إسناده: حدثنا أحمد بن يونس: ثنا زهير: ثنا عبد الرحمن بن زياد بن
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ من أجل عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وقد
مضى له عدة أحاديث، آخرها (رقم ٩٣) .
والحديث أخرجه البيهقي (٢/١٧٩) من طريق المصنف، وقال:
" لا يصح، وعبد الرحمن بن زياد ينفرد به، وهو مختلف عليه في لفظه،
وعبد الرحمن لا يحتج به، كان يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي لا يحدثان
عنه لضعفه، وجرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما من الحفاظ ".
وأخرجه الدارقطني (ص ١٤٥) أيضاً من طريق المصنف، وقال:
" وعبد الرحمن بن زياد ضعيف لا يحتج به ".
وأخرجه الطيالسي (رقم ٢٢٥٢) : ثنا عبد الله بن المبارك قال: ثنا عبد الرحمن
ابن زياد ... به؛ لكنه لم يذكر فيه: بكْر بن سواة.
وأخرجه الطحاوي (١/١٦١) من طريق الطيالسي، وفيه بكر بن سوادة.
فلعله سقط من النسخة المطبوعة من " المسند "، ولفظه:
" إذا رفع رأسه من آخر السجود ثم أحدث؛ فقد تمت صلاته ".
وأخرجه الترمذي (٢/٢٦١) من طريق أخرى عن ابن المبارك ... به؛ ولفظه:
" إذا أحدث- يعني: الرجل- وقد جلس في آخر صلاته- قبل أن يسلم-؛
فقد جازت صلاته ". وقال:
" هذا حديث إسناده ليس بذاك القوي، وقد اضطربوا في إسناده "!
стр. 212
قلت: لم أر من وافق الترمذي على أن في إسناده اضطرابا! ولم أجد أنا ذلك
في كل طرق الحديث التي وقفت عليها.
والصواب أنهم اختلفوا في لفظه- كما نقلناه عن البيهقي، وبينا بعض ذلك
آنفاً-.
ومن ذلك أن الطحاوي أخرجه- عقب رواية أبي داود الطيالسي- من طريق
معاذ بن الحكم عن عبد الرحمن بن زياد ... فذكر مثله بإسناده.
ثم أخرجه من طريق أبي عبد الرحمن المُقْرِي عن ابن أنعم ... بلفظ:
" إذا قضى الإمام الصلاة، فقعد، فأحدث هو أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل
أن يسلِّم الإمام؛ فقد تمت صلاته، فلا يعود فيها ". ثم قال:
" فهذا معناه غير معنى الحديث الأول. وقد روي أيضاً بلفظ غير هذا ".
ثم رواه من طريق معاذ بن الحكم قال: ثنا سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن
زياد بن أنعم ... فذكر مثل حديث أبي داود عن ابن المبارك. قال معاذ:
فلقيت عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، فحدثني عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن
سوادة، فقلت له: لقيتهما جميعاً؟ فقال: كليهما (!) حدثني به عن عبد الله بن
عمرو أن رسول الله ﷺ قال:
" إذا رفع المصلي رأسه من آخر صلاته، وقضى تشهده، ثم أحدث؛ فقد تمت
صلاتُه فلا يعود لها ".
قلت: وأخرجه الدارقطني من طريق ويع: ثنا سفيان ... به؛ بلفظ:
" إذا أحدث الإمام بعدما يرفع رأسه من آخر سجدة، واستوى جالساً؛ تمت
صلاته وصلاة من خلفه ممن ائتم به ممن أدرك أول الصلاة ".
стр. 213
ثم أخرجه عن مروان بن معاوية الفزارِيِّ: ثنا عبد الرحمن بن زياد
الإفريقي ... به؛ بلفظ:
" إذا جلس الإمام في آخر ركعة، ثم أحدث رجل من خلفه قبل أن يسلم
الإمام؛ فقد تمت صلاته ".
فهذا اضطراب شديد في لفظ الحديث، مما يزيده ضعفاً على ضعف. ولذلك
قال النووي في " المجموع " (٣/٤٨١) :
" حديث ضعيف باتفاق الحفاظ، وضعفه مشهور في كتبهم ".
وذكر نحوه الحافظ في " الفتح " (٢/٢٥٧) .
وقد علمت- مما سبق- أنه تفرد به ابن أنعم، كما صرح البيهقي.
