← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أن المالكية في المشهور عندهم يشترطون أن يوصي الزوج الشهود خاصة بالكتمان حين العقد، سواء أُوصي غيرهم بذلك أم لا (١). ونكاح السر على تعريف الحنفية نكاح باطل عند عامة الفقهاء وهو من جنس السفاح (٢)؛ لأن الإشهاد في النكاح إما ركن أو شرط لصحة العقد. وأما على تعريف الجمهور فقد ذهب الشافعية والحنابلة إلى صحته مع الكراهة؛ لأن النكاح لا يكون مع الشهادة عليه مكتوما، وهو مكروه؛ لحديث عبد الله بن الزبير أن النبي ﷺ قال: "أعلنوا النكاح" (٣)، وحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف" (٤) رواه الترمذيُّ، وحديث أبي هريرة: "أن النبي ﷺ نهى عن نكاح السر" (٥) رواه الطبراني، وحديث علي ﵁: أن النبي ﷺ مر وأصحابه ببني زريق فسمعوا غناء ولعبا فقال: "ما هذا؟ " فقالوا: نكاح فلان يا رسول الله. فقال: "كمل

стр. 912

دينه هذا النكاح لا السفاح، ولا نكاح السر حتى يسمع دف أو يرى دخان" (١). وذهب المالكية إلى أن نكاح السر يفسخ قبل الدخول، ويفرق بينهما بالطلاق إن حصل فيه الدخول ولم يطل عرفا، أما إذا وقع الدخول وطالت المدة عرفا لم يفسخ على المشهور. وهذا كله إذا لم يكن الكتمان خوفًا من ظالم ونحوه (٢). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بتحريم نكاح السر في فتواها رقم (١٠٠٢) (٣)، وفتواها رقم (١٨٦١٢) (٤). الخامسة: النكاح بنية الطلاق: اختلف فيه الفقهاء في النكاح بنية الطلاق على قولين: الأول: ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى صحته سواء علمت المرأة أو وليها بهذه النية أم لا، وهو قول عند الحنابلة جزم به ابن قدامة وغيره وقال: هو قول عامة أهل العلم إلا الأوزاعي قال هو نكاح متعة، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية (٥). وذلك لخلو العقد مما يفسده؛ إذ التوقيت المفسد للعقد إنما يكون باللفظ لا بالنية، وقد ينوي الرجل ما لا يفعله، أو يفعل ما لا ينويه (٦).

стр. 913

الثاني: ذهب الحنابلة في الصحيح من مذهبهم إلى بطلان هذا النكاح باعتبار أنه من صور نكاح المتعة. وهو قول بعض المالكية في حالة ما لو فهمت المرأة ذلك أو وليها (١). ومذهب الحنابلة هو ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في فتواها رقم (٢١١٤٠) (٢). المحرمات في النكاح: الأصل في المحرمات في باب النكاح قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣). أقسام المحرمات في النكاح: ينقسم التحريم في النكاح إلى قسمين مؤبد ومؤقت، فأما ما كان تحريمه مؤبدًا فأنواعه ثلاثة (٤):

стр. 914

النوع الأول: المحرمات بالنسب: وضابط ذلك أنه يحرم على الإنسان أصوله وفروعه، وفروع أصله الأدنى وإن سفلن، وفروع أصوله البعيدة دون بناتهن، فيدخل في أصوله: أمه وأم أمه وأم أبيه وإن علون، ودخل في فروعه: بنته، وبنت بنته، وبنت ابنه وإن نزلن، ودخل في فرع أصله الأدنى: أخواته من الأبوين أو من أحدهما، وبناتهن، وبنات الإخوة وأولادهم وإن سفلن، ودخل في فروع أصوله البعيدة: العمات، والخالات، وعمات الأبوين، وخالاتهما وإن علون. ولم يبق من الأقارب حلال سوى فروع أصوله البعيدة وهن بنات العم وبنات العمات وبنات الخال وبنات الخالات. النوع الثاني: المحرمات بالصهر: وهن من أقارب الزوجين زوجات الآباء والأبناء، وأمهات الزوجات، وبنات الزوجات المدخول بهن. فيحرم على كل واحد من الزوجين أصول الآخر وفروعه، فيحرم على الرجل أم امرأته، وأم أبيها وأمها وإن علت. ويحرم عليه بنت امرأته وهي الربيبة، وبنت بنتها وإن سفلت، وتحرم بنت الربيب أيضًا نص عليه الإِمام أحمد في رواية صالح، وذكر الشيخ تقي الدين أنه لا يعلم فيه نزاعًا، ويحرم عليه أن يتزوج بامرأة أبيه وإن علا، وامرأة ابنه وإن سفل. النوع الثالث: المحرمات بالرضاع: فيحرم بالرضاع ما يحرم من النسب، واختار شيخ الإِسلام ابن تيمية أنه لا يثبت به تحريم المصاهرة فلا يحرم على الرجل نكاح أم زوجته وابنتها من الرضاع، ولا يحرم على المرأة نكاح أبي زوجها وابنه من الرضاع. وقال أحمد في رواية ابن بدينا في حليلة الابن من الرضاع: لا يعجبني أن يتزوجها؛ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.

