← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

كيفية الإحصار: اختلف العلماء في السبب الذي يكون الاحصار متحققا به: ١ - فذهب الحنفية وهو قول عطاء والنخعي والثوري ورواية عن أحمد وهو قول ابن مسعود إلى أن الإحصار يتحقق بمنع العدو لمن أراد الحج أو العمرة من دخول مكة أو من إتمام أركانهما ويتحقق الإحصار بالمرض وذهاب النفقة أو الحبس بأي عذر مانع لأداء النسك أو إتمام أركانه. ٢ - وذهب المالكية والشافعية وهو رواية عن أحمد وهو قول ابن عمر وابن عباس إلى أن الإحصار إنما يتحقق بمنع العدو فقط. الأدلة: ١ - استدل أصحاب القول الأول: أ- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فهو يشمل المنع والصد عن البيت الحرام بالمرض أو منع العدو. ب- حديث عكرمة قال: سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل" (١) قال عكرمة: سألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق. وفي رواية عند أبي داود وابن ماجه (٢): "من كسر أو عرج أو مرض ... ". جـ- أن من منع من البيت بالمرض ونحوه فهو مصدود عن البيت أشبه صد العدو وهو قياس جلي حتى جعله بعض الحنفية أولويًا.

стр. 842

٢ - واستدل أصحاب القول الثاني: أ- أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، إنما نزلت في إحصار النبي ﷺ بالعدو عام الحديبية. وأن الإحصار بالمرض وغيره يشمله قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فعليه أن يتم حجه أو عمرته ولا يكون محصرًا. ب- أن النبي ﷺ قال لضباعة بنت الزبير: "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني" (١) فلو كان المرض يبيح الحل ما احتاجت إلى شرط. جـ- أن المحصر بالمرض لا يتخلص بالتحلل من الأذى الذي هو فيه، كمن ضل الطريق. الراجح: يتبين من الأدلة التي ذكرناها رجحان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول فإن الإحصار يتحقق بالعدو وبالمرض ونحو ذلك من الأعذار الشرعية. والآية وإن كانت نزلت في الحديبية فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وفقًا للقاعدة الشرعية المعروفة. الإحصار والمنع بسبب الحبس والسجن: سجن الحاج أو المعتمر بعد دخوله في الإحرام: ١ - ذهب الحنفية إلى أن المنع من الحج والعمرة بسبب السجن يعد سببًا للإحصار ويجوز له التحلل من الإحرام بعد ذبح الهدي (٢). ٢ - وذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه إن كان الحبس

стр. 843

بغير حق أو كان مدينًا ثبت إعساره فإنه يكون محصرًا وإن حبس بحق يمكنه الخروج منه فلا يجوز له التحلل ولا يكون محصرًا (١). الراجح: نرى أن الراجح أن السجن يعتبر سببًا للإحصار سواء كان بحق أو بغير حق فهو قد منع من إكمال أركان الحج والعمرة. وقد يكون في السجن بحق مصلحة للمسلمين كمن سرق أو إرتكب جرمًا فيبعد عن الناس اتقاءً لشره وهو يحل لعدم تمكنه من أداء ركن ما أحرم به. أنواع الإحصار: أولًا: الإحصار عن الوقوف بعرفة وعن طواف الإفاضة: وهذا يعد محصرًا عند الفقهاء. ثانيًا: الإحصار عن الوقوف بعرفة دون الطواف. وقد اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - فذهب الحنفية وهو رواية عن أحمد إلى أنه غير محصر وأنه يستطيع التحلل بعمرة كمن فاته الحج ولا دم عليه ولا قضاء. ٢ - وذهب المالكية والشافعية إلى أنه يعد محصرًا وعليه التحلل بعمرة لكن يجب عليه دم الإحصار. ثالثًا: الإحصار عن طواف الإفاضة (الزيارة): ١ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا يكون محصرًا لأنه قد أمن فوات الحج بوقوفه بعرفة ويعمل أعمال الحج ويظل محرمًا لا يحل إلا بالتحلل الثاني وهو

стр. 844

الطواف لأن وقته واسع يمكنه أداؤه بعد زوال سبب الإحصار. ٢ - وذهب الشافعية في الأظهر عندهم والحنابلة إلى أن من منع مكة دون عرفة فإنه يقف بعرفة وعليه دم ثم يتحلل ولا قضاء عليه. شروط تحقق الإحصار: يفهم من كلام الفقهاء في الإحصار أن له شروطًا هي: ١ - أن يكون قد أحرم بحج أو عمرة أو بهما معا. أما قبل الإحرام فلا شيء عليه لأنه لم يدخل في النسك. ٢ - ألا يكون قد وقف بعرفة قبل حصول المانع وهذا عند الحنفية والمالكية. وعند الشافعية والحنابلة يتحقق الإحصار عن الطواف. ٣ - أن يتيقن أو يغلب على ظنه عدم زوال المانع قبل فوات الحج وهذا نص عليه المالكية والشافعية. ٤ - يضيف المالكية شرطًا آخر هو: ألا يعلم حين إحرامه بالمانع من إتمام الحج أو العمرة. فإن علم فليس له التحلل ويبقى على إحرامه حتى يحج في العام القابل إلا أن يظن أنه لا يمنعه فمنعه فله أن يتحلل كما وقع للنبي ﷺ حيث أحرم بالعمرة عام الحديبية عالمًا بالعدو ظانًا أنه لا يمنعه فمنعه فلما منعه تحلل. أحكام الإحصار: ١ - ذبح الهدي: وقد ذهب الجمهور إلى وجوب ذبح الهدي كي يتحلل المحرم من إحرامه كما جاء في عام الحديبية. ويجزئ في هذا الهدي ما يجزئ في هدي التمتع والقران والأضحية من كونها شاة من بهيمة الأنعام أو سبع بدنة أو بقرة ومن حيث السن

стр. 845

والسلامة من العيوب والأمراض. فإن لم يجد هديًا فإن عليه الصوم عشرة أيام قياسًا على هدي التمتع. وذهب المالكية إلى أن المحصر لا يجب عليه هدي كي يتحلل، وإنما هو سنة فإنه لم يكن مع كل المحصرين في الحديبية هدي وما ذبحه النبي ﷺ إنما ساقه من المدينة المنورة. مكان ذبح هدي الإحصار: يتفق الحنفية والشافعية والحنابلة على أن الهدي يذبح في أي وقت سواء كان هدي حج أو عمرة. أما مكان ذبحه فقد اختلف فيه الفقهاء: ١ - يرى الجمهور أن الهدي يذبح في مكان الإحصار من حل أو حرم. ٢ - ويرى الحنفية أنه لا ينحره إلا في الحرم ولا يحل إلا بنحره فيه (١). الراجح: أنه يذبحه في مكانه من حل أو حرم لفعل النبي ﷺ عام الحديبية ولأنه لو حدد في الحرم وتعذر ذبحه فيه لتعذر الحل ولشق على الحاج والمعتمر البقاء على إحرامه وذلك ينافي التيسير ورفع الحرج. ٢ - الحلق أو التقصير: وقد اختلف الفقهاء في ذلك: أ- فذهب الحنفية والمالكية وهو قول عند الحنابلة إلى أن الحلق ليس بشرط لتحلل المحصر من الإحرام.