لكن الزيلعي في " نصب الراية " (٢/٦٣) قال- بعد أن نقل كلام البيهقي-:
" قلت: رواه إسحاق بن راهويه في " مسنده ": أخبرنا جعفر بن عون: حدثني
عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة قالا: سمعنا عبد الله بن عمرو ... مرفوعاً
فذكره ".
قلت: وجعفر بن عون ثقة من رجال الشيخين؛ فإن صحت الرواية إليه بهذا،
ولم يكن في عزوها إليه خطأ ما: فهي متابعة قوية، تدفع دعوى تفرد ابن أنعم
بها.
ولكني في شك من ذلك؛ فإني لم أجد من عزاها هكذا إلى إسحاق بن
راهويه! وقد رجعت إلي " الدراية " للحافظ ابن حجر؛ فإذا به يذكر ابن راهويه في
جملة من روى الحديث كالمصنف- وغيره ممن سبق ذكره-، ولا يشير أدنى إشارة
إلى أن إسناد ابن راهويه غير إسناد الأخرين! والله أعلم بحقيقة الحال.
стр. 214
ومن كان عنده في ذلك علم؛ فليتفضل به علينا؛ فإن فوق كل ذي علم
عليماً.
ثم رأيت النووي ضعفه بالاضطراب وضعْفِ الإفريقي قال (٣/٤٦٣) :
" وبكر لم يسمع من ابن عمرو ". وقال ابن عبد البر في " التمهيد "
(١٠/٢١٤) :
" وهذا حديث لا يصح؛ لضعف إسناده، واختلافهم في لفظه ".
هذا؛ وقال الخطابي في " المعالم ":
" هذا الحديث ضعيف، وقد تكلم الناس في بعض نقلته، وقد عارضته
الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم، ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال
بظاهره ".
٧٣- باب ما يؤمر به المأموم من اتباع الامام
٧٤- باب التشديد فيمن يرفع قبل الامام أو يضع قبله
٧٥- باب فيمن ينصرف قبل الامام
٧٦- باب جُمّاع أثواب ما يصلى فيه
٧٧- باب الرجل يعقد الثوب في قفاه ثم يصلي
٧٨- باب الرجل يصلي في ثوب بعضه على غيره
[ليس تحت هذه الأبواب أحاديث على شرط كتابنا هذا. (انظر " الصحيح ") ]
стр. 215
٧٩- باب الرجل يصلِّي في قميص واحد
٩٦- عن أبي حوْملٍ العامري- قال أبو داود: وكذا قال، وهو أبو
حرمل- عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال:
أمنا جابر بن عبد الله في قميص- ليس عليه رداء-، فلما انصرف قال:
إني رأيت رسول الله ﷺ يصلِّي في قميص.
(قلت: إسناده ضعيف مسلسل بالمجهولين: أبي حومل- أو حرمل، كما
رجحه المصنف-، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وابيه؛ فإنهم
مجهولون) .
إسناده: حدثنا محمد بن حاتم بن بزبع: ثنا يحيى بن أبي بكير عن إسرائيل
عن أبي حومل العامري.
قلت: وهذا إسناد ضعيف مسلسل بالمجاهيل: عبد الرحمن بن أبي بكر، وابنه
محمد، وأبي حومل.
أما عبد الرحمن بن أبي بكر؛ فقال المنذري في " مختصره ":
" هو المليْكِيّ، لا يحتج بحديثه، وهو منسوب إلى جده أبي مليكة زهير بن
عبد الله. بن جدْعان القرشي التيْمِي ".
ورده المزي في " التهذيب "، فقال ما نصه:
" د- عبد الرحمن بن أبي بكر، حجازي، قال: أمنا جابر بن عبد الله في
قميص ... قاله إسرائيل عن أبي حرمل العامري عنه. وقد خلطه بعضهم
بالمليكي؛ وهو وهم؛ فإن هذا أقدم من المليكي، وليس للمليكي رواية عن أحد
стр. 216
من الصحابة ". وقال الحافظ في " التقريب ":
" هو مجهول، وليس بالمليكي ".
وأما ابنه محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر؛ فلم أعرفه! ولم يفرد له المزي
ترجمة، كما فعل بأبيه، وإنما قال في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر
القرشي الجمحِيِّ أبي الثورين:
" روى عن ابن عباس، وابن عمر. وعنه عمرو بن دينار، وعثمان بن الأسود "
قال:
" ويحتمل أن يكون هو الذي روى له أبو داود من رواية أبي حومل العامري
عنه عن أبيه عن جابر. وقد ذكرنا حديثه في ترجمة أبيه ".
