← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

-﵂ قالت: " ... فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ اسْتكمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ في شَعْبَانَ" (١). وقيل في توجيه ذلك: لئلا يظن وجوبه (٢). ثالثًا: الصيام المحرم: الصوم المحرم: وهو ما طلب الشارع الكف عن فعله على وجه الحتم بحيث يذم فاعله ومع الذم العقاب، ويمدح تاركه ومع الترك الثواب، ومن ذلك: ١ - صيام يومَيْ عيد الفطر وعيد الأضحى: اتفق الفقهاء على تحريم صومهما؛ لحديث أبي سعيد ﵁ "أن رسول الله ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ" (٣). قال ابن المنذر: "وأجمع أهل العلم على أن صوم هذين اليومين يوم الفطر ويوم الأضحى، منهي عنه" (٤). ٢ - صيام أيام التشريق: اختلف الفقهاء في صيام أيام التشريق: فمنهم من حرم صومها وهم الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة؛ لحديث نبيشة الهذلي ﵁ قال: قال

стр. 667

رسول الله ﷺ : أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أّيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ"، وزاد في رواية: "وَذِكْرٍ لله" (١). ولما جاء عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: "كُلْ فَهَذِهِ الأَيَّامُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْمُرُنَا بإفْطَارِهَا وَيَنْهَانَا عَنْ صِيَامِهَا" قَالَ مَالِكٌ: "وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ" (٢). وأجاز المالكية والحنفية والحنابلة صيامها في الحج عن دم المتعة والقران؛ لقول ابن عمر وعائشة ﵃: "لَمْ يُرَخَّصْ في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ" (٣). ومنع ذلك الشافعي في الجديد حتى في الحج. رابعًا: الصيام المكروه: وهو ما ورد في الشرع النهي عنه بصيغة غير ملزمة بأن اقترن بالنهي ما يدل على أنه لم يقصد التحريم. ١ - إفراد يوم الجمعة بالصوم: ذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة وبعض المالكية إلى كراهية إفراد يوم الجمعة بالصوم؛ لما ورد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" (٤). وفي رواية: "إِنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ فَلا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ إِلا

стр. 668

أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" (١). ويرى الحنفية أن صوم يوم الجمعة مستحب، وروي ذلك عن مالك، قال يحيى: "سمعت مالكًا يقول: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يُقْتَدَى به ينهى عن صيام يوم الجمعة. وصيامه حسن. وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه" (٢). والصحيح أنه يكره صوم يوم الجمعة منفردًا كما ذهب إلى ذلك الجمهور، لكن تزول الكراهة إذا ضُم إليه يَوْمٌ آخرُ؛ لحديث جويرية بنت الحارث ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ: "أَصُمْتِ أَمْسِ؟ " قَالَتْ: لا. قَالَ: "تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟ " قَالَتْ: لا. قَالَ: "فَأَفْطِرِي" (٣). وكذلك تزول الكراهة إذا وافق يوم الجمعة صومًا له كيوم عرفة أو عاشوراء. ٢ - إفراد يوم السبت أو الأحد أو أعياد يعظمها الكفار بالصوم: اتفق الفقهاء على كراهة إفراد شيء من ذلك بالصوم إلا أن يوافق يومًا يصومه فلا بأس. وقد جاء في صيام يوم السبت حديث عبد الله بن بسر عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلا فِيمَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ" (٤). ويوم السبت هو يوم تعظمه اليهود، والأحد تعظمه النصارى.

стр. 669

ويقاس على ذلك كل عيد للكفار إلا أن يوافق ذلك يومًا يصومه كيوم عرفة أو عاشوراء ونحوهما. ٣ - صوم الوصال: وهو ألا يفطر بعد الغروب ويستمر صائمًا إلى مغرب اليوم الثاني، أو يستمر أيامًا، وقد اتفق الفقهاء على كراهية الوصال لحديث ابن عمر ﵁ قال: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ الوِصَالِ، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟! قَالَ: "إِنِّي لَسْتُ مِثْلكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى" (١). والحديث يقتضي اختصاص النبي ﷺ بالوصال والنهي لغيره رفقًا ورحمةً بهم. ويجوز الوصل عند الحنابلة إلى السحر؛ لحديث: "لا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَليُوَاصِل حَتَّى السَّحَرِ ... " (٢). ٤ - صوم الدهر (صوم العمر): ذهب أكثر العلماء إلى كراهة صوم الدهر لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ" (٣). وذلك لما يترتب على صيامه من المشقة والضعف. وقال بعض الشافعية إن خاف من صيام الدهر ضررًا أو فوت حقًا كره وإلا فلا يكره. والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور.

стр. 670

٥ - صوم يوم الشك: وهو يوم الثلاثين من شعبان وذلك إذا لم ير الهلال لغيم أو غيره عند الجمهور، ورواية عن الإِمام أحمد وإنما صامه احتياطًا، ويكره صومه لما جاء في حديث عمار ﵁: "مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ " (١). ولحديث: " ... فَأَكمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ" (٢). جاء في فتوى اللجنة الدائمة رقم (٢٧٦٣): "إن صوم يوم الثلاثين من شعبان دون ثبوت الرؤية لا يجوز وقد دلت السنة الصحيحة على تحريم صومه". وفي رواية عن أحمد أنه إذا كان يوم الثلاثين من شعبان وفيه غير أو قترٍ فإنه يجب صومه حكمًا ظنيًا احتياطيًا بنية رمضان قال شيخ الإِسلام ابن تيمية يجوز صومه ويجوز فطره، وهو مذهب أبي حنيفة. وبناء عليه فيكون يوم الشك عند الحنابلة إذا كان ليلة الثلاثين من شعبان والجو صحو ولم يرى الهلال فإنه لا يجوز صومه. والراجح عندنا: أنه يحرم صوم يوم الشك مطلقًا لحديث عمار المتقدم وهو اختيار اللجنة الدائمة كما مر بنا. ويكره كذلك تقدم رمضان بيوم أو يومين لقول النبي ﷺ : "لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إِلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَليَصُمْهُ" (٣).

