← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

" ... وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إِلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا ... " (١). فمن فعل ذلك فعليه القضاء إن وجد طعم القطرة في حلقه. ٢ - حكم استعمال بخاخ الربو اليدوي: لا مانع للصائم منه؛ لأنه لا يصل إلى المعدة وإنما هو في الحلق والرئة، وهو في هذه الحالة لا يفطر؛ لأنه ليس أكلًا أو شربًا، ولا بمعنى الأكل والشرب، وصيام مستعمله صحيح خاصة أن مثل هؤلاء المرضى من هذا النوع لا يستغنون عن البخاخ ولو تركوه طيلة اليوم لأصيبوا باختناقات في التنفس. نسأل الله السلامة والعافية لنا وللمسلمين. لكن لو ثبت أنه يضاف له محاليل وقرر الطبيب المختص أنها تصل المعدة فهنا يفطر به الصائم. ٣ - حكم استعمال الإبر المسكنة في نهار رمضان: لا تفطر الصائمَ؛ لأنها ليست إبرًا مغذية، وأما إبرة السكر فالراجح أنها لا تفطر، ولكن الأولى لمريض السكر ألا يأخذها أثناء النهار إلا إذا كان محتاجًا لها. ٤ - حكم استعمال الإبر المغذية للصائم: لا يجوز، ومن أخذها فقد فسد صومه وعليه القضاء. ٥ - حكم استعمال الحقنة الشرجية: التي يحتقن بها المريض ضد الإمساك أو غيرها من الأدوية التي تدخل من دبر الصائم: ذهب بعض أهل العلم إلى أنها مفطرة للصائم بناءً على القاعدة الشرعية أن: "كل ما يصل إلى الجوف يفطر به الصائم".

стр. 702

وقال بعضهم: إنها لا تفطر؛ لأنها ليست أكلًا أو شربًا, ولا في معنى الأكل والشرب. والذي يظهر أن مرد ذلك إلى الطب، فإذا قال الطبيب الثقة العدل أن هذه الحقنة كالأكل والشرب وأن الجسم يستفيد منها كما يستفيد من الأكل والشرب، فإنها في هذه الحالة تفطر، لكن الذي ثبت لنا عن طريق الأطباء أنها لا تصل للجوف وبالتالي لا تفطر. ٦ - حكم استعمال التحاميل في نهار رمضان: لا حرج على الصائم في استعمال التحاميل التي يأخذها من دبره في نهار رمضان؛ لأن هذا ليس أكلًا أو شربًا ولا في معنى الأكل أو الشرب، والمحظور هو الأكل والشرب وما قام مقامهما، وهذه لا تدخل فيهما لا لفظًا ولا معنى، ثم إن هذه التحاميل تذوب ولا تتسرب إلى الجوف. ٧ - حكم البنج إذا سرى في جسد الصائم: إذا سرى البنج في جسد الصائم في نهار رمضان بسبب قلع ضرس أو نحوه فلا بأس به ولا يفطر؛ لأنه ليس من الأكل أو الشرب ولا في معناهما, ولكن على الصائم في هذه الحالة ألا يبتلع الدم الخارج من الضرس، بل يتفله، فإن وصل إلى جوفه شيء منه أفطر به ما لم يكن بغير اختياره. ٨ - حكم استعمال فرشاة الأسنان والمعجون: يجوز للصائم استعمالها في نهار رمضان؛ لأنها لا تفطر ما دام أنه لم يصل إلى جوفه شيء منها، وأما إذا وصل إلى جوفه شيء منها أفطر وقضى. والأولى للصائم ألا يستعمل فرشاة الأسنان والمعجون إلا في الليل؛ لأنه ربما ينزل شيء من المعجون

стр. 703

إلى بطنه دون أن يشعر، ولو خرج من أسنانه دم حال تدليكها بالفرشاة فإنه لا يفطر إلا إذا ابتلع منه شيئًا، فهنا يفسد صومه وعليه القضاء. ٩ - حكم ابتلاع الريق وما في حكمه: لا شيء فيه على الصائم، ولكن لا يسوغ تعمد بلع النخامة، وأما إذا ابتلعها الصائم من غير قصد فلا تأثير لها على صيامه؛ لأنها مما لا يتحرز منه غالبًا. ١٠ - حكم الصائم الذي تبرع بالدم: يبطل صومه قياسًا على الحجامة، ويقضي مكان ذلك اليوم. ولا يسوغ للصائم أن يتبرع بالدم في نهار رمضان إلا لحالة ضرورية كإنقاذ معصوم من الهلكة وبشرط ألا يتضرر الصائم من ذلك؛ إذ لا يزال الضرر بالضرر. ١١ - حكم استعمال الطيب في نهار رمضان: يجوز للصائم ولا يفسد به صومه، وأما البخور فالأولى عدم استعماله؛ لأن له جرمًا يدخل إلى جوف الصائم فيفطر به. ١٢ - حكم السباحة في البحر أو البركة أو في حمام السباحة: يباح للصائم في نهار رمضان أن يسبح في البحر أو البركة أو في حمام السباحة سواء كان عميقًا أو غير ذلك، وله أن يسبح من حنفية الماء وغيرها حيث إن السباحة تنشط الصائم وتعينه على صومه؛ لما في ذلك من التخفيف والتيسير على العباد، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١)، ويقول ﷺ :"إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ ... " (٢). ولكن على الصائم أن

стр. 704

يراعي ألا يتسرب الماء إلى جوفه. والأحوط للصائم ألا يسبح في الماء العميق أو الجاري في نهار رمضان؛ لأن الغالب على من يسبح أن يدخل في جوفه الماء. ١٣ - حكم استعمال دواء الغرغرة: استعمال الصائم لهذا الدواء في نهار رمضان لا يُبْطِلُ صومَه إذا لم يبتلعه، ولكن عليه ألا يتناوله إلا إذا دعت الحاجة إليه، ولا يفطر به إذا لم يدخل في جوفه شيء منه. وكذلك كل ما كان دواءً للأسنان أو اللثة ما دام أنه لا يدخل إلى الجوف فلا حرج من تناوله في نهار رمضان ولا يفطر بذلك. والممنوع هو وصوله إلى الحلق والجوف.

