← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ثانيًا: الجماعة: يشترط لصلاة الجمعة حصولها في جماعة، فمتى صلاها منفردًا فلا تصح ويلزمه أن يعيدها ظهرًا؛ وذلك لحديث طارق بن شهاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة ... " (١). من أدرك مع الإِمام أقل من ركعة، هل يكون مدركًا للجمعة ؟ اختلف في ذلك الفقهاء: ١ - فالمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) على أن من أدرك مع الإِمام أقل من ركعة، فإنه لا يكون مدركًا للجمعة ويصليها ظهرًا. ٢ - وقال أبو حنيفة (٥): "تدرك وإذا صلى مع الإِمام جزءًا منها، وإن قل، فمتى أدرك المأموم الإِمام وهو في التشهد أو في سجدتي السهو فاقتدى به، فقد أدرك الصلاة، ويصليها ركعتين". والصحيح أن صلاة الجمعة تدرك مع الإِمام بإدراك ركوع وسجود من الركعة الثانية لمن فاتته الأول، فإن دخل في الصلاة ولم يلحق ركوع الثانية، أتمها ظهرًا. دليل ذلك: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك

стр. 422

ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (١). وقوله ﷺ : "إذا جئتم ونحن سجود فاسجدوا ولا تَعُدُّوهَا شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة" (٢). العدد الذي تتحقق به الجماعة للجمعة: فقد اختلف الفقهاء في العدد الذي تتحقق به الجماعة للجمعة: ١ - فالشافعية (٣) والحنابلة (٤) أنه لا يقل العدد عن أربعين رجلًا تجب في حقهم الجمعة. ٢ - ويشترط المالكية (٥) لحصول الجماعة للجمعة اثني عشر من أهلها، أي ممّن تجب عليهم الجمعة. ٣ - وذهب الحنفية (٦) إلى أنها تنعقد بواحد سِوَى الإِمام، وقيل بثلاثة سوى الإمام. والصحيح أن الجماعة تتحقق للجمعة بثلاثة أحدهم يخطب. وهو ما ذهب إليه شيخ الإِسلام ابن تيمية (٧)، وهو إحدى الروايتين عند الحنفية (٨)، وإحدى

стр. 423

الروايتين عن أحمد (١)، وبهذا قال الشيخان ابن باز وابن العثيمين (٢)، وبه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٣). ثالثًا: الاستيطان: اشترط الفقهاء للجمعة أن يكون أهل وجوبها مستوطنين بقرية، فإن كانوا في خيام ينتقلون، فلا تجب عليهم الجمعة ولا تصح منهم وحدهم. ومعنى مستوطنين: أي متخذيها وطنًا. وضد المستوطن: المسافر والمقيم؛ فالمسافر الذي على جناح سفر، والمقيم الذي ليس بمستوطن هو من يقيم ثم يسافر، فهؤلاء لا تلزمهم الجمعة، بل ولا تصح منهم وحدهم. واختلف الفقهاء في صفة الاستيطان، والصحيح ما ذهب إليه شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ أن الاستيطان يحصل بكل بناء متقارب لا يظعنون عنه شتاءً ولا صيفًا إذا كان مبنيًا بما جرت به عادتهم؛ من مدر، أو خشب، أو قصب، أو جريد، ونحو ذلك، فإن أجزاء البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك (٤). أما دليل اشتراط الاستيطان فإن قبائل العرب كانت حول المدينة فلم يأمرهم النبي ﷺ بجمعة. وكذلك لم يثبت عن النبي ﷺ أنه صلى جمعة في سفر من أسفاره، ولم ينقل ذلك عنه.

стр. 424

رابعًا: تقدم الصلاة بالخطبة: يشترط للجمعة تقدمها بخطبة، فإن لم يتقدمها خطبة لم تصح. ويشترط في الخطبة ما يأتي: ١ - أن تكون متقدمة على الصلاة، فإن خطب بعدها أعاد الصلاة. ٢ - وقوعها في وقت الجمعة، فإن وقعت الخطبة قبل وقت الصلاة لم تصح. ٣ - حضور الجماعة التي تنعقد بهم الجمعة، وقد مر ذكر الخلاف في العدد مع بيان الراجح. ٤ - حمد الله في الخطبة: وذهب إلى سنية الحمد في الخطبة الحنفية (١) والمالكية (٢). وذهب الشافعية إلى ركنيته (٣)، وذهب إلى أنه شرط الحنابلة (٤). والصحيح أن ذلك واجب في الخطبة ليس بركن ولا بشرط (٥). ٥ - الصلاة على النبي ﷺ : هذا هو الشرط الخامس من شروط الخطبة، وبهذا قال الشافعية (٦) والحنابلة (٧). واختار شيخ الإِسلام ابن تيمية أن ذلك واجب (٨) وليس بشرط ولا بركن، فتصح الخطبة بدونه مع حصول الإثم.

стр. 425

٦ - قراءة شيء من القرآن: وهذا هو المذهب عند الحنابلة (١)، وهو قول الشافعية (٢). والصحيح أنه لا يشترط ذلك، وهذا هو إحدى الروايتين في المذهب، فمتى تضمنت الخطبة الموعظة المؤثرة في إصلاح القلوب وبيان الأحكام الشرعية، صحت بذلك. ٧ - كون الخطبة باللغة العربية: فإن عجز عنها يكفي أن تكون فيها الآيات بالعربية. وأسقط المالكية (٣) الجمعة إِنْ عُدِمَ من يُحْسِن العربية، وأجاز الحنفية (٤) الخطبة بغير العربية. والصحيح إن كان يستطيع الخطبة بالعربية وجب عليه أداؤها بالعربية، لكن يشترط أن يكون الحاضرون ممّن يفهمون لغة العرب؛ لأن الغرض من الخطبة هو موعظة المدعُوِّ، فإن كان المدعو لا يفهم فات المقصود الأعظم من الخطبة وجاز أداؤها بلغتهم. حكم الإنصات للخطبة: إذا صعد الإِمام المنبر وجب على من حضر الصلاة الإنصات لخطبته ولا ينشغلون بكلام ولا بغيره. لكن اختلف الفقهاء فيما إذا دخل والخطيب يخطب، هل يصلي ركعتين تحية المسجد أم يجلس للاستماع؟

