← Фикх общий

Фикх общий · id 5913

الفقه الميسر

عبد الله الطيار

Полный текст (2 719 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

جاء سمع لهوا فرجع فلقيه الذي دعاه فقال له مالك رجعت ألا تدخل فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كثر سواد قوم فهو منهم ومن رضي عمل قوم كان شريك من عمله" (١) ولأنه بالجلوس يشاهد المنكر ويسمعه من غير حاجة إلى ذلك فمنع منه كما لو قدر على إزالته (٢). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بهذا كله في فتاواها رقم (١٣٩٥٩)، ورقم (٢٠٤٢٢)، ورقم (١٩٣٨)، ورقم (١٣٣١٥) (٣). حكم إجابة الدعوة عند تكرار الوليمة: وإذا صنعت الوليمة لأكثر من يوم فالإجابة لليوم الأول تكون واجبة على نحو ما تقدم، وفي اليوم الثاني تكون مستحبة، وأما اليوم الثالث فتكره الإجابة لها؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة" (٤). حكم الأكل من طعام الوليمة لمن حضرها: اختلف الفقهاء في وجوب الأكل من طعام الوليمة لمن حضرها وكان مفطرا: الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح من

стр. 947

مذهبهم والحنابلة إلى استحبابه (١)، لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعي أحدكم فليجب فإن شاء أكل وإن شاء ترك" (٢). والأولى له الأكل؛ لأن ذلك أبلغ في إكرام الداعي وجبر قلبه. الثاني: ذهب الظاهرية والشافعية في قول إلى وجوب الأكل؛ لقول النبي ﷺ : "وإن كان مفطرًا فليطعم"، ولأن المقصود منه الأكل فكان واجبا. أما الصائم فلا يخلو إما أن يكون صومه واجبًا أو تطوعًا، فإن كان واجبًا أجاب ولم يفطر؛ ولكن يدعو لهم ويبارك ويخبرهم بصيامه ليعلموا عذره فتزول عنه التهمة في ترك الأكل. والدليل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائما فليصل، وإن كان مفطرا فليطعم" (٣)، قوله فليصل أي فليدعو. ولأن الفطر في الصوم الواجب غير جائز فإن الصوم واجب والأكل غير جائز. وإن كان صومًا تطوعًا استحب له الفطر والأكل (٤) إذا كان في ذلك إجابة لأخيه المسلم وإدخال السرور على قلبه؛ لحديث أبي سعيد الخدري أنه صنع لرسول الله ﷺ وأصحابه طعاما فدعاهم فلما دخلوا وضع الطعام فقال رجل من القوم: إني صائم فقال رسول الله ﷺ : "دعاكم أخوكم وتكلف لكم وتقول إني صائم؟ أفطر، وصم يومًا مكانه إن شئت" (٥)، ولأن له الخروج من الصوم ما دام أنه تطوع.

стр. 948

وإن أحب إتمام الصيام جاز له ذلك لما تقدم من حديث أبي هريرة فيدعو لهم ويبارك ويخبرهم بصيامه ليعلموا عذره فتزول عنه التهمة كما تقدم. حكم الضرب بالدفوف في العرس: لا يختلف الفقهاء في استحباب إعلان النكاح والضرب عليه بالدف في حق النساء (١). ودليل ذلك حديث محمد بن حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : "فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح" (٢)، وحديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "اظهروا النكاح واضربوا عليه بالغربال" (٣)، وفي رواية أخرى عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف" (٤). أما الرجال فيكره ذلك في حقهم عند الشافعية والحنابلة وبعض المالكية، خلافا لبعض المالكية، قال الحافظ ابن حجر: "واستدل بقوله: "واضربوا" على أن ذلك لا يختص بالنساء، لكنه ضعيف، والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك

стр. 949

للنساء فلا يلتحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن" (١). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بجوازه للنساء دون الرجال بشرط أن لا يصاحبه منكر كالاختلاط، والأغاني الماجنة ونحو ذلك في فتاواها رقم (١٣٤٠٠)، ورقم (١٧١٥)، ورقم (٣٣٢١)، ورقم (٥٠٦٧)، ورقم (١٨٨٥٣)، ورقم (١٦٩١٥)، ورقم (١٥٩٧٧) (٢).

стр. 950

عِشْرة النساء العِشرة في اللغة: بالكسر اسم من المعاشرة والتعاشر وهي المخالطة، تقول: عاشرته معاشرة إذا خالطته مخالطة، واعتشروا وتعاشروا أي تخالطوا (١). واصطلاحًا: ما يكون بين الزوجين من حسن المخالطة والصحبة. حكم حسن العشرة بين الزوجين: يجب على كل من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢)، فهو أمر بما أوجبه الله به من حسن المعاشرة مع الزوجات (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤)، أي للنساء على الرجال من حقوق الزوجية مثل ما للرجال عليهن فليؤد كل من الطرفين إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف (٥). وحق الزوج على الزوجة أعظم من حقها عليه لقوله الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٦)، ولحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق" (٧) رواه أبو داود والترمذيُّ، وحديث حصين بن محصن أن عمة له أتت النبي ﷺ فقال لها: "أذات زوج أنت؟ " قالت: نعم. قال: "فأين أنت منه؟ " قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه. قال: "فكيف أنت له فإنه جنتك

стр. 951

ونارك" (١)، وعن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فقال: "ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن" (٢) رواه الترمذيُّ. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بوجوب العشرة بين الزوجين بالمعروف في فتواها رقم (١١٥٣٤)، والفتوى رقم (١٣٣٢٨) (٣). صور من حقوق الزوج على الزوجة: من حق الزوج على زوجته أن تحافظ على عرضها، ولا تدخل بيته أحدًا يكرهه؛ لما تقدم من حديث عمرو بن الأحوص: "فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون". وعدم الخروج من البيت إلا بإذن الزوج ولا تصوم إلا بإذنه وإذا دعاها لم تمتنع؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة من خثعم أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله أخبرني ما حق الزوج على الزوجة فإني امرأة أيم فإن استطعت وإلا جلست أيما. قال: "فإن حق الزوج على زوجته إن سألها نفسها وهي على ظهر بعير أن لا تمنعه نفسها،

