" ... صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ... " (١).
تخفيف صلاة التراويح وإطالتها:
فيصلونها بسرعة تمنع المصليِّ من فعل ما يسن، بل قد تمنعه من فعل ما يجب، وبالمقابل هناك من الأئمة من يطيل إطالة تشق على المأمومين، وهذا خطأ من كليهما، فالواجب على الإِمام أن يتقي الله -تعالى- فلا يخفف تخفيفًا يخل بواجب أو مسنون، ولا يطيل إطالة تشق على المأموم.
حكم القنوت فى الوتر:
القنوت في الوتر مشروع، لكن لا بد أن يراعى فيه:
أولًا: عدم السجع المتكلف.
ثانيًا: عدم الإطالة المفرطة.
ثالثًا: الأولى فيه الاقتصار على ما ورد من جوامع الكلم والتي تغني عن كثير مما سواها.
стр. 737
ليلة القدر
فضلها:
ليلة القدر أفضل الليالي، والعمل الصالح فيها خير من العمل الصالح في ألف شهر ليس فيه ليلة القدر، قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (٣).
قال الإِمام القرطبي (٤) في تفسيرها: "أي: تهبط من كل سماء ومن سدرة المنتهى فينزلون إلى الأرض ويُؤَمِّنون على دعاء الناس إلى وقت طلوع الفجر، وتنزّلُ الملائكة والروح في ليلة القدر بالرحمة بأمر الله تعالى وبكل أمر قدره الله وقضاه في تلك السنة إلى القابلة".
ومن فضائلها أيضًا ما قاله الله في فضلها حيث قال: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٥).
أي: أن ليلة القدر سلامة وخير كلها لا شر فيها إلى طلوع الفجر.
قال الضحاك: "لا يُقَّدِر الله في تلك الليلة إلا السلامة، وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا والسلامة".
стр. 738
وقال مجاهد: هي ليلة سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا ولا أذى.
إحياء ليلة القدر:
اتفق الفقهاء على أنه يندب إحياء ليلة القدر؛ وذلك لقوله ﷺ : "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ... " (١).
وأيضًا لما ثبت من فعله حيث إنه ﷺ "إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ" (٢) طالبًا ليلة القدر.
وإحياء هذه الليلة يكون بالصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، وغير ذلك من سائر الطاعات، وأن يكثر فيها من قول: " ... اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي" (٣). كما في حديث عائشة ﵂ حين سألت النبي ﷺ عما تقوله
في ليلة القدر.
اختصاص ليلة القدر بالأمة المحمدية:
خصَّ الله تعالى أمتنا الإِسلامية بخصائص عديدة، منها ما خصها الله به في ليلة القدر، فلم تكن في الأمم السابقة، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء (٤).
واحتجوا لذلك بما رواه مالك في الموطأ: أنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: "إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ
стр. 739
تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لا يَبْلُغُوا مِنْ العَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ في طُولِ العُمْرِ، فَأَعْطَاهُ اللهُ لَيْلَةَ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلفِ شَهْرٍ" (١).
أى الليالي تكون ليلة القدر ؟
اختلف الفقهاء في أي الليالي تكون ليلة القدر:
فجمهور الفقهاء من المالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) أنها في العشر الأواخر من رمضان، لكثرة الأحاديث التي وردت في التماسها في هذه العشر، وهي في الأوتار آكد من غيرها دائرة فيه.
وقال الحنفية (٥): ليلة القدر في الشهر قد تكون في أوله أو في وسطه أو آخره.
والصواب ما ذهب إليه الجمهور؛ لقوله ﷺ : " ... التَمِسُوهَا في العَشْرِ ألأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ... " (٦).
وهل هى فى ليلة معينة أم تتنقل عنها ؟
على قولين عند الفقهاء: فالشافعية (٧) يرون أنها منحصرة في العشر الأواخر من رمضان مبهمة علينا ولكنها في ليلة معينة لا تتنقل عنها ولا تزال من تلك الليلة إلى يوم القيامة.
стр. 740
وقالوا أيضًا: ليالي الوتر أرجاها، وأرجى الوتر عند الشافعية (١) ليلة الحادي والعشرين وفي موضع ثلاثة وعشرين.
والراجح: أن ليلة القدر تنتقل؛ فتكون عامًا ليلة إحدى وعشرين، وعامًا ليلة سبع وعشرين، وعامًا ليلة خمس وعشرين، وعامًا ليلة أربع وعشرين، وهكذا في العشر الأواخر من الليالي الأخرى كأربعة وعشرين وغيرها.
فهي لا تتعين في هذه العشر لكن أرجى لياليها ليلة سبع وعشرين.
والسبب في اختيار هذا القول هو الجمع بين الأحاديث التي وردت في تحديدها في ليالٍ مختلفة من شهر رمضان عامة ومن العشر الأواخر خاصة، فلا طريق للجمع بين تلك الأحاديث إلا بالقول بأنها متنقلة.
هل يشترط العلم بليلة القدر لنيل فضل ليلة القدر ؟
المالكية (٢) والشافعية (٣) يشترطون العلم بليلة القدر لنيل فضلها، فلا ينال فضل هذه الليلة إلا من أطلعه الله عليها، فلو قام إنسان ولم يشعر بها لم ينل فضلها.
وقال آخرون (٤): لا يشترط لنيل فضلها العلم بها، بل يستحب التعبد لله -تعالى- في هذه العشر؛ حتى يحوز الفضيلة، فإن وافقها نال فضلها، وإن لم يعلم أنها ليلة القدر.
وهذا هو الصحيح المفهوم من الأحاديث، والله أعلم.
стр. 741
علامات ليلة القدر:
ذكر العلماء لليلة القدر علامات تظهر فيها، ومن ذلك:
* أن السماء تكون صافية كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة ساجية لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى تصبح.
* ومن أمارتها أن الشمس تخرج في صبيحتها مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر.