стр. 846

ب- وذهب الشافعية وهو قول عند الحنابلة إلى أن الحلق أو التقصير شرط للتحلل وذلك لفعله ﷺ عام الحديبية فإنه حلق وأمر أصحابه أن يحلقوا. ٣ - التحلل: وهو فسخ الإحرام والخروج منه. قضاء النسك المتحلل منه بسبب الإحصار من حج أو عمرة: اتفق الفقهاء على أنه يجب على المحصر قضاء الحج أو العمرة الذي أحصر عنه إذا كان واجبًا كحجة الإِسلام، والحج والعمرة المنذورين، وكعمرة الإِسلام عند الشافعية والحنابلة والقضاء ليس بسبب الإحصار وإنما بأصل الوجوب. أما نسك التطوع من حج أو عمرة فقد اختلف في ذلك الفقهاء على النحو الآتي: ١ - فذهب الجمهور إلى أنه لا يجب عليه القضاء وذلك لأن النبي ﷺ لم يأمر أحدًا من أصحابه أن يقضوا عام الحديبية. ٢ - وذهب الحنفية وهو رواية عن أحمد إلى أنه يجب قضاء النفل الذي أحصر عنه المحرم لأن النبي ﷺ قضى العمرة عام الحديبية في السنة التي بعدها ولذلك سميت عمرة القضاء (١). الراجح: نرى أن الراجح أن لا قضاء على المحصر في حج أو عمرة النفل وذلك لأنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه أمر من كان معه وهم ألف وأربعمائة بقضاء العمرة حيث لم يعتمر معه في العام القابل إلا نفر قليل أما كونها سميت عمرة

стр. 847

القضاء فلأن النبي ﷺ قاضى قريشًا وصالحهم في ذلك العام على الرجوع إلى المدينة دون دخول مكة. حكم من توفي أثناء إحرامه بالحج أو العمرة: اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - فذهب بعضهم إلى أنه إن كان حجه فريضة فإنه يُقضَى ما بقي عليه من مناسك الحج أو العمرة عند من يقول بوجوبها لأنه يجب عليه أن يتم ما بدأ به من واجب الحج أو العمرة. ٢ - وذهب آخرون إلى أنه لا يقضى عنه ما بقي عليه من المناسك وهذا هو الراجح. لحديث ابن عباس ﵄ في قصة الرجل الذي وقصته دابته وهو واقف بعرفة. فقد قال النبي ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" (١) ولم يأمر النبي ﷺ أن يقضى عنه ما بقي من نسكه. الموالاة بين الطواف والسعي: تكلم الفقهاء من المالكية والحنابلة والشافعية في قول لهم عن الموالاة بين أشواط الطواف وأنها شرط لصحة الطواف لأن النبي ﷺ والى بين طوافه وقال: "خذوا عني مناسككم" (٢) ولأن الطواف بالبيت صلاة فكانت الموالاة مطلوبة فيه ولا يضر الفصل اليسير كالصلاة ونحوها ويبني على ما مضى. وإن طال الفصل ابتدأ الطواف من جديد ويحدد العرف الفصل طولًا وقصرًا.

стр. 848

وقال الحنفية والشافعية في الأصح عندهم أن الموالاة سنة لأنه ﷺ والى طوافه. كما يشترط المالكية والحنابلة في روايةٍ الموالاة بين أشواط السعي ولا يضر الفصل اليسير كالصلاة ونحوها. ويرى الحنفية والشافعية أن الموالاة بين أشواط السعي ليست شرطًا وإنما هي مستحبة (١). وأما الموالاة بين الطواف والسعي فلم نعثر على قول للفقهاء فيه ولكن يمكن أن نقول: أن كلًا منهما نسكًا مستقلًا عن الآخر ولا بأس بالفصل المناسب بينهما إما لصلاة أو استراحة ونحو ذلك بسبب عذر شرعى من مرض ونحوه. والله أعلم. زيارة مسجد الرسول ﷺ في المدينة المنورة: المدينة المنورة هي مهاجر النبي ﷺ وعاصمة الإِسلام الأولى وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة منها: ١ - حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها" (٢). ٢ - حديث إن النبي ﷺ قال: "لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت شفيعًا له يوم القيامة" (٣).

стр. 849

وزيارة مسجد الرسول ﷺ مشروعة في كل العام وليست من الحج لكن ينبغي لمن قدم للحج من خارج المملكة أن يزور المسجد النبوي لأنه قد لا يتمكن من زيارته وقتًا آخر فيدرك بذلك فضيلة الصلاة فيه، وقد دل على مشروعية زيارة المسجد أحاديث كثيرة منها: ١ - ما روته عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء أحق المساجد أن يزار وتركب إليه الرواحل" (١). ٢ - روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" (٢). ٣ - روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" (٣). ٤ - روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا، والمسجد الأقصي" (٤). دخول الزائر مسجد الرسول ﷺ : إذا وصل الزائر إلى مسجد رسول الله ﷺ استحب له أن يقدم رجله اليمنى حال دخوله ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ثم يصلي في الروضة الشريفة إن تمكن لشرفها وفضلها.

стр. 850

زيارة قبر الرسول ﷺ : بعد الصلاة يتجه إلى قبر النبي ﷺ ويقف أمامه بكل أدب ووقار ويقول دون رفع الصوت السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته اللَّهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد كما صليت على آل إبراهيم أنك حميد مجيد وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أشهد أنك رسول الله حقًا وأنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق جهاده، فجزاك الله عن أمتك أفضل ما جزى نبيًا عن أمته. ثم يتقدم قليلًا ويسلم على أبي بكر الصديق ويترضى عنه ويدعو له ثم يتقدم قليلًا ويسلم على عمر بن الخطاب ويترضى عنه ويدعو له، ولا يجوز أن يتمسح بحائط القبر ولا أن يقبله ولا أن يطوف به وإذا أراد الدعاء فعليه أن يستقبل القبلة لأن العبادات مبناها على الاتباع فقد روى أبو هريرة ﵁ أن ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (١). زيارة مسجد قباء والصلاة فيه: ويستحب زيارة مسجد قباء والصلاة فيه قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]. وكان الرسول ﷺ يأتيه كل سبت ويصلي فيه ركعتين (٢). وقال النبي ﷺ : "من تطهر في بيته فأحسن الطهور، ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان له كأجر عمرة" (٣).