стр. 952

ومن حق الزوج على الزوجة أن لا تصوم تطوعًا إلا بإذنه فان فعلت جاعت وعطشت ولا يقبل منها، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه فإن فعلت لعنتها ملائكة السماء وملائكة الرحمة وملائكة العذاب حتى ترجع" قالت: لا جرم لا أتزوج أبدا (١) وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع" (٢) متفق عليه، وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا لإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه وما أنفقت من نفقة من غير إذنه فإنه يرد إليه شطره" (٣) رواه البخاري. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بعدم جواز خروج المرأة من بيت زوجها إلا بإذنه في عدد من فتاواها من ذلك الفتوى رقم (١٨٢٨٠)، ورقم (١١٣٦)، ورقم (٣٤٢٩)، ورقم (٧٤٨٤)، ورقم (٧٧٣١)، ورقم (١٥٦٦٨)، ورقم (٥٦٦٦)، وأفتت بعدم جواز إدخالها أحدا بيتها من غير إذنه في فتواها رقم (٤٣١٣)، كما أفتت بعدم جواز صومها تطوعًا إلا بإذنه في فتواها رقم (١٩٥٤١)، وذكرت اللجنة جملة من هذه الحقوق في فتواها رقم (٣٣٧٧) (٤). هل من حق الزوج خدمة زوجته له: لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية خدمة الزوجة لزوجها في بيت الزوجية، ونقل بعض العلماء الإجماع في ذلك (٥)، واختلفوا هل يجب ذلك عليها أم لا على

стр. 953

قولين (١): القول الأول: أن خدمة الزوجة لزوجها ليست واجبة عليها، ولكن الأولى لها خدمته بما جرت العادة به، وإليه ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة وبعض المالكية. وحجتهم في ذلك أن المعقود عليه هو الاستمتاع بها فلا يلزمها ما سواه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (٢). القول الثاني: أن المرأة يجب عليها خدمة زوجها وإليه ذهب الحنفية وجمهور المالكية وبعض الحنابلة، على أن لهم شيء من التفصيل، فالحنفية يقولون بوجوب ذلك ديانة، وأنه لا يجوز لها أن تأخذ من زوجها أجرًا على خدمتها له؛ ويستدلون بأن النبي ﷺ قسم الأعمال بين علي وفاطمة ﵄، فجعل عمل الداخل على فاطمة، وعمل الخارج على علي. وجمهور المالكية يقيدون ذلك بخدمة المثل في الأعمال الباطنة التي جرت العادة بقيام الزوجة بمثلها كالعجن والكنس، والفرش، واستقاء الماء ونحو ذلك، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣)، وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم على ذلك. ولأن النبي ﷺ كان يأمر نساءه بخدمته ففي حديث الأضحية عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: "يا عائشة هلمي المدية" ثم قال: "اشحذيها بحجر" ففعلت ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه (٤) رواه مسلم، وفي حديث أهل الصفة أنه قال: "يا عائشة أطعمينا" فقربت

стр. 954

حشيشة، ثم قال: "يا عائشة أطعمينا" فقربت حيسا، ثم قال: "يا عائشة اسقينا" فجاءت بعس فشرب ثم قال: "يا عائشة اسقينا" فجاءت بعس دونه (١). ولقصة علي وفاطمة ﵄ فعن علي ﵁ أن فاطمة-﵂ شكت ما تلقى من أثر الرحى فأتى النبي ﷺ سبي فانطلقت فلم تجده فوجدت عائشة فأخبرتها فلما جاء النبي ﷺ أخبرته عائشة بمجيء فاطمة فجاء النبي ﷺ إلينا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبت لأقوم فقال: "على مكانكما" فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري وقال: "ألا أعلمكما خيرًا مما سألتماني؟ إذا أخذتما مضاجعكما تكبران أربعًا وثلاثين وتسبحان ثلاثًا وثلاثين وتحمدان ثلاثًا وثلاثين فهو خير لكما من خادم". رواه البخاري (٢). وكان الصحابة يأمرون أزواجهم بالطحن وإعداد الخبز، والطبخ، وتقريب الطعام، وفرش الفراش ونحو ذلك، فلولا أن الخدمة في مثل ذلك كانت مستحقة لما طالبوهن بذلك (٣). الراجح: هو القول الأخير وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية فتجب على المرأة خدمة زوجها بالمعروف من مثلها لمثله، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال. وهو ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في فتواها رقم (٩٤٠٤) (٤) حيث نصت على أن الواجب في ذلك يحتلف باختلاف طبقات الناس وما جرى به عرفهم وعاداتهم.

стр. 955

حقوق الزوجة على زوجها: لقد أوجب الإسلام على الرجال الإحسان إلى زوجاتهم في المعاملة قال رسول الله ﷺ في حديث جابر ﵁: "فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (١) رواه مسلم، وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خياركم خياركم لنسائهم" رواه ابن ماجة (٢)، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" رواه الترمذيُّ (٣)، وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "واستوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه إن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج استوصوا بالنساء خيرًا" (٤) رواه البخاري ومسلمٌ. كما أوجب الإسلام العدل بين الزوجات في كل ما هو مقدور له من حقوق الزوجية وواجباتها كالنفقة والكسوة والمسكن والقسم وما يستتبعه من البيتوتة والمؤانسة في اليوم والليلة، والقرعة بينهن عند السفر ونحو ذلك من الواجبات. أما ما لا يقدر عليه كالمحبة والميل النفسي والنشاط عند المعاشرة ونحو ذلك فلا يجب التسوية بينهن في ذلك؛ لأنه ليس في مقدوره، وهذا كله مما لا يختلف فيه الفقهاء (٥)، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٦)، وليس في الميل

стр. 956

لإحدى الزوجات دون الأخريات فيما يقدر عليه الإنسان معروف، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (١)، وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل وفي لفظ وشقه ساقط" (٢) رواه أهل السنن، وحديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بيننا فيعدل ثم يقول: "اللَّهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك" (٣). وقد نصت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية على هذه الأحكام في فتاواها رقم (٦٥٦١)، ورقم (١٢٣٣٨)، ورقم (١٩٧٨٢)، ورقم (٢٠٥١٦)، ورقم (٦٧٢٣)، ورقم (١٩٣١٣)، ورقم (١١٩٦٧)، ورقم (٢١٤١٨)، ورقم (٧٨١٣) (٤).

