← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

مقدار سن التبيع والمسنة: ذهب جمهور الفقهاء (١) إلى أن التَّبيع ما تم له سنة وطعن في الثانية، والمسنة ما تم لها سنتان وطعنت في الثالثة. أما المالكية (٢) فعندهم التَّبيع ما تم له سنتان ودخل في الثالثة، والمسنة ما تم لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة. زكاة الوقص في البقر: تعريف الوقص: الوقص الذي من (٤١ - ٥٩) لا شيء فيه عند الجمهور، وهو رواية عن أبي حنيفة (٣)، وقول الصاحبين، وهو المختار عند الحنفية لظاهر الحديث، وفي رواية عن أبي حنيفة إلى أن ما زاد عن الأربعين ليس عفوًا بل يجب فيه بحسابه، ففي كل بقرة ربع عشر مسنة فرارًا من جعل الوقص تسعة عشر، فإنه لجميع أوقاصها فإنها عشرة عشرة. والراجح ما ذهب إليه الجمهور وذلك لحديث معاذ المذكور في بيان النصاب والقدر الواجب فيها، وهو صريح في محل النزاع. ولأن البقر أحد أنواع بهيمة الأنعام، فلم يجب في زكاتها كسر كسائر الأنواع. ثالثًا: زكاة الغنم: الغنم: سميت بذلك لأنه ليس لها آلة الدفاع عن نفسها، فكانت غنيمة لكل طالب، وزكاة الغنم واجبة بدليل السنة، وقد انعقد الإجماع على وجوبها.

стр. 562

أما دليل السنة: على وجوبها فمنها الأحاديث المتقدمة، كحديث أبي هريرة، وفيه قوله ﷺ : قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ فَالبَقَرُ وَالغَنَمُ قَالَ: "وَلا صَاحِبُ بقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلا إِذَا كانَ يَوْمُ القِيَامَةِ بُطِحَ لهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلا جَلحَاءُ وَلا عَضْبَاءُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأظْلافِهَا ... " (١). نصابها والقدر الواجب فيها: أما نصابها والقدر الواجب فيها فكما جاء في حديث أنس المتقدم تكون زكاة الغنم كالآتي: إذا ملك المسلم أربعين رأسًا من الغنم إلى مائة وعشرين وجب عليه فيها شاة، فإذا زادت واحدة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت واحدة إلى ثلاثمائة وتسع وتسعين ففيها ثلاث شياه، فإذا بلغت أربعمائة ففيها أربع شياه، إلى أربعمائة وتسع وتسعين فإذا بلغت خمسمائة ففيها خمس شياه، وهكذا في كل مائة شاة مهما بلغت. وهذا جدول يوضح ما ذكرناه: النصاب من الغنم ... القدر الواجب فيه من ... إلى ... ١ ... ٣٩ ... لا شيء فيها. ٤٠ ... ١٢٠ ... شاة. ١٢١ ... ٢٠٠ ... شاتان. ٢٠١ ... ٣٩٩ ... ثلاث شياه. ٤٠٠ ... ٤٩٩ ... أربع شياه.

стр. 563

٥٠٠ ... ٥٩٩ ... خمس شياه. ثم في كل مائة شاة، وهكذا مهما بلغت. إخراج الذكر من الغنم في الزكاة: اختلف الفقهاء في جواز إخراج الذكر من الغنم في زكاة الغنم: ١ - فذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، إلى أن اسم الشاة يصدق على الذكر والأنثى، ولذا يجوز إخراج الذكر في زكاة الغنم، ولأن الشاة أيضًا أمر بها مطلقًا فأجزأ فيها الذكر كالأضحية والهدي. ٢ - وذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤) إلى أن الغنم إن كانت فيها إناث وذكور فيتعين إخراج الإناث وذلك لأن الغنم حيوان تجب الزكاة في عينه، فكانت الأنوثية معتبرة في فرضه كالإبل، والمطلق يتقيد بالقياس على سائر النُّصُب والأضحية غير معتبرة بالمال بخلاف مسألتنا. ما يؤخذ في صدقة الغنم: أولًا: اتفق الفقهاء على أنه تجزيء في صدقة الغنم الثنية، وهي ما تم له سنة، فما زاد فإن كانت أقل من ذلك فهل تجزيء؟ اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - فقال أبو حنيفة (٥) لا تجزيء سواء كانت من الضأن أو المعز، وقال

стр. 564

الصاحبان يجزئ الجذع من الضأن سواء كان الجذع ذكرًا أو أنثى، وهي رواية عن أبي حنيفة، وقول مالك (١). ٢ - وذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣) إلى أن الجذعة إن كانت من الضأن فتجزيء في الزكاة بخلاف المعز، والجذع هو ما تم له ستة أشهر، وأما المعز فيجزيء فيها الثني، وهو ماله سنة، وهذا هو الراجح. ثانيًا: لا يؤخذ في صدقة الغنم تيس، ولا هرمة، ولا ذات عوار، فهذه الثلاث لا تؤخذ لدناءتها, ولقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٤)، ولقوله ﷺ في حديث أنس ﵁: "أبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الصَّدَقَةَ الَّتِي أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ وَلا يُخرَجُ في الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلا ذَاتُ عَوَارٍ وَلا تَيْسٌ إِلا مَا شَاءَ المُصَدِّقُ" (٥). وقد قيل: لا يؤخذ تيس الغنم لفضيلته، وكان أبو عبيد (٦) يروي هذا الحديث: "إِلا أَنْ يَشَاءَ المصدَّق" بفتح الدال، يعني صاحب المال، فعلى هذا يكون الاستثناء في الحديث راجعًا للتيس وحده. وذكر الخطابي أن جميع الرواة يخالفونه في هذا، فيرونه: "المصدِّق" بكسر الدال، أي العامل. وقال: التيس لا يؤخذ لنقصه ولفساد لحمه.

стр. 565

وعلى هذا لا يأخذ المصدِّق وهو الساعي أحد هذه الثلاثة إلا أن يرى ذلك، بأن يكون جميع المال من جنسه فيكون له أن يأخذ من جنس المال، فيأخذ هرمة من هرمات ومعيبة من المعيبات وتيسًا من التيوس. ثالثًا: لا يؤخذ من الصدقة الرُّبَّى، وهي التي تُربي ولدها, ولا الماخض التي قد حان ولادها, ولا كرائم المال إلا أن يشاء ربه، فهذه الثلاثة لا تؤخذ لحق رب المال. ولا تؤخذ أيضًا الأكولة وهي السمينة، وكذا الفحل، فهذه كلها من كرائم الأموال، وأخذها إضرار بالغني، ولا شك أن الإِسلام بشريعته العادلة وازن بين المصالح للفقراء والأغنياء. زكاة الخلطة: الخُلطة: بضم الخاء، وهي أن يجعل مال الرجلين أو الجماعة كمال الرجل الواحد، فيجب فيه ما يجب في مال الرجل الواحد. وقد اختلفت أقوال الفقهاء في تأثير الخلطة، وهل هي عام في جميع الأموال أم هي خاصة في بهيمة الأنعام؟ وإليك أقوال الفقهاء في الخلطة: ١ - ذهب الحنفية (١) إلى أنه لا تجب الزكاة في المال المشترك "الخلطة" إلا إذا كان نصيب كل واحد يبلغ نصابًا على انفراد، فإن الأصل الثابت "المجمع عليه أن الزكاة لا تعتبر إلا بملك الشخص الواحد. ٢ - وذهب المالكية (٢) إلى أن خلطاء الماشية كمالك واحد في الزكاة، ولا أثر

