وذلك لأن في الجلوس قبل وضعها ازْدِرَاءً بها، فإذا وضعت في القبر فلا بأس بالجلوس. لكن هل الأفضل أن يجلس أم الأفضل أن يقف حتى يفرغ من دفنها؟
نقول: الأفضل إذا أراد أن يعظ الناس ويذكرهم بالموت وما يلقاه الإنسان عند موته، فالأفضل أن يجلس؛ وذلك لفعله ﷺ .
أما إذا لم يكن هناك موعظة للحاضرين فالأفضل الوقوف؛ إكرامًا للميت وجبرًا له، ونقل عن الإِمام أحمد قوله: "لا بأس بقيامه على القبر حتى تدفن، جبرًا وإكرامًا"، وكان الإِمام أحمد ﵀ إذا حضر جنازة وليها لم يجلس حتى تدفن (١).
٧ - ينبغي لمن تبع جنازة أن يصمت إذا تبعها، إلا إذا رأى منكرًا فالواجب عليه الإنكار، أما غير ذلك، حتى وإن كان قربًا كقراءة القرآن والذكر ونحوه، فيكره له رفع الصوت به، لكن هل يكره كراهة الأَوْلَى أم كراهة تحريم؛ قولان لأهل العلم، والأولى أن يفكر في حاله، وأن يتذكر أنه غدًا محمول كما حمل صاحبه الذي أمامه، وأن يتفكر فيما يلقاه الميت وأن هذه عاقبة أهل الدنيا.
جاء في مصنف ابن أبي شيبة عن المغيرة قال: "كان رجل يسير خلف الجنازة ويقرأ سورة الواقعة، فسئل إبراهيم النخعي عن ذلك، فكرهه" (٢). فلا يَسَعُ أحدًا أن يقدر على إنكاره ويسكت عنه ولا ينكر عليه.
وجاء عن سعيد بن جبير والنخعي -رحمهما الله- أنهما يكرهان أن يقول الرجل وهو يمشي: استغفروا له يغفر لكم (٣).
стр. 492
٨ - يحرم اتباع الجنازة بمنكر؛ كالطبل، والعزف الحزين على الآلة، والنياحة، والتصفيق كما يفعل ذلك في بعض البلدان الإِسلامية تقليدًا للكفار، فهؤلاء جمعوا بين أمرين:
الأول: فعل المحرم، وذلك بفعل العزف على الآلات الموسيقية أمام الجنازة أو خلفها، وكذلك بفعل النياحة ونحو ذلك مما جاءت النصوص بالنهي عنه وتحريمه.
الثاني: التشبه بالنصارى؛ فإن من عاداتهم رفع الأصوات بأناجيلهم بأذكارهم مع التَّمطيط والتلحين والتحزين.
حكم القيام للجنازة:
اختلف الفقهاء في حكم القيام لها؛ فالجمهور لا يرون القيام لها إلا إذا أراد أن يشهدها، وعلى هذا أكثر أهل العلم، وذلك لأن القيام لها منسوخ، فعند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قام رسول الله ﷺ ثم قعد" (١)، وهذا هو آخر الأمرين منه ﷺ .
وذهب النووي (٢) إلى أن المختار هو استحباب القيام؛ لقوله ﷺ : "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع" (٣). وذهب أحمد (٤) في رواية عنه: أنه مخير بين القيام والقعود.
стр. 493
والذي يظهر -والله أعلم- أن الوقوف للجنازة هو المستحب؛ لعموم قوله ﷺ : "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها" (١)، ومن تركه فلا حرج؛ لفعل النبي ﷺ الأمرين.
стр. 494
الدفن والأحكام المتعلقة به
أولًا: حكم دفن الميت:
حمل الميت ودفنه تكريم للميت، وهو من فروض الكفاية، كما سبق بيانه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (١)، والكفت هو الضم والجمع، وقال الفراء: "يريد تَكْفتُهُمْ أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم، وتكفتهم أمواتًا في بطنها أي تحوزهم" (٢).
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (٣)، والمعني: أي جعل له قبرًا يوارى فيه، قال الفراء: "جعله مقبورًا، ولم يجعله ممّن يلقى كالسباع والطيور" (٤).
ثانيًا: الأحق بدفن الميت:
يتولى إنزال الميت -ولو كان أنثى- الرجال دون النساء، لأمور منها:
الأول: أن هذا هو المعهود في عهد النبي ﷺ وجرى عليه عمل المسلمين حتى اليوم.
الثاني: أن الرجال أقوى على ذلك من النساء.
لكن اختلف الفقهاء في الأولى بالدفن، فالشافعية (٥) والحنابلة (٦) على أن الأولى بدفن الرجل أولاهم بغسله والصلاة عليه، وذلك لأن النبي ﷺ لما توفي
стр. 495
لحَدَهُ العباس وعلي وأسامة والفضل بن العباس ﵃، وهم الذين كانوا تولوا غسله (١)، ولأن المقدم بغسله أقرب إلى ستر أحواله.
أما النساء فالأولى عند جمهور الفقهاء أن يتولى دفنها محارمها الرجال، الأقرب فالأقرب، وهم الذين كانوا يحل لهم النظر إليها في حياتها, ولها السفر معهم، واستثنى الشافعية (٢) الزوج، فقالوا بأنه أحق من غيره؛ لأن منظوره أكثر، وإذا لم يوجد أحد من أقاربها يقوم بإنزالها في القبر فيتولى ذلك بعض الحاضرين من الأجانب، وقد أمر رسول الله أبا طلحة أن ينزل في قبر ابنته زينب وينزلها فيه.
وكذلك المرأة لا يشترط لإنزالها في القبر أحد محارمها، فيجوز أن ينزلها شخص آخر، وإن كان أجنبيًا عنها.
ثالثًا: حكم نقل الميت من مكان لأخر:
نقل الميت له حالتان:
الأولى: نقله قبل الدفن، كأن يكون الميت في بلد ويراد دفنه في بلد آخر، فالحنفية (٣) والمالكية يرون أنه لا بأس بنقله مطلقًا.
وذهب جمهور الشافعية (٤) والحنابلة (٥) إلى أنه لا يجوز نقله من بلد لآخر إلا لغرض صحيح، وعللوا لذلك بأنه أَسْلَمُ به من أن تتغير رائحته وأخف في المؤونة، أما إن كان لغرض صحيح كأن يراد دفنه في مكة أو المدينة النبوية ونحوه فيجوز ذلك.
стр. 496
والذي نراه: أنه لا بأس بنقله لكن بشروط:
الأول: أن يكون الميت قد أوصى بنقله.