стр. 915

وأما ما كان تحريمه مؤقتًا فيشمل نوعين: الأول: المحرمات بالجمع: وتحريمه هذا النوع يختص بالرجال لاستحالة إباحة جمع المرأة بين زوجين، وضابطه أن كل امرأتين بينهما رحم محرم يحرم الجمع بينهما بحيث لو كانت إحداهما ذكرا لم يجز له التزوج بالأخرى فإنه يحرم الجمع بينهما بعقد النكاح. قال الشعبي: كان أصحاب محمَّد ﷺ يقولون: لا يجمع الرجل بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلًا لم يصلح له أن يتزوجها. والتحريم في هذا النوع مؤقت بمعنى أنه إذا كانت إحداهما مع الرجل لم يجز له أن يتزوج بالأخرى إلى أن يفارق التي في عصمته. فلا يجوز له الجمع بين المرأة وعمتها وإن علت، ولا بينها وبين خالتها وإن علت، ولا بين الأختين، ولا بين البنت وأمها وإن علت وهكذا. الثاني: المحرمات بسبب الكفر: تحرم المرأة المشركة على المسلم حتى تدخل في الإِسلام، كما يحرم غير المسلم على المرأة المسلمة سواء كان مشركًا أو كان كافرًا من أهل الكتاب ومن في حكمه حتى يدخل في الإِسلام لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٢).

стр. 916

الزواج من نساء أهل الكتاب: يجوز للمسلم أن يتزوج من نساء أهل الكتاب اليهود والنصارى إذا توافرت فيهن شروط الزواج الأخرى، وقد نقل الموفق عن ابن المنذر قوله: ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك (١). ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (٢). وإجماع الصحابة على ذلك نقله ابن قدامة (٣)، ويؤيده حديث أبي وائل شقيق ابن سلمة قال: "تزوج حذيفة بن اليمان ﵁ يهودية فكتب إليه عمر ﵁: طلقها، فكتب إليه: أحرام هي؟ فكتب إليه: لا, ولكني خفت أن تعاطوا المومسات منهن" (٤). وعن عبد الله بن السائب من بني المطلب "أن عثمان بن عفان ﵁ نكح ابنة الفرافصة الكلبية وهي نصرانية على نسائه ثم أسلمت على يديه" (٥)، وفي رواية عن محمَّد بن جبير بن مطعم: "أن عثمان بن عفان ﵁ تزوج بنت الفرافصة وهي نصرانية ملك عقدة نكاحها وهي نصرانية حتى حنفت حين قدمت عليه" (٦).

стр. 917

وعن ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يسأل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية فقال: "تزوجناهن زمن الفتح بالكوفة مع سعد بن أبي قاص ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيرا فلما رجعنا طلقناهن وقال لا يرثن مسلما ولا يرثهن ونساؤهم لنا حل ونساؤنا عليهم حرام" (١). وفي رواية عنه ﵁ قال: "شهدنا القادسية مع سعد ونحن يومئذ لا نجد سبيلا إلى المسلمات وتزوجنا اليهوديات والنصراينات فمنا من طلق ومنا أمسك" (٢). وعن هبيرة عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "تزوج طلحة ﵁ يهودية" (٣). وإذا ثبت ذلك فالجمهور من المالكية والشافعية في الصحيح عندهم والحنابلة (٤) على كراهة الزواج منهن خوفًا من أن يميل إليها فتفتنه عن الدين، ولحديث علي بن أبي طلحة عن كعب أنه أراد أن يتزوج يهودية أو نصرانية فسأل النبي ﷺ عن ذلك فنهاه عنها وقال: "إنها لا تحصنك" (٥)، ولأمر عمر ﵁

стр. 918

للذين تزوجوا من نساء أهل الكتاب أن يطلقوهن كما تقدم، وكأكل ذبائحهم بلا حاجة تدعو إليه. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بجواز الزواج من نساء أهل الكتاب إذا توافرت لذلك شروط الزواج الأخرى في فتواها رقم (١١١٣) (١). وأما الأمة من أهل الكتاب فقد ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة (٢) إلى عدم جواز الزواج منها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣)، حيث قيدهن بالمسلمات، وحتى لا يؤدي ذلك إلى استرقاق الكافر ولدها المسلم. وأجاز الحنفية الزواج منها من غير فرق بينها وبين الحرة (٤).

стр. 919

وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية برأي الجمهور في فتواها رقم (٥٧٢٩) (١). حكم المشركات: أما المشركة التي ليست من أهل الكتاب كالمجوسية والوثنية فلا يحل الزواج منها حرة كانت أو أمة (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (٣). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بذلك في فتواها رقم (٢٩٥٨)، وأفتت بعدم جواز الزواج من نساء أهل الديانات الأخرى غير الإِسلام وأهل الكتاب في فتواها رقم (١٠٦٣٤)، وعدم جواز بقاء الزوجة المشركة غير الكتابية في عصمة المسلم في فتواها رقم (٤٤٥٩) (٤). الخِطْبَة: وهي التماس قاصد الزواج النكاح من المرأة أو وليها (٥). والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ (٦)، وحديث عروة ﵁: أن النبي ﷺ

стр. 920

خطب عائشة إلى أبي بكر فقال له أبو بكر إنما أنا أخوك فقال: "أنت أخي في دين الله وكتابه وهي لي حلال" (١). وحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ خطب أم هانئ بنت أبي طالب فقالت: يا رسول الله إني قد كبرت ولي عيال، فقال رسول الله ﷺ : "نساء قريش خير نساء ركبن الإبل أحناه على طفل وأرعاه على زوج في ذات يده" (٢). ومن أحكام الخطبة أنه يحرم بالإجماع على المسلم أن يخطب على خطبة أخيه لما يؤدي إليه ذلك من الضغينة والعداوة فيحرم عليه ذلك إذا علم بالخطبة ما لم يترك الخاطب الأول أو يأذن له أو يعلم أنه رد (٣)؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يبع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب أو يأذن له" متفق عليه (٤). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بذلك في فتواها رقم (٣١١٦)، ورقم (٧٥٨٨) (٥). النظر إلى المخطوبة: لا خلاف بين الفقهاء في إباحة نظر الخاطب إلى المخطوبة إذا كان عازما على النكاح ولم يكن قصده التلذذ فقط، ولا يجوز أن يخلو بها (٦)؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن

стр. 921

ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل"، قال: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجته (١)، وحديث أنس بن مالك ﵁ أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة فقال له النبي ﷺ : "اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم" يعني بينكما ففعل وتزوجها فذكر من موافقتها (٢). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في فتواها رقم (٧٠٤٤) بجواز كشف المخطوبة وجهها لخاطبها، مع عدم جواز الاستمرار في ذلك لما يخشى من عواقبه. كما أفتت في فتواها رقم (١٠٩٢٨) بجواز النظر إلى وجه المخطوبة بلا تلذذ ولا شهوة ودون خلوةٍ (٣). ولا بأس بالنظر إليها بغير إذنها عند الشافعية والحنابلة (٤) اكتفاء بإذن الشارع لأن النصوص في ذلك مطلقة، ولقول جابر في الحديث المتقدم: "فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها". ولئلا تتزين المرأة فيفوت غرضه. وذهب المالكية إلى اشتراط علمها وكراهة استغفالها (٥)؛ لئلا يتطرق أهل الفساد لنظر محارم الناس بدعوى الخطبة.

стр. 922

ما يجوز النظر إليه من المخطوبة: أما الوجه فلا خلاف بين الفقهاء في جواز النظر إليه منها (١)، واختلف فيما سواه على قولين: الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية (٢) إلى جواز النظر إلى الكفين دون ما سواهما لأنه عورة. وقالوا في الاكتفاء بالنظر إلى الوجه والكفين أن الوجه يدل على الجمال من عدمه واليدان يدلان على خصابة البدن وطراوته من عدم ذلك. واستدلوا على جواز النظر إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٣)، وأن المقصود بما ظهر منها موضع الزينة وهما الوجه والكفان. الثاني: ذهب الحنابلة في المذهب عندهم إلى جواز النظر إلى كل ما يظهر غالبا كاليدين والرقبة والقدمين (٤). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بالرأي الثاني في فتواها رقم (١٠٩٢٨) (٥). أخذ رأي المرأة في النكاح: لا تخلو حال المرأة التي يراد تزويجها من أن تكون ثيبًا أو بكرا، فإن كانت ثيبًا فلا يخلو حالها إما أن تكون كبيرة، وإما أن تكون صغيرة:

стр. 923

فأما الكبيرة فلا خلاف بين الفقهاء أنه لا يجوز للأب ولا غيره تزويجها إلا بإذنها إلا الحسن فإنه قال: له تزويجها وإن كرهت وهو قول شاذ (١). واستدل الجمهور بحديث الخنساء بنت خدام الأنصارية: "أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت النبي ﷺ فرد نكاحه" رواه البخاري (٢). قال ابن عبد البر: "وهذا حديث صحيح مجتمع على صحته وعلى القول به ... ولا أعلم مخالفًا في أن الثيب لا يجوز لأبيها ولا لأحد من أوليائها إكراهها على النكاح إلا الحسن البصري ... " (٣). وأما إن كانت صغيرة فلا يجوز تزويجها بغير إذنها في مذهب الشافعية ووجه عند الحنابلة (٤)، لعموم ما تقدم. وأجاز الحنفية والمالكية والحنابلة في وجه (٥) لأبيها تزويجها من غير أخذ رأيها؛ لأنها صغيرة فجاز إجبارها كغير الثيب. وأما البكر فلا خلاف بين الفقهاء أنها إن كانت صغيرة جاز لأبيها أن يزوجها بغير إذنها، وأما إن كانت كبيرة بالغة وعاقلة فلا خلاف بين الفقهاء في استحباب أخذ إذنها (٦)، واختلفوا هل للأب تزويجها بغير إذنها على قولين: الأول: يجوز له ذلك وهو مذهب المالكية والشافعية، والصحيح من مذهب

стр. 924

الحنابلة (١)؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يستأمرها أبوها في نفسها وإذنها صماتها" رواه مسلم (٢) فدل على أن الولي أحق بالبكر وإن كانت بالغة. والوصي عند المالكية كالأب، والجد عند الشافعية كالأب عند فقده أو عدم أهليته. الثاني: لا يجوز له ذلك وهو مذهب الحنفية وهو رواية عند الحنابلة (٣)؛ لأنها حرة مخاطبة فلا يكون للغير عليها ولاية الإجبار كالبالغة لأن الولاية على الصغيرة لقصور عقلها وقد كمل بالبلوغ. أما غير الأب: فلا يملك ولاية الإجبار على البكر لحديث نافع أن عبد الله ابن عمر ﵄ تزوج بنت خاله عثمان بن مظعون فذهبت أمها إلى رسول الله ﷺ وقالت: إن ابنتي تكره ذلك، فأمره رسول الله ﷺ أن يفارقها وقال: "لا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن فإن سكتن فهو إذنهن" فتزوجت بعد عبد الله المغيرة بن شعبة" (٤). صورة الإذن: إذن الثيب أن تتكلم برأيها صراحة، وأما البكر فإذنها أن تتكلم صراحة بموافقتها أو أن تسكت لأنها قد تستحي أن تنطق بالموافقة فجعل الشرع صماتها بمثابة الإذن الصريح، وهو قول الجمهور والصحيح من مذهب

