الشرط الأول: كونه مملوكًا لمعين:
فلا زكاة فيما ليس له مالك معين، وذلك كأموال الحكومة التي تجمعها من الزكوات، أو غيرها من الموارد، فلا زكاة فيها لعدم المالك المعين، ولأنها ملك لجميع الأمة، ومنها الفقراء.
ولذلك قال الفقهاء: "لا تجب الزكاة في مال فيء ولا في خمس غنيمة لأنه يرجع إلى الصرف في مصالح المسلمين" (١).
الأموال الموقوفة:
الأموال الموقوفة على نوعين:
١ - موقوف على معين: الموقوف على معين كزيد أو بني فلان، أو على ابنه أو ذريته فالراجح أن الزكاة تجب فيه، وذلك لثبوت الملك في حق الموقوف عليه، وهو يملكه ملكًا مستقرًا، وهذا هو قول المالكية (٢)، والحنابلة (٣)، وقول في مذهب الشافعية (٤).
وذهب بعض الفقهاء وهو قول عند الشافعية (٥) أن الزكاة فيه لا تجب لأن ملكه ينتقل إلى الله تعالى لا إلى الموقوف عليه، وأيضًا مالكه لا يملك التصرف في رقبة الموقوف.
والراجح: ما ذهب إليه الأولون كما ذكرنا، وكونه لا يملك التصرف في
стр. 527
رقبة الموقوف ليس علة في سقوط الزكاة عنه لأن صاحب الموقوف عليه أحق بالانتفاع بالمملوك من غيره، ولا يستطيع أحد أن يهيجه عنه، فثبت بذلك استقرار ملكه له.
٢ - موقوف على غير معين: فالجمهور على عدم وجوب الزكاة فيه، وذهب المالكية (١) إلى وجوب الزكاة في الموقوف على غير معين، وعللوا لذلك بأن الوقف لا يخرجه عن ملك الواقف.
والراجح: أن ما وقف على جهة غير عامة كالفقراء، والمساجد، أو المجاهدين، أو اليتامى، أو المدارس، أو غير ذلك من أبواب الخير لا زكاة فيها.
الزكاة عن المال المغصوب:
المال المغصوب الذي لا يقدر صاحبه على أخذه لا زكاة عليه فيه، ومتى قدر صاحبه عليه فقيل: ليس عليه زكاة لما مضى من السنين لأنه كان محجوزًا عنه، ولم يكن قادرًا على تنميته، فكان ملكه ناقصًا.
وقيل: عليه زكاته لما مضى، وهذا مذهب الشافعي (٢) في الجديد.
وقال الحنابلة (٣): يخرج زكاته ويعود بها على الغاصب، وليس ذلك عندهم من باب تزكية الغاصب للمال الحرام، وإنما ذلك لأنه نقص حصل في المال وهو بيد الغاصب أشبه ما لو تلف بعضه.
زكاة الأموال المكتسبة من حرام:
الأموال المكتسبة من حرام: كغصب أو سرقة، أو تزوير، أو رشوة، أو ربا،
стр. 528
أو احتكار وغش، ونحو ذلك من أخذ أموال الناس بالباطل، هذه الأموال وأشباهها لا تجب فيها الزكاة لأنها مكتسبة من حرام، ولأن الواجب تفريغ ذمته بردها إلى أربابها إن عُلِمُوا، أو إلى ورثتهم، أو إلى الفقراء.
وإخراجها إلى الفقراء يكون بنية التخلص من الحرام لا نية التصدق لقول النبي ﷺ : "لا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ ... " (١)، فالمال الذي غلَّه صاحبه بأخذه من المال العام، أو أخذه من أربابه بغير الطرق الشرعية هذا المال لا يقبل الله صدقته مع وجوب التخلص منه، وعدم قبول الصدقة بالحرام لأنه غير مملوك للتصدق.
لكن إن كان المال مختلطًا بعضه حرام، وبعضه حلال فالمشروع في حقه أن يتخلص من الحرام بما يغلب على ظنه أنه تخلص منه.
من حيل بينه وبين ماله كالأسير والمسجون:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة، فالحنابلة (٢) أن ذلك لا يمنع وجوب الزكاة عليه لأنه لو تصرف في ماله ببيع أو هبة ونحوهما نفذ، وهذا قول عند الشافعية (٣).
أما المالكية (٤) فقالوا: الزكاة تسقط في حقهما في الأحوال الباطنة لأنه بذلك يكون مغلوبًا على عدم التنمية فيكون ماله حينئذ كالمال الضائع، أما الأموال الظاهرة فلا تسقط الزكاة فيها، وذهب بعض الشافعية (٥) أنه لا يجب فيه الزكاة إذا حيل بينه وبينه كالمغصوب.
стр. 529
والراجح: ما ذهب إليه الحنابلة لثبوت الملك في حق الأسير والمسجون، والواجب عليهما أن يكلفا من يقوم بإخراج زكاة مالهما إن أمكن، فإن عُدِمَ الإمكان أخرجوها لما مضى عند خروجهما من الأسر أو السجن.
صداق المرأة:
حكم الصداق حكم الدين, لأنه دين للمرأة في ذمة الرجل كما سيأتي بيان حكم الدين قريبًا -إن شاء الله تعالى- فإن كان الصداق على مليء وجبت فيه الزكاة، فإذا قبضته أدت زكاته لما مضى، وإن كان على جاحد أو معسر فعلى روايتين في المذهب، ولا فرق بين ما قبل الدخول وما بعده لأنه دين في الذمة، فإن سقط نصفه بطلاقها قبل الدخول وقبضت النصف الآخر فعليها زكاة ما قبضته خاصة (١). فإن وهبت الصداق لزوجها فالصحيح من المذهب أن الزكاة لا تسقط عنها، وفي رواية أنها تجب على الزوج.
والراجح: عدم وجوب الزكاة عليها.
زكاة اللقطة:
اللقطة إذا ملكها الملتقط بعد الحول استقبل لها حولًا وزكاها على الصحيح من المذهب (٢).
وعند الشافعية (٣) على قولين: إن اختار التملك بعد التعريف فتجب فيه الزكاة، وإن لم يختر التملك فلا، ومنهم من قال: لا تجب الزكاة قولًا واحدًا لأن
стр. 530
ملكه غير مستقر بعد التعريف، وهي رواية في مذهب أحمد (١).
زكاة الدين:
المال إذا كان دينًا هل يزكيه صاحبه، أم يزكيه المدين، أم تسقط الزكاة فيه؟
نقول: جمهور أهل العلم من السلف ومن بعدهم على أن الدين نوعان:
الأول: دين مرجو الأداء: بأن كان على موسر مقر بالدين، فهذا يعجل زكاته مع ماله الحاضر في كل حول كالمال الذي بيده لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه، وهذا هو مذهب الشافعي (٢) في الأظهر، وقد صحح النووي القول الآخر بأنه لا يجب إخراج الزكاة قبل القبض.