الثاني: أن لا يترتب على نقله ضرر على الموصَى كنوع كلفة مثلًا.
الثالث: أن لا يترتب على نقله ضرر، كتغير رائحة، أو أن ينفجر حال نقله، أو أن تنتهك حرمته، ونحو ذلك.
الحالة الثانية: نقله بعد الدفن، ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز نقل الميت بعد الدفن مطلقًا، وخالف المالكية (١) فقالوا بجوازه، وجعلوا لنقله شروطًا.
والذي يظهر أنه لا يجوز نقل الميت بعد الدفن إلا لغرض شرعي، كأن يكون الميت موجودًا في مسجد فينبش وينقل إلى مكان آخر غير المسجد، أو لغرض مشروع مثل التأكد من جناية ونحوها، أو كان في نقلها مصلحة للمسلمين، كأن يكون هناك طريق يحتاجه المسلمون يوجد فيه قبر أو قبور، فهنا يجوز نبش القبور ووضعها في مقبرة أخرى، أما غير ذلك فلا يجوز مطلقًا.
رابعًا: حكم الدفن ليلًا:
١ - ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز الدفن ليلًا، واستدلوا لذلك بأن أبا بكر ﵁ وكذا عثمان وابن مسعود وعائشة وفاطمة بنت رسول الله ﷺ كلهم دفنوا ليلًا، لكن قالوا: يستحب أن يكون الدفن نهارًا إن أمكن؛ لأنه أسهل على من يتبع الجنازة، ولأنه يكثر فيه المصلون.
٢ - وذهب أحمد (٢) في رواية عنه أنه يكره الدفن ليلًا، واحتج لذلك بما رواه
стр. 497
مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁: "أن النبي ﷺ خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقُبر ليلًا، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يُصلَّى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك" (١).
والذي يترجح أن الأولى مراعاة الإسراع في الدفن، فمتى مات بأي ساعة من ليل أو نهار، فالأولى الإسراع بتجهيزه ودفنه.
خامسًا: صفة القبر:
القبر هو ما يقبر فيه الميت، وهو إما أن يكون لحدًا أو شقًا. فاللحد هو أن يحفر للميت من قاع القبر حفرة من جهة القبلة ليوضع فيها، ويجوز من خلف القبلة، لكنها من جهة القبلة أفضل، وسمي لحدًا؛ لأنه مائل من جانب القبر.
أما الشق فهو أن يحفر للميت في وسط القبر حفرة. واللحد أفضل من الشق؛ لقوله ﷺ : "اللَّحد لنا، والشق لغيرنا" (٢).
ولا بأس كذلك بالشق إذا احتيج إليه؛ كأن تكون الأرض رملية لا يمكن حصول اللحد فيها, ولأن الرمل إذا حصل فيه اللحد انهدم.
سادسًا: كيفية الدفن:
١ - إذا جيء بالميت ليدفن في قبره، فهنا اختلف أهل العلم في الكيفية؛ فذهب الحنفية (٣) إلى أنه يستحب أن يدخل من جهة القبلة، بأن يوضع من جهتها
стр. 498
أي أن يكون الآخذ له مستقبل القبلة حين الأخذ. وذهب الشافعية (١) والحنابلة (٢) إلى أنه يوضع عند آخر القبر ثم يُسَلُّ من قبل رأسه منحدرًا.
ونرى أن الأمر في ذلك واسع، فالأولى مراعاة الجهة الميسَّرة.
٢ - إذا أدخل الميت في قبره يسن وضعه على شقه الأيمن متوجهًا إلى القبلة، ورأسه ورجلاه إلى يمين القبلة ويساره، وعلى هذا جرى العمل عند أهل الإِسلام، بخلاف ما يفعله البعض من وضع الميت مستلقيًا على ظهره.
٣ - يسن لمن يقوم بدفنه أن يقول: بسم الله وعلى سنة رسول الله أو ملة رسول الله، كما جاء ذلك عن ابن عمر ﵄ قال: أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر، قال: "بسم الله، وعلى سنة رسول الله ﷺ " (٣)، وفي رواية: "بسم الله وعلى ملة رسول الله -أو قال-: بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله" (٤)، وفي رواية: "بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله"، وقال مرة: "بسم الله وبالله وعلى سنة رسول الله ﷺ " (٥).
بل جاء لفظ آخر بالأمر بذلك، فعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا وضعتم موتاكم في قبورهم، فقولوا: بسم الله وعلى سنة رسول الله" (٦) وفي رواية:
стр. 499
"وعلى ملة رسول الله" (١).
٤ - إذا انتهوا من وضعه داخل قبره، فإنه تحَل عقد الكفن؛ للاستغناء عنها، ويسوى اللَّبِن، وتسد الفُرَج بالمَدَرِ والقصب، أو غير ذلك؛ لكيلا ينزل التراب منها على الميت.
٥ - ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يستخدم شيء مسَّته النار إلا إذا كانت الأرض رَخْوَةً، وكذلك يكره وضع الخشب في قبر الميت.
والذي يظهر -والله أعلم- أنه لا بأس باستخدام ما يحتاج إليه، حتى وإن مسته النار، لعدم ورود دليل على الكراهة أو المنع.
٦ - يستحب حثو التراب على الميت بعد دفنه ثلاث حثات بيديه جميعًا بعد الفراغ من سد اللحد، دليل ذلك ما رواه ابن ماجه وغيره عن أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت، فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثًا" (٢).
٧ - يسن عند الفراغ من دفنه أن يكون القبر مرفوعًا عن الأرض قليلًا نحوًا من شبر، ولا يسوى بالأرض ولا يرفع كثيرًا، حتى لا يصير قبرًا شرفًا، فعن جابر ﵁: "أن النبي ﷺ ألحد له لحد ونصب عليه اللبن نصبًا ورفع قبره من الأرض نحوًا من شبر" (٣).
стр. 500
٨ - ويسن أن يكون القبر مسنَّمًا، أي على هيئة سنام الإبل، وذلك لحديث البخاري عن سفيان التَّمار قال: "رأيت قبر النبي ﷺ مسنمًا" (١).
٩ - لا بأس بأن يوضع على القبر علامة يعرف بها صاحبه؛ لكي يدعى ويستغفر له أو ليدفن إليه من يموت من أهله ونحو ذلك، فعن ابن أبي وِدَاعَةَ ﵁ قال: "لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن، أمر النبي ﷺ رجلًا أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه، قال: كثير، قال: المطلب، قال: الذي يخبرني ذلك عن رسول الله ﷺ قال: كأني انظر إلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنهما ثم حملها فوضعها عند رأسه، وقال: "أتعلَّمُ بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي" (٢).
