د- أن المتمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالهما وزيادة نسك الهدي وذلك يدل على أفضليته (١).
الراجح: اختلفت آراء الفقهاء تبعًا للأحاديث الواردة في ذلك ومنهم من جمع بين الأحاديث بقوله: إن ساق الحاج الهدي فالقران أفضل وذلك هو ما فعله النبي ﷺ فقد قرن حين ساق الهدي ومنع كل من ساق الهدي من الحل حتى ينحر هديه وإن كان الحاج لم يسق الهدي فالتمتع أفضل وهو ما أمر به النبي ﷺ أصحابه ممّن لم يسق الهدي معه، وإن كان اعتمر في تلك السنة التي حج فيها فالإفراد أفضل لأنه يأتي به في سفره واحدة. وقد يكون من المناسب لمن يحج أكثر من مرة أن يأخذ بأحد هذه الأنواع في كل حجه حسب حاله وما يكون أرفق به. ويكون بذلك قد عمل بالأفضل وفقًا لما جاء في المذاهب الفقهية والمبنية على اختلاف الروايات والله أعلم.
مواقيت الحج والعمرة:
المواقيت لغة: جمع ميقات وهو الحد والمقصود الزمان والمكان المضروب للفعل.
وشرعًا: مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة.
جعل الله للحج والعمرة والإحرام أوقاتا معينة وأماكن محدودة يجب ألا يتعداها من يريد الحج أو العمرة ومن تعداها كان مخالفًا ومتعديًا تلزمه فدية.
стр. 772
إن العبادات في الإِسلام تغرس في نفوس المسلمين الطاعة والاستسلام لله. وهي تعودهم على النظام وحسن الترتيب في شؤون الحياة والمحافظة على الوقت واحترام المواقيت والدقة في الوفاء بها وذلك يظهر واضحًا في توقيت الصلاة والصيام والحج وغيرها.
والمواقيت التي وقتها الله للحج والعمرة نوعان: ميقات زماني وميقات مكاني.
أولًا: المواقيت الزمانية:
مواقيت الحج الزمانية وهي الأوقات التي لا يصح شيء من أعمال الحج إلا فيها وهي تبدأ من أول شهر شوال وشهر ذي القعدة إلى العاشر من ذي الحجة وهو قول الجمهور. وقال مالك أنه يشمل شهر ذي الحجة كاملًا ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وميقات العمرة الزماني هو العام كله فله أن يحرم بها متى شاء عدا الحاج فلا يحرم بها ما دام متلبسًا بالحج.
إحرام الحاج بالحج قبل دخول أشهر الحج:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال:
١ - ذهب الجمهور أبو حنيفة ومالك وأحمدُ إلى أن الإحرام بالحج قبل أشهره مكروه لأنه أحرم بالحج قبل وقته، ولكن إحرامه صحيح ويبقى على إحرامه إلى وقت الحج وذلك لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩].
٢ - وذهب الشافعي إلى أنه لا يصح الإحرام بالحج قبل أشهره ولو أحرم به قبل وقته انعقد عمرة وذلك لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]
стр. 773
فقد ضرب الله لأعمال الحج أشهرًا معلومة والإحرام عمل من أعمال الحج فلا يجوز تقديمه قبل وقته (١).
ثانيًا: المواقيت المكانية:
وهي الأماكن التي يحرم منها من يريد الحج أو العمرة. ولا يجوز لحاج أو معتمر أن يتجاوزها دون إحرام.
وهي خمسة مواقع وكانت تحسب عند الفقهاء بالمراحل لسير الإبل المحملة.
١ - ذو الحليفة (٢): وهو بضم الحاء وفتح اللام وتبعد عن مكة عشر مراحل بسير الإبل وهي قرية صغيرة تبعد عن المدينة ستة أميال ومنها إلى المسجد النبوي عشرة كيلو مترات. وهي المكان المحدد لأهل المدينة المنورة وهي أبعد المواقيت عن مكة المكرمة إذ تبعد عنها حوالي أربعمائة كيلو متر.
٢ - الجُحْفَة: بضم الجيم وسكون الحاء وتقع على بعد خمس مراحل من مكة المكرمة وهي قرية قرب رابغ كان اسمها مهيعة فجحف السيل بأهلها فسميت بذلك وهي تقع في الشمالي الغربي من مكة المكرمة وتبعد عنها حوالي مائتي كيلو متر. وهي ميقات لأهل الشام ومصر والمغرب ويحرم الآن منها أو من رابغ لأنها قبلها وقريبة منها.
٣ - قرن المنازل: بفتح القاف وسكون الراء وهو على مرحلتين من مكة للإبل وهو ميقات أهل نجد ويسمى الآن السيل الكبير ويتصل بوادي الحرم
стр. 774
ويمر معهما حاليًا طريقان بين مكة والطائف أحدهما مع السيل والآخر مع جبل كرا ويبعدان عن مكة المكرمة حوالي ٧٠ كيلو متر، ومن أحرم من أحدهما فقد أحرم من الميقات الشرعي.
٤ - يَلَمْلَم: بفتح الياء ويقال له: (ألملم) وهو جبل معروف ويقع على مرحلتين للإبل من مكة وهو ميقات أهل اليمن وهو على بعد سبعين كيلو متر من مكة.
٥ - ذات عرق: وهو بكسر العين وسكون الراء وسمي الموقع بذلك لعرق فيه أي جبل صغير وهي قرية خربة قديمة وهو على مرحلتين للإبل من مكة المكرمة وهو ميقات أهل العراق والمشرق وهو على بعد سبعين كيلو متر من مكة المكرمة (١).
الأصل فى تحديد المواقيت:
الأصل فيها ما ورد في حديث ابن عباس ﵄ قال: "وقت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج أو العمرة فمن كان دونهن فمهله من أهله وكذلك حتى أهل مكة يهلون من مكة" (٢).
وقد ورد في هذا المعنى أحاديث أخرى وهي تفيد أن تعيين المواقيت إنما تم بتحديد رسول الله ﷺ ومن تلك الأحاديث يتضح أن الناس بالنسبة إلى تلك المواقيت ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
стр. 775
١ - أهل الحرم: وهم الذين يقيمون بمكة، مكيون كانوا أو غيرهم ويلحق بهم من كان بمكة مقيمًا بها أو غير مقيم. فهؤلاء يحرمون بالحج من مساكنهم ويحرمون بالعمرة من أدنى الحل كالتنعيم والجعرانة.
٢ - أهل الحل: وهم الذين مساكنهم داخل المواقيت الخمسة خارج الحرم أي بين الحرم والميقات وهؤلاء يحرمون بالحج والعمرة من مساكنهم دون الذهاب للميقات.
٣ - الآفاقيون: وهم الذين جاءوا من الآفاق وأنحاء الدنيا ومنازلهم خارج المواقيت التي وقتها رسول الله ﷺ في الأحاديث وهؤلاء يحرمون من المواقيت المحددة لهم وإن كان مرورهم على غيرها من المواقيت في طريقهم إلى مكة المكرمة فإنهم يحرمون للحج والعمرة من الميقات الذي يمرون به وإن كان غير المحدد لهم.
وأما الذين يمرون على المواقيت وهم لا يريدون حجًا أو عمرة فلا يلزمهم إحرام كمن جاء للدراسة أو التجارة أو غير ذلك من الأعمال أو مر على ميقات أهل اليمن وهو يريد المدينة قبل الحج. على حين أن الأفضل له ألا يتجاوز الميقات إلا محرما والله أعلم.