стр. 671

ويستثنى من الكراهية أن يكون للمسلم عادة في صيام ذلك كما إذا كان يوم الاثنين والخميس أو غيرها مما يعتاد صيامه أثناء العام فله صيامه دون كراهة. ٦ - صيام المرأة تطوعًا دون إذن الزوج: اتفق الفقهاء على أنه ليس للمرأة أن تصوم تطوعًا إلا بإذن زوجها لقول النبي ﷺ : "لا تَصُومُ المَرْأةُ وبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ" (١). وذلك لأن حق الزوج واجب فلا يترك الواجب لأداء النفل. ويرى الشافعية أن علم الزوجة برضا الزوج كإذنه (٢). شروط الصيام: للصيام شروط وجوب وشروط صحة لا بد من توفرها فيمن يجب عليه الصيام. أولًا: شروط الوجوب: ١ - الإِسلام: وهو شرط عام للمخاطب بفروع الشريعة. فالكافر لا يطالب به وإن كان يعاقب عليه في الآخرة. ٢ - البلوغ: وذلك إما بالسن وهو إتمام ثمانية عشر عامًا عند الحنفية، والمالكية، وعند الشافعية، والحنابلة يكون بإتمام خمسة عشر عامًا لحديث ابن عمر ﵄ قال: "عَرَضَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ في القِتَالِ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً

стр. 672

فَلَمْ يُجِزْنِي وَعَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي" (١). أو يكون البلوغ بعلامات على تفصيل في ذلك عند الفقهاء. وقد سبق بيان ذلك في كتاب الطهارة. والصبي الذي لم يبلغ ليس مكلفًا وإنما يؤمر به إن أطاقه تدريبًا له على الطاعة. ٣ - العقل: وهو شرط التكليف وإذا فقد العقل بالجنون فإنه لا تكليف، وجاء في شرط العقل والبلوغ ما روى علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنْ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ" (٢). ٤ - أن يكون قادرًا على الصيام: لا يمنعه مرض أو سفر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣)، أو يمنعه غيرها من الأعذار التي يأتي ذكرها (٤). شروط الصحة: يشترط لصحة أداء الصوم شروط:

стр. 673

الشرط الأول: النية: وهي القصد؛ وهو اعتقاد القلب فعلَ شيءٍ وعزمُه عليه. يرى الجمهور أن النية شرط لصحة الصوم، ويرى بعض المالكية والشافعية أن النية ركن للصوم ولا يصح الصوم إلا بنية ومحلها القلب. وقال الحنفية: التلفظ بها للصوم سنة؛ لأن صوم رمضان عبادة فلا يجوز إلا بالنية؛ وذلك لحديث عمر ﵁ قال: قال الرسول ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (١). تبييت النية في الصوم الواجب: يرى الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة أن صيام رمضان وغيره من الواجبات يشترط فيه أن ينوي صيامه من الليل؛ لحديث ابن جريج وعبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النبي ﷺ قال "مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيلِ فَلا صِيَامَ لَهُ" (٢)، وفي رواية: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ" (٣). ولأنه صوم فرضٍ فافتقر إلى النية من الليل. ويرى أبو حنيفة أنه يجزئ صيام رمضان وكل صوم متعين كالنذر المعين بنية من النهار؛ لأن النبي ﷺ أرسل غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: " ... مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَليُتِهمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ" (٤). وكان

стр. 674

صومًا واجبًا متعينًا. الراجح: نرى أن الراجح هو قول الجمهور وأن صيام رمضان وغيره من الواجبات لا بد أن ينوي صيامه من الليل قبل الفجر؛ للأحاديث الواردة في ذلك. وصوم عاشوراء لم يثبت وجوبه بل اختلف العلماء: هل كان واجبًا ثم نُسخ بصوم رمضان، أم أنه شرع من باب التطوع فقط؟ تجديد النية لكل يوم من صيام رمضان: ويرى الحنفية والشافعية والحنابلة على الصحيح من مذهبهم أن النية يجب أن تكون لكل يوم بمفرده؛ لأنه صوم واجب فوجب أن ينوي كل يوم بمفرده. ويرى مالك وهو راوية عن الحنابلة أنه يكفي نية واحدة لجميع الشهر إذا نوى صوم الشهر جميعه؛ لأنه نوى في زمن يصلح جنسه لنية الصوم. والراجح: أن الصوم المتتابع كرمضان وصيام الشهرين المتتابعين يكفيه نية من أوله، إلا إذا قطعه لعذر فيجب عليه أن يجدد النية. تبييت النية في صوم التطوع: اختلف في ذلك الفقهاء على أقوال: القول الأول: يرى الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة أن صوم التطوع يجوز بنية من الليل أو النهار؛ ذلك لما روت عائشة ﵂ قالت: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ: "يَا عَائِشَةُ هَل عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ " قَالَتْ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ، قَالَ: "فَإِنِّي صَائِمٌ" (١).

стр. 675

ثم إن الحنفية حددوا نهاية وقت نية التطوع بالضحوة الكبرى, وحدد الشافعية في قول لهم أنه إلى وقت الزوال، ويرى بعض الشافعية، والحنابلة أنه يمتد إلى ما بعد الزوال، وهو قول معاذ بن جبل وابن مسعود وحذيفة، ولم ينقل عن أحد من الصحابة ما خالفه؛ لأن النية وجدت في جزء من النهار فأشبه وجودها قبل الزوال. القول الثاني: يرى مالك أن صوم التطوع لا يجوز إلا بنية من الليل كالفريضة؛ وذلك لحديث: "مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَلا صِيَامَ لَهُ" (١). وهو عام يشمل الفريضة والنفل (٢). الراجح: نرى أن الأولى هو القول بجواز أن تكون النية في صيام التطوع في النهار ولو في آخره ولا يشترط أن تكون في الليل؛ لما ورد فيها عن النبي ﷺ ، وحديث القائلين بالوجوب عام يُخَصَّصُ بالحديث الوارد بجواز ذلك. والله أعلم. ولأن التسامح فيما يخص صيام النفل يدفع الناس إلى اكتساب الأجر والمثوبة متى ما تيسر ذلك ليلًا أو نهارًا. أما الفريضة فلا بد من تبييت النية من الليل للحديث الوارد في ذلك. الشرط الثاني: الطهارة من الحيض والنفاس: فالمرأة الحائض أو النفساء لا يصح منها الصيام؛ لوجود مانع منه وهو الحيض والنفاس، وإنما يجب عليهما القضاء بعد طهارتهما.