١٠ - إذا فرغ من الدفن، استحب الدعاء للميت عند قبره؛ لما جاء عند أبي داود وغيره عن عثمان بن عفان ﵁ قال: "استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل" (٣).
١١ - ذهب جمهور الفقهاء إلى كراهة الدفن في تابوت، إلا عند الحاجة، كرخاوة أرض ونحو ذلك. وذهب الحنفية (٤) إلى التفريق بين الرجل والمرأة، فقالوا بأنه لا بأس بالتابوت للمرأة؛ لأنه أقرب إلى الستر.
والذي يظهر أنه لا يجوز فعل ذلك، لا للرجل ولا للمرأة؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ وصحابته الكرام، بل هو فعل أهل الدنيا، وكذا يفعله أهل الديانات
стр. 501
الأخرى، وكوننا نقلدهم فيه تشبه بهم، ونحن نهينا عن التشبه بهم.
سابعًا: ذكر بعض أحكام الدفن:
١ - لا يجوز دفن الكفار في مقابر المسلمين ولا العكس إلا لضرورة، هذا باتفاق الفقهاء.
٢ - إذا كانت المرأة كافرة فتوفيت، وهي حامل، فقد اختلف الفقهاء في مكان دفنها على ثلاثة أقوال، هل تدفن في مقابر المسلمين أم في مقابر الكفار؟
فذهب بعض الفقهاء إلى أنها تدفن في مقابر المسلمين تغليبًا لجانب الولد، وقال بعضهم: تدفن في مقابر المشركين؛ لأن الولد في جزء منها ما دام في بطنها، وقال بعضهم: بل نجعل لها مقبرة على حِدَةٍ.
٣ - ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز أخذ الأجرة على الدفن، ولكن الأفضل أن يكون الدفن مجانًا؛ لأنها قربة، وتدفع أجرة الدفن من تركة المتوفى إن كان له تركة. وذهب الحنابلة (١) إلى كراهة أخذ الأجرة على الدفن؛ لأنه يذهب الأجر. والظاهر أنه لا بأس بأخذ الأجرة لكن خلاف الأولى.
٤ - شهداء المعركة يدفنون حيث قتلوا؛ لقوله ﷺ : "ادفنوا القتلى في مصارعهم" (٢).
٥ - يستحب أن يقف المشيع على قبر الميت، ويدعو له بالثبات والمغفرة فيقول: اللَّهم ثبته، اللَّهم ثبته، اللَّهم ثبته، اللَّهم اغفر له، اللَّهم اغفر له، اللَّهم اغفر له. ثم ينصرف، أما المُكْثُ عنده فليس بمشروع، وما ثبت عن عمرو بن العاص ﵁ لم يقل به أحد من الصحابة قبله، بل لم يرشد النبي ﷺ أمته إليه.
стр. 502
٦ - لا يجوز البناء على القبور، ولا تجصيصها, ولا الكتابة عليها؛ لما رواه مسلم: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه" (١). وزاد الترمذيُّ: "وأن يكتب عليه" (٢).
٧ - لا يجوز اتخاذ السُّرُجِ على القبور، لقوله: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرُجَ" (٣).
والعلة في التحريم ظاهرة، فهي صرف للمال في غير فائدة، ولأن فيه إفراطًا في تعظيم القبور الذي يؤول إلى صرف العبادة لها من دون الله، وهي من وسائل الشرك الظاهرة.
٨ - اختلف الفقهاء في دفن أكثر من ميت في قبر واحد، فقال بعضهم: يحرم مطلقًا إلا لضرورة، وإليه ذهب الحنابلة (٤)، وذهب غيرهم إلى أن الإفراد أفضل والجمع ليس بمكروه ولا يحرم، والذي اختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية (٥) كراهة فعل ذلك إلا لضرورة قُصْوَى.
стр. 503
التعزية وأحكامها
أولًا: تعريف التّعْزِيَةِ:
التعزية في اللغة مصدر "عزَّى": إذا صبَّر المصاب وواساه.
أما في اصطلاح الفقهاء فهي: "الأمر بالصبر والحمل عليه بوعد الأجر، والتحذير من الوِزْرِ، والدعاء للميت بالمغفرة، وللمصاب بجبر المصيبة" (١).
ثانيًا: حكمها:
يسن تعزية المصاب عند حصول مصيبة له؛ لما ورد في ذلك، وفيه: "من عزَّى مصابًا فله مثل أجره" (٢)، لكن هل يُعزَّى غير المسلمين؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
١ - فالشافعية والحنابلة (٣) وإحدى الروايات عن أبي حنيفة (٤) أنه يعزي المسلم الكافر غير الحربي والعكس، ويعزي المسلم بالكافر.
٢ - وذهب مالك (٥) إلى أنه لا يعزى مسلم بكافر.
والذي يظهر أنه يجوز تقديم العزاء للكفار؛ تطييبًا لخاطرهم، لكن لا يكون فيه دعاء للمتوفى، وذلك بقصد ترغيبهم في الإِسلام، وهذا من مقاصد الشريعة، وهكذا إذا كان في تعزيته لهم دفع أذى الكفار عن المسلمين، أو دفع أذاهم عنه؛
стр. 504
وذلك لأن المصالح العامة للمسلمين تغتفر فيها المضارُّ الجزئية، وهذا هو قول اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية (١).
ثالثًا: وقت التعزية:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن التعزية يكون وقتها بعد دفن الميت؛ وذلك لأن أهل الميت يكونون مشغولين بتجهيز ميتهم، ولأن وحشتهم بعد الدفن لفراقه أكثر، فكان ذلك الوقت أولى.
والصحيح أن وقت التعزية من حين يموت الميت إلى أن تنسى المصيبة، وقد ثبت أن النبي ﷺ حين أرسلت إليه ابنة له تخبره أن صبيًا لها في الموت، فقال النبي ﷺ : "ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمُرْها فلتصبر ولتحتسب" (٢). فهذا دليل على جوازها قبل الدفن.
رابعًا: صفة التعزية:
الأولى في التعزية مراعاة ما جاءت به نصوص السنة، كما جاء في الحديث المذكور سابقًا عند عزائه لابنته ﷺ ، هذا أحسن ما يعزي به الإنسان، وإن قال كما ذكره العلماء: "عظم الله أجرك" و"أحسن عزاءك وغفر لميتك"، فلا بأس.