стр. 925

الشافعية لحديث ابن عباس المتقدم، وحديث عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الجارية ينكحها أهلها أتستأمر أم لا فقال لها رسول الله ﷺ : "نعم تستأمر" فقالت عائشة: فقلت له: فإنها تستحي فقال رسول الله ﷺ : "فذلك إذنها إذا هي سكتت" رواه مسلم (١)، (٢). وذهب الشافعية في قول (٣) إلى أن الاكتفاء بسكوت البكر إنما هو في حق الأب والجد دون غيرهما، فلا بد أن تنطق برأيها إن كان الولي غير الأب والجد. الصفات المطلوبة في الزوجين: يستحب لمن أراد التزوج أن يختار ذات دين، وحسب، وجمال، ومال فإن لم يجتمع فيها ذلك كله اختار ذات الدين لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" متفق عليه (٤)، ويستحب أن تكون بكرًا لحديث جابر ﵁ قال: وقد كان رسول الله ﷺ قال لي حين استأذنته: "ما تزوجت أبكرًا أم ثيبا؟ " فقلت له: تزوجت ثيبا، قال: "أفلا تزوجت بكرًا تلاعبك وتلاعبها؟ " متفق عليه (٥). وأن تكون من نساء يعرفن بكثرة الولادة لحديث معقل بن يسار ﵁ قال: ثم جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب ومال إلا أنها لا تلد أفأتزوجها؟ فنهاه ثم أتاه الثانية فقال له مثل ذلك فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال له مثل ذلك فقال رسول الله ﷺ : "تزوجوا الودود الولود فإني

стр. 926

مكاثر بكم الأمم" (١). ويستحب في الرجل أن يكون ديّنًا وذا أخلاق حسنة لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" (٢)، كما يستحب فيه ما يستحب في المرأة بأن يكون ذا حسب ومال وجمال وأن يكون ممّن يعرفون بالإنجاب. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في فتواها رقم (٢٠٠٦٢)، ورقم (١٣٦٥٦) بأن على الولي أن يختار لموليته الرجل الكفء الصالح ممّن يرضى دينه وأمانته والأتقى لله جل وعلا في جميع أموره والأحسن خلقًا والأكمل عقلًا (٣). تعدد الزوجات: لقد شرع الإِسلام للرجل أن يتزوج أربع نسوة، وليس له أن يزيد عليهن بإجماع أهل العلم قال ابن قدامة: ولا نعلم أحدًا خالفه إلا شيئًا يُحكى عن القاسم

стр. 927

ابن إبراهيم (١) أنه أباح تسعًا وليس بشيء لأنه خرق للإجماع وترك للسنة (٢). والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣). وما روي عن سالم عن أبيه ﵄ أن غيلان ابن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة فقال له رسول الله ﷺ : "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" (٤)، وعن نوفل بن معاوية الديلي قال: أسلمت وتحتي خمس نسوة فسألت النبي ﷺ فقال: "فارق واحدة وأمسك أربعًا" فعمدت إلى أقدمهن عندي عاقر منذ ستين سنة ففارقتها (٥) رواه الشافعي، والبيهقيُّ. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بجواز التعدد إذا وثق الشخص من نفسه بالعدل بين الزوجات وأمن من الجور في فتواها رقم (١٢٩٤) (٦).

стр. 928

الصداق الصداق لغة: المهر، يكسر صاده ويفتح والكسر أفصح، يجمع جمع قلة على أَصْدِقَة وهو القياس، وجمع كثرة على صُدُق، يقال أصدق المرأة حين تزوجها إذا جعل أو سمى لها صداقا, وله ثمانية أسماء: الصداق، والمهر، والنِّحلة، والفريضة، والأجر، والعقر، والحباء، والعليقة (١). وهو شرعًا: العوض المسمى في عقد النكاح أو ما يقوم مقامه (٢). مشروعيته: الأصل في مشروعية الصداق الكتاب والسنة والإجماع. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (٤). ومن السنة حديث أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" (٥)، وحديث سهل بن سعد قال: جاءت امرأة إلى رسول ﷺ فقالت: إني وهبت منك نفسي، فقامت طويلًا، فقال رجل: زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، قال: "هل عندك من شيء تصدقها؟ " قال: ما عندي إلا إزاري، فقال: "إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس

стр. 929

شيئًا" فقال: ما أجد شيئًا فقال: "التمس ولو خاتما من حديد" (١) الحديث. وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من علماء المسلمين (٢). حكم الصداق: الصداق حق خالص للمرأة مقابل ما تبذله من نفسها في العلاقة الزوجية، وقد اتفق الفقهاء على وجوب توافره في النكاح، ولا يجوز التواطؤ على تركه بحيث يكون النكاح مجانًا من غير صداق؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٤)، (٥) حيث أضافه إليهن في الآيتين لإفادة الملكية، فلا يجوز أن يهب الولي موليته للزوج بغير صداق، وإن فعل كان لها مهر مثلها. وأما ما ثبت من هبة المرأة نفسها للنبي ﷺ من غير صداق فهو خاص به ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦)، ولهذا لم يزوج ﷺ الرجل الذي طلب زواج هذه المرأة من غير شيء بل قال له: "التمس ولو خاتمًا من حديد" ولما لم يجد ذلك زوجه بما معه من القرآن. وإذا ثبت ذلك فللمرأة أن تسقط من المهر ما تشاء بطيب نفسها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٧)، (٨).

стр. 930

وقد نصت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية على ما تقدم كله في فتاواها رقم (١٢٧٥)، ورقم (١٩٤٣)، ورقم (٢٠٨٧٩) (١). استحباب تسمية الصداق عند العقد (٢): يستحب تسمية الصداق عند عقد النكاح؛ لأن النبي ﷺ لم يكن يخلي ما يعقده من عقود النكاح عن تسمية الصداق، وفي حديث سهل بن سعد ﵁ الذي تقدم ذكره قريبا قال ﷺ للرجل الذي طلب زواج المرأة التي وهبت نفسها له: "التمس ولو خاتمًا من حديد"، فلما لم يجد زوجه بما معه من القرآن وكان ذلك حرصا منه ﷺ على ألا يخلو العقد من التسمية. ولأن تسميته عند العقد أقطع للنزاع والخلاف فيه حيث تدخل المرأة في هذه العلاقة على بصيرة بما بذله الزوج مقابل بذلها نفسها. على أن ذلك ليس شرطًا لصحة العقد فلو تم من غير التسمية للصداق صح العقد وحدد مقداره لاحقًا بدليل قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٣) , (٤). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بذلك في فتواها رقم (٣٥٨٢)، وفتواها رقم (٤٠٨٦) (٥).