стр. 676

أحكام دخول رمضان وخروجه يبدأ صوم شهر رمضان إذا علم دخوله، ويتم العلم بدخوله بإحدى ثلاث طرق: ١ - رؤية هلال رمضان: يستحب للناس ترائي الهلال للصوم وللفطر؛ لأن ذلك عبادة، وقد أوجب ذلك بعض العلماء قالوا: ومن رأى الهلال بنفسه فإنه يجب عليه الصوم، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١)، ولقول النبي ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ... " (٢). والذي يظهر أنه لا يجب عليه الصوم إذا لم يقبل قوله؛ لأن الصيام يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس. ٢ - الشهادة على رؤية الهلال في رمضان: ويكفي في ذلك رؤية واحد عدل مكلف عند الشافعية والحنابلة؛ لما جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: "ترَاءَى النَّاسُ الهِلالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ الله ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ" (٣)، ولأن الصوم يحتاط له؛ لأنه عبادة. ويرى الحنفية أنه تقبل شهادة الواحد إذا كان عدلًا مكلفًا وفيما إذا كان في السماء غيم أو مانع يحول دون الرؤية، أما إذا كانت السماء صحوًا فلا بد من رؤية

стр. 677

جماعة كثيرين يرى الإِمام أو نائبه قبول شهادتهم. ويرى المالكية أن صوم رمضان لا يثبت إلا برؤية هلاله من شاهدين عدلين يشهدان عند الإِمام. الشهادة على رؤية هلال شوال: يتفق عامة الفقهاء على أن الفطر من رمضان لا يتم إلا بشهادة عدلين اثنين؛ لحديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : "أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ رَجُلٍ عَلَى رُؤْيَةِ الهِلَالِ، وَكَانَ لَا يُجِيزُ عَلَى شَهَادَةِ الإِفْطَارِ إِلَّا شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ" (١). وتختلف رؤية هلال شوال عن رمضان؛ لأنها خروج من العبادة فيجب فيه الاحتياط. وخالف في ذلك أبو ثور فقال: إنه يقبل في شهادة هلال شوال قول واحد؛ لأنه أحد طرفي شهر رمضان. الراجح: نرى أن الراجح هو قول عامة الفقهاء؛ لورود النص، ولأنه الاحتياط لخروج العبادة خلافًا لدخول شهر رمضان فهو دخول في العبادة. ٣ - إكمال عدة شهر شعبان ثلاثين يومًا: وذلك لعدم رؤية الهلال لما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ" (٢).

стр. 678

وكذلك ما جاء عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلاثِينَ"، وفي رواية: "فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا ثَلاثِينَ" (١). وإذا صام الناس رمضان ثم لم يروا هلال شوال ليلة الثلاثين من رمضان فإنه يكمل رمضان ثلاثين يومًا لقوله ﷺ : "وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلاِثينَ" (٢). تنظيم الرؤية للهلال: تتم عملية الرؤْية باجتهاد ورغبة من آحاد المسلمين في بعض البلاد، وقد رغبت المملكة العربية السعودية في تنظيم موضوع الرؤية وفقًا لما جاء في الشريعة المطهرة، فأعدوا مشروعًا بذلك يتضمن كيفية الرؤية ووقتها وأن يقام لذلك مراصد في أماكن مختلفة من المملكة من بينها مكة المكرمة، وفي المواقع التي يُرى فيها الهلال عادةً، ويُكَوَّنُ لذلك لجنة من وزارة العدل والإمارات ويستعان بأهل الخبرة ممّن يتراءون الهلال ويهتمون به. وذلك ليس بديلا عن تحري الهلال من العموم ولكنه مكمل له، ويكون الترائي للهلال دوريًا كل شهر، وهذا العمل لا بأس به لأنه تنظيم لما هو قائم، ولأن فيه استفادة من التقنية الحديثة والتي توضح الرؤية عن طريق المناظر المعدة لمتابعة الكواكب والأجرام الفلكية.

стр. 679

جاء في مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ﵀ قوله: "أما الآلات فظاهر الأدلة الشرعية عدم تكليف الناس بها بل تكفي رؤية العين، لكن لو طالع الهلال بها وجزم بأنه رآه بواسطتها بعد غروب الشمس وهو مسلم عدل، فلا أعلم مانعًا من العمل برؤيته؛ لأنها من رؤية العين لا من الحساب" (١). تبليغ الرؤية: إذا ثبتت رؤية الهلال لشهر رمضان أو شوال فإنه يجب إعلام الناس لأداء الصوم أو الإفطار وصلاة عيد الفطر أو الأضحى، ويتم ذلك عبر وسائل الإعلام المختلفة وهو المعمول به في البلاد الإِسلامية حاليًا. وقت الإخبار بالهلال: يكون الإخبار برؤية هلال رمضان قبل فجر اليوم الأول منه، فإن حصل بعد ذلك وجب الإمساك وقضاء ذلك اليوم؛ لحديث النبي ﷺ في صيام عاشوراء وكان صومه واجبًا عند بعض العلماء قبل أن يفرض رمضان قال: "مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَليُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ" (٢). وفي هلال شوال يخبر به ليلة دخوله وهي ليلة العيد، فإن لم يتم الإخبار به إلا نهارًا فإنهم يفطرون وتقام صلاة العيد في اليوم الثاني. بدء صوم اليوم ونهايته: يبدأ صوم يوم الفريضة أو التطوع من طلوع الفجر الثاني وينتهي بغروب الشمس؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ

стр. 680

مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١). قال أبو عمر بن عبد البر: "والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، على هذا إجماع علماء المسلمين" (٢). وقال في الإفصاح (٣): واتفقوا على أن وجوب الصوم ووقته من أول طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. ثم يباح الأكل والشرب والجماع بعد غروب الشمس إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل. قال ابن كثير: "هذه رخصة من الله -تعالى- للمسلمين ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإِسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشرب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة فنزلت هذه الآية ففرحوا بها فرحًا شديدًا؛ حيث أباح الله الأكل والشرب والجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل" (٤). يدل لذلك قوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٥).