стр. 566

للخلطة، إلا إذا كان كل من الخليطين يملك نصابًا، بشرط اتحاد الراعي والفحل، والمرواح "المبيت" ونية الخلطة، وأن يكون مال كل واحد متمايزًا عن الآخر، وإلا كانا شريكين، وأن يكون كل منهما أهلًا للزكاة، ولا تؤثر الخلطة إلا في المواشي. ٣ - وذهب الشافعية (١) إلى أن كل واحد من الخلطتين تؤثر في الزكاة ويصير مال الشخصين أو الأشخاص كمال واحد، ثم قد يكون أثرها في وجوب الزكاة، وقد يكون في تكثيرها، وقد يكون في تقليلها. مثال أثرها في الإيجاب: رجلان لكل واحد منهما عشرون شاة، فيجب بالخلطة شاة، ولو انفردوا لم يجب شيء. ومثل التكثير: خلط مائة شاة وواحدة بمثلها، فيجب على كل واحد شاة ونصف، ولو انفردا وجب على كل واحد شاة فقط. ومثال التقليل: ثلاثة لكل واحد أربعون شاة خلطوها، يجب عليهم جميعًا شاة، أي يجب على كل واحد ثلث شاة، ولو انفرد لزمه شاة كاملة، واشترطوا لذلك ما يلي: ١ - أن يكون الشركاء من أهل الزكاة. ٢ - أن يكون المال المختلط نصابًا. ٣ - أن يمضي عليه حول كامل. ٤ - وأن لا يتميز واحد من المال عن الآخر في المُراح "المبيت"، والمسرح "المرتع الذي ترعى فيه"، والمشرب، والراعي، والمحْلب "الموضع الذي تحلب فيه". ٥ - اتحاد الفحل إذا كانت الماشية من نوع واحد.

стр. 567

٤ - وذهب الحنابلة (١) إلى ما ذهب إليه الشافعية إلا أنه اختلفت الرواية في المذهب، هل تؤثر الخلطة في غير السائمة؟ فالصحيح من المذهب أنها لا تؤثر في غير السائمة. وفي رواية عن الإِمام أحمد أنها تؤثر في غير السائمة، كالذهب والفضة والزروع والثمار وعروض التجارة وغير ذلك، فإذا كان بينهم نصاب يشتركون فيه فعليهم الزكاة قياسًا على خلطة الماشية. والراجح: أنه لا تؤثر الخلطة إلا في السائمة، فلا تؤثر في عروض التجارة ولا في الخارج من الأرض، ولا في النقدين لأن الحديث إنما ورد في الماشية ولا دليل على تأثير الخلطة في غيرها، وهذا هو رأي الشيخ محمَّد بن صالح العثيمين (٢). ملكية الشخص لنصاب في مكانين مختلفين: لو كان لرجل عشرون من الشياه في الرياض، وعشرون في المدينة المنورة، فالجمهور على أنه تجب عليه الزكاة لأن المالك واحد، والمذهب لا زكاة عليه لقوله ﷺ : "لا يُفَرَّقَ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلا يُجْمَعَ بَيْنَ مُتفَرِّقٍ خَشْيةَ الصدَقَة" (٣). والأحوط رأي الجمهور، ويحمل الحديث على خلطة الأوصاف. الخلطة مع غير المسلم: لو اختلط مسلم وغيره ممّن ليس من أهل الزكاة كالكافر خلطة أوصاف، فالزكاة على المسلم في نصيبه إذا بلغ نصابًا لأن مخالطة من ليس من أهل الزكاة كالمعدوم.

стр. 568

الخلطة مع اختلاف النية: لو اختلط اثنان في ماشية، وأحدهما يريد بنصيبه التجارة، والآخر يريد الدر والنسل، فهذه خلطة غير مؤثرة لاختلاف زكاة كل منهما، فأحدهما زكاته بالقيمة، والآخر لا زكاة عليه. أجناس الإبل والبقر والغنم: كل جنس من الإبل ينقسم إلى نوعين، فالإبل نوعان: العراب: وهي الإبل العربية وهي ذات سنام واحد، والبخاتي: وهي إبل العجم والترك، وهي ذات سنامين. والبقر نوعان: البقر المعتاد، والجواميس. والغنم: إما ضان، وإما معز. ويقال للذكر والأنثى من الضأن والمعز: شاة. والمقادير التي يجب إخراجها عند بلوغ النصاب تشمل من كل جنس نوعيه، ويضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب. لكن من أي النوعين تؤخذ الزكاة؟ في ذلك تفصيل: أولًا: أن يكون عنده أحد النوعين: فإن كان عنده أحد النوعين فزكاته منه تجزئه اتفاقًا. ثانيًا: أن يكون النوعان مختلفين: إذا اختلف النوعان، فالشافعية (١)،

стр. 569

والحنابلة (١) على أنه تؤخذ من كل نوع ما يخصه لأنها أنواع تجب فيها الزكاة، فتؤخذ زكاة كل نوع منه كأنواع الثمرة والحبوب، وقالوا: لو أخذ عن الضأن ماعزًا أو عكسه جاز بشرط رعاية القيمة، وفي قول عند الشافعية: يؤخذ الضأن عن المعز دون العكس، وعراب البقر من الجواميس دون العكس لأن الضأن والمعز أشرف. هل تجب الزكاة في العين أم في الذمة ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: الأول: ذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعيُّ (٤) في مذهبه الجديد إلى أن الزكاة تجب في العين دون الذمة، فإذا هلك المال بعد وجوب الزكاة سقطت الزكاة عنه لأنه حق يتعلق بالمال فيسقط الزكاة، فيتعلق بعينه كحق المضارب، وإذا هلك بعض المال سقط حظه من الزكاة. أما الاستهلاك فلا يسقط الزكاة لأنها بعد الوجوب بمنزلة الأمانة، فإذا استهلكها صاحبها ضمنها. الثاني: ذهب الحنابلة (٥) إلى أن الزكاة تجب في الذمة بحلول الحول، وإن تلف المال فرط أم لم يفرط، وإذا حال الحول على مال لم يؤد زكاته وجب أداؤها لما مضى. وفائدة الخلاف بين كونها في الذمة أو العين ينتج عنه أن الزكاة إذا كانت في الذمة فحال على ماله حول فأكثر لم يؤد زكاتها وجب عليه أداؤها لما مضى، ولا

стр. 570

تنتقض عنه الزكاة في الحول الثاني، وعلى القول الثاني بأنها تجب في عين المال ولا يجب عليه إلا زكاة سنة واحدة السنة الأولى لأنه بإخراج الزكاة سينقص النصاب، فإذا كان عند إنسان أربعون شاة سائمة ومضى عليها الحول ففيها شاة، وبها ينقص النصاب لأن الزكاة واجبة في عين المال، أما إن قلنا إن الزكاة واجبة في الذمة فإنها تجب في كل سنة شاة. ومن ثمرات الخلاف أيضًا: أننا لو قلنا بأن الزكاة تجب في العين فلا يجوز لصاحب المال إذا وجبت عليه الزكاة أن يتصرف فيه كتعلق الرهن بالعين المرهونة. والراجح: أن الزكاة تجب في عين المال ولها تعلق بالذمة، فالإنسان في ذمته مطالب بها وهي واجبة في المال ولولا المال لم تجب الزكاة فهي واجبة في عين المال. لكن يستثنى من ذلك عروض التجارة فإن الزكاة لا تجب في عينها ولكن تجب في قيمتها. دفع القيمة في الزكاة: ١ - ذهب جمهور الفقهاء (١) إلى أنه لا يجزئ إخراج القيمة في شيء من الزكاة لأن الحق لله تعالى، وقد علقه على ما نص عليه فلا يجوز نقل ذلك إلى غيره كالأضحية. لما علقها على الأنعام لم يجز نقلها إلى غيرها، وبعبارة أخرى فإن الزكاة قربة لله تعالى، وكل ما كان كذلك فسبيله أن يتبع فيه أمر الله تعالى، قال النبي ﷺ : "في كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ ... " (٢)، "فَإذَا كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ" (٣)،