حد حرم مكة المكرمة:
إن تحديد حدود الحرم في مكة المكرمة توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه، قال محب الدين الطبري: عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "نصب إبراهيم أنصاب الحرم يريه جبريل ﵇ ثم لم تحرك حتى كان قصى فجددها، ثم لم تحرك حتى كان النبي ﷺ فبعث عام الفتح عتم بن أسيد الخزاعي فجددها، ثم لم تحرك حتى كان عمر ﵁ فبعث أربعة من قريش فجددها، ثم جددها معاوية
стр. 776
-﵁، ثم أمر عبد الملك بتجديدها، وجددها السلطان أحمد الأول العثماني سنة ١٠٢٣ هـ، وقد جددت في الوقت الحاضر في عهد الدولة السعودية بوضع أعلام واضحة يراها القادم من كل جهة إلى مكة المكرمة وكتب عليها باللغة العربية وغيرها ليعرف الناس ذلك.
وحد الحرم من جهة الشمال: عند التنعيم وما يسمى بمسجد عائشة ويبعد عن المسجد الحرام حوالي ستة كيلو متر.
وحده من الجنوب: ما يسمى بأضاة لِبْن وهو على طريق اليمن، ويبعد عن المسجد الحرام سبعة أميال أي حوالي اثنى عشر كيلو متر.
وحده من جهة طريق السيل الكبير: الجعرانة ويبعد عن المسجد تسعة أميال أي حوالي خمسة عشر كيلو مترًا.
وحده من جهة الغرب: على طريق جدة السريع ويبعد عن المسجد الحرام عشرة أميال أي حوالي ستة عشر كيلو مترًا.
وحده من جهة الشمال الشرقي: وادي نخلة ويبعد عن المسجد الحرام سبعة أميال أي حوالي اثنى عشر كيلو مترًا.
وحده من جهة طريق الطائف شرقًا: طرف وادي عرنة ويبعد عن المسجد الحرام سبعة أميال أي حوالي اثنى عشر كيلو مترًا (١).
стр. 777
الإحرام:
الإحرام في اللغة: مصدر أحرم الرجل يحرم إحراما (١) وهو الدخول في الحرمة.
وفي الشرع: نية الدخول في النسك من حج أو عمرة.
وسمي بذلك لأنه يحرّم على نفسه بالدخول في النسك أشياء كانت مباحة له من قبل (٢).
والنية محلها القلب قال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (٣).
ويشرع لمن أراد الحج أو العمرة تسمية نسكه فإن كانت نيته عمرة قال: "لبيك عمرة"، وإن كانت حجًا قال: "لبيك حجًا". وإن نواهما جميعًا قال: "لبيك عمرة وحجًا".
آداب وسنن الإحرام:
للإحرام آداب ينبغي مراعاتها منها:
١ - النظافة: وذلك بتقليم الأظافر وقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وتسريح شعر اللحية وشعر الرأس والتطيب قبل الإحرام لفعله ﷺ كما جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: "كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت" (٤).
стр. 778
٢ - الاغتسال: وذلك قبل ارتداء لباس الإحرام ويشرع ذلك للحائض والنفساء لأمر النبي ﷺ بذلك. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإحرام جائز بغير اغتسال وأنه غير واجب (١).
٣ - إحرام الرجل في رداء وإزار أبيضين نظيفين: لقول النبي ﷺ : "خير ثيابكم البياض فألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم" (٢) ويتجنب الرجل لبس المخيط. أما المرأة فتحرم بما شاءت غير أنها لا تتشبه بالرجال وأن يكون ساترًا لها.
٤ - أن يقع الإحرام بعد الصلاة المفروضة: لحديث ابن عباس ﵄ قال: "أوجب رسول الله ﷺ الإحرام حين فرغ من صلاته .. " (٣).
أما إذا لم يكن وقت فريضة فقد استحب جمهور العلماء صلاة ركعتين تطوعًا ويحرم بعدهما ومن هؤلاء عطاء وطاووس ومالك والشافعيُّ والثوري وأبو حنيفة وأحمدُ (٤).
ثم يحرم بعدها ويهل بنسكه من حج أو عمرة وإذا استوت به راحلته (سيارة، طائرة وغيرها) أهل وإذا علا البيداء أهل فكل ذلك ورد عن النبي ﷺ ذكر ذلك ابن عباس (٥).
٥ - التلبية: وهي لغة: إجابة المنادي. والمراد بها هنا قول المحرم: "لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك
стр. 779
لك". وهي سنة عند الجمهور ويرى المالكية أنها واجبة ويستحب أن يكررها من حين إحرامه حتى بداية الطواف بالبيت. وتكون باللغة العربية لمن يقدر عليها وإلا فيلبي بلغته.
واجبات الإحرام:
للإحرام واجبات هي:
١ - الإحرام من الميقات لأمر النبي ﷺ وفعله. فإن تجاوز الميقات بدون إحرام ورجع وأحرم منه فلا شيء عليه وإن لم يرجع إلى الميقات فإنه قد ارتكب محظورًا يجب عليه بتركه فدية دم بحيث يذبح شاة لفقراء الحرم ولا يأكل منها وعليه الإثم إذا ترك ذلك عالمًا عامدًا.
٢ - التجرد من المخيط في حق الرجال: وذلك لحديث ابن عمر ﵄ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحدًا لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين" (١).
فقد نص النبي ﷺ على هذه الأشياء وألحق بها أهل العلم ما في معناها. فليس للمحرم ستر بدنه بما عمل على قدره ولا ستر عضو من أعضائه بما عمل على قدره كالقميص للبدن أو القفازين لليدين والخفين للرجلين ونحو ذلك. قال ابن عبد البر: "كل ما في هذا الحديث مجمع عليه من أهل العلم أنه لا يلبسه المحرم ما دام محرمًا وقال: وأجمعوا أن المراد بهذا الخطاب الرجال دون النساء وأنه لا بأس للمرأة بلباس القميص والدرع والسراويل والخمر والخفاف" (٢)، ونقل الإجماع
стр. 780
في ذلك ابن المنذر (١).
إحرام الحاج عن طريق الجو:
إذا قدم الحاج إلى مكة المكرمة لإرادة الحج أو العمرة فإنه ينبغي له التنظف والاستعداد في بيته ثم يحرم بما أراد من حج أو عمره إذا حاذى الميقات القريب منه وعليه أن يتأكد من ذلك عن طريق المختصين في الطائرة وألا يتجاوز حذو الميقات بدون إحرام لأنه يترتب على تجاوز الميقات بدون إحرام فدية دم شاة لفقراء مكة (٢).
الاشتراط في الإحرام:
الاشتراط في الإحرام أن يقول المحرم بعد نية الدخول في النسك المقصود من عمرة أو حج [تمتع أو قران أو إفراد]: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
حكم الاشتراط: اختلف الفقهاء في ذلك وما يترتب عليه:
١ - ذهب الحنفية والمالكية وهو قول ابن عمر وطاوس والزهري إلى عدم صحة الاشتراط وأنه إذا حصل مانع فإنه يحل لكن عليه هدي لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وأن الحج والعمرة عبادة تجب بأصل الشرع فلم يفد الإشتراط فيها كالصوم والصلاة.