стр. 681

هل يشترط حكم الحاكم في الصوم ؟ ذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط حكم الحاكم (القاضي) في ثبوت الهلال ووجوب الصوم، بل على الناس الصوم إذا ثبت بإحدى الطرق المذكورة. وذهب الشافعية إلى أنه لا بد في تحقيق الهلال ووجوب الصوم أن يحكم به الحاكم؛ وذلك كي يتحقق من عدالة الشهود وصحة الرؤية. الراجح: الأولى هو القول بأن ثبوت الهلال ووجوب الصوم أو الفطر على الناس يترتب على حكم الحاكم؛ لئلا تترك الأمور لاجتهادات قد تؤدي إلى الاختلاف، ولأن الناس تختلف من حيث الكثرة بحيث يصعب إعلامهم بالصوم أو الفطر. وقد توفرت وسائل الإعلام في الوقت الحاضر بحيث يمكن الإبلاغ سريعًا، وحكم الحاكم يرفع الخلاف ويوجب التقيد به والالتزام صومًا أو فطرًا. وجوب الصوم على بلاد المسلمين برؤية بلد منها: اختلف الفقهاء في حكم صوم أقطار البلاد الإِسلامية إذا تمت الرؤية بقُطْر منها: ١ - فذهب الجمهور من الحنفية (١) والمالكية (٢) والحنابلة (٣) في الصحيح عندهم أن الرؤية في بلد توجب الصوم على البلاد الإِسلامية ولا عبرة باختلاف المطالع؛ وذلك لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ... " (٤).

стр. 682

فقد أوجب هذا الحديث الصوم بمطلق الرؤية لجميع المسلمين دون تقييدها بمكان، وقد أخذ بذلك المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإِسلامي في قراره رقم ١٨ (١٦/ ٣) حيث جاء في البند أولًا: "إذا ثبتت الرؤية في بلد وجب على المسلمين الالتزام بها ولا عبرة لاختلاف المطالع؛ لعموم الخطاب بالأمر بالصوم والإفطار". وقد أيد هذا القول الشيخ عبد العزيز بن باز (١) ﵀ حيث قال: "لا شك أن اجتماع المسلمين في الصوم والفطر أمر طيب ومحبوب للنفس ومطلوب شرعًا حيث أمكن، ولكن لا سبيل إلى ذلك إلا بأمرين: أحدهما: أن يلغي جميع علماء المسلمين الاعتماد على الحساب كما ألغاه رسول الله ﷺ وألغاه سلف الأمة، وأن يعملوا بالرؤية أو بإكمال العدة كما بين رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة. الأمر الثاني: أن يلتزموا الاعتماد على الرؤية في أي دولة إسلامية تعمل بشرع الله وتلتزم بأحكامه، فمتى ثبت عندها رؤية الهلال بالبينة الشرعية دخولًا أو خروجًا تبعوها في ذلك؛ عملًا بقول النبي ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ... " (٢). ٢ - وذهب الشافعية وهو رواية عند الحنابلة أن الصوم إنما يلزم أهل الرؤية وما قرب منها مما اتحدت فيه المطالع فقط، وأما البعيد وهو ما اختلفت فيه المطالع فلا يجب عليهم الصوم؛ وذلك لحديث كريب قال: " ... اسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ فَرَأَيْتُ الِهلالَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ في آخِرِ الشَّهْرِ فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللهِ

стр. 683

ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ ثُمَّ ذَكَرَ الهِلالَ فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمْ الهِلالَ؟ فَقُلتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلاثِينَ أَوْ نَرَاهُ، فَقُلتُ: أَوَلا تَكْتَفِي بِرُؤْيةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ، فَقَالَ: لا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ " (١). فلم يعمل ابن عباس برؤية أهل الشام. واختار هذا القول شيخ الإِسلام ابن تيمية (٢) فقال: "تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة، فإن اتفقت لزم الصوم، وإلا فلا". وبذلك أخذ المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإِسلامي في قراره السابع في دورته الرابعة. وقد رأى مجلس هيئة كبار العلماء في السعودية في الدورة الثانية المنعقدة عام ١٣٩٢ هـ أن الأرجح في هذه المسألة التوسعة في هذا الأمر، وذلك بجواز الأخذ بأحد القولين على حسب ما يراه علماء البلاد. قال الشيخ ابن باز (٣) ﵀: "وهذا قول وسط وفيه جمع بين الأدلة وأقوال أهل العلم". حكم إثبات الأهلة بالحساب الفلكي: ١ - يرى عامة الفقهاء (٤) أنه لا يجوز إثبات الأهلة بالحساب الفلكي وإنما

стр. 684

بالرؤية، وقد أخذ بذلك المجمع الفقهي التابع للرابطة بقراره رقم (١) في الدورة (الرابعة)، وهو ما ذهب إليه مجلس هيئة كبار علماء السعودية، وأيده الشيخ عبد العزيز بن باز (١) ﵀ حيث لا يجوز عنده الاعتماد على الحساب في إثبات الأهلة. وذلك لما يأتي: أ- جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى ترَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيكُمْ فَاقْدِرُوا لَه" (٢). ومعنى اقدروا له أي أكملوا عدته ثلاثين يومًا، كما جاء ذلك في حديث ابن عمر عند البخاري قال: قال رسول الله ﷺ : "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثِينَ" (٣). وقد فسره ابن عمر بفعله "إذا لم يَرَ الهلال والسماء صافية فإنه يصبح صائمًا ويكمل ثلاثين" (٤)، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (٥)، أي تمامًا. ويمكن اعتبار الحساب في القبلة والوقت. وقيل في معنى: "اقدروا له": "أي ضيقوا له العدد، من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (٦)، أي ضيق، والتضييق أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يومًا. قال ابن حجر (٧): المراد بالحساب في قوله ﷺ : "إِنَّا أُمَّةٌ أُمَّيَّةٌ لا نَكْتُبُ

стр. 685

وَلا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا" (١) يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين. المراد به حساب النجوم وتسييرها، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لدفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلًا. ٢ - يرى بعض الفقهاء من الحنفية (٢) والمالكية (٣) والشافعية (٤) وغيرهم ومنهم مطرِّف بن عبد الله بن الشخير، وابن شرمج، وابن قتيبة، أنه يجوز اعتماد الحساب في إثبات الهلال؛ وذلك لأن معنى: "اقدروا له"، أي: قدروه بحساب المنازل، يعني: منازل القمر، ونقله العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٥). وقال أبو عمر في الاستذكار: "وقد كان بعض كبار التابعين يذهب في هذا إلى اعتباره بالنجوم ومنازل القمر وطريق الحساب، والعد بالحساب أمر قطعي والرؤية أمر ظني، فالأخذ بالقطعي أولى" (٦). وقد أخذ بذلك بعض الفقهاء المعاصرين ومنهم مصطفى الزرقاء، وقد أخذ بذلك المجمع الفقهي لمنظمة المؤتمر الإِسلامي بقراره رقم (١٨) (١٦/ ٣).