стр. 705

أحكام القضاء من أفطر أيامًا من رمضان كالمريض والمسافر لزمه قضاء ما فاته، والقضاء إنما يكون بعد ما فاته فلا يجوز لأحد أن يصوم قبل رمضان ويجعله من قضائه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). ومن فاته شهر رمضان كله لزمه قضاء الشهر كله ولا يلزمه هنا في هذه الحالة أن يبتدئ الصوم من أوله، بل متى ابتدأ الشهر من أوله أو من أثنائه جاز. لكن إن ابتدأ من أول الشهر وكان شهر رمضان ثلاثين وكان الشهر الذي يقضي فيه تسعة وعشرين يومًا، فهل يلزمه صيام يوم أخر؟ نقول: هذه المسألة محل خلاف عند الفقهاء، والراجح أنه إن صام بالهلال كفاه ما صامه ولو كان تسعة وعشرين يومًا. قال القاضي من الحنابلة (٢): "إن قضى شهرًا هلاليًا أجزأه سواء كان تامًا أو ناقصًا، وإن لم يقصد شهرًا صام ثلاثين يومًا -وهو ظاهر كلام الخرقي-". قضاء رمضان على التراخي أو الفور: ذهب جمهور الفقهاء (٣) إلى أن قضاء رمضان يكون على التراخي، لكن قيدوا التراخي بما إذا لم يفت وقت قضائه بأن يهل رمضان آخر، واحتجوا لذلك بما رواه البخاري ومسلمٌ عن عائشة ﵂ قالت: "كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ

стр. 706

رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَوْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ " (١). وقالوا أيضًا: كما أنه لا يؤخر الصلاة الأولى إلى الثانية فكذلك الصوم. وقال الحنفية (٢) بإطلاق التراخي بلا قيد، فلو جاء رمضان آخر ولم يقض الفائت قدَّم صوم الأداء على القضاء ولا فدية عليه بالتأخير، واحتجوا لذلك بإطلاق النص فى قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾. والصحيح: قول الجمهور، فلا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل عليه رمضان آخر، فإن أخر القضاء حتى دخل عليه رمضان آخر لغير عذر فإنه يأثم بذلك وعليه القضاء والفدية إن كان قادرًا، وأما إن أخره لعذر فليس عليه إلا القضاء فقط (٣). ومع قولنا بأن القضاء على التراخي إلا أن الأولى والأفضل في حق من عليه قضاء أن يبادر بالقضاء. تتابع قضاء رمضان: لا يلزم التتابع في قضاء رمضان بل يستحب؛ ليكون أقرب إلى مشابهة الأداء؛ لأن الأداء متتابع وأسرع في إبراء الذمة، ولأن التتابع العمل به أحوط فإن الإنسان لا يدري ما يعرض له. تأخير قضاء رمضان لعذر حتى الموت ولم يتمكن من القضاء: لا شيء على من حصل له ذلك لعدم تقصيره ولا إثم عليه؛ لأن القضاء فرض لم يتمكن منه إلى الموت فسقط حكمه.

стр. 707

وقال أبو الخطاب (١) من الحنابلة: يحتمل أن يجب الصوم عنه أو التكفير. والصحيح: أنه لا يجب الصوم ولا التكفير عنه، وإن تبرع أحد فصام عنه أو فدى فإنه يتوجه جوازه إلى أنه لا يجب. تأخير قضاء رمضان لغير عذر مع إمكان القضاء حتى الموت: فإنه يطعم عنه لكل يوم مسكينًا، وهذا قول أكثر أهل العلم (٢)، وقال الشافعي (٣): يصام عنه واحتج لذلك بقول النبي ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" (٤). واختار هذا القول سماحة شيخنا ابن باز ﵀ حيث قال: "قوله ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ"، قال: والصواب أنه عام وليس خاصًا بالنذر، وقد روي عن بعض الأئمة كأحمد وجماعة أنهم قالوا: إنه خاص بالنذر، ولكنه قول مرجوح ولا دليل عليه، والصواب أنه عام" (٥). والأولى: ما ذهب إليه أكثر أهل العلم، فالواجب هنا هو الإطعام عن كل يوم مسكينًا إن كان له تَرِكَةٌ، فإن لم يكن له شيء من مال اسْتُحِبَّ لأوليائه الإخراج عنه ولا يلزمهم. أما ما احتج به الشافعية (٦) فإنما ورد في النذر لا في القضاء، فإن تبرع أحد أقاربه فصام عنه جاز ذلك ولكن لا يجب.

стр. 708

ما لا يفسد به الصيام هناك أمور يفسد بها الصوم وقد سبق بيانها، وهناك أمور قد تحصل للإنسان هي في الحقيقة مفسدة لصومه، لكن لوجود عارض صرفت من الإفساد إلى عدمه، ومن هذه الأمور: ١ - الأكل والشرب ناسيًا: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) إلى أن الأكل والشرب في حال النسيان لا يفسد الصوم فرضًا أو نفلًا؛ وذلك لما رواه البخاري ومسلمٌ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِذَا نَسِيَ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَليُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ" (٤). والحديث عام لم يخصص الفرض ولا النفل. وذهب المالكية (٥) إلى أن هذا خاص بالنفل، أما الفرض فمن أكل أو نسي فعليه القضاء. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ لعموم الأدلة. قال ابن القيم (٦) ﵀: "وكان من هديه ﷺ إسقاط القضاء عمن أكل أو شرب ناسيًا، وأن الله هو الذي أطعمه وسقاه، فليس هذا الأكل والشرب يضاف إليه فيفطر به وإنما يفطر بما فعله، وهذا بمنزلة أكله وشربه في نومه؛ إذ لا تكليف بفعل النائم ولا بفعل الناسي".

стр. 709

٢ - الجماع في حال النسيان: ذكرنا سابقًا أن الجماع مفسد للصوم، لكن من فعله ناسيًا هل يفسد صومه به؟ نقول: اختلفت أقوال المذاهب في ذلك: فذهب الحنفية (١) والشافعية (٢) في المذهب، وهو رواية عن الإِمام أحمد (٣)، إلى أنه لا يفطر إن جامع في حال النسيان قياسًا على الأكل والشرب. وذهب المالكية (٤) وهو المذهب عند الحنابلة (٥) إلى أن من جامع ناسيًا فسد صومه، وعليه القضاء فقط عند المالكية (٦) وقول عند الحنابلة، والقضاء والكفارة في المذهب عند الحنابلة. والراجح من الأقوال: هو القول الأول؛ فمتى كان الإنسان معذورًا بإكراه أو نسيان فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٧)، فقال سبحانه: "قَدْ فَعَلتُ" (٨). وقياسًا على الأكل والشرب ناسيًا. وهذا هو اختيار العلامة بن سعدي (٩)، والشيخ محمَّد بن صالح العثيمين (١٠) - رحمهما الله-.

