أدلة وجوب الزكاة في المعدن والركاز:
استدل أهل العلم على وجوب الزكاة في المعدن والركاز بعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١).
قال القرطبي ﵀: "يعني النيات والمعادن والركاز" (٢).
وقد نقل صاحب المجموع الإجماع على وجوب الزكاة في المعادن حيث قال: "قال أصحابنا: أجمعت الأمة على وجوب الزكاة في المعادن" (٣).
صفة المعدن الدي تجب فيه الزكاة:
اختلف أهل العلم في صفة المعدن الذي يتعلق به وجوب الزكاة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: قول الإِمام مالك (٤)، والشافعيُّ (٥) حيث قصرا المعدن الذي تجب فيه الزكاة على الذهب والفضة، وأما غيرهما من الجواهر فلا زكاة فيه.
القول الثاني: قول أبي حنيفة (٦) وأصحابه حيث أوجبوا الزكاة في المعادن المستخرجة من الأرض الجامدة التي تنطبع بالنار، أما المعادن السائلة والمعادن الجامدة التي لا تنطبع بالنار فلا شيء فيها.
стр. 597
القول الثالث: قول الحنابلة (١) حيث أوجبوا الزكاة في كل أنواع المعادن، وهي كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة، ولا فرق بين ما ينطبع وما لا ينطبع سواء أكان جامدًا أم سائلًا.
الراجح من الأقوال: الذي نرجحه من هذه الأقوال هو ما ذهب إليه الحنابلة لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢).
وهذا ما يتمشى مع روح الشرع المطهر الذي يصلح لكل زمان ومكان، حيث نرى إمكانات الناس الهائلة في وقتنا الحاضر في استخراج شتى أنواع المعادن من باطن الأرض وخصوصًا السائلة منها، وهذا إذا كان بإمكان الشخص أن يمتلكها، أما إن كانت خاصة ببيت المال فلا زكاة فيها.
نصاب الزكاة في المعادن:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
الأول: ذهب الحنفية (٣) إلى وجوب الزكاة في المعدن في قليله وكثيره دون اعتبار نصاب له لأنهم قالوا إنه ركاز ولا يعتبر له حول، فلم يعتبر له نصاب كالركاز.
الثاني: ما ذهب إليه مالك (٤) والشافعيُّ (٥)، وأحمدُ (٦) إلى وجوب الزكاة في
стр. 598
المعدن إذا بلغ نصابًا وذلك بأن يبلغ الخارج ما قيمته نصاب من النقود، واستدل هؤلاء بعموم الأحاديث التي وردت في نصاب الذهب والفضة، وبالإجماع على أن نصاب الذهب عشرون مثقالًا.
الراجح من القولين: الراجح هو اعتبار النصاب وعدم اعتبار الحول، ووجه التفريق هنا ما ذكره صاحب المغني حيث قال: "إن المعدن مفارق للركاز من حيث إن الركاز مال كافر أخذ في الإِسلام فأشبه القيمة، وهذا وجب مواساة وشكر لنعمة الغنى فاعتبر له النصاب كسائر الزكوات، وإنما لم يعتبر له الحول لحصوله دفعة واحدة فأشبه الزروع والثمار".
مقدار الواجب في زكاة المعدن:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة:
١ - فذهب الحنفية (١) إلى وجوب الخمس في المعدن بناء على أنه فيء، وعليه فيصرف في مصالح المسلمين عامة.
٢ - وذهب مالك (٢)، وأحمدُ (٣) في أحد قوليه إلى أن الواجب ربع العشر قياسًا على الواجب في النقدين، وعندهم أنه زكاة يصرف في مصارف الزكاة الثمانية.
وهذا هو الراجح.
زكاة ما يستخرج من البحر
١ - ذهب جمهور العلماء إلى أن المستخرج من البحر من اللؤلؤ والعنبر والمرجان ونحوهما لا شيء فيه من زكاة أو خمس.
стр. 599
٢ - وفي رواية عن الإِمام أحمد (١)، وهو قول أبو يوسف (٢) صاحب أبي حنيفة: فيه الزكاة لأنه يشبه الخارج من معدن البحر.
٣ - وقال المالكية (٣): ما خرج من البحر كالعنبر إن لم يتقدم عليه ملك فهو لواجده ولا يخمس كالصيد، فإن كان تقدم عليه ملك فإن كان لجاهلي أو شك في مالكه فركاز، وإن كان لمسلم أو ذمي فلقطة.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من عدم وجوب الزكاة في المستخرج من البحر لأنه كان يخرج على عهد النبي ﷺ وخلفائه فلم يأت فيه سُنَّة عنه ولا عن أحد من خلفائه من وجه يصح، ولأن الأصل عدم الوجوب فيه ولا يصح قياسه على معدن البحر لأن العنبر إنما يلقيه البحر فيوجد ملقى في البر على الأرض من غير تعب فأشبه بالمباحات المأخوذة من البر.
سادسًا: زكاة المستغلات والدخل:
زكاة المستغلات من العمارات المؤجرة، والمصانع، ونحوها، وكذا الدخل من كسب العمل، والمهن الحرة، فقد اختلف فيه الفقهاء قديمًا وحديثًا على النحو الآتي:
١ - فذهب الجمهور إلى أن المال المستفاد من المستغلات والدخل متى حال عليه الحول وهو في حوزة مالكه وجبت فيه الزكاة.
وقال آخرون بل متى قبضه يزكيه بشرط بلوغ النصاب، وكونه فاضلًا عن الحوائج الأصلية فلا يشترط له حول كالخارج من الأرض ولكل من القولين أدلته.
لكن الذي يظهر أن الزكاة لا تجب فيها إلا إذا حال الحول على المال، وهو في
стр. 600
حوزة مالكه معاملة لها مثل غيرها من الأموال المملوكة، فإذا أجر شخص مصنعًا وقبض أجرته وحال عليها الحول وجبت فيها الزكاة، وكذلك المساكن المؤجرة مهما عظمت وكثرت لا تجب الزكاة إلا في أجرتها إذا حال عليها الحول، وهذا ما عليه عامة أهل العلم قديمًا وحديثًا.
سابعًا: زكاة الأسهم والسندات:
الأسهم لغة: جمع سهم، وهو الخط والنصب.
واصطلاحًا: صكوك متساوية العتمة قابلة للتداول تصدرها شركة مساهمة تمنح لحاملها حقوقًا معينة مقابل التزامات محددة.
والسند في اللغة: المعتمد.
واصطلاحًا: صك قابل للتداول تصدره شركة أو حكومة، ويمثل قرضًا لحامله بفائدة معينة في أجل معين له استيفاء قيمتها بحلول الأجل (١).
لقد جدت معاملات معاصرة اقتضى الأمر عرضها على نصوص الكتاب والسنة والقواعد الشرعية، وإلحاقها بأشبه المعاملات بها.
ومن هذه الأمور المستجدة الأسهم والسندات فكيف زكاتها؟
نقول الأسهم: حقوق مالية يمتلكها الأفراد في شركات أو مؤسسات، ويقبضون أرباحها حسب نظام الشركة.
والسندات: جمع سند، وهو تعهد مكتوب من جهة معينة كشركة بسداد مبلغ مقدر من قرض في تاريخ معين نظير فائدة مقدرة.
