← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

حديث حبيبة فقد ضعفه بعض العلماء قال ابن المنذر: "يرويه عبد الله بن المؤمل وقد تكلموا في حديثه". واستدل من قال بالسنية بما جاء في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فنفى الحرج عنه دليل على عدم وجوبه، وإنما هو رتبة المباح وتثبت السنية بقوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. صفة السعي: بعد انتهاء الطواف يتوجه الحاج أو المعتمر إلى الصفا ويبدأ السعي مستقبلًا الكعبة المشرفة ويوحد الله ويكبره ويقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية ويدعو بما شاء ثم يسير متوجها إلى المروة فإذا حاذى العمودين الأخضرين أسرع بما لا يشق على غيره حتى العمودين الآخرين ثم يمشي إلى المروة ويصعد عليها ويكبر ويهلل ويدعو بما شاء كما فعل على الصفا وهذا شوط واحد ثم يتجه إلى الصفا مشيًا إلى محاذاة العمودين الأخضرين فيسرع إلى العمودين الآخرين وذلك خاص بالرجال دون النساء ويمشي حتى يصل إلى الصفا وهذا شوط ثان ثم يكمل سعيه سبعة أشواط في الذهاب سعيه وفي الرجوع سعيه حتى يكمل السعي. شروط السعي: ١ - أن يكون السعي بعد طواف صحيح سواء أكان طواف القدوم أو العمرة أو الإفاضة، دليل ذلك فعله ﷺ فإنه قد سعى بعد الطواف. وورد عنه ﷺ أنه قال: "لتأخذوا مناسككم" (١) وهذا الشرط باتفاق الفقهاء الأربعة.

стр. 807

٢ - الترتيب بأن يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة لأن الله تعالى بدأ بالصفا ولفعله ﷺ ويعتبره الحنفية واجبًا وليس شرطًا. ٣ - أن يكون السعي سبعة أشواط كاملة لفعله ﷺ ويعتبره الحنفية واجبًا وليس شرطًا. ٤ - استيعاب المسافة بين الصفا والمروة وألا يقصر دونها وهو شرط عند الشافعية والحنابلة وذلك لفعله ﷺ . ٥ - الموالاة بين أشواط السعي ولا يضر الفصل اليسير كالصلاة وهو شرط عند المالكية والحنابلة في رواية. ٦ - ويضيف الحنابلة شرطًا آخر هو نية السعي. سنن السعي: للسعي سنن كثيرة مأخوذة من هدي النبي ﷺ وفعله لها ومنها: ١ - الخروج إلى الصفا من بابه. ٢ - أن يؤدي السعي بعد الطواف مباشرة. ٣ - أن يؤدي السعي وهو على طهارة من الحدثين وطهارة في الثوب والبدن. ٤ - أن يصعد على الصفا والمروة كلما بلغهما في سعيه بحيث يشاهد البيت العتيق. ٥ - استقبال القبلة كلما بلغ الصفا والمروة مع الدعاء والتكبير والتهليل. ٦ - السعي الشديد بين (العمودين الأخضرين) اللذين في جدار المسعى في الأشواط السبعة وهو خاص بالرجال دون النساء لأن المطلوب منهن الستر ولا يناسبه السعي الشديد.

стр. 808

٧ - أن يسعى ماشيًا عند الشافعية والحنابلة وعند الحنفية والمالكية المشي للقادر عليه واجبًا (١). ٨ - الموالاة بين أشواط السعي ولا تترك الموالاة إلا للصلاة ونحوها. الوقوف بعرفه: المراد بالوقوف في عرفة: هو وجود الحاج في أي جزء من أرض عرفة في الوقت المحدد للوقوف فيها على أي حال كان قائما أو جالسا أو نائما أو غير ذلك. الأصل في مشروعية الوقوف بعرفة: الأصل في الوقوف بعرفة الكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] ذلك أن قريشا كانت تقف بالمزدلفة والناس يقفون بعرفات فأمر الله نبيه أن يأتي عرفات ويقف فيها ثم يفيض منها. فالآية أمرت بالوقوف ثم الإفاضة من عرفة (٢). وأما السنة: فقد ورد عدة أحاديث منها: ١ - حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي أن أناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله ﷺ فسألوه فأمر مناديًا ينادي: "الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج" (٣).

стр. 809

٢ - عن عروة بن مضرس الطائي قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت يا رسول الله إني جئت من جبل طيء أكللت رحلتي وأتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج فقال رسول الله ﷺ : "من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى يدفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه" (١). وأما الإجماع: فقد نقل كثير من العلماء الإجماع على ركنية الوقوف بعرفة: فقال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن الوقوف بعرفة فرض لا حج لمن فاته الوقوف بها" (٢). ٣ - وقال الكاساني: "وكذا الأمة أجمعت على كون الوقوف ركنا في الحج ... " (٣). ٤ - وقال ابن قدامة: "والوقوف ركن لا يتم الحج إلا به إجماعا" (٤). ٥ - وقال ابن عبد البر: "وأما الوقوف بعرفة فأجمع العلماء في كل عصر وبكل مصر فيما علمت أنه فرض لا ينوب عنه شيء، وأنه من فاته الوقوف بعرفة في وقته الذي لا بد منه فلا حج له" (٥). حكم الوقوف بعرفة: الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا يتم حج المسلم إلا به وذلك بإجماع الأمة.

стр. 810

وقت الوقوف بعرفة: اتفق الفقهاء على أن آخر وقت الوقوف هو طلوع فجر يوم النحر أما أول وقت للوقوف فيرى الجمهور أنه يبدأ من زوال الشمس يوم عرفة ويرى الحنابلة أنه يبدأ من طلوع الفجر يوم عرفة لأن النبي ﷺ قال في الحديث: "وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه" والنهار يشمل جميع اليوم وإذا وقف الحاج ليلًا فقط أو نهارًا فقط فهل يكفيه ذلك ويكون حجه صحيحًا؟ اتفق الفقهاء على أن الحاج إذا وقف ليلًا فقط فإنه يكفيه وحجه صحيح. أما إذا وقف نهارًا فإنه يجب عليه عند عامة الفقهاء أن يقف إلى غروب الشمس ثم يدفع منها لفعله ﷺ فإن انصرف منها قبل الغروب فحجه صحيح عند الجمهور ويجب عليه دم جزاءً لفعله ذلك. ويرى المالكية أن الوقوف ليلًا أو جزءًا من الليل لمن وقف نهارًا شرط في صحة الوقوف فإن لم يقف ليلًا فإن حجه باطل وعليه الحج من العام القادم لإخلاله بالشرط ما لم يرجع إلى عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر. وفي قول عند الشافعية أن الوقوف إلى الليل مستحب وليس بواجب ولكن ينبغي لمن ينصرف قبل الليل أن يقدم فدية لذلك. مكان الوقوف بعرفة: يقف الحاج في عرفات وهي المكان المعروف الواقع بين وادي عرنة والجبال الشرقية الشاهقة وهي محددة بعلامات تبين حدودها فعلى الحاج التأكد من ذلك لئلا يقف خارج عرفة فيبطل حجه.