وذهب الحنفية (٣)، والحنابلة (٤) أن زكاته تجب على صاحبه كل عام لأنه مملوك له إلا أنه لا يجب عليه إخراج الزكاة منه ما لم يقبضه، فإذا قبضه زكاه لكل ما مضى من السنين.
ووجه ذلك عندهم أنه دين ثابت في الذمة فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه، ولأنه لا ينتفع به في الحال، وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به.
والراجح: أنه إذا كان الدين على مليء باذل مقر به معترف به فإنه يؤدي زكاته إذا قبضه، وإن شاء أدى زكاته مع زكاة ماله وذلك أفضل، ولكي يستريح الشخص مما شغلت به ذمته، ولأنه أيضًا أسرع في إبراء ذمته.
الثاني: دين غير مرجو الأداء: وهو ما كان على معسر، أو جاحد، أو مماطل،
стр. 531
فقد اختلفت فيه آراء الفقهاء، فذهب بعضهم أنه لا زكاة فيه لعدم تمام الملك، ولأنه غير مقدور على الانتفاع به، وهذا مذهب الحنفية (١)، ورواية في مذهب أحمد (٢)، وفي رواية في مذهب أحمد (٣)، وقول للشافعي (٤) وهو الأظهر أنه يزكيه لما مضى من السنين إذا قبضه، وذهب مالك (٥) إلى أنه إذا كان مما فيه الزكاة يزكيه إذا قبضه لعام واحد وإن أقام عند المدين أعوامًا، وهذا القول عزاه الشيخ العنقري (٦) لشيخ الإِسلام محمَّد بن عبد الوهاب، وهو اختيار الشيخ محمَّد بن صالح العثيمين (٧). والذي رجحته اللجنة الدائمة (٨) وسماحة شيخنا بن باز (٩) ﵀ أن الزكاة لا تجب على الدائن حتى يقبض دينه ويستقبل به حولًا.
هل يمنع الدين من إخراج الزكاة ؟
اختلف الفقهاء في كون الدين مانعًا من وجوب الزكاة على أقوال:
القول الأول: أن الأموال الباطنة كالنقدين، وعروض التجارة لا تجب فيها الزكاة إذا كان الدين ينقصها عن النصاب لأن الزكاة شرعت للمواساة، ومن عليه دين ينقص النصاب أو يستغرقه لا يوصف بالغنى بل هو أهل لدفع الزكاة إليه، أما الأموال الظاهرة كالمواشي والثمار فإنه لما كان المنقول عن النبي ﷺ
стр. 532
وخلفائه الراشدين ﵃ إرسال السعاة لأخذ الزكاة منها دون استفسار هل على أهلها ديون أم لا فإن الحكم فيها يختلف عن الأموال الباطنة، وهذا هو قول مالك (١)، وإحدى الروايتين في مذهب أحمد (٢)، في الأموال الظاهرة.
القول الثاني: أن الأموال الظاهرة والباطنة حكمها واحد في عدم وجوب الزكاة فيهما إذا كان الدين يستغرقهما، وهذا هو قول عطاء والحسن وميمون بن مهران والليث وإسحاق ورواية في مذهب أحمد (٣).
القول الثالث: أنه تجب الزكاة في الجميع سواء كانت أموالًا ظاهرة أو باطنة، وسواء استغرقت الدين أم لم تستغرقه، وذلك لأن الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة والباطنة ليس فيها ما يدل على مراعاة الدين فوجب التعميم، وهذا هو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن وحماد بن سليمان والشافعيُّ (٤) في الجديد، وهو اختيار سماحة شيخنا ابن باز (٥) ﵀، والشيخ محمَّد الصالح العثيمين (٦) ﵀، وهو اختيار اللجنة الدائمة (٧) وهو الراجح.
زكاة الأجور المقبوضة سلفًا:
ذهب الحنابلة (٨) وهو قول عند الشافعية (٩) أن الأجرة المعجلة لسنين إذا
стр. 533
حال عليها الحول تجب على المؤجر زكاتها لأنه يملكها ملكا تامًا من حين العقد بدليل جواز تصرفه بها، وإن كان يلحقه دين بعد الحول بالفسخ الطارئ.
وذهب المالكية (١) إلى أنه لا زكاة على المؤجر فيما قبضه مقدمًا إلا بعد تمام الملك. والأقرب هو ما ذهب إليه الأولون في وجوب الزكاة فيه.
زكاة الثمن المقبوض عن البضائع التي لم يجر تسليمها:
من اشترى مالًا بنصاب دراهم، أو أسلم نصابًا في شيء فحال الحول قبل أن يقبض المشتري المبيع أو يقبض المسلم فيه والعقد باق لم يجر فسخه فقيل بأن الزكاة على البائع لأن ملكه ثابت فيه، ثم لو فسخ العقد لتلف المبيع أو تعذر المسلم فيه وجب رد الثمن كاملًا.
والراجح: أن زكاته على المشتري إذا حال عليه الحول من حيث لزوم العقد، وإن لم يقبض المبيع، وهذا هو قول الشافعية (٢).
الشرط الثاني: النماء:
أي أن يكون المال الذي تؤخذ منه الزكاة ناميًا بالفعل، أو قابلًا للنماء، ومعنى النماء في اللغة: الزيادة، أي أن يكون من شأنه أن يدر على صاحبه ربحًا وفائدة: أي دخلًا أو غلة أو إيرادًا ونحو ذلك مما يعدُّ نماءً، وعلى هذا قسم علماء الشريعة المال النامي إلى قسمين:
القسم الأول: نماء حقيقي: كزيادة المال ونمائه بالتجارة، أو التوالد؛ كتوالد الغنم والإبل.
стр. 534
القسم الثاني: نماء تقديري: كقابلية المال للزيادة فيما لو وضع في مشاريع تجارية، وقد استنبط الفقهاء هذا الشرط من سنة النبي ﷺ حيث قال: "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ في فَرَسِهِ وَغُلامِهِ صَدَقَةٌ" (١).
ويدخل في ذلك الأموال التي ادخرت للحاجات الأصلية، كالطعام المدخر، وأدوات الحرفة، وما يستعمله الصانع في صنعته التي تدر عليه ما يكفيه وما ينفق منه، ودواب الركوب، ودور السكن، وأثاث السكن، وغير ذلك من الحاجات الأصلية، وخرجت أيضًا الأنعام التي لم تُعَدُّ للدرِّ والنَّسل، بل كانت معدة للحرث أو الركوب أو اللحم، وغيره من الحاجات الأصلية.
أما الذهب والفضة فلا يشترط فيهما شرط النماء بالفعل لأنهما نماء خلقة، فتجب الزكاة فيهما نوى التجارة أو لم ينو أصلًا.
الشرط الثالث: حولان الحول على المال:
وذلك بأن يمر على المال في حوزة مالكه اثنا عشر شهرًا قمريًا، وهذا الشرط خاص بالأنعام والنقود، والسلع التجارية، أما الزروع، والثمار، والعسل، والمستخرج من المعادن والكنوز ونحوها فلا يشترط لها الحول بل تجب الزكاة فيها ولو لم يحل الحول لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢)، ولأنها نماء في نفسها فلم يشترط فيها الحول إذ أنها تعود بعد ذلك إلى النقص.