стр. 957

القسمة للمرأة الجديدة للفقهاء قولان في القسم للزوجة الجديدة: القول الأول: إذا تزوج امرأة جديدة فإنه يقيم عندها سبعًا إن كانت بكرا، وإن كانت ثيبا أقام عندها ثلاثا ويجوز أن يقسم عندها سبعا ويقضي للباقيات وإليه ذهب المالكية والشافعية والحنابلة (١). لما روى أبو قلابة عن أنس قال: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ثم قسم"، قال أبو قلابة: لو شئت لقلت إن أنسا رفعه إلى النبي ﷺ (٢) متفق عليه. وعن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ لما تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثًا وقال: "ليس بك على أهلك هوان إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي" (٣) رواه مسلم، وفي لفظ له: "إن شئت سبعت عندك وإن شئت ثلثت ثم درت؟ " قالت: ثلث، وفي لفظ آخر له: "إن شئت زدتك وحاسبتك به للبكر سبع وللثيب ثلاث". القول الثاني: لا فضل للجديدة في القسم فإن أقام عندها شيئا قضاه للباقيات وإليه ذهب الحنفية (٤). واستدلوا بما تقدم من حديث أم سلمة ﵂ وأن رسول الله ﷺ لما تزوجها أقام عندها ثلاثًا وقال: "ليس بك على أهلك هوان إن

стр. 958

شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي" رواه مسلم، وفي لفظ: "وإن شئت ثلثت ثم درت"، أي درت عليهن بمثل هذه المدة نفسها. ولعموم حديث أبي هريرة عنه ﷺ أنه قال: "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل". ولأن القسم من حقوق النكاح ولا تفاوت بينهن في ذلك فلا تفاوت بينهن في القسم. الترجيح: لعل الراجح في المسألة هو القول الأول لأنه الذي يتفق مع ما ثبت صراحة عن النبي ﷺ فعلا وقولا. قال ابن عبد البر: "الأحاديث المرفوعة في هذا الباب عن أنس على ما ذهب إليه مالك والشافعيُّ وهو الصواب وليس فيما ذهب إليه غيرهما حديث مرفوع نصًا" (١). النشوز: النشوز والنشوص لغة: الارتفاع، يقال نشزت المرأة ونشصت، ونشز الرجل ونشص إذا ارتفع أحدهما على صاحبه وخرج عن حسن المعاشرة، وهو مأخوذ من النشز بفتح الشين وإسكانها وهو المرتفع من الأرض، وقيل النشوز كراهية كل من الزوجين الآخر (٢). كيفية معالجة النشوز: عندما يقع نشوز من الزوجة على زوجها أو تصدر العلامات الظاهرة لذلك منها فالطريق المشروع لمعالجة ذلك هو أن يبدأ الزوج بوعظها وتذكيرها بشرع الله، فإن لم يفد ذلك هجرها في المضجع، فإن لم يؤثر ذلك على اعتدال حالها

стр. 959

جاز له ضربها ضربا غير مبرح كوسيلة أخيرة لإصلاحها وحملها على أداء ما يجب عليها من حقوق الزوجية. ودليل ذلك كله قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (١)، فالخوف في الآية بمعنى العلم قاله ابن عباس، وقيل بمعنى الظن لما يبدو من دلائل النشوز، والضرب في الآية هو ضرب الأدب غير المبرح وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة كاللكزة ونحوها فإن المقصود منه الصلاح لا غير، وأما ما يؤدي إلى الهلاك فيجب فيه الضمان (٢). وقد نصت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية على هذه المراحل في فتواها رقم (٦٢٩٥) (٣). أما إذا خافت المرأة نشوز زوجها أو إعراضه عنها لرغبته عنها إما لمرض بها أو كبر أو دمامة فلا بأس إذا رغبت أن تضع عنه بعض حقوقها تسترضيه بذلك لقول الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٤). وعن عائشة ﵂ أنها قالت في هذه الآية: "هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج عليها، تقول له: أمسكني ولا تطلقني ثم تزوج غيري فأنت في حل من النفقة علي والقسمة لي" (٥)، وروى أبو داود عن عائشة ﵂: "أن سودة بنت زمعة-﵂ حين أسنت

стр. 960

وفرقت أن يفارقها رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله يومي لعائشة فقبل ذلك رسول الله ﷺ منها، قالت: في ذلك أنزل الله جل ثناؤه وفي أشباهها أراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ " (١). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بذلك في فتواها رقم (٨٤٣٥)، ورقم (١٨٧٦٢)، ورقم (٦٧٢٣)، ورقم (١٥٩٢٠) (٢). حل الشقاق بين الزوجين بالصلح: وإذا وقع بين الزوجين شقاق وخشي أن يؤدي بهما ذلك إلى العصيان استحب أن يبعث الحاكم حكما من أهل الزوج وحكما من أهل الزوجة أمينين برضاهما فينظران بينهما ويفعلان ما يريان المصلحة فيه من جمع أو تفريق لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (٣). فإن لم يتمكنا من حل المشكلة انتقل الأمر إلى القضاء. وقد نصت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية على ذلك في فتواها رقم (٨٧٣٦)، والفتوى رقم (٤٨٥٢) (٤). الخلع: الخلع لغة: النزع والتجريد، تقول خلعت الثوب والرداء والنعل إذا نزعته وجردته، وخلع الرجل امرأته، واختلعت منه وخالعته إذا افتدت منه بمالها فطلقها

