الإِمام في الركعة الثانية، ويطيل الإِمام في الركعة الثانية أكثر من الأولى، فيصلي بهم الركعة التي بقيت ثم يجلس للتشهد، فإذا جلس للتشهد وقبل أن يسلم تقوم الطائفة الثانية من السجود وتكمل الركعة التي بقيت وتدرك الإِمام في التشهد فيسلم بهم. وهذه الصفة هي الموافقة لظاهر القرآن، وقد فعلها ﷺ في غزوة ذات الرِّقاع، فقد روى البخاري ومسلمٌ عن صالح بن خوَّات عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: "أن طائفة صفت معه وطائفة وجَاهَ العدو، فصلى بالذي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا، فصفوا وِجَاهَ العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم" (١). وهناك كيفية أخرى في هذه الحالة وهي: أن يصلي الإِمام بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم ينصرفون ويقومون مقام أصحابهم مقبلين على العدو، ثم تأتي، فيصلي بهم ركعة ثم يسلم، ثم يتمون لأنفسهم، ثم تأتي الطائفة الأخرى فتقضي الركعة الثانية. ودليل هذه الصفة ما رواه مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: "صلى رسول الله

стр. 399

- ﷺ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك، ثم صلى بهم النبي ﷺ ركعة، ثم سلم النبي ﷺ ، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة" (١). وللإمام أيضًا هنا أمر آخر وهو: أن يجعل الجيش طائفتين؛ طائفة مواجهة للعدو، وطائفة يصلي بهم جميع الصلاة، ركعتين كانت أم ثلاثًا أم أربعًا، فإذا سلم بهم ذهبوا مكان الطائفة المواجهة للعدو، فتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم تلك الصلاة مرة ثانية، وتكون له نافلة ولهم فريضة. وهذه الصفة صلاها ﷺ ببطن نخل، فعن أبي بكرة ﵁ "أن رسول الله ﷺ صلى بالقوم في الخوف ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالقوم الآخرين ركعتين ثم سلم، فصلى النبي ﷺ أربعًا" (٢). وهذه الصفة ليست بمشروعة عند من قال بعدم جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، وقد ذكرنا ذلك سابقًا وبيَّنا جواز ذلك، ومن هنا كانت هذه الصفة صحيحة. ٢ - الحالة الثانية: إذا كان العدو في جهة القبلة، فهنا يقوم الإِمام بترتيبهم صفين فيُحرِم بالجميع فيصلون معًا، فيقرأ ويركع ويعتدل بهم جميعًا، ثم يسجد بأحدهما، أي بأحد الصفين، ويحرس الصف الأول حتى يقوم الإِمام من سجوده، فإذا قام سجد الصف الآخر ويلحقون الإِمام في قيامه، ويفعل ذلك في الركعة الثانية، غير أن الصف الذي سجد معه هو الذي يحرس فيها، فإن جلس الإِمام

стр. 400

للتشهد هو والصف الذي معه، سجد الصف الثاني ولحق الإِمام في التشهد، فيتشهد ويسلم بهم جميعًا. ودليل هذه الصفة ما رواه مسلم عن جابر ﵁ قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فصَفَّنا صَفَّيْنِ خلف رسول الله ﷺ والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي ﷺ وكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحو العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى وقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا" (١). ٣ - الحالة الثالثة: أن يصلي الإِمام بكل طائفة ركعتين، فتكون منه الصلاة أربعًا بلا تسليم وللقوم ركعتان، فقد روى مسلم عن جابر ﵁ قال: "أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان بذات الرقاع قال: فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين قال: فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتان" (٢). ٤ - الحالة الرابعة: حال شدة خوف: إذا اشتد الخوف بحيث لا يتمكنون

стр. 401

من الصلاة على الصفات المذكورة آنفًا، صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. فإن عجزوا عن الإتيان بالركوع والسجود أومئوا بهما وأتوا بالسجود أخفض من الركوع. لكن هل يجوز القتال في الصلاة في هذه الحالة؟ قولان للفقهاء؛ فالجمهور على أنه يجوز القتال في هذه الحالة الشديدة ويعفى عما فيها من الحركات وضربات وطعنات والإمساك بسلاح ملطخ بالدم. والحنفية (١) اشترطوا في هذه الحالة عدم القتال، فإن قاتل فسدت صلاته. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور. كيفية صلاة المغرب عند الخوف: ذكر ابن حجر (٢) ﵀ أنه: لم يقع شيء من الأحاديث المروية في صلاة الخوف تعرض كيفية صلاة المغرب، لكن ذكر بعض أهل العلم أن الإِمام يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وتتم لأنفسها ركعة تقرأ فيها بالحمد لله وبالثانية ركعة وتتم لأنفسها ركعتين تقرأ فيها بالحمد وسورة. ثالثًا: صلاة السفر: الأحكام المتعلقة بصلاة السفر قصر الصلاة الرباعية: من الأحكام المتعقلة بالصلاة حال السفر قصر الصلاة الرباعية، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ

стр. 402

أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١). وقصر الصلاة هنا ليس مقصورًا على الخوف، بدليل ما رواه مسلم عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: أرأيت إقصار الصلاة وإنما قال : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد ذهب ذلك اليوم؟ فقال عمر ﵁: عجبتُ مما عجبتَ منه، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: "الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر" (٣). وعنها أيضًا: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بمكة، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة زاد مع كل ركعتين ركعتين، إلا المغرب فإنها وتر النهار، وصلاة الفجر؛ لطول قراءتها، وكان إذا سافر صلى صلاة الأولى" (٤) أي: التي فرضت بمكة. وعن ابن عمر ﵄ قال: "صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك ﵃ (٥).

стр. 403

حكم قصر الصلاة في السفر اختلف الفقهاء في حكم قصر الصلاة في السفر مع اتفاقهم على مشروعيته: ١ - فالشافعية (١) والحنابلة (٢) على أن القصر جائز؛ تخفيفًا على المسافر، لما يلحقه من مشقة السفر غالبًا، ولأنه هذا هو هديه ﷺ حال سفره، فقد كان يقصر الصلاة الرباعية فيصليها ركعتين. ٢ - المشهور عند المالكية (٣) أن القصر سنة مؤكدة. ٣ - وقال الحنفية (٤): قصر الصلاة في السفر فرض، فليس للمسافر أن يتم ذوات الأربع، واحتجوا لذلك بقول عائشة ﵂: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فَأُقِرَّتْ صلاة السفر وزيدَ في صلاة الحضر" (٥). وهناك أقوال أخرى، لكن ما ذكرناه هو أشهرها. والصواب أن قصر الصلاة الرباعية في السفر سنة، لكن هل يأثم من أتم في سفره؟ الجواب عند من قال بالوجوب: يأثم ومن قال إنه سنة فلا يأثم؛ لأن القاعدة الشرعية: أنه لا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه. وهذا هو الراجح. لكن هناك سؤال آخر وهو: أيهما أفضل الإتمام في السفر أم القصر ؟

стр. 404

يرى الشافعية (١) أن الأفضل هو الإتمام؟ خروجًا من الخلاف، ولأن في الإتمام زيادة في عدد الركعات وهذا أفضل. والصحيح أن العمل بالسنة هو الأفضل، فالنبي ﷺ كان أسرع الناس إلى فعل الأفضل، ولذلك ما كان في سفره يزيد عن الركعتين في الرباعية، فعلم أن اتباع سنته هو الأفضل. شروط قصر الصلاة: ١ - نية السفر: اشترط جميع الفقهاء لجواز قصر الصلاة النية للسفر، وذلك لأن السفر قد يكون سفرًا مقصودًا، وقد يكون غير مقصود، فمن خرج من بيته إلى موضع ما طلبًا لحاجة معينة ثم تبدو له حاجة أخرى تجعله يقطع مسافة طويلة بدون قصد السفر مع كونه تجاوز مسافة القصر- فإنه لا يشرع له القصر؛ لاشتراط النية في السفر. لكن هل يلزم عقد نية قصر الصلاة في السفر ؟ الجواب: لا يلزم ذلك، ولكن يكفي في ذلك نية السفر؛ لأن عقد نية قصر الصلاة يكون قبل فعلها، لا عند بدء السفر. ٢ - مسافة القصر: من شروط قصر الصلاة أن تكون مسافة القصر مبيحة للقصر. وقد اختلف الفقهاء في هذا الشرط على ثلاثة أقوال: الأول: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المسافة التي يجوز فيها القصر والفطر هي مسيرة يومين كاملين فأكثر، وتعادل بالكيلومتر (ثمانين كم) تقريبًا.