٢ - وذهب الشافعية إلى جواز الاشتراط فإن اشترط وحصل مانع من مرض أو عدو أو حبس تحلل من الإحرام ولا شيء عليه.
стр. 781
٣ - وذهب الحنابلة إلى استحباب الإشتراط عند الإحرام. ويفيد عندهم هذا الشرط شيئين:
أحدهما: أنه إذا عاقه عدو أو مرض أو غيرهما فإنه يجوز له أن يحل من إحرامه.
الثاني: أنه مع إحلاله لا دم عليه ولا صوم وقد روى الاشتراط عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار (١).
دليل من يرى الاشتراط: حديث عائشة ﵂ قالت: دخل النبي ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وإني شاكية. فقال النبي ﷺ : "حجي واشترطي ان محلي حيث حبستني" (٢).
النيابة في الحج والعمرة (حج الإنسان وعمرته عن غيره):
هي القيام مقام الغير (٣) في أداء الحج أو العمرة.
ولذلك حالات:
الحالة الأولى: من عليه حج أو عمرة واجبان وهو غير مستطيع الحج بنفسه:
اختلف الفقهاء في ذلك على ما يأتي:
١ - ذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى صحة أن يستنيب المرء غيره في أداء الحج أو العمرة الواجبين بشروط ذكروها.
٢ - وذهب المالكية إلى أن النيابة لا تجوز عن فرض الحج ولا غيره لكن إذا أوصى الميت أن يحج عنه من ماله حج الفريضة نفذت الوصية من ثلث ماله.
стр. 782
الأدلة:
١ - استدل الجمهور بما جاء في حديث أبي رزين أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي شيخ لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن. قال: "حج عن أبيك واعتمر" (١).
وروى ابن عباس ﵄ أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة. أفأحج عنه؟ قال: "نعم" وذلك في حجة الوداع (٢).
فهذه الأدلة وغيرها تدل على جواز الحج الواجب عن الغير بغير شروط. ولأن الحج عبادة تجب بإفسادها الفدية فجاز أن يقوم غير فعله فيها مقام فعله كالصوم إذا عجز عنه افتدى.
٢ - واستدل المالكية بقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وهذا لم يستطع فلا حج عليه ويسقط فرض الحج عنه لعدم استطاعته القيام به بنفسه ولأن هذه عبادة لا تدخلها النيابة مع القدرة فلا تدخلها مع العجز كالصوم والصلاة.
شروط جواز حج الإنسان عن غيره في الفرض عند من يقول به:
يشترط القائلون بالإنابة في الحج أو العمرة الواجبين شروطا هي:
١ - عجز الواجب عليه الحج عن أدائه بنفسه إما لمرض لا يرجى برؤه أو مانع غيره ميؤوس من زواله أو موت. أما ما يرجى برؤه وزواله فلا يجوز أن
стр. 783
يستنيب صاحبه عند الشافعية والحنابلة ويجوز عند الحنفية فإن برئ وجب عليه الحج بنفسه واعتبر صحيحًا منه عندهم.
٢ - أن يكون لمن عجز عن الواجب من حج أو عمرة مال يكفي لاستنابة غيره حيًّا أو من تركته بعد وفاته.
الحالة الثانية: أن يكون من وجب عليه الحج أو العمرة قادرًا على أدائها بنفسه وهذا لا يجوز له أن يستنيب بإجماع الفقهاء.
قال ابن المنذر (١): "أجمع أهل العلم على أن من عليه حجة الإِسلام وهو قادر على أن يحج لا يجزئ عنه أن يحج عنه غيره".
والقدرة تشمل البدنية والمالية معًا وبدونهما معًا لا يجب عليه الحج. وإن كان عاجزًا عن الحج ببدنه أو ليس عنده مال فلا يجب عليه الحج لأنه ليس بمستطيع.
الحالة الثالثة: أن يكون الحج أو العمرة تطوعًا ولم يحج ولم يعتمر الواجب منهما فلا يصح أن يستنيب في التطوع لأنه لا يصح أن يؤدي التطوع قبل أداء الفريضة بنفسه فعدم صحتها من نائبه أولى.
الحالة الرابعة: أن يكون قد أدى الفريضة ولا يستطيع الحج أو العمرة بنفسه فيصح أن يستنيب فيها لأن ما جازت الاستنابة في فرضه جازت في نفله كالصدقة.
الحالة الخامسة: أن يكون قد أدى الفريضة وهو قادر على الحج بنفسه وهذه الحال قد اختلف فيها الفقهاء:
стр. 784
١ - ذهب الحنفية وهو رواية في مذهب أحمد إلى جواز ذلك وصحته لأنها حجة لا تلزمه بنفسه فجاز أن يستنيب فيها وأجاز ذلك مالك مع الكراهة.
٢ - وذهب الشافعية وهو رواية في مذهب أحمد إلى عدم جواز ذلك لأنه قادر على الحج بنفسه فلم يجز أن يستنيب فيه كالفرض.
شروط النائب فى الحج:
يشترط لذلك شروطا هي:
الشرط الأول: أن يكون النائب قد حج حجة الإِسلام عن نفسه أولًا وإلا كانت الحجة عن نفسه ولم تجز عن الأصيل وهو قول الشافعي وأحمدُ والأوزاعي وإسحاق بن راهويه.
وذهب أبو حنيفة ومالك إلى عدم اشتراط ذلك وأنه يجوز أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه وذلك لأن الحج مما تدخله النيابة فجاز أن يؤديه عن غيره من لم يسقط فرضه عن نفسه كالزكاة.
الأدلة:
١ - دليل اشتراط ذلك عند من يقول به ما روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يقول لبيك عن شبرمة. فقال رسول الله ﷺ : "من شبرمة؟ " قال: قريب لي. قال: "هل حججت قط؟ " قال: لا. قال: "فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة" (١).
ولأنه حج عن غيره قبل الحج عن نفسه فلم يقع عن الغير كما لو كان صبيًا.
стр. 785
٢ - دليل عدم اشتراط ذلك: حديث ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج قد أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: "نعم" (١) ولم يسألها عن حجها عن نفسها قبل ذلك. وترك الاستفصال ينزل منزلة عموم المقال.
الشرط الثاني: أن يكون النائب مسلمًا عاقلًا وذلك عند جمهور الفقهاء وأجاز الحنفية حج العبد والمراهق نيابة عن غيره (٢).
شروط صحة الحج الواجب عن الغير:
يتفق الفقهاء على أنه يشترط لصحة الحج عن الغير فرضًا أو تطوعًا أن يكون بأمر الأصيل إذا كان حيًا. أما الميت فقد اختلف على النحو الآتي:
١ - يرى الحنفية أنه يجوز الحج عن الميت إذا كان قد أوصى بذلك، أو كان من أدى الحج أحد ورثته سواء بنفسه أو أقام من يحج عنه، وتبرأ ذمة الميت ولا يجوز غير ذلك. وذلك لحديث الخثعمية، فإنه لم يفصل في حق السائل هل أوصى أم لم يوص وهو وارث.
٢ - ويرى المالكية أنه لا يجوز حج الغير عن الميت إلا إذا كان الميت قد أوصى بذلك.
٣ - وذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز الحج عن الميت سواء أوصى بذلك أم لم يوصِ وسواء أكان من الورثة أم من غيرهم، وذلك لأن النبي ﷺ شبه الحج
стр. 786
بالدين والدين يقضى بغير الوصية بأدائه، ومن دون إذن الورثة لأن الميت لا إذن له وما جاز فرضه جاز نفله.