стр. 710

٣ - الاحتلام: من نام وهو صائم ثم احتلم لا يفسد صومه بل عليه إتمام الصوم ويجب عليه الاغتسال، قال ﷺ : "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ: .. " وذكر منها: "عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ" (١). ولأنه غير قاصد. ٤ - دخول الغبار ونحوه حلق الصائم: إذا دخل الغبار أو الذباب وغيره حلق الصائم لا يفطر بذلك؛ لعدم قدرته على الامتناع عنه، ولأن ذلك أيضًا لا يمكن التحرز منه. ٥ - البلل في الفم: لا يفسد الصوم وجود البلل الذي يبقى في الفم بعد المضمضة إذا ابتلعه الصائم مع الريق بشرط أن يبصق بعد مج الماء؛ لاختلاط الماء بالبصاق، ولا تشترط المبالغة في البصق؛ لأن الباقي بعد البصق مجرد بلل ورطوبة لا يمكن التحرز منه. ٦ - ابتلاع ما بين الأسنان: اختلف الفقهاء في حكم من ابتلع ما بين أسنانه وهو صائم. فالمالكية (٢) ذهبوا إلى عدم الإفطار بما سبق إلى جوفه من بين أسنانه ولو عمدًا؛ لأنه أخذه في وقت يجوز له أخذه فيه. وفي قول آخر عندهم -يعني: المالكية (٣) - أنه يفطر إذا تعمد بلعه، أما لو سبق إلى جوفه فإنه لا يفطر.

стр. 711

وذهب الشافعية (١) إلى فساد الصوم مطلقًا بابتلاع ما بين الأسنان سواء كان كثيرًا أو قليلًا؛ لأن الفم له حكم الظاهر، وللشافعية (٢) قول آخر أنه لا يفطر مطلقًا بذلك. والراجح في هذه المسألة ما شرطه الشافعية (٣) والحنابلة (٤) في عدم الإفطار بابتلاع ما بين الأسنان، وهما شرطان: الأول: أن لا يقصد ابتلاع ما بين أسنانه. الثاني: أن يعجز عن تمييزه ومجه؛ لأنه معذور غير مفرط. ٧ - خروج الدم من اللثة: ذهب الشافعية (٥) والحنابلة (٦) إلى الإفطار بتعمد ابتلاع الريق المختلط بالدم لتغير الريق، والدمُ نجس لا يجوز ابتلاعه، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار الشيخ محمَّد بن صالح العثيمين (٧) ﵀. ٨ - ابتلاع النخامة: النخامة أو النخاعة: هو ما يخرجه الإنسان من رأسه وتكون على هيئة مخاط أو تكون بلغمًا صاعدًا من البطن. وهذه يحرم ابتلاعها لضررها على البدن.

стр. 712

وقد اختلف الفقهاء في حكم من ابتلعها وهو صائم: فالحنفية (١) والمعتمد عند المالكية (٢) أن النخامة لا تفطر مطلقًا. وجاء عند المالكية (٣) أنه لا يفطر بها ولو وصلت إلى طرف لسانه ثم ابتلعها لمشقته، وفي قول آخر عند المالكية (٤) وهو المذهب عند الحنابلة (٥) أن عليه القضاء. وقال الشافعية (٦): إن ابتلعها بعد وصولها إلى ظاهر الفم أفطر جزمًا (٧). والراجح: أنه لا قضاء عليه ولو وصلت إلى الفم وابتلعها؛ لأن ذلك لا يعد أكلًا ولا شربًا، لكن الأحوط للإنسان أنها إذا وصلت إلى فمه أن لا يبتلعها؛ خروجًا من الخلاف.

стр. 713

الأعذار المبيحة للفطر الصيام عبادة شاقة تحتاج إلى تحمل وصبر وقد لا يتحملها بعض الناس لعوارض قد تلحق بهم؛ ومن محاسن شريعتنا أن خففت على هؤلاء -وهم أهل الأعذار- فرخصت لهم الفطر وألزمتهم بالقضاء عند زوال العذر أو بالفدية عند العجز عن الصيام. وهؤلاء هم: المريض، والمسافر، والمرأة الحامل، والمرضع، والشيخ الهرم، ومن أرهقه الجوع والعطش، والمكره. وسنتناول هنا الأحكام المتعلقة بهم. أولًا: المرض: قال في المصباح المنير (١): المرض: "هو كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة". حكمه مع الصوم: اتفق الفقهاء على إباحة الفطر للمريض وعليه القضاء عند الاستطاعة. قال ابن قدامة في المغني (٢): "أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) ". وروى البخاري ومسلمٌ عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: "لمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ

стр. 714

وَيَفْتَدِيَ حَتَّى نَزَلَتْ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا" (١). يعني قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢). أحوال المريض: للمريض مع الصوم حالات: الحالة الاولى: ألا يقدر على الصوم بحال، أو يخاف الهلاك أو الضعف أو يضره الصوم، فهذا يجب عليه الفطر ولا يجوز له الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤). فإن صام وهو في هذه الحال هل يجزئه الصوم؟ ذهب أكثر أهل العلم أنه يجزئه مع الإثم. وقال ابن حزم (٥): لا يجزئه الصوم؛ لأن الله -تعالى- جعل للمريض عدة من أيام أُخر، فلو صام في مرضه فهو كالقادر الذي صام في شعبان عن رمضان فلا يجزئه ويجب عليه القضاء. والقاعدة عنده في ذلك أن ما نهي عنه لذاته فإنه لا يقع مجزئًا، فإذا قلنا بالتحريم فمقتضى القواعد أنه إذا صام لا يجزئه؛ لأنه صام ما نهي عنه كصوم أيام

стр. 715

التشريق وأيام العيدين لا يحل ولا يصح. والراجح: أنه متى تحمل المريض الضرر فصام صح صومه ويجزئه؛ لأنه صدر من أهله في محله كما لو أتم المسافر الصلاة، وكالمريض الذي يباح له ترك الجمعة؛ إذا حضرها أجزأه عن الظهر لكنه يأثم؛ لأنه ألحق بنفسه الضرر. الحالة الثانية: أن يقدر على الصوم بمشقة ولا يتضرر بصومه: فالحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) على جواز الفطر له، وقال ابن العربي (٤) من المالكية: بل يستحب له الفطر. والراجح: أنه يكره له الصوم ويسن له الفطر؛ لأن ارتكاب المشقة مع وجود الرخصة يشعر بالعدول عن رخصة الله -تعالى-، قال ﷺ :"إِنَّ الله يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ" (٥). الحالة الثالثة: ألا يشق عليه الصوم، ولا يخاف زيادة المرض، ولا يتأثر به. فالجمهور (٦) على وجوب الصوم. وقال بعض السلف (٧): يباح الفطر بكل مرض حتى من وجع الضرس والأصبع وغير ذلك مما لا يؤثر على المريض حال صومه.