стр. 426

١ - فالحنفية (١) والمالكية (٢) على أنه يجلس ولا يصلي. ٢ - والشافعيُّ (٣) وأحمدُ (٤) يقولون: لا يجلس حتى يصلي ركعتين خفيفتين. وهذا هو الصحيح. دليل ذلك ما رواه جابر بن عبد الله ﵁ قال: "جاء سُلَيْكٌ الغَطَفَانِيُّ يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس، فقال له ﷺ : "يا سُلَيْكُ، قم فاركع ركعتين وتَجَوَّزْ فيهما" ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين وَلْيَتَجَوَّزْ فيهما" (٥) رواه البخاري ومسلمٌ. وحديث أبي قتادة السلمي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" (٦). الحكم فيما إذا اجتمع يوم عيد مع يوم جمعة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الحنفية (٧) والمالكية (٨) إلى أنه لا يباح لأحد ممّن تجب عليه الجمعة التخلف عنها إذا وافقت يوم عيد.

стр. 427

أما الحنابلة (١) فقالوا: بأنه يجوز لمن صلى العيد أن يصلي الجمعة ظهرًا؛ وذلك لأن النبي ﷺ صلى العيد وقال: "من شاء أن يصلي فليصلِّ" (٢). وقوله ﷺ : "قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون" (٣). الراجح: يتبين من الأدلة أنه إذا اتفق عيد في يوم جمعة، سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد، لكن يلزمه أن يصلي الظهر، أما الإِمام فإنها لا تسقط عنه إلا أن لا يجتمع له من يصلي الجمعة. وقد أخذ بذلك الشيخ ابن باز (٤). سنن الجمعة ومستحباتها: يسن للجمعة ما يلي: ١ - الاغتسال لها: وقد بينا أنه الراجح، وأنه من السنن المؤكدة وليس بواجب، وهذا هو ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٥). أما وقته فيمتد من طلوع فجر يوم الجمعة إلى وقتها، والأفضل أن يكون حين الرَّواح إليها. ٢ - ليس أحسن الثياب لها: وذلك لقوله ﷺ : "ما على أحدكم إن

стр. 428

وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته" (١). ٣ - التطيب لها: فعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويَدَّهِنُ من دُهْنِهِ، أو يمس من طيب بيته ثم يخرج لا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم يُنصت إذا تكلم الإِمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" (٢). ٤ - التبكير إليها: يستحب التبكير لصلاة الجمعة؛ وذلك للحديث المتقدم، أعني: حديث أبي هريرة ﵁: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بَدَنَةً ... " (٣). ٥ - الذهاب إليها ماشيًا: يسن أن يذهب إلى الجمعة ماشيًا على قدميه؛ وذلك لأن المشي أقرب للتواضع، ولأنه يرفع له بكل خطوة درجة، ويحط عنه بها خطيئة، فقد روى أحمد وأصحاب السنن عن النبي ﷺ قال: "من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثم بَكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يَلْغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها" (٤). ٦ - قراءة سورة الكهف في يومها: يسن قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة؛ لقوله ﷺ : "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما

стр. 429

بين الجمعتين" (١). ٧ - الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ : يسن الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة؛ لأن النبي ﷺ أمر بالإكثار من ذلك، قال ﷺ : "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ" (٢). ٨ - قراءة سورتي السجدة والإنسان في فجر يومها؛ وذلك لفعله ﷺ ، والسنة أن يقرأ بالسورتين كاملتين، أما ما يفعله بعض الناس من قراءة بعض السورتين، فهذا ليس تطبيقًا للسنة، فإما أن يقرأ بهما كاملتين، أو يقرأ بغيرهما.

стр. 430

صلاة العيدين: حكم صلاة العيدين: اختلف الفقهاء في حكمهما على ثلاثة أقوال: الأول: أنها فرض عين، وبه قال الحنفية (١)، واستدلوا لذلك بأن النبي ﷺ واظب عليها من دون تركها ولو مرة واحدة، وأمر النساء بالخروج إليها، حتى الحائض أمرها بذلك، وهذا ما رجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٢) -، وهو قول شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ (٣). الثاني: وهو ما ذهب إليه المالكية (٤) والشافعية (٥) إلى أن صلاة العيد سنة مؤكدة، واستدلوا لذلك بحديث الأعرابي حين قال: هل عليّ غيرها؟ قال ﷺ : "لا، إلا أن تَطَوَّعَ" (٦). الثالث: وهو مذهب الحنابلة (٧) فقد قالوا بأنها فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٨)، وهذا هو الصواب؛ لفعله ﷺ .

стр. 431

شروط صلاة العيدين: ١ - الاستيطان: أي: تقام في جماعة مستوطنين غير مسافرين، ودليل ذلك الشرط أن النبي ﷺ لم يقم صلاة العيدين إلا في المدينة، وسافر عام غزوة الفتح وبقي فيها إلى أول شوال وأدركه العيد، ولم ينقل أنه صلى صلاة العيد. وكذلك أهل البوادي الرُّحَّلُ غير المستقرين في مكان لا تلزمهم صلاة العيد. ٢ - العدد: يشترط لصلاة العيد بلوغها العدد الذي تنعقد به الجمعة، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك. والصحيح أن العدد الذي تنعقد به الصلاة وتجب به هو ثلاثة، فإن لم يكن في القرية إلا رجل واحد مسلم أو رجلان، فإنه لا تجب عليهم صلاة العيد. ٣ - الوقت: يشترط لصلاة العيد دخول وقتها: ووقتها كوقت صلاة الضحى؛ تكون من ارتفاع الشمس قيد رمح بعد طلوعها، وهو بمقدار ربع ساعة تقريبًا، وهذا هو قول الجمهور. أما الشافعية (١) فيرون أن وقتها ما بين طلوع الشمس وزوالها؛ وذلك لأنها من ذوات الأسباب؛ فلا تراعى فيها الأوقات التي لا تجوز فيها الصلاة. والصحيح: هو القول الأول؛ لأنه فعل النبي ﷺ . وهذا هو أول وقتها، لكن هل يجوز تأخيرها؟ أما تأخيرها حتى يخرج وقتها، وهو بعد الزوال، فهذا لا يجوز، ويسن تأخيرها قليلًا، وهذا بالنسبة لصلاة عيد الفطر؛ لكي يتسنى للناس إخراج زكاة