روى مسلم عن أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ... أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لا شُعَاعَ لهَا" (١).
стр. 742
الاعتكاف
تعريفه:
الاعتكاف فى اللغة (١): افتعال من العكوف، افتعل أي دخل في العكوف، مأخوذ من عكف على شيء أي لزمه وداوم عليه. ومنه قول إبراهيم ﵇: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (٢)، أي لها ملازمون، وقول الله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ (٣)، أي يلازمونها ويداومون عليها.
أما تعريف الاعتكاف في الاصطلاح: فهو لزوم مسجد لطاعة الله بنية.
فقولنا: لزوم مسجد، خرج منه الدار، والمصليات، ونحو ذلك.
فلا بد للاعتكاف أن يكون في المسجد، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٤)، ولأن النبي ﷺ لم يعتكف إلا في المسجد.
هل الاعتكاف فى المسجد عام في حق الرجال والنساء ؟
على قولين عند الفقهاء: فالجمهور (٥) يقولون بأن المرأة كالرجل لا يصح اعتكافها إلا في المسجد فلا يصح اعتكافها في مسجد بيتها.
وقال الحنفية (٦): يجوز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها؛ لأنه هو موضع صلاتها.
والأولى: ما ذهب إليه الجمهور، لكن لا يكون ذلك إلا بشرطين:
стр. 743
الأول: أمن الفتنة.
الثاني: إذن الزوج أو ولي أمرها.
أركان الاعتكاف:
للاعتكاف أربعة أركان: (المعتكفِ، النية، المعتكَف فيه، اللبث في المسجد). فهذه أركان أربعة عند جمهور الفقهاء.
وقال الحنفية (١): للاعتكاف ركن واحد وهو اللبث في المسجد وذلك في حق الرجل، وما عداه شروط لا أركان.
وقال المالكية (٢): أركان الاعتكاف خمسة: هذه الأربع، والخامس الصوم.
تفصيل هذه الأركان:
الركن الأول: المعْتَكِفُ:
والمراد به الرجل والمرأة والصبي المميز. لكن يشترط لصحة اعتكاف هؤلاء شروط:
١ - الإِسلام: فلا يصح الاعتكاف من كافر.
٢ - العقل: فلا يصح من المجنون والسكران والمغمى عليه؛ لأنه لا نية لهم.
٣ - التمييز: فلا يصح من غير المميز.
٤ - النقاء من الحيض والنفاس للمرأة: فلا يصح من الحائض والنفساء لأنهما ممنوعتان من المسجد، ولا يصح الاعتكاف إلا في المسجد كما ذكرنا.
стр. 744
٥ - الطهارة من الحدث الأكبر: لأن الجنب ممنوع من اللبث في المسجد.
الركن الثاني: النية:
لا يصح اعتكاف بدون نية سواء كان الاعتكاف مسنونًا أم واجبًا، كما يجب التمييز بين نية الفرض ونية النفل لتمييز الفرض عن السنة، دليل ذلك قوله ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (١).
الركن الثالث: مكان الاعتكاف:
ذكرنا آنفًا أنه لا يصح الاعتكاف إلا في المسجد، واتفق الفقهاء على أن الاعتكاف في المسجد الحرام أفضل، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى.
واتفق الفقهاء أيضًا على أن المسجد الجامع الاعتكاف فيه أولى من غيره بعد المساجد الثلاثة؛ وذلك لئلا يحتاج إلى الخروج وقت صلاة الجمعة.
ولا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تصلى فيه الجماعة.
الركن الرابع: اللبث في المسجد:
اتفق الفقهاء على أن اللبث في المسجد ركن، لكن اختلفوا في مقدار اللبث الذي يحصل به الاعتكاف:
فقال الحنفية (٢): أقل اللبث ساعة.
أما المالكية (٣) فقد اختلفت الأقوال عندهم: فبعضهم قال أقله يوم وليلة، وقال آخرون: أقله يوم.
стр. 745
وقال الشافعية (١): لا يقدر اللبث بزمان، بل أقله ما يسمى به عكوفًا وإقامة.
قال الشيخ ابن باز (٢) ﵀: لم يرد في مدة الاعتكاف -فيما نعلم- ما يدل على التحديد لا بيوم ولا يومين، ولا بما هو أكثر من ذلك.
والأولى أن لا تقل مدة الاعتكاف عن يوم.
هل يشترط للاعتكاف صوم ؟
اختلف الفقهاء في اشتراط الصوم للاعتكاف:
فقال المالكية (٣): هو ركن للاعتكاف كالنية.
واحتجوا بما جاء عن عائشة ﵂ قالت: "السُّنَّةُ عَلَى المُعْتكِفِ أَنْ لا يَعُودَ مَرِيضًا وَلا يَشْهَدَ جَنَازَةً وَلا يَمَسَّ امْرَأَةً وَلا يُبَاشِرَهَا وَلا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إِلا لِمَا لا بُدَّ مِنْهُ، وَلا اعْتِكَافَ إِلا بِصَوْمٍ ... " (٤).
وقال الشافعية (٥) والحنابلة (٦): لا يشترط للاعتكاف الصوم مطلقًا, بل ليس بركن فيه، لكن كونه بصيام أفضل.
واحتج هؤلاء بحديث عائشة ﵂: " ... اعْتكَفَ فِي العَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ" (٧)، وهذا يتناول اعتكاف يوم العيد.
стр. 746
وأيضًا احتجوا بما جاء عن ابن عمر ﵄: أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ؟ قَالَ: "فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ" (١).
قال سماحة الشيخ ابن باز (٢) ﵀: "ولا يشترط أن يكون معه صوم على الصحيح".
وقال الشيخ محمَّد بن صالح العثيمين (٣) القول الثاني: "أنه لا يشترط له الصوم، وهذا القول هو الصحيح".