стр. 716

والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أنه لا يجوز له الفطر إلا إذا كان الفطر أرفق به، أما إذا كان لا يتأثر فإنه لا يجوز له الفطر بل يجب عليه. ثانيًا: السفر: السفر عذر يباح فيه الفطر، قال تعالي: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). قال ابن قدامة (٢): "وجواز الفطر للمسافر ثابت بالنص والإجماع". الشروط المعتبرة في السفر ليحصل به الفطر: اشترط الفقهاء للسفر المبيح للفطر شروطًا منها: ١ - أن يكون السفر مما تُقْصَرُ فيه الصلاة: قال ابن رشد في بداية المجتهد (٣): "أما المعنى المعقول من إجازة الفطر في السفر فهي المشقة، ولما كانت لا توجد في كل سفر، وجب أن يوجد الفطر في السفر الذي فيه المشقة، ولما كان الصحابة كأنهم مجمعون على الحد في ذلك وجب أن يقاس ذلك على الحد في تقصير الصلاة". قلنا: والحد الذي تقصر فيه الصلاة ويجوز فيه الفطر اختلف فيه الفقهاء: فقال بعضهم (٤): إن السفر الذي يباح له قصر الصلاة وجواز الفطر يحد بالعرف ولا يحد بالمسافة المقدرة بالكيلومترات، فما سمِّيَ في العُرف سفرًا يقصر ويفطر فيه، وما لا فلا.

стр. 717

وذهب الجمهور (١) إلى التحديد بالمسافة وهو ما يبلغ في المسافة يومًا وليلة بالرواحل المعتادة، وهذا هو الصحيح الذي نختاره، وهو ما زاد عن ثمانين كيلو مترًا. ٢ - أن لا يزيد على المدة التي يباح له فيها قصر الصلاة: وقد اختلف فيها الفقهاء -كما ذكرنا ذلك في كتاب الصلاة-، وقلنا بأن الراجح فيها أنها لا تزيد عن أربعة أيام، فمتى زاد عن ذلك لم يشرع القصر ولا الفطر؛ لأنه أصبح مقيمًا. وهذا هو اختيار اللجنة الدائمة (٢). ٣ - أن لا يكون سفر معصية: لأن الفطر رخصة فلا يستحقه العاصي بسفره، وهذا هو قول الجمهور (٣). وذهب الحنفية (٤) إلى جواز الفطر للمسافر ولو كان عاصيًا بسفره؛ عملًا بإطلاق النصوص المرخصة، ولأن نفس السفر ليس بمعصية وإنما المعصية ما يكون بعده أو يجاوزه، والرخصة تتعلق بالسفر لا بالمعصية. والراجح: ما ذهب إليه الجمهور، وهو الذي يترجح عندنا. ٤ - أن يجاوز المسافر مدينته التي يسكن فيها وأفنيتها وأخبيتها. وذهب بعض الفقهاء (٥) إلى جواز الفطر قبل ذلك.

стр. 718

والراجح: أنه لا يجوز؛ لأنه لا يسمى مسافرًا حتى يخرج من مدينته، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١)، فهو شاهد للشهر لا يتحقق كونه مسافرًا حتى يخرج من البلد ولذلك لا يقصر الصلاة حتى يخرج من عامر قريته. متى يجوز الفطر للمسافر ؟ للمسافر حالتان: الحالة الأولى: أن يبدأ السفر قبل الفجر أو يطلع الفجر وهو مسافر وينوي الفطر، فيجوز له الفطر إجماعًا. الحالة الثانية: أن يبدأ السفر بعد الفجر بأن يطلع الفجر وهو مقيم ببلده ثم يسافر بعد طلوع الفجر أو خلال النهار وهذه الحالة اختلف فيها الفقهاء في جواز الفطر له: فالحنفية (٢) والمالكية (٣) وصحيح المذهب عند الشافعية (٤)، وهو رواية عن الإِمام أحمد (٥)، أنه لا يشرع له الفطر بل يجب عليه الإتمام؛ وذلك تغليبًا لجانب الحضر. وذهب الحنابلة (٦) وبعض الشافعية (٧) إلى جواز الفطر له؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٨)، وحديث جابر

стр. 719

ابن عبد الله ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ في رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ؟ فَقَالَ: "أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ العُصَاةُ" (١). وأيضًا روى الإِمام أحمد وهو عند البخاري معلقًا عن ابن عباس ﵄ قال: "خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ عَامَ الفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ في شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى مَرَّ بغَدِيرٍ فِي الطَّرِيقِ وَذَلِكَ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ: فَعَطِشَ النَّاسُ وَجَعَلُوا يَمُدُّونَ أًعْنَاقَهُمْ وَتَتُوقُ أَنْفُسُهُمْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَأَمْسَكَهُ عَلَى يَدِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاسُ، ثُمَّ شَرِبَ فَشَرِبَ النَّاسُ" (٢). فهذه الأدلة تدل دلالة واضحة على جواز فطر من أنشأ سفرًا بعد أن أصبح صائمًا، وهذا هو الصحيح من القولين، وهو اختيار الشيخ ابن سعدي (٣) ﵀. أيهما أفضل للمسافر الصوم أم الفطر ؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فالجمهور (٤) يقولون بأن الصوم أفضل إذا لم يجهده الصوم ولم يضعفه، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٥)، فدلت الآيات على أن الصوم عزيمة، والإفطار رخصة، ولا شك أن العزيمة أفضل،

стр. 720

واحتجوا لذلك أيضًا بما روى البخاري ومسلمٌ عن أبي الدرداء ﵁ قال: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ في شَهْرِ رَمَضَانَ في حَرٍّ شَدِيدٍ حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ" (١). وذهب الحنابلة (٢) إلى أن الفطر للمسافر أفضل، وهو اختيار اللجنة الدائمة (٣)، بل قال بعض الحنابلة (٤): يسن الفطر للمسافر ويكره صومه ولو لم يجد مشقة. وعليه الأصحاب، وهذا مذهب ابن عمر وابن عباس ﵄، وسعيد، والشعبي، والأوزاعي (٥). واستدل الحنابلة لذلك بما رواه البخاري ومسلمٌ من حديث جابر المتقدم: "لَيْسَ مِنْ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ" (٦). وزاد مسلم في رواية: "عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّذِي رَخَّصَ لكُمْ" (٧). وبعد ذكر القولين في المسألة فالذي يترجح لنا: أن المسافر الأفضل في حقه فعل الأسهل عليه من الصيام أو الفطر، فإن تساويا فالصوم أفضل لما يأتي: ١ - لأنه أسرع في إبراء الذمة.

