← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أو قمار أو زنى، لكن إن تاب يجوز الدفع إليه، وقيل لا، ورجح المالكية (١) الأول، وهو الراجح، فمتى تاب أخذ من الزكاة وإلا لم نعطه لأن هذا إعانة على المحرم، ولذلك لو أعطيناه لاستدان مرة أخرى. إعطاء المسرف في النفقة من الزكاة: يرى الشافعية (٢) أن الإسراف في النفقة يمنع الإعطاء. ٥ - أن لا يكون قادرًا على السداد من مال عنده زكوي أو غير زكوي زائد عن كفايته، فلو كان له دار يسكنها تساوي مائة، وعليه مائة وتكفيه دار بخمسين فلا يعطى حتى تباع ويدفع الزائد في دينه. إعطاء الدائن من الزكاة عن المدين دون عليه: يجوز ذلك لأن هذا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، فهي مجرور بـ ﴿فِي﴾، و ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ معطوف على الرقاب، فالتقدير وفي الغارمين ﴿وَفِي﴾ لا تدل على التمليك فيجوز أن ندفعها إلى الدائن. كيفية إعطاء الغارم الزكاة ؟ إذا كان الغريم حريصًا على وفاء دينه فيعطى إياها ليتولى دفعها بنفسه، وإذا كان يخشى أن لا يوفي دينه ويفسد ماله فالأولى أن لا نعطيه بل نذهب إلى الغريم الذي يطلبه ونسدد عنه دينه. حكم قضاء دين الميت من الزكاة: اختلف الفقهاء في قضاء الدين عن الميت من الزكاة، فذكر الإِمام النووي (٣)

стр. 632

في ذلك وجهين في مذهب الشافعي: أحدهما: لا يجوز، قال: وهو قول الصيمري، ومذهب النخعي، وأبي حنيفة، وأحمدُ. الثاني: يجوز لعموم الآية، ولأنه يصح التبرع بقضاء دينه كالحي، وبه قال أبو ثور ومالك. والراجح: أنه لا يقضي دين الميت من الزكاة لأمور منها: أولًا: أن إعطاء الغارم من الزكاة كي يزال عنه ذل الدين لأن الدين ذل. ثانيًا: أن النبي ﷺ كان لا يقضي ديون الأموات من الزكاة، بل كان يسأل عن الميت هل عليه دين، فإن كان عليه دين سأل هل ترك وفاء، فإن لم يترك لم يصل عليه، وإن كان له وفاء صلى عليه، فلما فتح الله عليه وكثر عنده المال صار يقضي الدين بما فتح الله عليه عن الأموات لا يقضيه من الزكاة بل من الغنائم وغيرها، فلو كان قضاء الدين عن الميت من الزكاة جائزًا لفعله ﷺ . ثالثًا: أننا لو قلنا بجواز ذلك لعطل قضاء ديون كثيرة عن الأحياء؛ لأن العادة أن الناس يعطون الميت أكثر مما يعطون الحي، والأحياء أحق بالوفاء من الأموات. رابعًا: أن فتح هذا الباب يفتح باب الطمع والجشع من الورثة، فيمكن أن يجحدوا مال الميت كي يقضى عنه الدين من الزكاة. إبراء الغريم الفقير بنية الزكاة ؟ لا يجوز إبراء الغريم الفقير بنية الزكاة، قال شيخ الإِسلام (١) ﵀ بلا نزاع، وقولنا بعدم الجواز لعدة وجوه:

стр. 633

الأول: أن الزكاة أخذ وإعطاء، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١)، وهذا ليس فيه أخذ. الثاني: أن هذا بمنزلة إخراج الخبيث من الطيب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢). ووجه ذلك أنه سيخرج هذا الدين عن زكاة عين، فعند شخص مثلًا أربعون ألفًا وزكاتها ألف ريال، وفي ذمة الفقير ألف ريال، والذي في حوزة الشخص أربعون ألفًا وهي في يده وتحت تصرفه، والدين الذي في ذمة المعسر ليس في يد الشخص، ومعلوم نقص الدين عن العين في النفوس، فكأنه أخرج رديئًا عن جيد وطيب فلا يجزئ. الثالث: أنه في الغالب لا يقع إلا إذا كان الشخص قد أيس من الوفاء فيكون بذلك إحياء وإثراء لماله الذي بيده. وهذا هو الراجح، وبه أفتت اللجنة الدائمة (٣)، وهو قول الشيخين ابن باز (٤)، وابن عثيمين (٥). سابعًا: في سبيل الله: هذا هو المصرف السابع من مصارف الزكاة، وهم الغزاة في سبيل الله تعالى -والذين ليس لهم نصيب في الديوان- بل هم متطوعون للجهاد وهذا متفق عليه عند جميع الفقهاء من حيث الجملة، فيجوز إعطاؤهم من الزكاة قدر ما يتجهزون

стр. 634

به للغزو من مركب وسلاح ونفقة وسائر ما يحتاج إليه الغازي لغزوه مدة الغزو وإن طالت. هل يشترط في كون الغازي في سبيل الله فقيرًا ؟ ١ - يرى الجمهور (١) عدم اشتراط الفقر، بل يجوز إعطاؤه وإن كان غنيًا لأنه لا يأخذ لمصلحة نفسه بل لحاجة عامة المسلمين، فلم يشترط فيه الفقر. ٢ - وقال الحنفية (٢) إذا كان الغازي غنيًا وهو من يملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب فلا يعطى من الزكاة وإلا فيعطى. والراجح: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء لأن في ذلك مصلحة الإِسلام والمسلمين. أما جنود الجيش الذين لهم نصيب من الديوان فلا يعطون الزكاة إذا كان العطاء يكفيهم، أما إذا كان لا يكفيهم فيعطون من الزكاة ما يكفيهم، وهو الفرق بين مرتباتهم وما يكفيهم. دخول ما تقتضيه مصلحة الحرب في مصرف سبيل الله: يجوز الصرف في مصالح الجهاد في سبيل الله الأخرى، نحو بناء أسوار للبلد لحفظها من غزو العدو ونحو بناء المراكب الحربية وشراء الأسلحة ونحو ذلك. بل كل ما يعين على الجهاد في سبيل الله حتى الأدلاء (الجواسيس) الذين يدلون على مواقع العدو يكون لهم نصيب من الزكاة لأن الله تعالى قال: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ولم يقل في المجاهدين، فدل على أن المراد كل ما يتعلق بالجهاد.