стр. 851

وقال ﷺ : "الصلاة في مسجد قباء كعمرة" (١). زيارة البقيع: دفن في البقيع كثير من الصحابة ومنهم عثمان بن عفان وبنات النبي ﷺ وبعض زوجاته ﵃ جميعًا فيسن زيارة البقيع والسلام على أهل البقيع، وزيارة القبور بالطريقة المشروعة سنة لحديث بريدة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (٢). والزيارة إنما تكون للسلام عليهم والدعاء لهم جزاء ما قاموا به من نصرة للإسلام ولا يجوز أن يدعى أحد منهم أو يتبرك بقبره أو يقصد بطلب الحوائج فإن ذلك من مظاهر الشرك ووسائله. زيارة شهداء غزوة وجبل أحد: يستحب أن يقوم القادم إلى المدينة المنورة بزيارة جبل أحد والسلام على الشهداء من الصحابة ومنهم حمزة بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ فقد جاء في جبل أحد قوله ﷺ : "جبل يحبنا ونحبه" (٣). وقد زار الرسول ﷺ الشهداء ودعا لهم. زيارة المسجد الأقصى: ومما يحسن الحديث عنه زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه وهو ثالث المساجد الثلاثة التي ورد فيها حديث أبي سعيد الخدري في شد الرحال إليها وهي مسنونة -خلصه الله من دنس اليهود الحاقدين- فإن الصلاة فيه عن خمسمائة صلاة فيما سواه عدا المسجد الحرام والمسجد النبوي، لما روى البزار والطبرانيُّ من حديث أبي الدرداء رفعه: "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في

стр. 852

مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة" (١) قال ابن تيمية إنه الصواب (٢). حرم المدينة: اختلف الفقهاء في حرم المدينة على قولين: ١ - ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن المدينة المنورة حرم له حدود وأحكام تختلف عن غيرها من البقاع كما تختلف عن حرم مكة المكرمة في بعض الأحكام، وذلك لما ورد من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم أن النبي ﷺ قال: "إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة" (٣). وحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يقطع شجرها ولا يحدث فيها حدث، من أحدث فيها حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (٤). وحديث: "إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها, لا يقطع عضاهها, ولا يصاد صيدها" (٥). وحديث أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها، قال رسول الله ﷺ : "ما بين لابتيها حرام" (٦).

стр. 853

وكذلك حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "المدينة حرام، ما بين عير إلى ثور، لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف جل بعيره" (١) وحديث إن رسول الله ﷺ قال: "إني أحرم المدينة مثل ما حرم إبراهيم مكة" (٢). فدل ذلك على أنه لا يحل صيدها ولا يعضد شجرها وأن من فعل شيئًا من ذلك أثم ولا جزاء عليه وهو قول الجمهور ورواية عن أحمد خلافًا للشافعي في القديم ورواية عن أحمد فإن عليه الجزاء عندهم. ٢ - وذهب الحنفية إلى أنه لا حرم للمدينة وبناء عليه لا يحرم الصيد ولا قطع الشجر والحشيش فيها؛ لأنه لو كان محرمًا لبينه النبي ﷺ بيانًا عامًا ولوجب فيه الجزاء كصيد حرم مكة، ولأن الصيد أحل بنص قاطع فلا يحرم إلا بدليل قطعي ولم يوجد (٣). الراجح: تبين من الأحاديث حرمة قتل الصيد وقطع الشجر والنبات مما لم يستنبته الناس في حرم المدينة وذلك لكثرة الأحاديث الواردة في ذلك ومنها أحاديث في الصحاح، وأن من خالف ذلك وقتل صيدًا أو قطع شجرًا أو نباتًا فلا جزاء عليه وإنما هو آثم عليه التوبة والاستغفار، والله أعلم. ما يجوز قتله من الصيد وقطعه من الشجر والنبات في حرم المدينة: يجوز قتل الفواسق الخمس والصائل من السباع دفاعًا عن النفس أو الأهل أو المال.

стр. 854

ويجوز أخذ ما تدعو إليه الحاجة من الشجر للرحل وآلة الحرث ونحو ذلك (١). لما روى جابر ﵁ أن النبي ﷺ لما حرم المدينة قالوا يا رسول الله، إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وأنا لا نستطيع أرضًا غير أرضنا فرخص لنا، فقال: "القائمتان، والوسادة والعارضة والمسد، وأما غير ذلك فلا يعضد، ولا يخبط منها شيء" (٢). حد حرم المدينة المنورة: حد حرم المدينة المنورة ما بين جبل ثور ويقع بجانب جبل أحد من الشمال وجبل عير ويقع قريبًا من ميقات ذي الحليفة على الطريق السريع الذاهب إلى مكة (طريق الهجرة) وهو جنوب المدينة ومن الشرق الحرة الشرقية، ومن الغرب الحرة الغربية، وقدر الحرم اثنا عشر ميلا من كل جهة وذلك لما ورد من حديث علي ﵁ مرفوعًا: "حرم المدينة ما بين ثور إلى عير" (٣)، وما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بين لابتيها حرام" (٤). الفرق بين الحرم المكي والحرم المدني: يختلف الحرم المدني عن الحرم المكي في بعض الأحكام وهي:

стр. 855

١ - يجوز أخذ ما تدعو إليه الحاجة من شجر المدينة للرحل وآلة الحرث ونحو ذلك كما يجوز أخذ ما تدعو إليه الحاجة من حشيشها للعلف لقوله ﷺ في حديث علي: "ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره" (١). أما حرم مكة فلا يجوز أخذ شيء منه إلا الإذخر كما ورد في الحديث. ٢ - أن من أدخل صيدًا إلى حرم المدينة فله إمساكه وذبحه، أما في حرم مكة فلا يجوز له إمساكه ولا الدلالة عليه. ٣ - أن تحريم صيد المدينة وقطع شجرها ونباتها يترتب عليه الإثم دون جزاء كما هو قول عامة الفقهاء بخلاف حرم مكة فعليه الإثم والجزاء. ٤ - يختص حرم مكة المكرمة بالنسك وذبح الهدايا بخلاف حرم المدينة. ٥ - دخول حرم المدينة يتم بدون إحرام وذلك خلافًا لحرم مكة ممّن أراد الحج أو العمرة. ٦ - يجوز دخول غير المسلم للمدينة من أجل مصلحة مؤقتًا دون سكنى لها بخلاف حرم مكة فلا يجوز دخوله لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. ٧ - لقطة حرم المدينة ليست مثل لقطة حرم مكة، من حيث أنها في مكة لا يجوز تملكها ويجب تعريفها للأبد والمدينة مثل غيرها في ذلك (٢). أيهما أفضل مكة أم المدينة ؟