стр. 686

ونص القرار: "يجب الاعتماد على الرؤية، ويستعان بالحساب الفلكي والمراصد؛ مراعاة للأحاديث النبوية والحقائق العلمية .. وجاء في فتوى اللجنة الدائمة في السعودية رقم (٣١٩): "يجوز الاستعانة بآلات الرصد في رؤية الهلال ولا يجوز الاعتماد على العلوم الفلكية في إثبات بدء شهر رمضان المبارك أو الفطر". الراجح: لا ريب أن الأخذ بالقول باعتماد الرؤية الشرعية هو الصحيح وهو ما أخذ به عامة الفقهاء، بل نقل شيخ الإِسلام الإجماع على ذلك حيث قال: "وقد أجمع المسلمون على ذلك ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلًا، ولا خلاف حديث، إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غمَّ الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام، وإلا فلا. وهذا القول وإن كان مقيدًا بالإغمام ومختصًا بالحاسب نفسه فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، وأما اتباع ذلك -يعني: الحساب- في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به، فما قاله مسلم ... " (١) إلى آخر ما قاله ﵀. ويمكن أن يستفاد مما يقوم به الفلكيون من مراصد وغيرها شريطة ألا يتعارض مع الرؤية الشرعية، ذلك أن علم الفلك في الوقت المعاصر أصبح من الدقة والتنظيم مما يدعو إلى الاستفادة منه كما في أوقات الصلاة والقبلة ونحوها.

стр. 687

سنن الصوم ومستحباته للصوم سنن ومستحبات كثيرة، منها: ١ - السحور: روى البخاري ومسلمٌ عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ في السَّحُورِ بَرَكَةً" (١). ففي السحور قوة للصائم على احتمال الصيام وجوعه وظمئه وخصوصًا عندما يطول النهار. وفي السحور أيضًا تمييز لصيام المسلمين عن غيرهم، ففي صحيح مسلم: عن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: "فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ" (٢). وفي السحور أيضًا ما يكسبه المسلم من ذكر واستغفار ودعاء في وقت السحر الذي ينزل فيه الرب إلى سماء الدنيا فينادي: "مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ " (٣). ويتحقق السحور بكل أكل مباح ولو شيئًا من التمر، فإن عجز عن ذلك أو لم تكن له رغبة في الطعام فيكفيه شربة ماء.

стр. 688

فقد روى الإِمام أحمد وغيره عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ فَلا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ فَإنَّ الله وَمَلاِتكَتَةُ يُصَلُّونَ عَلَى المُتَسَحِّرِينَ" (١). ٢ - تأخير السحور: ومن السنن أيضًا تأخير السحور؛ وذلك تقليلًا لمدة الجوع أو بعضه الذي قد يحصل للصائم أثناء صومه، فقد روى البخاري ومسلمٌ عن أنس ﵁: "أَنَّ نَبِيَّ الله ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ تَسَحَّرَا فَلمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ الله ﷺ إِلَى الصَّلاةِ فَصَلَّى فَقُلنَا لأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهَمَا في الصَّلاةِ؟ قَالَ: كَقَدْرِ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً" (٢). ٣ - تعجيل الفطر: ومن السنن أيضًا تعجيل الفطر، والمراد به المبادرة بالإفطار إذا غربت الشمس، دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلمٌ عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" (٣). لكن هل المعتبر غروب الشمس أم الأذان؟ نقول: المعتبر غروب الشمس لا الأذان؛ قال ﷺ : "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" (٤).

стр. 689

والحكمة في تعجيل الفطر أن الله كريم والكريم يحب أن يتمتع الناس بكرمه، فيحب من عباده أن يبادروا بما أحل الله لهم من حين أن تغرب الشمس. الفطر على غلبة الظن بغروب الشمس: يجوز الفطر بناء على غلبة الظن، ودليل ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ ... " (١). الشاهد من الحديث: أنهم لم يفطروا على علم لكن أفطروا على غلبة الظن، فإنهم لو أفطروا على علم ما طلعت الشمس. ٤ - أن يكون الفطر على رطب فإذا لم تكن فعلى تمرات: الرطب: هو التمر اللين الذي لم ييبس؛ لكونه قد أخذ من النخل قريبًا. أما دليل هذه السنة فهو حديث أنس ﵁ قال: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ" (٢). وعن سلمان بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَليُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَليُفْطِرْ عَلَى المَاءِ فَإِنَّهُ طَهُورٌ" (٣).

стр. 690

٥ - الدعاء عند الإفطار وذلك بأن يدعو الإنسان عند فطره ويكون دعاءه بما ورد عن النبي كما في حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا أفطر قال: "ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ العُرُوقُ وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللهُ" (١).

стр. 691

مكروهات الصوم يكره للصائم فعل أمور قد تؤدي إذا تمادى بها إلى فساد صومه، وهذه الأمور وإن كانت غير مفسدة للصوم نفسه لكنها قد تؤدي إلى ما يفسد الصوم، فكرهت من أجل ذلك ومنها: ١ - المبالغة في المضمضة أو الاستنشاق عند الوضوء: لقوله ﷺ للقيط بن صبرة: " ... وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا" (١). فلو دخل ماء المضمضة أو الاستنشاق إلى جوفه عمدًا بطل صومه إجماعًا وعليه القضاء. أما لو سبقه الماء بدون قصد فقولان لأهل العلم. والراجح: عدم إفساد الصوم. ٢ - القُبْلَةُ: تكره القبلة للصائم؛ لأنها قد تؤدي إلى إثارة الشهوة التي تجر إلى إفساد الصوم بالإمناء أو الجماع، ولا فرق في ذلك بين الشيخ والشاب فالاعتبار أولًا وأخيرًا بتحريك الشهوة وخوف الإنزال، وكالقبلة، والمعانقة، والمباشرة باليد، وغير ذلك من المثيرات. ٣ - إدامة النظر إلى الزوجة أو الأَمَةِ: إذا كان ذلك يثير شهوته؛ لأنه قد يؤدي إلى فساد صومه.