стр. 721

٢ - أنه أنشط له إذا صام مع الناس. ٣ - إدراك فضيلة الزمن. ٤ - ولأنه فعل النبي ﷺ كما في حديث أبي الدرداء المتقدم. الأمور التي تسقط رخصة السفر: اتفق الفقهاء على أن رخصة السفر تسقط بأمرين: الأول: إذا عاد المسافر إلى بلده ودخل وطنه ومحل إقامته ولو كان دخولًا بشيء نسيه فيجب عليه الصوم. هل يجب على من عاد إلى بلده الإمساك بقية يومه ؟ محل خلاف بين الفقهاء: فالحنفية (١)، وفي رواية عند الحنابلة (٢) وهي المذهب أنه يجب الإمساك عليه إذا أقام، وعللوا لذلك بعلل منها: ١ - حرمة الوقت. ٢ - إدراكه جزءًا من وقته كالصلاة. ٣ - ولأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب. وهذا هو اختيار الشيخ ابن باز (٣) ﵀ حيث قال: "المسافر إذا قدم في أثناء النهار إلى بلده فإن عليه الإمساك في أصح قولي العلماء؛ لزوال حكم السفر مع قضاء ذلك اليوم".

стр. 722

وذهب المالكية (١) والشافعية (٢) وهي إحدى الروايتين عند الحنابلة (٣) إلى عدم وجوب الإمساك على من قدم من سفره أثناء النهار، واحتجوا لذلك بما رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﵁ قال: "مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ" (٤)، والمعنى من أُحِلَّ له الأكل في أول النهار أحل له الأكل في آخره. وعللوا لذلك أيضًا أنه جاز له الفطر في أول النهار ظاهرًا وباطنًا، فقد حل له في أول النهار الأكل والشرب وسائر ما يمكن من المفطرات، ولا يستفيد من هذا الإمساك شيئًا، وحرمة الزمن قد زالت بفطر مباح ولذا لا يجب عليه الإمساك. وهذا القول هو الراجح، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين (٥) ﵀ قال: "فمتى قدم المسافر إلى بلده مفطرًا ووجد زوجته قد طهرت أثناء ذلك اليوم من الحيض وتطهرت، جاز له جماعها؛ لأنه أصبح مفطرًا وهي أصبحت مفطرة لكن زال عذرهما آخر النهار". ثالثًا: الحمل والرضاعة: ممّن يباح لهم الفطر في رمضان الحامل والمرضع؛ وذلك لأن الحمل والرضاعة فيهما مشقة على المرأة من أجل كونه حملًا ولا سيما في الأشهر الأخيرة عند المرأة، وأيضًا بالنسبة للمرأة المرضع، فالصوم يؤثر على الطفل من جهة نموه إذا لم يكن في جسمها غذاء، فربما يضعف الطفل ويتضرر لصومها، فمن رحمة الله تعالى أن أباح لهما الفطر.

стр. 723

أحوال الحامل والمرضع في الصوم: للمرأة الحامل والمرضع حالتان مع الصوم: الحالة الأولى: إذا خافتا على نفسيهما جاز لهما الفطر وعليهما القضاء، وهذا بغير خلاف؛ لأنهما بمنزلة المريض أو بمنزلة من يخاف حدوث المرض، وفي رواية عن الإِمام أحمد (١): يطعمان ويقضيان. والراجح: أنه لا يلزمهما سوى القضاء. الحالة الثانية: إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينًا، وهذا هو مذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣). وقال الحنفية (٤): لا كفارة عليهما، وعليهما القضاء فقط. والراجح: هو القول الأول إذ ثبتت الرواية في الإطعام عن ابن عباس وابن عمر ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٥). قال ابن عباس ﵄: "كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ وَالمَرْأَةِ الكَبِيرَةِ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَالحُبْلَى وَالمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا"، قَالَ أَبُو دَاوُد: "يَعْنِى عَلَى أَوْلادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا" (٦)، وهو أيضًا مروي عن ابن عمر ﵄ ولا مخالف لهما من الصحابة.

стр. 724

حكم صوم الحامل والمرضع: الأصل أنه يكره لهما الصوم إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما، لكن إذا خافتا هلاكًا أو ضررًا شديدًا فيه أذىً فهنا يجب عليهما الفطر؛ لأنهما بمنزلة المريض الذي يضره الصوم. رابعًا: الشيخوخة والهرم: لا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يلزم الشيخَ الهرمَ والمرأةَ العجوزَ والمريضَ الذي لا يرجى بُرْؤُهُ الصومُ إذا كان الصوم يجهدهم ويشق عليهم مشقة شديدة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (١). ومعنى يطيقونه يستطيعونه بمشقة. قال ابن عباس ﵄: الآية ليست بمنسوخة، وهي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا. خامسًا: الجوع والعطش: قد يَلْحَقُ بعضَ الناس من أصحاب الأعمال الشاقة كالحداد والخباز، والبناء، ونحوهم أثناء صومهم، جوعٌ وعطش شديدان وبخاصة في فصل الصيف ومع الحرارة الشديدة، فهل يباح لهؤلاء ونحوهم الفطر في رمضان؟ يجوز لمن أرهقه الجوع والعطش الفطر، ويجب عليهما القضاء باتفاق الفقهاء، ولكن يكون ذلك بشروط: الأول: أن ينوي الصيام ليلًا، فإن أحتاج إلى الإفطار ولحقته المشقة أفطر.

стр. 725

الثاني: أن يترتب على صومه ضرر في صنعته كأن يكون محتاجًا إلى المال والإنفاق على الأهل، فإن لم يكن هناك حاجة إلى الصنعة وأمكنه الاستغناء عنها خلال الشهر، لزمه الصوم وإن ترتب على ذلك ترك الصنعة.