стр. 856

أولًا: ذهب أكثر العلماء إلى أن مكة أفضل من المدينة وذلك لما يلي: ١ - حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع النبي ﷺ يقول: "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" (١). ٢ - أن الصلاة في مكة المكرمة تضاعف أكثر فهي في مكة عن مائة ألف صلاة وفي المدينة عن ألف صلاة. ثانيًا: ذهب المالكية وهو رواية عن أحمد إلى أن المدينة أفضل لأنها مهاجر رسول الله ﷺ والمسلمين وقد قال النبي ﷺ : "لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة" (٢) وقال ﷺ فيما رواه أبو هريرة من الحديث: "والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" (٣). المجاورة بمكة المكرمة والمدينة المنورة: تستحب المجاورة بهما لما ورد فيهما من الثواب والأجر، ولكن لمن يبذل جهده وطاقته في أداء العبادات والطاعات ويتجنب المعاصي والآثام. وقد كره بعض السلف المجاورة بمكة لما فيها من مضاعفة السيئات ومنهم ابن عباس ﵄ حيث تركها إلى الطائف خشية من مضاعفة السيئات فيها، قال القرطبي: "والمعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات فتكون المعصية معصيتين، إحداهما بنفس المخالفة والثانية بإسقاط حرمة البلد الحرام" (٤)، وقد

стр. 857

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، ذلك أن مجرد الهم بالمعصية بمكة دون فعلها يجازى عليه وذلك خاص بمكة. وقد سئل الإِمام أحمد هل تكتب السيئة أكثر من واحدة؟ فقال: لا، إلا بمكة لتعظيم البلد. وقيل إن مضاعفة السيئات بالكيف لا بالكم، أي تعظيمها لا زيادة عددها كما قرره شيخ الإِسلام ابن تيمية، وقد روى الأزرقي بسنده أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: لخطيئة أصيبها بمكة أعز علي من سبعين خطيئة أصيبها برُكْبهَ (١). قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: المجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان (٢). مخطط وبرنامج الحاج وفق الهدي النبوي من البدء حتى النهاية: حيث أن الحاج قد لا يتوفر لديه الوقت لقراءة ما يتعلق في الحج فرأينا أن نضع له موجزًا يكفيه في أداء أعمال الحج بحيث إذا التزم به يكون مؤديا حجه على أفضل وجه بعيدًا عن الخطأ والزلل باذن الله: أولًا: الاستعداد لسفر الحج: يحسن لمن أراد السفر للحج أن يتبع ما يأتي: ١ - التوبة النصوح ورد المظالم إلى أهلها وأن يجتهد في رضاء والديه. ٢ - تعلم الأحكام التي يحتاجها في سفره وتعلم أحكام الحج.

стр. 858

٣ - اختيار الرفقة الصالحة ممّن يعرف الحج وإن تمكن أن يصاحب عالمًا فهو أولى لأنه يعينه على أداء الحج على أفضل وجه. ٤ - اختيار النفقة الحلال وذلك تحريًا للقبول فإن غيرها من المال قد يكون سببًا في عدم قبول حجه واستجابة دعائه، لما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : "ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام، فأنى يستجاب لذلك" (١). ٥ - وصية أهله وأصحابه بتقوى الله وأن يودعهم ويقول لمن يودعه: "استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه" ويقول المقيم للمسافر: "استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك" (٢). ثانيًا: عمل الحاج وهو مسافر: ١ - الإكثار من الدعاء: ومن ذلك دعاء السفر عند ركوبه لوسيلة النقل من طائرة أو سيارة أو غيرها. ٢ - قصر الصلاة الرباعية والجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. ٣ - التعاون وحسن الخلق فيما بين الرفقة المسافرين للحج وكف الأذى عنهم والسير وفق ما حدد للسير في الطرق إبعادًا لتهلكة الأنفس. ثالثًا: عمل الحاج في الميقات: ١ - يستحب للحاج أو المعتمر أن يتنظف من الأوساخ وأن يقص أظافره ثم يغتسل ويتطيب.

стр. 859

٢ - يلبس ثياب الإحرام ويستحب أن يعقد نية الإحرام بعد صلاة مفروضة إن أمكن لأن ذلك فعل النبي ﷺ وإن لم يكن وقت فريضة فله أن يصلي ركعتين عند بعض الفقهاء أو يصلي سنة الوضوء. ٣ - يقول المفرد للحج لبيك حجًا ويقول القارن: "لبيك عمرة وحجًا"، ويقول المتمتع: "لبيك عمرة متمتعًا بها إلى الحج"، ثم يقول الجميع: "لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك". ٤ - للحاج أو المعتمر أن يشترط فيقول: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني. رابعًا: عمل الحاج عند وصوله المسجد الحرام: ١ - يقدم الحاج أو المعتمر رجله اليمنى حال دخوله ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. ٢ - يتجه إلى الطواف ويستلم الحجر الأسود ويقبله إن أمكن وإلا أشار إليه ويقول بسم الله والله أكبر اللَّهم إيمانا بك وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعًا لسنة نبيك محمَّد ﷺ ، ويجعل البيت عن يساره ويدعو بما شاء فإذا وصل الركن اليماني استلمه دون تقبيل إن تيسر ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ٣ - يستمر في طوافه حتى يكمل سبعة أشواط ويختمها بالحجر الأسود. ٤ - إذا كان الطواف للعمرة أو للقدوم فإنه يشرع للمعتمر والحاج من الرجال أن يضطبع وهو أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر، كما يشرع له الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى وهو إسراع المشي مع مقاربة

стр. 860

الخطى على ألا يؤذي غيره في الطواف. ٥ - بعد الطواف يصلي ركعتين خلف المقام إن تيسر وإلا في أي مكان من المسجد ويقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾. ٦ - ثم يتجه إلى المسعى فإذا أتى الصفا قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. ثم يرقى إلى الصفا ما أمكن حتى يرى الكعبة إن تيسر ويستقبل الكعبة ويرفع يديه قائلًا: لا إله إلا الله والله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم ينزل متجهًا إلى المروة فإذا وصل العلم الأخضر ركض ركضًا شديدًا إذا كان رجلًا على ألا يؤذي أحدًا من السعاة وبعد العلم الثاني يمشي حتى يصل المروة فيرقى ويستقبل القبلة ويرفع يديه ويقول كما قال على الصفا وهذا شوط يأتي بعده بستة أشواط ذهابه سعية ورجوعه سعية فتكون سبعة أشواط. ٨ - بعد نهاية السعي يحلق الرجل المعتمر رأسه وذلك أفضل إلا لمن اعتمر في أيام الحج فيقصر رأسه ليحلق في الحج والمرأة تقصر من رأسها أو من كل ظفيرة قدر أنملة (وهي رأس الإِصبع). ٩ - بعد عمل الحاج المتمتع ذلك فإنه يكون قد أنهى عمرته، ويتحلل ويلبس ثيابه وله أن يفعل ما شاء مما كان ممنوعًا منه قبل الإحرام من لباس وطيب ونكاح وغيرها.