стр. 571

وهو وارد لبيان مجمل وهو قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١)، ولأن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: "خُذْ الحَبَّ مِنْ الحَبِّ وَالشَّاةَ مِنْ الغَنَمِ وَالبَعِيرَ مِنْ الإِبِلِ وَالبقَرَةَ مِنْ البقَرِ" (٢)، وهو نص يجب التزامه، ولا يتجاوز إلى القيمة. هذه بعض تعليلات الجمهور لعدم جواز أخذ القيمة في الزكاة. ٢ - وخالف الأحناف (٣) فقالوا بجواز دفع القيمة في الزكاة، وكذا في العشر الخراج، وزكاة الفطر، والنذر، والكفارة، وذلك تفريعًا على مبدئهم أن الواجب في الزكاة جزء من النصاب إما صورة أو معنى، أو معنى فقط. والراجح: ما ذهب إليه شيخ الإِسلام ﵀ أنه يجب إخراج الأصل لكن يجوز إخراج القيمة في الزكاة للحاجة أو المصلحة أو العدل. قال شيخ الإِسلام (٤) ﵀: "وأما إخراج القيمة للحاجة -أو المصلحة- أو العدل فلا بأس به، ولا يكلف أن يشتري ثمرًا، أو حنطة إذا كان ساوى الفقراء بنفسه". ومثاله: أن يكون عليه شاة في خمس من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة فإخراج القيمة هنا كاف، ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى يشتري شاة. ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه القيمة لكونها أنفع فيعطيهم إياها، أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء فإن لم تكن حاجة ولا مصلحة راجحة فالأظهر أن إخراج القيمة ممنوع.

стр. 572

كون الفرع أو النتاج يتبع الأصل في الزكاة: اتفق الفقهاء على أن النتاج أو الفرع -أولاد الأنعام- يتبع الأمهات في الحول، فكل ما نتج أو تولد من الأمهات وتم انفصاله قبل تمام حول النصاب الأصلي ولو بلحظة يزكى بحول الأصل. مثال ذلك: إنسان عنده مائة وعشرون من الغنم، فولدت واحدة منها سخلة "صغيرة أولاد الماعز والضأن" قبل الحول ولو بلحظة والأمهات كلها باقية لزمه شاتان. المستفاد في أثناء الحول: ١ - ذهب الجمهور (١) إلى أنه من كان له نصاب فاستفاد في أثناء الحول شيئًا من جنسه بشراء أو صدقة أو هبة أو ميراث ونحو ذلك فإنه يضمه إلى النصاب ويزكيه معه كربح مال التجارة، ونتاج السائمة، ويعتبر حول أصله لأنه تبع له من جنسه، فأشبه النماء المتصل وهو زيادة قيمة عروض التجارة، وإن لم يكن من جنسه لا يضم اتفاقًا. ٢ - وقال الشافعية (٢) لا يضم المملوك بشراء أو غيره كهبة أو إرث أو وصية إلى ما عنده في الحول، وإنما يبدأ له حول جديد لأنه ليس في معنى النتاج لأن الدليل قد قام على اشتراط الحول واستثنى النتاج. وينبني على هذا الخلاف أن من كان عنده نصاب من النعم كخمس من الإبل، وثلاثين من البقر، وأربعين من الغنم فأكثر فاستفاد بهيمة أو صدقة

стр. 573

أو استحقاقًا في وقف أو دينًا أو إرثًا ونحو ذلك، فعلى قول الجمهور أنه يضم للأول الذي عنده ويزكيه معه، فيكون عليه شاتان بعد أن كان عليه واحدة، أو تبيعان بعد أن كان عليه تبيع أو حقة مثلا، وعلى كلام الشافعية أنه ليس عليه إلا شاة واحدة، أو تبيع من البقر. ومثال ذلك أيضًا: من كان عنده نصاب نقدي في بدء الحول ثم قبض رواتب شهرية فيضم ما يدخره ولو من أخر راتب إلى أصل النصاب ويزكيه معه، وهذا هو رأي الجمهور، أما عند الشافعية فإنه يكون للمستفاد أو المتجدد من الدخل حول مستقل على حدة، أي كل متجدد أو مدخر جديد له حوله. والراجح ما ذهب إليه الجمهور. زكاة الخيل: ١ - قرر جمهور الفقهاء ومنهم صاحبا أبي حنيفة (١) أنه لا زكاة فيما يقتنيه المسلم من الخيل للركوب أو حمل الأثقال، أو للجهاد عليها في سبيل الله، سواء كانت سائمة أم معلوفة لأنها مشغولة حينئذ بحاجة صاحبها ومال الزكاة كما قررنا هو المال النامي الفاضل عن الحاجة، ودليل الجمهور في عدم وجوب الزكاة فيها قوله ﷺ : "لَيْسَ عَلَى المُسْلِم في فَرَسِهِ وَغُلامِهِ صَدَقَةٌ" (٢)، وقوله: "عَفَوْتُ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ وَالرَّقِيق" (٣). ٢ - وذهب أبو حنيفة وزفر (٤) إلى أن الخيل إذا كانت سائمة ذكورًا وإناثًا ففيها الزكاة، وليس في ذكورها منفردة زكاة لأنها لا تتناسل، وفي رواية عن أبي

стр. 574

حنيفة في الإناث المنفردات زكاة لأنها تتناسل بالفحل المستعار، واحتج أبو حنيفة لذلك بما رواه البخاري ومسلمٌ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الخَيْلُ لِرَجُلٍ أجرٌ وَلِرَجُلٍ سِترٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي له أجرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبِيلِ اللهِ فَأَطَالَ بهَا في مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ في طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنْ المَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهُ انْقَطَعَ طِيَلُهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ له وَلَوْ أَنَّها مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ له فَهِيَ لِذَلِكَ أجرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهَ في رِقَابِهَا وَلا ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ وَرَجُل رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لأَهْلِ الإِسْلامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ" وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ الحُمُرِ فَقَالَ: "مَا أُنزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلا هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ الفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١). والراجح: ما ذهب إليه الجمهور، وبه أفتت اللجنة الدائمة (٢)، لقول النبي ﷺ : "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ في فَرَسهِ وَغُلامِهِ صَدَقَةٌ" (٣). ثالثًا: زكاة عروض التجارة: معنى عروض التجارة: العروض: جمع عَرَض "بفتحتين": حطام الدنيا، وبسكون الراء: هي ما عدا النقدين "الدراهم الفضية والدنانير الذهبية" من الأمتعة، والعقارات، وأنواع الحيوان، والزروع، والثياب، ونحو ذلك مما أعد للتجارة.