زكاة المال المستفاد أثناء الحول:
إن لم يكن عند المكلف مالٌ فاستفاد مالًا زكويًا لم يبلغ نصابًا فلا زكاة فيه، ولا ينعقد حوله فإن تم عنده نصاب انعقد الحول من يوم تم النصاب، وتجب
стр. 535
عليه زكاته إن بقي إلى تمام الحول، وإن كان عنده نصاب وقبل أن يحول عليه الحول استفاد مالًا من جنس ذلك النصاب أو مما يضم إليه فله ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن تكون الزيادة من نماء المال الأول كربح التجارة ونتاج السائمة، فهذا يزكى مع الأصل عند تمام الحول لا نعلم في ذلك خلافًا لأنه تبع للنصاب من جنسه فأشبه النماء المتصل.
القسم الثاني: أن يكون المستفاد من غير جنس المال الذي عنده، كأن يكون ماله إبلًا سائمة، وإذا كانت الإبل للتجارة وليست للاقتناء بل هي للبيع والشراء تجارة كما هو في الوقت الحاضر، هل تكون كعروض التجارة؟ فيستفيد ذهبًا أو فضة فهذا النوع لا يزكى عند حول الأصل، بل ينعقد حوله يوم استفادته إن كان نصابًا اتفاقًا.
القسم الثالث: أن يستفيد مالًا من جنس نصاب عنده قد انعقد حوله وليس المستفاد منه نماء المال الأول كأن يكون عنده عشرون مثقالًا ذهبًا ملكها في أول المحرم، ثم يستفيد ألف مثقال في أول ذي الحجة. فقد اختلف العلماء في ذلك:
١ - فالشافعية (١)، والحنابلة (٢) إلى أنه يضم إلى الأول في النصاب دون الحول، فيزكي الأول عند حوله أي في أول المحرم في المثال المتقدم، ويزكي الثاني لحوله أي في أول ذي الحجة ولو كان أقل من النصاب لأنه بلغ بضمه إلى الأول نصابًا.
٢ - وذهب الحنفية (٣) إلى أنه يضم كل ما يأتي في الحول إلى النصاب الذي
стр. 536
عنده فيزكيها جميعًا عند تمام حول الأول، عللوا لذلك لأنه يضم إلى جنسه في النصاب فوجب ضمه إليه في الحول كالنصاب، وذهب المالكية (١) إلى التفريق في ذلك بين السائمة والنقود، فقالوا: في السائمة يقول أبي حنيفة، قالوا لأن زكاة السائمة موكولة إلى الساعي، أما الأثمان فلا تضم لأنها موكولة إلى أربابها.
الشرط الرابع: بلوغ النصاب:
النصاب هو مقدار المال الذي لا تجب الزكاة في أقل منه، وهو يختلف باختلاف أجناس الأموال الزكوية.
دليل ذلك الشرط ما رواه البخاري ومسلمٌ عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الوَرِقِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنْ الإِبِلِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ" (٢).
هل يعتبر وجود النصاب في جميع الحول ؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
١ - فالشافعية (٣)، ورواية في مذهب أحمد (٤) وهي المعتمدة في المذهب أن من شرط وجوب الزكاة وجود النصاب في جميع الحول من أوله إلى آخره، فلو نقص في بعضه ولو كان يسيرًا انقطع الحول ولم تجب الزكاة في آخره.
مثاله: من كان عنده أربعون شاة فماتت في الحول واحدة ثم ولدت واحدة
стр. 537
انقطع الحول، فإن كان الموت والنتاج في لحظة واحدة لم ينقطع، وفي رواية في مذهب أحمد (١) النقص اليسير كساعة أو ساعتين معفو عنه.
٢ - وذهب الحنفية (٢) إلى أن المعتبر طرفا الحول، فإن تم النصاب في أوله وآخره وجبت الزكاة، ولو نقص المال عن النصاب في أثنائه ما لم يتقدم المال كليته.
стр. 538
ما تجب فيه الزكاة
تجب الزكاة في أنواع خمسة من المال وهي:
أولًا: النقود.
ثانيًا: الثروة الحيوانية.
ثالثًا: عروض التجارة.
رابعًا: الزروع والثمار.
خامسًا: الثروة المعدنية والبحرية.
سادسًا: المستغلات والدخل.
سابعًا: الأسهم والسندات.
стр. 539
ما تجب فيه الزكاة
أولًا: زكاة النقود: (الذهب والفضة والورق النقدي)
اتفق الفقهاء على وجوب الزكاة في النقود سواء كانت سبائك أم مضروبة، أم آنية، واختلفوا فيها إن كانت الأثمان حُليًّا، وسيأتي تفصيل ذلك -إن شاء الله تعالى- مع بيان القول الراجح.
دليل وجوب الزكاة في النقدين:
جاء ذلك في الكتاب والسنة والإجماع:
أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١).
أما دليل السنة: فما رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْميَ عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلفَ سَنهٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ العِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ" (٢).
أما الإجماع: فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على وجوبها، وأنها الركن الثالث من أركان الإِسلام.
стр. 540
نصابها والمقدار الواجب فيها:
أمر الله تعالى بوجوب الزكاة في الذهب والفضة، وجاءت نصوص السنة توضح نصابها والمقدار الواجب فيها، فمن ذلك:
ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ" (١).
وفيه أيضًا عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خمسِ أَوَاقٍ مِنْ الوَرِقِ صَدَقَةٌ ... " (٢).
وجاء أيضًا في كتاب أبي بكر ﵁ لأنس حينما وجهه إلى البحرين: " ... وَفي الرِّقَّةِ رُبْعُ العُشْرِ فَإِنْ لَمْ تكنْ إِلا تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا" (٣).
أما الإجماع: فقد نقل الإجماع غير واحد في بيان نصاب الذهب والفضة.
قال النووي (٤) ﵀: "فنصاب الفضة خمسة أواق، وهي مائتا درهم بنص الحديث والإجماع، وأما الذهب فعشرون مثقالًا، والمعول فيه على الإجماع".
وقال ابن قدامه (٥) ﵀: " ... وجملة ذلك أن نصاب الفضة مائتا درهم لا خلاف في ذلك بين علماء المسلمين".
стр. 541
زنة الدرهم بالمثقال ؟
قال ابن خلدون ﵀ في مقدمته: "فاعلم أن الإجماع منعقد منذ صدر الإِسلام وعهد الصحابة والتابعين أن الدرهم الشرقي هو الذي تزن العشرة منه سبعة مثاقيل من الذهب، والأوقية منه أربعين درهمًا وهما على هذا سبعة أعشار الدينار، ووزن المثقال من الذهب ثنتان وسبعون حبَّة من الشعير، فالدرهم الذي هو سبعة أعشاره خمسون حبَّة وخمسا حبَّة، وهذه المقادير ثابتة بالإجماع (١).