خامسًا: مكان التعزية:
ذهب الشافعية (٣) والحنابلة (٤) إلى كراهة الجلوس للتعزية في أي مكان،
стр. 505
وذلك بأن يجتمع أهل الميت في مكان ليأتي إليهم من يعزيهم، وعللوا بأنه محدث وبدعة، ولأنه يجدد الأحزان لأهل الميت.
ووافقهم الحنفية (١) على ذلك فقالوا بأنه يكره الجلوس للتعزية على باب الدار إذا كان يؤدي إلى ارتكاب محظور؛ كفرش البسط والأطعمة من أهل الميت.
وذهب مالك (٢) إلى أن الأفضل أن تكون التعزية في بيت المصاب.
سادسًا: مدة التعزبة:
جمهور الفقهاء على أن مدة التعزية ثلاثة أيام، واستدلوا لذلك بإذن الشارع في الإحداد بقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" (٣).
والصحيح أنه لا حد للتعزية، بل تبقى بعد الثلاث ولو طال الزمان؛ لأن الغرض منها الدعاء للميت، وحمل المصاب على الصبر وعدم الجزع، لكن إذا نسي المصاب مصيبته فلا يشرع تعزيته؛ لئلا يكون ذلك مفضيًا لتجدد حزن المصاب.
سابعًا: لمن تكون التعزية:
يعزي أهل المصيبة كبيرهم وصغيرهم، ذكورهم وإناثهم، إلا إذا كانت هناك شابة من النساء فلا يعزيها إلا النساء ومحارمها؛ خوفًا من الفتنة، وكذلك يعزي أصدقاء الميت، وكذا الناس بعضهم بعضًا عند وفاة من به نفع للإسلام
стр. 506
والمسلمين، كالعلماء والأمراء والرؤساء الذين لهم قدم صدق في نصرة المسلمين، فلا شك أن موتهم مصيبة لا يشعر بها إلا من أعطاه الله بصيرة وفِقْهًا في الدين.
ثامنًا: صنع الطعام لأهل الميت:
يسن أن يقوم جيران الميت بصنع الطعام لأهل الميت، لقوله ﷺ : "اصنعوا لأهل جعفر طعامًا؛ فإنه قد جاءهم ما يشغلهم" (١).
أما صناعة الطعام من أهل الميت للمعزِّين، فهذا لا يشرع، بل هو محرم؛ لقول جرير بن عبد الله البَجَلِيِّ: "كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة" (٢). والنياحة من كبائر الذنوب.
стр. 507
الفِقهُ الميَسَّر
الزَّكَاة
مَوسُوعة فقهيَّة حَديثَة تتناوَل أحكام الفقه الإسلامي بأسُلوب وَاضح للمختصّين وغيرهم
تَأليف
أ. د/عَبْد الله بن محمد الطيّار
أستَاذ الدراسات العليا بكليَّة الشَّريعة والدِّراسات الإسلامية بجامعة القصيم
أ. د/عبد الله بن محمّد المطلِّق
عضو هَيئة كبار العُلَماء، وعضو اللَّجنة الدَّائمة للإفتاء
د/محمَّد بن إبراهيم الموسَى
عضو مجلس الشورى سابقًا - المجلس الأعلى للأوقاف
الجزء الثَّاني
مدار الوطن للنشر
стр. 508
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 509
الفِقهُ الميَسَّر
الزكاة
стр. 510
حقُوق الطَّبع محفُوظَة
الطَّبعَة الثانيَة
١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
مَدَارُ الوَطن للنَّشر
المملكة العربية السعودية - المقر الرئيسي: الرياض - الملز
ص. ب: ٢٤٥٧٦٠ - الرمز البريدي ١١٣١٢ - هاتف ٤٧٩٢٠٤٢ (٥ خطوط) - فاكس ٤٧٢٣٩٤١
البريد الإلكتروني: pop@madaralwatan.com
موقعنا على الإنترنت: www.madaralwatan.com
الرياض: ٠٥٠٣٢٦٩٣١٦
الغربية: ٠٥٠٤١٤٣١٩٨
الشرقية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٨
الشمالية والقصيم: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٨
التوزيع الخيري للشرقية والجنوبية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩
التوزيع الخيري لباقي جهات المملكة: ٠٥٠٦٤٣٦٨٠٤
التسويق للجهات الحكومية: ٠٥٠٠٩٩٦٩٨٧
مبيعات المكتبات الخارجية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩
стр. 511
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣).
أما بعد:
فإن مما تميزت به شريعة الإِسلام أنها صالحة لكل زمان ومكان، وأنها تراعي في أحكامها أحوال الأمة الإِسلامية أفرادًا وجماعات وأممًا, ولما كان فضل الله تعالى على خلقه يتفاوت كما قال جل ذكره: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ (٤)، وقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٥)، جعل لهذا التفاوت ما يسد به الخلل
стр. 512
الذي قد يحصل فيه، والناس كما نعلم طبقات، غنًا وفقرًا، فهذا أغنى من هذا، وهذا أفقر من هذا, ولحكمة بالغة شرع الله تعالى ما يسد به حاجات الفقراء، فجعل لهم نصيبًا من أموال الأغنياء حرصًا على دفع عجلة الحياة الإنسانية.
وجاءت فريضة الزكاة في المقام الأول لعلاج مشكلة الفقر الذي كان من هديه ﷺ الاستعاذة منه، وما ينتج عنه، ولم تقتصر الزكاة على صنف معين من الناس كالفقراء والمساكين مثلًا، بل جاءت لتسد حاجات طوائف أخرى كالغارم، وابن السبيل، والغازي في سبيل الله، وغيرهم ممّن شرع الله تعالى إعطاء الزكاة لهم.
ولأهمية هذا الركن في الإِسلام كان لا بد من إعطائه حقه ومستحقه من العناية، وبيان حكم الشريعة في أحكامه، مع الأخذ في الاعتبار مراعاة الأدلة الشرعية وأقوال أهل العلم المعتبرين فيما يستجد فيه من أحكام.
وقد قمنا بوضع ذلك بين أيدي إخواننا المسلمين من طلاب العلم وغيرهم، وقد راعينا في ذلك الجوانب التي تم ذكرها في مقدمة هذه الموسوعة.
ومما يحسن التذكير به أن هذا الجزء سبقه أجزاء في الطهارة والصلاة والحج والمعاملات، والحدود، والجنايات، والنكاح والطلاق، أعني موسوعة الفقه الميسر والتي لاقت صدىً واسعًا ولله الحمد عند الكثيرين.
نسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم إنه سبحانه سميع قريب مجيب.
أما عن موضوعات كتاب الزكاة التي تم التعرض لها في هذه الموسوعة على سبيل الإجمال لا الحصر:
стр. 513
التعريف بالزكاة - الحكمة في مشروعيتها - حكمها الشرعي - على من تجب - شروط المال الذي تجب فيه، مع ذكر المسائل المتعلقة بهذه الشروط -ما تجب فيه الزكاة- زكاة النقود (الذهب والفضة والورق النقدي) - نصابها والمقدار الواجب فيها - كيفية تحويل الدرهم والدينار إلى الجرامات - ذكر بعض المسائل المتعلقة بالذهب والفضة - زكاة الثروة الحيوانية (الإبل، والبقر، والغنم) - مع ذكر بعض المسائل المتعلقة بها - زكاة عروض التجارة - المقدار الواجب في زكاة عروض التجارة - مع ذكر بعض المسائل المتعلقة بها - زكاة الزروع والثمار - أنواع الزروع والثمار التي تجب فيها الزكاة، والنصاب الواجب فيها - مع ذكر بعض المسائل المتعلقة بها - زكاة الثروة المعدنية والبحرية - صفة المعدن الذي تجب فيه الزكاة - النصاب الواجب فيها - زكاة المستغلات والدخل - زكاة الأسهم والسندات - ذكر بعض الأحكام المتعلقة بإخراج الزكاة - زكاة الفطر - حكمها التكليفي - شروط وجوبها - على من تجب ووقت إخراجها - القدر الواجب فيها - الأصناف التي تخرج منها - مكان دفعها ولمن تدفع - ذكر بعض الأحكام المتعلقة بها - مصارف الزكاة (الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل) - من لا يجوز دفع الزكاة لهم - اختلاف الفقهاء في إعطاء بني المطلب من الزكاة - ذكر بعض المسائل المتعلقة بمن لا يجوز دفع الزكاة إليهم.
ومما يجدر التنبيه عليه أن ما رجحناه في هذا الكتاب إنما هو راجع إلى ما انتهينا إليه حسب ما ظهر لنا من الأدلة، وقد يرجح غيرنا خلاف ما رجحناه حسب ما ينتهي إليه، ولا تثريب على أحد فكل يأخذ بما انتهى إليه.
وقد بذلنا جهدنا ووسعنا، فما كان من صواب فمن الله وحده، وما كان غير ذلك فمن أنفسنا والشيطان، ونستغفر الله ونتوب إليه.
стр. 514
ولا يفوتنا أن نلتمس ممّن يطلع على هذا المشروع المبارك أن يوافينا بما يراه من ملاحظات واقتراحات للاستفادة منها مستقبلًا -إن شاء الله تعالى-، والله المسؤول أن يوفقنا للعلم النافع والعمل والصالح، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد.
المؤلفون،،،
стр. 515
الفِقهُ الميَسَّر
كتاب الزكاة
стр. 516
كتاب الزكاة
أولًا: تعريف الزكاة:
الزكاة في اللغة: الزكاة من الزكاءِ، والنماء، والزيادة؛ سميت بذلك لأنها تثمر المال وتنميه (١).
أما تعريفها في الشرع:
فقد عرفها الحنفية (٢) بقولهم: "الزكاة هي تمليك جزء مال مخصوص من مال مخصوص لشخص مخصوص عينه الشارع لوجه الله تعالى".
وعرفها المالكية (٣) بأنها: "إخراج جزء مخصوص من مال مخصوص بلغ نصابًا، لمستحقه، إن تمَّ الملك، وحول غير معدن وحرث".
وقال الشافعية (٤) في تعريفها: "اسم لما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص".
وقال الحنابلة (٥): "هي حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص".
هذا هو حاصل ما ذكره فقهاء المذاهب في تعريفها، وإذا نظرنا إلى هذه التعريفات تبين لنا أن الزكاة في تعريف الحنفية والمالكية تطلق على نفس فعل الإيتاء، أي أداء الحق الواجب في المال، وأيضًا أطلقت في تعريف الشافعية
стр. 517
والحنابلة على الجزء المقدر من المال الذي فرضه الله حقًا للفقراء.
ثانيًا: الحكمة في مشروعيتها:
من نظر إلى أرزاق الناس ومواهبهم في تحصيل المكاسب يجد أن هناك تفاوتًا عجيبًا بينهم في هذا الشأن، فهناك الفقراء المتفاوتون في الفقر، وهناك المساكين، وصدق الباري حيث قال: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ (١)، ونظرًا لهذا التفاوت العجيب الذي جعله الله لحكمة كان لا بد من وجود تشريع إلهي يعالج ذلك التفاوت، ويحقق التكافل بين أفراد المسلمين، ومن هنا شرع الله تعالى الزكاة.
الأهداف العامة التي من أجلها شرع الله لعباده الزكاة:
١ - الزكاة عبادة مالية: يعتبر أداء الزكاة استجابة لأمر الله تعالى، ووفاء لعهده، يرجو عليها فاعلها حسن الجزاء في الآخرة، ونماء المال في الحياة الدنيا بالبركة.
٢ - الزكاة طهارة من البخل والشح والطمع: تعتبر الزكاة علاجًا شافيًا -بإذن الله- لأمراض البخل والشح والطمع والأنانية والحقد، والإِسلام يقدر غريزة حب المال، وحب الذات، ويقرر أن الشح حاضر في النفس الإنسانية لا يغيب، قال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (٢).
فيعالج هذا كله علاجًا نفسيًا بالترغيب, والتحذير، والحض، فيطلب من هذه النفس الشحيحة أن تجود بما هو حبيب إليها، عزيز عليها، فتستجيب إليه، وتلتمس الطيب الذي تجود به، وبذلك يصل إلى غاية البذل، وأصعب الجود،
стр. 518
وأكرم العطاء النابع من أعماق الشعور، ويتغلب جانب الوجدان على جانب الغريزة.
٣ - إعانة الضعفاء وكفاية أصحاب الحاجات: المسلم عندما يدفع زكاة ماله يشعر بمسئولية عن مجتمعه، وعن تكافله مع المحتاجين فيه، وتغمره السعادة عندما يؤدي الأمانة، ويأخذ بيد أخيه المعدم، ويرتفع به من ويلات مصيبة حلت به فأفقرته، وهو يستشعر في هذا كله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١).