стр. 931

جواز تأجيل الصداق كله أو بعضه: يجوز اتفاق الزوجين على تحديد جزء من الصداق معجلا وتحديد الجزء الآخر مؤجلا يكون دينا في ذمة الزوج، فإذا كان المؤجل معروف الأجل التزم الزوج ذلك بغير خلاف (١)، أما إن لم يتم تحديد أجله كأن اكتفيا بتحديد نصف الصداق معجلا والنصف الآخر مؤخرا مثلا ولم يحددوا أجله فقد اختلف الفقهاء في وقت استحقاق المطالبة بذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن هذا المؤخر لا تستحق الزوجة المطالبة به إلا بموت أو فرقة وهو المفتى به عند الحنفية، والصحيح من مذهب الحنابلة وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية. وحجة هذا القول أن الاتفاق وقع على تأجيل الصداق كله أو بعضه فوجب أن يكون مؤجلا عملًا بالشرط؛ لحديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحق الشرط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج" (٢) متفق عليه، وحديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالًا أو أحل حراما والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالًا أو أحل حراما" (٣)، ولأن العادة قد جرت على جعل بعض الصداق معجلا والبعض الآخر مؤجلا، كما جرت العادة على أن المؤجل لا تطالب به المرأة إلا بالموت أو الفراق (٤).

стр. 932

القول الثاني: أن للمرأة حق المطالبة به حالًا وهو ظاهر الرواية عند الحنفية، ومذهب الشافعية (١). ووجه قول الحنفية القياس على البيع قالوا: إن النكاح عقد معاوضة فيقتضي المساواة من الجانبين في العوض، والمرأة قد عينت حق الزوج عند تسليم نفسها فيجب أن يعين الزوج حقها بذلك فوجب أن يكون حالًا، وكذا لو كان الأجل مجهولًا جهالة متفاحشة كوقت هبوب الرياح ونحو ذلك. ووجه قول الشافعية أن التسمية في هذه الحالة تكون فاسدة لجهالة العوض بجهالة أجله فيرد ذلك إلى مهر المثل ويحق لها المطالبة به حالًا. القول الثالث: أن النكاح يفسخ بذلك قبل البناء، ويثبت بعده بصداق المثل ويكون حالًا، وهو المشهور من مذهب المالكية والعمل عليه عندهم (٢). كما أنهم يرون أن الصداق إذا أجل كله أو بعضه إلى ما يزيد على خمسين سنة فسد النكاح؛ لأن التقدير بذلك مظنة إسقاط الصداق (٣). الراجح: هو القول الأول من صحة التسمية وعدم تمكين المرأة من المطالبة به إلا بموت أو فرقة؛ إذ هو الذي عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، بل قد حكى الإِمام الليث ﵀ إجماعهم عليه. ولأنه يتفق مع القياس والنظر؛ ذلك أن المطلق من العقود ينصرف إلى العرف والعادة عند المتعاقدين كما في النقد والسكة والصفة والوزن، والعادة جارية بين الأزواج بترك المطالبة بالصداق إلا بالموت

стр. 933

أو الفراق فجرت العادة مجرى الشرط، ولأن عقد النكاح يخالف سائر العقود ولهذا نافاه التوقيت المشترط في غيره من العقود على المنافع، بل كانت جهالة مدة بقائه غير مؤثرة في صحته والصداق عوضه ومقابله فكانت جهالة مدته غير مؤثرة في صحته فهذا محض القياس (١). وإذا ثبت هذا فلا بأس في توثيق ذلك ليكون حجة عند الفراق أو الموت، قال شيخ الإِسلام: "ولم يكن الصحابة يكتبون صداقات؛ لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخر بل يعجلون المهر، وإن أخروه فهو معروف، فلما صار الناس يتزوجون على المؤخر والمدة تطول وينسى صاروا يكتبون المؤخر وصار ذلك حجة في إثبات الصداق" (٢). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بأن ما حدد أجله من الصداق بالطلاق أو الموت وجب سداده عند ذلك، وما لم يحدد له أجل يجب سداده عند الطلاق أو الموت في فتواها رقم (٤٩٠٧)، وفتواها رقم (٦٨٧١) (٣). ما يستقر به الصداق: اتفق الفقهاء على أن الصداق يستقر كاملا بدخول الزوج على زوجته، ويستقر أيضًا بموت أحد الزوجين قبل الوطء في النكاح الصحيح؛ لحديث ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات فقال: "لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث،

стр. 934

فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق امرأة منا مثل الذي قضيت، ففرح بها ابن مسعود" (١). ولإجماع الصحابة ﵃ على ذلك. واختلفوا هل يستقر بالخلوة كاملًا أم لا على قولين (٢): القول الأول: أنه لا يستقر كاملًا بالخلوة وإنما يجب بالعقد نصف المهر، وهو مذهب المالكية والشافعية. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٣)، قالوا: إن الله تعالى أوجب نصف المفروض في الطلاق قبل الدخول؛ لأن المراد بالمس الجماع فمن أوجب كل المفروض بالخلوة فقد خالف النص. وقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ (٤)، وأنه تعالى أوجب لهن المتعة عند الطلاق في نكاح لا جماع فيه ولا تسمية للمهر من غير فصل بين حال وجود الخلوة وعدم وجودها فاستويا.