стр. 811

وقوف الحاج في عرنة: ذهب الفقهاء إلا مالكًا إلى أن حجه باطل فهو لم يقف بعرفة لحديث: "كل عرفة موقف وارفعوا عن بطن عرنة" (١). وذهب مالك إلى أن حجه صحيح وعليه دم لجبر النقص الذي حصل منه. لأن الأصل أن الوقوف بكل عرفة جائز إلا ما قام عليه الدليل ولم يقم الدليل من وجه يلزم به الحجة والخروج عن الأصل (٢). الانصراف من عرفة قبل غروب الشمس: اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: ١ - ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس واجب من واجبات الحج وأن من لم يقف إلى الغروب فعليه دم جبرًا للنقص الحاصل في نسكه. ٢ - وذهب مالك إلى أن الوقوف إلى الليل لمن وقف نهارًا بحيث يجمع بين الليل والنهار في وقوفه يعتبر شرطًا لصحة الوقوف وأن من خالفه فحجه باطل لحديث: "خذوا عني مناسككم". ٣ - وذهب الشافعية في قول لهم إلى أن الوقوف إلى الليل مستحب وليس بواجب، ومنهم من يرى أن عليه دمًا خروجًا من الخلاف، ومنهم من لم ير عليه شيئًا وحجه تام وهو رواية عن الحنابلة (٣) وقد أيد هذا القول الشيخ محمَّد الأمين

стр. 812

الشنقيطي بقوله: "أما من اقتصر وقوفه على الليل والنهار أو النهار من بعد الزوال دون الليل فأظهر الأقوال فيه دليلًا عدم لزوم الدم ... " إلى أن قال: "وأما المقتصر على النهار دون الليل فلحديث عروة بن مضرس الطائي وأن النبي ﷺ قال فيه: "وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجة وقضى تفثه" وهو يدل على أن الوقوف نهارًا يتم حجه بذلك، ولم يثبت نقل صريح في معارضة ظاهر هذا الحديث، وعدم لزوم الدم على المقتصر نهارًا هو الصحيح من مذهب الشافعي لدلالة هذا الحديث على ذلك كما ترى"أ. هـ. كما أيده الشيخ عبد الله بن منيع حيث قال: "ونظرًا إلى ما يعانيه حجاج بيت الله الحرام من المشقة والضرر البالغ نتيجة منعهم من الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة قبل غروب الشمس ... ونظرًا إلى أن القول بوجوب الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس محل اجتهاد ونظر بين أهل العلم ... لا شك أن من التيسير: الأخذ بقول من قال: بجواز إفاضة الحجاج من عرفة قبل غروب الشمس إذ هو قول قوى قال بصحته شيخنا: محمَّد الأمين الشنقيطي وأن الأخذ به لا يرتب على الحاج دمًا" (١). خطأ الحاج فى الوقوف بعرفة: إذا أخطأ الحجاج فوقفوا في عرفة اليوم الثامن أو اليوم العاشر من ذي الحجة فإن للفقهاء في ذلك أقوالًا: أولًا: الوقوف في اليوم الثامن من ذي الحجة خطأ: ١ - ذهب الحنفية وهو قول عند المالكية وأصح الوجهين عند الشافعية إلى أنه لا يجزئ الوقوف في اليوم الثامن على أنه يوم عرفة وذلك لأنه اجتهاد أو

стр. 813

شهادة من شهد بالباطل، ولأنه خطأ غير مبني على دليل فلم يعذروا فيه. ٢ - وذهب الحنابلة وهو قول ابن القاسم من المالكية ووجه عند الشافعية إلى أنه يجزئهم الوقوف لحديث: "يوم عرفة اليوم الذي يعرف الناس فيه" (١). وهو نص في الإجزاء ثم إنه لو كان هناك خطأ وصواب لاستحب الوقوف مرتين وهو بدعة لم يفعله السلف فعلم أنه لا خطأ. الراجح: بدراسة أدلة القولين نرى أن الراجح هو القول بالإجزاء لما ذكره القائلون بالإجزاء ولما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون" (٢). ثانيًا: الوقوف في اليوم العاشر من ذي الحجة خطأ: اتفق الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة على أن وقوف الحاج خطأ اليوم العاشر على أنه يوم عرفة صحيح وذلك لحديث: "يوم عرفة اليوم الذي يعرف الناس فيه" (٣). وحديث: "الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحي يوم تضحون" (٤). ولأن الوقوف اليوم العاشر قد أكمل الناس فيه العدة لشهر ذي القعدة دون اجتهاد (٥).

стр. 814

من فاته الوقوف بعرفة (الفوات): الوقوف بعرفة ركن الحج فمن لم يتمكن من الوقوف بعرفة في الوقت المحدد وطلع فجر يوم النحر دون وقوفه لأي سبب فإن الحج يفوته وعليه التحلل من الإحرام بعمرة فيطوف ويسعى ويحلق وليس عليه إكمال أعمال الحج المتبقية من مبيت بمزدلفة أو منى أو رمي جمار أو غيرها. وعلى من فاته الوقوف الحج من العام القابل وعليه هدي قال ابن عبد البر: "في قصة أبي أيوب وهبار بن الأسود إذ فات كل منهما الحج فأمرهما عمر بن الخطاب ﵁ أن يحل كل منهما بعمل عمرة ثم يحج من قابل ويهدي فمن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وهذا أمر مجمع عليه فيمن فاته الحج بعد أن أحرم به ولم يدرك عرفة إلا يوم النحر" (١). سنن الوقوف بعرفة: للوقوف بعرفة سنن كثيرة وهي مأخوذة من هديه ﷺ في ذلك ومنها: ١ - أن يغتسل للوقوف بعرفة. ٢ - أن يسير إلى عرفة بعد طلوع الشمس من يوم عرفة وأن ينزل بنمرة إن أمكن. ٣ - أن يخطب الإِمام أو نائبه في الناس ويبين لهم أحكام الحج ويتعرض لما يهم المسلمين في عاجل أمرهم وآجله. ٤ - الجمع والقصر بين صلاتي الظهر والعصر في وقت الأولى. ٥ - التوجه إلى عرفة بعد الصلاة ليكون تواجده بعرفة أطول زمنا. ٦ - الفطر في يوم عرفة ليكون أعون للحاج على الدعاء.

стр. 815

٧ - أن يقف متطهرًا من الأحداث والأخباث لأنه أكمل في أداء العبادة. ٨ - أن يقف مستقبل القبلة وأن يكون حاضر القلب فارغًا من مشاغل الدنيا ليواطئ دعاؤه وتضرعه قلبه فيكون أدعى للإجابة. ٩ - أن يقف حيث وقف رسول الله ﷺ عند الصخرات إن أمكن وأن يكون راكبًا إذا كان أرفق به وأن يبرز للشمس إذا لم يكن في ذلك ضرر عليه ولو في جزء من الوقت بعد ذهاب حرارة الشمس. ١٠ - أن يكثر من التلبية والدعاء والاستغفار وقراءة القرآن ويرفع يديه مع الدعاء. ١١ - أن يدفع من عرفة بعد غروب الشمس وعليه السكينة والوقار، وألا يؤدي أحدًا في سيره وإفاضته من عرفة إلى مزدلفة (١). واجبات الحج: الواجب في الحج هو ما يطلب فعله ويحرم تركه ولا تتوقف صحة الحج عليه ويأثم تاركه إلا إذا كان الترك لعذر شرعي ويجب عليه الفداء بتركه جبرًا للنقص، وللحج واجبات هي: ١ - الإحرام: الإحرام من الميقات الذي يمر به في طريقه إلى مكة المكرمة، ويحرم تأخير الإحرام عنه، فإن آخره عنه ثم أحرم ولم يعد إلى الميقات فعليه دم فدية لتركه هذا الواجب وذلك باتفاق الفقهاء (٢). قال ابن هبيرة: "واتفقوا على أن هذه المواقيت