стр. 692

٤ - التفكير في شأن الجماع: لأنه قد يؤدي به تفكيره إلى إنزال المني أو الإقدام على الجماع، وهذا يفسد صومه ويوقعه في الإثم. ٥ - مضغ العلك -اللبان -: وذلك إذا لم يتحلل منه شيء وليس له طعم معين، أما إذا كان العلك يتحلل منه شيء يختلط مع الريق ويبتلعه الصائم كما هو معروف في العلك الحالي فهذا حرام، وهو مما يفطر به الصائم. ٦ - ذوق الطعام: ويكره للصائم ذوق الطعام من مرق وغيره إذا لم ينزل إلى جوفه منه شيء ولم يحتج إليه، فإن نزل منه في جوفه شيء فقد أفطر، وإن احتاج إليه لمصلحة ولد صغير أو مريض أو ما شابه هذا فلا كراهة؛ لأنه موضع ضرورة. ٧ - الوصال: يكره الوصال في الصيام، وحقيقته المنهي عنها أن يصوم يومين فأكثر ولا يتناول في الليل شيئًا من طعام أو شراب، فإن أكل شيئًا ولو يسيرًا أو شرب فليس بوصال. والوصال مع كراهته لا يبطل الصيام. والحكمة من النهي عنه؛ لئلا يضعف الجسم عن أداء الواجبات، بل قد يلحق الجسم ضررٌ كبيرٌ يؤثر على الحواس والأعضاء. ٨ - جمع الريق وابتلاعه وكذا ابتلاع النخامة (١): يكره للصائم أن يجمع ريقه ويبتلعه أو يبتلع النخامة؛ لأن ذلك يصل إلى

стр. 693

جوفه ويتقوى به وهو ينافي الحكمة من الصيام. ٩ - شم ما لا يؤمن من شمه أن تجذبه نفسه إلى حلقه: كمسحوق المسك أو الكافور أو البخور ونحو ذلك. ١٠ - استعمال السواك بعد الزوال: كره بعض أهل العلم استعمال السواك بعد الزوال. والراجح: أن السواك مشروع قبل الزوال وبعده في رمضان وغيره. ولكن ينبغي في رمضان أن يتجنب الرطب الحار الذي قد يتحلل فيصل إلى جوفه (١).

стр. 694

مفسدات الصوم ١ - الجماع: متى جامع الصائم في نهار رمضان بطل صيامه وعليه التوبة والاستغفار وقضاء اليوم الذي جامع فيه. وعليه مع القضاء الكفارة وهي عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين أطعم ستين مسكينًا لكل واحد مدّ بر من النوع الجيد وهو يزن كما سبق (٥٦٢. ٥) جرامًا، أو من غير البر من غالب طعام أهل البلد. ولا يتحول من الصيام إلى الإطعام عند الجمهور إلا إذا لم يقدر على الصيام لمانع صحيح، كأن يكون به مرض أو يخشى حدوث المرض بالصوم. أما من تلحقه المشقة المحتملة بالصوم فليس ذلك مسوغًا له للانتقال إلى الإطعام. ويرى المالكية أن الكفارة على التخيير، ويستدلون بما رواه الإِمام مالك في الموطأ ورواه مسلم ... إلخ. ولا بد أن يكون الصيام متتابعًا لا يفطر فيه إلا لعذر شرعي كأيام العيدين والتشريق وأيام الحيض والنفاس للمرأة، أو لعذر حسي كالمرض والسفر لغير قصد الفطر. فإن أفطر لغير عذر ولو يومًا واحدًا لزمه استئناف الصيام من جديد ليحصل التتابع. ودليل وجوب الكفارة ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: "بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكْتُ. قَالَ: "مَا لَكَ؟ " قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَل تَجِدُ رَقَبةً تُعْتِقُهَا؟ " قَالَ: لا، قَالَ:

стр. 695

"فَهَل تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ " قَالَ: لا، فَقَالَ: "فَهَل تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ " قَالَ: لا، قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهَا تمَرٌ وَالعَرَقُ المِكْتَلُ قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ " فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: "خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ" فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ الله فَوَاللهِ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا -يُرِيدُ الحَرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثمَّ قَالَ: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" (١). قال ابن قدامة ﵀: قال -يعني الخِرَقي-: "ومن جامع في الفرج فأنزل، أو لم ينزل، أو دون الفرج فأنزل عامدًا أو ساهيًا، فعليه القضاء والكفارة، إذا كان في شهر رمضان. لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن من جامع في الفرج فأنزل أو لم ينزل أو دون الفرج فأنزل أنه يفسد صومه. وقد دلت الأخبار الصحيحة على ذلك" (٢). ٢ - إنزال المني باختياره: إذ أنزل الصائم باختياره بتقبيل أو لمس أو استمناء -العادة السرية- أو غير ذلك، فسد صومه؛ لأن هذا من الشهوة التي تنافي الصوم، وعليه القضاء فقط. أما إن قبل أو لمس دون إنزال لم يفطر. لكن إن كان الصائم يخشى على نفسه من الإنزال لو قبَّل، أو يخشى أن يتدرج من القبلة إلى الجماع لعدم استطاعته كبح شهوته، لم يجز له التقبيل؛ سدًا للذريعة وصونًا لصيامه من الفساد.

стр. 696

أما الإنزال باحتلام أو بتفكير مجرد عن العمل فلا يفطر؛ لأن الاحتلام بغير اختياره والتفكير معفوٌّ عنه إن شاء الله (١). ٣ - الأكل والشرب متعمدًا: وهو إيصال الطعام أو الشراب إلى الجوف من طريق الفم أو الأنف، أيًّا كان نوع المأكول أو المشروب؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢). فأباح الله -جل وعلا- الأكل والشرب إلى طلوع الفجر الثاني، ثم أمر بإتمام الصيام إلى الليل. وهذا معناه ترك الأكل والشرب في الفترة ما بين طلوع الفجر إلى الليل. ويدخل في ذلك السعوط في الأنف، وكذا إيصال كل شيء مائع أو جامد عن طريق الأنف أو العين أو الأذن شريطة وصوله للجوف (٣). يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية: " ... ومعلوم أن النص والإجماع أثبتا الفطر بالأكل والشرب والجماع والحيض ... " (٤). ٤ - ما كان بمعنى الأكل والشرب: كل ما كان بمعنى الأكل والشرب كحقن الدم للصائم بحيث يستغني به عن الأكل والشرب، وكذا الإبر المغذية التي تقوم مقابل الأكل والشرب.