стр. 935

ولأن تأكد المهر يتوقف على استيفاء المستحق بالعقد وهو منافع البضع واستيفاؤها بالوطء ولم يوجد فكان لها النصف بالنص. القول الثاني: أنه يستقر كاملا بالخلوة وهو مذهب الحنفية، والصحيح من مذهب الحنابلة إلا أن الحنفية يشترطون لذلك أن لا يكون هناك مانع شرعي كأن يكون مُحْرِمًا، أو مريضًا، أو صائمًا في رمضان، أو كانت المرأة حائضًا ونحو ذلك، بينما لا يشترط الحنابلة شيئًا من ذلك حيث يستقر المهر عندهم بالخلوة مطلقا (١). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٢)، قالوا: إن الله تعالى نهى الزوج عن أخذ شيء من مهر المرأة عند الطلاق وعلل ذلك بوجود الإفضاء وهو الخلوة دخل بها أو لم يدخل. ولحديث محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق دخل بها أو لم يدخل" (٣) قالوا: إن هذا نص في الباب فوجب المصير إليه. وأن الصحابة من الخلفاء الراشدين وغيرهم أجمعوا على ذلك فيما يروى عنهم، فقد نقل ذلك زرارة ابن أوفى حيث قال: "قضى الخلفاء الراشدون المهديون

стр. 936

أن من أغلق بابًا أو أرخى سترًا فقد وجب المهر ووجبت العدة" (١)، وهذه قضية مشتهرة ولم يخالفهم أحد في عصرهم فكان إجماعًا. ولأنها سلمت المبدل إلى زوجها في الخلوة الصحيحة فيجب على زوجها تسليم البدل إليها كما في البيع والإجارة. الراجح: الراجح في هذه المسألة هو القول الثاني للأدلة التي يستند إليها. مقدار الصداق: قد أجمع الفقهاء على أن الصداق ليس له حد أعلى لا تجوز مجاوزته قال ابن عبد البر: "وأجمع العلماء على أنه لا تحديد في أكثر الصداق؛ لقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (٢). وأما أقله فقد اختلف الفقهاء في تحديده بعد إجماعهم على أن ما لا يتمول ولا قيمة له لا يكون صداقا ولا يجزئ في النكاح إلا الظاهرية حيث أجازوا أن يكون الصداق من كل شيء ولو كان حبَّة من بر أو شعير ونحو ذلك (٣). وللفقهاء في تحديد حده الأدنى قولان: القول الأول: أن أقله ما يقطع به السارق، وهو مذهب الحنفية والمالكية، ومقدار ذلك عند الحنفية دينار أو عشرة دراهم، وعند المالكية ربع دينار أو ثلاثة دراهم (٤).

стр. 937

واستدل الحنفية بحديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ : "ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا يزوجن إلا من الأكفاء، ولا مهر أقل من عشرة دراهم" (١). وما روي عن علي ﵁ أنه قال: "لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم" (٢)، وأن الظاهر منه أنه قال ذلك توقيفًا؛ لأنه باب لا يوصل إليه بالاجتهاد والقياس. واستدلوا بالقياس على نصاب قطع اليد في السرقة، ووجهه أن البضع عضو يستباح في النكاح بمقدر من المال فأشبه اليد من حيث إنه عضو يستباح في السرقة بمقدر من المال أيضًا فقدر ما يستباح به بما يستباح به اليد. القول الثاني: أن كل ما كان مالًا وصح أن يكون ثمنًا أو أجرة جاز أن يكون صداقًا وإن قل، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وقول لبعض المالكية (٣).

стр. 938

واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (١)، وأنه سبحانه لم يحدد أكثر ذلك ولا أقله فدخل فيه القليل والكثير. وما تقدم من حديث سهل ابن سعد وقد ورد فيه قول النبي ﷺ : "التمس ولو خاتمًا من حديد" متفق عليه. وحديث عامر بن ربيعة: أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال رسول الله ﷺ : "أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ " قالت: نعم، فأجازه (٢)، وحديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن رجلًا أعطى امرأة صداقا ملء يده طعامًا كانت له حلالًا" (٣). ولأنه بدل منفعة المرأة فجاز كل ما رضيت به من المال. الراجح: هو القول الثاني لقوة ما استندوا إليه وهو ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في فتواها رقم (٣٤٢٤)، ورقم (٢٠٢٢٩)، ورقم (١٧٣٣٢) (٤). أما أدلة القول الأول فهي ضعيفة. قال ابن حجر في الفتح: "وقد وردت أحاديث في أقل الصداق لا يثبت منها شيء" (٥). استحباب تخفيف الصداق وعدم المغالاة فيه: السنة في الصداق أن لا يغالى فيه لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة" (٦)، وما رواه ابن أبي الحسين أن النبي ﷺ قال:

стр. 939

"تياسروا في الصداق إن الرجل يعطي المرأة حتى يبقى ذلك في نفسه عليها حسيكة (١)، وحتى يقول: ما جئتك حتى سقت إليك علق القربة (٢) " (٣)، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: "سألت عائشة زوج النبي ﷺ كم كان صداق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونَشًّا، قالت: أتدري ما النش؟ قال: قلت: لا، قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم، فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه" (٤) رواه مسلم. وعن أبي العجفاء قال: قال عمر ﵁: "ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنه لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها رسول الله ﷺ ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن الرجل ليغالي بصدقة امرأته حتى يبقى له في نفسه عداوة، وحتى يقول كلفت لك علق القربة أو عرق القربة (٥) " (٦).

стр. 940

والمنهي عنه هو المبالغة في المهر أما الزيادة المعقولة فجائزة فقد روى عروة عن أم حبيبة ﵂ "أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة فزوجها النجاشي النبي ﷺ وأمهرها عنه أربعة آلاف وبعث بها إلى رسول الله ﷺ مع شرحبيل بن حسنة" (١)، إذ لو كان ذلك مكروها لأنكره ﷺ . وقد جاء في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية أنه لا ينبغي المغالاة في المهور (١٦٣٨٤) (٢).