وهذا احتمال قائم؛ إلا أن الحافظ في " تهذيب التهذيب " قد تعقبه بما لا طائل
تحته، وهو قوله:
" قلت: وهذا يوهم أن أبا داود أخرج لمحمد بن عبد الرحمن الذي روى عنه أبو
حومل! وليس كذلك؛ فإن الذي ذكره المصنف في ترجمة عبد الرحمن ليس فيه
لمحمد ذكر "!
قلت: لا شك أن المزي لم يذكر محمداً هذا في ترجمة أبيه عبد الرحمن،
وقد نقلنا عبارته في ذلك آنفاً، وهذا خطأ منه؛ لأنه أوهم أن الحديث من رواية أبي
حومل عن عبد الرحمن مباشرة! وليس كذلك بل بينهما محمد هذا؛ كما تراه في
الإسناد.
ولا عجب من ذلك؛ فإن الوهمِ من شأن البشر، ولا سيما أن المزي قد عاد عنه
إلى الصواب، حيث ذكر محمدا بينهما في هذه الترجمة، ولكن العجب من
الحافظ كيف وافق المزي على خطئه، ثم ردّ به الصواب الذي كان المزي رجع إليه؟!
стр. 217
وكأن الحافظ- عفا الله عنه- قلد المزي على خطئه، ولم يراجع " سنن المصنف
﵀ " ليتبين له الصواب الذي وُفق إليه المزي!
وهذا من مساوئ التقليد، وإن في ذلك لذكرى.
وأما أبو حومل العامري- والمصنف يرجح أنه أبو حرمل: بالراء المهملة-؛ فهو
مجهول اتفاقاً.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/٢٣٩) من طريق المصنف.
٨٠- باب إذا كان الثوب ضيقاً يتّزر به
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر " الصحيح ") ]
٨١- من باب الاسبال في الصلاة
٩٧- عن أبي جعفر عن عطاء بن يسارعن أبي هريرة قال:
بينما رجل يُصلِّي مسبلاً إزاره؛ إذ قال له رسول الله ﷺ :
" اذهب فتوضأ ". فذهب فتوضأ، ثم جاء. ثم قال:
" اذهب فتوضأ ". فذهب فتوضأ، ثم جاء. فقال له رجل: يا رسول
الله ﷺ ! أمرته أن يتوضأ ثم سكتّ عنه؟! قال:
" إنه كان يصلي وهو مُسْبِلٌ إزاره، وإن الله جلّ ذِكْرُهُ لا يقْبلُ صلاة
رجلً مُسْبِلً إِزارهُ ".
(قلت: إسناده ضعيف؛ أبو جعفر هذا لا يعرف) .
стр. 218
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا أبان: ثنا يحيى عن أبي جعفر.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي جعفر هذا؛
فقال المنذري في " مختصره " (٦/٥١/رقم ٣٩٢٧) :
" وفي إسناده أبو جعفر- رجل من أهل المدينة- لا يعرف اسمه ". وقال في
" الترغيب " (٣/٩٩- ١٠٠) :
" رواه أبو داود؛ وأبو جعفر المدني إن كان محمد بن علي بن الحسين؛ فروايته
عن أبي هريرة مرسلة، وإن كان غيره فلا أعرفه "!
قلت: وفيه إبهام أن أبا جعفر رواه عن أبي هريرة مباشرة؛ وليس كذلك، بل
بينهما عطاء بن يسار- كما ترى-، فروايته على احتمال أنه محمد بن علي بن
الحسين ليست مرسلة، ولكن ليس هناك ما يدل لهذا الاحتمال، بل الظاهر أنه
ليس به، بل هو رجل من أهل المدينة لا يعرف اسمه، كما قال النذري في
" مختصره ".
وإلى ذلك جنح الحافظ في " تهذيب التهذيب " في ترجمة أبي جعفر
الأنصاري المدني المؤذن، روى عن أبي هريرة، وعنه يحيى بن أبي كثير؛ قال
الترمذي:
" لا يعرف اسمه ". قال الحافظ:
" وعنه أبو داود في " الصلاة " عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر- غير
منسوب- عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. وأظنه هذا ". وقال في " التقريب ":
" أبو جعفر المؤذن الأنصاري المدني: مقبول، من الثالثة. ومن زعم أنه
محمد بن علي بن الحسين فقد وهم ". ولذلك قال في " عون المعبود " - نقلاً عن
" غاية المقصود " -:
стр. 219
" والصحيح: أن أبا جعفر هذا هو المؤذِّن، وهو رجل من أهل المدينة، يروي عن
أبي هريرة وعطاء بن يسار، وليس هو أبا جعفر الباقر محمد بن علي. وكذا ليس هو
أبا جعفر التميمي، الذي اسمه عيسى، ووثقه ابن معين ".