стр. 861

١٠ - للحاج المتمتع أن يبقى خلال المدة بين العمرة إلى الحج وكذلك غيره من القارن والمفرد وهما على إحرامهما حيث يريد في مكة أو منى أو غيرها, وله أن يعمل ما شاء من أعمال تجارية مما أباحه الله لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. خامسًا: ما يفعله الحاج يوم التروية (اليوم الثامن من ذي الحجة): ١ - في اليوم الثامن يحرم المتمتع بالحج من مكانه ويفعل عند إحرامه ما يفعله عند إحرامه من الميقات من النظافة وإزالة الشعر والاغتسال والطيب، ثم بعد ذلك ينوي الحج ويلبي: لبيك حجًا، لبيك اللَّهم لبيك الخ ويمكن أن يشترط بقوله: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني. ٢ - يستحب للحاج متمتعًا أو قارنًا أو مفردًا أن يصلى في منى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ويقصر الصلاة التي تقصر من غير جمع. سادسًا: عمل الحاج يوم عرفة (اليوم التاسع من ذي الحجة): ١ - يسير إلى عرفة بعد طلوع الشمس وينزل بنمرة إن تيسر وإلا نزل في عرفة. ٢ - بعد زوال الشمس يصلى الحاج الظهر والعصر جمعًا وقصرًا في وقت الأولى كي يطول الوقت للتضرع والدعاء. ٣ - يتفرغ للذكر والدعاء والابتهال والتضرع إلى الله وليس هنالك دعاء محدد بل يدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة له ولأهله وجميع المسلمين ويستحب أن يرفع يديه حال الدعاء مستقبلًا القبلة، ويستحب أن يكون الجبل بينه وبين القبلة إن تيسر وإلا فعليه استقبال القبلة.

стр. 862

٤ - على الحاج أن يتأكد من وقوفه داخل حدود عرفة وأن يكون وقوفه في الوقت المحدد من يوم عرفة وهو زوال الشمس إلى طلوع الفجر من يوم النحر. ٥ - أن يكون الحاج حال صعوده إلى عرفات وإفاضته منها مطمئنًا يسير بسكينة ووقار وذكر وتلبية وأن يتجنب أذية الآخرين ومزاحمتهم والتضييق عليهم. سابعًا: عمل الحاج ليلة النحر (العيد): ١ - ينصرف من عرفة إلى مزدلفة وبعد وصولها يبادر بأداء صلاة المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا حال وصوله بأذان وإقامتين فإن خاف فوات وقتهما قبل وصوله إلى مزدلفة بسبب الزحام مثلًا فإنه يصلي في الطريق. ٢ - يبيت بمزدلفة إتباعًا للسنة ثم يصلي الفجر ويأتي المشعر الحرام إن تيسر له ذلك ويستقبل القبلة ويدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، ويجوز لأهل الأعذار من كبر أو مرض وكذا الأطفال والنساء ونحوها أن ينصرفوا من مزدلفة بعد منتصف الليل لأن النبي ﷺ رخص للضعفة في ذلك. ٣ - يلتقط حصى الجمرة من مزدلفة ليرمي بها جمرة العقبة ثم يتجه إلى منى قبل طلوع الشمس فإذا وصل وادي محسر استحب أن يسرع في سيره حتى يجاوزه إقتداء بالرسول ﷺ . ثامنًا: عمل الحاج يوم النحر (العاشر من ذي الحجة): يستحب أن يأتي بأعمال يوم النحر مرتبة: الرمي ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف والسعي فإن لم يتيسر وقدم بعضها على بعض فلا حرج في ذلك. ١ - يتجه الحاج إلى جمرة العقبة (أقرب الجمرات إلى مكة) ويستمر في التلبية حتى يبدأ رمي جمرة العقبة.

стр. 863

٢ - يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ويستحب أن يرميها جاعلًا منى عن يمينه والبيت عن يساره. ٣ - بعد رمي جمرة العقبة يستحب للقارن والمتمتع أن ينحر هديه ويوجهه للقبلة ويقول بسم الله والله أكبر اللَّهم هذا منك ولك، وليس على المفرد هدي إلا أن يتطوع، ويستحب أن يختار النوع الأفضل من الهدى وأن يأكل من هديه ويتصدق ويهدي. ٤ - يحلق رأسه كله أو يقصره والحلق أفضل، وأما النساء فيقصرن من شعرهن قدر أنملة. ٥ - بعد أداء ما سبق يكون الحاج متحللًا التحلل الأول فيباح له ما كان ممنوعًا منه بالإحرام من اللباس والطيب وغيرها ما عدا النكاح فإنه لا يحل له إلا بعد طواف الزيارة والسعي لمن عليه السعي. ٦ - بعد التحلل الأول للحاج يستحب له أن يغتسل ويتنظف ويتطيب ويلبس ثيابه ويتجه إلى البيت الحرام ليطوف طواف الإفاضة، وهو كالطواف السابق عدا أنه لا رمل فيه ولا اضطباع. ٧ - بعد الطواف يصلي ركعتين خلف المقام إن تيسر له ذلك وإلا صلاهما في أي مكان من المسجد. ٨ - يتجه إلى المسعى إن كان عليه سعي ويسعى سبعة أشواط ذهابه سعيه ورجوعه سعيه ويدعو بما شاء، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، وبعد نهاية السعي يكون قد تحلل التحلل الثاني فيحل له كل شيء منع منه بالإحرام حتى النساء.