стр. 601
وأما كيفية زكاة الأسهم والسندات: فالذي يظهر من كلام أهل العلم أن صاحب الأسهم مخير بين أن يزكي رأس ماله كل سنة، وإذا قبض الربح زكاه لما مضى، أو لعام واحد على خلاف بين أهل العلم.
وبين أن يسأل رأس كل حول عن قيمة أسهمه ويزكيها حسب ما يفيده به القائمون على الشركة أو المؤسسة التي ساهم فيها، أو ما يفيده به أهل الخبرة سواء كانت رابحة أو خاسرة، أو ما يعلن عنه في سوق المال.
وزكاتها زكاة النقدين إذا بلغت نصابًا وهو ربع العشر (٢. ٥ %).
وأما السندات فهي ديون مؤجلة.
والراجح من كلام أهل العلم: وجوب تزكية الديون إذا كانت على موسرين، فإذا حال الحول على الديون ومنها السندات زكاها كغيرها من الأموال الموجودة عنده.
وإن أخَّر زكاتها حتى قبضها زكاها إذا قبضها لما مضى.
يقول الدكتور القرضاوي: " ... هناك اتجاهان في زكاة الأسهم والسندات:
الاتجاه الأول: ينظر إلى هذه الأسهم والسندات تبعًا لنوع الشركة التي أصدرتها أهي صناعية أم تجارية أم مزيج منهما، فلا يعطي السهم حكمًا إلا بعد معرفة الشركة التي يمثل جزءًا من رأس مالها، وبناء عليه يحكم بتزكيته أو بعدمها.
الاتجاه الثاني: ينظر إليها كلها نظرة واحدة، ويعطيها حكمًا واحدًا بغض النظر عن الشركة التي أصدرتها ... فيعتبرها عروض تجارة تأخذ أحكامها في كل شيء .... " (١)
стр. 602
إن المساهمة في البنوك الربوية أمر محرم لأنه تعامل بالربا صراحة وإعانة لها على عملها، كما أن المساهمة في الشركات التي يثبت تعاملها بالربا أمر محرم لأنه من التعاون على الإثم والعدوان المنهي عنه شرعًا، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١).
فلا تجوز المساهمة ابتداءً في هذه الشركات التي يجيز نظامها التعامل بالربا، لكن من جهل حالها ثم تبين له أنها تتعامل بالربا فعليه التخلص منها والبعد عنها، وإن لم يستطع فينتظر حتى توزيع أرباحها فإن علم قدر الربا أخرجه بنية التخلص منه لا بنية التقرب به إلى الله. وإن لم يعلم قدر الربا فعليه إخراج نصف الربح احتياطًا.
ذكر بعض الأحكام في إخراج الزكاة:
١ - من وجبت عليه الزكاة إما أن يخرجها بإعطائها مباشرة إلى الفقراء وسائر المستحقين، وإما أن يدفعها للإمام ليصرفها في مصارفها.
٢ - الزكاة فريضة من فرائض العبادات، ولذا يشترط فيها عند عامة الفقهاء النية عند إخراجها. ومعنى النية: أن يقصد بقلبه أن ما يخرجه هو الزكاة الواجبة عليه في ماله، لكن هل يشترط أن تكون النية مصاحبة للأداء على خلاف بين الفقهاء:
١ - صرح المالكية (٢)، والشافعية (٣) أنه ينوي عند دفعها إلى الإِمام أو إلى مستحقيها أو قبل الدفع بقليل، فإن نوى بعد الدفع لم يجزئه.
стр. 603
٢ - أما الحنفية (١) فقالوا: يشترط مقارنة النية للأداء ولو حكمًا، كما لو دفع بلا نية ثم نوى، والمال لا يزال قائمًا في ملك الفقير بخلاف ما إذا نوى بعد ما استهلكه الفقير أو باعه فلا تجزيء عنه الزكاة.
٣ - إن عزل الزكاة عن ماله ونوى عند العزل أنها زكاة كفى ذلك ولو لم ينو عند الدفع.
٤ - من دفع الزكاة إلى وكيله ناويًا أنها زكاة كفى ذلك، والأفضل أن ينوي الوكيل أيضًا عند الدفع إلى المستحقين أيضًا ولا تكفي نية الوكيل وحده.
٥ - من دفع ماله كله إلى الفقراء تطوعًا بعد وجوب الزكاة عليه لم تسقط عنه الزكاة، بل تبقى في ذمته وبهذا قال الحنابلة (٢) لأنه لم ينو الفرض. وقال الحنفية (٣) تسقط عنه الزكاة. والراجح: ما ذهب إليه الحنابلة.
٦ - وجوب الزكاة على الفور:
١ - المشهور عند الحنفية (٤) أن الزكاة تجب وجوبًا موسعًا, ولصاحب المال تأخيرها ما لم يطالب لأن الأمر بأدائها مطلق، فلا يتعين الزمن الأول لأدائها دون غيره كما لا يتعين مكان دون مكان.
٢ - وذهب بعض الحنفية (٥) إلى أنها واجبة على الفور لأن الأمر يقتضي الفورية، وهذا هو قول جمهور الفقهاء (٦)، وهو الراجح، فلا يجوز تأخير الزكاة عن
стр. 604
وقت وجوبها وذلك إبراءً لذمته.
هل يجوز تأخير الزكاة لحاجة أو مصلحة راجحة ؟
الراجح: أنه يجوز ذلك مثل أن يؤخرها ليدفعها إلى فقير غائب هو أشد حاجة من غيره من الفقراء الحاضرين، ومثل تأخيرها لقريب ذي حاجة لما له من الحق المؤكد، وما فيها من الأجر المضاعف.
قال شمس الدين الرملي (١): "وله تأخيرها -يعني الزكاة- لانتظار أحوج أو أصلح أو قريب أو جار، لأن تأخيرها لغرض ظاهر وهو حيازة لفضيلة".
لكن ينبغي أن يكون هذا التأخير يسيرًا، فأما إن كان كثيرًا فلا يجوز.
٧ - حكم تعجيل الزكاة:
١ - ذهب جمهور الفقهاء (٢) إلى جواز تعجيل الزكاة قبل حلول الحول.
٢ - وقال ربيعة ومالك (٣) لا يجوز تقديم الزكاة قبل حلول الحول سواء قدمها قبل ملك النصاب أو بعده.
والراجح: ما ذهب إليه الجمهور من جواز تعجيل الزكاة لما ورد: "أن العباس ﵁ سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك" (٤)، بشرط أن يكون النصاب موجودًا، أما عند عدم وجود النصاب فلا يجوز بغير خلاف، وذلك لأن النصاب سبب وجود الزكاة، والحول شرطها, ولا
стр. 605
يقدم الواجب قبل سببه، ويجوز تقديمه قبل شرطه.
٨ - من ترك إخراج الزكاة حتى مات فإنها لا تسقط عنه بالموت كسائر حقوق الله تعالى المالية، ويجب إخراجها من ماله سواء أوصى أم لم يوصي، وتخرج من كل ماله لأنها دين لله، وهذا هو قول الجمهور.
وذهب أبو حنيفة (١) إلى أن الزكاة تسقط بالموت بمعنى أنه لا يجب إخراجها من تركته، فإن كان قد أوصى بها فهي وصية تزاحم سائر الوصايا في الثلث، وإن لم يوصِ بها سقطت.
والراجح: ما ذهب إليه الجمهور.