وأغرب النووي ﵀؛ حيث قال في " المجموع " (٣/١٧٨) ، وفي " الرياض "
(ص ٣٣٠) :
" رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم "!
ولا أدري من هو أبو جعفر هذا عند النووي؟! فإنه إن كان الباقر، فقوله:
" على شمرط مسلم "! وحده قصور؛ فإنه من رجال الشيخين، وكذا سائر
رجال الإسناد، كما تقدم.
وإن كان غيره؛ فمن هو؟
والحديث أخرجه البيهقي في (٢/٢٤١) من طريق أخرى عن موسى بن
إسماعيل ... ثم قال:
لا هكذا رواه أبان العطار عن يحيى. وخالفه حرْبُ بن شداد في إسناده؛ فرواه
كما أخْبرنا ... ".
قلت: ثم ساق إسناده إلى حرب عن يحيى قال: حدثني إسحاق بن عبد الله
ابن أبي طلحة أن أبا جعفر المدني حدثه أن عطاء بن يسار حدثه أن رجلاً من
أصحاب النبي ﷺ حدثه قال ... الحديث. ثم قال البيهقي:
" رواه هشام بن أبي عبد الله الدّسْتوائِي عن يحيى بن أبي كثير عن عطاء بن
يسار أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ حدثه ... فأسقطه من بين يحيى
وعطاء ".
стр. 220
قلت: لكن قد أخرجه أحمد في " مسنده " (٥/٣٧٩) من هذه الطريق بإثبات
أبي جعفر في إسناده؛ فقال أحمد: " ثنا يونس بن محمد: ثنا أبان وعبد الصمد:
ثنا هشام عن يحيى عن أبي جعفر عن عطاء بن يسارعن بعض أصحاب النبي
ﷺ قال ... فذكره.
ويحيى بن أبي كثير مدلس، وقد عنعنه عن أبي جعفر في رواية أبان العطار
وهشام الدستوائي عنه.
وأما في رواية حرب بن شداد عنه؛ فقد صرح بأن بينه وبين أبي جعفر:
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وهو ثقة من رجال الشيخين.
وبالجملة؛ فعلة الحديث جهالة حال أبي جعفر هذا. والله أعلم.
٨٢- باب في كم تصلي المرأة ؟
٩٨- عن محمد بن زيد بن قُنْفُذ عن أُمِّهِ:
أنها سألت أم سلمة: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟
فقالت: تصلِّي في الخمار والدِّرْعِ السابغِ الذي يُغيِّبُ ظُهور قدميْها.
(قلت: هو موقوف، وإسناده ضعيف؛ لأن أم محمد بن زيد هذه لا تعرف،
كما قال الذهبي؛ واسمها: أم حرام. وقد روي مرفوعاً؛ ولا يصح أيضاً) .
إسناده: حدثنا القعنبي عن مالك عن محمد بن زيد بن قُنْفُذٍ.
قلت: وهذا إسناد موقوف ضعيف؛ فإن أم محمد بن زيد- وهو ابن المهاجر بن
قنفذ- لا تعرف، كما قال الذهبي في " الميزان "؛ كنيتها: أم حرام؛ ويقال: اسمها:
آمنة.
стр. 221
والحديث في " الموطأ " (١/١٥٩- ١٦٠) . ومن طريقه- وطريق ابن أبي ذئب
وهشام بن سعد وغيرهم-: أخرجه البيهقي (٢/٢٣٢) .
وعلقه المصنف عن بعضهم كما يأتي.
وأخرجه ابن سعد في " الطبقات " (٨/٣٥٠) عن عبد الرحمن بن إسحاق عن
محمد بن يزيد المهاجر ... به.
والحديث رواه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد ... به
مرفوعاً؛ فأخطأ، وهو:
٩٩- عن عبد الرحمن بن عبد الله- يعني: ابن دينار- عن محمد بن
زيد ... بهذا الحديث؛ قال: عن أم سلمة: أنها سألت النبي ﷺ :
أتصلي المرأة في دِرْعٍ وخمارٍ، ليس عليها إزار؟ قال:
" إذا كان الدرع سابغاً يُغطِّي ظُهور قدميها ".
قال ابو داود: " روى هذا الحديث مالكُ بن أنس، وبكر بن مُضر،
وحفص بن غِياث، وإسماعيل بن جعفر، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق
عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة؛ لم يذكر أحد منهم: النبي
ﷺ ، قصروا به على أم سلمة ".