стр. 726

أحكام صلاة التراويح صلاة التراويح: سنة للرجال والنساء، واختلف فيها: هل هي سنة مؤكدة أو غير مؤكدة؟ والراجح: أنها سنة مؤكدة وهو قول الحنفية (١) والحنابلة (٢) وبعض المالكية (٣)، ودليل ذلك فعله ﷺ وترغيبه في فعلها. روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يرغِّب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٤). وقد صلَّى النبي ﷺ بأصحابه صلاة التراويح في بعض الليالي ولم يواظب عليها وبيَّن العذر في ترك المواظبة؛ وهو خشية أن تكتب فيعجزوا عنها. فقد روى البخاري ومسلمٌ من حديث عائشة ﵂: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى في المَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَصَلَّى بِصَلاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنْ القَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ الله ﷺ ، فَلمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَا أَنِّى خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ" قَالَ: وَذَلِكَ في رَمَضَانَ (٥).

стр. 727

وقد واظب الخلفاء الراشدون عليها منذ عهد عمر ﵃، وتبعهم المسلمون على ذلك إلى يومنا هذا. قصة جمع الناس عليها: توفي النبي ﷺ والناس لم يصلوها جماعة، وقد بيَّن النبي ﷺ العذر لصلاة التراويح جماعة وهو خشية أن تفرض على أمته، وتوفى النبي ﷺ والأمر على ذلك، وبقي الناس في خلافة أبي بكر على ذلك، فلما كان خلافة عمر جمعهم عليها. روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عبد القارئ قال: "خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ لَيْلَةً في رَمَضَانَ إِلَى المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: "نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ! وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي يَقُومُونَ" يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ" (١). وعن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة عن التراويح وما فعله عمر ﵁ فقال: التراويح سنة مؤكدة ولم يتخرجه -لم يختلف- عمر من تلقاء نفسه، ولم يكن فيه مبتدعًا, ولم يأمر به إلا عن أصلٍ لديه وعهدٍ من رسول الله ﷺ . ولقد سنَّ عمر هذا وجمع الناس على أبي بن كعب فصلاها جماعةً والصحابةُ من المهاجرين والأنصار وما رد عليه أحد منهم، بل ساعدوه ووافقوه وأمروا بذلك (٢).

стр. 728

عدد ركعاتها: اختلف الفقهاء (١) في عدد ركعات صلاة التراويح والوتر معها إلى نحو من أحد عشر قولًا: أ- فقيل: إحدى عشرة ركعة. ب- وقيل: ثلاث عشرة ركعة. ج- وقيل: سبع عشرة ركعة. د- وقيل: تسع عشرة ركعة. هـ - وقيل: إحدى وعشرون ركعة. و- وقيل: ثلاث وعشرون ركعة. ز- وقيل: خمس وعشرون ركعة. ح- وقيل: سبع وعشرون ركعة. ط- وقيل: تسع وثلاثون ركعة. ي- وقيل: إحدى وأربعون ركعة. ك- وقيل: سبع وأربعون ركعة. وأرجح هذه الأقوال: أنها إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة ركعة مع طول القيام والركوع والسجود بما لا يشق على الناس. لكن إن خفف زاد في عدد الركعات؛ لما روته عائشة ﵂ حين سئلت عن

стр. 729

صلاة النبي ﷺ في رمضان فقالت: ... مَا كَانَ يَزِيدُ في رَمَضَانَ وَلا في غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلا يَنَامُ قَلْبِي" (١). وما رواه البخاري ومسلمٌ عن ابن عباس ﵄ قال: "كَانَتْ صَلاةُ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. يَعْنِي بِاللَّيْلِ" (٢). قال شيخ الإِسلام ﵀: " ... فيكون تكثير الركعات أو تقليلها بحسب طول القيام أو قصره". وقال: "الأفضل يختلف باختلاف المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام بعشر ركعات وثلاث بعدها كما كان النبي ﷺ يصلي لنفسه في رمضان وغيره، فهو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملون فالقيام بعشرين هو الأفضل، وهو الذي يعمل به أكثر المسلمين" (٣). وأما اليوم فأكثر المسلمين لا يزيد عن ثلاث عشرة ركعة. وبعض الأئمة يصلي التراويح بسرعة في القيام والنهوض من الركوع والسجود وغير ذلك من واجبات الصلاة وسننها، فعلى الإِمام أن يتقي الله ويراعي حال المأمومين ويقوم بأمانة الإمامة على وجهها الصحيح؛ لأنه مسؤول عما استرعاه الله عليه من المصلين خلفه.

стр. 730

إذا صلى إنسان خلف إمام يصلي التراويح ثلاثًا وعشرين ركعة أو أكثر، هل يجلس ويدعه بعد إكمال ما يرى أنه أفضل أم أن الأفضل أن يكمل معه؟ الجواب: الأفضل الإكمال معه، ودليل ذلك قوله ﷺ : "مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ" (١)، ولقوله ﷺ : "إِنَّما جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" (٢). وهذا يشمل كل فعل فعله الإِمام ما لم يكن منهيًا عنه. الاستراحة بين كل تسليمتين: اتفق الفقهاء على مشروعية الاستراحة بعد كل أربع ركعات، فقد كان السلف -رضوان الله عليهم- يطيلون القيام في التراويح ويجلس الإِمام بعد كل أربع ركعات للاستراحة، ويشغل هذا الانتظار بالقراءة أو التسبيح أو السكوت. التسليم في صلاة التراويح: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من يصلي التراويح يسلم من كل ركعتين؛ لأن التراويح من قيام الليل فتكون مثنى مثنى. فقد روى البخاري ومسلمٌ عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : " ... صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ... " (٣). لكن اختلف الفقهاء فيمن صلاها ولم يسلم من كل ركعتين:

стр. 731

فالحنفية (١) قالوا بجواز أن يصلي التراويح كلها بتسليمة واحدة. وقال المالكية (٢): بل يندب لمن صلى التراويح التسليم من كل ركعتين، ويكره تأخير التسليم بعد كل أربع. وقال الشافعية (٣): لو صلى في التراويح أربعًا بتسليمة واحدة لم يصح، فتبطل إن كان متعمدًا عالمًا، وإلا صارت نفلًا مطلقًا. والراجح: أنه يجب التسليم من كل ركعتين؛ وذلك للحديث المتقدم -أعني: حديث ابن عمر-﵂: " ... صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ... " (٤) - وأيضًا لما رواه مسلم عن عائشة ﵂ قالت: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَإِذَا طَلَعَ الفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَين ... " (٥). القراءة في التراويح: ذهب الحنفية (٦) والحنابلة (٧) إلى أن السنة أن يختم القرآن الكريم في صلاة التراويح ليسمع الناس جميع القرآن في تلك الصلاة. وقال المالكية (٨) والشافعية (٩): يندب للإمام الختم لجميع القرآن في التراويح