٩ - لا يجوز للدائن أن يسقط دينه عن مدينه الفقير المعسر الذي ليس عنده ما يسد به دينه ويحسبه من زكاة ماله، فإن فعل ذلك لم يجزئه عن الزكاة، وهذا هو قول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤).
ووجه المنع أن الزكاة حق لله تعالى فلا يجوز للإنسان أن يصرفها إلى نفع نفسه وإحياء ماله واستيفاء دينه.
١٠ - قيل للإمام أحمد (٥): يدفع الرجل زكاته إلى الرجل، فيقول: هذا من الزكاة، أو يسكت؟
قال: ولم يبكته بهذا القول؟ يعطيه ويسكت، ما حاجته إلى أن يقرعه؟ وهذا
стр. 606
يقتضي الكراهة، وبه صرح اللقاني من المالكية (١)، قال: لما فيه من كسر قلب الفقير إلا إذا شك هل هو مستحق لها فيخبره لكي يرفضها إن لم يكن من أهلها.
стр. 607
زكاة الفطر
أولًا: التعريف بها:
من معاني الزكاة في اللغة: النماء، والزيادة؛ والصلاح وصفوة الشيء، وما أخرجته من مالك لتطهر به.
والفطر: اسم مصدر من قولك: أفطر الصائم إفطارًا (١).
وأضيفت الزكاة إلى الفطر لأنه سبب وجوبها، وقيل لها فطرة لأنها من الفطرة التي هي الخلقة (٢).
قال النووي ﵀: "يقال - للمُخْرَجْ: فِطْرَة- والفطرة بكسر الفاء لا غير، وهي لفظة مولدة لا عربية ولا معربة بل اصطلاحية للفقهاء فتكون حقيقة شرعية على المختار، كالصلاة والزكاة.
أما تعريفها في الاصطلاح: فهي صدقة تجب بالفطر من رمضان (٣).
ثانيًا: الحكمة في مشروعيتها:
الحكمة من مشروعيتها ما ذكره النبي ﷺ من أنها: "طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ" (٤)، وشكر لله على إتمام الشهر، وطعمة للمساكين في هذا اليوم الذي هو يوم عيد وسرور، فكان من الحكمة أن يُعْطُوا هذه الزكاة من أجل أن يشاركوا الأغنياء في الفرح والسرور.
стр. 608
ثالثًا: حكمها التكليفي:
ذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب زكاة الفطر، واستدل الجمهور لذلك بما رواه البخاري ومسلمٌ من حديث ابن عمر ﵄ قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأنثى وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنْ المُسْلِمِينَ" (١).
وقال بعضهم: بأنها سنة، وحملوا جميع النصوص الواردة على الندب، ولكن الراجح قول الجمهور لظاهر النصوص الموجبة لها.
رابعًا: شروط وجوب الزكاة في صدقة الفطر:
١ - الإِسلام: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الإِسلام شرط من شروط التكليف ومنه الزكاة فلا تجب على الكافر.
وروي عن الشافعية (٢) في الأصح عندهم أنه يجب على الكافر أن يؤديها عن أقاربه المسلمين.
والراجح: ما ذهب إليه الجمهور، أي أنها لا تجب على الكافر مطلقًا لأنها قربة من القرب، وطهرة للصائم من الرفث واللغو، والكافر ليس من أهل الصيام إنما يعاقب على تركها يوم القيامة.
٢ - الحرية: ذهب جمهور الفقهاء (٣) إلى اشتراط الحرية لوجوب زكاة الفطر لأن العبد لا يملك، ومن لا يَمْلِك لا يُمْلِّكْ، وذهب الحنابلة (٤) إلى عدم
стр. 609
اشتراط الحرية، بل تجب الزكاة على العبد أيضًا، وهذا هو الراجح لما جاء في حديث ابن عمر ﵄ المتقدم: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنثَى وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنْ المُسْلِمِينَ" (١). وهذا هو اختيار الشيخين ابن باز، وابن عثيمين رحمهما الله (٢)،
على من تجب زكاة الفطر على العبد أم سيده ؟
الراجح: أنها واجبة على سيده لما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لَيْسَ في العَبْدِ صَدَقَةٌ إِلا صَدَقَةُ الفِطْرِ" (٣).
فهذا الحديث مخصصٌ لحديث ابن عمر ﵄ المتقدم فيما يتعلق بزكاة الفطر عن العبد، ولأن العبد مملوك للسيد لا يملك ما يجب عليه تطهيره.
وقال بعض العلماء: بل تجب على العبد نفسه ويلزم السيد تفريغ العبد آخر رمضان ليتكسب ما يؤدي به صدقة الفطر، وهذا قول ضعيف لأن من القواعد المقررة أن ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، فلا يقال للعبد يجب عليك التكسب لأداء صدقة الفطر.
٣ - أن يكون قادرًا على إخراج زكاة الفطر فلا يشترط كونه مالكًا للنصاب، وهذا هو قول الجمهور (٤)، وذهب الحنفية (٥) إلى اشتراط ملك النصاب الذي تجب فيه الزكاة كفضة أو ذهب، أو سوائم من الإبل والبقر والغنم، فمن
стр. 610
كان عنده نصاب فاضلًا عن حوائجه الأصلية من مأكل وملبس ومسكن وسلاح وفرس وجبت عليه زكاة الفطر.
والراجح: ما ذهبا إليه الجمهور، من أنه لا يشترط ملك النصاب لصدقة الفطر، بل متى كان عنده ما فضل من قوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومه وجبت في حقه زكاة الفطر، وهذا هو قول الشيخ ابن عثيمين (١) ﵀.
خامسًا: على من تجب زكاة الفطر:
تجب زكاة الفطر على الكبير والصغير, والذكر والأنثى، والحر والعبد من المسلمين لما ثبت عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِير عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأنثَى وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنْ المُسْلِمِينَ" (٢).
ويجب أن يخرجها عن نفسه، لكن هل يلزم إخراجها عمن تلزمه مؤونته من زوجة أو قريب؟
عند الحنابلة يلزمه ذلك، والراجح أنهم إذا لم يستطيعوا إخراجها عن أنفسهم وجب عليه إخراجها عنهم.
سادسًا: وقتها:
تجب زكاة الفطر بغروب الشمس ليلة العيد، وهذا هو قول الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وهو أحد قولين عند المالكية (٥) لقول ابن عباس ﵄: "فَرَضَ
стр. 611
رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ" (١).
فدل الحديث على أن صدقة الفطر تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان وذلك لأنه أضاف الصدقة إلى الفطر، والإضافة تقتضي الاختصاص، أي الصدقة المختصة بالفطر، وأول فطر يقع عن جميع رمضان بغروب شمس آخر يوم من رمضان.
أما الحنفية (٢) فقالوا بأن وقتها يكون بطلوع فجر يوم العيد، وهو قول عند المالكية، واستدلوا لذلك بما رواه مسلم من حديث ابن عمر ﵄: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ" (٣).
فقالوا بأن أداءها الذي ندب إليه الشارع هو قبل الخروج إلى مصلى العيد فعلم أن وقت وجوبها هو يوم العيد، ولأن تسميتها صدقة الفطر تدل على أن وجوبها بطلوع فجر يوم الفطر؛ لأن الفطر إنما يكون بطلوع فجر ذلك اليوم، أما قبله فليس بفطر لأنه في كل ليلة من ليالي رمضان يصوم ويفطر، فيعتبر مفطرًا من صومه بطلوع ذلك اليوم.