стр. 405

الثاني: ما ذهب إليه الحنفية (١) وهو أن مسافة السفر التي شرع لها القصر ثلاثة أيام ولياليها. الثالث: أنه ليس هناك حد للمسافة ولا توقيت، المرجع في ذلك للعرف، فما سماه العرف سفرًا صار سفرًا يجوز قصر الصلاة فيه، وهذا هو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية (٢). والراجح ما ذهب إليه الجمهور وهو تحديد مسافة القصر بثمانين كيلو متر تقريبًا. وهو اختيار اللجنة الدائمة (٣). حكم القصر لسكان مدينة لها طريقان مختلفان: لو كان لمدينة طريقان مختلفان أحدهما يتجاوز مسافة القصر والآخر أقل منها، أي: دون ثمانين كيلو مترًا، فهل يشرع للمسافر إليها القصر إن سلك الأبعد وترك الأقرب؟ اختلف في ذلك الفقهاء: ١ - فقال الحنفية (٤) والحنابلة (٥): يقصر الصلاة إذا سلك الأبعد مع وجود الأقرب؛ لأنه يعتبر مسافرًا. ٢ - وقال المالكية (٦) والشافعية (٧): لا يقصر الصلاة إذا كان قاصدًا سلوكه

стр. 406

لمجرد القصر أو لا قصد له إلا سلوك الأطول، أما إذا كان عدل للأبعد أو لأمر يحتاجه، فإنه يقصر الصلاة. الأولى في حقه عدم القصر؟ خروجًا من الخلاف وأخذًا بالأحوط. القصر عند السفر في الوسائل الحديثة كالطائرة وغيرها: حدد الفقهاء المسافة التي تشترط لقصر الصلاة على اعتبار سير الوسط وهو مشي الأقدام وسير الأقل، فهل إذا لم يكن هناك مشقة في السفر وذلك من خلال استخدام الوسائل الحديثة كالطائرة والقطار والسيارات ونحو ذلك، فهل نقول بأنه لا يشرع القصر لأن المشقة منتفية في هذه الحالة؟ ١ - يرى الكمال بن الهمام (١) من الحنفية أن المعتبر في ذلك المشقة، فلو قطع المسافر هذه المسافة في ساعة مثلًا لا يقصر الصلاة؛ لانتفاء مظنة المشقة وهي العلة. ٢ - ذهب إليه جمهور الفقهاء (٢)، وهو منقول عن أبي حنيفة أيضًا على أن العلة هنا ليست المشقة، وإنما العلة هي السفر، فمتى قطع المسافر هذه المسافة بسفره قصر، ولو كان يقطعها بطيران أو بقطار أو سيارة ونحو ذلك وهو الصحيح، وقد نقل بعضهم الإجماع على ذلك. ٣ - الخروج من عمران بلدته: لا يجوز لمن قصد السفر أن يقصر الصلاة إلا إذا جاوز -أي: فارق- محل إقامته، والمراد بالمفارقة هنا المفارقة بالبدن لا بالبصر، أي أن يتجاوز البيوت ولو بقدر ذراع، فمتى خرج من مسافة البيوت ولو بمقدار ذراع، فإنه يعتبر مفارقًا.

стр. 407

القصر لمن سافر بعد دخول الوقت: إذا دخل وقت الصلاة في الحضر ثم سافر هل يلزمه الإتمام أم يصلي صلاة مسافر؟ اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - فالمذهب عند الحنابلة (١) أنه يلزمه الإتمام، لوجوبها عليه تامة بدخول وقتها. ٢ - وقال آخرون: إنه يصليها قصرًا؛ لأنه في هذه الحالة يعتبر مسافرًا. والذي يظهر -والله أعلم- أن ما ذهب إليه القائلون بالقصر هو الراجح؛ أخذًا بالرخصة، ثم إنه يؤديها حال السفر. ٤ - اشتراط نية قصر الصلاة عند كل صلاة: اختلف الفقهاء في اشتراط نية قصر الصلاة عند كل صلاة: ١ - فالحنفية (٢) لا يشترطون ذلك، ويقولون بأنه يكفي نية السفر. ٢ - ويقول المالكية (٣): تكفي نية القصر في أول صلاة يقصرها المسافر، ولا يلزم تجديدها فيما بعد من الصلوات. ٣ - أما الشافعية (٤) والحنابلة (٥) فيرون أنه لا بد من نية القصر عند كل صلاة يؤديها، فلو لم يَنْوِ القصر بأن نوى الإتمام أو أطلق، أتم الصلاة.