стр. 432

فطرهم. أما عيد الأضحى فالأولى عدم التأخير، بل يبادر في أدائها في أول الوقت؛ لكي يفرغ المسلمون بعدها لذبح ضحاياهم. حكم أدائها بعد خروج وقتها: هذه المسألة لها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن لا تصلى جماعة في وقتها يوم العيد، كأن غُمّ عليهم الهلال ثم شهد شهود عند الإِمام بعد الزوال أنهم رأوا الهلال. فهنا تصلى في اليوم الثاني من العيد سواء كان عيد فطر أو عيد أضحى، وهذا هو قول الحنفية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣). أما المالكية (٤) فقد أطلقوا القول بعدم القضاء في مثل هذه الحال، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من قضائها في اليوم الثاني، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٥). الحالة الثانية: أن تؤدى في جماعة وتفوت بعض الناس. فقد اختلف الفقهاء في هذه الحالة أيضًا: ١ - فالحنفية (٦) على أنها لا تقضى مهما كان العذر؛ لأنها صلاة خاصة لم تشرع إلا في وقت معين وبقيود خاصة، فلا بد من تكاملها جميعًا.

стр. 433

٢ - يرى الشافعية (١)، على الصحيح عندهم، أنها تقضى في أي وقت شاء وكيفما كان، منفردًا أو جماعة؛ لأن النوافل كلها تقضى عندهم. ٣ - أما الحنابلة (٢) فقالوا: يستحب له قضاؤها. وإن شاء صلاها أربعًا، إما بسلام واحد أو بسلامين. ٤ - أما المالكية (٣) فيرون أن من فاتته مع الإِمام فله فعلها مع الإِمام إلى الزوال، ولا تقضى بعد الزوال. والصحيح: أن من فاتته صلاة العيد فإنه يصليها على صفتها التي سنذكرها -إن شاء الله تعالى- وإذا جاء متأخرًا وفاتته الصلاة ووجد الإِمام يخطب، فإن الأفضل في حقه أن يستمع الخطبة ثم يقضي الصلاة بعد ذلك؛ حتى يجمع بين المصلحتين. لكن إذا كانت صلاة العيد تؤدى داخل المساجد، كأن يكون يومًا مطيرًا أو ريحًا باردةً ونحو ذلك من الأعذار، ثم دخل من فاتته صلاة العيد- هل يجلس للاستماع للخطبة أم يصلي؟ وهل الأولى أن يصلي تحية المسجد أم يصلي العيد؟ الصواب هنا: أنه يصلي تحية المسجد ويجلس للاستماع. الحالة الثالثة: أن يؤخر صلاة العيد لغير عذر حتى فات وقتها: فبعض الفقهاء قالوا ينظر هل هي صلاة عيد أضحى أم فطر؛ فإن كانت صلاة أضحى جاز قضاؤها؛ لأنه يجوز تأخيرها إلى اليوم الثالث من أيام التشريق

стр. 434

مع لحوق الإساءة، أما إن كان عيد فطر فإنها لا تقضى بعد الزوال؛ لسقوطها أصلًا. والصواب: أن هذه الصلاة فرض كفاية، كما ذكرنا، إن أداها بعض الناس سقط الإثم عن الباقين، ولا يلزم من تركها أداؤها، ولا يلحقه إثم ولا إساءة إن كان هناك من يؤديها. صفتها: ١ - صلاة العيد ركعتان، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم. ٢ - تبدأ الركعة الأولى بتكبيرة الإحرام كسائر الصلوات. ٣ - يسن أن يكبر المصلي تكبيرات زوائد أخرى، اختلف الفقهاء في عددها: أ- فالشافعية (١) على أنها سبع في الركعة الأولى، بين تكبيرة الإحرام وبدء القراءة، وخمس في الركعة الثانية بين تكبيرة القيام وبدء القراءة. دليل ذلك ما رواه أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن النبي ﷺ كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة، سبعًا في الأولى، وخمسًا في الآخرة" (٢). ب- وذهب المالكية (٣) والحنابلة (٤) إلى أنها ست تكبيرات في الركعة الأولى عقب تكبيرة الإحرام، وخمس في الثانية عقب القيام إلى الركعة الثانية، أي: قبل القراءة في الركعتين. وبذلك صدرت الفتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (٥).

стр. 435

ج- أما الحنفية (١) فالتكبيرات الزوائد عندهم ثلاث، وهي: ثلاث تكبيرات بين تكبيرة الإحرام والركوع في الأولى، ومثلها أيضًا بين تكبيرة القيام والركوع في الركعة الثانية. والذي يظهر أن الأمر في ذلك واسع، ولله الحمد، فلو خالف وجعل التكبيرات خمسًا في الأولى والثانية، أو سبعًا في الأولى والثانية، كما جاء ذلك عن الصحابة -رضوان الله عليهم- فلا حرج في ذلك، وبهذا قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٢). لكن هل ورد ذكر مشروع بين التكبيرات ؟ المذهب عند الحنابلة (٣) أنه يشرع أن يقول: "الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، وصلى الله على محمَّد النبي"، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة (٤)، وهذا هو الصحيح. وقال بعض العلماء: إنه لا يسن بين التكبيرات ذكر، ولا تسبيح، ولا نحوه، بل المشروع السكوت، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ وهذا أقرب للصواب (٥). ١ - يشرع للمصلي أن يرفع يديه عند التكبيرات الزوائد. ٢ - يسن للإمام أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بسبح، وفي الثانية بالغاشية؛ لثبوت ذلك عنه ﷺ ، وله أن يقرأ في الأولى بـ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ

стр. 436

الْمَجِيدِ﴾ (١)، وفي الثانية بـ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (٢) إن لم يكن هناك مشقة. ٣ - إذا انتهى الإِمام من صلاته خطب الناس، لكن هل يخطب خطبتين كالجمعة، أم المسنون خطبة واحدة؟ المذهب عند الحنابلة (٣) أنه يخطب خطبتين كالجمعة، وهذا هو الصواب. مكان صلاة العيد: يسن الخروج لصلاة العيد إلى الصحراء، أو إلى مفازة واسعة خارج البلد؛ وذلك لفعله ﷺ ، ولم يخالف في ذلك أحد من الأئمة. لكن الشافعية (٤) قيدوا أفضلية الصلاة في الصحراء بما إذا كان المسجد لا يسع المصلين، فهنا الأفضل الخروج إلى المصلى، أما إذا كان المسجد لا تحصل فيه مزاحمة، فالأفضل الصلاة فيه، وعللوا لذلك بأن المسجد أنظف وأشرف، ولأن الأئمة لا يزالون يصلون العيد بمكة في المسجد. والصحيح ما ذهب إليه الأولون من أن السنة في صلاة العيد أن تصلى في المُصَلِّى، بل لا ينبغي صلاتها في الجوامع إلا لعذر؛ كمطر، ورياح شديدة، ونحو ذلك. وقولنا بأنه لا ينبغي هنا؛ لأن صلاتها في المسجد يفوت به مقصود عظيم وكبير وهو إظهار هذه الشعيرة وإبرازها.

стр. 437

وهذا شيء مقصود شرعًا، وما ذهب إليه الشافعية مدفوع بأن النبي ﷺ ترك مسجده وصلى في الصحراء، مع أن الصلاة في مسجده لها مَزِيَّةٌ خاصة. أما أهل مكة فكونهم كانوا يصلون العيد في المسجد الحرام، فلعل -والله أعلم- الصلاة في الصحراء في مكة صعبة؛ لأنها جبال وأودية، فيشق على الناس الخروج، ولهذا كانت صلاة العيد في المسجد الحرام نفسه. الأذان والإقامة للعيدين: ليس لصلاة العيد أذان ولا إقامة؛ فقد ثبت عنه ﷺ أنه صلاها من غير أذان ولا إقامة، فعن ابن عباس وجابر بن عبد الله ﵄ قالا: "لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى، إنما الخطبة بعد الصلاة" (١). وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين، بغير أذان ولا إقامة" (٢). هل يقال في العيدين: الصلاة جامعة ؟ ذهب بعض الفقهاء إلى أنه ينادى لها: "الصلاة جامعة". والصحيح أنه لا يشرع ذلك؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة. هل يصلى قبل العيد أو بعدها ؟ لم يثبت عن النبي ﷺ أنه صلى قبل صلاة العيد ولا بعدها، فعن ابن عباس ﵁: "أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها،

стр. 438

ومعه بلال" (١). هذا إن صلاها في المصلى. أما إن صلاها في المسجد فالمسنون أن يصلي تحية المسجد، وهذا هو اختيار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢)، وهو الصحيح؛ لما ورد في تحية المسجد. واختار الشيخ ابن عثيمين (٣) ﵀: "من دخل مصلى العيد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لعموم قوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" (٤)، ومصلى العيد مسجد؛ لأن النبي ﷺ أمر الحُيَّضَ أن يَعْتَزِلْنَهُ". الخروج إلى المصلى والرجوع منه: ١ - يستحب التبكير إلى صلاة العيد ودنوه من الإِمام؛ ليحصل له أجر التبكير وانتظار الصلاة. ٢ - ويستحب له أيضًا أن يخرج ماشيًا وعليه السكينة والوقار. ٣ - ويستحب أن يخالف الطريق؛ فيذهب من طريق، ويرجع من طريق. ٤ - يسن له الخروج مكبرًا، أي قائلًا: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. ٥ - الأفضل أن يتناول تمرات قبل خروجه لعيد الفطر؛ وذلك لفعله ﷺ ، أما الأضحى فالأفضل ألا يأكل شيئًا قبل خروجه للصلاة حتى يرجع فيأكل من أضحيته.

стр. 439

التكبير المطلق، والتكبير المقيد: التكبير للعيدين منه ما هو مطلق، ومنه ما هو مقيد، فالمطلق هو الذي يسن في كل وقت، والمقيد هو الذي يسن في أدبار الصلوات المكتوبة، ويبدأ المقيد من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، أما المطلق فيسن في عيد الفطر، وفي عشر ذي الحجة وفي أيام التشريق.

стр. 440

صلاة الكسوف أولًا: تعريفها: هي صلاة تؤدى بكيفية مخصوصة عند ظلمة أحد النَّيِّرَيْنِ: الشمس، أو القمر. ثانيًا: دليل المشروعية: وردت السنة بمشروعية صلاة الكسوف، ومن ذلك: ما رواه البخاري ومسلمٌ عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي" (١). ثالثًا: حكم صلاة الكسوف: ١ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن صلاة الكسوف سنة مؤكدة، واستدلوا لذلك بحديث شعبة المتقدم، فقالوا بأن النبي ﷺ أمر بها وفعلها، فدل ذلك على أنها سنة مؤكدة، وقالوا بأن الصارف عن الوجوب حديث الأعرابي، وفيه: أنه سأل عن الصلوات الخمس ثم قال: هل عليَّ غيرها؟ فقال له ﷺ : "لا، إلا أن تطوع شيئًا" (٢).

стр. 441

٢ - وذهب بعض أهل العلم إلى القول بوجوب صلاة الكسوف، وهو قول عند الحنفية (١)، وبه قال الشيخ ابن العثيمين (٢). قال ابن القيم في كتاب الصلاة (٣): وهو قول قوي أي القول بوجوبها، وعللوا ذلك لأمر النبي ﷺ بها، وخروجه إليها فَزِعًا، وقال: "إنها تخويف" وخطب خطبة عظيمة، وعرضت عليه الجنة والنار، فكل هذه القرائن العظيمة تشعر بالوجوب. وأجابوا عن حديث الأعرابي بأن النبي ﷺ ذكر الصلوات الخمس؛ لأنها اليومية التي تتكرر في كل زمان وفي كل مكان، بخلاف هذه الصلاة فإنها تجب بأسبابها، وما وجب بسبب ليس كالواجب المطلق. فلو نذر شخص أن يصلي ركعتين مثلًا، فإنه يجب عليه ذلك، مع أنها ليست من الصلوات الخمس. والصحيح أن صلاة الكسوف سنة مؤكدة؛ لقوة أدلة من قال بذلك، وبهذا قال الشيخ عبد العزيز بن باز (٤). رابعًا: وقت صلاة الكسوف: يبدأ وقتها من ظهور الكسوف إلى حين زواله؛ وذلك لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: "إذا رأيتموها فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي" (٥).