قال النووي (٢) ﵀: " ... وقال أصحابنا: أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن المعروف، وهو أن الدرهم ستة دوانيق، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا الإِسلام".
تحويل الدرهم والدينار إلى الجرامات:
يتبين لنا فيما ذكرناه أن الدينار: اثنتان وسبعون حبَّة شعير، وأن الدرهم: سبعة أعشار المثقال، وعليه فالدرهم إحدى وخمسون حبَّة شعير احتياطًا (٣).
وهنا يسهل علينا تحويل الدينار والدرهم إلى الجرامات وذلك عن طريق وزن حبات الشعير المحددة، ومن خلال إجراء الوزن تبين لنا ما يلي:
١ - وزن الدينار يتراوح بين ثلاثة جرامات ونصف الجرام، وبين ثلاثة جرامات وثلاثة أرباع الجرام.
٢ - وزن الدرهم يتراوح بين جرامين وثلث جرام، وبين جرامين وثلاثة من عشرة من الجرام.
стр. 542
وبهذا يصبح نصاب الذهب بالجرامات سبعين جرامًا "حاصل ضرب عشرين جرامًا في ثلاثة جرامات ونصف الجرام" (٢٠ × ٣. ٥) = ٧٠ جرامًا.
أما نصاب الفضة فأربعمائة وستون جرامًا "حاصل ضرب مائتي درهم في جرامين وثلاثة من عشرة من الجرامات" (٢٠٠ × ٢. ٣) = ٤٦٠ جرامًا.
وما ذكر هنا من نصاب الذهب والفضة جاء بعد قيام الشيخ عبد الله الطيار بإجراء وزن حبات الشعير المحددة مجموعة ومفردة، وبالصفة التي حددها أهل العلم من كونها متوسطة مقطوعة الطرفين ما دق وطال عليها قشرتها (١).
فائدة: يرى الدكتور عبد الله المطلق أن نصاب الذهب عشرون مثقالًا، ويقدر بالجنيه السعودي بإحدى عشر جنيهًا وثلاثة أسباع الجنيه، ووزنه بالجرام واحد وتسعون جرامًا وثلاثة أسباع الجرام (٢)، وقيل خمسة وثمانون جرامًا (٣)، ونصاب الفضة مئتا درهم، ويساوي بمائة وأربعين مثقالًا، ومقداره بالريال السعودي ستة وخمسة ريالًا فضيًا، ووزنه بالجرام خمسمائة وخمسة وتسعون جرامًا (٤).
القدر الواجب إخراجه من الذهب والفضة:
أجمع الفقهاء على أن القدر الواجب إخراجه من زكاة الذهب والفضة هو نسبة ربع العشر (٢. ٥)، لكن اختلفوا في الوقص.
فذهب جمهور أهل العلم (٥) إلى أنه لا وقص في الذهب والفضة، فلو كان
стр. 543
عنده (٢١٠) دراهم في المائتين خمسة دراهم، وفي الزائد بحسابه، وهو في المثال ربع درهم.
واحتج الجمهور لذلك بما ورد عن النبي ﷺ قال: "فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَم فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فما زَادَ فَعَلَى حِسَابِ ذَلِكَ" (١).
وذهب أبو حنيفة (٢) إلى أن الزائد على النصاب عفو لا شيء فيه حتى يبلغ خمس نصاب، فإذا بلغ الزائد من الفضة أربعين درهمًا فيكون بها درهم ثم لا شيء في الزائد حتى تبلغ أربعين درهمًا، وهكذا.
وكذا في الذهب لا شيء في الزائد على العشرين مثقالًا حتى يبلغ أربعة مثاقيل.
النصاب في المغشوش من الذهب والفضة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
١ - فالشافعية (٣)، والحنابلة (٤) على أنه لا زكاة في المغشوش حتى يبلغ خالصه نصابًا، واحتجوا لذلك بقوله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الوَرِقِ صَدَقَةٌ ... " (٥)، فإذا بلغه أخرج الواجب خالصًا، أو أخرج المغشوش مما يعلم اشتماله على خالص بقدر الواجب مع مراعاة درجة الجودة.
٢ - وقال الحنفية (٦): إذا كان الغالب على الورق المضروب الفضة فهو في
стр. 544
حكم الفضة، فتجب فيه الزكاة كأنه كله فضة، أما إن كان الغش هو الغالب فلا يكون لها حكم الفضة، بل حكم العروض فلا زكاة فيها إلا إن نواها للتجارة وبلغت نصابًا بالقيمة، فإن لم ينوها للتجارة فإن كانت بحيث يخلص منها فضة تبلغ نصابًا وجبت زكاتها وإلا فلا.
٣ - وقال المالكية (١): إن كانت الدراهم والدنانير المغشوشة رائجة رواج غير المغشوشة فإنها تعامل مثل الكاملة تمامًا، فتكون فيها زكاة إن بلغ وزنها بما فيها من الغش نصابًا، أما إن كانت غير رائجة فالعبرة بما فيها من الذهب أو الفضة الخالصين على تقدير التصفية، فإن بلغ نصابًا زكى وإلا فلا.
والذي نرجحه في هذه المسألة: أنه لا زكاة في المغشوش من الذهب والفضة حتى يبلغ الخالص نصابًا، وعليه الجمهور، وجزم به كثير منهم كما نقل ذلك صاحب الإنصاف (٢).
ضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب:
١ - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، وهو رواية في مذهب الحنابلة (٥) إلى أن الذهب والفضة يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، واستدلوا لذلك بأن نفعها متحد من حيث إنهما ثمنان.
٢ - وذهب الشافعية (٦)، وهو رواية في مذهب الحنابلة (٧) إلى أنها لا تجب في
стр. 545
أحد الجنسين الزكاة حتى يكمل وحده نصابًا لعموم حديث: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الوَرِقِ صَدَقَةٌ ... " (١).
قال المجد ﵀: "يروى عن الإِمام أحمد أنه رجع إليها أخيرًا"، وهذا ما اختاره الشيخ محمَّد الصالح العثيمين (٢) ﵀، لكن يستثنى من ذلك ما إذا كان الذهب والفضة عروض تجارة كأموال الصيارف، فإنه يضم أحدهما للآخر في تكميل النصاب لأن المقصود القيمة.
والراجح: أنه يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب.
إخراج أحد النقدين عن الآخر في الزكاة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
الأول: لا يجوز إخراج أحد النقدين عن الآخر وذلك لأن أنواع الجنس لا يجوز إخراج أحدهما عن الآخر إذا كان أقل من المقدار، فمع اختلاف الجنس أولى.
الثاني: يجوز؛ قال ابن قدامه (٣) ﵀ في المغني وهو أصح -إن شاء الله- لأن المقصود أحدهما وهو يحصل بإخراج الآخر فيجزيء كأنواع الجنس، وذلك لأن المقصود منهما جميعًا التنمية والتوصل بها إلى المقاصد، وهما يشتركان فيه على السواء.