الاستئجار على الحج:
وذلك كما لو استأجر من يحج عنه أو يحج عن غيره. وقد اختلف الفقهاء في ذلك:
١ - ذهب الحنفية وهو رواية في مذهب أحمد إلى أنه لا يجوز الاستئجار على الحج حيث لا يجوز الاستئجار على الطاعات لأنها من أفعال القربة فلم يجز أخذ الأجرة عليها كالصلاة والصوم، لكن يكون الحج صحيحًا ويقع عن المحجوج عنه وللمستأجر نفقة مثله لبطلان الإجارة.
٢ - وذهب المالكية إلى صحة الإجارة على الحج مع الكراهة وهي نوعان: أحدهما: إجارة بأجرة معلومة تكون ملكًا للأجير كسائر الإجارات فما عجز عن كفايته وفاه من ماله وما زاد فهو له.
والثاني: البلاغ وهو أن يدفع إليه المال ليحج عنه فإن احتاج إلى زيادة أخذها من المؤجر وإن فضل شيء رده إليه.
٣ - وذهب الشافعي وهو رواية عن أحمد إلى أنه يجوز الاستئجار على الحج لأن النبي ﷺ قال: "أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (١) وأخذ أصحاب النبي ﷺ الجعل على الرقية بكتاب الله وأخبروا بذلك النبي ﷺ فصوبهم فيه (٢). ولأنه يجوز أخذ النفقة عليه فجاز الاستئجار عليه كبناء المساجد والقناطر (٣).
стр. 787
وقد أفتي بجواز الاستئجار على الحج اللجنة الدائمة للفتوى في السعودية كما جاء فى الفتوى رقم (٥٢٢٨).
محظورات الإحرام:
وهي ما يحرم على المحرم فعله بسبب الإحرام.
وفي حضر بعض الأشياء على المحرم تذكير له بما أقدم عليه من نسك وتربية لنفسه على التقشف ومراقبة الإنسان لنفسه فيما يترك تعظيمًا لله وما شرعه من عبادات تزيد المسلم تقوى وإيمانًا.
ومحظورات الإحرام تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما يحرم على الذكور والإناث معًا وهو:
١ - إزالة الشعر من جميع البدن. فلا يجوز للمحرم أن يحلق رأسه أو يزيل الشعر من جميع جسده بحلق أو نتف أو غيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
٢ - تقليم الأظافر من اليدين أو الرجلين فإن انكسر ظفره فأزاله فلا شيء عليه.
٣ - استعمال الطيب بعد الإحرام في الثوب أو البدن أو غيرهما لأن النبي ﷺ أمر صاحب الجبة بغسل الطيب ونزع الجبة (١). وقال في المحرم الذي وقصته راحلته: "لا تمسوه بطيب" (٢)، وذلك لكي يبتعد المسلم عن ملاذ الدنيا ويتجه إلى الآخرة.
стр. 788
٤ - قتل الصيد: وهو الحيوان الحلال البري المتوحش مثل الظباء والأرانب والحمام. وذلك لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. ولا يجوز للمحرم أن يعين على الصيد ولا أن يأكل مما صاده أو صيد لأجله أو أعان على صيده.
٥ - الجماع ودواعيه كعقد النكاح والنظر بشهوة والمباشرة: لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] والرفث هو الجماع قاله ابن عباس. والفسوق هو المعاصي. والجدال هو المماراة فيما لا يعني والخصام مع الرفقة والمنازعة والسباب.
القسم الثاني: ما يحرم على الذكور دون الإناث:
١ - لبس المخيط وهو أن يلبس الثياب ونحوها مما هو على صفة اللباس كالقميص والفانيلة والسروال والخفين والقفازين والجوارب. وذلك لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ سئل: ما يلبس المحرم؟ قال: "لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرانس ولا السراويل ولا ثوبًا مسه ورس أو زعفران ولا الخفين" (١).
واختلف الفقهاء فيمن لم يجد غير السراويل هل يلبسها؟ فقال أبو حنيفة ومالك لا يجوز له لبسها وإن لبسها افتدى لحديث ابن عمر في منع ذلك ولو كان جائزا لاستثناه النبي ﷺ كما استثنى لبس الخفين. وذهب الشافعي وأحمدُ إلى أنه يجوز له لبسهما ولا شيء عليه لحديث عمرو بن دينار عن جابر وابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "السراويل لمن لم يجد الإزار والخف لمن لم يجد النعلين" (٢) وبناء عليه أجاز أحمد لبس الخفين لمن لم يجد نعلين بدون قطع قال:
стр. 789
عطاء: في قطعهما فساد والله لا يحب الفساد.
وجمهور الفقهاء على إجازة لبس الخفين لكن مع قطعهما لحديث ابن عمر المذكور.
٢ - تغطية الرأس بملاصق كالعمامة والغترة والطاقية وغيرها لنهيه ﷺ (١) عن لبس العمائم والبرانس. أما غير الملاصق كالخيمة والشمسية وسقف السيارة فلا بأس به لأن النبي ﷺ ضربت له خيمة فنزل بها وهو محرم (٢).
القسم الثالث: ما يحرم على النساء فقط:
وهو تغطية وجه المرأة بالنقاب، وهو لباس تغطي به المرأة وجهها فيه ثقبان على العينين لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ولاتنتقب المحرمة" (٣).
حكم من ارتكب شيئًا من محظورات الإحرام:
لمرتكب المحظور ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يفعل المحظور عالمًا ذاكرًا مختارًا بلا عذر ولا حاجة فهذا يترتب على فعله الإثم وتقديم الفدية.
الحالة الثانية: أن يفعل المحظور عالمًا ذاكرًا مختارًا ولكن فعله لعذر فهذا ليس عليه إثم ولكن عليه الفدية مثل أن يحلق رأسه لأذى أو شبهه وذلك لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
стр. 790
قال ابن عبد البر: "وأجمعوا على أن الفدية واجبة على من حلق لأنه عذر وضرورة وأنه مخير فيما نص الله ورسوله عليه" (١).
الحالة الثالثة: أن يفعل المحظور جاهلًا أو ناسيًا أو مكرهًا فهذا ليس عليه شيء عند الشافعية والحنابلة لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله ﷺ : "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ويرى بعض الفقهاء من الحنفية والمالكية وراوية عن أحمد وغيرهم أن عليه الفدية لأنه هتك حرمة الإحرام (٢)، ولا فرق في ذلك بين العمد والخطأ والنسيان.
الفدية المترتبة على ارتكاب محظورات الإحرام:
على من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام أن يفتدي عن عمله ذلك. ولا يفسد الحج بإتيان أي محظور منها إلا الجماع قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء من ذلك في حال الإحرام إلا الجماع" (٣).
١ - الفدية في إزالة الشعر والظفر والطيب والمباشرة لشهوة ولبس الذكر للمخيط وتغطية رأس الذكر ولبس القفازين لكل منهما والنقاب للمرأة.