стр. 408

والأولى الأخذ بما ذهب إليه الشافعية والحنابلة أخذًا بالأحوط؛ لعموم قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (١)، ولأنه أبرأ للذمة؛ خروجًا من الخلاف. ٥ - كون السفر مباحًا: ١ - اشترط المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) في السفر الذي تقصر فيه الصلاة، أن يكون مباحًا -أي: ليس بسفر معصية- فلا يقصر عاصٍ بسفره كالعبد الآبق وقاطع الطريق أو من سافر إلى بلاد الكفر لفعل الرذيلة أو رغبة منه في التحلل من قيم الإِسلام وآدابه، فهؤلاء لا يشرع لهم القصر؛ لأن جواز القصر في حقهم إعانة على المعصية، وهذا لا يجوز. ٢ - وذهب الحنفية (٥) إلى عدم اشتراط كون السفر مباحًا؛ وذلك لأن الأدلة التي جاءت في القصر عامة لم توجب الفصل بين مسافر ومسافر، فوجب العمل بعموم النصوص وإطلاقها. وقالوا أيضًا بأن القصر ليس برخصة، فإن صلاة ركعتين للظهر والعصر والعشاء بدلًا من أربع ركعات ليس تحويلًا من الأربع إلى ركعتين، بل هما في الأصل ركعتان. الراجح: نرى أن الراجح هو قول الحنفية؛ لقوة الأدلة وصراحتها، حيث جاءت النصوص ولم تفرق بين مسافر وآخر؛ لأن الأصل في صلاة السفر كونها ركعتين.

стр. 409

حكم قضاء من فاتته صلاة سفر في الحضر والعكس: ١ - ذهب الحنفية (١) والمالكية (٢) إلى أن من فاتته صلاة في السفر قضاها في الحضر ركعتين. واختار ذلك الشيخ ابن العثيمين (٣)، ومن فاتته صلاة في حضر قضاها في السفر أربعًا؛ وذلك لأن القضاء بحسب الأداء. ٢ - أما الشافعية (٤) في الجديد عندهم والحنابلة (٥) فذهبوا إلى أن من نسي صلاة سفر فذكرها في الحضر، فإن الواجب عليه أن يصلي أربعًا؛ لأن القصر رخصة من رخص السفر فبطل بزواله، ولأن التخفيف متعلق بعذر، فزال بزواله. والأحوط الأخذ بما ذهب إليه الشافعية في الجديد والحنابلة من أن الواجب الإتمام؛ لأن القصر من رخص السفر وقد زال السفر فيلزمه الإتمام. نية الإقامة ومدتها المعتبرة: معناها: أن ينوي المسافر الذي قصد بلدًا ما الإقامةَ في هذا البلد لمدة تتجاوز أربعة أيام، أما إذا دخل بلدًا ما ومكث فيه شهرًا أو أكثر لانتظار قافلة أو لحاجة أخرى ولم يعزم على البقاء فيها، فإنه لا يصير مقيمًا؛ فله أن يقصر الصلاة إذا زادت عن أربعة أيام؛ لأنه لم ينو الإقامة في هذا البلد.

стр. 410

الأحكام المتعلقة بالجمع تعريف الجمع بين الصلوات: الجمع بين الصلوات هو: أداء صلاة الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء جمع تقديم أو جمع تأخير. حكم الجمع بين الصلوات: اتفق الفقهاء على مشروعية الجمع بين الصلوات (الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء) لكن اختلفوا في مسوغات الجمع على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. واحتجوا لجواز الجمع بحديث جابر في صفة حجه ﷺ وفيه قال: "فأتى بطن الوادي فخطب الناس ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئًا" (١). مسوغات الجمع: أولاً: السفر ١ - ذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣) إلى جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو جمع تأخير في السفر الذي يجوز فيه قصر الصلاة. واحتجوا لذلك بما رواه البخاري عن أنس ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإن

стр. 411

زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب" (١). وعن معاذ ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء جميعًا" (٢). ٢ - أما الحنفية (٣) فإنهم لا يجوّزون الجمع للمسافر لا تقديمًا ولا تأخيرًا، وتأولوا الجمع الوارد في حديث أنس ومعاذ بأنه جمع صُورِيٌّ؛ ومعناه أن يؤخر الظهر إلى آخر وقتها وكذلك في المغرب والعشاء. وأجازوا الجمع بين الظهر والعصر في عرفة وبين المغرب والعشاء في مُزْدَلفَةَ؛ لأن ذلك من المنسك وليس رخصة. واحتجوا لذلك بما رواه البخاري عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة بغير ميقاتها إلا صلاتين؛ جمع بين المغرب والعشاء، وصلى الفجر قبل ميقاتها" (٤) يعني ليلة مزدلفة. وحديث أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى" الحديث (٥).