стр. 961

على الفدية، فهي خالع والاسم الخلع بالضم. وسمي هذا النوع من الفراق خلعًا لأن الله تعالى جعل كلا من الزوجين لباسًا للآخر في قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (١)، فإذا أجاب الزوج زوجته إليه فقد بانت منه وخلع كل واحد منهما لباس صاحبه، وفارق بدنه بدن الآخر (٢). الخلع شرعًا: هو مفارقة المرأة بعوض مأخوذ (٣). مشروعيته: لا يختلف الفقهاء أن المرأة إذا كرهت زوجها لخَلْقِه أو خُلُقِهِ أو دينه أو كبره أو ضعفه أو نحو ذلك وخشيت أن لا تؤدي حق الله في طاعته جاز لها أن تخالعه بعوض، والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٤). وأما السنة: فحديث ابن عباس ﵁: "أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام -وفي رواية: ولكني لا أطيقه- فقال رسول الله ﷺ : "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ : "أقبل الحديقة وطلقها تطليقة" (٥). رواه البخاري.

стр. 962

وأما الإجماع: فقد نقله غير واحد (١). الحكمة من مشروعية الخلع: أن المرأة قد تكره البقاء مع زوجها لخلقه أو خلقه أو دينه أو غير ذلك بحيث تخاف إن بقيت معه أن لا توفيه حقوقه المشروعة فتكون آثمة لتعديها حدود الله، وهي لا تملك طلاق نفسها فشرع لها الخلع كي تتجنب الوقوع في المعصية وتتخلص من البقاء مع الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها وعقد جديد. حالات الخلع: يختلف حكم الخلع تبعًا لاختلاف الحالات السائدة في العلاقة الزوجية وقت طلبه فتارة يكون جائزًا، وتارة أخرى يكون غير جائز، وفيما يلي توضيح ذلك: حالة الجواز: يباح للمرأة أن تطلب الخلع من زوجها في حالة ما إذا كرهت البقاء معه لسبب ما كشقاق بينهما أو لبغضها إياه أو سوء معاشرته وخافت ألا تؤدي حقه ولا تقيم حدود الله في طاعته، ويسن للزوج إجابتها في هذه الحال؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢)، ولحديث ابن عباس في قصة امرأة ثابت بن قيس.

стр. 963

وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بجواز طلب الخلع في مثل هذه الحال في فتواها رقم (٨٤٢٠) (١). حالة التحريم: يكون الخلع محرمًا في صور ثلاث: الأولى: إذا كانت حالهما مستقيمة وليس هناك ضرر يدعو إليه؛ لحديث ثوبان عن النبي ﷺ : "أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة" (٢)، وحديثه أيضًا عن النبي ﷺ قال: "المختلعات هن المنافقات" (٣)، وفي رواية عن عقبة بن عامر قال؟ قال رسول الله ﷺ : "إن المختلعات والمنتزعات هن المنافقات" (٤). ولأنه إضرار بها وبزوجها وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة. ويرى الشافعية جوازه في هذه الحالة إذا وجد الرضا من الطرفين لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٥)، ولأنه رفع عقد بالتراضي جعل لدفع الضرر فجاز من غير ضرر كالإقالة في البيع (٦). فإذا خالع الزوج زوجته في هذه الحال صح في قول أكثر أهل العلم (٧).

стр. 964

الثانية: إذا عضل الزوج زوجته ليحملها على طلبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١)، فإن خالعها في هذه الحال بلفظ الطلاق أو نيته بعوض فقد نص الحنابلة والشافعية على أن الطلاق يقع عليها رجعيا إن كان دون ثلاث، ولا يستحق العوض؛ لأنه عقد معاوضة أكرهت عليه بغير حق فلم يستحق فيه العوض للنهي عنه كالبيع والنهي يقتضي الفساد. وإن كان بغير لفظ الطلاق وقلنا إن الخلع طلاق وقع الطلاق بغير عوض، وإن قلنا إنه فسخ ولم ينو به الطلاق لم يقع شيء. والقول بتحريم الأخذ من المرأة بالعضل هو قول الجمهور، بل نقل الإجماع فيه ولم يخالف في ذلك إلا الحنفية (٢)، حيث قالوا يكره عليه الأخذ في هذه الحال ديانة، فإن أخذ جاز ذلك حكما ولزم قضاء حتى لا تملك استرداده؛ لأن الزوج أسقط ملكه عنها بعوض رضيت به وهو من أهل الإسقاط والمرأة من أهل المعاوضة والرضا فيجوز في الحكم والقضاء. الثالثة: ويحرم الخلع أيضا إذا كان حيلة على الأصح، كأن يكون حيلة على إسقاط يمين الطلاق أي الذي يقصد منه إبطال الطلاق المعلق، ولا يصح ولا يقع؛ لأن الحيل خداع لا تحل ما حرم الله ويترتب عليه أنه إذا فعل المحلوف عليه بعده حنث في يمينه لعدم صحة الخلع (٣).