стр. 864

تاسعًا: عمل الحاج أيام التشريق: ١ - يبيت بمنى ليلة الحادي والثاني والثالث عشر لمن تأخر، ومن تعجل فينصرف من منى اليوم الثاني عشر. ٢ - يرمي الجمار في أيام التشريق مبتدئًا من الصغرى وهي القريبة من منى ويأتي إليها من جهة الشمال جاعلًا منى عن يساره والبيت عن يمينه ثم يرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويتأكد من وقوعها في الحوض، ثم يقف عنها يمينًا ويستقبل القبلة ويدعو بما شاء، وبعدها يذهب للجمرة الوسطى ويأتيها من الجنوب جاعلًا منى عن يمينه والبيت عن يساره ويرميها بسبع حصيات قائلًا الله أكبر ثم يأخذ ذات الشمال ويقف مستقبلًا القبلة ويدعو، ثم يذهب إلى جمرة العقبة (الكبرى) ويأتيها من الجنوب جاعلًا منى عن يمينه والبيت الحرام عن يساره ويرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ولا يقف بعدها لأن النبي ﷺ لم يقف بعدها. ٣ - يرمي في اليوم الثاني عشر وفي اليوم الثالث عشر إن تأخر كاليوم الحادي عشر تمامًا وعلى الحاج أن يرمي بنفسه ما لم يكن من أهل الأعذار الشرعية فيجوز أن يوكل من يرمي عنه، وعلى الوكيل الرمي عن نفسه أولًا ثم يرمي عن موكله في موقف واحد عند كل جمرة من الجمرات. ٤ - وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر من بعد منتصف الليل إلى طلوع فجر اليوم الحادي عشر ووقت رمي الجمرات الأخرى أيام التشريق من طلوع الفجر إلى طلوع الفجر الذي بعده وذلك توسعة على الحجاج حيث كثرت أعدادهم وازداد تزاحمهم عند الجمرات، وحصول وفيات نتيجة لذلك، وقد جاء الإِسلام بحفظ الضروريات الخمس (١)، ومنها حفظ النفس فلا حرج لرمي الحجاج في تلك

стр. 865

الأوقات وقد صدرت فتاوى بذلك من بعض الفقهاء السابقين والمعاصرين، بل إنه يجوز عند بعض الفقهاء تأخير رمي الجمار إلى اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر ويرميها كلها ولكن على الترتيب لكل يوم بحيث يرمي عن اليوم الحادي عشر الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى وهكذا لما بعده من الأيام وتلتقط الجمرات أيام التشريق من منى. ٥ - بعد إتمام الجمرات يذهب الحاج إلى البيت الحرام ويطوف للوداع سبعة أشواط كطوافه السابق ثم يصلي بعده ركعتين، ويسقط طواف الوداع عن الحائض والنفساء، وينبغي للحاج ألا يتأخر كثيرًا بعد طواف الوداع إلا لما لا بد له منه. ٦ - بعد انتهاء مشاعر الحج التي آخرها طواف الوداع يعود الحاج إلى بلده متحليًا بالسكينة والوقار ومنشغلًا بالذكر والدعاء عما لا فائدة فيه (١).

стр. 866

باب الأضحية تعريف الأضحية: الأضحية في اللغة: بتشديد الياء وبضم الهمزة أو كسرها وجمعها الأضاحي، ويقال لها الضحية بفتح الضاد وتشديد الياء وجمعها الضحايا، وهي الشاة التي تذبح يوم الأضحى (١). والأضحية في الشرع: هي ما يذكى تقربًا إلى الله تعالى في أيام النحر بشرائط مخصوصة (٢). الفرق بين الأضحية والهدي: تشترك الأضحية والهدي في أن كلًا منهما ذبيحة من الأنعام وتذبح في أيام النحر ويقصد بكل منهما التقرب إلى الله تعالى، ويفترقان في التسمية فهذه أضحية وهذا هدي، وتفترق الأضحية عن هدى التمتع والقران وهدى الكفارة من حيث أن الهدى له أسباب معينة خلافًا للأضحية. الأصل في مشروعية الأضحية: شرعت الأضحية في السنة الثانية من الهجرة، والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع: فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤]. وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].

стр. 867

وأما السنة: فقد ورد في السنة أحاديث كثيرة تبين فضلها والترغيب فيها والتنفير من تركها ومن ذلك: ١ - حديث أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما" (١). ٢ - قوله ﷺ : "من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا" (٢). وأما الإجماع: فقد نقل الإجماع على مشروعية الأضحية كثير من العلماء، فقال ابن قدامة في الشرح الكبير (٣): "وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية"، وقال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن الضحايا لا يجوز ذبحها قبل طلوع الفجر يوم النحر" (٤). وقال ابن عبد البر: "والذي يضحى به بإجماع من المسلمين: الأزواج الثمانية وهي الضأن والمعز والإبل والبقر" (٥). وقال في الإفصاح: "واتفقوا على أن الأضحية مشروعة بأصل الشرع" (٦). حكمة مشروعية الأضحية: في الأضحية إحياء لسنة إبراهيم الخليل ﵇ حين أمره الله بذبح ولده إسماعيل ثم فداه الله بذبح عظيم جزاء لامتثالهما وانقيادهما وصبرهما، وفيها شكر لنعم الله تعالى الكثيرة ومنها نعمة الحياة التي أنعم الله بها على الإنسان.

стр. 868

حكم الأضحية: اتفق الفقهاء على أن تقديم الأضحية قربانًا أفضل من الصدقة بقيمتها يدل لذلك أن النبي ﷺ ضحى وضحى الخلفاء من بعده ولما جاء في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملًا أحب إلى الله من إراقة دم وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسًا" (١). ثم اختلف الفقهاء في حكمها على قولين: ١ - ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الأضحية سنة مؤكدة وهو قول أبي بكر وعمر وبلال وغيرهم. ٢ - وذهب الحنفية إلى أن الأضحية واجبة، وهو قول ربيعة والليث بن سعد والأوزاعي والثوري وقول في مذهب مالك. الأدلة: ١ - استدل الجمهور بأدلة منها: أ- قوله ﷺ : "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئًا" (٢). وذلك لأنه قال: "وأراد أحدكم أن يضحي" فجعله مفوضًا إلى إرادته، ولو كانت التضحية واجبة لم يذكر ذلك. ب- إن أبا بكر وعمر ﵄ كانا لا يضحيان السنة والسنتين، مخافة أن يُرى

стр. 869

ذلك واجبًا، وهذا يدل على أنهما علما عدم الوجوب ولم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ذلك. ٢ - واستدل الحنفية بأدلة منها: أ- قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]. أي صل صلاة العيد وانحر البدن ومطلق الأمر للوجوب. ب- قوله ﷺ : "من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا" (١). وهذا كالوعيد على ترك التضحية والوعيد إنما يكون على ترك الواجب. شروط صحة الأضحية: يشترط للأضحية شروط هي: ١ - نية التضحية لأن الذبح قد يكون قربة وقد يكون للحم فلا يقع الفعل قربة إلا بالنية لقول الرسول ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرئ ما نوى" (٢). ٢ - أن تكون من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم (ضأنا أو ماعزًا) والذكور والإناث سواء، وأفضل ذلك الإبل ثم البقر إن أخرجت كاملًا عن شخص واحد ثم الغنم وذلك لكثرة نفعها للفقراء وزيادة ثمنها. ٣ - أن تبلغ سن التضحية: وهو الجذع من الضأن وهو: ما تم له ستة أشهر عند الحنفية والحنابلة وقال المالكية والشافعية هو ما بلغ سنة، والثني من الإبل والبقر والمعز: فالثني من الإبل ما تم له خمس سنين ومن البقر ما تم له