стр. 442

ومن هنا نعلم أنه لا تشرع صلاة الكسوف قبل حصوله اعتمادًا على ما يقول به الْفَلَكِيُّونَ، بل لا بد من رؤيته رؤية عادية لا يستخدم فيها نظارات أو مكبرات ونحوه. خامسًا: حكم صلاة الكسوف في الأوقات المنهي عنها: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: الأول: أنها لا تصلى في أوقات النهي، لعموم الأدلة الواردة في النهي عن الصلاة في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وقد ذكرنا هذه الأدلة سابقًا، وهذا هو قول الحنفية (١)، وهو ظاهر مذهب الحنابلة (٢)، ورواية عن الإِمام مالك (٣)، وقالوا بأنه يجعل مكانها الاستغفار والتهليل والتسبيح، ونحو ذلك غير الصلاة. القول الثاني: أنها تصلى في أوقات النهي؛ لأنها من ذوات الأسباب، فتصلى في أي وقت كالصلوات التي لها أسباب، وهذا هو قول الشافعية وهو القول الصحيح. سادسًا: حكم الجماعة لها: اتفق الفقهاء على أداء صلاة كسوف الشمس جماعة، أما في خسوف القمر فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: الأول: قول أبي حنيفة (٤) ومالك (٥) أنه يصلى لخسوف القمر وُحْدَانًا ركعتين

стр. 443

ركعتين، ولا يصلون جماعة، وعللوا لذلك بأنه لم يقل عن النبي ﷺ أنه صلى لها جماعة، مع أن خسوفه كان أكثر من كسوف الشمس. القول الثاني: وهو مذهب الحنابلة (١) إلى أنها تصلى جماعة ككسوف الشمس. الراجح: أن صلاة خسوف القمر تصلى جماعة مثل الكسوف؛ وذلك لحديث عائشة الصحيح أن النبي ﷺ قال: "إن الشمس والقمر لا يُخْسَفَانِ لموت أحد ولا لحياته ... فإذا رأيتم ذلك فافزعزا إلى الصلاة" (٢). سابعًا: صفتها: اتفق الفقهاء على أن صلاة الكسوف ركعتان، لكنهم اختلفوا في الكيفية: فذهب المالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) إلى أنها ركعتان، في كل ركعة قيامان وقراءتان، وركوعان، وسجدتان. واستدلوا لذلك بحديث عائشة ﵂ قالت: "كسفت الشمس على عهد رسول ﷺ ، فقام النبي ﷺ فصلى بالناس فأطال القراءة، ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه فأطال القراءة، وهي دون قراءته الأولى، ثم ركع فأطال الركوع دون ركوعه الأول، ثم رفع رأسه فسجد سجدتين، ثم قام، فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك، ثم قام فقال: "إن الشمس والقمر لا يُخْسَفَانِ لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله يريهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة" (٦).

стр. 444

وقال الأحناف (١): إنها ركعتان، في كل ركعة قيام واحد وركوع واحد كسائر النوافل. والأولى العمل وفق ما ذهب إليه الأولون؛ لأن الرواية التي احتج بها الجمهور هي أشهر الروايات، ولذا فالعمل بها أولى. ثامنًا: حكم الجهر في صلاة الكسوف: اختلف الفقهاء في حكم الجهر في صلاة الكسوف: ١ - فذهب الجمهور إلى أنه لا يجهر في كسوف الشمس؛ لأنها صلاة نهار، وصلاة النهار سرية، أما خسوف القمر فإنه يشرع فيها الجهر بالقراءة. ٢ - وذهب الإِمام أحمد (٢)، وهو رواية عن مالك (٣)، إلى مشروعية الجهر بالقراءة فيها، واحتجوا لذلك بما رواه البخاري عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ صلى الخسوف فجهر فيها بالقراءة" (٤) ولأنها نافلة شرعت لها الجماعة فكان من سنتها الجهر، وهذا هو الصحيح، عملا بهذا الحديث. أما عن صفتها فهي أن يصلي الإِمام بالناس ركعتين، في كل ركعة قراءتان، وركوعان، وسجدتان، كما ذكرنا، يطيل القراءة والركوع والسجود، وتكون القراءة في الأولى أطول من الثانية، والركوع الأول أطول من الركوع الثاني، وهكذا القراءة في الركعة الثانية أقل من القراءة في الركعة الأولى، ثم يكون الركوع في الثالث أخف من الركوعين الأولين، وهكذا القراءة في الثانية من الركعة الثانية

стр. 445

أخف من القراءة الأولى فيهما، وهكذا الركوع الثاني أخف من الركوع الأول فيهما، أما السجدتان في الركعتين فيسن تطويلهما تطويلًا لا يشق فيه على الناس. تاسعًا: هل يشرع لها خطبة ؟ ١ - الجمهور على أنه لا يشرع لها خطبة بعدها ولا قبلها. ٢ - وقال الشافعية (١): يسن أن يَخْطُبَ لها بعد الصلاة خُطْبَتَيْنِ كخطبتي العيد، واحتج الشافعية لذلك بما رواه مسلم من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن الشمس والقمر من آيات الله، وإنهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فكبِّروا وادعوا الله وصلوا وتصدقوا" (٢). والصحيح في ذلك أنه يشرع للإمام إذا انتهى من صلاته، عملًا بالحديث، أن يقبل على الناس بوجهه ويذكرهم وَيَعِظَهُمْ، إن كان لديه علم، ويخبرهم أن كسوف الشمس وخسوف القمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، وأن حصول ذلك لا يكون إلا بسبب الذنوب والمعاصي، ويخوفهم من سخط الله وعقابه، نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين. عاشرًا: إذا صلى الناس ولم يَنْجَلِ الكسوف، هل تكرر الصلاة ؟ إذا صلى الناس الكسوف ولم ينجل فإنه لا يشرع تكرار الصلاة، بل الذي يشرع الإكثار من الذكر والتكبير والصدقة والعتق؛ لوجوب الحث على ذلك، كما تقدم في حديث عائشة ﵂ المتقدم.