стр. 635

إعطاء من يريد الحج من الزكاة: ١ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز إعطاء من يريد الحج والعمرة من الزكاة، وهذا هو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وهو رواية عن الإِمام أحمد (٤)، وقال ابن قدامة (٥) إنه الصحيح، واحتجوا لذلك بأن سبيل الله في آية الزكاة مطلق، وهو عند الإطلاق ينصرف إلى الجهاد في سبيل الله تعالى. ٢ - وذهب الإِمام أحمد في رواية عنه وهي المذهب (٦) واختارها شيخ الإِسلام ابن تيمية (٧) إلى أن الحج في سبيل الله، فيصرف فيه الزكاة. وهل يعطى لحج الفريضة خاصة أم يجوز أن يعطى أيضًا في حج التطوع ؟ على قولين في المذهب الحنبلي، والمختار في المذهب أنه لا يعطى إلا في فرض الحج والعمرة. الراجح: هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنه لا يجوز إعطاء من يريد الحج من الزكاة، فإن كان فقيرًا أعطي لفقره، وهو بالخيار إن شاء حج بها أم لم يحج. ثامنًا: ابن السبيل: هذا هو المصرف الأخير ممّن تصرف لهم الزكاة، وهم الذين ينتقلون من

стр. 636

بلاد إلى بلاد، فينقطعون في الطريق إما لذهاب نفقتهم في الطريق إذا طال السفر عليهم، أو لأن عدوًا من قطاع الطريق أخذهم وأخذ أموالهم، أو لأسباب أخرى أذهبت نفقاتهم، فيعطون من الزكاة بقدر ما يوصلهم إلى بلادهم ولو كانوا أغنياء. الشروط المعتبرة في ابن السبيل الذي يعطى من الزكاة: الشرط الأول: كونه مسلمًا، فلا يعطى الكافر منها كما ذكرنا ذلك سابقًا. الشرط الثاني: اشترط بعض أهل العلم أن لا يكون من آل البيت، لكن يعطى من صدقة التطوع كما بيَّنَّا، والراجح أنهم يعطون حتى من الزكاة لعدم الفيء. الشرط الثالث: أن لا يكون بيده في الحال مال يتمكن به من الوصول إلى بلده وإن كان غنيًا في بلده. الشرط الرابع: أن لا يكون سفره لمعصية لأنه إعانة عليها. الشرط الخامس: وهو للمالكية (١) خاصة؟ أن لا يجد من يقرضه إن كان ببلده غنيًا. والراجح: أنه لا يشترط عدم وجود من يقرضه لأن الآية عامة وتخصيص ذلك بإيجاد المقرض يحتاج إلى دليل. من لا يجوز دفع الزكاة إليهم: ١ - بنو هاشم: والمراد بهم (آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث):

стр. 637

قال بن قدامة (١) ﵀: لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة، وقد قال النبي ﷺ : "إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّما هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة، فقال النبي ﷺ : "كِخْ كِخْ " لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قَالَ: "أَمَا شَعَرْتَ أنَّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ" (٣). واختلف الفقهاء في بني المطلب، هل يمنعون من الزكاة كبني هاشم ؟ ١ - فذهب الشافعي (٤) إلى أنه ليس لهم الأخذ من الزكاة مثل بني هاشم، وأحتجوا لذلك بما رواه البخاري عن جبير بن مطعم ﵁ قال: مَشَيْتُ أنَّا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَعْطَيْتَ بَنِي المُطَّلِبِ وَتركْتَنَا وَنَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّما بَنُو المُطَّلِب وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ" (٥). قال ابن حزم (٦) ﵀: فصح أنه لا يجوز أن يفرق بين حكمهم في شيء أصلًا لأنهم شيء واحد بنص كلامه ﷺ ، فصح أنهم آل محمَّد، وإذا هم آل محمَّد فالصدقة عليهم حرام. وهو رواية في مذهب أحمد (٧).

стр. 638

٢ - وذهب الحنفية (١)، وهو رواية عن أحمد (٢) أنه يجوز دفع الزكاة لبني المطلب، قال ابن قدامة (٣) ﵀ في المغني بعد أن ساق الرواية الأولى قال: "والرواية الثانية لهم الأخذ منها، وهو قول أبي حنيفة لأنهم دخلوا في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٤). لكن خرج بنو هاشم لقول النبي ﷺ : "إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ" (٥) فيجب أن يختص المنع لهم، ولا يصح قياس بني طالب علي بني هاشم لأن بني هاشم أقرب إلى النبي ﷺ وأشرف، وهم آل النبي ﷺ ومشاركة بني المطلب لهم في خمس الخمس ما استحقوه بمجرد القرابة بدليل أن بني شمس وبني نوفل يساوونهم في القرابة. ولم يعطوا شيئًا وإنما شاركوهم بالنصرة أو بهما جميعًا، والنصرة لا تقتضي منع الزكاة. قال الشيخ محمَّد بن عثيمين (٦) ﵀: "والصحيح الرواية الأخرى -وهي المذهب- أنه يصح دفع الزكاة إلى بني المطلب لأنهم ليسوا من آل محمَّد ﷺ ولعموم الأدلة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٧)، فيدخل فيهم بنو المطلب، ويجاب عن تشريكهم في الخمس بأنه مبني على المناصرة والمؤازرة بخلاف الزكاة فإنهم لما