стр. 732

في الشهر كله، وقراءة سورة في التراويح جميع الشهر تجزئ وإن كان خلاف الأولى. والأظهر عندنا: أن الأمر في ذلك واسع، فله أن يصلي بما شاء من القرآن مع مراعاة الأركان والواجبات والسنن فيها وأحوال المأموم، وإن كان الأولى أن يختم القرآن فيها ليسمع الناس جميع القرآن، وهو اختيار الشيخ ابن باز. ختم القرآن للمسلم فى رمضان وغيره: يشرع للمسلم أن يختم القرآن شهريًا بحيث يجعل له يوميًا مقدارًا معينًا يقرأه كجزء مثلًا كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو قال: جَمَعْتُ القُرْآنَ فَقَرَأْتُهُ كُلَّهُ في لَيْلَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَطُولَ عَلَيْكَ الزَّمَانُ وَأَنْ تَمَلَّ، فَاقْرَأْهُ فِي شَهْرٍ" فَقُلتُ: دَعْنِي أَسْتَمْتِعْ مِنْ قُوَّتِي وَشَبَابِي، قَالَ: "فَاقْرَأْهُ في عَشْرَةٍ" قُلتُ: دَعْنِي أَسْتَمْتِعْ مِنْ قُوَّتِي وَشَبَابِي، قَالَ: "فَاقْرَأْهُ في سَبْعٍ" قُلتُ: دَعْنِي أَسْتَمْتِعْ مِنْ قُوَّتِى وَشَبَابِي، فَأَبَى (١). فهكذا كان يفعل السلف بحيث يختم كثير منهم القرآن أسبوعيًا أو شهريًا أو أقل من ذلك، والقرآن كلام الله، وهو أفضل أنواع الذكر، ويقرأ بتدبر وفهم كي يستفيد من قراءته أجرًا وعلمًا وزيادةَ إيمانٍ. وفي رمضان ينبغي للمسلم أن يتفرغ لقراءة القرآن كما كان يفعله سلف هذه الأمة؛ فقد كانوا يؤجلون ما عداه من العلوم، ويقولون: رمضان شهر القرآن، ومنهم الإِمام مالك ﵀. وكلما أمكن له أن يختم القرآن فليفعل، كما ورد أن من قرأ حرفًا من القرآن فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها.

стр. 733

وإن قام بتنظيم وقته بحيث يجعل قراءة متأنية للتدبر والتفهم مهما استغرق ذلك من مدة، فحسن، ويجعل قراءة غيرها يكسب بها الإكثار من قراءة القرآن بحيث يدرك الحسنيين من زيادة الحسنات واستفادة العلم بالتدبر للقرآن والخشوع عند قراءته وزيادة تقواه وإيمانه. دعاء ختم القرآن: يشرع الدعاء عند ختم القرآن، فقد ورد أن أنس بن مالك كان يجمع أهله عند ختم القرآن ويدعو. عن ثابت البناني قال: "كَانَ أَنَسٌ إِذَا خَتَمَ القُرْآنَ جَمَعَ وَلَدَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ فَدَعَا لَهُمْ" (١). وعن قتادة قال: "كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ في مَسْجِدِ المَدِينَةِ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ وَضَعَ عَلَيْهِ الرَّصَدَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ خَتْمِهِ قَامَ فَتَحَوَّلَ إِلَيْهِ" (٢). ولكن ينبغي أن يدعو بجوامع الكلم ولا يطيل في الدعاء ويشق على المصلين؛ لأن النبي ﷺ "كَانَ يُعْجِبُهُ الجوَامِعُ مِنْ الدُّعَاءِ" (٣)، ويتجنب السجع في الدعاء لما جاء في حديث ابن عباس ﵄: "فَانْظُرْ السَّجْعَ مِنْ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لا يَفْعَلُونَ إِلا ذَلِكَ" (٤). من أحب أن يتهجد بعد التراويح في آخر الليل: الحنابلة (٥) يرون أنه لا يوتر مع الإِمام؛ لقوله ﷺ : "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاِتكُمْ

стр. 734

بِاللَّيْلِ وِتْرًا" (١)، فإذا قام الإِمام ليوتر ينصرف ولا يوتر معه. وقال بعض الفقهاء: بل يوتر مع الإِمام ولا يتهجد بعده؛ لأن الصحابة لما طلبوا من النبي ﷺ أن ينفلهم بقية ليلتهم قال: "مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ" (٢)، وفي هذا إشارة إلى أن الأولى الاقتصار على الصلاة مع الإمام. والراجح عندنا: أن الأولى في حقه أن يصلي مع الإِمام حتى ينصرف من صلاته ووتره، ثم إن أراد أن يتهجد من الليل فله ذلك. فإن تبع إمامه في الوتر، قال بعض الفقهاء: فله أن يشفعه بركعة، فإذا سلم الإِمام من الوتر قام فأتى بركعة وسلم. والأفضل عندنا أنه يوتر مع إمامه ولا يشفع وتره، وإن أراد أن يتهجد من الليل فله ذلك. التنفل بين التراويح: يكره أن يصلي أثناء جلسة الاستراحة في صلاة التراويح: قال الحنابلة (٣): ويكره التنفل فيها لا التعقيب في جماعة، يعني أن يصلي بعدها وبعد الوتر في جماعة. لكن لو كان هذا التعقيب جاء بعد التراويح وقبل الوتر لكان القول بعدم الكراهة صحيحًا، وهو عمل الناس اليوم في العشر الأواخر من رمضان، حيث يصلي الناس التراويح في أول الليل ثم يرجعون في آخر الليل ويقومون للتهجد.