стр. 965

حقيقة الخلع وهل هو طلاق أم فسخ: لا خلاف بين الفقهاء في أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق أو نوى الزوج به الطلاق فهو طلاق، وإنما اختلفوا فيما إذا وقع بغير لفظ الطلاق ولم ينو الزوج به صريح الطلاق أو كنايته ماذا يكون؟ القول الأول: أنه يكون فسخا، وإليه ذهب الشافعي في القديم والحنابلة في الصحيح والمشهور من مذهبهم (١). واستدلوا بما روي عن ابن عباس أنه فسخ، قال الإِمام أحمد: ليس في الباب شيء أصح من حديث ابن عباس أنه فسخ، وعن ابن عباس أنه ﵁ احتج في ذلك بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢) " (٣)، فذكر تطليقتين، والخلع، وتطليقة بعدها، فلو كان الخلع طلاقا لكان أربعًا. ولحديث ابن عباس ﵄: "أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها فأمرها النبي ﷺ أن تعتد بحيضة" (٤)، رواه أبو داود والترمذيُّ، وما روي عن الربيع بنت معوذ ﵄: "أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ فأمرها النبي ﷺ أو أمرت أن تعتد بحيضة" (٥)،

стр. 966

رواه الترمذيُّ ووجه ذلك أن الخلع لو كان طلاقًا لما اقتصر رسول الله على أمرها بحيضة واحدة. ولأنها فرقة خلت عن صريح الطلاق ونيته فكانت فسخًا كسائر الفسوخ. القول الثاني: أنه يكون طلاقًا وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية في الجديد، وقول للحنابلة (١). واستدلوا بما روي عن ابن عباس وعلي وابن مسعود ﵃ أن الخلع تطليقة بائنة (٢)، ولأن الفرقة التي يملك الزوج إيقاعها هي الطلاق دون الفسخ فوجب أن يكون الخلع طلاقًا، ولأنه لو كان فسخًا لما جاز على غير الصداق كالإقالة؛ إذ الفسخ يوجب استرجاع البدل كما أن الإقالة لا تجوز بغير الثمن، ولأنه أتى بكناية الطلاق قاصدًا فراقها، فكان طلاقًا كغير الخلع من كنايات الطلاق. وأصحاب هذا القول متفقون على أن الذي يقع به طلقة بائنة؛ لأن الزوج ملك البدل عليها فتصير هي بمقابلته أملك لنفسها، ولأن غرضها من التزام البدل أن تتخلص من الزوج ولا يحصل ذلك إلا بوقوع البينونة.

стр. 967

وأما الآية فقالوا في تأويلها: إن الله ذكر التطليقتين على غير وجه الخلع وأثبت معهما الرجعة، ثم ذكر حكمها إذا كانت على وجه الخلع، ثم ذكر حكم الثالثة، وبهذا لا يصير الطلاق أربعًا، وأما ما روي عن ابن عباس ﵄ من خلاف في هذه المسألة فقد روي عنه رجوعه إلى القول بأنه طلاق (١). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بهذا القول في فتواها رقم (٤)، وفتواها رقم (١١٢)، وفتواها رقم (١٧٩) (٢). ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف في احتساب عدد الطلقات من عدمه، فمن جعل الخلع فسخًا لم يعتد به في عدد الطلقات، ومن جعله طلاقًا احتسب عليه ذلك. هل يملك الزوج مراجعة المختلعة في عدتها ؟ لا خلاف بين الفقهاء أن المختلعة لا يملك زوجها مراجعتها في عدتها، بل ولا تحل له إلا بعقد جديد مع توافر أركان النكاح وشروطه. قال ابن رشد: "جمهور العلماء أجمعوا على أنه لا رجعة للزوج على المختلعة في العدة، إلا ما روي عن سعيد بن المسيب وابن شهاب أنهما قالا: إن رد لها ما أخذ منها في العدة أشهد على رجعتها" (٣). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بما عليه الجمهور في فتواها رقم (٣٣)، وفتواها رقم (١٠٣)، ورقم (١١٢)، ورقم (١٧٩)، ورقم (٣٦٥)، ورقم (١٢٩٥)، ورقم (٢١٣٥٥) (٤).

стр. 968

مقدار العوض في الخلع: اختلف الفقهاء في مقدار عوض الخلع هل يجوز أن يكون أكثر من صداق المرأة أم لا؟ على قولين: القول الأول: أن الخلع يجوز بكل ما رضي به الطرفان من قليل أو كثير سواء كان مساويًا لصداق المرأة أو كان أقل منه أو أكثر، وإليه ذهب المالكية والشافعية (١). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢)، حيث رفع سبحانه الجناح عنهما في الأخذ والعطاء من الفداء من غير فصل بين ما إذا كان مهر المثل أو زيادة عليه فيجب العمل بإطلاق النص، ولأنها أعطت مال نفسها بطيبة من نفسها وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٣). ولما روي عن أبي سعيد الخدري قال: كانت أختي تحت رجل من الأنصار تزوجها على حديقة، فكان بينهما كلام فارتفعا إلى النبي ﷺ فقال: "تردين عليه حديقته ويطلقك؟ " قالت: نعم وأزيده، قال: "ردي عليه حديقته وزيديه" (٤). وما روي عن الربيع بنت معوذ قالت: "اختلعت فيما دون عقاص رأسي فأجاز ذلك عثمان" (٥).

стр. 969

وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بجواز الزيادة في فتواها رقم (٣٥٧) (١)، وكانت الزوجة هي الطالبة للخلع لعدم رضاها بالزوج. القول الثاني: أن الخلع يكره بأكثر من صداق المرأة وهو مذهب الحنفية والحنابلة (٢). واستدلوا بحديث ابن عباس: أن جميلة بنت سلول أتت النبي ﷺ فقالت: والله ما أعتب على ثابت في دين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضًا، فقال لها النبي ﷺ : "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد (٣)، وما روي عن عطاء قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجها فقال: "أتردين عليه حديقته التي أصدقك؟ " قالت: نعم وزيادة، قال: "أما الزيادة فلا" (٤)، وعن أبي الزبير أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي بن سلول وكان أصدقها حديقة فكرهته فقال النبي ﷺ : "أتردين عليه حديقته التي أعطاك؟ " قالت: نعم وزيادة فقال النبي ﷺ : "أما الزيادة فلا ولكن حديقته" قالت: نعم فأخذها له وخلا سبيلها فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال: قد قبلت قضاء رسول الله ﷺ سمعه أبو الزبير