قلنا: وهذا هو الراجح، فلا يشترط للاعتكاف صوم، لكن الأولى والأفضل أن يتخلل الاعتكاف الصوم.
التتابع في زمن الاعتكاف:
نقول: إذا نذر زمنًا معينًا لزمه التتابع؛ لضرورة تعيين الوقت.
فإذا قال: "لله عليَّ نذرٌ أن أعتكف الأسبوع القادم" لزمه التتابع.
أو قال: "لله عليَّ نذر أن أعتكف الشهر القادم" لزمه التتابع.
أما إذا قال: "لله عليَّ أن أعتكف عشرة أيام أو أسبوعًا أو شهرًا" ولم يعين الأسبوع ولا الشهر فله أن يتابع وهو أفضل، وله أن يفرق؛ لأنه يحصل النذر بمطلق الصوم إن كان صائمًا أو بمطلق الاعتكاف إن كان معتكفًا. أما إذا نوى التتابع لزمه؛ لقوله ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (٤).
стр. 747
مفسدات الاعتكاف:
يفسد الاعتكاف بما يلي:
١ - الجماع:
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١).
هل يفسد الاعتكاف بدواعي الجماع كاللمس والتقبيل؟ للفقهاء أقوال في ذلك:
القول الأول وهو قول الحنفية (٢) والحنابلة (٣): أن اللمس والتقبيل ونحوه يُفْسِدُ الاعتكافَ إذا أنزل، فإن لم ينزل لم يفسد الاعتكاف.
القول الثاني: أنه يبطل مطلقًا بدواعي الجماع، أي: سواء أنزل أم لم ينزل. وهذا أحد الأقوال عند الشافعية (٤).
القول الثالث قول المالكية (٥): إذا قصد بذلك اللذة بطل اعتكافه، والصواب ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة.
٢ - الخروج من المسجد:
الخروج من المسجد بغير حاجة مفسد للاعتكاف، أما إذا كان الخروج لحاجة فلا يبطل الاعتكاف. والحاجة: هو ما لا بد له منه كغائط وبول، فإنه لا بد منه، ولا يمكن فعله في المسجد.
стр. 748
الخروج للأكل والشرب:
الجمهور على أن الخروج للأكل والشرب مفسد للاعتكاف إذا كان هناك من يأتيه به؛ لعدم الضرورة إلى الخروج، أما إذا لم يجد من يأتيه به فله الخروج؛ لأنه خروج لما لا بد له منه.
الخروج لصلاة الجمعة:
من اعتكف في مسجد لا تقام فيه الجمعة وجب عليه الخروج لها؛ لأنها فرض ولا يفسد اعتكافه بالخروج؛ لأنه خروج لما لا بد له منه.
الخروج لعيادة المرضى والجنائز:
لا يجوز الخروج لعيادة المرضى، ولا لصلاة الجنائز ولا لتشييعها؛ لعدم الضرورة للخروج، إلا إذا اشترط الخروج، فهنا يجوز. لكن الأولى أن يحافظ على اعتكافه ولا يشترط الخروج لذلك.
الخروج في حالة النسيان:
ذهب الحنفية (١) والمالكية (٢) إلى أن الخروج من المسجد عمدًا أو سهوًا يبطل الاعتكاف، وعللوا ذلك بأن حالة الاعتكاف داعية للتذكر، ووقوع ذلك نادر وإنما تعتبر بقدر فيما يمكن وقوعه.
وقال الشافعية (٣) والحنابلة (٤): لا يبطل الاعتكاف بالخروج نسيانًا: لقوله
стр. 749
- ﷺ : "إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (١).
وهذا هو الصواب؛ للحديث.
الخروج من المسجد لأداء الشهادة:
من احتيج له لأداء الشهادة لزمه الخروج؛ لأن أداء الشهادة واجب، فمتى تعينت عليه وجب الخروج لها، ويأثم بعدم الخروج، ولا يبطل اعتكافه بذلك. وهذا مذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣).
وقال الحنفية (٤) والمالكية (٥): الخروج للشهادة مفسد للاعتكاف.
والراجح: هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة.
٣ - الحيض والنفاس:
من مفسدات الاعتكاف أيضًا الحيض والنفاس، فمتى حاضت المرأة أو نفست وهي في المسجد لزمها الخروج منه؛ إذ يحرم عليها المكث فيه، أما المستحاضة فإن أمنت تلويث المسجد لم تخرج من اعتكافها.
ما يباح ويستحب للمعتكف وما يكره:
يباح للمعتكف الأكل والشرب في المسجد مع مراعاة الحرص على نظافة المسجد والحذر من أسباب توسيخه من فضول الطعام أو غيرها، ويستحب
стр. 750
للمعتكف الانشغال بالقُرَبِ كقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والصلاة في غير وقت النهي، واجتناب ما لا يعنيه، أي: ما لا يهمه من الأقوال والأفعال، وينبغي للمعتكف إذا تكلم ألا يتكلم إلا بخير -وهو ما لا إثم فيه- ويكره عند المالكية (١) والحنابلة (٢) للمعتكف الاشتغال بتدريس العلم ومناظرة الفقهاء ونحو ذلك من غير العبادات.
والراجح: عدم كراهية ذلك، إلا إذا كان فيه مباهاة أو عدم حاجة، فإن احتيج لذلك لم يكره كتعليم جاهل، والجدال بالتي هي أحسن إذا كان في الجدال نفع وإحقاق للحق.
ويكره للمعتكف البيع والشراء إذا كان الغرض منه التجارة، أما إذا كان مما لا بد منه كإطعامِ أولادٍ ونفقةٍ على عياله فلا بأس به.