٤ - الزكاة تنمي الروح الاجتماعية بين الأفراد: يشعر المسلم الدافع للزكاة بعضويته الكاملة في الجماعة، فهو يشترك في واجباتها، وينهض بأعبائها، فيتحول المجتمع إلى أسرة واحدة يسودها التعاون، والتكافل، والتواد تحقيقًا وتجسيدًا، كما قال ﷺ : "مَثَلُ المُؤْمنِينَ في تَوَادِّهِمْ وَترَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى" (٢).
٥ - الزكاة تكفر الخطايا، وتدفع البلايا: وهي تدفع فداء عن العبد، وتجلب رحمة الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣).
ومن ذلك يتبين أن الله شرع الزكاة لأنها تطهر المزكي من الشح، والبخل، وأرجاس الذنوب والخطايا، وتدرب المسلم على البذل والإنفاق في سبيل الله، ولأن في أدائها شكرًا لله على ما أسبغ به على المسلم من نعمه الظاهرة والباطنة، ولأنها تعالج قلب المؤمن من حب الدنيا والحرص على جمع المال، ولأنها تنمي
стр. 519
شخصية الغني وذلك باستشعاره أنه تغلب على شحه وشيطانه وهواه، ولأنها تكون بين الفقير والغني حقيقة المحبة والأخوة، وتربط أفراد المجتمع بوشائج الصلة والقربى والتكافل والإخاء، ولأنها تحرر أفراد الأمة على اختلاف أجناسهم وألوانهم من الحسد، والبغضاء، والشحناء، والقطيعة، ولأنها تمحو الثالوث المخيف من المجتمع وهو الفقر والجهل والمرض، ولأنها توجه إلى الإنتاج وتدفع إلى العمل وذلك بتأمين وسائل العيش للمحتاجين ليكونوا عناصر فعالة في المجتمع تشارك في البناء والتعمير، فسبحان من شرعها لفوائد كثيرة وعواقب حميدة على مستوى الفرد والمجتمع والأمة.
ثالثًا: حكم الزكاة:
الزكاة أحد أركان الإِسلام الخمسة التي لا يستقيم إسلام العبد إلا بها قولًا وعملًا، فمن أراد الدخول في الإِسلام وهو ينكر ركنيتها فلا يعد مسلمَّا، ومن دخل في الإِسلام ثم جحد وجوبها كفر، ومن أقر وجوبها ولكنه امتنع عن أدائها فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وقد جاء تشريعها في الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١).
أما في السنة: فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ صَاحِبِ كنْزٍ لا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلا أُحْمِيَ عَلَيْهِ في نَارِ جَهَنَّمَ فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبِينُهُ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ في يَوْمٍ كَانَ
стр. 520
مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلفَ سَنهٍ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلا بُطِحَ لهَا بقَاعٍ قَرْقَرٍ كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ كُلَّما مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاهَا حَتَّى يحكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلفَ سَنهٍ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلا بُطِحَ لهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ فَتَطَؤُهُ بِأَظْلافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلا جَلحَاءُ كلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلفَ سَنهٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ" (١). فهذا جزاءه عند الله تعالى.
وأما الإجماع: فقد نقله بعض العلماء: قال ابن المنذر (٢): "وأجمعوا على أن المال إذا حال عليه الحول أن الزكاة تجب فيه".
وقال ابن عبد البر (٣): "والصدقة الزكاة المعروفة وهي الصدقة المفروضة، سماها الله صدقة، وسماها زكاة، فهي الصدقة وهي الزكاة، وهذا ما لا تنازع فيه، ولا اختلاف".
وجاء في الإفصاح (٤): "وأجمعوا على أن الزكاة أحد أركان الإِسلام، وفرض من فروضه. قال الله تعالى: ﴿... وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ...﴾ (٥).
العقوبة التي يستحقها مانع الزكاة من قبل الإِمام ؟
١ - ذهب الشافعي (٦) في القديم، وأبو بكر من أصحاب أحمد، وإسحاق بن
стр. 521
راهويه (١) إلى أن من منع زكاة ماله أخذت منه قهرًا، ويؤخذ شطر ماله عقوبة له مع أخذ الزكاة منه، واحتجوا لذلك بما رواه أحمد وأبو داود والنسائيُّ وغيرهم عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "في كلِّ إبلٍ سَائِمَةٍ في كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنةُ لَبُونٍ لا يُفَرَّقُ إبلٌ عَنْ حِسَابِهَا مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا وَمَنْ أَبى فَإنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ إِبِلِهِ عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا لا يَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْهَا شَيْءٌ" (٢).
٢ - وذهب جمهور الفقهاء إلى أن مانع الزكاة إذا أخذت منه قهرًا لا يؤخذ معها من ماله شيء، واستدلوا لذلك بما رواه ابن ماجة من حديث فاطمة بنت قيس ﵂ عن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ في المَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ" (٣)، ولأن الصحابة ﵃ لم يأخذوا نصف أموال الأعراب الذين منعوا الزكاة.
وأجابوا عن حديث بهز بن حكيم بأنه حديث منسوخ، وأن هذا كان في أول الإِسلام ثم نسخ.
والراجح: أن الحديث ليس بمنسوخ، وأن هذه العقوبة الشرعية مفوضة لأمر الإِمام وتقديره، ينفذها حيث يرى تمادي الناس في منع الزكاة ولم يجد سبيلًا لزجرهم غير هذا.
أما من منع الزكاة وهو مقر بوجوبها وهو خارج عن قبضة الإِمام فعلى الإِمام أن يقاتله على عدم إخراجها لفعل الصحابة مع أبي بكر الصديق ﵁ حيث قاتلوا المانعين من أدائها, ولا يحكم بكفرهم على القول الراجح.
стр. 522
ولذا فمن مات منهم ورثه المسلمون من أقاربه، وصلِّي عليه.
وذهب الإِمام أحمد (١) في رواية عنه أنه يحكم بكفره فلا يورث، ولا يصلى عليه، واحتج بقول أبي بكر ﵁ حين قاتل مانعي الزكاة وأوهنتهم الحرب قالوا: نؤديها، قال: "لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار" ووافقه عمر، ولم ينقل إنكار لذلك عن أحد من الصحابة فدل على كفرهم.
والراجح: ما ذهب إليه الأولون من عدم كفرهم.