стр. 970

من غير واحد (١). وعن عطاء أن النبي ﷺ قال: "لا يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها" (٢). قالوا: وإن كانت هذه الرواية مرسلة فهي حجة لا سيما وقد اعتضدت بطرق أخرى. ويحرم الأخذ مطلقًا إن كان النشوز من قبل الزوج ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٣). وقوله تعال: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٤)، ولأن النشوز إذا كان من قبل الزوج كانت هي مجبرة في دفع المال؛ لأن الظاهر أنها مع رغبتها في الزوج لا تعطي إلا إذا كانت مضطرة من جهته بأسباب أو مغترة بأنواع التغرير والتزوير، ولأنه أوحشها بالفراق فلا يزيد إيحاشها بأخذ مالها. هل الخلع يحتاج إلى حكم القاضي أم لا ؟ جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أن الخلع لا يحتاج إلى حكم القاضي أو السلطان (٥)، بل نقل البعض الإجماع على ذلك وأنه لم يخالف فيه إلا الحسن وابن سيرين (٦)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا

стр. 971

حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١)، حيث جعل الخوف لغير الزوجين ولم يقل إن خافا فاحتاج إلى حكم القاضي. وحجة الجمهور أن ذلك مروي عن عمر وعثمان وغيرهما (٢)، ولأنه عقد معاوضة فلم يفتقر إلى السلطان كالبيع والنكاح، ولأنه قطع عقد بالتراضي أشبه الإقالة. وإذا ثبت هذا فقد تطلب الزوجة الخلع مع توافر دواعيه كبغضها الشديد للزوج وكراهة البقاء معه، وخوفها من الوقوع في المعصية بعدم الطاعة ونحو ذلك فيوافق الزوج ثم ينكر وحينئذ تكون مسألة نزاع بينهما ومرد ذلك إلى القاضي ليفصل فيه، ومثل ذلك ما لو طلبت منه فرفض، وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في فتواها رقم (٨٩٩٠) (٣).

стр. 972

وقت الخلع: يجوز للزوج أن يخالع زوجته وهي حامل، وفي طهر لم يجامعها فيه بغير خلاف، واختلفوا هل يجوز إيقاع الخلع في حالة الحيض وفي طهر جامع فيه؟ على قولين: الأول: يجوز ذلك وهو مذهب الحنفية والمالكية في قول والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢)، وأن الآية مطلقة، ولأن المنع من الطلاق في الحيض من أجل الضرر الذي يلحق المرأة بطول العدة والخلع جعل لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والمقام مع من تكرهه وتبغضه وضرر التقصير في حقه، وكل ذلك أعظم من ضرر طول العدة فجاز دفع أعلاهما بأدناهما، ولذلك لم يسأل النبي ﷺ المختلعة عن حالها، ولأن ضرر تطويل العدة هو عليها، والخلع يحصل بسؤالها فيكون ذلك رضاء منها به ودليلا على رجحان مصلحتها فيه. الثاني: لا يجوز ذلك وهو والمشهور في مذهب المالكية (٣) قياسًا على الطلاق. الثالث: يجوز إيقاعه حالة الحيض ولا يجوز في طهر جامع فيه وهو قول عند الشافعية؛ لأن كونه بدعة في حالة الحيض لحقها وقد رضيت فسقط وها هنا البدعة لحق الولد فلا يسقط حقه برضاها (٤).

стр. 973

عدة المختلعة: جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في المذهب عندهم على أن عدة المختلعة عدة المطلقة (١). ويستدلون في ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢)، ولأن الخلع فرقة بين الزوجين في الحياة بعد الدخول فكانت العدة ثلاثة قروء كغير الخلع. وذهب الحنابلة في رواية إلى أن عدتها حيضة واحدة، قال العلامة ابن القيم عن هذه الرواية إنها أصح الروايتين دليلا عن الإِمام أحمد، وهو مذهب عثمان بن عفان، وابن عمر، وابن عباس، وأبان بن عثمان، وإسحاق، وابن المنذر. واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄: "أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي ﷺ فأمرها النبي ﷺ أن تعتد بحيضة" (٣). وعن الربيع بنت معوذ بن عفراء: أن ثابت ابن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبي فأتى أخوها يشتكيه إلى رسول الله ﷺ فأرسل رسول الله ﷺ إلى ثابت فقال له: "خذ الذي لها عليك وخل سبيلها" قال نعم فأمرها رسول الله ﷺ أن تتربص حيضة واحدة فتلحق بأهلها (٤).

стр. 974

الطلاق الطلاق في اللغة: إزالة القيد والتخلية، يقال أطلقت البعير من عقاله وطلقته فهو طالق أو طَلْق إذا أزلت قيده وخليته (١). واصطلاحًا: حل عقد النكاح أو بعضه (٢). مشروعية الطلاق: لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية الطلاق، والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣)، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (٤). وأما السنة فحديث عمر بن الخطاب ﵁: "أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها" (٥)، وحديث ابن عمر ﵁ أنه طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر ﵁ رسول الله ﷺ عن ذلك فقال له رسول الله ﷺ : "مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق

стр. 975

قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" (١) متفق عليه. وحديث ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق" (٢). وأما الإجماع فقد نقله غير واحد من الفقهاء منهم ابن حزم وابن عبد البر، والموفق ﵏ جميعًا (٣). الحكمة من مشروعية الطلاق: شرع الله تعالى لعباده النكاح لما فيه من مصالح دينية ودنيوية، واقتضت حكمته أن يشرع لهم الطلاق تكميلًا لهذه النعمة؛ إذ قد تفسد الحال بين الزوجين بحيث تتعذر إقامة حدود الله بينهما في العلاقة الزوجية فيصير بقاء النكاح مفسدة محضة وضررًا مجردًا يلتزم فيه الزوج النفقة والسكنى، وحبس المرأة مع سوء العشرة والخصومة الدائمة من غير فائدة، فاقتضى ذلك شرع ما يزيل النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه رحمة منه سبحانه بعباده. ثم إنه سبحانه شرعه بعدد معين لحكمة لطيفة وذلك أن النفس البشرية ملولة وعجولة، وربما أظهرت عدم الحاجة إلى المرأة حتى إذا وقع الطلاق حصل الندم وضاق الصدر وعيل الصبر، فالله تعالى جعله ثلاثًا ليجرب المرء نفسه في المرة الأولى، فإن استقرت نفسه وإلا أمكنه التدارك بالرجعة وأعطاه فرصة أخرى، حتى إذا طلق الثالثة حرّمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره ويصيبها معاقبة له بما فيه غيظه بمقتضى جبلة الفحولية بحكمته ولطفه تعالى بعباده.