стр. 751
الفِقهُ الميَسَّر
قِسْمِ العِبَادَات
الحجّ والعمرة والزّيارة
مَوسُوعة فقهيَّة حَديثَة تتناوَل أحكام الفقه الإسلامي بأسُلوب وَاضح للمختصّين وغيرهم
تَأليف
د/محمَّد بن إبراهيم الموسَى
عضو مجلس الشورى سابقًا - والمجلس الأعلى للأوقاف
أ. د/عبد الله بن محمّد المطلق
عضو هَيئة كبار العُلَماء، وعضو اللجنة الدَّائمة للإفتاء
أ. د/عَبد الله بن محمد الطيّار
أستَاذ الدراسات العليا بكليَّة الشَّريعة والدِّراسات الإسلامية بجامعة القصيم
الجزء الرابع
مدار الوطن للنشر
حقُوق الطَّبع محفُوظَة
الطَّبعَة الثانيَة
١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
مَدَارُ الوَطن للنَّشر
المملكة العربية السعودية - المقر الرئيسي: الرياض - الملز
ص. ب: ٢٤٥٧٦٠ - الرمز البريدي ١١٣١٢ - هاتف ٤٧٩٢٠٤٢ (٥ خطوط) - فاكس ٤٧٢٣٩٤١
البريد الإلكتروني: pop@madaralwatan.com
موقعنا على الإنترنت: www.madaralwatan.com
الرياض: ٠٥٠٣٢٦٩٣١٦
الغربية: ٠٥٠٤١٤٣١٩٨
الشرقية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٨
الشمالية والقصيم: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٨
التوزيع الخيري للشرقية والجنوبية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩
التوزيع الخيري لباقي جهات المملكة: ٠٥٠٦٤٣٦٨٠٤
التسويق للجهات الحكومية: ٠٥٠٠٩٩٦٩٨٧
مبيعات المكتبات الخارجية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٩
стр. 755
المقدمة
الحمد لله الذي شرع لعباده ما فيه سعادتهم دنيا وأخرى عبادات ومعاملات وسلوكًا ومنهاج حياة وجعل الحج إلى بيته الحرام ركنا من أركان الإِسلام ومبانيه العظام قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، والصلاة والسلام على رسوله محمَّد بن عبد الله الذي أرسله رحمة للعالمين وحج إلى بيت الله الحرام مبينًا للمسلمين نسكهم قولًا وفعلًا تنفيذًا لأمر الله، وقال: ﷺ "لتأخذوا عني مناسككم".
إن الإِسلام بشرعه للحج والعمرة والزيارة يبين للناس ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] وفي الحج من الفوائد والأسرار والحكم ما لا يحصى، ولو عمل المسلمون وفقًا لتوجيهات دينهم لأصبحوا سادة العالم علمًا وعملًا وسياسة واقتصادًا واجتماعًا وقوةً في كافة المجالات، والأمة الإِسلامية بما شرع الله لها مؤهلة لعمارة الأرض وسيادة البشرية متى هي تمسكت بتعاليم دينها وحققت ما أراد الله لها.
وسيأتي اليوم الذي يتحقق فيه ذلك بحول الله فنرجو أن يكون قريبًا.
أيها القارئ الكريم: ها نحن نقدم إليك قسمًا هامًا من أقسام الفقه الميسر والذي صدر منه حتى الآن ثلاثة مجلدات ويتناول هذا القسم: الحج والعمرة والزيارة -باب الأضحية- باب العقيقة وذلك لارتباطهما بشعيرة الهدي المشروعة في الحج. وقد سرنا في تأليفه على منهج الأقسام التي صدرت قبله. فنذكر الأقوال الفقهية في المذاهب الأربعة وغيرها ما أمكن وقد نرى ترجيح شيء من ذلك إما لما فيه من جمع بين الأدلة أو لقوة أدلة الفريق الفريق الذي نرجح قولهم أو لأن المصلحة أو
стр. 756
الضرورة تقتضي ذلك لا سيما في العصر الحاضر وكثرة أعداد الحجاج وتزاحمهم تحقيقًا لما فيه المصلحة وتيسيرًا على الناس وإبعادًا لهم عما يضرهم، وحفظ ما ورد في الشريعة المطهرة الأمر بحفظه وهي الضروريات الخمس: (حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال).
وقد يرى غيرنا رجحان خلاف ما رأيناه لسبب أو لآخر، ولا تثريب في ذلك على الكل لأن الفقهاء ﵏ -وهم قدوتنا- اجتهدوا واتفقوا أحيانًا واختلفوا أحيانًا كثيرة ولم يؤثر ذلك في احترام بعضهم لبعض ولا قبول ما رآه غيرهم وذلك بحثًا عن الحق.
نرجو أن يكون في إصدار هذا القسم الفائدة المتوخاة لطلبة العلم وغيرهم وأن يوفقنا الله جميعًا لما فيه الخير ويسدد خطانا ويجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم. والله أعلم.
стр. 757
الفِقهُ الميَسَّر
كتاب الحج والعمرة والزيارة
стр. 758
كتاب الحج والعمرة
تعريف الحج:
في اللغة: الحج بفتح الحاء ويجوز كسرها وهو القصد. حج إلينا فلان أي قدم وحَجَّه يحجُّه حجًّا قصده وقال جماعة من أهل اللغة: الحج القصد لمعظّم قال سيبويه: حجَّه يحجُّه حِجًا كما قالوا: ذكره ذكرًا. والحجيج: جماعة الحاج. قال الأزهري: الحَجُّ قضاء نسك سنة واحدة، وبعض يكسر الحاء فيقول: الحِجُّ والحِجَّة. وقرئ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [النساء: ٩٧] والفتح أكثر. وقال الزجاج يقرأ بفتح الحاء وكسرها والفتح الأصل.
الحج في الاصطلاح: قصد مكة تعبدًا لله في زمن مخصوص لعمل مخصوص. (١)
والعمرة في اللغة: بضم العين وسكون الميم الزيارة. وقد اعتمر إذا أدى العمرة، وأعمره: أعانه على أدائها (٢).