стр. 412

والراجح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة من جواز الجمع بين الصلاتين في السفر؛ للأدلة التي ذكروها. أيهما أفضل جمع التقديم أم التأخير ؟ اتفق الفقهاء القائلون بجواز الجمع على أنه إن كان المسافر نازلًا في وقت الأولى، فالأفضل أن يقدم الثانية في وقت الأولى، وإن كان سائرًا في وقتهما أو نازلًا فيه وأراد جمعهما، فالأفضل تأخير الأولى منهما إلى وقت الثانية؛ لأن وقت الثانية للأولى حقيقة بخلاف العكس. والصواب أنه يفعل الأرفق به من تأخير أو تقديم، فإن كان التقديم أرفق به فليقدم، وإن كان التأخير أرفق به أخر؛ وذلك لأن الجمع إنما شرع رفقًا بالمكلف، فما كان أرفق فهو أفضل. لكن إن تساوى عنده الأمران -أي: جمع التقديم أو جمع التأخير- فالأفضل هنا التأخير؛ لأن غاية ما في التأخير تأخير الأولى عن وقتها، والصلاة بعد وقتها جائزة مُجْزِئَةٌ. أما التقديم ففيه صلاة الثانية قبل دخول وقتها. شروط جمع التقديم: يشترط لصحة جمع التقديم شروط منها: ١ - البداءة بالأولى من الصلاتين المجموعتين؛ فيصلي الظهر أولًا ثم العصر، ويصلي المغرب أولًا ثم العشاء، فلو صلى الثانية قبل الأولى لم يصح. ٢ - نية الجمع عند الصلاة الأولى أو في أثنائها، فلا يجوز تقديم الصلاة إلا بنية الجمع إن وجد سببه. ولم يشترط ذلك شيخ الإِسلام ابن تيمية وحكاه عن

стр. 413

جمهور العلماء (١). ٣ - الموالاة بين الصلاتين المجموعتين؛ ومعنى الموالاة أن لا يفصل بينهما بزمن طويل، أما الفصل اليسير فلا يضر، فإن أطال الفصل بينهما بطل الجمع. ٤ - دوام السفر حال افتتاح الأولى والفراغ منها وافتتاح الثانية، فإذا نوى الإقامة أثناء الصلاة الأولى أو وصل إلى بلده وهو في الأولى، انقطع الجمع؛ لزوال سببه، ولزمه تأخير الثانية إلى وقتها. شروط جمع التأخير: ١ - نية الجمع قبل خروج وقت الأولى، فإن أخرها بغير نية الجمع حتى خروج وقتها، أتم، وتكون قضاءً؛ لخلو وقتها عن الفعل أو العزم. ٢ - البداءة بالأولى قبل الثانية على ما ذكرنا سابقًا، فإذا دخل بنية الظهر مع من يصلي العصر، جاز وتحقق الترتيب. أما إن كانوا جماعة فالأولى في حقهم أن يصلوا الظهر ثم يصلوا العصر ولا يدخلوا مع الجماعة الأولى، لكن لا يصلون حتى يفرغوا من صلاتهم؛ حتى لا تكون جماعتان في مسجد واحد. ٣ - استمرار السفر لحين دخول وقت الثانية، فإن زال السفر قبل دخول وقت الثانية، لزمه أن يأتي بالأولى في وقتها ثم يؤخر الثانية لحين دخول وقتها، لكن لا يضر زوال السفر قبل فعل الصلاتين وبعد دخول وقت الثانية. ٤ - الموالاة بين الصلاتين على ما ذكرناه في شروط جمع التقديم.