والراجح: ما ذهب إليه الأولون، من أنها إنما تجب بغروب شمس ليلة العيد لما ذكروه.
стр. 612
هل يجوز إخراجها قبل العيد ؟
الراجح من أقوال الفقهاء: أنه يجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين، وهو قول المالكية (١)، والحنابلة (٢) لقول ابن عمر ﵄ قال: "كانوا يعطون صدقة الفطر قبل العيد بيوم أو يومين" (٣).
وذلك يدل إقرارها من النبي ﷺ وإجماع الصحابة عليه.
وهل وقتها موسع أم مضيق ؟
١ - ذهب الجمهور على أن وقتها مضيق لحديث ابن عباس ﵄ المتقدم، وفيه قوله: "فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ" (٤).
٢ - وذهب الحنفية (٥) إلى أن وقتها موسع، ففي أي وقت أداها كان مؤديًا لا قاضيًا. لكن المستحب عندهم إخراجها قبل الذهاب إلى المصلى.
والراجح: ما ذهب إليه الجمهور، فيحرم تأخيرها لحديث ابن عباس الذي استدل به الجمهور.
لكن لا تسقط زكاة الفطر بخروج وقتها لأنها وجبت في ذمته لمن هي له، وهم مستحقوها، فهي دين لهم لا تسقط إلا بالأداء، أما حق الله في التأخير عن وقتها فلا يجبر إلا بالاستغفار والتوبة.
стр. 613
سابعًا: القدر الواجب فيها:
اتفق الفقهاء على أن الواجب إخراجه في الفطرة صاع من جميع الأصناف التي يجوز إخراج الفطرة منها، عدا القمح والزبيب فقد اختلفوا في المقدار فيها.
١ - فذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣) على أن الواجب إخراجه في القمح هو صاع منه.
٢ - وذهب الحنفية (٤)، واختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية (٥) ﵀ إلى أن الواجب في القمح هو نصف صاع.
ودليل ما ذهب إليه الجمهور: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ فَلَمْ نَزَل كَذَلِكَ حَتى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيةُ المَدِينَةَ فكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ لا أُرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ إِلا تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ هَذَا فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أبدًا مَا عِشْتُ" (٦).
ودليل الحنفية ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري السابق وفيه: فلما قدم
стр. 614
علينا معاوية حاجًا أو معتمرًا فكلم الناس على المنبر، وكان فيما كلم به الناس أن قال: "إني أرى أن مُدَّينِ من سَمُرَاء الشام -يعني القمح- تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك" (١).
والراجح: ما ذهب إليه الأولون، أي أن الواجب صاع من بر وغيره، وهذا هو اختيار الشيخين ابن باز وابن عثيمين (٢) رحمهما الله.
ثامنًا: الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر:
١ - ذهب الحنفية (٣) إلى أنه يجوز أن تكون صدقة الفطر صاعًا من حنطة، أو صاعًا من شعير، أو تمر، وكذلك يجوز أن تكون نصف صاع من زبيب، أو نصف صاع من بر، ودقيق الحنطة والشعير وسويقهما مثل الشعير عندهم، أما الأقط فيعتبر فيه القيمة عندهم، وما سوى ذلك فيعتبر فيه القيمة عندهم، وسوف نذكر إن شاء الله حكم إخراج القيمة لصدقة الفطر.
٢ - أما المالكية (٤) فقالوا بأن صدقة الفطر تكون في أغلب القوت الذي يقتاته الناس، كالعدس، والفول، والقمح، والشعير، والتمر، والأقط، وغيره مما يقتاته الناس.
٣ - وذهب الشافعية (٥) إلى أنه يشترط من المخرج من الفطرة أن يكون من الأقوات التي يجب فيها العُشْر، وأنه لا يجزئ من غيرها إلا الأقط، والجبن، واللبن علي خلاف في المذهب.
стр. 615
٤ - أما الحنابلة (١) فقالوا: لا يجزئ من الفطرة إلا التمر، والشعير، والبر، قال في المفردات:
وواجد المنصوص نحو التمر ... أيضًا وكالشعير أو البر
فطرته إخراجها من ذاته ... لا غيره ولو من اقتياته
قال البهوتي (٢) في شرح ذلك: "أي من وجد الأجناس المنصوص عليها أو بعضها أخرج فطرته منها, ولا يجوز له العدول عنها إلى غيرها مع القدرة عليها سواء كان المعدول إليه من قوت بلده أو لم يكن لأن النص قصرها على أجناس معدودة، فلم يجز العدول عنها كما لو أخرج القيمة ... ".
فهذا حاصل ما ذكره الفقهاء في الأصناف التي تخرج منها صدقة الفطر.
الراجح: ما ذهب إليه المالكية، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية (٣) ﵀، واختاره الشيخان (٤) ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله.
قال الشيخ ابن باز (٥) ﵀: "الواجب إخراجها من قوت البلد، سواء كان تمرًا، أو شعيرًا، أو برًا، أو غير ذلك في أصح قولي العلماء لأن الرسول ﷺ لم يشترط في ذلك نوعًا معينًا، ولأنها مواساة وليس على المسلم أن يواسي من غير قوته".
تاسعًا: مكان دفع زكاة الفطر:
تدفع زكاة الفطر إلى فقراء المكان الذي هو فيه وقت الإخراج سواء كان محل إقامته أو غيره من بلاد المسلمين لا سيما إذا كان مكانًا فاضلًا كمكة والمدينة،
стр. 616
أو كان فقراؤه أشد حاجة، فإن كان في بلد ليس فيه من يدفع إليه، أو كان لا يعرف المستحقين فيه وكَّل من يدفعها عنه في مكان فيه مستحق.
وبناء على ذلك فمن أقام في بلاده أكثر رمضان ثم سافر في آخره إلى بلد أخرى فالأولى له أن يدفعها إلى فقراء البلد الذي تجب عليه فيه، وهو غروب شمس آخر يوم من رمضان، فمن كان في أي بلد من بلاد المسلمين وأتى إلى مكة في رمضان فالأفضل أن يدفعها إلى فقراء الحرم إذ وجبت عليه في نفس المكان وهو فاضل، وإن دفعها إلى فقراء بلده الذي يقيم به أكثر السنة أجزأته ولكنه خلاف الأولى، فالحاصل أن زكاة الفطر متعلقة بالبدن، فأينما وجد البدن أخرجها في المكان الذي هو فيه.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز (١) ﵀: "المشروع إخراجها في فقراء المسلمين في البلد التي فيها المزكي لأنهم أحوج إليها غالبًا, ولأنها مواساة لهم حتى يستغنوا بها عن السؤال أيام العيد، وإن نقلت إلى غيرهم من الفقراء أجزأت في أصح قولي العلماء لأنها بلغت محلها, لكن صرفها إلى فقراء البلد أولى وأفضل وأحوط".
عاشرًا: لمن تدفع زكاة الفطر:
١ - ذهب الحنفية (٢) إلى أن زكاة الفطر كالزكاة في المصارف إلا في جواز الدفع للذمي.