стр. 575

قال في مطالب أولي النهي (١) في تعريفها: "هي ما يعد للبيع والشراء بقصد الربح". حكم الزكاة في عروض التجارة: ذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب الزكاة في عروض التجارة ولم يخالف في ذلك إلا بعض المتأخرين من أهل الظاهر. والراجح: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (٢). قال الإِمام البخاري في كتاب الزكاة "صدقة الكسب والتجارة" وساق هذه الآية المذكورة آنفًا. قال الإِمام الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، يعني بذلك جل ثناؤه: زكوا من طيب ما كسبتم بتصرفكم إما بالتجارة، أو بضاعة من الذهب والفضة، وروي من عدة طرق عن مجاهد في قوله: ﴿كَسَبْتُمْ﴾، قال: من التجارة. وقال الإِمام أبو بكر بن العربي (٣): "قال علماؤنا: قوله تعالى: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾، يعني التجارة"، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾: يعني النبات، وتحقيق ذلك أن الاكتساب "جمع كسب" على قسمين: منها ما يكون من بطن الأرض وهو النباتات كلها، ومنها ما يكون من المحاولة على وجه الأرض كالتجارة والنتاج والمناورة في بلاد العدو والاصطياد. فأمر الله تعالى الأغنياء من عباده بأن يؤتوا الفقراء مما أتاهم على الوجه الذي فعله رسوله ﷺ .

стр. 576

شروط زكاة عروض التجارة: اشترط الفقهاء لوجوب زكاة عروض التجارة شروطًا منها: ١ - بلوم النصاب: أي أن تبلغ قيمة أموال التجارة نصابًا من الذهب أو الفضة فلا زكاة في ما يملكه الإنسان من العروض إن كانت قيمتها أقل من نصاب الزكاة في الذهب والفضة، وتضم العروض بعضها إلى بعض في تكميل النصاب وإن اختلفت أجناسها. بأي النقدين تقوَّم عروض التجارة ؟ اختلف الفقهاء هذه المسألة: ١ - فالحنابلة (١) ورواية عن أبي حنيفة (٢) وهي التي عليها المذهب أنها تقوَّم بالأحظ للفقراء، فإذا قوَّمها بأحدهما لا تبلغ نصابًا وبالآخر تبلغ نصابًا تعين عليه التقويم بما يبلغ نصابًا، وفي رواية عن أبي حنيفة (٣) التخيير للمالك فله أن يخرجها بأحد الثمنين لأنهما في التعيين سواء. وقال الشافعية (٤) يقومها بما اشترى به من النقدين. والراجح من الأقوال: هو القول الأول، أي تقوَّم بالأحظ للفقراء.

стр. 577

متى يبدأ الحول من بدأ بالتجارة وكانت قيمة المعروض أقل من النصاب ؟ اختلف الفقهاء في ذلك فذهب الحنابلة (١)، وهو قول الشافعية (٢) أنه لا ينعقد الحول حتى تتم قيمته نصابًا. ويرى بعض الفقهاء أن الحول من بداية الإثمار. والراجح: أن الحول ينعقد إذا بلغت قيمته نصابًا. ٢ - نية التجارة: يشترط في زكاة العروض أن يكون قد نوى عند شرائه أو تملكه أنه للتجارة، والنية المعتبرة هي ما كانت مقارنة لدخوله في ملكه [ما لم] (*) لأن التجارة عمل فيحتاج إلى النية مع العمل. فلو ملكه للقنية ثم بدا له أن يجعله للتجارة صار عرضًا من عروض التجارة ولو ملكه للتجارة ثم نواه للقنية صار للقنية. ٣ - حلول الحول: فإذا حال الحول وجب على المالك تقويم عروضه وإخراج زكاتها، وسيأتي قريبًا إن شاء الله كيفية تقويم عروض التجارة وطريقة إخراجها. ٤ - الملك التام لعروض التجارة: يشترط لزكاة العروض أن يملك العرض بفعله كالبيع، وقبول الهبة، والوصية، واكتساب المباحات لأن ما لا يثبت له حكم الزكاة بدخوله في ملكه لا يثبت بمجرد النية كالصوم.

стр. 578

وقال المالكية (١)، والشافعية (٢) لو ملكه بإرث أو هبة أو احتطاب أو استرداد بعيب أو استغلال أرض بالزراعة أو نحو ذلك فلا زكاة فيه، وذلك لأن التجارة كسب المال ببدل هو مال، وقبول الهبة مثلًا اكتساب بغير بدل أصلًا. والراجح: أنه متى ملكه بإرث، أو وصية، أو هبة ونحو ذلك ثم نواه للتجارة فقد صار عروضًا من التجارة تجب فيه الزكاة، وإن لم ينوه للتجارة وكان هذا المملوك مما تجب فيه الزكاة وبلغ نصابًا زكاه عند حلول الحول، ويبدأ الحول من ملكه له. مقدار الواجب في عروض التجارة وكيفية إخراجها: يجب في عروض التجارة ربع العشر مهما كانت وهو اثنان ونصف في المائة (٢. ٥ %). أما كيفية إخراج ذلك: يقوّم التاجر -إذا حلّ موعد الزكاة أن يضم ماله بعضه إلى بعض، ويقوّم ما يعرضه للبيع، وماله من الديون المرجوة فيقوم بجرد تجارته، ويقوِّم قيمة البضائع التي لديه من نقود -سواء استغلها في التجارة أم لم يستغلها- وكذا الديون المرجوة القضاء غير الميئوس منها، ويخرج من ذلك كله ربع العشر (٢. ٥ %). أما الدين الذي انقطع الرَّجاء فيه فقد رجحنا من قبل أنه لا زكاة فيه إلا إذا قبضه، فإذا قبضه زكاة لعام واحد.

стр. 579

هل يجوز إخراج الزكاة من عروض التجارة ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أن التاجر يخير بين إخراج العين أو القيمة، فيخرج ربع عشر القيمة، أو بين الإخراج من عينها، فيخرج ربع عشر العين التجارية، وعللوا لذلك بأن التجارة مال يجب فيه الزكاة فجاز إخراجها من عينه كسائر الأموال، وهذا هو قول الحنفية (١)، والشافعيُّ في أحد قوليه (٢). القول الثاني: قول الجمهور (٣) أنه يجب إخراج القيمة ولا يجوز الإخراج من عين العروض التجارية لأن النصاب معتبر بالقيمة فكانت الزكاة فيها كالعين في سائر الأموال، ولا نسلم أن الزكاة تجب في المال وإن وجبت في قيمته. والذي نرجحه أنه يجوز إخراج قيمة ما وجب عليه من بعض الأصناف عنده ولكن للحاجة والمصلحة الراجحة، فإن كان آخذ الزكاة يريد أن يشتري بها كسوة فاشترى رب المال له بها كسوة وأعطاه فقد أحسن إليه وما عدا ذلك لا يجوز إخراجها من أعيانها لما ذكره الجمهور من أدلة. ولأن مصلحة الفقير تكون في إعطاءه القيمة لا العين لأنه بالقيمة يستطيع أن يشتري ما يلزم له، أما عين السلعة فقد لا تنفعه، فقد يكون في غنى عنها فيحتاج إلى بيعها بثمن بخس. وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية (٤) ﵀.