يجب عليه في عمل شيء من ذلك عامدًا عالمًا ذاكرًا إذا كان محتاجًا له فدية: إما ذبح شاة أو إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام وهي على التخيير باتفاق العلماء. لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] أما العامد غير المعذور فيرى الجمهور من المالكية والشافعية
стр. 791
والحنابلة أنه يتخير كالمعذور ولكن عليه إثم ما فعل وذهب الحنفية إلى أن العامد لا يتخير وإنما يجب عليه الدم عينًا أو الصدقة حسب جنايته لأنه غير معذور فتكون جنايته مغلظة وذلك بنفي التخيير في حقه.
٢ - الفدية الواجبة في جزاء الصيد: قد بينها الله تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] ويفهم من الآية أن للصيد حالتين:
الأولى: أن يكون للصيد مثل فيخير المرتكب لهذا المحظور بين ثلاثة أشياء:
أ- إما ذبح المثل وتفريق لحمه على فقراء مكة.
ب- أن ينظر كم تساوي قيمة هذا المثل ويخرج ما يقابل قيمته طعامًا يفرق على المساكين لكل مسكين نصف صاع.
جـ - أن يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا.
الثانية: ألا يكون للصيد مثل فإنه يخير بين الشيئين الأخيرين.
٣ - الفدية الواجبة في الجماع: إن كان الجماع قبل التحلل الأول في الحج فإنه يترتب على من وطئ عدة أشياء:
أ- فساد النسك وهو باتفاق الفقهاء إذا كان الجماع قبل الوقوف بعرفة وأما بعده فلا يفسد الحج عند الحنفية لأن الركن الأصلي للحج هو عرفة لقول النبي ﷺ : "الحج عرفة" (١) وذلك خلافًا للجمهور حيث يرون فساده ما لم يتم التحلل الأول قال ابن عبد البر: "من أصاب أهله قبل وقوفه بعرفة فسد حجه عند الجميع وهذا إجماع من العلماء" (٢) وقال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن من جامع
стр. 792
عامدًا في حجه قبل وقوفه بعرفة أن عليه حج قابل والهدي" (١).
ب- الإثم حيث لم يراع حرمة النسك.
جـ - أن يذبح بدنة ويفرقها بين الفقراء في مكة في قول أكثر الفقهاء وعند الحنفية إن كان الجماع قبل الوقوف بعرفة فيجب عليه شاة فقط وإن كان بعده فقالوا أن عليه بدنة وحجه تام. فإن لم يجد وجب عليه الصيام عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
د- وجوب الاستمرار في الحج لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولم يفرق بين صحيح أو فاسد وذلك لما روى عن ابن عمر أن رجلًا جامع امرأته وهما محرمان فسأله فقال له: "أفسدت حجك، انطلق أنت وأهلك مع الناس فاقضوا ما يقضون وحل إذا حلوا، فإذا كان في العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك واهديا هديا فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم" (٢).
هـ - وجوب القضاء من العام القادم وإن كان الوطء بعد التحلل الأول فإنه لا يفسد حجه ويجب عليه ذبح شاة وتفريقها على الفقراء في مكة (٣).
فساد العمرة وما يترتب عليه:
إن كان الجماع في العمرة قبل التحلل منها فإنها تفسد وعليه القضاء والفدية وذلك عند الشافعية والحنابلة، ويرى المالكية أن الفساد إنما يكون قبل نهاية
стр. 793
السعي وعليه القضاء والفدية، فإن انتهى السعي ولم يحلق فلا تفسد العمرة، ويرى الحنفية أن الفساد إنما يكون إذا جامع قبل أن يكمل الشوط الرابع للطواف وهو أغلب الطواف فإن جامع قبل ذلك فعليه القضاء والفدية. وإن كان بعد الشوط الرابع فلا تفسد العمرة لأنه بأداء الأغلب من الركن أمن الفساد. ومع اتفاق الفقهاء على وجوب الفدية في حال فساد العمرة فإنهم اختلفوا في نوعها: فذهب الحنفية والحنابلة وهو أحد القولين عند الشافعية إلى أنه يلزمه شاة لأن العمرة دون الحج فخفت جنايتها فوجب شاة.
وذهب المالكية والشافعية وهو المذهب إلى أنه يلزمه بدنه قياسًا على الحج قال ابن هبيرة: "واتفقوا على أنه إذا وطئ في العمرة أفسدها وعليه القضاء" (١) إما فداء الجماع الذي لا يفسد العمرة فشاة والله أعلم (٢).
حكم صيد ونبات الحرم المكي:
يحرم على كل من هو داخل الحرم من محرم أو حلال صيد الحرم وتنفيره كما يحرم عليه قطع الشجر الذي لم يستنبته الناس في العادة حتى الشوك إلا الإذخر فإنه يجوز قطعه والاستفادة منه، ودليل التحريم هذا ما ورد عن النبي ﷺ في حديث ابن عباس ﵄ يوم فتح مكة قال: "أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يختلي خلاها, ولا يعضد شوكها, ولا ينفر صيدها, ولا تلتقط لقطتها إلا من
عرفها" فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال رسول
стр. 794
الله ﷺ : "إلا الإذخر" (*).
وقد أجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم على الحلال والمحرم قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن صيد الحرم حرام، على الحلال والمحرم، وأجمعوا على تحريم قطع شجرها" (١).
ما يجوز قتله من الصيد وقطعه من الشجر في الحرم:
يستثنى من قتل صيد الحرم ما ورد في الحديث الصحيح، عن عائشة ﵂ قالت: "أمر رسول الله ﷺ بقتل خمس فواسق في الحل والحرم، الغراب، والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" (٢).
ويلحق بذلك الحيوان الصائل دفاعًا عن نفسه أو أهله أو ماله.
كما يستثنى من النبات ما زرعه أو غرسه الناس، قال ابن المنذر: "وأجمعوا على إباحة كل ما يستنبته الناس في الحرم من البقول والزروع والرياحين وغيرها" (٣).
جزاء قتل صيد الحرم:
ومن قتل صيدًا من صيد الحرم فعليه الجزاء فيما قتله، وذلك بمثل ما يجزى به الصيد في الإحرام، وحكي عن داود الظاهري أنه لا جزاء فيه لأن الأصل براءة الذمة ولم يرد فيه نص فيبقى بحاله.
стр. 795
والصحيح: أن عليه جزاء ما قتله لأن الصحابة ﵃ قضوا في حمام الحرم بشاة كما هو مروي عن عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس ولم ينقل عن غيرهم خلافهم فيكون إجماعًا, ولأنه صيد ممنوع منه لحق الله تعالى أشبه الصيد في حق المحرم.
جزاء قطع شجر ونبات مكة مما لم يستنبته الناس:
اختلف الفقهاء في ذلك وفقًا للآتي:
١ - يرى أبو حنيفة أنه يؤخذ بقيمة ما قطعه هدي.
٢ - ويرى مالك: أنه لا جزاء فيه، بل يأثم قال ابن المنذر: "لا أجد دلالة أوجب بها في شجر الحرم فرضًا من كتاب ولا سنة ولا إجماع وأقول كما قال مالك: نستغفر الله تعالى".
٣ - ويرى الشافعي وأحمدُ أن في قطع ذلك ضمانًا وعليه الجزاء، فيجب في قطع الشجرة الكبيرة بقرة وفي الشجرة الصغيرة شاة، والحشيش بقيمته، والغصن بما نقص، والضمان مروى عن عمر بن الخطاب وابن عباس ﵃ (١).