٢ - وذهب المالكية (٣) إلى أن زكاة الفطر تدفع لحر مسلم فقير، وما وراء
стр. 617
ذلك ممّن يليها أو يحرسها فلا تدفع إليه، ولا تعطى لمجاهد أيضًا, ولا يشترى له بها آلة، ولا للمؤلفة قلوبهم، ولا لابن السبيل إلا إذا كان فقيرًا بالموضع الذي هو فيه، فيعطى منها بوصف الفقر، ولا يعطى منها ما يوصله لبلده، ولا يشترى منها رقيق ولا غارم.
٣ - وذهب الشافعية (١) في المشهور من مذهبهم إلى أنه يجب صرف الفطرة إلى الأصناف الثمانية الذين تصرف إليهم زكاة المال.
٤ - وذهب الحنابلة (٢) إلى أن مصرف الفطرة هو مصرف الزكاة. قال المرداوي: "وعليه الأصحاب، فلا يجوز دفعها لغيرهم".
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية (٣) ﵀: "لا يجزئ إطعامها إلا لمن يستحق الكفارة وهم الآخذون لحاجة أنفسهم فلا يعطى منها المؤلفة، ولا الرقاب، ولا غير ذلك".
الراجح: الذي نرجحه من هذه الأقوال أن صدقة الفطر خاصة للفقراء والمساكين إلا إذا اقتضت المصلحة صرفها لأحد المصارف الثمانية غير الفقراء والمساكين ورأى الإِمام أو نائبه ذلك (٤).
الحادي عشر: ذكر بعض الأحكام المتعلقة بصدقة الفطر:
١ - لا يجوز إخراج القيمة في زكاة الفطر وهذا هو ما وصل إليه المالكية (٥)،
стр. 618
والشافعية (١) والحنابلة (٢) لأنه لم يرد نص بذلك، ولأن القيمة في حقوق الناس لا تجوز إلا عن تراض منهم، وليس لصدقة الفطر مالك معين حتى يجوز رضاه أو إبراءه.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز (٣) ﵀: "والأصل في العبادات التوقيف، ولا نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ أخرج النقود في زكاة الفطر، وهم أعلم الناس بسنته ﷺ وأحرص الناس على العمل بها, ولو وقع منهم شيء من ذلك لنقل كما نقل غيره من أقوالهم وأفعالهم المتعلقة بالأمور الشرعية".
وقال أيضًا: "ومما ذكرنا يتضح لصاحب الحق أن إخراج النقود في زكاة الفطر لا يجوز ولا يجزئ عمن أخرجه لكونه مخالفا كما ذكر للأدلة الشرعية".
وذهب الحنفية (٤) إلى جواز دفع القيمة في صدقة الفطر بناء على أصلهم في جواز دفع القيمة في الكفارة، وقالوا: بل هو أولى ليتيسر للفقير أن يشتري أي شيء يريده في يوم العيد؛ لأنه قد لا يكون محتاجًا إلى الحبوب، بل هو محتاج إلى ملابس، أو لحم، أو غير ذلك، فإعطاءه الحبوب يضطره إلى أن يطوف بالشوارع ليجد من يشتري منه الحبوب، وقد يبيعها بثمن بخس أقل من قيمتها الحقيقية. هذا كله في حالة اليسر ووجود الحبوب بكثرة في الأسواق، أما في حالة الشدة وقلة الحبوب في الأسواق فدفع العين أولى من القيمة مراعاة لمصلحة الفقير (٥).
стр. 619
٢ - لا ينبغي أن تعطى الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله، فإن الله فرضها معونة على طاعته لمن يحتاج إليها من المؤمنين كالفقراء والمساكين وغيرهم، فمن لا يصلي من أهل الحاجات لا يعطى شيئًا منها حتى يتوب ويلتزم بأداء الصلاة في وقتها.
٣ - من عجز عن صدقة الفطر وقت وجوبها عليه ثم أيسر فأداها فقد أحسن.
٤ - يجوز دفع صدقة الفطر لفقير واحد، وهو المذهب عند الحنابلة (١).
٥ - يجوز دفع صدقة الفطر للجمعيات الخيرية، كجمعية البر، وهيئة الإغاثة العالمية على أنه يجب على الجمعيات الخيرية صرفها للمستحقين لها قبل صلاة العيد، ولا يجوز تأخيرها عن ذلك.
٦ - من كان عليه دين وصاحبه لا يطالبه به، أدى صدقة الفطر وقت وجوبها عليه.
стр. 620
مصارف الزكاة
معنى مصارف الزكاة:
أي الجهة التي تصرف إليها الزكاة، وهم المستحقون لها من الأصناف الثمانية التي جاءت نصوص الكتاب العزيز ببيانهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
فدلت الآية على أن مستحقيها هم:
أولًا: الفقراء:
وهم أصحاب السهم الأول، والفقير في رأي الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، هو من ليس له مال ولا كسب يقع موقعًا من كفايته أو حاجته، وليس له زوج ولا أصل ولا فرع يكفيه نفقته ولا يحقق كفايته مطعمًا وملبسًا ومسكنًا كمن يحتاج إلى عشرة ولا يجد إلا ثلاثة حتى وإن كان صحيحًا يسأل الناس أو كان له مسكن وثوب يتجمل به.
أما الحنفية (٤) فالفقير عندهم من له شيء دون النصاب أو قدر النصاب غير تام، أو مشغول بالحاجة الأصلية، فيصح الدفع إليه ولو كان صحيحًا متكسبًا، أو يملك نصبًا كثيرة غير نامية، أو كانت مشغولة بالحاجة الأصلية.
стр. 621
ثانيًا: المساكين:
جمع مسكين، وهو الذي يقدر على كسب ما يسد من حاجته، ولكن لا يكفيه كمن يحتاج إلى عشرة وعنده ثمانية لا تكفيه الكفاية اللائقة بحاله من مطعم وملبس ومسكن.
فالفقير عند الشافعية (١)، والحنابلة (٢) أسوأ حالًا من المسكين، فالفقير هو من لا مال له ولا كسب أصلًا، أو كان يملك أو يكتسب أقل من نصف ما يكفيه لنفسه ومن تجب عليه نفقته من غير إسراف ولا تقتير، والمسكين هو من يملك أو يكتسب نصف ما يحتاجه فأكثر، وإن لم يصل إلى قدر كفايته، والمراد بالكفاية في حقه المكتسب كفاية يوم بيوم.
وذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤) إلى أن المسكين أسوأ حالًا من الفقير كما نقل عن بعض أئمة اللغة، ولقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٥)، أي ألصق جلده بالتراب ليواري جسده.
والذي يترجح عندنا بعد عرض القولين:
أن الفقراء والمساكين هم الذين ليس عندهم مال يكفيهم، والفقير أشد حاجة، والمسكين أحسن حالًا منه، وإذا أطلق أحدهما دخل فيه الآخر، فيعطون من الزكاة ما يكفيهم هم وعوائلهم في حاجتهم الضرورية سنة كاملة، وهذا ما رجحه الشيخ ابن باز (٦) ﵀.
стр. 622
متى يجوز إعطاء من له مال يكفيه من الزكاة ؟
من كان له مال يكفيه فلا يستحق من الزكاة، لكن إن كان له مال غائب ينتظر وصوله، أو كان دينًا مؤجلًا، أوكان دينًا على معسر فيجوز إعطاؤه من الزكاة ما يكفيه إلى أن يصل إليه ماله أو يحل الأجل، وهذا مذهب الشافعية (١).