стр. 580

حكم زكاة الربح والمال المستفاد ؟ اتفق فقهاء المذاهب على أنه تضم أرباح التجارة إلى أصل رأس المال في الحول، كما يضم أيضًا عند الحنفية (١) خلافًا لغيرهم المال المستفاد من غير التجارة كعطية وارث إلى أصل المال. والراجح: أنه لا يضم إلى مال التجارة المال المستفاد من إرث وعطية وإنما له حول مستقل من يوم ملكه. متى وأين تقوَّم عروض التجارة ؟ صرح الحنفية أن عروض التجارة يقومها المالك على أساس البلد الذي فيه المال وليس الذي فيه المالك أو غيره ممّن له بالمال علاقة، وتعتبر القيمة عند أبي حنيفة يوم وجوب الزكاة، وقال صاحباه بل المعتبر للقيمة يوم الأداء، والذي يظهر أن السلعة تقوَّم بالسعر الحالي الذي تباع به في السوق عند وجوب الزكاة بها، وقد جاء عن جابر بن زيد من التابعين في عرض يراد به التجارة قوَّمه بنحو من ثمنه يوم حلت فيه الزكاة ثم أخرج زكاته (٢). متى يبدأ الحول عمن لديه نقود فيشتري بها عروضًا ثم يبعها بنقود ؟ لو قلب المال كأن يكون عنده نقود فيشتري بها عرضًا ثم يبيعه بنقود، ثم يشتري عرضًا آخر ثم يبيعه بعرض آخر، ثم يشتري به أسهمًا ثم يبيعها، وهكذا فإن الحول يبدأ من وقت بدء النقود التي عنده أول مرة، وهذا يكثر عند أصحاب الأقمشة والبقالات والمصانع ومزارع تربية المواشي وغيرها.

стр. 581

حكم زكاة عروض التجارة إذا نوى بها القنية ؟ إذا نوى بعروض التجارة القنية بأن يدخرها لوقت الحاجة فإن احتاج إليها استعملها أو باعها واستفاد من قيمتها أو للزينة ونحو ذلك فلا زكاة فيها ثم إذا نوى بعد ذلك التجارة استأنف له حولًا. رابعًا: زكاة الزروع والثمار: لقد أنعم الله تعالى على الإنسان بنعم شتى في نفسه وماله، وسخَّر له كثيرًا من المخلوقات تكريمًا له وتشريفًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (١). ومن نعم الله على عباده أن جعل الأرض صالحة للإنبات والإثمار لتكون مصدرًا من مصادر رزق المخلوقين، ووسيلة من وسائل معيشتهم التي تقوم بها حياتهم، والفضل من الله أولًا وأخيرًا فهو الذي سخر الأرض للمخلوق يستفيد منها، يقول تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٢). ولعل من أبرز مظاهر الشكر لهذه النعمة العظيمة أداء الزكاة مما يخرج من الأرض من زرع أو ثمر مواساة للفقراء والمساكين وسدًا لحاجة المحتاجين. دليل وجوب الزكاة في الزروع والثمار: استدل أهل العلم على وجوب الزكاة في الزروع والثمار بالكتاب والسنة: فأما الكتاب: فمنه قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ

стр. 582

جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١). ففي الآية الأولى حكمان: الأول: الأمر بالإنفاق من طيب الكسب في عمومه، وفي هذا نفي للإنفاق من ضده، فمع أن الإنفاق المقصود هو إيتاء الزكاة إلى مستحقيها إلا أنها أيضًا قربة إلى الله تعالى، والله طيب لا يقبل إلا الطيب. الثاني: أمر بالإنفاق من المخرج من الأرض، وفي هذا شمول وعموم لأنواع المخرج منها. وفي الآية الثانية أيضًا حكمان: الأول: الأمر بالأكل مما أنشأه الله من الأرض من زروع وكروم ونحوهما. الثاني: الأمر بأداء واجب مترتب للغير وهو إيتاء الحق في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢). أما دليل السنة: فما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَة" (٣). وما رواه أيضًا عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ" (٤).

стр. 583

أنواع الزروع والثمار التي تجب فيها الزكاة: اختلف أهل العلم في الأصناف التي تجب فيها الزكاة، وسبب الخلاف ناتج عن اختلافهم في الزكاة هل هي متعلقة بالعين أم هي متعلقة بالعلة؟ وعلى آية حال فالعلماء متفقون على وجوب الزكاة في أصناف أربعة هي الحنطة والشعير والزبيب والتمر، دليلهم في ذلك حديث عمر ﵁ مرفوعًا: "الزَّكَاةَ في هَذِهِ الأَرْبَعَةِ الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيب وَالتَّمْرِ" (١)، وفي لفظ: "العشر في التمر والزبيب والحنطة والشعير" (٢). ومنها أيضًا حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: "إِنَّمَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ" (٣)، فهذه هي الأربعة التي أجمع عليها الفقهاء في وجوب الزكاة فيها. ثم اختلف العلماء فيما عدا هذه الأصناف: ١ - فذهب أبو حنيفة (٤) إلى أن الزكاة تجب في كل ما يقصد بزراعته استنماء الأرض من الثمار والحبوب والخضروات والأبازير وغيرها مما يقصد به استغلال الأرض دون ما لا يقصد به ذلك عادة كالحطب والحشيش والقصب "أي القصب الفارسي بخلاف قصب السكر"، والتين، وشجر القطن، والباذنجان، وبذر البطيخ، وبذور الأدوية كالحلبة والشونيز، لكن لو قصد بشيء من هذه الأنواع كلها أن يشغل أرضه بها لأجل الاستنماء وجبت الزكاة، فالمدار على القصد.

стр. 584

واحتج لذلك بقوله ﷺ : "فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ" (١)، فإنه عام يؤخذ على عمومه، ولأنه يقصد بزراعته نماء الأرض واستغلالها فأشبه الحب. وذهب صاحبا أبي حنيفة (٢) إلى أن الزكاة لا تجب إلا فيما له ثمرة باقية حولًا. ٢ - أما المالكية (٣) فإنهم يفرقون بين الثمار والحبوب. أما الثمار فلا يؤخذ من أي جنس منها غير التمر والعنب، أما الحبوب فيؤخذ من الحنطة والشعير والذرة والأرز والسلت ومن القطاني السبعة "الحمص، والفول، والعدس، واللوبيا، والترمس، والجُلُّتان، والبسيلة، وذوات الزيوت الأربع، الزيتون، والسمسم، والقرطم، وحب الفجل"، فهذه كلها عشرون جنسًا لا يؤخذ من شيء سواها زكاة. ٣ - أما الشافعية (٤) فقالوا إن الزكاة لا تجب في شيء من الزروع والثمار إلا ما كان قوتًا، والقوت هو ما به يعيش البدن غالبًا دون ما يؤكل تنعمًا، أو تداويًا فتجب الزكاة في الثمار من العنب والتمر خاصة، ومن الحبوب في الحنطة والشعير والأرز والعدس وسائر ما يقتات كالذرة والحمص والباقلاء، ولا تجب في السمسم والتين والجوز واللوز والرمان والتفاح ونحوها والزعفران والورس. ٤ - أما الحنابلة (٥) فقالوا بأن ما تجب فيه الزكاة من الحبوب والثمار هو كل

стр. 585

ما كان يجمع وصفين الكيل والادخار، كالأرز والذرة والفول والعدس والحمص واللوبيا والكمون والكراويا وبذر البطيخ وبذر الخيار وكذا الحبوب التي تجمع الوصفين كالحلبة والفجل وغيرها. وعلى ذلك لا تجب الزكاة عندهم على الخضروات كثمار التفاح والمشمش والتين والتوت والموز والرمان والبرتقال وبقية الفواكه. والذي يظهر لنا بعد عرض هذه الأقوال: أن الزكاة إنما تجب في الحبوب والثمار التي جمعت ثلاثة أوصاف: ١ - الكيل: ولا عبرة باختلاف الكيل والوزن فإن التمر في عرفنا يوزن، وكذا الزبيب لكن لا عبرة بذلك وإنما العبرة تكون بما كان في عهد رسول الله ﷺ . ٢ - الادخار "اليبس مع البقاء": والمراد بالادخار ما كان عامة الناس يدخرونه لأن من الناس من لا يدخر التمر بل يأكله رطبًا، وكذلك العنب قد يؤكل رطبًا، لكن العبرة بما عليه عامة الناس. ٣ - أن يكون قوتًا: والمراد به ما يعيش البدن غالبًا عليه دون ما يؤكل تنعمًا أو تداويًا. النصاب في زكاة الزروع والثمار: نصابها خمسة أوسق عند الجمهور (١)، وبه قال صاحبا أبي حنيفة (٢) فيما يوسق، لما جاء في حديث أبى سعيد الخدري ﵁: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ" (٣).