стр. 639

آزروا بني هاشم وناصروهم أعطوا جزاءً لفضلهم من الخمس، أما الزكاة فهي شيءٌ آخر". والراجح: جواز إعطائهم من الزكاة. إعطاء بني هاشم وبني المطلب من صدقة التطوع: اختلف الفقهاء في ذلك: قال ابن قدامة (١) في المغني: "فأما النبي ﷺ فالظاهر أن الصدقة جميعها كانت محرمة عليه فرضها ونفلها". ١ - ذهب جمهور العلماء إلى جواز إعطائهم من صدقة التطوع، وهو اختيار الشيخين بن باز، ومحمَّد بن عثيمين. قال الشيخ ابن باز (٢) ﵀: "أما صدقة التطوع لبني هاشم فلا حرج فيها". وقال الشيخ بن عثيمين (٣) ﵀: "وبهذا نعرف أن بني هاشم ينقسمون إلى قسمين: الأول: من لا تحل له صدقة التطوع ولا الزكاة الواجبة، وهو شخص واحد وهو محمَّد بن عبد الله ﷺ ، فهو لا يأكل الصدقة الواجبة ولا التطوع. الثاني: البقية من بني هاشم يأكلون من صدقة التطوع ولا يأكلون من الصدقة الواجبة".

стр. 640

٢ - الكفار ولو كانوا أهل ذمة: هذا هو الصنف الثاني الذي لا يجوز إعطاؤه من الزكاة، ونقل ابن المنذر (١) الإجماع على ذلك لحديث: "فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الله قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ... " (٢). ويستثنى من ذلك المؤلفة قلوبهم كما ذكرنا سابقًا. ويشمل الكافر هنا الكافر الأصلي والمرتد، ومن كان متسميًا بالإِسلام، وأتى بمكفر نحو الاستخفاف بالقرآن، أو سب الله ورسوله، أو دين الإِسلام فهو كافر لا يجوز إعطاؤه من الزكاة اتفاقًا، وكذلك تارك الصلاة لا يعطى منها لأن حكمه في أصح قولي العلماء أنه كافر. ٣ - الأصول والفروع والزوجة الذين تجب عليه نفقتهم: ويشمل ذلك أصوله وهم: أبواه وأجداده وجداته وارثين كانوا أولًا، وكذا فروعه وهم: أولاده وأولاد أولاده وإن نزلوا، قال الحنفية (٣) لأن منافع الأملاك فيهم متصلة، وهذا مذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، أما سائر الحواشي وهم الأخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وأولادهم فلا يمنع إعطاؤهم من الزكاة. أما المالكية (٦) فإن الأقارب الذين تلزم نفقتهم المزكي لا يجوز أن يعطيهم من الزكاة، والذين تلزم نفقتهم عند المالكية كالأب والأم دون الجد والجدة

стр. 641

والابن والابنة دون أولادهما، واللازم نفقة الابن في حد الصغر والبنت إلى أن تتزوج ويدخل بها. وقيد المالكية (١)، والشافعية (٢)، وشيخ الإِسلام ابن تيمية (٣) أن الإعطاء الممنوع بسهم الفقراء والمساكين، أما لو أعطى والده أو ولده من سهم العاملين أو المكاتبين أو الغارمين أو الغزاة فلا بأس. والراجح من هذه الأقوال: أن الزكاة لا يجوز أن تدفع للأم ولا للأب، ولا للجدات، ولا للأجداد، ولا للأولاد ذكورًا كانوا أو إناثًا, ولا لأولادهم لأن هؤلاء الأصول والفروع ليس لهم حق في الزكاة بالنسبة إلى الوالد، وإنما يعطيهم وينفق عليهم من ماله إذا دعت الحاجة إلى ذلك. حكم قضاء دين الوالد أو الولد من الزكاة: هل يجوز قضاء دين الوالد عن ابنه والعكس من الزكاة؟ قال بذلك بعض أهل العلم بشرط أن لا يكون سبب هذا الدين تحصيل نفقة واجبة، فإن كان سببه تحصيل نفقة واجبة فإنه لا يحل قضاء الدين من الزكاة لئلا يتخذ ذلك حيلة على منع الإنفاق على من تجب نفقتهم عليه لأجل أن يستدين ثم يقضي ديونهم من الزكاة. وقال بعضهم: لا يقضي دين الفروع والأصول من الزكاة، وهذا أحوط.

стр. 642

دفع الزوج زكاة ماله إلى زوجته وعكسه: إعطاء الرجل زكاة ماله إلى زوجته لا يجزئ، قاله ابن قدامة (١) إجماعًا. قال الحنفية (٢): لأن المنافع بين الزوجين مشتركة. وقال الجمهور: لأن نفقتها واجبة على الزوج فيكون كالدافع إلى نفسه، ومحل المنع إعطاؤها الزكاة لتنفقها على نفسها. أما لو أعطاها ما تدفعه في دينها فلا بأس على القول الصحيح. أما إعطاء المرأة زوجها زكاة مالها فقد اختلف فيه الفقهاء: ١ - فذهب الشافعي (٣)، وصاحبا أبي حنيفة (٤)، وهو رواية عن الإِمام أحمد (٥) إلى جواز ذلك لحديث زينب زوجة عبد الله بن مسعود ﵄، وفيه: فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنْ الأَنْصَارِ عَلَى البَابِ حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلالٌ فَقُلنَا سَل النَّبِيَّ ﷺ أَيَجزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لي في حَجْرِي وَقُلنَا لا تُخْبِرْ بِنَا فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "مَنْ هُمَا؟ " قَالَ: زَيْنَبُ قَالَ: "أَيُّ الزَّيَانِب" قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: "نَعَمْ لهَا أَجْرَانِ أَجْرُ القَرَابةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ" (٦). قال ابن قدامة (٧): ولأنه لا تجب عليها نفقة الزوج ولعموم آية مصارف الزكاة إذ ليس في الزوج إذا كان فقيرًا نص أو إجماع يمنع إعطاءه.