إعطاء من يطلب العلم الشرعي من الزكاة:
إن شغله عن الكسب طلب العلم الشرعي لم يمنع ذلك من إعطائه من الزكاة لأن طلب العلم فرض كفاية بخلاف التفرغ للعبادة.
حد الكافية المعتبرة لمن لا يستحق الزكاة:
الكفاية المعتبرة عند جمهور الفقهاء: هي المطعم والمشرب والمسكن وسائر ما لا بد منه على ما يليق بالحال من غير إسراف ولا تقتير للشخص نفسه وممن هو في نفقته.
وصرح المالكية (٢) وغيرهم بأن مال الزكاة إن كان فيه سعة فيجوز الإعانة به لمن أراد الزواج، وبه قال الشيخ ابن باز (٣) ﵀.
مقدار ما يعطى الفقير والمسكين من الزكاة:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الواحد من أهل الحاجة المستحقة للزكاة كالفقير والمسكين يعطى من الزكاة الكفاية أو تمامها له ولمن يعوله عاما كاملًا ولا يزاد عليه، وإن كان يملك أو يحصل له بعض الكفاية أعطي تمام الكفاية لعام.
وذهب الشافعية (٤) في قول وهو رواية في مذهب أحمد إلى أن الفقير والمسكين يعطيان ما يخرجهما من الفاقة إلى الغنى وهو ما يحصل به الكفاية على
стр. 623
الدوام، والراجح ما ذهب إليه الجمهور، وهو قول الشيخ (١) ﵀.
وقال العلامة ابن عثيمين (٢) ﵀: الفقير يعطى كفايته إلى نهاية العام لأن الزكاة تتجدد كل سنة، ولو قيل: أنه يعطى إلى أن يصبح غنيًا ويزول عنه وصف الفقر لكان قولًا قويًا، وكذلك القول في المسكين.
والذي نراه هو القول الأول لأن الزكاة تتكرر كل سنة، ولأن النبي ﷺ كان يدخر لأهله قوت سنة (٣)، وإن كانت الزكاة بحيث تفي بحاجة الفقراء والمساكين وزيادة فلا بأس من إعطائهم ما يخرجهم من الفقر والمسكنة إلى الغنى.
إعطاء من لديه عقار ونحوه يستفيد منه بعض كفايته هل يعطى كفايته من الزكاة:
نص الإِمام أحمد على أن من عنده عقار يتضرر لو باعه ويستغل منه أدنى من كفايته فإنه يعطى كفايته ولا يلزم بيعه لأن زكاة الناس لن تدوم له كل سنة.
إعطاء القادر المتفرغ للعبادة من الزكاة:
من كان قادرًا على التكسب وليس له مال وأراد أن يتفرغ إلى طلب العبادة فهذا لا يعطى من الزكاة لأن نفعه قاصر على المتعبد بخلاف طالب العلم فإن نفعه متعدي لغيره.
إعطاء القادر القوي من الزكاة بدعواه أنه لا يجد مكسبًا:
إذا ادعى رجل صحيح قوي أنه لا يجد مكسبًا يجوز أن يعطى من الزكاة إن كان مستور الحال، ويقبل قوله بغير يمين، أما إن علم كذبه بيقين لم يصدق ولم يجز إعطائه من الزكاة، وإن ادعى أن له عيالًا وطلب من الزكاة لأجلهم فعند الشافعية (٤)، والحنابلة (٥) لا يقبل قوله إلا
стр. 624
ببينة لأن الأصل عدم العيال، ولا تتعذر إقامة البينة على ذلك، وكذا من كان معروفًا باليسار لا يعطى من الزكاة، لكن إن ادعى أن ماله تلف أو فقد كلف البينة على ذلك.
واختلف قول الحنابلة في عدد البينة، فقيل لا بد من ثلاثة، واحتج لذلك بحديث قبيصة، وفيه: " ... وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاَثةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَا مِنْ قَوْمهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَة فَحَلَّتْ له المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ" أَوْ قَالَ: "سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ... " (١).
وفي رواية أخرى في المذهب: أنه يقبل قول اثنين فقط كسائر الحقوق، وقالوا بأن الحديث إنما جاء في المسألة لا في الإعطاء دون المسألة.
ثالثًا: العاملون عليها:
وهم السعاة لجباية الصدقة، والمراد بهم هنا من ترسلهم الحكومة لجمع الزكاة من أهلها، وصرفها لمستحقيها فهم ولاة وليسوا أجراء، وإنما قلنا ذلك لأجل أن يفهم أن من أعطى زكاة ليوزعها فليس من العاملين عليها، بل هو وكيل عليها أو بأجرة، ولهذا فإن الزكاة إذا تلفت عند العاملين عليها فإن ذمة المزكي بريئة منها، وأما إذا تلفت عند الموكل في التوزيع فلا تبرأ ذمة المزكي.
ويشترط في العاملين عليها العدالة والمعرفة بفقه الزكاة، ويدخل الحاشر -الذي يجمع أرباب الأموال- والكاتب، وقاسم الزكاة، وحافظ المال، والعريف -الذي يعرف أرباب الاستحقاق-, وعداد المواشي، والكيال، والوزان، والراعي، وكل من يحتاج إليه في الزكاة لدخولهم في مسمى -العامل-، كل هؤلاء يدخلون بين مستحقيها غير قاضٍ ووالٍ لاستغنائهما بمالهما من بيت المال.
стр. 625
ولا يشترط كون العاملين عليها فقراء، بل يعطون ولو كانوا أغنياء لأنهم يعملون لمصلحة الزكاة، فهم يعملون للحاجة إليهم لا لحاجتهم، فإذا انضم إلى ذلك أنهم فقراء ونصيبهم من العمل على الزكاة لا يكفي لمئونتهم ومئونة عيالهم فإنهم يأخذون بالسببين، أي سبب العمل، وسبب الفقر.
القدر الذي يعطى منه العاملون عليها من الزكاة؟
يعطى العاملون عليها منها بقدر عملهم وتعبهم على ما يراه ولي الأمر.
رابعًا: المؤلفة قلوبهم:
وهم الذين يعطون لتأليف قلوبهم ممّن يرجى إسلامه، أو كف شره، أو يرجى بعطيته قوة إيمانه، وهم نوعان: مسلمون وكفار.
أما الكفار فصنفان؟ صنف يرجى خيره، وصنف يخاف شره.
وقد ثبت أن النبي ﷺ أعطى قومًا من الكفار يتألف قلوبهم ليسلموا، ففي صحيح مسلم (١) أنه أعطى أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينه بن حصن، والأقرع بن حابس، وعباس بن مرداس، كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى أيضًا علقمة بن علاثة من غنائم حنين.
واختلف الفقهاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة حال كونهم كفارًا:
١ - فقال الحنابلة (٢)، والمالكية (٣) يعطون ترغيبًا في الإِسلام؛ لأن النبي ﷺ أعطى المؤلفة من المسلمين والكفار.
стр. 626
قال صاحب المغني: "ولنا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن الله تعالى سمَّى المؤلفة من الأصناف الذين سمَّى الصدقة لهم، والنبي ﷺ قال: "إن الله تعالى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء"، وكان بعض المؤلفة قلوبهم كثيرًا في أخبار مشهورة، ولم يزل كذلك حتى مات، ولا يجوز ترك كتاب الله وسنة رسوله إلا بنسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال ... إلى آخر ما قاله ﵀" (١).