стр. 870

سنتان ومن المعز ما تم له سنة وذهب المالكية إلى أن الثني من الإبل ما بلغ خمسًا ودخل في السادسة ومن البقر ما تم له ثلاث سنيين وذهب الشافعية إلى أن الثني من المعز والبقر ما تم له سنتان. وبناء على هذا الشرط فلا تجزيء التضحية بسن أقل مما حدد عند كل من الفقهاء، وأفضل كل جنس أسمنه وأغلاه ثمنًا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. وتجزيء الواحدة من الغنم عن الشخص وأهل بيته وتجزيء البدنة والبقرة عن سبعة، لقول جابر ﵁: "فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" (١). وقال أبو أيوب ﵁: "كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون" (٢). ٤ - السلامة من العيوب والأمراض: وبناء على ذلك فلا تجزئ العمياء ولا العوراء البين عورها ولا العجفاء وهي الهزيلة التي لا تنقي، ولا العرجاء: التي لا تطيق المشي مع الصحيحة ولا الهتماء التي ذهبت ثناياها من أصلها, ولا الجداء وهي التي نشف ضرعها من اللبن بسبب كبر سنها، وذلك لحديث البراء بن عازب قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء التي لا تنقي" (٣). وألحق الفقهاء بذلك كل ما به عيب فاحش.

стр. 871

وقت ذبح الأضحية: يبدأ وقت الذبح بعد صلاة العيد وهو أفضلها ويستمر إلى آخر أيام التشريق وهو القول الذي اخترناه لوقت ذبح الهدى. المشروع فى توزيع لحوم الأضاحي: يستحب أن يأكل من أضحيته ثلثًا ويهدي ثلثًا ويتصدق بثلث لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. وقد جاء عن ابن عباس ﵄ في أضحية النبي ﷺ أنه قال: "ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السّؤال بالثلث" (١). ما يشرع للمضحي: يشرع له أمور منها: أولًا: عدم الأخذ من الشعر أو البشرة والأظفار شيئًا، فإذا دخل عشر ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا بشرته أو أظفاره شيئًا حتى يذبح أضحيته في وقتها، وقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك: ١ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن ذلك سنة يندب امتثاله ويكره مخالفته وليس واجبًا لحديث عائشة ﵂ أنها قالت: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ يقلده ويبعث به ولا يحرم عليه شيء أحله الله حتى ينحر هديه" (٢). قال الشافعي ﵀: البعث بالهدى أكثر من إرادة التضحية فدل على أنه لا يحرم ذلك.

стр. 872

٢ - وذهب الحنابلة إلى أن ذلك واجب لحديث أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئًا" (١). وفى رواية أخرى عنها أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره" (٢). الحكمة في مشروعية عدم الأخذ من الشعر والبشرة والأظفار: إن الأضحية في أيام النحر وفيها أكثر أعمال الحج من نحر للهدى وغيره، ففي الإمساك عن أخذ الشعر وغيره تشبهٌ بالمحرم بالحج وترك جميع أجزاء الجسم رجاء أن يعتق من النار بالتضحية. ثانيًا: أن يذبح المضحي أضحيته بنفسه إن قدر لأنه قربة فإن لم يقدر فينيب غيره، ويستحب له أن يكون حاضرًا عند ذبح أضحيته لقوله ﷺ لفاطمة ﵂: "يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها" (٣). ثالثًا: أن يسمي ويكبر فيقول: بسم الله والله أكبر لحديث أنس: "وسمى وكبر" (٤). ويستحب أن يقول بعدها اللَّهم هذا منك ولك اللَّهم تقبل مني أو من فلان؛ لأن النبي ﷺ أتى بكبش ليذبحه فأضجعه ثم قال: "اللَّهم تقبل من محمَّد وآل محمَّد وأمة محمَّد" (٥). ثم ضحى به وأن يوجه الأضحية إلى القبلة عند الذبح أو النحر لحديث جابر ﵁ أنه قال: ذبح النبي ﷺ يوم الذبح كبشين أملحين موجوءين (*). فلما وجههما قال: "إني وجهت وجهي لله الذي فطر السماوات

стр. 873

والأرض على ملة إبراهيم حنيفًا وما أنا من المشركين" (١). رابعًا: أن يسوق الأضحية إلى مكان الذبح برفق وأن يحد الذابح السكين ويمرها بقوة ليكون أسهل وأسرع في الذبح لئلا يكون فيه تعذيب للأضحية وذلك لقول النبي ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" (٢). الأضحية عن الميت: يتفق الفقهاء على جواز الأضحية عن الميت إذا كانت بوصية من الميت أو وقف وقفه ليضحى منه وتنفذ كما جاءت، أما إذا كانت الأضحية عن الميت من الوارث أو غيره تبرعًا فقد اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - فذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى جواز ذلك لأن الموت لا يمنع التقرب عن الميت كما في الصدقة والحج؛ لأنه صح أن النبي ﷺ ضحى بكبشين أحدهما عن نفسه وأهل بيته والآخر عمن لم يضح من أمته (٣). ٢ - وذهب الشافعية إلى أن الذبح عن الميت لا يجوز بغير وصية أو وقف (٤). الراجح: القول بالجواز هو الراجح لحديث إن النبي ﷺ ضحى بأحد الكبشين عمن لم يضح من أمته وفيهم أموات.

стр. 874

مكان ذبح الأضحية: تذبح الأضحية في مكان المضحي وهذا هو الأصل ولا سيما الموصى به منها وأضحية الشخص عن نفسه وأهل بيته، ولكن يلاحظ أنه في بعض البلاد الإِسلامية الموسرة يضحي المسلم بأكثر من واحدة بل إن بعض البيوت تضحي بأعدادٍ كثيرة تزيد عن حاجة المحتاجين في البلد ويوجد محتاجون من المسلمين في بعض البلاد، وعليه فلا نرى بأسًا من توكيل بعض الجهات والهيئات الموثوقة بشراء أضاحي وذبحها وتوزيعها على المستحقين وكالة عن المضحي وذلك فيما يزيد عن حاجة أهل البلد فيمتد نفعه إلى المسلمين المحتاجين ففي ذلك مصلحة وأجر وخير كثير بإذن الله. الاستفادة من لحوم الهدي والأضاحي: كانت لحوم الهدي والأضاحي في مكة المكرمة وفي منى يضيع كثير منها بردمه أو طمره في الأرض نتيجة لكثرة اللحوم وزيادتها عن حاجة أهل مكة ولئلا تؤدي إلى التلوث والأضرار بالصحة إذا تركت مكشوفة، فقام البنك الإِسلامي للتنمية مشكورا بدراسة الأمر وانتهى إلى إقامة مشروع سمي: مشروع الاستفادة من لحوم الهدي والأضاحي، وقد دعمته حكومة المملكة العربية السعودية بحيث يقوم البنك بالوكالة عن الحاج المتمتع أو القارن أو المهدي أو المضحي بشراء ما وكل فيه ثم يذبحها يوم النحر أو أيام التشريق، ويقوم بترتيبها وتنظيفها وحفظها مبردة أو مجمدة ثم يقوم بتوزيع جزء منها على فقراء الحرم وجزء على الفقراء في المملكة والعالم الإِسلامي وهذا جهد طيب ومشكور تم فيه الاستفادة من اللحوم والجلود وغيرها والتي كانت تذهب هدرًا واستفاد منها كثير من فقراء المسلمين، وهو أمر مفيد ومشروع لما يترتب عليه من المصالح وليس فيه مفاسد ألبته، وقد

стр. 875

صدرت الفتوى من هيئة كبار العلماء في السعودية بجواز تنظيم الاستفادة مما يترك من اللحوم في المجازر وتوزيعه على الفقراء جاء ذلك في القرار رقم (٤٣).