стр. 697

فمتى حقن في الصائم دم لحاجة ضرورية كحصول نزيف أو أعطي إبرًا مغذية، فإنه يفطر ويقضي ذلك اليوم، وقد أبيح له الفطر للضرورة وألزم بالقضاء؛ لأن ما أفطر به يقوم مقام الأكل والشرب. أما الإبر الأخرى غير المغذية فلا تفطر في أي مكان من الجسم أخذها الصائم، وعلى أي كيفية ما لم تصل إلى جوفه كما سبق. يقول الشيخ محمَّد بن إبراهيم ﵀: " ... والذي يظهر لنا أن إبرة الوريد تفسد الصوم؛ لتحقيق دخول مادتها إلى مستعملها. وقد صرح الفقهاء ﵏ بفساد صيام من أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان ... " (١). ٥ - الحجامة: الحجامة: هي شرط ظاهر الجلد المتصل قصدًا لإخراج الدم من الجسد دون العروق. فمتى تم استخراج الدم من الصائم بحجامة أو فصد أو سحب للتبرع به لإنقاذ مريض محتاج، فإنه يفطر، والأصل في ذلك ما رواه شداد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ" (٢). وقد وردت أحاديث كثيرة مؤداها التفطير بالحجامة للحاجم والمحجوم، وعليه فلا يجوز للصائم صومًا واجبًا أن يتبرع بإخراج دمه إلا في حال الضرورة القصوى بشرط ألا يتضرر المتبرع ويفطر بذلك اليوم ويقضي (٣).

стр. 698

وأما خروج الدم بغير قصد من الصائم كالرعاف، ودم الجراحة، وخلع الضرس، ونحوه مما لا يؤثر على الصائم فلا يفطر به؛ لأنه ليس بمعنى الحجامة ثم إن الصائم معذور في هذه الحالات؛ لأنه محتاج لذلك حاجة ملحة. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: " ... وقد بيَّنَّا أن الفطر بالحجامة على وفق الأصول والقياس. وأنه من جنس الفطر بدم الحيض والاستقاءة وبالاستمناء، وإذا كان كذلك فبأي وجه أراد إخراج الدم أفطر ... " (١). وذهب جمهور أهل العلم إلى أنها لا تفطر لا الحاجم ولا المحجوم ولكنهم كرهوها بوجه عام. قال الحنفية (٢): لا بأس بها إن أمن الصائم على نفسه الضعف، أما إذا خاف الضعف فإنها تكره. وقال المالكية (٣): إن المريض والصحيح إذا علمت سلامتهما بالحجامة أو ظُنَّتْ جازت الحجامة لهما، وإلا فلا، بل تحرم عليهما، وفي حال الشك تكره للمريض وتجوز للصحيح. وقال الشافعية (٤): يستحب الاحتراز من الحجامة من الحاجم والمحجوم لأنها تضعفه. وقال الشافعي في الأم (٥): لو ترك رجل الحجامة صائمًا للتوقي كان أحب إليَّ، ولو احتجم لم أره يفطره.

стр. 699

واحتج هؤلاء جميعًا بما رواه البخاري عن ابن عباس: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ" (١). وأيضًا بما جاء في صحيح البخاري عن ثابت البناني أنه قال لأنس بن مالك ﵁: "أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ: لا، إِلا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ" (٢). والصحيح كما ذكرنا فساد صوم الحاجم والمحجوم؛ لحديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" (٣)، وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية (٤). ٦ - التقيؤ عمدًا: وهو استخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم عمدًا. ويفطر بالتقيؤ عمدًا سواء كان بالفعل كعصر بطنه، أو بالشم كأن يشم شيئًا له رائحة كريهة نفاذة يتقيأ بها، أو بالنظر كأن يتعمد النظر إلى شيء قبيح ليقيء به، وعليه في كل ذلك القضاء. أما إذا غلبه القيء وخرج منه بغير اختياره فإنه لا يؤثر على صيامه، قال ﷺ : "مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ" (٥). قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: " ... كما أنه بأي وجه أخرج القيء أفطر سواء جذب القيء بإدخال يده، أو يشم ما يقيئه، أو وضع يده تحت بطنه

стр. 700

واستخراج القيء فتلك طرق لإخراج القيء ... " (١). وقال ابن حجر ﵀: " ... أما القيء فذهب الجمهور إلى التفرقة بين من سبقه فلا يفطر، وبين من تعمده فيفطر. ونقل ابن المنذر الإجماع على بطلان الصوم بتعمد القيء ... " (٢). ٧ - خروج دم الحيض والنفاس: فمتى رأت المرأة دم الحيض والنفاس فسد صومها، سواء رأته في أول النهار أو في آخره. يدل لذلك ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أَليْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ! فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا" (٣). وما روته عائشة ﵂ وفيه: " ... كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ" (٤). ١ - حكم استعمال قطرة العين وقطرة الأذن في نهار رمضان: لا يفطر بهما الصائم في أصح قولي العلماء، فإن وجد طعم القطرة في حلقه فالأحوط له أن يقضي هذا اليوم، ولكن القضاء لا يجب حيث إن العين والأذن ليسا منفذين للطعام والشراب. أما قطرة الأنف: فلا تجوز إلا إذا كان مضطرًا؛ لأن الأنف منفذ للحلق، ولهذا قال النبي ﷺ :

стр. 701

" ... وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا ... " (١). فمن فعل ذلك فعليه القضاء إن وجد طعم القطرة في حلقه. ٢ - حكم استعمال بخاخ الربو اليدوي: لا مانع للصائم منه؛ لأنه لا يصل إلى المعدة وإنما هو في الحلق والرئة، وهو في هذه الحالة لا يفطر؛ لأنه ليس أكلًا أو شربًا، ولا بمعنى الأكل والشرب، وصيام مستعمله صحيح خاصة أن مثل هؤلاء المرضى من هذا النوع لا يستغنون عن البخاخ ولو تركوه طيلة اليوم لأصيبوا باختناقات في التنفس. نسأل الله السلامة والعافية لنا وللمسلمين. لكن لو ثبت أنه يضاف له محاليل وقرر الطبيب المختص أنها تصل المعدة فهنا يفطر به الصائم. ٣ - حكم استعمال الإبر المسكنة في نهار رمضان: لا تفطر الصائمَ؛ لأنها ليست إبرًا مغذية، وأما إبرة السكر فالراجح أنها لا تفطر، ولكن الأولى لمريض السكر ألا يأخذها أثناء النهار إلا إذا كان محتاجًا لها. ٤ - حكم استعمال الإبر المغذية للصائم: لا يجوز، ومن أخذها فقد فسد صومه وعليه القضاء. ٥ - حكم استعمال الحقنة الشرجية: التي يحتقن بها المريض ضد الإمساك أو غيرها من الأدوية التي تدخل من دبر الصائم: ذهب بعض أهل العلم إلى أنها مفطرة للصائم بناءً على القاعدة الشرعية أن: "كل ما يصل إلى الجوف يفطر به الصائم".