стр. 643

٢ - وقال أبو حنيفة (١)، وهو رواية أخرى عن الإِمام أحمد: لا يجزئ المرأة أن تعطي زوجها زكاتها ولو كانت في عدتها من طلاقه البائن ولو بثلاث طلقات، لأن المنافع بين الرجل وبين المرأة مشتركة، فهي تنتفع بتلك الزكاة التي تعطيها لزوجها, ولأن الزوج لا يقطع بسرقة مال أسرته، ولا تصح شهادته لها. وقال مالك (٢): لا تعطي المرأة زوجها زكاة مالها، واختلف أصحابه في معنى كلامه، فقال بعضهم: بأن مراده عدم الإجزاء، وقال آخرون: بإجزائه مع الكراهة. والراجح من هذه الأقوال: ما ذهب إليه الأولون من جواز دفع زكاة المرأة لزوجها لصراحة دليل زينب زوجة عبد الله بن مسعود في ذلك. ٤ - الفاسق والمبتدع: صرح المالكية (٣) بأن الزكاة لا تعطى لأهل المعاصي إذا غلب على ظن المعطي أنهم يصرفونها في المعصية، فإن أعطاهم على ذلك لم يجزئه عن الزكاة، وفي غير تلك الحال تجوز وتجزيء. وعند الحنفية (٤): يجوز إعطاء الزكاة للمنتسبين إلى الإِسلام من أهل البدع إن كانوا من الأصناف الثمانية ما لم تكن بدعتهم مكفرة مخرجة عن الإِسلام على أن الأولى تقديم أهل الدين المستقيمين عليه في الاعتقاد. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية (٥) ﵀: "ولا ينبغي أن يعطى الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله، فإن الله تعالى فرضها معونة على طاعته لمن يحتاج إليها

стр. 644

من المؤمنين، كالفقراء والغارمين أو لمن يعاون المؤمنين، فمن لا يصلي من أهل الحاجات لا يعطى شيئًا حتى يتوب ويلتزم أداء الصلاة في أوقاتها. ٥ - الأغنياء: اتفق الفقهاء على أنه لا يعطى من سهم الفقراء والمساكين غني لثبوت النصوص في ذلك، قالوا: لأن إعطاء الأغنياء من أسهم الفقراء والمساكين يمنع وصول الزكاة إلى أهلها، وقيل بحكمة وجوبها وهي إغناء الفقراء، فلم يجز غير أن بعض مصارف الزكاة تصرف لهم ولو كانوا أغنياء على الصحيح من أقوال أهل العلم كما سبق، وهم العاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، والمجاهدون في سبيل الله، وابن السبيل. قرر أهل العلم أن الزكاة تحرم على القوي السليم المكتسب إلا إذا كان لا يجد العمل، أو يجد العمل ولكن الأجر الذي يأخذه لا يكفيه ولا يكفي عياله، فعندئذٍ يعان من الزكاة بقدر حاجته، أو بقدر ما ييسر له سبيل العمل، ولعل الحكمة في تحريمها على القوي المكتسب أنه مطالب شرعًا بالعمل وكفاية نفسه بنفسه لا أن يقعد ويتكل على غيره ويستجدي من الناس صدقاتهم وزكواتهم، دليل ذلك قوله ﷺ : "لا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ" (١).

стр. 645

الفِقهُ الميَسَّر الصِّيَام مَوسُوعة فقهيَّة حَديثَة تتناوَل أحكام الفقه الإسلامي بأسُلوب وَاضح للمختصّين وغيرهم تَأليف أ. د/عَبد الله بن محمد الطيّار أستَاذ الدراسات العليا بكليَّة الشَّريعة والدِّراسات الإسلامية بجامعة القصيم أ. د/عبد الله بن محمّد المطلق عضو هَيئة كبار العُلَماء، وعضو اللجنة الدَّائمة للإفتاء د/محمَّد بن إبراهيم الموسَى عضو مجلس الشورى سابقًا - المجلس الأعلى للأوقاف الجزء الثَّالث مدار الوطن للنشر

стр. 646

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 647

الفِقهُ الميَسَّر الصِّيَام

стр. 648

حقُوق الطَّبع محفُوظَة الطَّبعَة الثانيَة ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م مَدَارُ الوَطن للنَّشر المملكة العربية السعودية - المقر الرئيسي: الرياض - الملز ص. ب: ٢٤٥٧٦٠ - الرمز البريدي ١١٣١٢ - هاتف ٤٧٩٢٠٤٢ (٥ خطوط) - فاكس ٤٧٢٣٩٤١ البريد الإلكتروني: pop@madaralwatan.com موقعنا على الإنترنت: www.madaralwatan.com الرياض: ٠٥٠٣٢٦٩٣١٦ الغربية: ٠٥٠٤١٤٣١٩٨ الشرقية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٨ الشمالية والقصيم: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٨ التوزيع الخيري للشرقية والجنوبية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩ التوزيع الخيري لباقي جهات المملكة: ٠٥٠٦٤٣٦٨٠٤ التسويق للجهات الحكومية: ٠٥٠٠٩٩٦٩٨٧ مبيعات المكتبات الخارجية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩

стр. 649

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣) ففى كل عام يتجدد اللقاء مع ضيف عزيز وشهر كريم تطهر فيه النفوس بعد أحد عشر شهرًا قضاها الناس في صراع مع المادة، وكفاح العيش، وتكدر القلوب فيها من الأحقاد، وتبلد الحس من الشهوات، وتلوث الضمير نتيجة لأطماع الناس. وصوم رمضان يطهر هذه القلوب بالطاعة، ويقوي الحس وينقيه حتى يصبح شفافًا فلا طمع ولا ظلم، ويتحلى الضمير بمراقبة الله مما يجعل النفس تقوى على تحمل المحن فتبتعد عن الضغائن والأطماع، ويحل محلها الحب والعطف والوئام.