стр. 414

ثانيًا: المرض . من مسوغات الجمع بين الصلاتين المرض، وقد اختلف الفقهاء في جواز الجمع في المرض على قولين: الأول: أنه يجوز الجمع للمريض بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، وذهب إلى ذلك المالكية (١) والحنابلة (٢). واستدلوا لذلك بما رواه مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر" (٣)، وفي رواية: "من غير خوف ولا سفر" (٤). وأيضًا بما رواه أبو داود وأحمدُ: "أنه ﷺ أمر سَهْلَةَ بنت سُهَيْلٍ وحَمْنَةَ بنت جحش ﵂ لما كانتا مستحاضتين، بتأخير الظهر وتعجيل العصر والجمع بينهما بغسل واحد" (٥). لكن المالكية مع قولهم بجواز الجمع للمريض إلا أنهم قالوا بأن الجمع الجائز بسبب المرض هو جمع التقديم فقط لمن خاف الإغماء والحمى وغيرها، وإن سلم من هذه الأمراض ولم يصبه شيء منها، أعاد الثانية في وقتها.

стр. 415

وقال الحنابلة: إن المريض مخير بين التقديم والتأخير كالمسافر. وهذا هو الأصوب؛ لأنه في الحقيقة هو الأرفق بالمريض. القول الثاني: أنه لا يجوز الجمع بسبب المرض، وهو قول الشافعية (١)؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ مع أنه مرض أمراضًا كثيرة ولم ينقل عنه أنه جمع بسبب المرض. والصحيح أنه يجوز الجمع بسبب المرض؛ وذلك أن المشقة الحاصلة بسببه أشد من الحاصلة بسبب السفر، ولأن النبي ﷺ أراد أن يرفع الحرج عن أمته بسبب الجمع حين سُئِلَ ابن عباس عن جمعه ﷺ من غير خوف ولا مطر قال: أراد أن لا يحرج أمته (٢). ثالثًا: الجمع بسبب المطر والثلج والبرد ونحو ذلك: ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز الجمع بسبب المطر المبلل للثياب والثلج والبرد، واحتجوا لذلك بما جاء في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: "صلى رسول الله ﷺ بالمدينة الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء جميعًا" وزاد مسلم: "في غير خوف ولا سفر" (٣). وهذا هو الراجح. لكن أي الصلاتين تجمع، الظهر والعصر أم المغرب والعشاء؟

стр. 416

اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - فالمالكية (١) والحنابلة (٢) على أنه لا يجوز الجمع بين الظهر والعصر بسبب المطر ونحوه، وإنما يجمع بين المغرب والعشاء، وذلك لأن المشقة في المغرب أشد؛ لأجل الظلمة. ٢ - أما الشافعية (٣) فيرون أنه يجوز الجمع بين الظهر والعصر كذلك بسبب المطر، لحديث ابن عباس المتقدم أنه جمع بين الظهر والعصر، ولأن العلة هي وجود المطر سواء كان ذلك في الليل أو النهار، وهذا هو الراجح. أما الجمع بسبب الريح الشديدة والظلمة فقد اختلف فيه الفقهاء: ١ - فالمالكية (٤) والشافعية (٥) على المنع. وهو وجه عند الحنابلة (٦). ٢ - ويرى الحنابلة جواز الجمع من أجل الريح الشديدة في الليلة الباردة؛ لأن ذلك عذر في ترك الجمعة والجماعة. والذي يظهر جواز الجمع مع الريح الشديدة الباردة؛ لحصول المشقة بها، لكن بقيدين: الأول: كون الريح شديدة؛ وهي ما خرج عن العادة، أما المعتادة فلا يباح لها الجمع. الثاني: كونها باردة، والمراد بها ما تشق على الناس.

стр. 417

صلاة الجمعة فضل صلاة الجمعة: كان من هديه ﷺ تعظيم هذا اليوم وتشريفه وتخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره، وقد اختلف العلماء هل هو الأفضل أم يوم عرفة؟ على قولين هما وجهان لأصحاب الشافعي كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ (١) - فمن فضائله: ١ - أنه خير الأيام: فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" (٢). ٢ - فيه ساعة الإجابة: فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: "إن في الجمعة لساعةً لا يوافقها مسلم قائم يصلي يسأل الله خيرًا، إلا أعطاه إياه، وقال بيده يقلِّلها يُزَهِّدُها" (٣). ٣ - حصول تكفير الذنوب: فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر" (٤)، وعنه أيضًا عن النبي ﷺ قال: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مَسَّ الحصى فقد لغا" (٥).