стр. 976

حكم الطلاق: اتفق الفقهاء على أن الطلاق تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة تبعًا لاختلاف حالات وقوعه ويظهر ذلك فيما يأتي (١): التحريم: ويكون الطلاق محرمًا في الحيض أو في طهر جامع الرجل امرأته فيه، وقد أجمع الفقهاء في جميع الأمصار على تحريمه لمخالفته أمر الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وهو المسمى بالطلاق البدعي. الكراهة: يكون الطلاق مكروها إذا كانت حياة الزوجين مستقرة ولم تكن هناك حاجة إليه؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵁: "أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق" (٢)، وحديث محارب قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أحل الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق" (٣). ولأنه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها فيكون مكروها. وقيل يحرم في هذه الحال وهو رواية عن الإِمام أحمد؛ لأنه ضرر بنفسه وزوجته وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إليه فكان حرامًا كإتلاف المال لقول النبي ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٤).

стр. 977

وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية أنه لا ينبغي طلاق المرأة من أجل طلب العلم؛ لأن الزواج لا يمنع من طلب العلم مع وجود قوة العزيمة والنية الصادقة في فتواها رقم (١١٠٠٣) (١). الوجوب: يكون الطلاق واجبًا في حالة الإيلاء بعد مضي المدة وإباء الزوج الفيئة، وكذلك طلاق الحكمين في الشقاق بين الزوجين إذا رأيا ذلك. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بأن طلاق المرأة التي لا تصلي إذا لم تجدِ نصيحتها يكون واجبًا في فتواها رقم (٦٣٩١) (٢). الإباحة: ويكون ذلك عند الحاجة إليه لسوء خلق المرأة، أو سوء عشرتها، وحصول الضرر بمعاشرتها. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بأنه يباح للرجل أن يطلق زوجته إذا تبين له أنها لا تصلح له في فتواها رقم (٤١٧٢)، وأفتت بالإباحة كذلك في فتواها رقم (١٧٣٨٠)، ورقم (١٨٤١٦) (٣). الندب: ذكر الفقهاء أن الطلاق يكون مندوبًا إليه في حالة عدم عفة المرأة، وفي حال الشقاق، وطلب المرأة الخلع لتزيل عنها الضرر.

стр. 978

أركان الطلاق: للطلاق ركن واحد عند الحنفية وهو الصيغة، والجمهور ثلاثة أركان هي المطلق والزوجة والصيغة (١). الركن الأول: المطلق: والمراد به موقع الطلاق ويشترط أن زوجًا للمرأة أو من يقوم مقامه كالوكيل ونحوه؛ لحديث ابن عباس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق" (٢). ويشترط فيه التكليف فلا يصح من غير مكلف كالصبي والمجنون ومن في حكمه ممّن زال عقله بغير سكر كالمغمى عليه ونحوه، وكذلك لا يصح من النائم، وهذا كله بإجماع الفقهاء (٣). والأصل في ذلك حديث عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل" (٤)، وحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : "كل

стр. 979

طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله" (١)، وما روي عن علي ابن أبي طالب ﵁ قال: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه" (٢)، ولأن الطلاق قول يزيل الملك فاعتبر له العقل كالبيع. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بعدم وقوع طلاق النائم في فتواها رقم (٣٨٩٤)، وفتواها رقم (٢٤٩)، وكذلك المجنون في فتواها رقم (١٣٤٤٣) (٣). طلاق السكران: اختلف الفقهاء في السكران هل ينفذ طلاقه أم لا؟ على قولين: القول الأول: أن طلاقه يقع وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (٤).

стр. 980

واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل الطلاق جائز إلا طلاق الصبي والمعتوه" (١)، فقد استثنى الصبي والمعتوه، والسكران ليس في معناهما، ولأن الصحابة جعلوه كالصاحي في الحد بالقذف، ولأنه إيقاع للطلاق من مكلف غير مكره صادف ملكه فوجب أن يقع كطلاق الصاحي ويدل على تكليفه أنه يقتل بالقتل ويقطع بالسرقة وبهذا فارق المجنون. القول الثاني: أن طلاقه لا يقع وهو قول بعض الحنفية وبعض الشافعية، ورواية عند الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (٢). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٣)، حيث جعل قول السكران غير معتبر لأنه لا يعلم ما يقول، ولأنه زائل العقل أشبه المجنون والنائم فهو غير مكلف لانعقاد الإجماع على أن من شرط التكليف العقل ومن لا يعقل ما يقول فليس بمكلف، ولأنه مفقود الإرادة أشبه المكره. ولا فرق بين زوال الشرط بمعصية أو غيرها بدليل أن من كسر ساقيه جاز له أن يصلي قاعدًا ولو ضربت المرأة بطنها فنفست سقطت عنها الصلاة ولو ضرب رأسه فجن سقط عنه التكليف.