стр. 650

إن شهر رمضان مدرسة ربانية تتربى فيه النفوس وتسمو فيه الأرواح، ومن هنا كان على المسلمين أن يعطوه حقه من العبادة في صلواتهم وخلواتهم، بل في سائر أوقاتهم. وصوم رمضان أحد أركان الإِسلام التي بني عليها كما في حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ" (١). ولأهمية هذا الركن في الإِسلام كان ولا بد من إعطائه حقه ومستحقه من العناية، وبيان حكم الشريعة في أحكامه، مع الأخذ في الاعتبار مراعاة الأدلة الشرعية وأقوال أهل العلم المعتبرين فيما يستجد فيه من أحكام. وقد قمنا بوضع ذلك بين أيدي إخواننا المسلمين من طلاب العلم وغيرهم، وقد راعينا في ذلك الجوانب التي تم بيانها عند إصدار هذه الموسوعة الفقهية. ومما يحسن التذكير به أن هذا الجزء يعني (كتاب الصيام) قد سبقه أجزاء في الطهارة والصلاة والزكاة والحج والمعاملات والحدود والجنايات والنكاح والطلاق من هذه الموسوعة، (موسوعة الفقه الميسر) والتي لاقت صدىً طيبًا من كثير من العلماء وطلاب العلم في كثير من بلاد المسلمين. ولله الحمد. أما عن موضوعات كتاب الصيام التي تم التعرض لها في هذه الموسوعة فهي على سبيل الإجمال لا الحصر: تعريف الصيام، حكمه، الحكمة من مشروعيته، أنواعه، شروطه، رؤية الهلال، الشهادة على الرؤية، تنظيم رؤية

стр. 651

الهلال، وقت الإفطار، هل يشترط حكم الحاكم في الصوم؟ وجوب الصوم على بلاد المسلمين برؤية الهلال، حكم الاعتداد بالحساب الفلكي، سنن الصوم ومستحباته، مكروهات الصوم، مفسدات الصوم، أحكام القضاء، ما لا يفسد به الصوم، الأعذار المبيحة للفطر، أحكام صلاة التراويح، أحكام ليلة القدر، الاعتكاف. ومما يحسن التنبيه عليه أن ما رجحناه في فقه الصيام إنما هو راجع إلى ما انتهينا إليه، ولا تثريب على أحد فكلٌ يأخذ بما انتهى إليه. وقد بذلنا جهدنا ووسعنا، فما كان من صواب فمن الله وحده، وما كان غير ذلك فمن أنفسنا والشيطان ونستغفر الله منه ونتوب إليه. ولا يفوتنا أن نلتمس ممّن يطلع على هذا المشروع المبارك أن يوافينا بما يراه من ملاحظات واقتراحات لتلافيها مستقبلًا إن شاء الله. نسأل الله تعالى أن يوفقنا نحن وإخواننا المسلمين إلى العلم النافع والعمل الصالح، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين. المؤلفون،،،

стр. 652

الفِقهُ الميَسَّر كتاب الصيام

стр. 653

كتاب الصيام تعريف الصيام: في اللغة: من صام يصوم صومًا وصيامًا. قال في التهذيب: الصوم في اللغة الإمساك عن الشيء والترك له، وقيل للصائم صائم لإمساكه عن المطعم والمشرب والمنكح. وقيل للصامت صائم لإمساكه عن الكلام. قال أبو عبيدة: "كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم" (١). قال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (٢). وسمي رمضان من الرمض؛ وهو شدة الحر؛ لأن العرب لما أرادت وضع أسماء الشهور وافق شهر رمضان شدة الحر فسمي بذلك. وقيل: سمي بذلك؛ لأنه يحرق الذنوب. الصيام في الاصطلاح: يجوز أن يقال الصيام والصوم كما هو مذكور في الكتب الفقهية المختلفة، وهو إمساك المسلم بنية التعبد لله عن أشياء مخصوصة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس (٣). قال أبو عمر بن عبد البر: "أما الصيام في الشريعة فمعناه الإمساك عن الأكل والشرب ووطء النساء نهارًا إذا كان تارك ذلك يريد به وجه الله وينويه، هذا معنى الصيام في الشريعة عند جميع علماء الأمة" (٤).

стр. 654

حكمة مشروعية الصيام: للصوم حِكَمٌ وأسرار كثيرة، منها: ١ - الصوم سرٌّ بين العبد وخالقه يتمثل فيه عنصر المراقبة الصادقة، فهو يربي في المسلم مراقبة الله وخشيته، فلا يتطرق له الرياء مطلقًا. ٢ - أنه يعوِّد الأمة على النظام والاتحاد وحب العدل والمساواة، ويكوِّن في المؤمنين عاطفة الرحمة وخلق الإحسان, ويصون المجتمع من الشرور والمفاسد. ٣ - أن الصيام يجعل المسلم يشعر ويحس بآلام إخوانه، فيدفعه ذلك إلى البذل والإحسان إلى الفقراء والمساكين ويتحقق فيه مبدأ التكامل والتراحم فتعم الرحمة والمحبة والأخوةُ بين المسلمين. ٤ - الصيام تدريب عملي على ضبط النفس وجهادها، ويؤدي إلى الصبر وتحمل المسؤولية وتحمل المشاق ليكون المسلم بعد الصوم أحسن حالًا وأفضل من حيث زيادة التقوى والعمل والالتزام بأخلاق الإِسلام. فضائل الصيام: لشهر رمضان فضائل كثيرة. جاء في الحديث الصحيح: "إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ" (١). ومن تلك الفضائل: ١ - أنه وقاية للمسلم من الوقوع في الإثم، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال الرسول ﷺ : " ... الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفثْ يَوْمَئِذٍ وَلا

стр. 655

يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَليَقُل إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ... " (١). ٢ - عظم ثواب الصيام: جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال الرسول ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله -تَعَالَى- مِنْ رِيحِ المِسْكِ؛ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي. الصِّيَامُ لِي وَأَنَاَ أَجْزِي بِهِ، وَالحَسَنةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا" (٢). ٣ - أن الله -تعالى- قد خصه بباب من أبواب الجنة لا يدخل منه أحد إلا الصائمون كما جاء في حديث سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ في الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يدخلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ لا يدخلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُل مِنْهُ أَحَدٌ" (٣). حكم الصيام والأصل في مشروعيته: فرض الصيام: في السنة الثانية من الهجرة، وهو الركن الرابع من أركان الإِسلام. والأصل في فرضيته: الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤).