الطواف:
إذا دخل المحرم مكة بادر إلى المسجد الحرام وتوجه إلى الكعبة المشرفة بخشوع وتضرع فيبدأ بالحجر الأسود يستلمه ويقبله إن تيسر وإلا أشار إليه ويقول: بسم الله والله أكبر ويقطع التلبية عند شروعه في الطواف.
حقيقة الطواف ومكانه: الطواف هو الدوران حول الكعبة سبع مرات
стр. 796
تعبدًا لله بنية الطواف مبتدئا بالحجر الأسود ومنتهيًا إليه ويجعل الكعبة عن يساره لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
أنواع الطواف ووقت كل نوع وحكمه:
١ - طواف القدوم: وهو مشروع لمن قدم إلى مكة ودخل المسجد الحرام تحية له وهو سنة عند الجمهور لمن لم يكن دخل معتمرًا ويرى المالكية أنه واجب من تركه فعليه دم (١).
٢ - طواف العمرة: وهو ركن من أركان العمرة يؤديه المعتمر عند وصوله للبيت الحرام.
٣ - طواف الإفاضة: (الزيارة) وهو ركن من أركان الحج يؤديه الحاج بعد إفاضته من عرفة ومزدلفة. وقد أجمع الفقهاء على ركنيته لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ قال الكاسانى: "والأمة أجمعت على كونه ركنا" (٢). ولهذا الطواف وقت أفضلية ووقت إجزاء فأما وقت الفضيلة فيوم العيد بعد الرمي والنحر والحلق لقول جابر في صفة حج النبي ﷺ يوم النحر: "فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر" (٣) وأما وقت الجواز: فأوله من نصف الليل من ليلة النحر عند الشافعي وأحمدُ وليس لآخره حد معين، وعند أبي حنيفة أوله طلوع الفجر من يوم النحر وآخره آخر أيام النحر، ويرى المالكية أن أول وقت طواف الإفاضة بعد الفجر يوم النحر وآخره نهاية شهر ذي الحجة لأنه تقام فيه أعمال الحج فسووا بين أيامه أما بعده فيجب عليه دم عندهم.
стр. 797
٤ - طواف الوداع: (طواف الصدر) ويأتي به الحاج إذا أراد السفر من مكة بعد فراغه من أعمال الحج وهو واجب عند الجمهور لقول ابن عباس ﵄: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض" (١)، وفي رواية له أن النبي ﷺ قال: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (٢)، وفي تركه عند الجمهور إثم وعليه دم جبرًا لعدم إتيانه به. ويرى المالكية أن طواف الوداع سنة ولا يترتب على تركه شيء عندهم (٣).
٥ - طواف النفل: وهو ما يتعبد به المرء غير ما ذكر كصلاة النافلة وغيرها. وهذا جائز في كل وقت لما جاء في حديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال: "يا بني عبد مناف إن وليتم من هذا الأمر فلا تمنعوا أحدًا طاف أو صلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار" (٤).
شروط الطواف:
يشترط لصحة الطواف شروط هي:
١ - الطهارة: من الحدث في الثوب والبدن والمكان هذا عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة لحديث ابن عباس ﵄: "الطواف بالبيت صلاة" (٥)، وعند الحنفية أن الطهارة واجبة وليست شرطًا للطواف.
٢ - ستر العورة: وذلك كما في الصلاة فلو طاف بدون ستر لها بطل طوافه
стр. 798
عند الجمهور ويرى الحنفية أنه واجب وليس شرطًا فلا يفسد الطواف بدونه بل يصح مع الإثم وتجب الإعادة أو الجزاء.
٣ - أن يبدأ الطواف من الحجر الأسود وينتهي إليه: فلو بدأ من غيره لم يعتد بما بدأ منه وإنما من الحجر الأسود هذا عند الجمهور أما الحنفية فيرون أن ذلك واجب إن خالف وجب عليه الإعادة ما دام في مكة فإن رجع ولم يعده فعليه دم.
٤ - أن يكون البيت عن يسار الطائف ولا يجوز أن يكون عن يمينه.
٥ - أن يكون الطواف حول الكعبة وخارجها فلو طاف داخل الحجر لم يصح طوافه لأن الحجر من الكعبة وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وأن يكون الطواف سبعة أشواط كاملة فلا يصح طوافٌ أقل من ذلك عند الجمهور ويرى الحنفية أن الركن هو أغلب الطواف أربعة أشواط وباقي الطواف واجب وليس ركنا. فإن شك في عدد أشواط الطواف بني على اليقين وهو الأقل.
وهذه الشروط متفق عليها بين الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة ويخالف في ذلك الحنفية فلا يرون أنها شروط بل هي واجبات إن خالف فيها فتجب عليه الإعادة ما دام في مكة فإن رجع ولم يعد فعليه دم يجبر مخالفته.
٦ - يشترط الحنابلة نية الطواف عند الشروع فيه. فيعين في طواف الإفاضة نية أدائه الطواف نفسه لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (١) ولأن النبي ﷺ سماه صلاة والصلاة لا تصح إلا بالنية، ولا يشترط ذلك الجمهور لشمول نية النسك له. ويشترط الشافعية نية الطواف إذا لم يشمله النسك كطواف النذر
стр. 799
والمتطوع به وكذلك طواف الوداع لأنه ليس من المناسك عندهم لأنه يقع بعد التحلل.
٧ - الموالاة بين أشواط الطواف وذلك عند المالكية والحنابلة لأن الطواف صلاة ولأن النبي ﷺ والى بين الأشواط ولا يؤثر الفصل اليسير كالصلاة ونحوها وعند الحنفية والشافعية أن الموالاة سنة لفعل النبي ﷺ .
٨ - المشي في الطواف إذا كان قادرًا عليه وذلك عند الحنابلة ويرى الجمهور وهو رواية عن أحمد أن ذلك ليس شرطًا وإنما يعده الحنفية والمالكية واجبًا يترتب على تركه دم وبعضهم يعده سنة (١). ويستند كل من يعد هذه شروطًا إلى حديث الطواف صلاة. وإلى قوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" (٢).
واجبات الطواف:
١ - يرى الحنفية أن واجبات الطواف اثنان:
أ- ركعتا الطواف بعد كل سبعة أشواط سواء كان الطواف فرضًا أو نفلًا واستدلوا على ذلك بمواظبة النبي ﷺ عليها ويوافقهم المالكية في الطواف الواجب فقط.
ب- أداء طواف الإفاضة في أيام النحر فإن آخره بعدها صح وعليه دم جزاء تأخيره.
стр. 800
سنن الطواف:
للطواف سنن ينبغي للطائف القيام بها اقتداءً بالرسول ﷺ من فعله وقوله: "خذوا عني مناسككم" وهي:
١ - استلام الحجر الأسود وتقبيله في ابتداء الطواف وفي كل شوط إن تيسر ذلك أو تقبيل ما استلمه به أو الإشارة إليه.
٢ - الدعاء: وذلك بأن يقول عند بدء الطواف من الحجر الأسود: "بسم الله والله أكبر اللَّهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاءً بعهدك واتباعًا لسنة نبيك محمَّد ﷺ "، وأن يكرر التكبير عند كل شوط ثم يدعو بما أحب، ومنها الدعاء المأثور بين الركن اليماني والحجر الأسود: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
٣ - الرمل: وذلك بأن يسرع في مشيه مع تقارب الخُطى وهو سنة للرجال دون النساء في طواف القدوم وهو في الأشواط الثلاثة الأولى منه على ألا يؤذي أحدًا ولا سيما في الأوقات التي يكثر فيها الزحام.