стр. 941

وليمة العرس الوليمة اسم لكل طعام يتخذ لجمعٍ من الناس، وقيل هو طعام العرس خاصة مشتقة من الوَلْم وهو الحبل؛ لأن فيها الوصل واجتماع الشمل (١). مشروعية الوليمة في العرس: لا خلاف بين أهل العلم في أن الوليمة سنة مشروعة في العرس لما ثبت من أن النبي ﷺ فعلها وأمر بفعلها فعن ثابت قال: "ذكر تزويج زينب بنت جحش عند أنس ﵁ فقال: ما رأيت النبي ﷺ أولم على أحد من نسائه ما أولم عليها أولم بشاة" (٢)، وفي لفظ: "أطعمهم خبزًا ولحمًا حتى تركوه" (٣)، وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ اصطفى صفية لنفسه فخرج بها حتى بلغ ثنية الصهباء فبنى بها ثم صنع حيسا في نطع صغير ثم قال: "ائذن لمن حولك" فكانت وليمة رسول الله ﷺ على صفية (٤)، وروى أنس بن مالك ﵁ أيضًا: أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف ﵁ أثر صفرة فقال: "ما هذا؟ " قال: يا رسول الله إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، فقال: "بارك الله لك، أولم ولو بشاة" (٥). والوليمة سنة مؤكدة لما تقدم من ثبوتها عن النبي ﷺ قولًا وفعلًا، ولعدم تركه ﷺ لها حتى في السفر، وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم منهم الحنفية

стр. 942

والمالكية والشافعية في أصح قوليهم والحنابلة (١) وذهب الظاهرية والشافعية في قول إلى وجوبها (٢). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بسنيتها في فتواها رقم (٤٠٢٦)، ورقم (٣٦١٨) (٣). الحكمة من مشروعيتها: شرعت شكرًا لله تعالى على نعمة النكاح والزواج، ومن أجل إعلان النكاح وإشهاره بين الناس لا سيما وأن الشهود قد يموتون. مقدار ما يولم به: نقل بعض العلماء الإجماع على أنه لا حد لأقل ما يولم به ولا أكثره، وأن المستحب في ذلك على حسب حال الزوج قال القاضي عياض: "وأجمعوا على أن لا حد لأكثرها، وأما أقلها فكذلك، ومهما تيسر أجزأ، والمستحب أنهما على قدر حال الزوج، وقد يتيسر على الموسر الشاة فما فوقها" (٤). فإن أولم بأكثر من شاة جاز، وإن أولم بشاة واقتصر على ذلك امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ : "أولم ولو بشاة". وإن أولم بما دون ذلك جاز لما تقدم من حديث أنس أن النبي ﷺ أولم على صفية بحيس في نطع صغير، وحديث صفية بنت شيبة قالت: "أولم النبي ﷺ على

стр. 943

بعض نسائه بمدين من شعير" (١). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بذلك في فتاواها رقم (٥٧٨٢)، ورقم (١٦٥٠٦)، ورقم (١٨٩٩٧) (٢). إجابة الدعوة إلى وليمة العرس: اختلف الفقهاء في حكم إجابة الدعوة إلى الوليمة عندما لا يكون فيها لهو ولا معصية هل هي واجبة أم لا؟ ولهم في ذلك ثلاثة أقوال (٣): القول الأول: أن الإجابة لها واجبة، وقال به جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية في الأصح من مذهبهم، والحنابلة. القول الثاني: أنها سنة مستحبة، وهو مذهب الحنفية وقول للشافعية. القول الثالث: أنها فرض كفاية وهو قول للشافعية. واستدلوا جميعًا بحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" (٤)، وحديث ابن عمر أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم إليها" (٥)، وحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها، ومن لم

стр. 944

يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" (١). فمن قال بوجوب الإجابة حمل الأمر على الوجوب، ومن قال بسنيتها حمل ذلك على الاستحباب، وحمل العصيان الوارد في الحديث على معنى عصيان الرسول في سيرته وحسن الأخلاق. ومن قال إنها فرض كفاية نظر إلى الحكمة منها وأن المقصود بها إظهار النكاح وذلك يحصل بحضور من يكفي، ولأن الإجابة إكرام للداعي وموالاة فهي كرد السلام. الراجح: هو القول بالوجوب لظاهر حديث أبي هريرة المتقدم: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله". وهو ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في فتواها رقم (٨٠٥٢)، والفتوى رقم (٦٦٧٣) (٢). حكم إجابة الدعوة إذا كانت عامة: إذا كانت الدعوة للناس عامة دون تعيين فقد ذكر الحنابلة أن الإجابة في هذه الحالة تكون جائزة وليست واجبة ولا مستحبة؛ لأنه لم يعين شخصا بعينه، ولا يحصل كسر قلب الداعي بترك إجابته (٣). وإذا كانت الدعوة عامة لأناس مخصوصين كمن حضروا الصلاة في الجامع استحبت الإجابة إذا كان عدمها سيتأذى به الداعي.