أما من منعها منكرًا لوجوبها ففي ذلك تفصيل: إن كان جاهلًا، ومثله يجهل ذلك لحداثة إسلامه أو لأنه نشأ في بادية بعيدة عن الأمصار أو نحو ذلك فإنه يعرف وجوبها ولا يحكم بكفره لأنه معذور، وإن كان مسلمًا قد نشأ في بلاد الإِسلام وبين أهل العلم فيحكم بكفره، ويصير مرتدًا، وتجرى عليه أحكام الردة لكونه أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة.
رابعًا: على من تجب الزكاة ؟
تجب الزكاة على المسلم الحر، المالك للنصاب ملكًا تامًا وحال عليه الحول.
ومن ذلك يتبين ما يأتي:
أولًا: أن الزكاة لا تجب على الكافر الأصلي: باتفاق الفقهاء حربيًا كان أو ذميًا، ودليل ذلك قوله ﷺ لمعاذ ابن جبل ﵁ كما في الصحيحين: "إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأني رَسُولُ اللهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ
стр. 523
فِي فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُوم فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ" (١).
فالحديث يدل كما قال النووي (٢) وغيره على أن المطالبة بالفرائض في الدنيا لا تكون إلا بعد الإِسلام، وهذا قدر متفق عليه، وأيضًا الزكاة عبادة وجبت طهرة للمزكي والكافر لا طهرة له ما دام على كفره، ولأنها أيضًا عبادة مالية يتقرب بها المسلم إلى الله، والكافر لا تقبل منه العبادة حتى يدخل في الإِسلام، هذا في حق الكافر الأصلي.
أما المرتد فهل تؤخذ منه الزكاة ؟
اختلف في ذلك الفقهاء:
١ - فالحنفية (٣) يرون أنها لا تجب عليه لأن من شروطها النية عند الأداء، والكافر نيته غير معتبرة فتسقط بالردة كالصلاة.
٢ - وذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥) إلى أن الزكاة تجب في حق المرتد إن كانت وجبت عليه في حال إسلامه، وبعد تمام الحول، وبلوغ النصاب، وذلك لأنها وجبت عليه حال إسلامه فلا تسقط بردته كغرامة المتلفات.
وهذا هو الراجح: لأن الزكاة حق للفقراء والمستحقين فلا تسقط بالردة كالنفقات والغرامات.
стр. 524
ثانيًا: من هذا التعريف أيضًا يتبين أن الزكاة لا تجب على العبد:
باتفاق الفقهاء لأنه مملوك لسيده، فكل ما يملكه يعود لسيده، فالسيد مالك لما في يد عبده.
وذهب المالكية (١) وهي إحدى الروايتين عند الشافعية (٢): أنه لا زكاة في مال العبد أصلًا لا على العبد، ولا على سيده، لأن ملك العبد ناقص، والزكاة إنما تجب على تمام الملك، ولأن السيد لا يملك مال العبد.
ثالثًا: هل تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون؟:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
١ - فالجمهور على أن الزكاة تجب في مال كل من الصبي والمجنون ذكرًا كان أو أنثى، وهذا مروي عن جملة من الصحابة، واحتج الجمهور لذلك بما رواه الترمذيُّ وغيره عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "أَلا مَنْ وليَ يَتيمًا لَهُ مَالٌ فَليَتَّجِرْ فِيهِ وَلا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأكُلَهُ الصَّدَقَةُ" (٣)، (٤).
والمراد بالصدقة هنا الزكاة المفروضة، وهذا أيضًا قد روي موقوفًا على عمر، وقالوا أيضًا: بأن الزكاة تراد لثواب المزكي، ومواساة الفقير، والصبي والمجنون من أهل الثواب وأهل المواساة.
فيتولى الولي إخراج الزكاة من مالهما لأن الولي يقوم مقامهما في أداء ما عليهما من الحقوق.
стр. 525
٢ - وذهب الحنفية (١) إلى أن الزكاة لا تجب في مال الصبي والمجنون إلا أنه يجب العشر في زروعهما وثمارهما، وزكاة الفطر عنهما، وعللوا لذلك بتعليل أثري ونظري:
أما الأثري: فقوله ﷺ : "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثةٍ: عَنْ المَجْنُونِ المَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يَفِيقَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ" (٢).
أما الدليل النظري: فقالوا: بأن الزكاة عبادة فلا تتأدى إلا بالاختيار تحقيقًا لمعنى الإِسلام، ولا اختيار للصبي والمجنون لعدم العقل، وقياسًا على عدم وجوبها على الذمي لأنه ليس من أهل العبادة.
أما وجوب العشر في الزروع والثمار فقالوا وجوب العشر في ذلك لأنه في معنى مئونة الأرض، ومعنى العبادة فيه تابع.
والراجح: وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون لعموم الأدلة، فلم تشترط النصوص أن يكون الغني بالغًا عاقلًا مع شدة عناية الشارع بحفظ أموال اليتامى، ثم إن الزكاة حق للفقراء والمساكين والمستحقين في مال الأغنياء، والصبي والمجنون أهل لوجوب حقوق العباد المالية عليهما، فهما أهل لوجوب الزكاة أيضًا.
رابعًا: من هذا التعريف أيضًا يتبين لنا أن الزكاة يشترط فيها ملك النصاب، وحولان الحول، كما سيأتي بيانه في الشروط العامة لوجوب الزكاة.
خامسًا: شروط المال الذي تجب فيه الزكاة:
يشترط في المال الذي تجب فيه الزكاة ما يلي:
стр. 526
الشرط الأول: كونه مملوكًا لمعين:
فلا زكاة فيما ليس له مالك معين، وذلك كأموال الحكومة التي تجمعها من الزكوات، أو غيرها من الموارد، فلا زكاة فيها لعدم المالك المعين، ولأنها ملك لجميع الأمة، ومنها الفقراء.
ولذلك قال الفقهاء: "لا تجب الزكاة في مال فيء ولا في خمس غنيمة لأنه يرجع إلى الصرف في مصالح المسلمين" (١).
الأموال الموقوفة:
الأموال الموقوفة على نوعين:
١ - موقوف على معين: الموقوف على معين كزيد أو بني فلان، أو على ابنه أو ذريته فالراجح أن الزكاة تجب فيه، وذلك لثبوت الملك في حق الموقوف عليه، وهو يملكه ملكًا مستقرًا، وهذا هو قول المالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول في مذهب الشافعية (٤).
وذهب بعض الفقهاء وهو قول عند الشافعية (٥) أن الزكاة فيه لا تجب لأن ملكه ينتقل إلى الله تعالى لا إلى الموقوف عليه، وأيضًا مالكه لا يملك التصرف في رقبة الموقوف.