стр. 816

لا يجوز أن يتجاوزها الإنسان إلا محرما ممّن يريد النسك" (١). ٢ - المبيت بمزدلفة: تقع المزدلفة بين مأزمى عرفة وهو المضيق بين الجبلين عند نهاية عرفة جهة المزدلفة وبين وادي محسر الذي يفصل بين مزدلفة ومنى. ومزدلفة كلها من الحرم. وسميت المزدلفة من الزلفة بمعنى القربة أو القرب لأنهم من عرفات يقربون زلفا إلى المشاعر والبيت الحرام وتسمى جمعًا لاجتماع الناس فيها وتسمى المشعر الحرام باسم الجبل الموجود فيها وهو جبل قزح. مكان المبيت بمزدلفة: يبيت الحاج في أي مكان من مزدلفة ويرفع عن وادي محسر كما هو محدد بعلامات واضحة تبين حدودها وينبغي التنبه لها. وقت المبيت بمزدلفة: يبدأ وقت المبيت بعد مغرب يوم عرفة ليلة النحر إلى ما قبل طلوع الشمس. وقد اتفق الفقهاء على أن الوقوف بمزدلفة واجب من واجبات الحج ولكنهم اختلفوا في مقدار ذلك على النحو الآتي: ١ - فذهب الحنفية إلى أن الوقوف الواجب هو من طلوع الفجر يوم النحر إلى طلوع الشمس فمتى كان فيها في هذا الوقت ولو مارًا فقد أدرك الوقوف في مزدلفة ومن لم يكن في هذا الوقت فقد فاته الوقوف حتى لو كان قد بات في مزدلفة وعليه دم فدية لتركه الواجب ما لم يكن له عذر من مرض ونحوه. ٢ - وذهب المالكية إلى أن الواجب هو النزول في المزدلفة قدر حط الرحال في ليلة النحر وهو في طريقه من عرفة إلى مني ما لم يكن له عذر فلا يجب عليه النزول.

стр. 817

٣ - وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الواجب هو المبيت بمزدلفة إلى نصف الليل فإن غادرها قبل ذلك فعليه دم إن لم يعد إليها قبل طلوع الفجر وإن لم يبت بها مطلقا أو جاء بعد طلوع الفجر فعليه دم فدية واحتجوا بأن النبي ﷺ بات في مزدلفة وقال "لتأخذوا عني مناسككم" وإنما أبيح الدفع بعد منتصف الليل لما روي عن ابن عباس ﵁: قال: كنت في من قدم النبي ﷺ في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى (١). الراجح: نرى أن الأولى هو الأخذ بما ذهب إليه الشافعية والحنابلة حيث ينبغي أن يبقى الحاج في مزدلفة إلى نصف الليل إن استطاع الوصول إليها قبل ذلك وإن لم يستطيع فحسب استطاعته ولا شيء عليه لما ورد في ذلك من أحاديث وخروجًا من خلاف الفقهاء وهو أكمل لحج المسلم الذي جاء إلى المشاعر المقدسة ابتغاء لما عند الله. سنن المبيت بمزدلفة: وهي مأخوذة من فعله ﷺ وهديه ومنها: ١ - أن يصلى فيها المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا حال وصوله. ٢ - أن يبيت فيها إلى أن يصلى الفجر في أول وقتها. ٣ - أن يبادر بعد صلاة الفجر إلى الدعاء والتكبير والتهليل والتلبية. ويستمر حتى يسفر جدًا. ٤ - أن يلتقط حصى الجمار منها أو من الطريق إلى مني لفعله ﷺ . ٥ - أن يدفع من المزدلفة إلى منى قبل أن تطلع الشمس ويكثر من التلبية حتى يصل إلى جمرة العقبة.

стр. 818

٦ - أن يسرع السير قدر الإمكان إذا وصل وادي محسر حتى يجاوزه إلى منى (١). ٣ - رمي الجمار: حقيقته ومعناه: الرمي لغة القذف. والجمار: الأحجار الصغيرة جمع جمرة وهي الحصاة وسمي موضع الجمار بمنى جمرة لأنها ترمى بالجمار، والجمرة التي يرمي بها أكبر من الحمص قليلًا وأصغر من البندق. الجمار التي ترمى: يرمي الحاج ثلاث جمرات هي: ١ - الجمرة الصغرى: وهي أول الجمرات من جهة منى وأقربها إلى مسجد الخيف. ٢ - الجمرة الوسطى: وهي التي تقع بعد الجمرة الصغرى وبين الصغرى والوسطى ١٥٦ م. ٣ - جمرة العقبة: وسميت بالعقبة لوجود عقبة كانت بجانبها وقد أزيلت في الوقت الحاضر، وهي الجمرة الكبرى وتقع خارج منى من جهة مكة وبينها وبين الوسطى ١١٦ م وقد أقيمت جسور تربط بينها جميعًا وجعلت أدوارًا متعددة ليتمكن الناس من الرمي بدون ضرر عليهم. الترتيب في الرمي وعدده: ١ - يرمي يوم النحر جمرة العقبة فقط ويبدأ بها حين وصوله منى من مزدلفة ويقطع التلبية ويرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة "الله أكبر". ٢ - في اليوم الأول والثاني من أيام التشريق يرمي الجمرات الثلاث: بدءًا

стр. 819

بالأولى (الصغرى) بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة ثم يتجه إلى الثانية (الوسطى) ويرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم يتجه إلى الجمرة الكبرى (العقبة) ويرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. ٣ - في اليوم الثالث من أيام التشريق لمن لم يتعجل بل بقي بمنى وذلك أفضل كما هو فعل النبي ﷺ فإنه يرمي الجمرات كما رماها في اليومين السابقين ترتيبًا وعددًا فيكون مجموع عدد الحصيات للمتأخر سبعين حصاة. وقد اختلف الفقهاء في أداء الرمي من حيث الترتيب: ١ - فذهب الجمهور إلى أنه واجب لأنه فعل النبي ﷺ وقوله "لتأخذوا عني مناسككم" فمن ترك ذلك أو شيئًا منه لزمه فدية. ٢ - وذهب الحنفية إلى أن الترتيب سنة ولا شيء بتركه. الأصل في مشروعية رمي الجمار: الأصل في مشروعيتها السنة والإجماع في أداء شعيرة الرمي للجمرات اقتداء بأبي الأنبياء إبراهيم ﵇ وهي انقياد لأمر الله وإظهار العبودية لله سبحانه. أما السنة: فما ثبت في حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ : " ... حتي أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ... " (١). وأما الإجماع: فقد نقله بعض العلماء، جاء عن ابن المنذر قوله: "وأجمعوا على أن النبي ﷺ رمى يوم النحر جمرة العقبة بعد طلوع الشمس" (٢). قال في بدائع الصنائع: "أما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على وجوبه" (٣).