стр. 446

صلاة الكسوف عند خسوف القمر وقبل طلوع الشمس: يرى بعض الفقهاء أنها لا تصلى؛ لأنه وقت نهي، والصحيح أنها تصلى إذا كان القمر لولا الكسوف لأضاء، أما إن كان النهار قد انتشر، فهنا قد ذهب سلطانه والناس لا ينتفعون به، سواء كان كاسفًا أو مبدرًا. إذا نزل بالمسلمين نازلة، كزلزلة أو عواصف عظيمة تخيف الناس، أو رياح شديدة مهلكة ونحو ذلك من الآيات الكونية، فهل يصلى لها؟ اخْتُلِفَ في ذلك على أقوال: الأول: ذهب الحنفية (١) إلى أنه يصلى لكل ما يُفْزعُ؛ كرياح، وزلازل، وظلمة نهار، وبياض ليل، وغير ذلك من الأهوال. الثاني: يرى الحنابلة (٢) أنه لا يصلى لكل ذلك إلا لزلزلة دائمة، فيصلى لها كصلاة الكسوف، أما غيرها فلا يصلى لها، واحتجوا لذلك بفعل ابن عباس ﵄ حين كانت الزلزلة بالبصرة. الثالث: ذهب الشافعية (٣) إلى أنه لا يصلى لغير الكسوفين صلاة جماعة، بل يتضرع بالدعاء، ويستحب أن يصلوا منفردين. الرابع: وذهب المالكية (٤) إلى أنه لا يصلى مطلقًا. والصحيح: ما ذهب إليه الأحناف، وقد أخذ به الشيخ ابن العثيمين (٥).

стр. 447

ما بعد الركوع الأول في صلاة الكسوف هو سنة وليس ركنًا، وعلى ذلك لو صلاها كما تصلى النافلة، أي: يجعل في كل ركعة ركوعًا واحدًا، فلا بأس. لا تدرك الركعة من صلاة الكسوف بالركوع الثاني من الركعة الأولى، وإنما تدرك بالركوع الأول فيها، وعلى ذلك لو دخل مسبوق مع الإِمام بعد أن رفع رأسه من الركوع الأول، فإن هذه الركعة تعتبر قد فاتته فيقضيها؛ لأن الركوع الأول ركن، والثاني سنة.

стр. 448

الفِقهُ الميَسَّر كتاب الجنائز

стр. 449

كتاب الجنائز تعريف الجنائز: الجنائز جمع "جَنازة" بالفتح: الميت، وبالكسر "جِنازة": السرير الذي يوضع عليه الميت، وقيل بالعكس. وقيل: "جِنازة" بالكسر: السرير مع الميت، فإن لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش (١) ذكر بعض الأحكام المتعلقة بالمريض: ١ - يجب على المريض أن يؤمن بقضاء الله، وأن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن يصبر على قدر الله تعالى، ويحسن الظن بربه ، وأن يكون بين الخوف والرجاء، ولا يتمنى الموت. ٢ - ويجب عليه أيضًا أن يتخلص من حقوق الناس، وأن يؤدي حق ربه . ٣ - ويسن له أيضًا أن يكتب وصيته، ويوصي أولاده بتقوى الله تعالى، وأن يحرصوا على هذا الدين، قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢). ٤ - ويسن للمريض أيضًا أن يوصي لأقاربه الذين لا يرثونه؛ فيوصي لهم بالثلث فأقل، وهذا هو الأفضل، ولا يجوز له أن يوصي لوارث؛ لقوله ﷺ :

стр. 450

"لا وصية لوارث" (١). ٥ - يشرع للمريض أن يتداوى، وقد اختلف الفقهاء في حكم التداوي: ١ - فذهب الحنفية (٢) والمالكية (٣) إلى أنه يباح التداوي. ٢ - وذهب الشافعية (٤) إلى استحبابه؛ لقوله ﷺ : "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام" (٥). ٣ - وذهب جمهور الحنابلة (٦) إلى أن تركه أفضل، ونص عليه أحمد. قالوا: لأنه أقرب إلى التوكل. ٤ - وذهب بعض العلماء إلى أنه يجب إذا ظن نفعه. والراجح: نرى أنه يمكن الجمع بين الأقوال على النحو الآتي: أ- إن كان في ترك التداوي الهلاك وغلب على الظن نفع التداوي مع احتمال الهلاك بعدمه، فهنا يجب التداوي، مثل السرطان الموضعي، فإذا كان يترتب على إزالته جزء من البدن مع نجاة المصاب منه، فهنا يجب. ب- أما إن غلب على الظن نفع التداوي ولكن ليس هناك هلاك محقق

стр. 451

بتركه، فهو أفضل. ج- إذا تساوى فيه الأمران، بمعنى أنه ظن نفعه مع احتمال الهلاك به أي (بالتداوي)، فهنا الأفضل تركه؛ لئلا يلقي بنفسه إلى تَهْلُكَةٍ. ٦ - لا يجوز استطباب غير مسلمين إلا بشرطين: الحاجة إليهم، والأمن من مكرهم؛ وذلك لأن غير المسلمين لا يأمن مكرهم؛ فقد يعطونه دواء فيه هلاكه. ٧ - يسن لمن علم بمرض أخيه المسلم عيادته؛ لقوله ﷺ : "حق المسلم على المسلم خمس" وفي رواية: "ست"، وفيه قوله: "وإذا مرض فَعُدْهُ" (١). وقد اختلف الفقهاء في حكم عيادة المريض، والذي يظهر أن عيادة المريض واجبة على الكفاية؛ أي: يجب على المسلمين أن يعودوا مرضاهم. لكن إن كان المريض أبًا أو أمًا أو أخًا، فهنا يكون الوجوب عينيًا. ٨ - الأفضل لمن عاد مريضًا أن لا يتأخر عنده، بل يبادر بالانصراف؛ لأن المريض قد يثقل عليه ذلك، إلا إذا كان هذا المريض يحب من يعوده ويرغب أن يبقى عنده ويتحدث إليه. ٩ - هل يكفي الاتصال الهاتفي عن العيادة؟ الاتصال الهاتفي لا يغني عن العيادة، لا سيما القرابة، أما إذا كان المريض بعيدًا ويحتاج إلى سفر إليه، فيغني. ١٠ - يسن لمن عاد مريضًا أن يرقيه، لا سيما إذا كان المريض ممّن يشوق لذلك ويرغب فيه، ومعلوم ما في الرقية من النفع العظيم للمريض.