стр. 656

وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١). وأما السنة: فمنها: ١ - حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "بُنيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ" (٢). ٢ - حديث طلحة بن عبيد الله ﵁: أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: "الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إِلا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا" فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ؟ قَالَ: "شَهْرَ رَمَضَانَ ... " الحديث (٣). وأما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على فرضية صيام شهر رمضان. جاء في البدائع (٤): "وأما الإجماع فإن الأمة على وجوب صيام شهر رمضان لا يجحده إلا كافر". وجاء في مواهب الجليل (٥): "أجمعت الأمة على وجوب صيام شهر رمضان، فمن جحد وجوبه فهو مرتد، ومن امتنع من صومه مع الإقرار بوجوبه قتل حدًا على المشهور من مذهب مالك".

стр. 657

وجاء في نهاية المحتاج (١): "يجب صوم رمضان إجماعًا". وجاء في المغني (٢): "وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان". وأما المعقول فيتضح ذلك من وجوه: ١ - أن الصوم سبب لشكر النعمة: ذلك أن كف النفس عن الأكل والشرب والجماع زمنًا معينًا يعرف به المسلم قدر النعم التي يتمتع بها في كل وقت فيحمله ذلك إلى شكر المنعم . ٢ - أنه وسيلة إلى التقوى: لأنه إذا انقادت نفسه بالامتناع عن المباح، انقادت للامتناع عن الحرام، وإليه أشار الله بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣). ٣ - أن في الصوم كسرًا للشهوة: لأن النفس إذا شبعت تمنت الشهوات، وإذا جاعت امتنعت عما تهوى؛ لانشغالها بطلب الطعام (٤). وقد قال الرسول ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَليَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" (٥). أركان الصوم: يتفق الفقهاء على أن ركن الصوم هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.

стр. 658

ودليله قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١). ويرى بعض المالكية أن للصيام ركنين هما: الأول: الإمساك عن المفطرات. الثاني: النية. ويرى الشافعية أن للصيام ثلاثةَ أركان: الأول: الإمساك عن المفطرات. الثاني: النية. الثالث: الزمان؛ وهو ما بين الفجر الصادق وغروب الشمس. ويرى غيرهم من الفقهاء أن النية والزمان شروط للصيام وليست أركانا (٢). أنواع الصيام: الصوم ينقسم إلى أنواع هي: أولًا: الصوم المفروض: وهو صيام شهر رمضان أداء أو قضاء، وصيام الكفارات، والصيام المنذور. ثانيًا: الصوم المسنون: وهو ما ورد في الشريعة الحث على صيامه، ومن ذلك:

стр. 659

١ - صوم يوم عرفة: وهو اليوم التاسع من ذي الحجة. وهو اليوم الذي يقف فيه الحاج بعرفة، دليل ذلك حديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال في صيام يوم عرفة: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ" (١). ولا يستحب لمن كان في عرفة أن يصومه ليتقوى على الدعاء؛ لأن النبي ﷺ لما حج لم يصمه ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان. وهذا هو قول الجمهور من المالكية والحنابلة والشافعية لمن وقف بعرفة نهارًا، أما إذا وقف بعرفة ليلًا فيسن له صيامه. ويقول الحنفية: يكره صوم يوم عرفة للحاج إذا كان الصوم يضعفه عن الوقوف والدعاء، أما إذا كان الصوم لا يضعفه فإنه مستحب للحاج صيامه؛ لأن صيامه له فضيلة على غيره من الأيام (٢). والأولى: ما ذهب إليه الجمهور. ٢ - صوم يوم عاشوراء: وهو اليوم العاشر من محرم، وهو اليوم الذي نجَّى الله فيه موسى ﵇ وقومَه من فرعون وقومِه. ويقال: إنه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم ﵇، وقد كان صومه فرضًا في أول الإِسلام ثم نسخت فرضيته بصيام رمضان؛ لحديث عائشة ﵂: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ -يَصُومُهُ فَلمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بصِيَامِهِ، فَلمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَومَ عَاشُورَاءَ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ" (٣).

стр. 660

وقد قال النبي ﷺ في فضيلة صيام عاشوراء: " ... أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ" (١). ويستحب صوم يوم قبله أو يوم بعده؛ لقوله ﷺ : "لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ" (٢). وجاء في رواية أخرى قال رسول الله ﷺ : "صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَخَالِفُوا فِيهِ اليَهُودَ، صُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا أَوْ بَعْدَهُ يَوْمًا" (٣). وعلى هذا يكون صوم يوم عاشوراء على ثلاث مراتب: * الأولى: صوم العاشر وحده، ولا كراهة في إفراده بالصوم وهو أدنى المراتب. * الثانية: صوم التاسع والعاشر، وهو أفضل من صوم العاشر والحادي عشر. * الثالثة: صوم التاسع والعاشر والحادي عشر وهو أفضل المراتب. ٣ - صوم ستة أيام من شوال: صيام ستة أيام من شوال؛ لحديث أبي أيوب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ" (٤). وكره مالك صيام الستة أيام من شوال كما جاء في الموطأ (٥): قال ابن رشد: سمعت مالكًا يقول: "صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان لم أر أحدًا من أهل