стр. 820

وقال ابن رشد: "واتفقوا على أن جملة ما يرميه الحاج سبعون حصاة منها في يوم النحر جمرة العقبة بسبع ... وأنه يرمي في كل يوم من أيام التشريق ثلاث جمار بواحد وعشرين حصاة كل جمرة منها بسبع" (١). وبناء على ذلك فمن ترك رمي الجمار كلها أو بعضها لزمه دم عند عامة أهل العلم. وقت رمي الجمار: أولًا: رمي يوم النحر (جمرة العقبة): ١ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أن وقت الرمي لجمرة العقبة يبدأ من طلوع فجر يوم النحر وآخره عند المالكية إلى مغرب اليوم نفسه وعند الحنفية إلى فجر اليوم التالي. فإن أخره الحاج عن ذلك فعليه فدية دم. ٢ - وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن وقت الرمي لها يبدأ من منتصف ليلة يوم النحر لما روي عن ابن عباس ﵁ قال: "كنت في من قدم النبي ﷺ في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى" (٢)، وعن عائشة ﵂ قالت: "أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت" (٣)، وآخر وقتها يمتد إلى آخر أيام التشريق فإن أخره عنها فعليه دم. وقد أخذ بهذا القول هيئة كبار العلماء في السعودية كما جاء في قرار الهيئة رقم (٣١). ثانيًا: رمي الجمار أيام التشريق: يبدأ وقت الرمي بعد الزوال في المختار عند الفقهاء لفعله ﷺ ، وأجاز الحنفية الرمي قبل الزوال إذا كان قصد الحاج النفر من منى في اليوم الثاني أو

стр. 821

الثالث. وينتهي وقت الرمي عند الحنفية والمالكية بنهاية كل يوم. وعند الشافعية والحنابلة ينتهي وقت الرمي بنهاية أيام التشريق فلو أخر رمي اليوم الأول إلى اليوم الثاني أو أخرهما إلى اليوم الثالث جاز ولا شيء عليه لكن يجب الترتيب بين رمي اليوم السابق واليوم الذي يرمي فيه ويعتبر ذلك أداء لا قضاء لأنه محدد بوقت هي أيام التشريق والقضاء لا تحديد له وعند الشافعية يجوز تقديم رمي اليوم الثاني والثالث مع رمي اليوم الأول (١). ثالثًا: الرمي ليلًا: مما ذكرنا يتبين الأوقات الفاضلة لرمي الجمار حسب قول كل مذهب، ولكن نظرًا لكثرة الحجاج وشدة الزحام وحيث إن المحافظة على النفس إحدى الضروريات الخمس في الشريعة الإِسلامية فإنه يجوز الرمي ليلًا امتدادًا لليوم الذي رمي فيه الحاج ثم إن النبي ﷺ لم يحدد وقتا لانتهاء الرمي فيكون الرمي ليلًا جائزًا وبذلك صدرت الفتوى [بالقرار رقم (١٢٩)] من هيئة كبار العلماء في السعودية وغيرهم بجواز ذلك. رابعًا: الرمي قبل الزوال في أيام التشريق: أجاز الحنفية الرمي قبل الزوال في اليوم الثاني والثالث إذا كان الحاج قد قصد النفر عن مني، وبما أن عدد الحجاج قد كثر بحيث أصبح الازدحام عند الجمرات شديدًا فنتج عنه بعض الوفيات ولذا أجاز بعض أهل العلم الرمي قبل الزوال محافظة على أرواح الحجاج حيث قد جاءت الشريعة بحفظ الضروريات الخمس ومنها حفظ النفس. قال السيوطي: "وصحح النووي الجواز ليلًا وقبل الزوال" (٢)، وبه أفتى

стр. 822

مجموعة من الفقهاء المعاصرين. شروط صحة رمي الجمار: ١ - أن يكون الرمي لكل من الجمرات بسبع حصيات. ٢ - أن يرمي بيده كل حصاة برمية لوحدها ولا يجوز رميها دفعة واحدة أو رمي أكثر من واحدة. ٣ - أن يكون الرمي بحصيات قدر ما يرمي به (الخذف) ولا يجوز الرمي بطين أو حديد أو غير ذلك كالأحذية. وأجاز الحنفية الرمي بكل ما كان من جنس الأرض كالحجر والطين ونحوها. ٤ - أن يقصد المرمى وأن يتحقق من إصابة الحجر المرمى. ٥ - الترتيب بين الجمرات في الرمي أيام التشريق بأن يبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم العقبة (الكبرى) عند الجمهور ويرى الحنفية أن الترتيب سنة في الرمي أيام التشريق. سنن رمي الجمار: لرمي الجمار سنن وهي مأخوذة من هدي النبي ﷺ وفعله ومنها: ١ - المبادرة بالرمي لجمرة العقبة يوم النحر بعد وصوله إلى مني. ٢ - أن يرمي الجمرات أيام التشريق بعد الزوال. ٣ - الموالاة في رمي الحصيات في الجمرة وفي رمي الجمار الأخرى ولا يفصل بين ذلك إلا لحاجة. ٤ - أن يقرب من المرمى ليتأكد من سقوط الحصى فيه.

стр. 823

٥ - أن يرمي الجمرة الصغرى جاعلًا منى عن يساره ومكة عن يمينه وأن يجعل منى عن يمينه ومكة عن يساره عند رمي الوسطى وأن يرمي العقبة جاعلًا منى عن يمينه ومكة عن يساره. ٦ - أن يقف بعد الجمرة الصغرى والوسطى مستقبلًا القبلة ويدعو بما شاء ولا يقف بعد جمرة العقبة. ٧ - أن يرمي بيده اليمنى خذفا برؤوس أصابعه ويكبر مع كل حصاة. ٨ - أن تكون الحصيات طاهرة ليس بها نجاسة. ٩ - أن تكون الحصيات مثل حصى الخذف وهو أكبر من الحمص قليلًا. ١٠ - ألا تكون حصى الجمرات قد رمى بها. النيابة في الرمي: يجوز لولي الصغير أن يرمي عنه إذا خاف عليه الزحام، ويجوز للعاجز عن الرمي لكبر سن أو مرض أو حمل أو غير ذلك من الأعذار الشرعية أن يوكل غيره على أن يرمي الوكيل عن نفسه أولًا ثم يرمي عن موكله ولو كان في مكان واحد لم يغادره عند الجمرة كل منها على حدة. ترك الرمي للجمار: ١ - يرى الحنفية أنه يجب على الحاج دم بترك رمي الجمار كلها أو ترك يوم كامل وكذلك ترك رمي أكثر حصيات يوم منها لأن للأكثر حكم الكل. أما إن ترك الأقل من حصيات يوم فعليه صدقة، لكل حصاة نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير. ٢ - ويرى المالكية أنه يلزم الحاج دم في ترك حصاة أو أكثر كما لو ترك الجميع.

стр. 824

٣ - ويرى الشافعية والحنابلة أنه يجب الدم على من ترك الرمي كله أو ترك رمي يوم أو يومين أو ترك ثلاث حصيات من رمي أي جمرة. وعلى من ترك حصاة عند الشافعية مد طعام وفي الحصاتين مدان من الطعام. وعند الحنابلة روايات إحداها لا شيء عليه في الحصاة والحصاتين وفي رواية يجزئه ست والرواية الثالثة وهي المذهب أنه لا بد من سبع حصيات فإن قل فعليه في الحصاة طعام مسكين وفي الحصاتين طعام مسكينين (١). ٤ - النحر لمن كان متمتعًا أو قارنًا: يجب على الحاج إذا كان متمتعًا أو قارنًا أن ينحر هديا ويسن لغيرهما تقديم الهدي. ٤ - الهدي: والهدي لغة: بإسكان الدال وتخفيف الياء أو بكسر الدال مع تشديد الياء لغتان مشهورتان: وهو ما يهدى للحرم من النعم وغيرها وسمي الهدى بذلك لأنه يهدى لله تعالى. واصطلاحًا: هو ما يقدمه الحاج تقربًا إلى الله تعالى من بهيمة الأنعام (الإبل والبقر والغنم). الأصل في مشروعية الهدي: إن تقديم الهدى فيه اقتداء بإبراهيم ﵇ الذي أمره الله بذبح ولده فامتثل ففداه الله بذبح عظيم وفيه شكر لله على نعمه العظيمة، ومنها أن وفقه لأداء مناسك الحج بعد أن أوصله الله إلى بيته الحرام.