стр. 876

باب العقيقة تعريف العقيقة: تطلق العقيقة في اللغة على الخرزة الحمراء من الأحجار الكريمة وعلى شعر كل مولود من الناس والبهائم ينبت وهو في بطن أمه، قال أبو عبيد: العقيقة الشعر الذي على المولود، وجمعها عقائق، ثم إن العرب سمت الذبيحة عند حلق شعر المولود عقيقة على عادتهم في تسمية الشيء باسم سببه أو ما يجاوره، ثم اشتهر ذلك حتى صار من الأسماء العرفية بحيث لا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة (١). والعقيقة اصطلاحًا: هي ما يذكى عن المولود شكرًا لله تعالى، بنية وشرائط مخصوصة (٢). مناسبة ذكر العقيقة بعد الأضحية والهدي: كل من الهدي والأضحية والعقيقة يذبح تقربًا إلى الله تعالى وشكرًا له سبحانه على نعمه، وكل منها يتقرب بذبح الأنعام من الإبل أو البقر أو الغنم. وتفترق في أن الهدي يذبح في أيام النحر في الحرم عن التمتع أو القران في الحج أو تطوعًا، وأن الأضحية تذبح شكرًا لله تعالى على نعمه ومنها نعمة الحياة في أيام النحر وفي أي مكان، وكذلك العقيقة تذبح شكرًا لله تعالى على إنعامه على الوالدين بالمولود وهي مرتبطة بوقت ولادة المولود.

стр. 877

حكمة مشروعية العقيقة: شرعت العقيقة بحيث يقدمها الوالد تقربًا إلى الله تعالى لما فيها من إظهارٍ للبشر وشكرٍ للنعمة. حكم العقيقة: اختلف الفقهاء في ذلك: ١ - ذهب عامة أهل العلم من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر وعائشة وفقهاء التابعين والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن العقيقة سنة. ٢ - وذهب الحنفية إلى أن العقيقة ليست سنة وإنما هي مباحة من شاء عق ومن شاء لم يعق. ٣ - وذهب الحسن وداود إلى أنها واجبة. الأدلة: ١ - استدل الجمهور بما يأتي: أ- حديث: "إن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين " (١). ب- حديث أم كرز الكعبية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة" (٢). ٢ - واستدل الحنفية: أ- بما روى أن النبي ﷺ سئل عن العقيقة فقال: "إن الله لا يحب العقوق" (٣).

стр. 878

فكأنه كره الاسم، وقال: "من ولد له مولود، فأحب أن ينسك عنه فليفعل" (١). وهذا ينفي كون العقيقة سنة لأنه ﷺ علق العق بالمشيئة وهذا أمارة الإباحة. ٣ - واحتج القائلون بالوجوب: أ- بحديث سلمان عن عامر الضبي قال: قال رسول الله ﷺ :"مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى" (٢). ب- بما روى سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: "كل غلام رهينة (*) بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه" (٣). الراجح: نرى أن الراجح هو القول بأنها سنة لما روى فيها من الأحاديث ولأن الصحابة ومن بعدهم يذبحون عن أولادهم، وأما حديث عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده والذي جاء فيه: "من أحب أن ينسك عن ولده فليفعل" والذي استدل به الحنفية فإنه يقتضي عدم الوجوب لتفويضه الاختيار فتكون مرتبته صارفة عن الوجوب إلى الندب. مقدار العقيقة ووقت ذبحها: يذبح عن الذكر شاتان متقاربتان سنًا وشبهًا، وعن الأنثى شاة واحدة لحديث أم كرز الكعبية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة" (٤). والفرق بين الذكر والأنثى: أن السرور بالذكر

стр. 879

أكمل فيكون الشكر عليه أكثر وهذا هو قول الشافعية والحنابلة، وذهب الحنفية والمالكية إلى أن العقيقة شاة واحدة للذكر والأنثى سواء وكان عمر ﵁ يفعله، ويجزئ في العقيقة ما يجزئ في الأضحية نوعًا وسنًا وسلامة من العيوب والأمراض. ويستحب أن تذبح العقيقة اليوم السابع من ولادته ولو ذبحه قبله أو بعده جاز ويسمى المولود، فقد جاء في آخر حديث سمرة: (تذبح عنه يوم سابعه ويسمى) (١). ولو أخرت العقيقة لأي سبب استحب أن تذبح في أي وقت وبعد البلوغ يذبحها الإنسان عن نفسه، ويسن تحسين الاسم لقوله ﷺ : "إنكم تدعون بأحسن أسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم" (٢). ويستحب أن يؤذن من ولد له ولد في أذنه لما روى عبد الله بن رافع عن أبيه (أن النبي ﷺ أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة) (٣). وقد اتفق الفقهاء على أن العقيقة تكون من الأنعام (الإبل والبقر والغنم) ثم اختلفوا هل يجزئ سبع البدنة والبقرة في العقيقة: ١ - فذهب المالكية والحنابلة إلى أن العقيقة لا بد أن تكون كاملة ولا يجزئ سبع بدنة أو بقرة فيها, لأنه لم يرد فيها تشريك من فعل النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه، ولأنها فدية عن النفس فلا تقبل التشريك. ٢ - وذهب الشافعية إلى أنه يجزئ المقدار الذي يجزئ في الأضحية شاة أو سبع بدنة أوسبع بقرة مثلها مثل الهدي والأضحية.

стр. 880

شروط العقيقة: يشترط في العقيقة ما يشترط في أي ذبيحة من هدي أو أضحية ونحوهما ويستحب أن يقول: اللَّهم لك واليك هذه عقيقة فلان (١)، وذلك لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين وقال: "قولوا بسم الله والله أكبر اللَّهم لك وإليك هذه عقيقة فلان" (٢).
следующие страницы →