стр. 661

العلم والفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يُلْحِقَ برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك". قال ابن رشد: "إما مخافة أن يلحق الناس برمضان ما ليس منه وإما لأنه لعله لم يبلغه الحديث أو لم يصح عنده. وهو الأظهر" (١). والراجح: استحباب صيام الست من شوال متتابعة، وهو الأفضل، ومتفرقة؛ للحديث الصحيح المذكور. ثم إن كراهية بعض الحنفية ومالك معللة بأسباب معينة وقد انتهت تلك الأسباب فيكون الاستحباب هو المأخوذ من قولهم جميعًا. هل يصوم الست من شوال من عليه قضاء رمضان قبل القضاء ؟ يرى الحنفية جواز صوم التطوع قبل الواجب سواء كان رمضان أو غيره؛ لأن وقت القضاء موسع غير مضيق، ويرى المالكية جواز ذلك مع الكراهة. ويرى بعض الفقهاء من الشافعية والحنابلة أنه لا يصوم الست من شوال إلا إذا كان قد صام رمضان؛ لأن صوم رمضان واجب فيجب قضاؤه أولًا ثم يصوم الست من شوال. وقد أخذت بذلك اللجنة الدائمة للفتوى في المملكة العربية السعودية (٢). ويرى بعض الفقهاء من الشافعية أنه يجوز صوم الست من شوال، وإن كان عليه قضاء رمضان إذا كان إفطاره في رمضان لعذر من سفرٍ أو مرض ونحوها.

стр. 662

والراجح عندنا: أن الأولى في حقه أن يصوم قضاء رمضان أولًا ثم يصوم الست من شوال. لكن إذا كان الوقت لا يَتَّسِعُ لها فالمناسب صوم الست من شوال وغيرها من الأوقات المستحبة كيوم عرفة وعاشوراء ثم يقضِي ما عليه؛ لأن تلك لها وقت تنتهي فيه. أما القضاء فوقته إلى رمضان الآخر كما جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: "كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا في شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَوْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ " (١). ولا يمكن أن يقال إن عائشة ﵂ لا تصوم الست ولا يوم عرفة أو عاشوراء وغيرها من الأيام الفاضلة، بل يحمل قولها على أن الوقت لا يتسع بعد صوم الأيام الفاضلة التي كان يصومها النبي ﷺ إلا في شعبان. وقد روي الجواز عن الإِمام أحمد لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع (٢). ٤ - صوم يوم وإفطار يوم: وهو أفضل الصيام؛ لما روي في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال له: " ... صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ" قَالَ: قُلتُ: فَإنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ" (٣).

стр. 663

٥ - صوم ثلاثة أيام من كل شهر: اتفق الفقهاء على أنه يسن صوم ثلاثة أيام من كل شهر؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: أَوْصَانِي خَلِيلي ﷺ بثَلاثٍ: صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ" (١) ولما جاء عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ : " ... وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاَثةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالَهِا وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ ... " (٢). واستحب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة أن تكون هي أيام البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. وذلك لما روى أبو ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "إِذَا صُمْتَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلاَثةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ" (٣). وعن ابن ملحان القيسي عن أبيه ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ البِيضَ: ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ. قَالَ: وَقَال: "هُنَّ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ" (٤). وذهب المالكية إلى كراهة صيام الأيام خوفًا من أن يظن العامة أنها واجبة. قال ابن رشد: كره مالك تَحرِّي صيام الغرر مع ما جاء فيها من الأثر مخافة أن يظن الجهلى بها أنها واجبة.

стр. 664

٦ - صوم الاثنين والخميس من كل أسبوع: اتفق الفقهاء على استحباب صوم الاثنين والخميس من كل أسبوع (١). لما روى أسامة بن زيد ﵄: إِنَّ نَبِيَّ الله ﷺ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الخَمِيسِ، وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "إِنَّ أَعْمَالَ العِبَادِ تُعْرَضُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الخَمِيسِ" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ" (٣). ولما ورد من حديث أبى قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم الاثنين فقال: "فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ" (٤). ٧ - صوم التسعة أيام من ذي الحجة: وهي التي تبدأ من أول شهر ذي الحجة إلى يوم عرفة. وقد اتفق الفقهاء على استحباب صيامها؛ لما جاء في حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا أن رسول الله ﷺ قال: "مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى الله مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ" -يَعْنِي أَيَّامَ العَشْرِ- قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَلا الجِهَادُ في سَبِيلِ الله؟ قَالَ: "وَلا الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بمَالِهِ وِنَفْسِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَئٍ" (٥).

стр. 665

ولما ورد في حديث حفصة ﵂ قالت: "أَرْبَعٌ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ : صِيَامَ عَاشُورَاءَ، وَالعَشْرَ، وَثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ" (١). ٨ - صوم شهر الله المحرم: اتفق الفقهاء على استحباب صوم شهر المحرم؛ لما روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ" (٢). ويرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية استحبابَ صوم الأشهر الحرم (المحرم، رجب، ذو القعدة، ذو الحجة). ويرى الحنابلة كراهية إفراد صيام شهر رجب بالصوم كاملًا، وتزول الكراهية بإفطار يوم أو أيام منه؛ وذلك لما روي عن خرشة بن الحر قال: "رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام ويقول: كلوا فإنما هو شهر تعظمه الجاهلية" (٣). ٩ - صوم شهر شعبان: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية إلى استحباب صوم شهر شعبان؛ لما روت عائشة ﵂ قالت: "لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ في الشَّهْرِ مِنْ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ في شَعْبَانَ" (٤). وذهب الحنابلة إلى عدم استحباب صيام شهر شعبان كاملًا؛ لحديث عائشة