стр. 825

ومشروعية الهدي جاءت في الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وأما السنة: فما جاء في حديث جابر ﵁ قال: "ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده ثم أمر عليًا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها" (١). وما جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: "فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت ما هذا فقيل نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه" (٢)، جاء في نيل الأوطار: "وهو دليل على الأكل من دم القران لأن عائشة كانت قارنة". وأما الإجماع: فقد جاء في بداية المجتهد (٣): "إنهم قد أجمعوا على أن الهدي المسوق في هذه العبادة منه ما هو واجب ومنه تطوع، فالواجب منه ما هو واجب بالنذر، ومنه ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة، ومنه ما هو واجب لأنه كفارة، فأما ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة فهو هدي المتمتع باتفاق وهدي القارن ... ". أقسام الهدي: ينقسم الهدي إلى واجب ومستحب. أولًا: الهدي الواجب وينقسم إلى خمسة أقسام: ١ - هدي واجب للشكر وهو هدي التمتع والقران شكرًا لله تعالى على التوفيق بأداء النسكين في سفر واحد، وهذا هو ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ

стр. 826

فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] هدي واجب على من ترك واجبًا من واجبات الحج كالإحرام من الميقات ورمي الجمار والجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة وغيرها من الواجبات. ٢ - هدي واجب على من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام غير الوطء كالتطيب والحلق. ٣ - هدي واجب على من ارتكب جناية في الحرم بقتل صيده أو قطع شجرة. ٤ - هدي واجب بالنذر وهو ما ينذره الحاج تقربًا لله عند البيت الحرام. ثانيًا: هدي التطوع وهو ما يتقرب به إلى الله دون سبب يلزمه . ومن ذلك هدي الحاج المفرد والمعتمر. ويستحب ذلك اقتداء بالرسول ﷺ فقد أهدى مائة من الإبل في حجة الوداع ويستحب لمن ساق الهدي من خارج الحرم أن يشعره ويقلده وذلك بما يعرف منه أنه هدي لئلا يتعرض له ويكون قدوة لغيره وإظهارًا لشعائر الله وذلك لفعله ﷺ فيما أهداه إلى الحرم. قال النووي: "اتفقوا على أنه يستحب لمن قصد مكة بحج أو عمرة أن يهدي هديًا من الأنعام وينحره هناك ويفرقه على المساكين الموجودين في الحرم ... " (١). وقت الذبح: اختلف العلماء في ذلك على ما يأتي: ١ - يرى الحنفية أن وقت الذبح هو أيام النحر الثلاثة لهدي القران والتمتع وكذلك هدى التطوع. أما دم النذر والكفارات والتطوع فيذبح في أي وقت. ٢ - ويرى المالكية والحنابلة أن وقت ذبح الهدي سواء أكان ذبح الهدي واجبًا أم تطوعًا هو أيام النحر الثلاثة: يوم العيد ويومان بعده وذلك من بعد

стр. 827

صلاة العيد إلى آخر اليوم الثاني من أيام التشريق وفي رواية عند الحنابلة أن الوقت يستمر حتى آخر اليوم الثالث من أيام التشريق. ٣ - ويرى الشافعية أن وقت ذبح الهدي للتمتع والقران هو الإحرام بالحج فيجوز أن يقدمه على يوم العيد ويستمر إلى آخر أيام التشريق. فإن فات وقته ذبح الهدي الواجب قضاء. ويرى الشيخ عبد المجيد حسن: جواز ذبح هدي التمتع من حين الانتهاء من العمرة للمتمتع ويرى الشيخ عبد الله بن منيع: أنه يبدأ من الإحرام بالعمرة، ولا حد لنهايته بل يبقى دينا في ذمة الحاج حتى يؤديه ويوافقهم الشيخ عبد الرزاق عفيفي فيما يخص النهاية، وحجتهم في ذلك أنه لم يرد تحديد من الشارع حتى يتم التقيد به. جاء ذلك في القرار رقم (٤٣) لهيئة كبار العلماء في السعودية. الراجح: نرى أن الأولى هو القول بأن وقت الذبح يبدأ بعد صلاة العيد وهو الأفضل ويمتد إلى آخر أيام التشريق الثلاثة لأن أيام التشريق كلها أيام تكبير وإفطار فكانت وقتا للنحر. مكان الذبح: يذبح الهدي سواء أكان واجبًا أم تطوعًا في الحرم وللمهدي ذبحه في أي مكان من الحرم وهو قول عامة الفقهاء وذلك لحديث: "كل منى منحر وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر" (١). السنة أن يذبح الحاج هديه بمنى وأما المعتمر ففي مكة. قال ابن رشد: "وبالجملة فالنحر بمنى إجماع العلماء وفي العمرة بمكة" (٢).

стр. 828

كيفية النحر والذبح: يستحب أن يقول عند نحر الهدي أو ذبحه: "بسم الله والله أكبر اللَّهم هذا منك ولك" ويوجهه إلى القبلة والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى. وذبح البقر والغنم على جنبها الأيسر ويستحب أن ينحر بنفسه ويجوز له التوكيل لأن النبي ﷺ نحر بعضها بنفسه ووكل على باقيها. حكم الأكل من الهدي: ١ - يتفق الفقهاء على جواز الأكل من هدي التطوع إذا بلغ محله، قال ابن رشد (١): "وأجمعوا أن هدي التطوع إذا بلغ محله أنه يأكل منه صاحبه كسائر الناس وأنه إذا لم يبلغ محله خلى بينه وبين الناس ولم يأكل منه". ٢ - يرى جمهور الفقهاء أن للحاج أن يأكل من لحم هدي التمتع والقران. ويرى الشافعية أنه لا يجوز له الأكل من هدي التمتع والقران لأنهما واجبان فهما خاصان بفقراء مكة. الراجح: نرى أن الأولى هو القول بجواز الأكل من هدي التمتع والقران لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. ٣ - الهدى الواجب بترك واجب من واجبات الحج يرى الجمهور أنه لا يجوز الأكل منه ويرى المالكية أنه يجوز الأكل منه. ٤ - اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز الأكل من الهدي الذي وجب عليه بسبب ارتكابه محظورًا من محظورات الإحرام أو بسبب التعدي على صيد الحرم وقطع شجره وحشيشه أو بسبب النذر وأن هذه خاصة بفقراء الحرم.

стр. 829

مقدار ما يؤكل من الهدي: يستحب للمهدي الذي يجوز له الأكل من هديه أن يقسمها أثلاثًا: فيأكل الثلث، ويهدي الثلث ويتصدق بالثلث. ولا يجوز أن يعطى الجزار الأجرة من الهدي لقول علي ﵁: "أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنة وأقسم جلودها وجلالها، وأمرني ألا أعطي الجزار شيئًا منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا" (١). شروط الهدي: يشترط في الهدي ما يأتي: ١ - أن يكون من بهيمة الأنعام (الإبل والبقر والغنم). والإبل الواحد منها والبقرة تقوم مقام سبع شياه. قال جابر ﵁: "حججنا مع رسول الله ﷺ فنحرنا البعير عن سبعة والبقرة عن سبعة" (٢). ٢ - أن يكون الهدي سليما خاليًا من العيوب التي تمنع الإجزاء وهي المريضة البين مرضها، والعوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها. ٣ - أن يكون سن الهدي من الإبل خمس سنين ومن البقر سنتين ومن المعز سنة ومن الضأن الجذع وهو ماله ستة أشهر (٣). ٥ - الحلق أو التقصير: الحلق: إزالة شعر الرأس كله بالموسي.