زكاة الحلي:
اختلف الصحابة ومن بعدهم في هذه المسألة:
стр. 546
١ - فذهب عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأنس وأسماء بنت أبي بكر ﵃ إلى أن الحلي ليس فيه زكاة، نقل ذلك عنهم الترمذيُّ في صحيحه، وابن قدامة (١) في المغني، وهو قول مالك (٢)، والشافعيُّ (٣)، وأحمدُ (٤)، وكثير من علماء السلف والخلف.
٢ - وذهب عمر وابن مسعود وابن عباس وعبد الله بن عمرو ﵃، وإليه ذهب أبو حنيفة (٥)، وكثير من علماء السلف والخلف إلى وجوب إخراج الزكاة في الحلي، وهذا هو اختيار مشايخنا عبد العزيز بن باز (٦)، ومحمَّد بن صالح العثيمين (٧).
وسبب الاختلاف في ذلك ناشئ عن الآتي:
أولًا: أن حلي الذهب والفضة للنساء لم يرد في شأنها شيء في كتب صدقات النبي ﷺ ، ولا جاء نص صريح صحيح بإيجاب الزكاة فيه أو نفيها عنه، وإنما وردت أحاديث اختلف الفقهاء في ثبوتها كما اختلفوا في دلالتها.
ثانيًا: أن قومًا نظروا إلى المادة التي صنع من أجلها الحلي فقالوا: إنها نفس المعدن الذي خلقه الله ليكون نقدًا، يجري به التعامل بين الناس والذي وجبت فيه الزكاة بالإجماع، ومن ثمَّ أوجبوا فيه الزكاة كسبائك الذهب والفضة ونقديهما.
стр. 547
ونظر آخرون إلى أن هذا الحلي بالصناعة والصياغة خرج عن مشابهة النقود، وأصبح من الأشياء التي تقتنى لإشباع الحاجات الشخصية كالأثاث، والمتاع، والثياب، وهذه لا تجب فيها الزكاة بالإجماع؛ لأن الزكاة إنما تجب في المال النامي، أو القابل للنماء والاستغلال.
وبعد النظر في أدلة الفريقين يترجح عندنا أن أداء الزكاة في حلي المرأة غير واجب، لكن زكاته الأولى والأحوط والأبرأ للذمة خروجًا من الخلاف، وسبب الترجيح لهذا القول ما يلي:
١ - أن الأصل براءة الذمة من التكاليف الشرعية ما لم يرد دليل صريح صحيح، وزكاة الحلي لم يرد فيها ذلك وإنما اعتمد من قال بالوجوب على أدلة عامة.
٢ - أن وجوب الزكاة يدور على النماء، وهو معدوم في حلي المرأة.
٣ - أن القول بعدم وجوب الزكاة في حلي المرأة هو قول عامة أهل العلم، وهو مذهب مالك، والشافعيُّ، وأحمدُ.
٤ - من المعلوم أنه متى أمكن الجمع بين الأدلة المتعارضة وجب المصير إليه، والجمع هنا ممكن، ولا يكون ذلك إلا بالخروج من الخلاف، وهو العمل بالأحوط والأسلم للعاقبة.
زكاة النقود الورقية:
لم تعرف النقود الورقية إلا في العصر الحاضر، ومن هنا اختلف الفقهاء فيها هل تجب الزكاة فيها مطلقًا؟ أم هي عروض إن نوى بها التجارة ففيها الزكاة، وإلا فلا؟
القول الأول: ذهب بعض العلماء إلى أن الفلوس (النقود الورقية والمعدنية) عروض، وعليه فلا تجب الزكاة فيها ما لم تعد للتجارة.
стр. 548
وعلى هذا فلو كان الإنسان عنده مليون من هذه النقود الورقية فليس عليه زكاة، ولو أبدل عشرة بعشرين من هذه الفلوس فهو جائز سواء قبضها في مجلس العقد، أو تأخر قبضها كما لو أبدل ثوبًا بثوبين فذلك جائز ولو تأخر القبض، وهذا قول ضعيف لا يعمل به.
القول الثاني: أن الفلوس بمنزلة النقد في وجوب الزكاة نظرًا لأنها عامة أموال الناس، ورؤوس أموال التجارات والشركات، وغالب المدخرات، فلو قيل بعدم الزكاة فيها لأدى ذلك إلى ضياع الفقراء والمساكين، وقد قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١)، وهذا القول هو الراجح، وهو المناسب لروح الشريعة، يدل لذلك أدلة منها:
قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢)، والأموال المعتمدة الآن هي هذه الأموال.
وقول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ حينما أرسله إلى اليمن: " .. فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً في أَمْوَالهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنيائِهِمْ وَتردُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ" (٣)، فهي مال، فالزكاة فيها واجبة ولا إشكال في ذلك.
ثانيًا: زكاة الثروة الحيوانية:
المقصود بالثروة الحيوانية ما ينتفع به الإنسان من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم، وهي التي امتن الله بها على عباده في قوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ
стр. 549
فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
الشروط العامة لزكاة الأنعام:
أولًا: السوم:
ومعنى السوم أن يكون غذاؤها على الرعي من نبات البر، بمعنى أن ترعى من العشب والشجر في الحول كله أو أكثره (٢)، فلو كانت معلوفة لم تجب فيها الزكاة عند الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)؛ لأن في المعلوفة تتراكم المؤونة فينعدم النماء من حيث المعنى. واستدلوا لذلك بحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا: "في كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ" (٦)، وحديث: "في كل خمس من الإبل السائمة شاة" (٧) فدل بمفهومه على أن المعلوفة لا زكاة فيها.
وذهب المالكية (٨) إلى أن الزكاة تجب في الأنعام مطلقًا، أي سائمة كانت أو غير سائمة حتى لو كانت معلوفة كل الحول. وأجابوا عن الحديثين المتقدمين بأن التقييد في الحديث بالسائمة لأن السوم هو الغالب على مواشي العرب، فهو قيد
стр. 550
اتفاقي لبيان الواقع لا مفهوم له، نظيره قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (١)، فإنها تحرم ولو لم تكن في الحجر.
والأولى هنا ما ذهب إليه الأولون لقوة أدلتهم.
هل المعتبر في السوم أكثر الحول أم تمامه ؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألةْ
١ - فالحنفية (٢)، والحنابلة (٣) يرون أن السائمة هي التي تكتفي بالرعي في أكثر الحول، فلو علفها صاحبها نصف الحول أو أكثر كانت معلوفة ولم تجب زكاتها لأن القليل تابع للكثير.
٢ - وذهب الشافعية (٤) على الأصح إلى أن التي تجب فيها الزكاة هي التي ترعى كل الحول، وكذا إن علفت قدرًا قليلًا يعيش بدونه بلا ضرر بيِّن تجب فيها الزكاة، فإن علفت أكثر من ذلك فلا زكاة فيها.
والراجح: ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، فإذا كانت بهيمة الأنعام سائمة الحول أو أكثره وجبت فيها الزكاة.