٤ - الاضطباع: وهو أن يجعل طرفي الرداء على كتفه الأيسر ووسطه تحت إبطه الأيمن وهو خاص بالرجال وفي طواف القدوم فقط عند الحنابلة وهو سنة عند الحنفية والشافعية في كل طواف بعده سعي.
٥ - استلام الركن اليماني: وذلك بمسحه باليد ويكبر وهو الركن الواقع قبل الحجر الأسود ولا يقبله، وهذا عند الفقهاء الأربعة فإن لم يتمكن من استلامه فإنه لا يشير إليه ولا يقبل ما أشار به إليه عند الحنفية والمالكية والحنابلة وعند الشافعية يقبل ما استلمه به فإن عجز عن استلامه أشار إليه ولا يستلم غير الحجر الأسود والركن اليماني لقول ابن عمر ﵄: "لم أر النبي ﷺ يستلم من
стр. 801
البيت إلا الركنين اليمانيين" (١).
٦ - القرب من البيت الحرام للرجال قدر المستطاع لشرف البيت دون أذية الطائفين وقد ذكر ذلك الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
٧ - صلاة ركعتين بعد الطواف خلف مقام إبراهيم إن أمكن وإلا في أي مكان من المسجد، والقول بالسنية هو مذهب الشافعية والحنابلة.
٨ - الإسرار بالذكر والدعاء لأن الله تعالى يسمع السر والنجوى ولئلا يؤذي غيره من الطائفين.
٩ - الرجوع إلى الحجر الأسود واستلامه بعد صلاة ركعتي الطواف إن تيسر ذلك وقد ذكر ذلك الحنابلة وغيرهم.
١٠ - الشرب من ماء زمزم والتضلع منه بعد فراغه من ركعتى الطواف واستلام الحجر الأسود إن أمكن لما جاء في حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ : "ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون، فناولوه دلوًا فشرب منه" (٢) ولما رُوِيَ أن النبي ﷺ قال: "ماء زمزم لما شرب له" (٣).
الأمور المكروهة في الطواف:
ذكر الفقهاء أمورًا تكره في الطواف منها:
١ - رفع الصوت بالذكر والدعاء والقرآن بما يشوش على الطائفين ويشغلهم عن الدعاء والابتهال إلى الله في هذا المكان المقدس وذلك لقوله تعالى:
стр. 802
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، ولقول النبي ﷺ في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لما غزا رسول الله ﷺ خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ : "اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم ... " (١) هذا وهم في البر فكيف إذا كان ذلك في البيت الحرام ويشوش على الطائفين ويجعلهم لا يتمكنون من الخشوع والدعاء والتضرع بهذا المكان الشريف.
٢ - الكلام في أمور الدنيا أثناء الطواف فيما لا حاجة إليه وذلك أن الطائف في صلاة فينبغي أن يستفيد منه في دعائه وتضرعه وابتهاله وقراءة القرآن.
٣ - الطواف وهو يدافع البول أو الغائط ونحو ذلك مما يشغله عن حضور قلبه وخشوعه (٢).
المرور بين يدى المصلي فى المسجد الحرام والمسجد النبوى:
كان المسجد الحرام يمتلئ بالناس قديمًا في موسم الحج فقط، ولكنه في الوقت الحاضر يمتلئ بهم على مدار العام ويزيد في الحج وفي رمضان ويشق منع الناس عن المرور بين يدي المصلي لأن منهم الطائف والساعي وغيرهم ولذلك فإنه يجوز المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام عند عامة الفقهاء واستدلوا لذلك بحديث كثير بن كثير بن وداعة عن بعض أهله، عن جده "أنه رأى النبي ﷺ يصلي بما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه وليس بينهما سترة" (٣).
стр. 803
قال أحمد: "لأن مكة ليست كغيرها, لكثرة الناس وازدحامها بهم، فمنعهم تضييق عليهم" (١).
وقال في حاشية ابن عابدين: "المرور بين يدي المصلي بحضرة الكعبة يجوز" (٢).
أما المسجد النبوي: فيزدحم اليوم بالناس في زمن الحج وفي رمضان وفي الروضة الشريفة على مدار العام ولذلك فإنه يجوز المرور بين يدي المصلي فيه لأن منع الناس فيه مشقة عليهم وزيادة ازدحام، وهو السبب الذي قيل فيه بجواز المرور بين يدي المصلى في المسجد الحرام.
أما في غير الروضة الشريفة وغير أوقات الازدحام فإنه ينبغي ألا يمر الناس أمام المصلي وينبغي للمصلي أن يتخذ سترة له من عمود ونحوها لئلا يشغله الناس عن صلاته وإبعادًا للمار والمصلي عن الإثم، والله أعلم.
السعي بين الصفا والمروة:
التعريف: السعي في اللغة: من سعى يسعى سعيا: أي قصد أو عمل أو مشى أو عدا (٣).
قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
والصفا جمع صفاة وهي الصخرة والحجر الأملس، والمروة حجر أبيض براق.
стр. 804
والمراد بالصفا والمروة الجبلان الصغيران اللذان على مقربة من الكعبة وقد أصبحا الآن ضمن بناء المسجد بعد التوسعة.
وفي الاصطلاح الشرعي: قطع المسافة بين الصفا والمروة سبع مرات ذهابًا وإيابًا بعد طواف في نسك حج أو عمرة.
الأصل في مشروعية السعي: دل على مشروعية السعي الكتاب والسنة.
أما الكتاب: فمن القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيم﴾ [البقرة: ١٥٨].
وأما السنة: فمنها ما ثبت عن النبي ﷺ أنه سعى بين الصفا والمروة وقال: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" (١).
وقد شرع السعي على مثال سعي السيدة هاجر أم إسماعيل فقد سعت بين الصفا والمروة سبع مرات لطلب الماء لابنها عندما أسكنها إبراهيم ﵇ في هذا الوادى ونفد ما عندها من ماء حتى جاءها الغوث من الله حيث نبع ماء زمزم.
قال ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ : "فذلك سعى الناس بينهما" (٢).
حكم السعي: اختلف الفقهاء في حكم السعي بين الصفا والمروة:
١ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة في المعتمد عندهم إلى أن السعي ركن من أركان الحج والعمرة لا يصحان بدونه.
٢ - وذهب الحنفية والحنابلة في رواية إلى أن السعي واجب في الحج والعمرة
стр. 805
فمن تركه وجب عليه الدم.
٣ - وذهب الحنابلة في رواية أخرى إلى أن السعي سنة لا يجب بتركه شيء.
الأدلة:
١ - استدل الجمهور بما يأتي:
أ- حديث عائشة ﵂ قالت: "طاف رسول الله ﷺ وطاف المسلمون يعني بين الصفا والمروة فكانت سنة، فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة" (١).
ب- حديث حبيبة بنت أبي تجراة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" (٢).
جـ - أن السعي نسك في الحج والعمرة حيث فعله النبي ﷺ ووصله بالطواف فكان ركنا فيها كالطواف.
٢ - واستدل الحنفية ومن معهم بما يأتي:
أ- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].
جاء في قراءة ابن مسعود: ﴿ألا يطوف بهما﴾ وهي لا تدل على القول بالركنية للسعي لأن ذلك غير قاطع في الإثبات للركنية وإنما أكثر ما فيها الدلالة على الوجوب لا على كونه لا يتم الحج إلا به.