стр. 945

حكم إجابة الدعوة إذا كان في الوليمة معصية: لا يختلف الفقهاء أن الوليمة إذا دعي إليها الشخص وكان فيها منكر كالخمر والغناء والاختلاط والرقص ونحو ذلك فإن أمكنه الإنكار وإزالة المنكر لزمه الحضور والإنكار؛ لأنه يؤدي فرضين إجابة الدعوة وإزالة المنكر، وإن كان لا يقدر على إزالة هذا المنكر فلا يجوز له الحضور إلى الوليمة (١). وأما إن لم يعلم بالمنكر حتى حضر الوليمة فالواجب عليه إزالته إن كان قادرا على ذلك، فإن لم يقدر وجب عليه الخروج والانصراف، والدليل على ذلك كله ما رواه سفينة أبي عبد الرحمن: أن رجلا أضافه علي فصنع له طعامًا فقالت فاطمة: لو دعونا رسول الله ﷺ فأكل معنا، فدعوه فجاء فوضع يده على عضادتي الباب فرأى قراما في ناحية البيت فرجع، فقالت فاطمة لعلي: الحقه فقل له ما أرجعك يا رسول الله؟ فقال: "إنه ليس لي أن أدخل بيتا مزوقا (٢) " (٣)، وحديث عمر قال: أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر" (٤)، وروي أن رجلا دعا عبد الله بن مسعود إلى وليمة فلما

стр. 946

جاء سمع لهوا فرجع فلقيه الذي دعاه فقال له مالك رجعت ألا تدخل فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كثر سواد قوم فهو منهم ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمله" (١) ولأنه بالجلوس يشاهد المنكر ويسمعه من غير حاجة إلى ذلك فمنع منه كما لو قدر على إزالته (٢). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بهذا كله في فتاواها رقم (١٣٩٥٩)، ورقم (٢٠٤٢٢)، ورقم (١٩٣٨)، ورقم (١٣٣١٥) (٣). حكم إجابة الدعوة عند تكرار الوليمة: وإذا صنعت الوليمة لأكثر من يوم فالإجابة لليوم الأول تكون واجبة على نحو ما تقدم، وفي اليوم الثاني تكون مستحبة، وأما اليوم الثالث فتكره الإجابة لها؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة" (٤). حكم الأكل من طعام الوليمة لمن حضرها: اختلف الفقهاء في وجوب الأكل من طعام الوليمة لمن حضرها وكان مفطرا: الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح من

стр. 947

مذهبهم والحنابلة إلى استحبابه (١)، لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعي أحدكم فليجب فإن شاء أكل وإن شاء ترك" (٢). والأولى له الأكل؛ لأن ذلك أبلغ في إكرام الداعي وجبر قلبه. الثاني: ذهب الظاهرية والشافعية في قول إلى وجوب الأكل؛ لقول النبي ﷺ : "وإن كان مفطرًا فليطعم"، ولأن المقصود منه الأكل فكان واجبا. أما الصائم فلا يخلو إما أن يكون صومه واجبًا أو تطوعًا، فإن كان واجبًا أجاب ولم يفطر؛ ولكن يدعو لهم ويبارك ويخبرهم بصيامه ليعلموا عذره فتزول عنه التهمة في ترك الأكل. والدليل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائما فليصل، وإن كان مفطرا فليطعم" (٣)، قوله فليصل أي فليدعو. ولأن الفطر في الصوم الواجب غير جائز فإن الصوم واجب والأكل غير جائز. وإن كان صومًا تطوعًا استحب له الفطر والأكل (٤) إذا كان في ذلك إجابة لأخيه المسلم وإدخال السرور على قلبه؛ لحديث أبي سعيد الخدري أنه صنع لرسول الله ﷺ وأصحابه طعاما فدعاهم فلما دخلوا وضع الطعام فقال رجل من القوم: إني صائم فقال رسول الله ﷺ : "دعاكم أخوكم وتكلف لكم وتقول إني صائم؟ أفطر، وصم يومًا مكانه إن شئت" (٥)، ولأن له الخروج من الصوم ما دام أنه تطوع.

стр. 948

وإن أحب إتمام الصيام جاز له ذلك لما تقدم من حديث أبي هريرة فيدعو لهم ويبارك ويخبرهم بصيامه ليعلموا عذره فتزول عنه التهمة كما تقدم. حكم الضرب بالدفوف في العرس: لا يختلف الفقهاء في استحباب إعلان النكاح والضرب عليه بالدف في حق النساء (١). ودليل ذلك حديث محمد بن حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : "فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح" (٢)، وحديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "اظهروا النكاح واضربوا عليه بالغربال" (٣)، وفي رواية أخرى عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف" (٤). أما الرجال فيكره ذلك في حقهم عند الشافعية والحنابلة وبعض المالكية، خلافا لبعض المالكية، قال الحافظ ابن حجر: "واستدل بقوله: "واضربوا" على أن ذلك لا يختص بالنساء، لكنه ضعيف، والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك

стр. 949

للنساء فلا يلتحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن" (١). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بجوازه للنساء دون الرجال بشرط أن لا يصاحبه منكر كالاختلاط، والأغاني الماجنة ونحو ذلك في فتاواها رقم (١٣٤٠٠)، ورقم (١٧١٥)، ورقم (٣٣٢١)، ورقم (٥٠٦٧)، ورقم (١٨٨٥٣)، ورقم (١٦٩١٥)، ورقم (١٥٩٧٧) (٢).

стр. 950

عِشْرة النساء العِشرة في اللغة: بالكسر اسم من المعاشرة والتعاشر وهي المخالطة، تقول: عاشرته معاشرة إذا خالطته مخالطة، واعتشروا وتعاشروا أي تخالطوا (١). واصطلاحًا: ما يكون بين الزوجين من حسن المخالطة والصحبة. حكم حسن العشرة بين الزوجين: يجب على كل من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢)، فهو أمر بما أوجبه الله به من حسن المعاشرة مع الزوجات (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤)، أي للنساء على الرجال من حقوق الزوجية مثل ما للرجال عليهن فليؤد كل من الطرفين إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف (٥). وحق الزوج على الزوجة أعظم من حقها عليه لقوله الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٦)، ولحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق" (٧) رواه أبو داود والترمذيُّ، وحديث حصين بن محصن أن عمة له أتت النبي ﷺ فقال لها: "أذات زوج أنت؟ " قالت: نعم. قال: "فأين أنت منه؟ " قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه. قال: "فكيف أنت له فإنه جنتك
следующие страницы →