والراجح: ما ذهب إليه الأولون كما ذكرنا، وكونه لا يملك التصرف في
стр. 527
رقبة الموقوف ليس علة في سقوط الزكاة عنه لأن صاحب الموقوف عليه أحق بالانتفاع بالمملوك من غيره، ولا يستطيع أحد أن يهيجه عنه، فثبت بذلك استقرار ملكه له.
٢ - موقوف على غير معين: فالجمهور على عدم وجوب الزكاة فيه، وذهب المالكية (١) إلى وجوب الزكاة في الموقوف على غير معين، وعللوا لذلك بأن الوقف لا يخرجه عن ملك الواقف.
والراجح: أن ما وقف على جهة غير عامة كالفقراء، والمساجد، أو المجاهدين، أو اليتامى، أو المدارس، أو غير ذلك من أبواب الخير لا زكاة فيها.
الزكاة عن المال المغصوب:
المال المغصوب الذي لا يقدر صاحبه على أخذه لا زكاة عليه فيه، ومتى قدر صاحبه عليه فقيل: ليس عليه زكاة لما مضى من السنين لأنه كان محجوزًا عنه، ولم يكن قادرًا على تنميته، فكان ملكه ناقصًا.
وقيل: عليه زكاته لما مضى، وهذا مذهب الشافعي (٢) في الجديد.
وقال الحنابلة (٣): يخرج زكاته ويعود بها على الغاصب، وليس ذلك عندهم من باب تزكية الغاصب للمال الحرام، وإنما ذلك لأنه نقص حصل في المال وهو بيد الغاصب أشبه ما لو تلف بعضه.
زكاة الأموال المكتسبة من حرام:
الأموال المكتسبة من حرام: كغصب أو سرقة، أو تزوير، أو رشوة، أو ربا،
стр. 528
أو احتكار وغش، ونحو ذلك من أخذ أموال الناس بالباطل، هذه الأموال وأشباهها لا تجب فيها الزكاة لأنها مكتسبة من حرام، ولأن الواجب تفريغ ذمته بردها إلى أربابها إن عُلِمُوا، أو إلى ورثتهم، أو إلى الفقراء.
وإخراجها إلى الفقراء يكون بنية التخلص من الحرام لا نية التصدق لقول النبي ﷺ : "لا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ ... " (١)، فالمال الذي غلَّه صاحبه بأخذه من المال العام، أو أخذه من أربابه بغير الطرق الشرعية هذا المال لا يقبل الله صدقته مع وجوب التخلص منه، وعدم قبول الصدقة بالحرام لأنه غير مملوك للتصدق.
لكن إن كان المال مختلطًا بعضه حرام، وبعضه حلال فالمشروع في حقه أن يتخلص من الحرام بما يغلب على ظنه أنه تخلص منه.
من حيل بينه وبين ماله كالأسير والمسجون:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فالحنابلة (٢) أن ذلك لا يمنع وجوب الزكاة عليه لأنه لو تصرف في ماله ببيع أو هبة ونحوهما نفذ، وهذا قول عند الشافعية (٣).
أما المالكية (٤) فقالوا: الزكاة تسقط في حقهما في الأحوال الباطنة لأنه بذلك يكون مغلوبًا على عدم التنمية فيكون ماله حينئذ كالمال الضائع، أما الأموال الظاهرة فلا تسقط الزكاة فيها، وذهب بعض الشافعية (٥) أنه لا يجب فيه الزكاة إذا حيل بينه وبينه كالمغصوب.
стр. 529
والراجح: ما ذهب إليه الحنابلة لثبوت الملك في حق الأسير والمسجون، والواجب عليهما أن يكلفا من يقوم بإخراج زكاة مالهما إن أمكن، فإن عُدِمَ الإمكان أخرجوها لما مضى عند خروجهما من الأسر أو السجن.
صداق المرأة:
حكم الصداق حكم الدين, لأنه دين للمرأة في ذمة الرجل كما سيأتي بيان حكم الدين قريبًا -إن شاء الله تعالى- فإن كان الصداق على مليء وجبت فيه الزكاة، فإذا قبضته أدت زكاته لما مضى، وإن كان على جاحد أو معسر فعلى روايتين في المذهب، ولا فرق بين ما قبل الدخول وما بعده لأنه دين في الذمة، فإن سقط نصفه بطلاقها قبل الدخول وقبضت النصف الآخر فعليها زكاة ما قبضته خاصة (١). فإن وهبت الصداق لزوجها فالصحيح من المذهب أن الزكاة لا تسقط عنها، وفي رواية أنها تجب على الزوج.
والراجح: عدم وجوب الزكاة عليها.
زكاة اللقطة:
اللقطة إذا ملكها الملتقط بعد الحول استقبل لها حولًا وزكاها على الصحيح من المذهب (٢).
وعند الشافعية (٣) على قولين: إن اختار التملك بعد التعريف فتجب فيه الزكاة، وإن لم يختر التملك فلا، ومنهم من قال: لا تجب الزكاة قولًا واحدًا لأن
стр. 530
ملكه غير مستقر بعد التعريف، وهي رواية في مذهب أحمد (١).
زكاة الدين:
المال إذا كان دينًا هل يزكيه صاحبه، أم يزكيه المدين، أم تسقط الزكاة فيه؟
نقول: جمهور أهل العلم من السلف ومن بعدهم على أن الدين نوعان:
الأول: دين مرجو الأداء: بأن كان على موسر مقر بالدين، فهذا يعجل زكاته مع ماله الحاضر في كل حول كالمال الذي بيده لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه، وهذا هو مذهب الشافعي (٢) في الأظهر، وقد صحح النووي القول الآخر بأنه لا يجب إخراج الزكاة قبل القبض.
وذهب الحنفية (٣)، والحنابلة (٤) أن زكاته تجب على صاحبه كل عام لأنه مملوك له إلا أنه لا يجب عليه إخراج الزكاة منه ما لم يقبضه، فإذا قبضه زكاه لكل ما مضى من السنين.
ووجه ذلك عندهم أنه دين ثابت في الذمة فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه، ولأنه لا ينتفع به في الحال، وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به.
والراجح: أنه إذا كان الدين على مليء باذل مقر به معترف به فإنه يؤدي زكاته إذا قبضه، وإن شاء أدى زكاته مع زكاة ماله وذلك أفضل، ولكي يستريح الشخص مما شغلت به ذمته، ولأنه أيضًا أسرع في إبراء ذمته.
الثاني: دين غير مرجو الأداء: وهو ما كان على معسر، أو جاحد، أو مماطل،