٢ - وقال الحنفية (٢)، والشافعية (٣) لا يعطى الكافر من الزكاة لا لتأليف ولا لغيره، وقد كان إعطاؤهم في صدر الإِسلام في حال قلة المسلمين، وكثرة عددهم، وقد أعز الله الإِسلام وأهله، واستغنى بهم عن تأليف الكفار، ولم يعطهم الخلفاء الراشدون بعد رسول الله ﷺ ، قال عمر ﵁: "إنا لا نعطي على الإِسلام شيئًا،
فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (٤).
الراجح: نرى أن الراجح هو جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم إذا كان ذلك في مصلحة الإِسلام والمسلمين وأُقرَّ من أهل الفتوى في البلاد.
وأما المسلمون من المؤلفة قلوبهم فهم أصناف ويعطون بسبب احتياجنا لهم، وهم:
١ - ضعفاء النية في الإِسلام؟
٢ - الشريف المسلم في قومه الذي يتوقع بإعطائه إسلام نظرائه، فقد أعطى النبي ﷺ كما ذكرنا أبا سفيان بن حرب وجماعة، وأعطى أيضًا الزبرقان بن بدر، وعدي بن حاتم لشرفهما في قومهما.
стр. 627
٣ - المقيم في ثغر من ثغور المسلمين المجاورة للكفار ليكفينا شر من يليه من الكفار بالقتال.
خامسًا: في الرقاب:
وهم عند جمهور الفقهاء المكاتبون المسلمون الذين لا يجدون وفاء ما يؤدون ولو مع القوة والكسب؛ لأنه لا يمكن الدفع إلى الشخص الذي يرادفك رقبته إلا إذا كان مكاتبًا.
قال المالكية (١) يشتري بسهمهم رقيقًا فيعتق لأن كل موضع ذكرت فيه الرقبة يراد به عتقها، والعتق والتحرير لا يكون إلا في العتق والعبد الخالص العبودية كما في الكفارات.
والراجح: أن كلمة الرقاب تشمل هذا وهذا أي تشمل المكاتب وغيره، فيعطى المكاتب من الزكاة، وكذلك العتق أي العبد الخالص يعطى منها لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَفِي اَلرِّقَابِ﴾ لا سيما إذا كان هذا العبد عنده سيد يؤذيه، أو عنده سيد لا يؤمن عليه، فإنه يُشترى من الزكاة ويعتق.
وهذا ما ذهب إليه المالكية (٢)، وأحمدُ (٣) في رواية عنه، والحنفية (٤)، والشافعية (٥).
وذهب الإِمام أحمد (٦) في رواية أخرى أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى الرقيق المسلم، لكن الراجح كما ذكرنا جواز إعطاء الرقيق المسلم منها، وهو اختيار
стр. 628
الشيخ ابن باز (١)، والشيخ ابن عثيمين (٢).
إعطاء الزكاة في تخليص الأسير المسلم:
يجوز تخليص الأسير المسلم من الناس من سهم الرقاب، وقد صرح الحنابلة (٣) وابن حبيب، وابن عبد الحكم من المالكية (٤) بجواز هذا النوع لأنه فك رقبة من الناس فيدخل في الآية، بل هو أولى من فك رقبة من بأيدينا، وهذا ما ذهب إليه الشيخان ابن باز وابن عثيمين (٥).
اعتبار عتق العبد من الزكاة: من كان عنده عبد فأراد أن يعتقه من الزكاة هل يجزئه ؟
لا يجزئه ذلك لأنه بمنزلة إسقاط الدين عن الزكاة، أي بمنزلة من كان له دين عند شخص فقير فيسقطه عنه ويحسب من الزكاة.
مقدار إعطاء المكاتب والرقيق أو الأسير من الزكاة ؟
يعطى المكاتبون ما يحصل به الوفاء.
مثاله: اشترى عبدًا نفسه من سيده بعشرة آلاف، يدفع منها خمسة بعد ستة أشهر، وخمسة بعد ستة أشهر أخرى، فهنا يعطيه خمسة آلاف للأجل الأول، وخمسة آلاف للأجل الثاني.
أما الرقيق الخلّص وكذلك الأسير فيعطون من الزكاة بقدر ما يحصل به
стр. 629
الفكاك من الرق أو الأسر.
سادسًا: الغارمون:
الغارم: من لحقه الغرم، وهو الضمان والإلزام بالمال وما شابه ذلك، وهم نوعان:
الأول: من كان غارمًا لإصلاح ذات البين:
والأصل في هذا النوع حديث قبيصة المرفوع، وقد تقدم ذكره، وهو قوله ﷺ : " ... يَا قَبِيصَةُ إِنَّ المَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إلا لأَحَدِ ثَلاَثةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَة حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَه فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ -أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ-, وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَا مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ -أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْش- فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ المَسْألةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأكلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا" (١).
وصورة هذا النوع: أن يكون بين قبيلتين أو حيين عداوة وفتنة، يكون فيها قتل نفس، أو إتلاف مال، فيتحمله شخص لأجل الإصلاح بينهم، فيعطى من الزكاة لتسديد حمالته.
هل يشترط كونه فقيرًا ؟
١ - ذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣) إلى أن هذا النوع من الغارمين يعطى من الزكاة سواء كان غنيًا أو فقيرًا لأنه لو اشترط الفقر فيه لألغيت هذه المكرمة.
стр. 630
٢ - وذهب الحنفية (١) إلى أنه لا يعطى المتحمل من الزكاة إلا إذا كان لا يملك نصابًا فاضلًا عن دينه كغيره من المدينين.
والراجح: ما ذهب إليه الشافعية، والحنابلة من أنه لا يشترط كونه فقيرًا، بل يعطى من الزكاة مع الغنى لأن إعطاء الغارم لغرمه ولأننا نعطيه هنا للحاجة إليه، ومن أعطي للحاجة إليه فإنه لا يشترط أن يكون فقيرًا.
الثاني: الغارم لمصلحة نفسه:
وهذا النوع غارم لشيء يخصه، فهذا يعطى مع الفقر، والفقر هنا ليس كالفقر في الصنف الأول إنما الفقر هنا هو العجز عن الوفاء وإن كان عنده ما يكفيه ويكفي عياله لمدة سنة أو أكثر.
ويشترط لإعطائه من الزكاة أن يكون:
١ - مسلمًا.
٢ - أن لا يكون من آل البيت، وفي قول في المذهب جواز إعطاء مدين آل البيت من الزكاة، وهو الصواب في هذا العصر لعدم الفيء، أما صدقة التطوع فلا حرج فيها.
٣ - أن لا يكون قد استدان ليأخذ من الزكاة كأن يكون عنده ما يكفيه وتوسع في الإنفاق بالدين لأجل أن يأخذ منها بخلاف فقير استدان للضرورة ناويًا الأخذ منها وهذا الشرط عند المالكية (٢).
٤ - أن لا يكون الدين في معصية، وهذا عند الجمهور كأن يكون بسبب خمر
стр. 631
أو قمار أو زنى، لكن إن تاب يجوز الدفع إليه، وقيل لا، ورجح المالكية (١) الأول، وهو الراجح، فمتى تاب أخذ من الزكاة وإلا لم نعطه لأن هذا إعانة على المحرم، ولذلك لو أعطيناه لاستدان مرة أخرى.