وأجابوا عن قول عائشة بأنه معارض بقول من خالفه من الصحابة. وأما
стр. 806
حديث حبيبة فقد ضعفه بعض العلماء قال ابن المنذر: "يرويه عبد الله بن المؤمل وقد تكلموا في حديثه".
واستدل من قال بالسنية بما جاء في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فنفى الحرج عنه دليل على عدم وجوبه، وإنما هو رتبة المباح وتثبت السنية بقوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
صفة السعي:
بعد انتهاء الطواف يتوجه الحاج أو المعتمر إلى الصفا ويبدأ السعي مستقبلًا الكعبة المشرفة ويوحد الله ويكبره ويقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية ويدعو بما شاء ثم يسير متوجها إلى المروة فإذا حاذى العمودين الأخضرين أسرع بما لا يشق على غيره حتى العمودين الآخرين ثم يمشي إلى المروة ويصعد عليها ويكبر ويهلل ويدعو بما شاء كما فعل على الصفا وهذا شوط واحد ثم يتجه إلى الصفا مشيًا إلى محاذاة العمودين الأخضرين فيسرع إلى العمودين الآخرين وذلك خاص بالرجال دون النساء ويمشي حتى يصل إلى الصفا وهذا شوط ثان ثم يكمل سعيه سبعة أشواط في الذهاب سعيه وفي الرجوع سعيه حتى يكمل السعي.
شروط السعي:
١ - أن يكون السعي بعد طواف صحيح سواء أكان طواف القدوم أو العمرة أو الإفاضة، دليل ذلك فعله ﷺ فإنه قد سعى بعد الطواف.
وورد عنه ﷺ أنه قال: "لتأخذوا مناسككم" (١) وهذا الشرط باتفاق الفقهاء الأربعة.
стр. 807
٢ - الترتيب بأن يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة لأن الله تعالى بدأ بالصفا ولفعله ﷺ ويعتبره الحنفية واجبًا وليس شرطًا.
٣ - أن يكون السعي سبعة أشواط كاملة لفعله ﷺ ويعتبره الحنفية واجبًا وليس شرطًا.
٤ - استيعاب المسافة بين الصفا والمروة وألا يقصر دونها وهو شرط عند الشافعية والحنابلة وذلك لفعله ﷺ .
٥ - الموالاة بين أشواط السعي ولا يضر الفصل اليسير كالصلاة وهو شرط عند المالكية والحنابلة في رواية.
٦ - ويضيف الحنابلة شرطًا آخر هو نية السعي.
سنن السعي:
للسعي سنن كثيرة مأخوذة من هدي النبي ﷺ وفعله لها ومنها:
١ - الخروج إلى الصفا من بابه.
٢ - أن يؤدي السعي بعد الطواف مباشرة.
٣ - أن يؤدي السعي وهو على طهارة من الحدثين وطهارة في الثوب والبدن.
٤ - أن يصعد على الصفا والمروة كلما بلغهما في سعيه بحيث يشاهد البيت العتيق.
٥ - استقبال القبلة كلما بلغ الصفا والمروة مع الدعاء والتكبير والتهليل.
٦ - السعي الشديد بين (العمودين الأخضرين) اللذين في جدار المسعى في الأشواط السبعة وهو خاص بالرجال دون النساء لأن المطلوب منهن الستر ولا يناسبه السعي الشديد.
стр. 808
٧ - أن يسعى ماشيًا عند الشافعية والحنابلة وعند الحنفية والمالكية المشي للقادر عليه واجبًا (١).
٨ - الموالاة بين أشواط السعي ولا تترك الموالاة إلا للصلاة ونحوها.
الوقوف بعرفه:
المراد بالوقوف في عرفة: هو وجود الحاج في أي جزء من أرض عرفة في الوقت المحدد للوقوف فيها على أي حال كان قائما أو جالسا أو نائما أو غير ذلك.
الأصل في مشروعية الوقوف بعرفة:
الأصل في الوقوف بعرفة الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] ذلك أن قريشا كانت تقف بالمزدلفة والناس يقفون بعرفات فأمر الله نبيه أن يأتي عرفات ويقف فيها ثم يفيض منها. فالآية أمرت بالوقوف ثم الإفاضة من عرفة (٢).
وأما السنة: فقد ورد عدة أحاديث منها:
١ - حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي أن أناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ فسألوه فأمر مناديًا ينادي: "الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج" (٣).
стр. 809
٢ - عن عروة بن مضرس الطائي قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت يا رسول الله إني جئت من جبل طيء أكللت رحلتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج فقال رسول الله ﷺ : "من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى يدفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه" (١).
وأما الإجماع: فقد نقل كثير من العلماء الإجماع على ركنية الوقوف بعرفة:
فقال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن الوقوف بعرفة فرض لا حج لمن فاته الوقوف بها" (٢).
٣ - وقال الكاساني: "وكذا الأمة أجمعت على كون الوقوف ركنا في الحج ... " (٣).
٤ - وقال ابن قدامة: "والوقوف ركن لا يتم الحج إلا به إجماعا" (٤).
٥ - وقال ابن عبد البر: "وأما الوقوف بعرفة فأجمع العلماء في كل عصر وبكل مصر فيما علمت أنه فرض لا ينوب عنه شيء، وأنه من فاته الوقوف بعرفة في وقته الذي لا بد منه فلا حج له" (٥).
حكم الوقوف بعرفة:
الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا يتم حج المسلم إلا به وذلك بإجماع الأمة.
стр. 810
وقت الوقوف بعرفة:
اتفق الفقهاء على أن آخر وقت الوقوف هو طلوع فجر يوم النحر أما أول وقت للوقوف فيرى الجمهور أنه يبدأ من زوال الشمس يوم عرفة ويرى الحنابلة أنه يبدأ من طلوع الفجر يوم عرفة لأن النبي ﷺ قال في الحديث: "وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه" والنهار يشمل جميع اليوم وإذا وقف الحاج ليلًا فقط أو نهارًا فقط فهل يكفيه ذلك ويكون حجه صحيحًا؟
اتفق الفقهاء على أن الحاج إذا وقف ليلًا فقط فإنه يكفيه وحجه صحيح.
أما إذا وقف نهارًا فإنه يجب عليه عند عامة الفقهاء أن يقف إلى غروب الشمس ثم يدفع منها لفعله ﷺ فإن انصرف منها قبل الغروب فحجه صحيح عند الجمهور ويجب عليه دم جزاءً لفعله ذلك.
ويرى المالكية أن الوقوف ليلًا أو جزءًا من الليل لمن وقف نهارًا شرط في صحة الوقوف فإن لم يقف ليلًا فإن حجه باطل وعليه الحج من العام القادم لإخلاله بالشرط ما لم يرجع إلى عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر.
وفي قول عند الشافعية أن الوقوف إلى الليل مستحب وليس بواجب ولكن ينبغي لمن ينصرف قبل الليل أن يقدم فدية لذلك.
مكان الوقوف بعرفة:
يقف الحاج في عرفات وهي المكان المعروف الواقع بين وادي عرنة والجبال الشرقية الشاهقة وهي محددة بعلامات تبين حدودها فعلى الحاج التأكد من ذلك لئلا يقف خارج عرفة فيبطل حجه.