стр. 418

التحذير من التخلف عن صلاة الجمعة: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، والأمر بالسعي إليها دليل على وجوبها، ولذا من تخلف عنها فهو آثم ومعرض؛ للوعيد المذكور في قوله ﷺ : "لينتهين أقوام عن وَدْعِهِمُ الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين" (٢). فليحذر الذين يتخلفون عن الجمعة من غير عذر شرعي من هذا الوعيد، نسأل الله تعالى السلامة والعافية. حكم صلاة الجمعة: صلاة الجمعة من الفرائض المعلوم فرضيتها بالضرورة بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة. أما دليل الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٣) فالأمر في الآية للوجوب، وذكر الله هنا قيل: هو الخطبة، وقيل: هو الصلاة، وكل ذلك حق، فالسعي إلى الخطبة سعي إلى الصلاة، ولأن ذكر الله يتناول الخطبة ويتناول الصلاة. أما السنة فمن ذلك الحديث المتقدم: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين" (٤).

стр. 419

ومن ذلك أيضًا ما رواه النسائي عن حَفْصَةَ زوج النبي ﷺ : "رَوَاحُ الجمعة واجب على كل مُحْتَلِمٍ" (١). أما الإجماع فقد نقل ابن المنذر وابن العربي أنها فرض عين (٢). شروط صلاة الجمعة: أولًا: الوقت: فلا تصح الجمعة قبل وقتها ولا بعد وقتها بالإجماع، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٣). واختلف الفقهاء في أول وقت صلاة الجمعة: ١ - فالحنفية (٤) والمالكية (٥) والشافعية (٦) على أن وقت الجمعة هو وقت الظهر، فلا يثبت وجوبها ولا يصح أداؤها إلا بدخول وقت الظهر، ويستمر وقتها إلى دخول وقت العصر، فإذا خرج وقت الظهر سقطت الجمعة واستبدل بها ظهرًا. ويمتد وقته عند المالكية إلى الغروب (٧). ٢ - أما الحنابلة (٨) فقالوا بأن أول وقتها هو أول وقت صلاة العيد،

стр. 420

واحتجوا لذلك بما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁: "أنه كان يصلي ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها، زاد عبد الله في حديثه: حين تزول الشمس -يعني: النواضح" (١)، وفعلها بعد الزوال عندهم أفضل. وذهب ابن قدامة (٢)، وهو الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٣)، إلى أن وقتها يكون قبل الزوال بساعة، واحتجوا لذلك بحديث أبي هريرة ﵁: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرب بَدَنَةً، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" (٤). فهذه خمس ساعات، ثم ذكر في السادسة حضور الملائكة يستمعون الذكر، أي الخطبة، ووقت الساعة السادسة يكون قبل الزوال بساعة. والصحيح من الأقوال: أن أداءها بعد الزوال أفضل وأحوط؛ لما رواه البخاري عن أنس ﵁: "أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس" (٥)، وهذا هو فعله ﷺ في أكثر الأوقات.

стр. 421

ثانيًا: الجماعة: يشترط لصلاة الجمعة حصولها في جماعة، فمتى صلاها منفردًا فلا تصح ويلزمه أن يعيدها ظهرًا؛ وذلك لحديث طارق بن شهاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة ... " (١). من أدرك مع الإِمام أقل من ركعة، هل يكون مدركًا للجمعة ؟ اختلف في ذلك الفقهاء: ١ - فالمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) على أن من أدرك مع الإِمام أقل من ركعة، فإنه لا يكون مدركًا للجمعة ويصليها ظهرًا. ٢ - وقال أبو حنيفة (٥): "تدرك وإذا صلى مع الإِمام جزءًا منها، وإن قل، فمتى أدرك المأموم الإِمام وهو في التشهد أو في سجدتي السهو فاقتدى به، فقد أدرك الصلاة، ويصليها ركعتين". والصحيح أن صلاة الجمعة تدرك مع الإِمام بإدراك ركوع وسجود من الركعة الثانية لمن فاتته الأول، فإن دخل في الصلاة ولم يلحق ركوع الثانية، أتمها ظهرًا. دليل ذلك: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك

стр. 422

ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (١). وقوله ﷺ : "إذا جئتم ونحن سجود فاسجدوا ولا تَعُدُّوهَا شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة" (٢). العدد الذي تتحقق به الجماعة للجمعة: فقد اختلف الفقهاء في العدد الذي تتحقق به الجماعة للجمعة: ١ - فالشافعية (٣) والحنابلة (٤) أنه لا يقل العدد عن أربعين رجلًا تجب في حقهم الجمعة. ٢ - ويشترط المالكية (٥) لحصول الجماعة للجمعة اثني عشر من أهلها، أي ممّن تجب عليهم الجمعة. ٣ - وذهب الحنفية (٦) إلى أنها تنعقد بواحد سِوَى الإِمام، وقيل بثلاثة سوى الإمام. والصحيح أن الجماعة تتحقق للجمعة بثلاثة أحدهم يخطب. وهو ما ذهب إليه شيخ الإِسلام ابن تيمية (٧)، وهو إحدى الروايتين عند الحنفية (٨)، وإحدى