العمرة في الاصطلاح: قصد مكة تعبدًا لله بإحرام للطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة (٣).
حكمة مشروعية الحج:
شرع الحج لحكم وأسرار كثيرة منها:
١ - إظهار التذلل لله تعالى ويتضح ذلك في جميع مشاعر الحج من طواف وسعي ووقوف بعرفة ومزدلفة ومنى.
стр. 759
٢ - أن فيه أداء شكر نعمة الصحة والمال وهما من أعظم نعم الله على الإنسان في الدنيا وفيه تدريب النفس على الوصول إلى أعلى درجات الإيمان والصبر.
٣ - أن الحج يتمم ما شرعه الله من مواسم ومواقيت لاجتماع المسلمين في صلاة الجماعة والجمعة والعيد وذلك رغبة في اجتماع المسلمين شكلًا ومعنى على الإِسلام كي يحققوا ما أراد الله لهم.
٤ - يجتمع المسلمون من كافة أقطار الأرض ليستفيدوا من منافع الحج سواءً أكانت علمية أم اقتصادية أم اجتماعية أم غيرها مما يعود بالعزة والقوة لأمة الإِسلام إذا أحسن استغلال الحج كأعظم مؤتمر إسلامي عام يتكرر كل عام (١).
أهداف الحج:
شرع الله الحج لأهداف سامية وأغراض هامة لمصلحة الفرد والمجتمع والأمة ومن تلك الأهداف:
١ - الحج امتثال لأوامر الله وفيه الطاعة الخالصة لله رب العالمين وتحقيق التقوى.
٢ - في رحلة الحج من البداية إلى النهاية تذكير بالرحلة إلى الآخرة وقيام الناس إلى المحشر.
٣ - التأسي بإبراهيم ﵇ حين أذن في الناس بالحج وأدى المشاعر التي أمره الله بالقيام بها.
٤ - في الحج تتجلى المساواة التي ينادي بها الإِسلام في أبها صورها، ففي تلك المشاعر يقف الغني والفقير والرئيس والمرؤوس موقفًا واحدًا لا يفضل
стр. 760
بعضهم بعضًا في أغراض الدنيا.
٥ - في الحج منافع كثيرة وفوائد جليلة للفرد والمجتمع والأمة لو أحسن المسلمون الاستفادة منه قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨].
حكم الحج:
أمر الله تعالى نبيه إبراهيم ﵇ أن ينادي في الناس بالحج قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]. وقد فرض الله الحج في الإِسلام سنة تسع من الهجرة لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾
[آل عمران: ٩٧].
وقيل فرض الحج سنة ست وقيل سنة سبع وقيل سنة ثمان.
وأمّر النبي ﷺ أبا بكر في الحج بالناس وأن يعلن ألا يحج البيت مشرك بعد هذا العام. ثم حج النبي ﷺ في السنة العاشرة وسميت حجة الوداع لأنه لم يحج غيرها وقد ودع أصحابه فيها.
فالحج هو الركن الخامس من أركان الإِسلام وهو فرض على كل مكلف مستطيع مرة في العمر.
الأصل في مشروعية الحج:
الأصل في فرضية الحج الكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آلعمران: ٩٧] ففي صدر الآية إلزام بالحج ثم أكد الأمر بأن مقابل من لم يؤد ذلك الكفر وليس من شأن المسلم ترك الحج لما يؤدي إليه ترك الحج من مآل يجب على المسلم الابتعاد عنه.
стр. 761
وأما السنة: فمنها حديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "بني الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج" (١).
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله فقال: "أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا ... " الحديث (٢).
وقد وردت في ذلك الأحاديث الكثيرة التي تبلغ التواتر وهي تؤكد على فرضية الحج ووجوبه وأنه ركن من أركان الإِسلام ومبانيه العظام على المسلم أن يؤديه.
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على وجوب الحج مرة في العمر على المسلم المستطيع، قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن على المرء في عمره حجة واحدة، حجة الإِسلام" (٣)، وقال ابن عبد البر: "إن الإجماع في الرجل يكون معه الزاد والراحلة وفيه الاستطاعة ولم يمنعه فساد طريق ولا غيره، أن الحج عليه واجب" (٤).
جاء في البدائع: "فأما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على فرضيته ... " (٥).
وجاء في المغني: "وأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة ... " (٦).
وأما المعقول: فإن العبادات وجبت لحق العبودية أو لحق شكر المنعم. وفي الحج إظهار العبودية وشكر المنعم جميعًا.
стр. 762
ففي الحج إظهار التذلل للمعبود في جميع المشاعر والتخلي عن التزين والصبر على المشقة والجهد.
وفي الحج شكر النعمة فالحج عبادة لا تقوم إلا بالبدن والمال ولهذا لا يجب إلا عند وجود المال وصحة البدن فكان فيه شكر النعمتين (١).
حكم العمرة:
أجمع العلماء على أن العمرة مشروعة ولكن اختلفوا في حكمها وجوبا أو سنية على قولين:
١ - أن العمرة واجبة مرة في العمر كالحج وهو قول عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وهو الأصل عند الشافعية ورواية عن أحمد.
٢ - أن العمرة سنة وليست واجبة وهو قول ابن مسعود ومذهب الحنفية والمالكية ورواية في مذهب أحمد واختارها شيخ الإِسلام ابن تيمية.
الأدلة:
استدل كل منهم بالأدلة الآتية:
١ - استدل القائلون بالوجوب بما يأتي:
أ- قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي ائتوا بهما تامين ومقتضى الأمر الوجوب وعطفها على الحج يؤكد ذلك لان الأصل التساوي بين المعطوف والمعطوف عليه.
ب- حديث عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟
стр. 763
قال: "نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" (١).
جـ - ما رواه أبو رزين العقيلي؛ أنه أتى النبي ﷺ فقال: إن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج ولا العمرة فقال: "حج عن أبيك واعتمر". قال الإِمام أحمد: "لا أعلم في باب العمرة حديثا أجود من هذا ولا أصح منه" (٢).