стр. 981

الركن الثاني: الزوجة محل الطلاق: فيشترط لوقوع الطلاق وجود محل له وهي الزوجة ويشترط أن تكون الزوجة في عصمة الرجل بنكاح صحيح، وعليه فلا يقع الطلاق على الأجنبية ولو كانت خطيبة ونحو ذلك، ولا على من تزوجها بنكاح باطل أو فاسد، أو وطئها بشبهة ونحو ذلك لانتفاء الولاية على محل الطلاق. ودليل ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ : "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك" (١). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بعدم وقوع طلاق الخاطب قبل النكاح في فتواها رقم (١٨٢١٢) (٢). طلاق المعتدة: يرى جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في المذهب عندهم وقوع الطلاق على المعتدة من طلاق رجعي، فلو قال الرجل لزوجته المدخول بها: أنت طالق، ثم قال لها في عدتها: أنت طالق ثانية، اعتبر ذلك طلقتين ما لم يرد بذلك تأكيدًا للأولى ولم تكن هناك قرائن تمنع صحة إرادة التأكيد.

стр. 982

الركن الثالث: الصيغة: والمقصود بها ما يقع به الطلاق من الألفاظ والعبارات، فلا يكفي لوقوع الطلاق النية فحسب بل لا بد من صدور ذلك بلفظ يدل عليه صراحة أو كناية. والأصل في ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به" متفق عليه (١). وقد أفتت بذلك اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية في عدد من فتاواها من ذلك الفتوى رقم (٣٢٦)، ورقم (٣٢٩)، ورقم (٢٠٣٥)، ورقم (٨١٩٠)، ورقم (٦٦٨٠)، ورقم (٨٥٠١)، ورقم (٩٢٢٢)، ورقم (١٩٣٠٧) (٢). والصيغة الصريحة: هي ما لا تحتمل غير الطلاق، فيقع بها الطلاق من غير حاجة إلى النية حتى لو ادعى المطلق خلافه لم يقبل منه. وصريح الطلاق عند الحنفية والمالكية والحنابلة هو لفظ الطلاق وما تصرف منه غير الأمر والمضارع كأنت طالق ومطلقة وطلقتك ونحو ذلك، وهو عند الشافعية والحنابلة في قول ثلاثة ألفاظ وما تصرف منها وهي الطلاق، والفراق، والسراح (٣). وأما الكناية: فهي ما يحتمل الطلاق وغيره، ولا يقع بها الطلاق إلا بالنية أو ما يقوم مقامها، وألفاظها كثيرة مختلف فيها بين الفقهاء ويمكن تقسيمها إلى قسمين (٤):

стр. 983

١ - ظاهرة جلية: وهي الألفاظ الموضوعة للبينونة؛ لأن معنى الطلاق فيها أظهر كأنت بريّة وخليّة وبائن وبتلة ونحو ذلك. ٢ - خفية: وهي الألفاظ الموضوعة للطلقة الواحدة وألفاظها كثيرة نحو الحقي بأهلك، ولا حاجة لي فيك، واستبرئي، ولست لي بامرأة، واعتدي، واخرجي، وأنت واحدة ونحو ذلك. وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بعدم وقوع الطلاق بقول المستفتي لزوجته: تغطي عني في حالة غضب ولم يقصد الطلاق وذلك في فتواها رقم (٣٧٨)، وقول آخر: اذهبي إلى أهلك ولم يقصد الطلاق (٨٧٣١) (١). وأفتت بوقوع الطلاق بقول السائل لزوجته: غطي وجهك، وأرسلي لأهلك يحملون عفشك، وذلك في فتواها رقم (٣٠٤)، وعللت ذلك بأنه كناية وجد معها قرينة إرادة الطلاق وهي قوله: سأرسل لك ورقتك (٢). شروط الصيغة: يشترط في الصيغة ما يأتي: القصد: أي قصد النطق باللفظ الصريح أو الكناية فإن سبق لسانه ولم يقصده لم يقع الطلاق، ومن مسائل القصد طلاق الهازل والمكره وفيما يلي بيان حكم كل منهما: طلاق الهازل واللاعب: لا خلاف بين الفقهاء في وقوع طلاق الهازل واللاعب قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن جد الطلاق وهزله سواء" (٣)؛ لقوله

стр. 984

تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (١)، ولحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، النكاح والطلاق والرجعة" (٢)، وحديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "من لعب بطلاق أو عتاق فهو كما قال" (٣) أي يقع لأن جدهما وهزلهما سواء (٤). وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية بما تقدم في حق المازح في فتواها رقم (١٢٩٦٧)، والفتوى رقم (٢٠١٢١) (٥). طلاق المكره: لا يخلو الإكراه إما أن يكون بحق أو بغير حق فإن كان بحق فإن الطلاق يقع بغير خلاف، وذلك نحو إكراه الحاكم المولى على الطلاق بعد التربص وعدم الفيئة، وإكراهه الرجلين اللذين زوجهما وليان ولا يعلم السابق منهما على الطلاق ونحو ذلك؛ لأنه قول حمل عليه بحق فصح كإسلام المرتد إذا أكره عليه، ولأنه إنما جاز إكراهه على الطلاق ليقع طلاقه فلو لم يقع لم يحصل

стр. 985

المقصود. وأما الإكراه بغير حق فقد اختلف الفقهاء هل يقع معه الطلاق أم لا؟ على قولين: القول الأول: أن المكره لا يقع طلاقه وهو مذهب المالكية الشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢)، وحديث عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" (٣)، والإغلاق هو الإكراه لأن المكره مغلق عليه في أمره ومضيق عليه في تصرفه كما يغلق الباب على الإنسان (٤). وقد جاءت بذلك عدد من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية من ذلك الفتوى رقم (٧٠٧) حيث ذكرت أن طلاق المستفتي زوجته بإكراه من أولياء الزوجة فلا يقع إن أثبت ذلك شرعًا، والفتوى رقم (٨٢٧) حيث ذكرت أن طلاق الرجل بناء على أخذ زوجته بحلقه ومطالبته بطلاقها إن تحقق بذلك إكراه ملجئ فطلاقه لا يقع، والفتوى رقم (١٠٨١١)
следующие страницы →