فمثلًا: إذا كان عند إنسان إبل ترعى خمسة أشهر، ويعلفها سبعة أشهر فلا زكاة فيها، وإذا كانت ترعى ستة أشهر ويعلفها ستة أشهر فلا زكاة فيها، وإذا كانت ترعى كل الحول ففيها الزكاة، وإذا كانت ترعى سبعة أشهر ويعلفها خمسة أشهر ففيها الزكاة.
стр. 551
ثانيًا: أن تبلغ النصاب الشرعي:
لأنها لا تجب إلا على الأغنياء، وأما من يملكون أعدادًا يسيرة منها لحاجتهم فلا زكاة فيها، والنصاب في الإبل خمس، وفي الغنم أربعون، وفي البقر ثلاثون، وما دون ذلك فلا زكاة فيه.
ثالثًا: حولان الحول:
قال ابن قدامة (١) ﵀: "إن اشتراط حولان الحول في الماشية لأنها مرصدة للدر والنسل، وعروض التجارة مرصدة للربح، وكذا الأثمان، فاعتبر لها الحول لكونه مظنة النماء ليكون إخراج المال من الربح، فإنه أسهل وأيسر ... ".
وحلول الحول ثابت بفعل النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، إذ كانوا يبعثون السعاة مرة في كل عام ليأخذوا صدقات الماشية.
رابعًا: أن لا تكون عاملة:
ومعنى هذا الشرط أن لا يستخدمها صاحبها في حرث الأرض، وسقي الزرع، وحمل الأثقال، وما شابه ذلك من الأشغال، وهذا الشرط خاص بالإبل والبقر.
دليل وجوب الزكاة في الأنعام:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلا بُطِحَ لهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ كلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلفَ سَنةٍ ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ" (٢).
стр. 552
كيفية زكاة بهيمة الأنعام ؟
أولًا: زكاة الإبل:
اتفقت الآثار الصحاح الواردة عن رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم على أن نصاب الإبل ومقاديرها من خمس إلى مائة وعشرين، فمتى ملك المسلم خمس ذود من الإبل وحال عليها الحول وهي في ملكه وجب عليه فيها شاة من الضأن، وإذا ملك عشرًا ففيها شاتان، وإذا ملك خمس عشرة وجب عليه فيها ثلاث شياه، وإذا ملك عشرين وجب عليه فيها أربع شياه، وإذا ملك خمسًا وعشرين وجب فيها بنت مخاض، فإن لم يجدها أجزأه ابن لبون حتى تبلغ ستًا وثلاثين فيجب فيها بنت لبون حتى تبلغ ستًا وأربعين ففيها حقة حتى تبلغ ستين، فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة حتى تبلغ تسعين ففيها بنتا لبون حتى تبلغ مائة وعشرين ففيها حقتان، فإذا زادت عن ذلك ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
وهذا الجدول يبين ويوضح نصاب الإبل حسب ما ذكرناه:
النصاب من الإبل القدر الواجب فيه من إلى ٥ ٩ شاة من الغنم ١٠ ١٤ شاتان ١٥ ١٩ ثلاث شياه ٢٠ ٢٤ أربع شياه ٢٥ ٣٥ بنت مخاض: وهي أنثى الإبل التي أتمت سنة, وقد دخلت في الثانية, وسميت بذلك لأن أمها لحقت
стр. 553
بالمخاض وهي الحوامل.
٣٦ ... ٤٥ ... بنت لبون: وهي أنثى الإبل التي تم لها سنتان ودخلت في الثالثة، وسميت بذلك لأن أمها وضعت غيرها وصارت ذات لبن.
٤٦ ... ٦٠ ... حقة: وهي أنثى الإبل التي أتمت ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة، وسميت حقة لأنها استحقت أن يطرقها الفحل.
٦١ ... ٧٥ ... جذعة: وهي أنثى الإبل التي أتمت أربع سنين ودخلت في الخامسة، وسميت بذلك لأنها جذعت مقدم أسنانها، أي أسقطته.
٧٦ ... ٩٠ ... بنتا لبون.
٩١ ... ١٢٠ ... حقتان.
ودليل ما ذكرناه في نصاب الإبل:
جاءت نصوص السنة ببيان المقادير التي يجب إخراجها في زكاة الإبل، ومن ذلك:
ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ هَذَا الكِتَابَ لمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى المُسْلِمِينَ وَالَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ فَمَنْ سُئِلَهَا مِنْ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَليُعْطِهَا وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلا يُعْطِ في أَرْبَعٍ وَعِشرِينَ مِنْ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنْ الغَنَم مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنثَى فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا
مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ" (١).
المقدار الواجب إخراجه من زكاة الإبل فيما بين (١٢١ - ١٢٩) من الإبل:
اختلف الفقهاء فيما بين (١٢١ - ١٢٩) من الإبل:
١ - فقال مالك (٢) يتخير الساعي بين حقتين وثلاث بنات لبون.
٢ - وذهب أبو عبيد وهي الرواية الأخرى للإمام أحمد (٣) إلى أن فيها الحقتين؛ لأن الفرض لا يتغير إلا بمائة وثلاثين.
المقدار الواجب إخراجه فيما زاد عن المائة والعشرين من الإبل:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن ما زاد عن المائة والعشرين أن في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، فيكون الجدول كالآتي:
النصاب من الإبل ... القدر الواجب فيه
من ... إلى ...
١٢١ ... ١٢٩ ... ثلاث بنات لبون.
١٣٠ ... ١٣٩ ... حقة + بنتا لبون
١٤٠ ... ١٤٩ ... حقتان + بنت لبون
١٥٠ ... ١٥٩ ... ثلاث حقات.
١٦٠ ... ١٦٩ ... أربع بنات لبون.
١٧٠ ... ١٧٩ ... ثلاث بنات لبون + حقة.
стр. 556
١٨٠ ... ١٨٩ ... حقتان + بنتا لبون.
١٩٠ ... ١٩٩ ... ثلاث حقاق + بنت لبون.
٢٠٠ ... ٢٠٩ ... أربع حقاق أو خمس بنات لبون.
هذا هو قول جمهور الفقهاء، فيما زاد عن المائة والعشرين.
وخالف الجمهور في ذلك الحنفية (١)، فقالوا: إن زادت عن المائة والعشرين تستأنف الفريضة حتى تعود الزكاة إلى الغنم.
فيجب في كل خمس مما زاد عليها شاة بالإضافة إلى الحقتين، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، والراجح من القولين هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء لأنه أقوى حجة، وأوفر أدلة من مذهب الحنفية.
النوع المخرج من الإبل في زكاتها:
الذي يؤخذ في زكاة الإبل الإناث دون الذكور إلا ابن لبون إن عدم بنت مخاض كما في الحديث المتقدم بخلاف البقر كما سيأتي فإنه يؤخذ منها المذكور.