стр. 830

التقصير: أخذ جزء من شعر الرأس كله أو بعضه بالمقص ونحوه. الأصل في مشروعية الحلق أو التقصير: الأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. وأما السنة فأحاديث منها: ما جاء عن عبد الله ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "اللَّهم ارحم المحلقين"، قالوا والمقصرين يا رسول الله قال: "اللَّهم ارحم المحلقين"، قالوا والمقصرين يا رسول الله، قال: "والمقصرين" (١). وأما الإجماع: فقال في الإفصاح: "وأجمعوا على أن الحلق مشروع للرجال المحرمين، وأنه واجب عليهم أو التقصير، وأن الحلق أفضل" (٢). حكم الحلق أو التقصير: ١ - ذهب أكثر العلماء ومنهم الحنفية والمالكية ورواية عند الحنابلة والشافعية إلى أن الحلق أو التقصير نسك واجب يتعبد به في الحج وأنه يجبر تركه بدم. ٢ - وذهب الشافعي في المشهور عنه إلى أن الحلق أو التقصير ركن من أركان الحج لا يجبره الدم. ٣ - وذهب الشافعي وأحمدُ في رواية لكل منهما إلى أن الحلق أو التقصير استباحة محظور لا يترتب على تركه شيء ويحصل الحل بدونه.

стр. 831

الأدلة: استدل الجمهور ومن يقول إن الحلق أو التقصير نسك في الحج أو العمرة بما يأتي: أ- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. فالله تعالى وصفهم به ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به. ب- ومن السنة حديث جابر ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: "أحلوا من إحرامكم بطواف البيت وبين الصفا والمروة وقصروا" (١) وأمره يقتضى الوجوب. واستدل من قال إن الحلق أو التقصير ليس بنسك وإنما هو إطلاق من محظور كان محرمًا عليه بالإحرام: أ- حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قدمت على النبي ﷺ فقال: "بم أهللت؟ " قلت: لبيك بإهلال كإهلال رسول الله ﷺ فقال: أحسنت "وأمرني فطفت بالبيت وبين الصفا والمروة" ثم قال لي: "أحل" (٢) وذلك أن النبي ﷺ أمره بالحل من العمرة قبل الحلق. ولأن ما كان محرمًا في الإحرام إذا أبيح كان إطلاقًا من محظور كسائر محرماته. الراجح: نرى أن القول بأن الحلق أو التقصير نسك واجب هو الصحيح لما جاء في أدلة الجمهور ولأن النبي ﷺ ترحم على المحلقين ثلاثًا وعلى المقصرين مرة ولو لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل ولأن النبي ﷺ فعله وأصحابه فعلوه من بعده في جميع حجهم وعمرهم ولو لم يكن نسكًا لما داوموا عليه.

стр. 832

القدر المطلوب في الحلق أو التقصير: اتفق الفقهاء على أن الحلق أفضل من التقصير إلا في حق المتمتع فالأولى له أن يقصر عند التحلل من العمرة إذا كانت العمرة في العشر ليؤخر الحلق للحج. واتفقوا أن الحلق خاص بالرجال دون النساء وأن عليهن الأخذ من الشعر قدر أنملة. واختلفوا في المقدار المطلوب في الحلق أو التقصير: ١ - يرى الحنفية أنه يكفي في الحلق أو التقصير أن يأخذ ربع الرأس. ٢ - ويرى المالكية والحنابلة أن الواجب حلق جميع الرأس أو تقصيره. ٣ - يرى الشافعية أنه يكفي إزالة ثلاث شعرات أو تقصيرها. الأولى: أن حلق جميع الرأس أو تقصيره أولى لأنه فعل النبي ﷺ وأصحابه من بعده. زمان الحلق ومكانه: ١ - يرى الجمهور أن الحلق أو التقصير لا يختص بزمان ولا مكان. لكن السنة فعله في الحرم أيام النحر. ٢ - وذهب الحنفية إلى أن الحلق أو التقصير يختص بأيام النحر وبمنطقة الحرم. فلو أحل بأي منهما فعليه دم ويحصل له التحلل بالحلق في غيرهما. ترتيب أعمال يوم النحر وموقع الحلق أو التقصير بينها: الأفضل للحاج أن يرتب أعمال يوم النحر كما يأتي: ١ - الرمي. ٢ - النحر للمتمتع أو القارن لأن المفرد ليس عليه هدي واجب.

стр. 833

٣ - الحلق أو التقصير. الحلق أفضل اقتداءً بالرسول ﷺ حيث حلق وحث أصحابه على الحلق وهو تأكيد لانتهاء مدة الإحرام بالتحلل الأول بحيث يحل له كل شيء إلا النساء. ٤ - الطواف. وذلك للحديث الذي رواه أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ رمي جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله بمنى فدعا بذبح فذبح ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحلقه فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه" (١)، قال ابن رشد (٢): "وأجمع العلماء على أن هذا سنة الحج"، ويستحب للأصلع وهو من لا شعر له أن يمر الموسي على رأسه قال ابن المنذر: "أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الأصلع يمر الموسي على رأسه عند الحلق" (٣). ويرى أبو حنيفة أن إمرار الموسى على رأسه واجب. وإذا قدم نسكًا منها على نسك فلا شيء عليه عند أكثر العلماء وذلك لحديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، حلقت قبل أن أذبح؟ قال: "اذبح ولا حرج". فقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم ولا حرج" (٤). وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قيل له يوم النحر وهو بمنى: في النحر والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: "لا حرج" (٥).

стр. 834

ويرى أبو حنيفة أنه إن لم يراع الترتيب فقدم نسكا على نسك فعليه دم وذلك لأن قوله في الحديث: "لا حرج" يفيد رفع الإثم دون الفدية. وفي رواية عن أحمد أنه إن كان الحاج الذي قدم نسكًا على نسك عالمًا بالترتيب وخالف ذلك متعمدًا فإن عليه دم. لأن رفع الحرج إنما هو عن الناسي والجاهل وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولأن النبي ﷺ رتب وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" (١). ويرى مالك أنه إن قدم الحلق على الرمي فعليه دم أما غيره فلا شيء عليه وذلك لأن الحاج ممنوع من حلق شعره قبل التحلل الأول ولا يحصل إلا برمي جمرة العقبة (٢). ٦ - المبيت بمنى ليالي أيام التشريق (*): مني شعب بين جبال، ويقصد بذلك أن يقضي الحاج بمنى معظم الليل في تلك الليالي. حكم المبيت بمنى: إذا فرغ الحاج من أعمال يوم النحر الرمي والنحر والحلق أو التقصير ثم طواف الإفاضة فإنه يرجع إلى منى ويبيت فيها ليلتين إن تعجل النفر أو ثلاثًا إن تأخر وهو أفضل وذلك لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣].