стр. 586

وقال أبو حنيفة (١) لا يشترط نصاب لزكاة الزروع والثمار بل هي واجبة في القليل والكثير ما لم يكن أقل من نصف صاع. والراجح: الذي ينبغي التعويل عليه أن نصاب الزروع والثمار خمسة أوسق، فلا تجب فيما دون خمسة أوسق زكاة، وهذا منطوق النص الصحيح الصريح الذي لا يحتمل غير هذا. عدم اعتبار الحول في زكاة الزروع والثمار: لا يشترط في زكاة الزروع والثمار حولان الحول، وهذه ميزة يتميز بها هذا النوع من أموال الزكاة عن غيره، وذلك لأن هذا النوع من أموال الزكاة نماء في نفسه، فتخرج منه الزكاة عند كماله، ثم بعد ذلك يبدأ في النقص لا في النماء، ولو أخرج منه العشر أو نصف العشر وبقي عنده أعوامًا طويلة لم يجب عليه فيه شيء لأنه زكاه مرة واحدة فقط. مقدار الواجب في زكاة الزروع والثمار: ورد تحديد مقدار الزكاة فيها بالسنة، ومن ذلك: ١ - ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خمسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ" (٢). ٢ - وعنه ﵁ أنه سمع الرسول ﷺ قال: "فِيمَا سَقَتْ الأَنهَارُ وَالعُيُونُ العُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي فَفِيهِ نِصْفُ العُشْرِ" (٣).

стр. 587

٣ - وما ثبت في الصحيح من حديث سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : "فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا (١) العُشْرُ وَمَا سُقِيَ بالنَّضْحِ نِصْف العُشْرِ" (٢). هذه النصوص حددت النصاب بخمسة أوسق، وحددت المقدار إن كان يسقى بدون مؤنة بالعشر وهو نصف وسق، وإن كان يسقى بمؤنة بنصف العشر وهو ربع وسق. نصاب الزروع والثمار بالمقاييس العصرية: النصاب خمسة أوسق، والوسق ستون صاعًا، فيكون النصاب ثلاثمائة صاع. يقول النووي (٣): " ... والمراد بالوسق ستون صاعًا، كل صاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي .. فالأوسق الخمسة ألف وستمائة رطل بالبغدادي .. ". قال في القاموس (٤): "والوسق ستون صاعًا". وقال في موضع (٥) آخر: "والصاع أربعة أمداد، كل مد رطل وثلث. قال الداودي معياره الذي لا يختلف أربع حفنات بكفي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما إذ ليس كل مكان يوجد فيه صاع النبي ﷺ انتهى، وجرب ذلك فوجد صحيحًا".

стр. 588

قال في مغني المحتاج (١): "والصاع أربعة أمداد فيكون النصاب ألف مد ومائتي مد، والمد رطل وثلث بالبغدادي، وذلك ألف وستمائة رطل ... ". وقد قام الدكتور عبد الله الطيار بقياس المد وكلف غيره ممّن يثق به بقياس ذلك وسأل أهل الخبرة فظهرت له النتائج التالية: أن المد خمسمائة وستون جراما من البر الجيد (٥٦٠) جرامًا، وقد تحقق من هذه النتيجة عن طريق الوزن بالريال الفرنسي حيث إن المد يزن عشرين ريالًا فرنسيًا (٢) (٢٠) ريالًا. والريال الفرنسي يزن ثمانية وعشرين جرامًا (٢٨) جرامًا. فيكون المد حاصل ضرب عشرين ريالًا فرنسيًا في ثمان وعشرين جرامًا (٢٠ × ٢٨ = ٥٦٥ جرامًا). وبما أن الصاع أربعة أمداد بلا إشكال فيكون الصاع بالجرامات حاصل ضرب خمسمائة وستين جرامًا في أربعة أمداد (٥٦٠ × ٤ = ٢٢٤٠). أي: (اثنان وربع كيلو جرام) فظهر أن الصاع يساوي: كيلوين وربعًا من الكيلو. وعليه فيكون نصاب زكاة الزروع والثمار: (٣٠٠ × اثنان وربع كيلو جرام= ٦٧٥ كيلو جرامًا). وهذا بالنسبة للبر والأرز الثقيل والتمر.

стр. 589

وأما الشعير فيختلف عنها نظرًا لخفته فيكون وزنه أقل من غيره، والنسبة بين الشعير والبر تساوي (٢٣/ ٢٨) (١) من حيث الوزن. وهذا ما ظهر له خلال تجربته في الوزن، والله أعلم (٢). وقد اطلع أثناء البحث على ما قرره فضيلة الشيخ محمَّد بن صالح العثيمين ﵀ في كتابه مجالس شهر رمضان حول نصاب الحبوب حيث قال ما نصه: "والوسق ستون صاعًا بصاع النبي ﷺ ، فيبلغ النصاب ثلاثمائة صاع بصاع النبي ﷺ الذي تبلغ زنته بالبر الجيد ألفين وأربعين جرامًا، أي كيلوين وخمس عشر الكيلو فتكون زنة النصاب بالبر الجيد ستمائة واثني عشر كيلو" (٣)، وهنا لم يذكر الشيخ كيف توصل إلى ذلك ولعله قاس بنفسه أو سأل أهل الخبرة، وعلى العموم فالنصاب تقريبي والاحتياط فيه مطلوب. قال ابن قدامة: "والنصاب معتبر بالكيل، فإن الأوسق قليلة وإنما نقلت إلى الوزن لتضبط وتحفظ وتنقل، ولذلك تعلق وجوب الزكاة بالمكيلات دون الموزونات والمكيلات تختلف في الوزن فمنها الثقيل كالحنطة والعدس، ومنها الخفيف كالشعير والذرة ومنها المتوسط ... " (٤). وقت وجوب الزكاة في الحب والثمر: اختلف الفقهاء في الوقت الذي تجب فيه زكاة الزروع والثمار:

стр. 590

١ - فالمالكية (١)، والشافعية (٢)، وأبو حنيفة (٣) يرون أنها تجب بإفراك الحب، وطيب الثمر، والأمن عليه من الفساد. والمراد بإفراك الحب طيبه واستغناؤه عن السقي، وإن بقي في الأرض لتمام طيبه، وطيب الثمر نحو أن يزهى البسر أو تظهر الحلاوة في العنب. قالوا: لأن الحب باشتداده يكون طعامًا حقيقة وهو قبل ذلك بقل. والتمر قبل بدو صلاحه بلح وحصرم، وبعد بدو صلاحه ثمرة كاملة، ولأن ذلك وقت الخرص. والمراد بالوجوب هنا: انعقاد سبب الوجوب، ولا يكون الإخراج إلا بعد اليبس والجفاف. ٢ - وذهب الحنابلة (٤) إلى أن الوجوب يثبت ببدو الصلاح في الثمر، واشتداد الحب في الزرع، ويستقر الوجوب بجعل الثمرة أو الزرع في الجرين أو البيدر، فلو تلف قبل استقرار الوجوب بجائحة فلا شيء عليه. أما قبل ثبوت الوجوب فلو بيع النخل أو الأرض فلا زكاة على البائع في الزرع والثمار، ولو مات المالك قبل الوجوب فالزكاة على الورثة إن بقي إلى وقت الوجوب وبلغ نصيب الورثة نصابًا، وكذا إذا أوصى بها ومات قبل الوجوب فلا زكاة فيها, ولو أكل من الثمرة قبل الوجوب لم يحتسب عليه ما أكله، ولو نقصت

стр. 591

عن النصاب بما أكل فلا زكاة عليه. أما بعد الوجوب فتلزمه الزكاة وإن باع أو أوصى بها ولا شيء على من ملكها بعد أن ثبت الوجوب. وبعد عرض أقوال الفقهاء في وقت وجوب الزكاة الذي نراه ما يلي: ١ - أنه متى اشتد الحب وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة، ومعنى "اشتداد الحب": أي قوي وصار شديدًا ينضغط بضغطه، ومعنى "بدو الصلاح" وذلك في ثمر النخيل أن يحمر أو يصفر، وفي العنب أن يتموه حلوًا. ٢ - أنه لا يستقر الوجوب إلا بجعلها في البيدر "المحل الذي تجمع فيه الثمار والزروع، ويسمى الجرين والبيدر". ٣ - إن تلفت الزروع والثمار قبل وجوب الزكاة أي قبل اشتداد الحب وقبل بدو الصلاح فلا شيء على المالك مطلقًا سواء تلف بتعد أو تفريط، والعلة عدم الوجوب. ٤ - إذا تلفت الزروع والثمار بعد الوجوب وقبل جعلها في البيدر ففي ذلك تفصيل: إن كان بتعد منه أو تفريط ضمن الزكاة، وإن كان بلا تعد ولا تفريط لم يضمن. ٥ - إن تعفن بعد جعله في البيدر فالمذهب عليه الزكاة مطلقًا لأنها استقرت في ذمته فصارت دينا عليه، والإنسان إذا وجب عليه دين، وتلف ماله فلا يسقط عنه. والراجح في هذه الحالة أيضًا: أنها لا تجب عليه ما لم يتعد أو يفرط لأنها أمانة لديه هلكت بلا تعد ولا تفريط.

стр. 592

الزكاة في الأرض المستعارة والمستأجرة: ١ - ذهب جمهور الفقهاء (١) إلى أن من استعار أرضًا أو استأجرها فزرعها فالزكاة على المستعير والمستأجر لأن الغلة ملكه، والعبرة في الزكاة بملكية الثمرة لا بملكية الأرض أو الشجر، واختار ذلك الشيخ محمَّد العثيمين (٢) ﵀. ٢ - وذهب أبو حنيفة (٣) إلى أن العشر على المؤجر لأن الأرض كما تستنمي بالزراعة تستنمي بالإجارة. والراجح: هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو قول الشيخ محمَّد بن صالح العثيمين (٤) ﵀. زكاة الأرض الخراجية: زكاة الأرض الخراجية على المستأجر، والخراج على المالك، ووجه ذلك أن الخراج على عين الأرض فيكون على مالكها، والزكاة على الثمار فتكون على مالك الثمار وهو المستأجر، ولو كان المالك هو الذي يزرع الأرض فعليه الخراج باعتباره مالكًا للأرض والزكاة باعتباره مالكا للزرع أو الثمر. الزكاة في المزارعة والمساقاة: ١ - ذهب الحنابلة (٥)، والصاحبان من الحنفية (٦) إلى أن العشر في هاتين

стр. 593

الحالتين على كل من المالك والعامل كل بحسب نصيبه من الغلة إن بلغ نصيبه نصابًا، ومن كان نصيبه فيهما أقل من النصاب فلا عشر عليه ما لم يكن له من أرض غيرها ما يكمل به النصاب، وهذا عند الحنابلة (١) على الرواية التي لا تجعل الخلطة مؤثرة في زكاة الزروع، أما على الرواية التي تجعل الخلطة مؤثرة فيها فإذا بلغت غلة الأرض خمسة أوسق يكون فيها زكاة فيؤخذ من كل من الشريكين عشر نصيبه، ما لم يكن أحدهما ممّن لا عشر عليه كأهل الذمة. ٢ - وعند أبي حنيفة (٢) العشر في المزارعة على رب الأرض؛ لأن المزارعة عنده فاسدة فالخارج منها له تحقيقًا أو تقديرًا. والراجح: أن الزكاة في المزارعة والمساقاة على العامل وعلى مالك الأصل بقدر حصتيهما إن بلغت حصة كل واحد منهما نصابًا، فإن لم تبلغ انبنى على تأثير الخلطة في غير بهيمة الأنعام، وقد تقدم الخلاف في ذلك. زكاة الزيتون: ١ - ذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، وهو قول الشافعي (٥) في القديم، ورواية عند الإِمام أحمد (٦) وهو مروي عن ابن عباس إلى وجوب الزكاة في الزيتون لعموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٧).

стр. 594

٢ - وذهب الشافعي في الجديد (١)، وأحمدُ في رواية أخرى (٢) إلى أنه لا زكاة في الزيتون لأنه لا يدخر يابسًا. والراجح: نرى أن الراجح هو عدم وجوب الزكاة في الزيتون وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز (٣) ﵀. زكاة العسل: اختلف أهل العلم أيجب في العسل الزكاة أم لا؟ ١ - فذهب الحنابلة (٤) إلى أن العسل تؤخذ منه الزكاة، واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رسول الله ﷺ كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل من عشر قربات قربة من أوسطها" (٥). وورد أن أبا سيارة المنعي قال: قلت يا رسول الله: إن لي نحلًا، قال: "أو العشر"، قلت يا رسول الله: أحمها لي، فحماها له (٦)، وأخذ عمر من العسل العشر، ونصابه نصاب الحبوب والثمار ويجب فيه ما يجب في الحبوب والثمار. ٢ - وذهب المالكية (٧)، والشافعية (٨) إلى أن العسل لا زكاة فيه، ووجه هذا

стр. 595

القول أنه ليس في القرآن ولا في السنة ما يدل على وجوب الزكاة في العسل، قال الإِمام البخاري ﵀ كما في العلل الكبرى للترمذي (١): "وليس في زكاة العسل شيء يصح". قالوا لأن الأصل براءة الذمة حتى يقوم دليل على الوجوب، وهو اختيار اللجنة الدائمة (٢)، وقالوا يكفي أن نقول إنما تجب الزكاة في قيمته إذا أعده للبيع وحال عليه الحول، وبلغت قيمته النصاب فيخرج فيه ربع العشر. خامسًا: زكاة الثروة المعدنية والبحرية: تعريف المعدن: المعدن في اللغة: مأخوذ من العدن، وهو الإقامة، وسمي بذلك لعدونه، أي إقامته عدن بالمكان الذي أقام به (٣). وشرعًا: كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة (٤). تعريف الركاز: الركاز في اللغة: من الركز بمعنى الإثبات (٥). وشرعًا: ما يوجد في الأرض أو على وجهها من دفائن الجاهلية ذهبًا أو فضة أو غيرها (٦).