٢ - واستدل القائلون بالسنية فقط بما يأتي:
أ- روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: "لا، وأن تعتمروا فهو أفضل" (٣).
ب- أن المذكور في الآية هو الحج دون العمرة قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقد اقتصر جل وعلا على الواجب دون سواه.
جـ - أن الأصل عدم وجوبها لأن الأصل براءة الذمة من التكاليف ولا ينتقل عن الأصل إلا بدليل ناقل ولا دليل في العمرة يصلح لذلك (٤).
أركان الحج:
يتفق الفقهاء على أن أركان الحج:
١ - الطواف.
٢ - الوقوف بعرفة.
стр. 764
ويزيد المالكية والحنابلة ركنين آخرين:
٣ - الإحرام.
٤ - السعي بين الصفا والمروة.
ويزيد الشافعية على ذلك ركنين آخرين:
٥ - الحلق أو التقصير.
٦ - الترتيب بين هذه الأركان على الصحيح عندهم.
أركان العمرة:
يتفق الفقهاء على أن الطواف ركن للعمرة ويختلفون في غيره:
١ - ذهب المالكية والحنابلة إلى أن الإحرام والسعي أركان للعمرة كذلك فتكون الأركان عندهم ثلاثة.
٢ - وذهب الشافعية إلى أن الحلق أو التقصير والترتيب بين الأركان ركنان من أركان العمرة علاوة على ما ذكره الجمهور فتكون الأركان عندهم خمسة (١).
هل وجوب الحج على الفور أم على التراخي ؟
اختلف الفقهاء في وجوب الحج هل هو على الفور أو على التراخي:
١ - فذهب الشافعية إلى أن الحج يجب وجوبًا موسعًا على التراخي ويجوز تأديته في أي وقت من العمر ولا يأثم من وجب عليه بتأخيره متى أداه قبل الوفاة (٢).
стр. 765
٢ - وذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن الحج يجب على الفور لمن تحققت فيه شروط وجوبه فإن أخره وهو مستطيع فإنه يأثم لذلك إن مات دون أداء الحج وإن أداه ارتفع عنه الإثم (١).
الأدلة:
١ - استدل الشافعية:
أ- بأن الأمر في الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] مطلق فيصح أداؤه في أي وقت.
ب- أن النبي ﷺ فتح مكة عام ثمان من الهجرة ولم يحج إلا في السنة العاشرة ولو كان واجبًا على الفور لم يتخلف رسول الله ﷺ عن ما فرض عليه (٢).
٢ - واستدل الجمهور:
أ- قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ والأمر فيهما على الفور (٣).
ب- حديث: "من أراد الحج فليتعجل" (٤).
جـ - أن الحج أحد أركان الإِسلام فكان واجبًا على الفور كالصيام ولو أخر الحج عن السنة الأولى فقد يمتد به العمر وقد يموت فيفوت الفرض (٥).
стр. 766
الراجح: يظهر من تتبع الأدلة أن الحج يجب على الفور إذا تحققت شروطه ولم يكن هناك مانع يحول بين المسلم وأدائه.
شروط وجوب الحج:
يجب الحج بشروط خمسة:
١ - الإِسلام: وهو شرط للوجوب والصحة فلا يجب الحج على كافر ولا يصح منه لأنه ليس من أهل العبادة.
٢ - العقل: وهو شرط للوجوب والصحة، فالعقل شرط التكليف وإذا فقد العقل بالجنون فإنه لا تكليف. جاء في شرط العقل والبلوغ ما روى علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على أمره حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم" (١).
٣ - البلوغ: وذلك إما بالسن وهو إتمام ثمانية عشر عاما عند الحنفية والمالكية وعند الشافعية والحنابلة يكون بإتمام خمسة عشر عاما لحديث ابن عمر ﵄ قال: "عرضت على النبي ﷺ يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني" (٢) أو بعلامات على تفصيل في ذلك عند الفقهاء.
والصبي الذي لم يبلغ ليس مكلفا، والبلوغ شرط للوجوب والإجزاء فلو حج الصبي صح حجه ولكنه لا يجزئه عن حجة الإِسلام باتفاق أهل العلم.
٤ - الحرية: فالرقيق المملوك لا يجب عليه الحج وهو معذور بترك الحج وهذا الشرط للوجوب والإجزاء فلو حج الرقيق بإذن سيده صح حجه ولكن لا يجزئه عن حجة الإِسلام.
стр. 767
٥ - الاستطاعة: وهي القدرة على الحج بالمال والبدن ويضيف بعض الفقهاء أمن الطريق وإمكان السير إلى مكة.
والمرأة كالرجل في ذلك ولكن اختلف الفقهاء هل من شرط الاستطاعة بالنسبة للمرأة وجود المحرم (١):
١ - فذهب الحنفية والحنابلة وغيرهم إلى أن وجود المحرم شرط في وجوب الحج عليها فليست مستطيعة إن لم تجد محرمًا.
٢ - وذهب المالكية والشافعية إلى أن وجود المحرم ليس شرطًا في وجوب الحج بل تحج المرأة مع الرفقة المأمونة (٢).
الأدلة:
١ - استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
أ- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا ومعها ذو محرم" (٣).
ب- حديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم. ولا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم"، فقام رجل فقال: يا رسول الله إني اكتتبت في غزوة كذا وانطلقت امرأتي حاجة. فقال النبي ﷺ : "انطلق فاحجج مع امرأتك" (٤).
стр. 768
٢ - واستدل أصحاب القول الثاني بما يأتي:
أ- حديث عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك أن تخرج الضعينة من الحيرة تؤم البيت لا جوار معها لا تخاف إلا الله" (١).
ولأن السفر إلى الحج واجب حيث لا يتحقق الحج إلا به فلم يشترط له المحرم.