стр. 835

وقد اختلف الفقهاء في حكم المبيت بمنى وما يترتب عليه وذلك على النحو الآتي: ١ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن المبيت بمنى واجب يلزم من تركه فدية دم سواء ترك ليلة أو أكثر. واستدلوا بفعله ﷺ حيث بات بمنى ليالي أيام التشريق. ٢ - وذهب الحنفية إلى أنه سنة قالوا لأنه رخص للعباس أن يبيت بمكة للسقاية ولو كان واجبًا لم يرخص له وفعل النبي ﷺ محمول على السنة، فترك المبيت مخالفة للسنة وإساءة لكنها لا توجب دمًا وقد روي ذلك عن أحمد. الأعذار المبيحة لعدم المبيت بمنى: يسقط المبيت عن المريض أو من يقوم على شؤونه وكذا عن المرابطين في المهمات الرسمية التي تتعلق بمصالح الحجاج وذلك لأن العباس ﵁ "استأذن النبي ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته" (١). وقد روي مالك بإسناده عن أبي البداح بن عاصم عن أبيه قال: "رخص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما. قال مالك: ظننت أنه قال: في أول يوم منهما، ثم يرمون يوم النفر" (٢). فالنبي ﷺ رخص لهؤلاء، وغيرهم من أهل الأعذار يلحقون بهم لوجود المعنى الذي رخص للسقاة والرعاة فيهم (٣)، وقد صدر قرار هيئة كبار العلماء في

стр. 836

السعودية رقم (١٦٣) بجواز بيات العاملين في مشروع الإفادة من الهدي والأضاحي ويعملون ليلًا خارج منى إلحاقًا لهم بالسقاة والرعاة الذين رخص لهم النبي ﷺ . ٧ - طواف الوداع: يسمى طواف الوداع لأنه لتوديع البيت ويسمى طواف الصدر لأنه عند صدور الناس من مكة ويكون بالطواف سبعة أشواط. وقت طواف الوداع: يكون بعد فراغ الحاج من جميع أمور الحج وأموره الخاصة ليكون آخر عهده بالبيت وذلك لحديث ابن عباس ﵄: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت" (١) إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. وإذا طهرت الحائض قبل أن تغادر مكة المكرمة لزمها طواف الوداع، ويرى الحنفية أن الحاج لو طاف للوداع ثم تأخر ولو أيامًا فإنه لا يجب عليه طواف الوداع لأن المراد أن يكون آخر عهده بالبيت نسكًا لا إقامة ولكنه يستحب له تأخيره إلى السفر، على حين يرى الجمهور أنه لا بد أن يباشر السفر ولا بأس من اشتغاله بأسباب السفر كشراء الزاد ونحو ذلك. حكم طواف الوداع: اتفق الفقهاء على أن أهل مكة ليس عليهم طواف وداع، ثم اختلفوا في حكم طواف الوداع لمن هو خارج مكة (الآفاقي) على ما يأتي: - ذهب الجمهور من الحنفية والحنابلة وهو الأظهر عند الشافعية إلى أن

стр. 837

طواف الوداع واجب وذلك لحديث ابن عباس ﵁ قال: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض" (١). وما جاء في صحيح مسلم كان الناس ينصرفون من كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : "لا ينصرف أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (٢) فإذا لم يؤد طواف الوداع وسافر فعليه دم لتركه واجب الطواف للوداع. ٢ - وذهب المالكية وهو قول للشافعية وداود إلى أنه سنة لا يجب بتركه شيء لأنه يسقط عن الحائض ولو كان واجبًا لم يجز للحائض تركه ولأنه كتحية المسجد أشبه طواف القدوم ويحمل ما جاء في الحديث على أنه من باب السنية والاستحباب. سنن الحج: للحج سنن كثيرة وهي مأخوذة من هدى النبي ﷺ وفعله ومنها: أولًا: طواف القدوم: وهو الطواف الذي يؤديه من قدم إلى مكة من خارجها وهو سنة عند الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة ويسمى طواف الورود وطواف التحية لأنه شرع للقادم والوارد من غير مكة لتحية البيت. وذهب المالكية إلى أن طواف القدوم واجب من تركه لزمه الدم. والأصل في مشروعية طواف القدوم ما ثبت في حديث جابر قال: "حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا" (٣).

стр. 838

وعن عائشة ﵂: "أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي ﷺ مكة أنه توضأ ثم طاف ... " (١). وقت طواف القدوم: يبدأ وقت طواف القدوم حين دخول مكة المكرمة ويستحب أن يبادر به قبل عمل أي شيء؛ لأنه تحية للبيت العتيق، وآخر وقته وقوف الحاج بعرفة؛ لأنه بعد الوقوف مطالب بطواف الزيارة (الإفاضة). ثانيًا: خطب الإِمام: ١ - يرى الحنفية والمالكية أنها سنة في ثلاثة مواضع: أ- اليوم السابع من ذي الحجة بمكة المكرمة وذلك لكي يعلم الناس مناسكهم لحديث ابن عمر ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا كان قبل يوم التروية بيوم خطب الناس فأخبرهم بمناسكهم" (٢). ب- يوم عرفة قبل الصلاة كما ثبت ذلك في حديث جابر وغيره يبين لهم المناسك ويحثهم على التضرع والإكثار من الدعاء كما يبين للناس ما يهمهم من شؤون دينهم وصلاح أحوالهم. ج- الخطبة يوم الحادي عشر بمنى ويبين لهم ما يهمهم من أمور حجهم وما فيه صلاح الأمة الإِسلامية ووحدة كيانها. ٢ - ويرى الشافعية والحنابلة أن الخطب أربع هي ما ذكر والرابعة في منى ثاني أيام التشريق يعلمهم فيها جواز النفر ويودعهم.

стр. 839

وتؤدى الخطب الثلاث كل واحدة منها بخطبة واحدة بعد صلاة الظهر، أما خطبة يوم عرفة فإنها تكون بخطبتين بينهما جلسة خفيفة كخطبة الجمعة وتكون بعد الزوال قبل الصلاة، ويفتتح الخطبة بالتلبية إن كان محرمًا وبالتكبير إن لم يكن محرمًا. ثالثًا: المبيت بمنى ليلة عرفة: يسن للحاج أن يخرج من مكة إلى منى يوم التروية بعد طلوع الشمس، فيصلي فيها خمس صلوات، الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، وذلك سنة باتفاق الفقهاء لما ثبت في حديث جابر: "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر". رابعًا: السير من منى إلى عرفة: يسن السير من منى إلى عرفة صباحًا بعد طلوع الشمس، وذلك لفعله ﷺ كما في حديث جابر: "ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس". خامسًا: المبيت بمزدلفة إلى طلوع الفجر: وبعد طلوع الفجر يصلي صلاة الفجر ثم يقف في المشعر الحرام متضرعًا مبتهلًا يدعو حتى يسفر جدًا ثم يدفع إلى منى. سادسًا: الحلق بعد الرمي والنحر يوم العيد: لقول النبي ﷺ : "اللَّهم اغفر للمحلقين" قالها ثلاثًا (١).

стр. 840

سابعًا: الشرب من ماء زمزم والتضلع منه (١). اتباعًا لهدي النبي ﷺ فقد شرب من زمزم وقال: "ماء زمزم لما شرب له" (٢). الإحصار والمنع من أداء الحج أو العمرة أو بعض أركانهما: تعريف الإحصار: في اللغة له معان منها المنع والحبس قال أبو عبيدة: حصر الرجل في الحبس وأحصر في السفر من مرض أو انقطاع به (٣). وفي اصطلاح الفقهاء: هو المنع من إتمام أركان الحج أو العمرة (٤). الأصل في مشروعية التحلل عند الإحصار والمنع: الأصل في ذلك الكتاب والسنة، وقد ورد في حادثة الحديبية حين خرج النبي ﷺ من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة يريد العمرة فمنعه كفار قريش من دخول مكة وتم الصلح بين المسلمين وقريش على أن يرجعوا هذا العام ويعتمروا من العام القادم فنزل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وأما السنة: فحديث ابن عمر ﵄ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ . فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي ﷺ هديه وحلق رأسه" (٥).