стр. 423

الروايتين عن أحمد (١)، وبهذا قال الشيخان ابن باز وابن العثيمين (٢)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٣). ثالثًا: الاستيطان: اشترط الفقهاء للجمعة أن يكون أهل وجوبها مستوطنين بقرية، فإن كانوا في خيام ينتقلون، فلا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم وحدهم. ومعنى مستوطنين: أي متخذيها وطنًا. وضد المستوطن: المسافر والمقيم؛ فالمسافر الذي على جناح سفر، والمقيم الذي ليس بمستوطن هو من يقيم ثم يسافر، فهؤلاء لا تلزمهم الجمعة، بل ولا تصح منهم وحدهم. واختلف الفقهاء في صفة الاستيطان، والصحيح ما ذهب إليه شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ أن الاستيطان يحصل بكل بناء متقارب لا يظعنون عنه شتاءً ولا صيفًا إذا كان مبنيًا بما جرت به عادتهم؛ من مدر، أو خشب، أو قصب، أو جريد، ونحو ذلك، فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك (٤). أما دليل اشتراط الاستيطان فإن قبائل العرب كانت حول المدينة فلم يأمرهم النبي ﷺ بجمعة. وكذلك لم يثبت عن النبي ﷺ أنه صلى جمعة في سفر من أسفاره، ولم ينقل ذلك عنه.

стр. 424

رابعًا: تقدم الصلاة بالخطبة: يشترط للجمعة تقدمها بخطبة، فإن لم يتقدمها خطبة لم تصح. ويشترط في الخطبة ما يأتي: ١ - أن تكون متقدمة على الصلاة، فإن خطب بعدها أعاد الصلاة. ٢ - وقوعها في وقت الجمعة، فإن وقعت الخطبة قبل وقت الصلاة لم تصح. ٣ - حضور الجماعة التي تنعقد بهم الجمعة، وقد مر ذكر الخلاف في العدد مع بيان الراجح. ٤ - حمد الله في الخطبة: وذهب إلى سنية الحمد في الخطبة الحنفية (١) والمالكية (٢). وذهب الشافعية إلى ركنيته (٣)، وذهب إلى أنه شرط الحنابلة (٤). والصحيح أن ذلك واجب في الخطبة ليس بركن ولا بشرط (٥). ٥ - الصلاة على النبي ﷺ : هذا هو الشرط الخامس من شروط الخطبة، وبهذا قال الشافعية (٦) والحنابلة (٧). واختار شيخ الإِسلام ابن تيمية أن ذلك واجب (٨) وليس بشرط ولا بركن، فتصح الخطبة بدونه مع حصول الإثم.

стр. 425

٦ - قراءة شيء من القرآن: وهذا هو المذهب عند الحنابلة (١)، وهو قول الشافعية (٢). والصحيح أنه لا يشترط ذلك، وهذا هو إحدى الروايتين في المذهب، فمتى تضمنت الخطبة الموعظة المؤثرة في إصلاح القلوب وبيان الأحكام الشرعية، صحت بذلك. ٧ - كون الخطبة باللغة العربية: فإن عجز عنها يكفي أن تكون فيها الآيات بالعربية. وأسقط المالكية (٣) الجمعة إِنْ عُدِمَ من يُحْسِن العربية، وأجاز الحنفية (٤) الخطبة بغير العربية. والصحيح إن كان يستطيع الخطبة بالعربية وجب عليه أداؤها بالعربية، لكن يشترط أن يكون الحاضرون ممّن يفهمون لغة العرب؛ لأن الغرض من الخطبة هو موعظة المدعُوِّ، فإن كان المدعو لا يفهم فات المقصود الأعظم من الخطبة وجاز أداؤها بلغتهم. حكم الإنصات للخطبة: إذا صعد الإِمام المنبر وجب على من حضر الصلاة الإنصات لخطبته ولا ينشغلون بكلام ولا بغيره. لكن اختلف الفقهاء فيما إذا دخل والخطيب يخطب، هل يصلي ركعتين تحية المسجد أم يجلس للاستماع؟
следующие страницы →