الراجح: بدراسة أقوال الفقهاء في ذلك يتبين أن حج المرأة إذا حجت بدون محرم صحيح ولكن مع الإثم عند من اشترط المحرم.
ويتبين كذلك أن اشتراط المحرم فيه تخفيف على المرأة فإن لم تجد محرما فلا يجب عليها الحج حيث لم تكن مستطيعة. كما أن الأحاديث الدالة على وجوب المحرم على المرأة صريحة في ذلك.
أنواع مناسك الحج:
للحج أنواع وردت كلها في الشرع والحاج مخير في فعل أي منها وهي:
١ - الإفراد: وهو أن يهل ويحرم بالحج وحده.
٢ - القران: وهو أن يجمع في إحرامه بين العمرة والحج.
٣ - التمتع: وهو أن يحرم بالعمرة فقط في أشهر الحج فإذا فرغ منها تمتَّع فيما كان محرَّمًا عليه في حال إحرامه ثم يحرم بالحج في عامه (٢).
وقد جاءت شرعية تلك الأنواع بالكتاب والسنة والإجماع:
стр. 769
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وأما السنة: فمنها حديث عائشة ﵂ قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بحج" (١).
وأما الإجماع: فقد ذكر الإجماع على مشروعية تلك الأنواع كثير من العلماء منهم ابن المنذر (٢)، وابن عبد البر (٣).
وجاء في المغني (٤): "وأجمع أهل العلم على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء".
وقال النووي (٥): "وقد انعقد الإجماع على جواز الإفراد والتمتع والقران".
وقال ابن هبيرة (٦): "واجمعوا على أنه يصح الحج بكل نسك من أنساك ثلاثة: التمتع والإفراد والقران".
أفضل أنواع المناسك: (الإفراد- القران- التمتع) .
يرى بعض فقهاء المذاهب اختيار نوع من المناسك ويرى غيرهم تفضيل غيره بناء على اختلاف الروايات في حج النبي ﷺ ونبين ذلك فيما يأتي:
١ - فذهب المالكية وهو ظاهر مذهب الشافعي وهو المروي عن عمر وعثمان
стр. 770
وابن عمر وجابر وعائشة ﵃ إلى أن الإفراد أفضل أنواع النسك وذلك:
أ- حديث عائشة وجابر ﵄ أن النبي ﷺ أفرد الحج (١).
ب- أن المفرد يأتي بالحج تامًا من غير احتياج إلى جبر وهو أكثر مشقة وليس فيه استباحة محظور كما في المتمتع فيكون أكثر ثوابًا.
٢ - وذهب الحنفية والثوري إلى أن القران أفضل الأنواع وذلك لما يأتي:
أ- حديث أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ أهل بهما جميعًا: "لبيك عمرة وحجًا لبيك عمرة وحجا" (٢).
ب- أن القران مبادرة إلى نسكين من الميقات وفيه زيادة نسك هو الدم فكان أولى.
٣ - وذهب الحنابلة إلى أن التمتع أفضل وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعائشة وهو أحد قولي الشافعي. واستدلوا بما يأتي:
أ- ما روى ابن عباس وجابر وأبو موسى وعائشة ﵃ أن النبي ﷺ أمر أصحابه لما طافوا بالبيت أن يحلوا ويجعلوها عمرة (٣).
ب- أن النبي ﷺ قد أمر أصحابه ونقلهم من الإفراد والقران إلى التمتع ولا يأمر بالانتقال إلا إلى الأفضل.
جـ - أن التمتع قد جاء ذكره في القرآن دون سائر الأنواع ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [الحج: ١٩٦] وذلك يدل على فضله.
стр. 771
د- أن المتمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالهما وزيادة نسك الهدي وذلك يدل على أفضليته (١).
الراجح: اختلفت آراء الفقهاء تبعًا للأحاديث الواردة في ذلك ومنهم من جمع بين الأحاديث بقوله: إن ساق الحاج الهدي فالقران أفضل وذلك هو ما فعله النبي ﷺ فقد قرن حين ساق الهدي ومنع كل من ساق الهدي من الحل حتى ينحر هديه وإن كان الحاج لم يسق الهدي فالتمتع أفضل وهو ما أمر به النبي ﷺ أصحابه ممّن لم يسق الهدي معه، وإن كان اعتمر في تلك السنة التي حج فيها فالإفراد أفضل لأنه يأتي به في سفره واحدة. وقد يكون من المناسب لمن يحج أكثر من مرة أن يأخذ بأحد هذه الأنواع في كل حجه حسب حاله وما يكون أرفق به. ويكون بذلك قد عمل بالأفضل وفقًا لما جاء في المذاهب الفقهية والمبنية على اختلاف الروايات والله أعلم.
مواقيت الحج والعمرة:
المواقيت لغة: جمع ميقات وهو الحد والمقصود الزمان والمكان المضروب للفعل.
وشرعًا: مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة.
جعل الله للحج والعمرة والإحرام أوقاتا معينة وأماكن محدودة يجب ألا يتعداها من يريد الحج أو العمرة ومن تعداها كان مخالفًا ومتعديًا تلزمه فدية.
стр. 772
إن العبادات في الإِسلام تغرس في نفوس المسلمين الطاعة والاستسلام لله. وهي تعودهم على النظام وحسن الترتيب في شؤون الحياة والمحافظة على الوقت واحترام المواقيت والدقة في الوفاء بها وذلك يظهر واضحًا في توقيت الصلاة والصيام والحج وغيرها.
والمواقيت التي وقتها الله للحج والعمرة نوعان: ميقات زماني وميقات مكاني.