إعطاء المسرف في النفقة من الزكاة: يرى الشافعية (٢) أن الإسراف في النفقة يمنع الإعطاء.
٥ - أن لا يكون قادرًا على السداد من مال عنده زكوي أو غير زكوي زائد عن كفايته، فلو كان له دار يسكنها تساوي مائة، وعليه مائة وتكفيه دار بخمسين فلا يعطى حتى تباع ويدفع الزائد في دينه.
إعطاء الدائن من الزكاة عن المدين دون عليه: يجوز ذلك لأن هذا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، فهي مجرور بـ ﴿فِي﴾، و ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ معطوف على الرقاب، فالتقدير وفي الغارمين ﴿وَفِي﴾ لا تدل على التمليك فيجوز أن ندفعها إلى الدائن.
كيفية إعطاء الغارم الزكاة ؟
إذا كان الغريم حريصًا على وفاء دينه فيعطى إياها ليتولى دفعها بنفسه، وإذا كان يخشى أن لا يوفي دينه ويفسد ماله فالأولى أن لا نعطيه بل نذهب إلى الغريم الذي يطلبه ونسدد عنه دينه.
حكم قضاء دين الميت من الزكاة:
اختلف الفقهاء في قضاء الدين عن الميت من الزكاة، فذكر الإِمام النووي (٣)
стр. 632
في ذلك وجهين في مذهب الشافعي:
أحدهما: لا يجوز، قال: وهو قول الصيمري، ومذهب النخعي، وأبي حنيفة، وأحمدُ.
الثاني: يجوز لعموم الآية، ولأنه يصح التبرع بقضاء دينه كالحي، وبه قال أبو ثور ومالك.
والراجح: أنه لا يقضي دين الميت من الزكاة لأمور منها:
أولًا: أن إعطاء الغارم من الزكاة كي يزال عنه ذل الدين لأن الدين ذل.
ثانيًا: أن النبي ﷺ كان لا يقضي ديون الأموات من الزكاة، بل كان يسأل عن الميت هل عليه دين، فإن كان عليه دين سأل هل ترك وفاء، فإن لم يترك لم يصل عليه، وإن كان له وفاء صلى عليه، فلما فتح الله عليه وكثر عنده المال صار يقضي الدين بما فتح الله عليه عن الأموات لا يقضيه من الزكاة بل من الغنائم وغيرها، فلو كان قضاء الدين عن الميت من الزكاة جائزًا لفعله ﷺ .
ثالثًا: أننا لو قلنا بجواز ذلك لعطل قضاء ديون كثيرة عن الأحياء؛ لأن العادة أن الناس يعطون الميت أكثر مما يعطون الحي، والأحياء أحق بالوفاء من الأموات.
رابعًا: أن فتح هذا الباب يفتح باب الطمع والجشع من الورثة، فيمكن أن يجحدوا مال الميت كي يقضى عنه الدين من الزكاة.
إبراء الغريم الفقير بنية الزكاة ؟
لا يجوز إبراء الغريم الفقير بنية الزكاة، قال شيخ الإِسلام (١) ﵀ بلا نزاع، وقولنا بعدم الجواز لعدة وجوه:
стр. 633
الأول: أن الزكاة أخذ وإعطاء، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١)، وهذا ليس فيه أخذ.
الثاني: أن هذا بمنزلة إخراج الخبيث من الطيب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢).
ووجه ذلك أنه سيخرج هذا الدين عن زكاة عين، فعند شخص مثلًا أربعون ألفًا وزكاتها ألف ريال، وفي ذمة الفقير ألف ريال، والذي في حوزة الشخص أربعون ألفًا وهي في يده وتحت تصرفه، والدين الذي في ذمة المعسر ليس في يد الشخص، ومعلوم نقص الدين عن العين في النفوس، فكأنه أخرج رديئًا عن جيد وطيب فلا يجزئ.
الثالث: أنه في الغالب لا يقع إلا إذا كان الشخص قد أيس من الوفاء فيكون بذلك إحياء وإثراء لماله الذي بيده.
وهذا هو الراجح، وبه أفتت اللجنة الدائمة (٣)، وهو قول الشيخين ابن باز (٤)، وابن عثيمين (٥).
سابعًا: في سبيل الله:
هذا هو المصرف السابع من مصارف الزكاة، وهم الغزاة في سبيل الله تعالى -والذين ليس لهم نصيب في الديوان- بل هم متطوعون للجهاد وهذا متفق عليه عند جميع الفقهاء من حيث الجملة، فيجوز إعطاؤهم من الزكاة قدر ما يتجهزون
стр. 634
به للغزو من مركب وسلاح ونفقة وسائر ما يحتاج إليه الغازي لغزوه مدة الغزو وإن طالت.
هل يشترط في كون الغازي في سبيل الله فقيرًا ؟
١ - يرى الجمهور (١) عدم اشتراط الفقر، بل يجوز إعطاؤه وإن كان غنيًا لأنه لا يأخذ لمصلحة نفسه بل لحاجة عامة المسلمين، فلم يشترط فيه الفقر.
٢ - وقال الحنفية (٢) إذا كان الغازي غنيًا وهو من يملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب فلا يعطى من الزكاة وإلا فيعطى.
والراجح: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء لأن في ذلك مصلحة الإِسلام والمسلمين.
أما جنود الجيش الذين لهم نصيب من الديوان فلا يعطون الزكاة إذا كان العطاء يكفيهم، أما إذا كان لا يكفيهم فيعطون من الزكاة ما يكفيهم، وهو الفرق بين مرتباتهم وما يكفيهم.
دخول ما تقتضيه مصلحة الحرب في مصرف سبيل الله:
يجوز الصرف في مصالح الجهاد في سبيل الله الأخرى، نحو بناء أسوار للبلد لحفظها من غزو العدو ونحو بناء المراكب الحربية وشراء الأسلحة ونحو ذلك.
بل كل ما يعين على الجهاد في سبيل الله حتى الأدلاء (الجواسيس) الذين يدلون على مواقع العدو يكون لهم نصيب من الزكاة لأن الله تعالى قال: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ولم يقل في المجاهدين، فدل على أن المراد كل ما يتعلق بالجهاد.
стр. 635
إعطاء من يريد الحج من الزكاة:
١ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز إعطاء من يريد الحج والعمرة من الزكاة، وهذا هو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وهو رواية عن الإِمام أحمد (٤)، وقال ابن قدامة (٥) إنه الصحيح، واحتجوا لذلك بأن سبيل الله في آية الزكاة مطلق، وهو عند الإطلاق ينصرف إلى الجهاد في سبيل الله تعالى.
٢ - وذهب الإِمام أحمد في رواية عنه وهي المذهب (٦) واختارها شيخ الإِسلام ابن تيمية (٧) إلى أن الحج في سبيل الله، فيصرف فيه الزكاة.
وهل يعطى لحج الفريضة خاصة أم يجوز أن يعطى أيضًا في حج التطوع ؟
على قولين في المذهب الحنبلي، والمختار في المذهب أنه لا يعطى إلا في فرض الحج والعمرة.
الراجح: هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنه لا يجوز إعطاء من يريد الحج من الزكاة، فإن كان فقيرًا أعطي لفقره، وهو بالخيار إن شاء حج بها أم لم يحج.
ثامنًا: ابن السبيل:
هذا هو المصرف الأخير ممّن تصرف لهم الزكاة، وهم الذين ينتقلون من