النوع المخرج من الغنم في زكاة الإبل:
الشاة التي تؤخذ في زكاة الإبل إن كانت أنثى "جذعة من الضأن، أو ثنية من الماعز فما فوق ذلك" أجزأت بلا نزاع، أما الذكر فيحتمل أن يجزي لصدق اسم الشاة عليه، وهو المعتمد عند المالكية (٢)، والأصح عند الشافعية (٣)، ويحتمل أنه لا يجزئ وهو الراجح.
стр. 557
إخراج المزكي أعلى من السن الواجب عليه:
إذا تطوع المزكي فأخرج عما وجب عليه سنًا أعلى من السن الواجب جاز، مثل أن يخرج بدل بنت مخاض بنت لبون أو حقة، أو جذعة أو عن بنت لبون حقة أو جدعة، قال ابن قدامة لا نعلم في ذلك خلافًا لما في حديث أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال لمن قدم ناقة عظيمة سمينة عن بنت مخاض: "ذَاكَ الَّذِي عَلَيْكَ فَإنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللهُ فِيهِ وَقَبِلنَاهُ مِنْكَ ... " (١).
إخراج الإبل عن الزكاة الواجبة عن زكاتها من الغنم:
إن أخرج بدل الشاة ناقة أجزأه، وكذا عما وجب من الشياه فيما دون خمس وعشرين لأنه يجزئ عن خمس وعشرين فإجزائه عما دونها أولى، وأيضًا لأن الشريعة لا تفرق بين متماثلين، والشارع أسقط الإبل فيما دون خمس وعشرين رفقًا بالمالك وهذا مذهب الشافعي (٢)، والأصح عند المالكية (٣).
وذهب الحنابلة (٤) إلى أنه لا يجزئ لأنه أخرج عن المنصوص عليه غيره من غير جنسه، فلم يجزئه، كما لو أخرج عن الأربعين من الغنم بعيرًا.
والراجح: ما ذهب إليه الأولون، أي أنه إذا أخرج بدل الشاة ناقة أجزأه ذلك، وهذا هو اختيار الشيخ محمَّد الصالح العثيمين (٥) ﵀.
стр. 558
المقدارالذي يخرجه المزكي في زكاة الإبل إذا لم يكن له السن المحدد:
فيمن وجب عليه في إبله سن فلم يكن في إبله ذلك السنن اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
١ - فالشافعية (١)، والحنابلة (٢) ذهبوا إلى أن من وجب عليه في إبله ذلك السن فله أن يخرج من السن الذي فوقه مما يؤخذ في زكاة الإبل، ويأخذ من الساعي شاتين أو عشرين درهما، أو أن يخرج من السن الذي تحته مما يجزئ في الزكاة ويعطي الساعي معها شاتين أو عشرين درهمًا، واستدلوا لذلك بما رواه البخاري من حديث أنس "أَنَّ أبا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّة فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنْ اسْتَيْسَرتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ... " (٣).
وذهب الحنفية (٤) إلى أن من وجب عليه في إبله سن ولم يكن عنده ذلك السن أو كان عنده السن فله أن يدفع قيمة ما وجب أو يدفع السن الأقل وزيادة الدراهم بقدر النقص، كما لو أدى ثلاث شياه سمان عن أربع وسط أو بعض بنت لبون عن بنت مخاض.
والراجح: ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة لورود النص في ذلك.
ولكن ها هنا تنبيهان:
стр. 559
الأول: أن الجبران إنما يكون في الإبل خاصة دون غيرها من بهيمة الأنعام لأن السنة إنما وردت به فقط في الإبل.
الثاني: أن العشرين درهمًا التي جاءت في الجبران إنما هي للتقويم لا للتعيين، فلو كانت قيمة الشاتين مائتي درهم وأراد أن يعدل عنها فلا يكفي أن يعطيه عشرين درهمًا بل يعطيه مائتي درهم.
هل في الوقص زكاة ؟ اتفق الفقهاء على أن ما بين الفريضتين من الفرائض "الأوقاص" معفو عنه لا زكاة فيه، فالخمس من الإبل إلى التسع فيها شاة واحدة، ولا شيء في مقابل الزائد عن الخمس.
ثانيًا: زكاة البقر:
البقر سمي بقرًا لأنه يشق الأرض بحوافره.
أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في البقر لقوله ﷺ : "مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلا بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأسْمَنَهُ تَنْطَحُهُ بقُرُونِها وَتَطَؤُهُ بِأَظْلافِهَا كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولاهَا حَتَّى يُقْضى بَيْنَ النَاسَ" (١).
نصاب البقر والقدر الواجب فيها:
إذا ملك المسلم ثلاثين بقرة إلى تسع وثلاثين وجب عليه فيها عجل تبيع، وإذا ملك أربعين إلى تسع وخمسين وجب عليه فيها مسنة، وإذا ملك ستين إلى تسع وستين وجب عليه فيها تبيعان، وإذا ملك سبعين إلى تسع وسبعين وجب عليه فيها مسنة وتبيع، ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، وهكذا مهما بلغت.
стр. 560
النصاب من البقر ... القدر الواجب فيه
من ... إلى ...
١ ... ٢٩ ... لا شيء فيها.
٣٠ ... ٣٩ ... تبيع، أو تبيعة، وسمي بذلك لأنه يتبع أمه وهو ما تم له سنة كاملة.
٤٠ ... ٥٩ ... مسنة، وهي ما تم لها سنتان، وسميت بذلك لأنها طلعت أسنانها.
٦٠ ... ٦٩ ... تبيعان.
٧٠ ... ٧٩ ... تبيع ومسنة.
٨٠ ... ٨٩ ... مسنتان.
٩٠ ... ٩٩ ... ثلاثة أتبعة.
١٠٠ ... ١٠٩ ... تبيعان ومسنة
١١٠ ... ١١٩ ... تبيع ومسنتان.
١٢٠ ... ١٢٩ ... أربعة أتبعة أو ثلاث مسنات.
إخراج الذكر في زكاة البقر:
اتفق الفقهاء على أن التَّبيع الذكر يؤخذ في زكاة البقر لورود النص عليه في حديث أنس، فهو بمنزلة التَّبيعة، أما المسن الذكر فقد اختلف فيه الفقهاء، فذهب الحنفية (١) إلى جواز أخذه، وذهب الجمهور إلى عدم الجواز لأن النص إنما ورد في المسنة الأنثى.
стр. 561
مقدار سن التبيع والمسنة:
ذهب جمهور الفقهاء (١) إلى أن التَّبيع ما تم له سنة وطعن في الثانية، والمسنة ما تم لها سنتان وطعنت في الثالثة.
أما المالكية (٢) فعندهم التَّبيع ما تم له سنتان ودخل في الثالثة، والمسنة ما تم لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة.