стр. 452

ذكر أحكام الاحتضار: ١ - المحتضر هو مَنْ حضره الموت، والمراد به مَنْ قرب موته. وقد ذكر العلماء للاحتضار علامات: أن تسترخي قدماه فلا تنتصبان، ويعوج أنفه، ويَنْخَسِفَ صِدْغَاهُ، ويمتد جلد جبهته، فلا يرى فيه تَعَطُّفٌ، وغير ذلك من علامات الاحتضار. ٢ - عند حضور علامات الموت لشخص ما يشرع لمن حضر عنده أمور منها: أولًا: تلقينه الشهادة؛ لقوله ﷺ : "لَقّنُوا موتاكم لا إله إلا الله" (١)، وقوله: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله عند الموت، دخل الجنة يومًا من الدهر، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه" (٢). ثانيًا: أن يدعو له. ثالثًا: لا يقول في حضوره إلا خيرًا؛ لقوله ﷺ : "إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا، فإن الملائكة يؤمّنون على ما تقولون" (٣). لكن هل التلقين للشهادة يكون بذكرها بحضرة الميت وتسميعها إياه، أم يكون بأمره أن يقولها؟ ظاهر الحديث أنه يكون بأمره بقولها، وبدليل حديث أنس ﵁ "أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من الأنصار فقال: "يا خال، قل لا إله إلا الله"، فقال:

стр. 453

أخال أم عم؟ فقال: "لا، بل خال"، فقال: فخير لي أن أقول لا إله إلا الله؟ فقال النبي ﷺ : "نعم" (١). ٣ - ذهب بعض الفقهاء إلى قراءة سورة يس عند المحتضر؛ لقوله ﷺ : "اقرءوا على موتاكم يس" (٢). والحديث فيه ضعف. وعللوا أيضًا بأن قراءتها فيها تخفيف لخروج الروح، ولأن فيها تشويقًا كما في قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ (٣)، وفيها قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ في شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ (٤). وإذا قرأ القرآن عند المحتضر أو المريض فهذا أمر طيب، ولعل الله أن ينفعه به. ٤ - ذهب بعض الفقهاء إلى توجيه المحتضر إلى القبلة؛ لقوله ﷺ : "البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا" (٥) فيجعل المحتضر على جنبه الأيمن ويوجه إلى القبلة كما يوضع في اللحد. وذهب بعض العلماء إلى عدم استحباب ذلك؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة. والذي اختاره سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز استحباب توجيه المحتضر للقبلة (٦).

стр. 454

ما يشرع بعد الموت: ١ - اتفق الفقهاء على أنه إذا مات الميت شُدَّ لحِيَاهُ وغمضت عيناه؛ لفعله بخلاف ﷺ بأبي سلمة ﵁؛ فقد روى مسلم أن النبي ﷺ دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه وقال: "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر" (١). ٢ - يتولى أرفق أهله به إغماضه بأسهل ما يقدر عليه، ويشد لِحْيَاهُ بعصابة عريضة يشدها في لحيه الأسفل ويربطها فوق رأسه ويقول مع تغميضه: "بسم الله وعلى ملة رسول الله" ويدعو للميت بقوله: "اللَّهم يسر عليه أمره وسهل عليه ما بعده وأسعده بلقائك، واجعل ما خرج إليه خيرًا مما خرج منه". ٣ - يشرع أيضًا تليين مفاصل المتوفى ورد ذراعيه إلى عَضُدَيْهِ، ويرد أصابع كفيه ثم يمدها، ويرد فخذيه إلى بطنه وساقيه إلى فخذيه ثم يمدها أيضًا. ٤ - يستحب أيضًا أن تنزع ثياب المتوفى الذي مات فيها وَيُسَجَّى جميع بدنه بثوب، فقد روى البخاري ومسلمٌ عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ حين توفي سُجِّيَ بِبُرْدِ حِبَرَهٍ" (٢). ٥ - ينبغي أن يجعل الميت على شيء مرتفع؛ كسرير أو لوح مرتفع؛ لئلا تصيبه نَدَاوَةُ الأرض فيتغير ريحه، ولئلا تؤذيه هَوَامُّ الأرض، ولذلك يجعل على بطنه حديد أو طين يابس؛ لئلا ينتفخ، هذا إذا لم يكن هناك سرعة في تجهيزه وليس هناك ثلاجات تحفظ الميت.

стр. 455

٦ - يستحب لأهل الميت أن يخبروا جيرانه وأصدقاءه وأقاربه، وذلك ليقوموا بتجهيزه وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه والدعاء له. ويكره النَّعْيُ؛ وهو النداء في الناس بموته؛ لحديث حذيفة ﵁: "سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي" (١). أما الإعلام به لا على صورة نعي الجاهلية المشتمل على ذكر المفاخر ونحو ذلك، فلا بأس به (٢)؛ لحديث أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ نعى النَّجَاشِيَّ في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعًا" (٣)، وحديث أبي هريرة ﵁: أن رجلًا أسود أو امرأة سوداء كان يَقُمُّ المسجد فمات فسأل النبي ﷺ عنه فقالوا: مات، قال: "أفلا كنتم آذَنْتُمُوني به، دُلُّوني على قبره"، أو قال: "قبرها"، فأتى قبرها فصلى عليها (٤). ٧ - يستحب المسارعة بقضاء دين الميت؛ لقوله ﷺ : "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" (٥).