стр. 735

قراءة الإمام من المصحف في صلاة التراويح أو غيرها: فقد كان لعائشة ﵂ غلام اسمه ذكوان كان يقوم بها في رمضان ويقرأ من المصحف، أما الفريضة فلا يفعل ذلك. ويكره للمأموم المتابعة من المصحف أثناء قراءة الإِمام إلا إذا كانت هناك حاجة، كأن يحتاج إلى من ينبه الإِمام أثناء القراءة؛ وذلك لأن المتابعة من المصحف تشغله عن الخشوع في الصلاة وعن تدبر القراءة. الصلاة مع إمام حسن الصوت: لا حرج على المسلم أن يتتبع أصوات الأئمة إذا كان ذلك أدعى للتدبر والخشوع؛ لقوله ﷺ : " ... احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ... " (١)، لكن الأولى أن يصلي في مسجده وخلف إمامه. تحسين الإمام صوته بقراءة القرآن: لا بأس بأن يحسن الإِمام صوته أثناء قراءة القرآن ويأتي به على صفة توافق القلوب دون غلو، وأن يراعي أحكام القراءة متى أمكن ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٢). قيام الإمام إلى الركعة الثالثة فى صلاة التراويح: إذا قام الإِمام إلى ثالثة في صلاة التراويح ناسيًا ثم تذكَّر أو ذُكِّر أنها ثالثة، فالواجب عليه الرجوع والجلوس، فإن لم يرجع بطلت صلاته؛ لقوله ﷺ :

стр. 736

" ... صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ... " (١). تخفيف صلاة التراويح وإطالتها: فيصلونها بسرعة تمنع المصليِّ من فعل ما يسن، بل قد تمنعه من فعل ما يجب، وبالمقابل هناك من الأئمة من يطيل إطالة تشق على المأمومين، وهذا خطأ من كليهما، فالواجب على الإِمام أن يتقي الله -تعالى- فلا يخفف تخفيفًا يخل بواجب أو مسنون، ولا يطيل إطالة تشق على المأموم. حكم القنوت فى الوتر: القنوت في الوتر مشروع، لكن لا بد أن يراعى فيه: أولًا: عدم السجع المتكلف. ثانيًا: عدم الإطالة المفرطة. ثالثًا: الأولى فيه الاقتصار على ما ورد من جوامع الكلم والتي تغني عن كثير مما سواها.

стр. 737

ليلة القدر فضلها: ليلة القدر أفضل الليالي، والعمل الصالح فيها خير من العمل الصالح في ألف شهر ليس فيه ليلة القدر، قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٢). وفي قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (٣). قال الإِمام القرطبي (٤) في تفسيرها: "أي: تهبط من كل سماء ومن سدرة المنتهى فينزلون إلى الأرض ويُؤَمِّنون على دعاء الناس إلى وقت طلوع الفجر، وتنزّلُ الملائكة والروح في ليلة القدر بالرحمة بأمر الله تعالى وبكل أمر قدره الله وقضاه في تلك السنة إلى القابلة". ومن فضائلها أيضًا ما قاله الله في فضلها حيث قال: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٥). أي: أن ليلة القدر سلامة وخير كلها لا شر فيها إلى طلوع الفجر. قال الضحاك: "لا يُقَّدِر الله في تلك الليلة إلا السلامة، وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا والسلامة".

стр. 738

وقال مجاهد: هي ليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا ولا أذى. إحياء ليلة القدر: اتفق الفقهاء على أنه يندب إحياء ليلة القدر؛ وذلك لقوله ﷺ : "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ... " (١). وأيضًا لما ثبت من فعله حيث إنه ﷺ "إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ" (٢) طالبًا ليلة القدر. وإحياء هذه الليلة يكون بالصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، وغير ذلك من سائر الطاعات، وأن يكثر فيها من قول: " ... اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي" (٣). كما في حديث عائشة ﵂ حين سألت النبي ﷺ عما تقوله في ليلة القدر. اختصاص ليلة القدر بالأمة المحمدية: خصَّ الله تعالى أمتنا الإِسلامية بخصائص عديدة، منها ما خصها الله به في ليلة القدر، فلم تكن في الأمم السابقة، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء (٤). واحتجوا لذلك بما رواه مالك في الموطأ: أنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ

стр. 739

تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لا يَبْلُغُوا مِنْ العَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ في طُولِ العُمْرِ، فَأَعْطَاهُ اللهُ لَيْلَةَ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلفِ شَهْرٍ" (١). أى الليالي تكون ليلة القدر ؟ اختلف الفقهاء في أي الليالي تكون ليلة القدر: فجمهور الفقهاء من المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) أنها في العشر الأواخر من رمضان، لكثرة الأحاديث التي وردت في التماسها في هذه العشر، وهي في الأوتار آكد من غيرها دائرة فيه. وقال الحنفية (٥): ليلة القدر في الشهر قد تكون في أوله أو في وسطه أو آخره. والصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لقوله ﷺ : " ... التَمِسُوهَا في العَشْرِ ألأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ... " (٦). وهل هى فى ليلة معينة أم تتنقل عنها ؟ على قولين عند الفقهاء: فالشافعية (٧) يرون أنها منحصرة في العشر الأواخر من رمضان مبهمة علينا ولكنها في ليلة معينة لا تتنقل عنها ولا تزال من تلك الليلة إلى يوم القيامة.

стр. 740

وقالوا أيضًا: ليالي الوتر أرجاها، وأرجى الوتر عند الشافعية (١) ليلة الحادي والعشرين وفي موضع ثلاثة وعشرين. والراجح: أن ليلة القدر تنتقل؛ فتكون عامًا ليلة إحدى وعشرين، وعامًا ليلة سبع وعشرين، وعامًا ليلة خمس وعشرين، وعامًا ليلة أربع وعشرين، وهكذا في العشر الأواخر من الليالي الأخرى كأربعة وعشرين وغيرها. فهي لا تتعين في هذه العشر لكن أرجى لياليها ليلة سبع وعشرين. والسبب في اختيار هذا القول هو الجمع بين الأحاديث التي وردت في تحديدها في ليالٍ مختلفة من شهر رمضان عامة ومن العشر الأواخر خاصة، فلا طريق للجمع بين تلك الأحاديث إلا بالقول بأنها متنقلة. هل يشترط العلم بليلة القدر لنيل فضل ليلة القدر ؟ المالكية (٢) والشافعية (٣) يشترطون العلم بليلة القدر لنيل فضلها، فلا ينال فضل هذه الليلة إلا من أطلعه الله عليها، فلو قام إنسان ولم يشعر بها لم ينل فضلها. وقال آخرون (٤): لا يشترط لنيل فضلها العلم بها، بل يستحب التعبد لله -تعالى- في هذه العشر؛ حتى يحوز الفضيلة، فإن وافقها نال فضلها، وإن لم يعلم أنها ليلة القدر. وهذا هو الصحيح المفهوم من الأحاديث، والله أعلم.
следующие страницы →