زكاة الوقص في البقر:
تعريف الوقص:
الوقص الذي من (٤١ - ٥٩) لا شيء فيه عند الجمهور، وهو رواية عن أبي حنيفة (٣)، وقول الصاحبين، وهو المختار عند الحنفية لظاهر الحديث، وفي رواية عن أبي حنيفة إلى أن ما زاد عن الأربعين ليس عفوًا بل يجب فيه بحسابه، ففي كل بقرة ربع عشر مسنة فرارًا من جعل الوقص تسعة عشر، فإنه لجميع أوقاصها فإنها عشرة عشرة.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور وذلك لحديث معاذ المذكور في بيان النصاب والقدر الواجب فيها، وهو صريح في محل النزاع.
ولأن البقر أحد أنواع بهيمة الأنعام، فلم يجب في زكاتها كسر كسائر الأنواع.
ثالثًا: زكاة الغنم:
الغنم: سميت بذلك لأنه ليس لها آلة الدفاع عن نفسها، فكانت غنيمة لكل طالب، وزكاة الغنم واجبة بدليل السنة، وقد انعقد الإجماع على وجوبها.
стр. 562
أما دليل السنة: على وجوبها فمنها الأحاديث المتقدمة، كحديث أبي هريرة، وفيه قوله ﷺ : قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ فَالبَقَرُ وَالغَنَمُ قَالَ: "وَلا صَاحِبُ بقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كانَ يَوْمُ القِيَامَةِ بُطِحَ لهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلا جَلحَاءُ وَلا عَضْبَاءُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأظْلافِهَا ... " (١).
نصابها والقدر الواجب فيها:
أما نصابها والقدر الواجب فيها فكما جاء في حديث أنس المتقدم تكون زكاة الغنم كالآتي:
إذا ملك المسلم أربعين رأسًا من الغنم إلى مائة وعشرين وجب عليه فيها شاة، فإذا زادت واحدة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت واحدة إلى ثلاثمائة وتسع وتسعين ففيها ثلاث شياه، فإذا بلغت أربعمائة ففيها أربع شياه، إلى أربعمائة وتسع وتسعين فإذا بلغت خمسمائة ففيها خمس شياه، وهكذا في كل مائة شاة مهما بلغت.
وهذا جدول يوضح ما ذكرناه:
النصاب من الغنم ... القدر الواجب فيه
من ... إلى ...
١ ... ٣٩ ... لا شيء فيها.
٤٠ ... ١٢٠ ... شاة.
١٢١ ... ٢٠٠ ... شاتان.
٢٠١ ... ٣٩٩ ... ثلاث شياه.
٤٠٠ ... ٤٩٩ ... أربع شياه.
стр. 563
٥٠٠ ... ٥٩٩ ... خمس شياه.
ثم في كل مائة شاة، وهكذا مهما بلغت.
إخراج الذكر من الغنم في الزكاة:
اختلف الفقهاء في جواز إخراج الذكر من الغنم في زكاة الغنم:
١ - فذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، إلى أن اسم الشاة يصدق على الذكر والأنثى، ولذا يجوز إخراج الذكر في زكاة الغنم، ولأن الشاة أيضًا أمر بها مطلقًا فأجزأ فيها الذكر كالأضحية والهدي.
٢ - وذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤) إلى أن الغنم إن كانت فيها إناث وذكور فيتعين إخراج الإناث وذلك لأن الغنم حيوان تجب الزكاة في عينه، فكانت الأنوثية معتبرة في فرضه كالإبل، والمطلق يتقيد بالقياس على سائر النُّصُب والأضحية غير معتبرة بالمال بخلاف مسألتنا.
ما يؤخذ في صدقة الغنم:
أولًا: اتفق الفقهاء على أنه تجزيء في صدقة الغنم الثنية، وهي ما تم له سنة، فما زاد فإن كانت أقل من ذلك فهل تجزيء؟
اختلف الفقهاء في ذلك:
١ - فقال أبو حنيفة (٥) لا تجزيء سواء كانت من الضأن أو المعز، وقال
стр. 564
الصاحبان يجزئ الجذع من الضأن سواء كان الجذع ذكرًا أو أنثى، وهي رواية عن أبي حنيفة، وقول مالك (١).
٢ - وذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣) إلى أن الجذعة إن كانت من الضأن فتجزيء في الزكاة بخلاف المعز، والجذع هو ما تم له ستة أشهر، وأما المعز فيجزيء فيها الثني، وهو ماله سنة، وهذا هو الراجح.
ثانيًا: لا يؤخذ في صدقة الغنم تيس، ولا هرمة، ولا ذات عوار، فهذه الثلاث لا تؤخذ لدناءتها, ولقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٤)، ولقوله ﷺ في حديث أنس ﵁: "أبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الصَّدَقَةَ الَّتِي أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ وَلا يُخرَجُ في الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلا ذَاتُ عَوَارٍ وَلا تَيْسٌ إِلا مَا شَاءَ المُصَدِّقُ" (٥).
وقد قيل: لا يؤخذ تيس الغنم لفضيلته، وكان أبو عبيد (٦) يروي هذا الحديث: "إِلا أَنْ يَشَاءَ المصدَّق" بفتح الدال، يعني صاحب المال، فعلى هذا يكون الاستثناء في الحديث راجعًا للتيس وحده.
وذكر الخطابي أن جميع الرواة يخالفونه في هذا، فيرونه: "المصدِّق" بكسر الدال، أي العامل.
وقال: التيس لا يؤخذ لنقصه ولفساد لحمه.
стр. 565
وعلى هذا لا يأخذ المصدِّق وهو الساعي أحد هذه الثلاثة إلا أن يرى ذلك، بأن يكون جميع المال من جنسه فيكون له أن يأخذ من جنس المال، فيأخذ هرمة من هرمات ومعيبة من المعيبات وتيسًا من التيوس.
ثالثًا: لا يؤخذ من الصدقة الرُّبَّى، وهي التي تُربي ولدها, ولا الماخض التي قد حان ولادها, ولا كرائم المال إلا أن يشاء ربه، فهذه الثلاثة لا تؤخذ لحق رب المال.
ولا تؤخذ أيضًا الأكولة وهي السمينة، وكذا الفحل، فهذه كلها من كرائم الأموال، وأخذها إضرار بالغني، ولا شك أن الإِسلام بشريعته العادلة وازن بين المصالح للفقراء والأغنياء.
زكاة الخلطة:
الخُلطة: بضم الخاء، وهي أن يجعل مال الرجلين أو الجماعة كمال الرجل الواحد، فيجب فيه ما يجب في مال الرجل الواحد.
وقد اختلفت أقوال الفقهاء في تأثير الخلطة، وهل هي عام في جميع الأموال أم هي خاصة في بهيمة الأنعام؟ وإليك أقوال الفقهاء في الخلطة:
١ - ذهب الحنفية (١) إلى أنه لا تجب الزكاة في المال المشترك "الخلطة" إلا إذا كان نصيب كل واحد يبلغ نصابًا على انفراد، فإن الأصل الثابت "المجمع عليه أن الزكاة لا تعتبر إلا بملك الشخص الواحد.
٢ - وذهب المالكية (٢) إلى أن خلطاء الماشية كمالك واحد في الزكاة، ولا أثر