стр. 456

لكن إن كان الميت فقيرًا وعليه دين، فقال الحنابلة (١): إن تعذر الوفاء استحب للورثة أو غيرهم أن يتكفلوا عنه، فالكفاله بدين الميت صحيحة عند أكثر الفقهاء، وخالف أبو حنيفة (٢) فقال: الكفالة لا تصح على ميت مُفْلِسٍ. والصحيح ما ذهب إليه أكثر الفقهاء وهو استحباب ذلك. ٨ - يسن الإسراع بتجهيز الميت إن تيقن موته ولا يؤخر؛ لقوله ﷺ : "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظَهْرَانِي أهله" (٣)، ولقوله ﷺ : "أسرعوا بالجنازة؛ فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن يك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" (٤). ٩ - يحرم النَّوْحُ والصياح وشق الجيوب وغير ذلك من دعوى الجاهلية، وذلك في منزل الميت أو في أثناء الجنازة أو في أي محل آخر، وذلك لورود النهي عن ذلك؛ فعن أبي موسى الأشعري ﵁: "إن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشَّاقَّة (٥) " (٦). وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : "ليس منا من ضرب الخدود وشق

стр. 457

الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" (١). أما البكاء بغير رفع الصوت، أي: بدمع العين، فهذا جائز؛ لقوله ﷺ عند موت ابنه إبراهيم: "إن العين تَدْمَعُ والقلب يحزن، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون" (٢). وجاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم: عن أسامة بن زيد أن النبي ﷺ رفع إليه ابن لابنته ونفسه تَتَقَعْقَعُ، ففاضت عيناه وقال: "هذه رحمه جعلها الله في قلوب عباده" (٣).

стр. 458

تغسيل الميت وتكفينه حكم تغسيل الميت: اتفق جمهور الفقهاء على أن تغسيل الميت واجب على الكفاية؛ إذا قام به البعض سقط عن الباقين. ما يشترط في مباشر التغسيل: ١ - كونه مسلمًا، فقد ذهب الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) إلى اشتراط كون المباشر للتغسيل مسلمًا، فلا يصح تغسيل الكفار للمسلم؛ لأن التغسيل عبادة، والكافر ليس من أهلها. ٢ - أن يتولى تغسيل الميت من جنسه؛ فلا يغسل الرجال إلا الرجال، ولا يغسل النساء إلا النساء، إلا الزوجة: فيجوز لها تغسيل زوجها، والعكس إذا لم يحدث قبل موته ما يوجب البَيْنُونَةَ. والأصل في تغسيل الزوجة لزوجها حديث عائشة، وفيه قوله ﷺ لعائشة ﵂: "ما ضرّك لو متِّ قبلي فغسَّلتك وكفَّنتك ثم صليت عليك ودفنتك" (٥)، وقول عائشة ﵂ أيضًا: "لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبيَّ ﷺ غيرُ نسائه" (٦).

стр. 459

فإذا مات الرجل بين نسوة غير زوجته ولا يوجد رجل يقوم بتغسيله، وكذلك إذا ماتت امرأة ولم يوجد نسوة يقمن بتغسيلها، فهنا يشرع التيمم بنية الوضوء والغسل جميعًا، تغليبًا لجانب المحافظة على العورات. فإن الغالب ممّن يباشر تغسيل الميت، ولو بِصَبِّ الماء عليه، أن يقع بصره على شيء من عورته، وأن يمسه ويقلِّبه؛ ليتمكن من تعميم الماء على جسده. أما تغسيل الأطفال الصغار فلا حرج بتغسيل الرجال والنساء لهم، قال ابن المنذر: "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة تغسل الصبي الصغير" (١). أما حد الصِّغر فقد اختلف فيه الفقهاء؛ فالحنفية (٢) والشافعية (٣) قيدوا الصغر بالذي لا يشتهي، وقيده المالكية (٤) بثمان سنين فما دونها، وقيده الحنابلة (٥) بدون سبع سنين، وهذا هو الصحيح وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز (٦). والمصرح به في مذهب الحنابلة أن الرجل لا يغسل الصبية إلا ابنته الصغيرة، قال ابن قدامة (٧): والصحيح ما ذهب إليه السلف من أن الرجل لا يغسل الجارية. ٣ - كون الغاسل عارفًا بكيفية الغسل، فإذا كان المغسل غير عارف بكيفية الغسل، فلا يجوز له تغسيل الميت.

стр. 460

لكن إن كان الميت أوصى لِزَيْدٍ من الناس بتغسيله وهو لا يعرف كيفية الغسل، فهل تنفذ وصيته؟ لا شك أن تنفيذ الوصية واجب عند الاستطاعة والتمكين، لكن ما دام الأمر كذلك، فإن استطاع تعليم الموصى كيفية التغسيل أو أمكن حضور بعض الناس ممّن يعلم الغسل وإرشاده ويقول: افعل كذا افعل كذا، لزم ذلك، وإلا فلا يلزم تنفيذها؛ لوقوعها في محل غير قابل للتنفيذ. الأحق بتغسيل الميت: الأحق بتغسيل الميت وصيّه ثم أبوه ثم جده ثم الأقرب فالأقرب من عصباته ثم ذوو أرحامه. وهذا الترتيب يحتاج إليه عند حصول المُشَاحَّةِ، لكن إن كان الوضع على ما هو عليه الآن في عصرنا هذا من عدم المشاحة، فإنه يتولى تغسيله من يتولى غسل عامة الناس. حكم تغسيل المسلم للكافر: ذهب جمهور العلماء إلى تحريم تغسيل المسلم للكافر؛ لأن الكافر ليس من أهل الكرامة والتعظيم، والغسل يوجبهما. وذهب الحنفية (١)، وهو المذهب عند الشافعية (٢)، إلى جواز تغسيل المسلمين غيرهم من الكافرين. والصحيح أنه يحرم تغسيل المسلم للكافر؛ لأنه ليس له حرمة، بل يوارى فقط عن أعين الناس؛ حتى لا يتأذى الناس برائحته.
следующие страницы →