стр. 841

كيفية الإحصار: اختلف العلماء في السبب الذي يكون الاحصار متحققا به: ١ - فذهب الحنفية وهو قول عطاء والنخعي والثوري ورواية عن أحمد وهو قول ابن مسعود إلى أن الإحصار يتحقق بمنع العدو لمن أراد الحج أو العمرة من دخول مكة أو من إتمام أركانهما ويتحقق الإحصار بالمرض وذهاب النفقة أو الحبس بأي عذر مانع لأداء النسك أو إتمام أركانه. ٢ - وذهب المالكية والشافعية وهو رواية عن أحمد وهو قول ابن عمر وابن عباس إلى أن الإحصار إنما يتحقق بمنع العدو فقط. الأدلة: ١ - استدل أصحاب القول الأول: أ- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فهو يشمل المنع والصد عن البيت الحرام بالمرض أو منع العدو. ب- حديث عكرمة قال: سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل" (١) قال عكرمة: سألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق. وفي رواية عند أبي داود وابن ماجه (٢): "من كسر أو عرج أو مرض ... ". جـ- أن من منع من البيت بالمرض ونحوه فهو مصدود عن البيت أشبه صد العدو وهو قياس جلي حتى جعله بعض الحنفية أولويًا.

стр. 842

٢ - واستدل أصحاب القول الثاني: أ- أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، إنما نزلت في إحصار النبي ﷺ بالعدو عام الحديبية. وأن الإحصار بالمرض وغيره يشمله قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فعليه أن يتم حجه أو عمرته ولا يكون محصرًا. ب- أن النبي ﷺ قال لضباعة بنت الزبير: "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني" (١) فلو كان المرض يبيح الحل ما احتاجت إلى شرط. جـ- أن المحصر بالمرض لا يتخلص بالتحلل من الأذى الذي هو فيه، كمن ضل الطريق. الراجح: يتبين من الأدلة التي ذكرناها رجحان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول فإن الإحصار يتحقق بالعدو وبالمرض ونحو ذلك من الأعذار الشرعية. والآية وإن كانت نزلت في الحديبية فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وفقًا للقاعدة الشرعية المعروفة. الإحصار والمنع بسبب الحبس والسجن: سجن الحاج أو المعتمر بعد دخوله في الإحرام: ١ - ذهب الحنفية إلى أن المنع من الحج والعمرة بسبب السجن يعد سببًا للإحصار ويجوز له التحلل من الإحرام بعد ذبح الهدي (٢). ٢ - وذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه إن كان الحبس

стр. 843

بغير حق أو كان مدينًا ثبت إعساره فإنه يكون محصرًا وإن حبس بحق يمكنه الخروج منه فلا يجوز له التحلل ولا يكون محصرًا (١). الراجح: نرى أن الراجح أن السجن يعتبر سببًا للإحصار سواء كان بحق أو بغير حق فهو قد منع من إكمال أركان الحج والعمرة. وقد يكون في السجن بحق مصلحة للمسلمين كمن سرق أو إرتكب جرمًا فيبعد عن الناس اتقاءً لشره وهو يحل لعدم تمكنه من أداء ركن ما أحرم به. أنواع الإحصار: أولًا: الإحصار عن الوقوف بعرفة وعن طواف الإفاضة: وهذا يعد محصرًا عند الفقهاء. ثانيًا: الإحصار عن الوقوف بعرفة دون الطواف. وقد اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - فذهب الحنفية وهو رواية عن أحمد إلى أنه غير محصر وأنه يستطيع التحلل بعمرة كمن فاته الحج ولا دم عليه ولا قضاء. ٢ - وذهب المالكية والشافعية إلى أنه يعد محصرًا وعليه التحلل بعمرة لكن يجب عليه دم الإحصار. ثالثًا: الإحصار عن طواف الإفاضة (الزيارة): ١ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا يكون محصرًا لأنه قد أمن فوات الحج بوقوفه بعرفة ويعمل أعمال الحج ويظل محرمًا لا يحل إلا بالتحلل الثاني وهو

стр. 844

الطواف لأن وقته واسع يمكنه أداؤه بعد زوال سبب الإحصار. ٢ - وذهب الشافعية في الأظهر عندهم والحنابلة إلى أن من منع مكة دون عرفة فإنه يقف بعرفة وعليه دم ثم يتحلل ولا قضاء عليه. شروط تحقق الإحصار: يفهم من كلام الفقهاء في الإحصار أن له شروطًا هي: ١ - أن يكون قد أحرم بحج أو عمرة أو بهما معا. أما قبل الإحرام فلا شيء عليه لأنه لم يدخل في النسك. ٢ - ألا يكون قد وقف بعرفة قبل حصول المانع وهذا عند الحنفية والمالكية. وعند الشافعية والحنابلة يتحقق الإحصار عن الطواف. ٣ - أن يتيقن أو يغلب على ظنه عدم زوال المانع قبل فوات الحج وهذا نص عليه المالكية والشافعية. ٤ - يضيف المالكية شرطًا آخر هو: ألا يعلم حين إحرامه بالمانع من إتمام الحج أو العمرة. فإن علم فليس له التحلل ويبقى على إحرامه حتى يحج في العام القابل إلا أن يظن أنه لا يمنعه فمنعه فله أن يتحلل كما وقع للنبي ﷺ حيث أحرم بالعمرة عام الحديبية عالمًا بالعدو ظانًا أنه لا يمنعه فمنعه فلما منعه تحلل. أحكام الإحصار: ١ - ذبح الهدي: وقد ذهب الجمهور إلى وجوب ذبح الهدي كي يتحلل المحرم من إحرامه كما جاء في عام الحديبية. ويجزئ في هذا الهدي ما يجزئ في هدي التمتع والقران والأضحية من كونها شاة من بهيمة الأنعام أو سبع بدنة أو بقرة ومن حيث السن

стр. 845

والسلامة من العيوب والأمراض. فإن لم يجد هديًا فإن عليه الصوم عشرة أيام قياسًا على هدي التمتع. وذهب المالكية إلى أن المحصر لا يجب عليه هدي كي يتحلل، وإنما هو سنة فإنه لم يكن مع كل المحصرين في الحديبية هدي وما ذبحه النبي ﷺ إنما ساقه من المدينة المنورة. مكان ذبح هدي الإحصار: يتفق الحنفية والشافعية والحنابلة على أن الهدي يذبح في أي وقت سواء كان هدي حج أو عمرة. أما مكان ذبحه فقد اختلف فيه الفقهاء: ١ - يرى الجمهور أن الهدي يذبح في مكان الإحصار من حل أو حرم. ٢ - ويرى الحنفية أنه لا ينحره إلا في الحرم ولا يحل إلا بنحره فيه (١). الراجح: أنه يذبحه في مكانه من حل أو حرم لفعل النبي ﷺ عام الحديبية ولأنه لو حدد في الحرم وتعذر ذبحه فيه لتعذر الحل ولشق على الحاج والمعتمر البقاء على إحرامه وذلك ينافي التيسير ورفع الحرج. ٢ - الحلق أو التقصير: وقد اختلف الفقهاء في ذلك: أ- فذهب الحنفية والمالكية وهو قول عند الحنابلة إلى أن الحلق ليس بشرط لتحلل المحصر من الإحرام.
следующие страницы →