стр. 702

وقال بعضهم: إنها لا تفطر؛ لأنها ليست أكلًا أو شربًا, ولا في معنى الأكل والشرب. والذي يظهر أن مرد ذلك إلى الطب، فإذا قال الطبيب الثقة العدل أن هذه الحقنة كالأكل والشرب وأن الجسم يستفيد منها كما يستفيد من الأكل والشرب، فإنها في هذه الحالة تفطر، لكن الذي ثبت لنا عن طريق الأطباء أنها لا تصل للجوف وبالتالي لا تفطر. ٦ - حكم استعمال التحاميل في نهار رمضان: لا حرج على الصائم في استعمال التحاميل التي يأخذها من دبره في نهار رمضان؛ لأن هذا ليس أكلًا أو شربًا ولا في معنى الأكل أو الشرب، والمحظور هو الأكل والشرب وما قام مقامهما، وهذه لا تدخل فيهما لا لفظًا ولا معنى، ثم إن هذه التحاميل تذوب ولا تتسرب إلى الجوف. ٧ - حكم البنج إذا سرى في جسد الصائم: إذا سرى البنج في جسد الصائم في نهار رمضان بسبب قلع ضرس أو نحوه فلا بأس به ولا يفطر؛ لأنه ليس من الأكل أو الشرب ولا في معناهما, ولكن على الصائم في هذه الحالة ألا يبتلع الدم الخارج من الضرس، بل يتفله، فإن وصل إلى جوفه شيء منه أفطر به ما لم يكن بغير اختياره. ٨ - حكم استعمال فرشاة الأسنان والمعجون: يجوز للصائم استعمالها في نهار رمضان؛ لأنها لا تفطر ما دام أنه لم يصل إلى جوفه شيء منها، وأما إذا وصل إلى جوفه شيء منها أفطر وقضى. والأولى للصائم ألا يستعمل فرشاة الأسنان والمعجون إلا في الليل؛ لأنه ربما ينزل شيء من المعجون

стр. 703

إلى بطنه دون أن يشعر، ولو خرج من أسنانه دم حال تدليكها بالفرشاة فإنه لا يفطر إلا إذا ابتلع منه شيئًا، فهنا يفسد صومه وعليه القضاء. ٩ - حكم ابتلاع الريق وما في حكمه: لا شيء فيه على الصائم، ولكن لا يسوغ تعمد بلع النخامة، وأما إذا ابتلعها الصائم من غير قصد فلا تأثير لها على صيامه؛ لأنها مما لا يتحرز منه غالبًا. ١٠ - حكم الصائم الذي تبرع بالدم: يبطل صومه قياسًا على الحجامة، ويقضي مكان ذلك اليوم. ولا يسوغ للصائم أن يتبرع بالدم في نهار رمضان إلا لحالة ضرورية كإنقاذ معصوم من الهلكة وبشرط ألا يتضرر الصائم من ذلك؛ إذ لا يزال الضرر بالضرر. ١١ - حكم استعمال الطيب في نهار رمضان: يجوز للصائم ولا يفسد به صومه، وأما البخور فالأولى عدم استعماله؛ لأن له جرمًا يدخل إلى جوف الصائم فيفطر به. ١٢ - حكم السباحة في البحر أو البركة أو في حمام السباحة: يباح للصائم في نهار رمضان أن يسبح في البحر أو البركة أو في حمام السباحة سواء كان عميقًا أو غير ذلك، وله أن يسبح من حنفية الماء وغيرها حيث إن السباحة تنشط الصائم وتعينه على صومه؛ لما في ذلك من التخفيف والتيسير على العباد، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١)، ويقول ﷺ :"إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ ... " (٢). ولكن على الصائم أن

стр. 704

يراعي ألا يتسرب الماء إلى جوفه. والأحوط للصائم ألا يسبح في الماء العميق أو الجاري في نهار رمضان؛ لأن الغالب على من يسبح أن يدخل في جوفه الماء. ١٣ - حكم استعمال دواء الغرغرة: استعمال الصائم لهذا الدواء في نهار رمضان لا يُبْطِلُ صومَه إذا لم يبتلعه، ولكن عليه ألا يتناوله إلا إذا دعت الحاجة إليه، ولا يفطر به إذا لم يدخل في جوفه شيء منه. وكذلك كل ما كان دواءً للأسنان أو اللثة ما دام أنه لا يدخل إلى الجوف فلا حرج من تناوله في نهار رمضان ولا يفطر بذلك. والممنوع هو وصوله إلى الحلق والجوف.

стр. 705

أحكام القضاء من أفطر أيامًا من رمضان كالمريض والمسافر لزمه قضاء ما فاته، والقضاء إنما يكون بعد ما فاته فلا يجوز لأحد أن يصوم قبل رمضان ويجعله من قضائه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). ومن فاته شهر رمضان كله لزمه قضاء الشهر كله ولا يلزمه هنا في هذه الحالة أن يبتدئ الصوم من أوله، بل متى ابتدأ الشهر من أوله أو من أثنائه جاز. لكن إن ابتدأ من أول الشهر وكان شهر رمضان ثلاثين وكان الشهر الذي يقضي فيه تسعة وعشرين يومًا، فهل يلزمه صيام يوم أخر؟ نقول: هذه المسألة محل خلاف عند الفقهاء، والراجح أنه إن صام بالهلال كفاه ما صامه ولو كان تسعة وعشرين يومًا. قال القاضي من الحنابلة (٢): "إن قضى شهرًا هلاليًا أجزأه سواء كان تامًا أو ناقصًا، وإن لم يقصد شهرًا صام ثلاثين يومًا -وهو ظاهر كلام الخرقي-". قضاء رمضان على التراخي أو الفور: ذهب جمهور الفقهاء (٣) إلى أن قضاء رمضان يكون على التراخي، لكن قيدوا التراخي بما إذا لم يفت وقت قضائه بأن يهل رمضان آخر، واحتجوا لذلك بما رواه البخاري ومسلمٌ عن عائشة ﵂ قالت: "كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ
следующие страницы →