أولًا: المواقيت الزمانية:
مواقيت الحج الزمانية وهي الأوقات التي لا يصح شيء من أعمال الحج إلا فيها وهي تبدأ من أول شهر شوال وشهر ذي القعدة إلى العاشر من ذي الحجة وهو قول الجمهور. وقال مالك أنه يشمل شهر ذي الحجة كاملًا ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وميقات العمرة الزماني هو العام كله فله أن يحرم بها متى شاء عدا الحاج فلا يحرم بها ما دام متلبسًا بالحج.
إحرام الحاج بالحج قبل دخول أشهر الحج:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال:
١ - ذهب الجمهور أبو حنيفة ومالك وأحمدُ إلى أن الإحرام بالحج قبل أشهره مكروه لأنه أحرم بالحج قبل وقته، ولكن إحرامه صحيح ويبقى على إحرامه إلى وقت الحج وذلك لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩].
٢ - وذهب الشافعي إلى أنه لا يصح الإحرام بالحج قبل أشهره ولو أحرم به قبل وقته انعقد عمرة وذلك لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]
стр. 773
فقد ضرب الله لأعمال الحج أشهرًا معلومة والإحرام عمل من أعمال الحج فلا يجوز تقديمه قبل وقته (١).
ثانيًا: المواقيت المكانية:
وهي الأماكن التي يحرم منها من يريد الحج أو العمرة. ولا يجوز لحاج أو معتمر أن يتجاوزها دون إحرام.
وهي خمسة مواقع وكانت تحسب عند الفقهاء بالمراحل لسير الإبل المحملة.
١ - ذو الحليفة (٢): وهو بضم الحاء وفتح اللام وتبعد عن مكة عشر مراحل بسير الإبل وهي قرية صغيرة تبعد عن المدينة ستة أميال ومنها إلى المسجد النبوي عشرة كيلو مترات. وهي المكان المحدد لأهل المدينة المنورة وهي أبعد المواقيت عن مكة المكرمة إذ تبعد عنها حوالي أربعمائة كيلو متر.
٢ - الجُحْفَة: بضم الجيم وسكون الحاء وتقع على بعد خمس مراحل من مكة المكرمة وهي قرية قرب رابغ كان اسمها مهيعة فجحف السيل بأهلها فسميت بذلك وهي تقع في الشمالي الغربي من مكة المكرمة وتبعد عنها حوالي مائتي كيلو متر. وهي ميقات لأهل الشام ومصر والمغرب ويحرم الآن منها أو من رابغ لأنها قبلها وقريبة منها.
٣ - قرن المنازل: بفتح القاف وسكون الراء وهو على مرحلتين من مكة للإبل وهو ميقات أهل نجد ويسمى الآن السيل الكبير ويتصل بوادي الحرم
стр. 774
ويمر معهما حاليًا طريقان بين مكة والطائف أحدهما مع السيل والآخر مع جبل كرا ويبعدان عن مكة المكرمة حوالي ٧٠ كيلو متر، ومن أحرم من أحدهما فقد أحرم من الميقات الشرعي.
٤ - يَلَمْلَم: بفتح الياء ويقال له: (ألملم) وهو جبل معروف ويقع على مرحلتين للإبل من مكة وهو ميقات أهل اليمن وهو على بعد سبعين كيلو متر من مكة.
٥ - ذات عرق: وهو بكسر العين وسكون الراء وسمي الموقع بذلك لعرق فيه أي جبل صغير وهي قرية خربة قديمة وهو على مرحلتين للإبل من مكة المكرمة وهو ميقات أهل العراق والمشرق وهو على بعد سبعين كيلو متر من مكة المكرمة (١).
الأصل فى تحديد المواقيت:
الأصل فيها ما ورد في حديث ابن عباس ﵄ قال: "وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج أو العمرة فمن كان دونهن فمهله من أهله وكذلك حتى أهل مكة يهلون من مكة" (٢).
وقد ورد في هذا المعنى أحاديث أخرى وهي تفيد أن تعيين المواقيت إنما تم بتحديد رسول الله ﷺ ومن تلك الأحاديث يتضح أن الناس بالنسبة إلى تلك المواقيت ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
стр. 775
١ - أهل الحرم: وهم الذين يقيمون بمكة، مكيون كانوا أو غيرهم ويلحق بهم من كان بمكة مقيمًا بها أو غير مقيم. فهؤلاء يحرمون بالحج من مساكنهم ويحرمون بالعمرة من أدنى الحل كالتنعيم والجعرانة.
٢ - أهل الحل: وهم الذين مساكنهم داخل المواقيت الخمسة خارج الحرم أي بين الحرم والميقات وهؤلاء يحرمون بالحج والعمرة من مساكنهم دون الذهاب للميقات.
٣ - الآفاقيون: وهم الذين جاءوا من الآفاق وأنحاء الدنيا ومنازلهم خارج المواقيت التي وقتها رسول الله ﷺ في الأحاديث وهؤلاء يحرمون من المواقيت المحددة لهم وإن كان مرورهم على غيرها من المواقيت في طريقهم إلى مكة المكرمة فإنهم يحرمون للحج والعمرة من الميقات الذي يمرون به وإن كان غير المحدد لهم.
وأما الذين يمرون على المواقيت وهم لا يريدون حجًا أو عمرة فلا يلزمهم إحرام كمن جاء للدراسة أو التجارة أو غير ذلك من الأعمال أو مر على ميقات أهل اليمن وهو يريد المدينة قبل الحج. على حين أن الأفضل له ألا يتجاوز الميقات إلا محرما والله أعلم.
حد حرم مكة المكرمة:
إن تحديد حدود الحرم في مكة المكرمة توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه، قال محب الدين الطبري: عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "نصب إبراهيم أنصاب الحرم يريه جبريل ﵇ ثم لم تحرك حتى كان قصى فجددها، ثم لم تحرك حتى كان النبي ﷺ فبعث عام الفتح عتم بن أسيد الخزاعي فجددها، ثم لم تحرك حتى كان عمر ﵁ فبعث أربعة من قريش فجددها، ثم جددها معاوية