стр. 596

أدلة وجوب الزكاة في المعدن والركاز: استدل أهل العلم على وجوب الزكاة في المعدن والركاز بعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١). قال القرطبي ﵀: "يعني النيات والمعادن والركاز" (٢). وقد نقل صاحب المجموع الإجماع على وجوب الزكاة في المعادن حيث قال: "قال أصحابنا: أجمعت الأمة على وجوب الزكاة في المعادن" (٣). صفة المعدن الدي تجب فيه الزكاة: اختلف أهل العلم في صفة المعدن الذي يتعلق به وجوب الزكاة على ثلاثة أقوال: القول الأول: قول الإِمام مالك (٤)، والشافعيُّ (٥) حيث قصرا المعدن الذي تجب فيه الزكاة على الذهب والفضة، وأما غيرهما من الجواهر فلا زكاة فيه. القول الثاني: قول أبي حنيفة (٦) وأصحابه حيث أوجبوا الزكاة في المعادن المستخرجة من الأرض الجامدة التي تنطبع بالنار، أما المعادن السائلة والمعادن الجامدة التي لا تنطبع بالنار فلا شيء فيها.

стр. 597

القول الثالث: قول الحنابلة (١) حيث أوجبوا الزكاة في كل أنواع المعادن، وهي كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة، ولا فرق بين ما ينطبع وما لا ينطبع سواء أكان جامدًا أم سائلًا. الراجح من الأقوال: الذي نرجحه من هذه الأقوال هو ما ذهب إليه الحنابلة لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢). وهذا ما يتمشى مع روح الشرع المطهر الذي يصلح لكل زمان ومكان، حيث نرى إمكانات الناس الهائلة في وقتنا الحاضر في استخراج شتى أنواع المعادن من باطن الأرض وخصوصًا السائلة منها، وهذا إذا كان بإمكان الشخص أن يمتلكها، أما إن كانت خاصة ببيت المال فلا زكاة فيها. نصاب الزكاة في المعادن: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: الأول: ذهب الحنفية (٣) إلى وجوب الزكاة في المعدن في قليله وكثيره دون اعتبار نصاب له لأنهم قالوا إنه ركاز ولا يعتبر له حول، فلم يعتبر له نصاب كالركاز. الثاني: ما ذهب إليه مالك (٤) والشافعيُّ (٥)، وأحمدُ (٦) إلى وجوب الزكاة في

стр. 598

المعدن إذا بلغ نصابًا وذلك بأن يبلغ الخارج ما قيمته نصاب من النقود، واستدل هؤلاء بعموم الأحاديث التي وردت في نصاب الذهب والفضة، وبالإجماع على أن نصاب الذهب عشرون مثقالًا. الراجح من القولين: الراجح هو اعتبار النصاب وعدم اعتبار الحول، ووجه التفريق هنا ما ذكره صاحب المغني حيث قال: "إن المعدن مفارق للركاز من حيث إن الركاز مال كافر أخذ في الإِسلام فأشبه القيمة، وهذا وجب مواساة وشكر لنعمة الغنى فاعتبر له النصاب كسائر الزكوات، وإنما لم يعتبر له الحول لحصوله دفعة واحدة فأشبه الزروع والثمار". مقدار الواجب في زكاة المعدن: اختلف أهل العلم في هذه المسألة: ١ - فذهب الحنفية (١) إلى وجوب الخمس في المعدن بناء على أنه فيء، وعليه فيصرف في مصالح المسلمين عامة. ٢ - وذهب مالك (٢)، وأحمدُ (٣) في أحد قوليه إلى أن الواجب ربع العشر قياسًا على الواجب في النقدين، وعندهم أنه زكاة يصرف في مصارف الزكاة الثمانية. وهذا هو الراجح. زكاة ما يستخرج من البحر ١ - ذهب جمهور العلماء إلى أن المستخرج من البحر من اللؤلؤ والعنبر والمرجان ونحوهما لا شيء فيه من زكاة أو خمس.

стр. 599

٢ - وفي رواية عن الإِمام أحمد (١)، وهو قول أبو يوسف (٢) صاحب أبي حنيفة: فيه الزكاة لأنه يشبه الخارج من معدن البحر. ٣ - وقال المالكية (٣): ما خرج من البحر كالعنبر إن لم يتقدم عليه ملك فهو لواجده ولا يخمس كالصيد، فإن كان تقدم عليه ملك فإن كان لجاهلي أو شك في مالكه فركاز، وإن كان لمسلم أو ذمي فلقطة. والراجح: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من عدم وجوب الزكاة في المستخرج من البحر لأنه كان يخرج على عهد النبي ﷺ وخلفائه فلم يأت فيه سُنَّة عنه ولا عن أحد من خلفائه من وجه يصح، ولأن الأصل عدم الوجوب فيه ولا يصح قياسه على معدن البحر لأن العنبر إنما يلقيه البحر فيوجد ملقى في البر على الأرض من غير تعب فأشبه بالمباحات المأخوذة من البر. سادسًا: زكاة المستغلات والدخل: زكاة المستغلات من العمارات المؤجرة، والمصانع، ونحوها، وكذا الدخل من كسب العمل، والمهن الحرة، فقد اختلف فيه الفقهاء قديمًا وحديثًا على النحو الآتي: ١ - فذهب الجمهور إلى أن المال المستفاد من المستغلات والدخل متى حال عليه الحول وهو في حوزة مالكه وجبت فيه الزكاة. وقال آخرون بل متى قبضه يزكيه بشرط بلوغ النصاب، وكونه فاضلًا عن الحوائج الأصلية فلا يشترط له حول كالخارج من الأرض ولكل من القولين أدلته. لكن الذي يظهر أن الزكاة لا تجب فيها إلا إذا حال الحول على المال، وهو في

стр. 600

حوزة مالكه معاملة لها مثل غيرها من الأموال المملوكة، فإذا أجر شخص مصنعًا وقبض أجرته وحال عليها الحول وجبت فيها الزكاة، وكذلك المساكن المؤجرة مهما عظمت وكثرت لا تجب الزكاة إلا في أجرتها إذا حال عليها الحول، وهذا ما عليه عامة أهل العلم قديمًا وحديثًا. سابعًا: زكاة الأسهم والسندات: الأسهم لغة: جمع سهم، وهو الخط والنصب. واصطلاحًا: صكوك متساوية العتمة قابلة للتداول تصدرها شركة مساهمة تمنح لحاملها حقوقًا معينة مقابل التزامات محددة. والسند في اللغة: المعتمد. واصطلاحًا: صك قابل للتداول تصدره شركة أو حكومة، ويمثل قرضًا لحامله بفائدة معينة في أجل معين له استيفاء قيمتها بحلول الأجل (١). لقد جدت معاملات معاصرة اقتضى الأمر عرضها على نصوص الكتاب والسنة والقواعد الشرعية، وإلحاقها بأشبه المعاملات بها. ومن هذه الأمور المستجدة الأسهم والسندات فكيف زكاتها؟ نقول الأسهم: حقوق مالية يمتلكها الأفراد في شركات أو مؤسسات، ويقبضون أرباحها حسب نظام الشركة. والسندات: جمع سند، وهو تعهد مكتوب من جهة معينة كشركة بسداد مبلغ مقدر من قرض في تاريخ معين نظير فائدة مقدرة.
следующие страницы →