стр. 666

-﵂ قالت: " ... فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ اسْتكمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ في شَعْبَانَ" (١). وقيل في توجيه ذلك: لئلا يظن وجوبه (٢). ثالثًا: الصيام المحرم: الصوم المحرم: وهو ما طلب الشارع الكف عن فعله على وجه الحتم بحيث يذم فاعله ومع الذم العقاب، ويمدح تاركه ومع الترك الثواب، ومن ذلك: ١ - صيام يومَيْ عيد الفطر وعيد الأضحى: اتفق الفقهاء على تحريم صومهما؛ لحديث أبي سعيد ﵁ "أن رسول الله ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ" (٣). قال ابن المنذر: "وأجمع أهل العلم على أن صوم هذين اليومين يوم الفطر ويوم الأضحى، منهي عنه" (٤). ٢ - صيام أيام التشريق: اختلف الفقهاء في صيام أيام التشريق: فمنهم من حرم صومها وهم الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة؛ لحديث نبيشة الهذلي ﵁ قال: قال

стр. 667

رسول الله ﷺ : أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أّيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ"، وزاد في رواية: "وَذِكْرٍ لله" (١). ولما جاء عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: "كُلْ فَهَذِهِ الأَيَّامُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنَا بإفْطَارِهَا وَيَنْهَانَا عَنْ صِيَامِهَا" قَالَ مَالِكٌ: "وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ" (٢). وأجاز المالكية والحنفية والحنابلة صيامها في الحج عن دم المتعة والقران؛ لقول ابن عمر وعائشة ﵃: "لَمْ يُرَخَّصْ في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ" (٣). ومنع ذلك الشافعي في الجديد حتى في الحج. رابعًا: الصيام المكروه: وهو ما ورد في الشرع النهي عنه بصيغة غير ملزمة بأن اقترن بالنهي ما يدل على أنه لم يقصد التحريم. ١ - إفراد يوم الجمعة بالصوم: ذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة وبعض المالكية إلى كراهية إفراد يوم الجمعة بالصوم؛ لما ورد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" (٤). وفي رواية: "إِنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ فَلا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ إِلا

стр. 668

أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" (١). ويرى الحنفية أن صوم يوم الجمعة مستحب، وروي ذلك عن مالك، قال يحيى: "سمعت مالكًا يقول: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يُقْتَدَى به ينهى عن صيام يوم الجمعة. وصيامه حسن. وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه" (٢). والصحيح أنه يكره صوم يوم الجمعة منفردًا كما ذهب إلى ذلك الجمهور، لكن تزول الكراهة إذا ضُم إليه يَوْمٌ آخرُ؛ لحديث جويرية بنت الحارث ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ: "أَصُمْتِ أَمْسِ؟ " قَالَتْ: لا. قَالَ: "تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟ " قَالَتْ: لا. قَالَ: "فَأَفْطِرِي" (٣). وكذلك تزول الكراهة إذا وافق يوم الجمعة صومًا له كيوم عرفة أو عاشوراء. ٢ - إفراد يوم السبت أو الأحد أو أعياد يعظمها الكفار بالصوم: اتفق الفقهاء على كراهة إفراد شيء من ذلك بالصوم إلا أن يوافق يومًا يصومه فلا بأس. وقد جاء في صيام يوم السبت حديث عبد الله بن بسر عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلا فِيمَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ" (٤). ويوم السبت هو يوم تعظمه اليهود، والأحد تعظمه النصارى.

стр. 669

ويقاس على ذلك كل عيد للكفار إلا أن يوافق ذلك يومًا يصومه كيوم عرفة أو عاشوراء ونحوهما. ٣ - صوم الوصال: وهو ألا يفطر بعد الغروب ويستمر صائمًا إلى مغرب اليوم الثاني، أو يستمر أيامًا، وقد اتفق الفقهاء على كراهية الوصال لحديث ابن عمر ﵁ قال: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ الوِصَالِ، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟! قَالَ: "إِنِّي لَسْتُ مِثْلكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى" (١). والحديث يقتضي اختصاص النبي ﷺ بالوصال والنهي لغيره رفقًا ورحمةً بهم. ويجوز الوصل عند الحنابلة إلى السحر؛ لحديث: "لا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَليُوَاصِل حَتَّى السَّحَرِ ... " (٢). ٤ - صوم الدهر (صوم العمر): ذهب أكثر العلماء إلى كراهة صوم الدهر لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ" (٣). وذلك لما يترتب على صيامه من المشقة والضعف. وقال بعض الشافعية إن خاف من صيام الدهر ضررًا أو فوت حقًا كره وإلا فلا يكره. والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور.

стр. 670

٥ - صوم يوم الشك: وهو يوم الثلاثين من شعبان وذلك إذا لم ير الهلال لغيم أو غيره عند الجمهور، ورواية عن الإِمام أحمد وإنما صامه احتياطًا، ويكره صومه لما جاء في حديث عمار ﵁: "مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ " (١). ولحديث: " ... فَأَكمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ" (٢). جاء في فتوى اللجنة الدائمة رقم (٢٧٦٣): "إن صوم يوم الثلاثين من شعبان دون ثبوت الرؤية لا يجوز وقد دلت السنة الصحيحة على تحريم صومه". وفي رواية عن أحمد أنه إذا كان يوم الثلاثين من شعبان وفيه غير أو قترٍ فإنه يجب صومه حكمًا ظنيًا احتياطيًا بنية رمضان قال شيخ الإِسلام ابن تيمية يجوز صومه ويجوز فطره، وهو مذهب أبي حنيفة. وبناء عليه فيكون يوم الشك عند الحنابلة إذا كان ليلة الثلاثين من شعبان والجو صحو ولم يرى الهلال فإنه لا يجوز صومه. والراجح عندنا: أنه يحرم صوم يوم الشك مطلقًا لحديث عمار المتقدم وهو اختيار اللجنة الدائمة كما مر بنا. ويكره كذلك تقدم رمضان بيوم أو يومين لقول النبي ﷺ : "لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إِلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَليَصُمْهُ" (٣).
следующие страницы →