(قلت: يشير المصنف بذلك إلى أن الصواب في الحديث أنه موقوف.
وافقه عبد الحق والحافظ ابن حجر، وهو الحق؛ لأنه تفرد برفعه عبد الرحمن
هذا، وفيه ضعف. والحديث على كل حال لا يصح، لا مرفوعاً ولا موقوفاً؛ لأن
مداره على أم حرام، وقد عرفت حالها) .
стр. 222
إسناده: حدثنا مجاهد بن موسى: ثنا عثمان بن عمر: ثنا عبد الرحمن بن
عبد الله- يعني: ابن دينار-.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لأ مرين:
الأول: أن فيه أم حرام، ولا تُعرف، كما ذكرنا في الرواية المتقدمة.
والأخر: تفرد عبد الرحمن بن عبد الله برفعه، وهو وإن كان صدوقاً ومن
رجال البخاري؛ فإن فيه ضعفاً؛ فلا يحتج به عند المخالفة.
وقد روى الحديث جماعةٌ من الثقات عن محمد بن زيد ... به موقوفاً على أم
سلمة، كما نقلنا عن الصنف آنفاً.
وأخرجه كذلك من طريق مالك كما تقدم فيما قبل وذكرنا هناك من رواه غير
مالك موقوفاً كذلك. وقد قال الحافظ في " التلخيص " (٤/٨٩) :
" وأعله عبد الحق بأن مالكاً وغيره رووه موقوفاً، وهو الصواب ".
وأما قول النووي في " المجموع " (٣/١٧٢) :
" رواه أبو داود بإسناد جيد، لكن قال: رواه أكثر الرواة عن أم سلمة موقوفاً
عليها من قولها "!
فهو ذهول عما ذكرنا من حال أُمِّ حرام.
والحديث أخرجه الحاكم (١/٢٥٠) من طريق أخرى عن مجاهد بن
موسى ... به.
وأخرجه البيهقي (٢/٢٣٣) من طريق العباس بن محمد الدوري: ثنا عثمان
ابن عمر ... به. ثم قال الحاكم:
стр. 223
" حديث صحيح على شرط البخاري "! ووافقه الذهبي!
وقد وقع سهو في إسناده عنده؛ وذلك أنه قال: عن أبيه ... بدل: عن أمه!
ولا أدري أهو من الحاكم نفسه، أم هو من نساخ كتابه؟!
وعلى الثاني؛ فالظاهر أنه من قديم، فقد وقع السهو نفسه في " تلخيص
المستدرك " للذهبي.
وأيما كان؛ فإن تصحيح الحديث على شرط البخاري خطأ بيِّن؛ فإن أم محمد
ابن زيد وأباه ليسا من رجالهما، بل إن أباه لم أجد له ترجمة في شيء من كتب
الرجال التي عندي؛ إلا ما في " تهذيب التهذيب " حيث ذكره في جملة من روى
عنهم ابنه محمد هذا.
٨٣- من باب المرأة تصلِّي بغير خمار
١٠٠- عن محمد:
أن عائشة نزلتْ على صفِيّة اُمِّ طلْحة الطّلحاتِ، فرأتْ بنات لها،
فقالت:
إن رسول الله ﷺ دخل وفي حًجْرتي جارية، فألقى إلي حقْوهُ، وقال
" شُقِّيهِ بشُقّتيْنِ، فأعطي هذه نصفاً، والفتاة التي عند أم سلمة نصفاً؛
فإني لا أراها إلا قد حاضت- أو لا أُراهُما إلا قد حاضتا- ".
(قلت: إسناده ضعيف؛ قال أبو حاتم الرازي:، لم يسمع محمد- وهو ابن
سيرين- من عائشة شيئاً ". فهو منقطع) .
стр. 224
إسناده: حدثنا محمد بن عبيْدٍ: ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد.
قال أبو داود: " وكذلك رواه هشام عن ابن سيرين ".
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ إلا أنه منقطع.
قال المنذري في " المختصر ":
" قال أبو حاتم الرازي: لم يسمع ابن سيرين من عائشة شيئاً ".
ونحوه في " التهذيب ".
ومحمد بن عبيد: هو ابن حِسابٍ الغبرِيًّ البصري.
والحديث أخرجه أحمد (٦/٩٦) : ثنا عفان: ثنا حماد بن زيد ... به.
وأما رواية هشام؛ فقد وصلها أحمد أيضاً (٦/٢٣٨) ، فقال: ثنا يزيد قال: أنا
هشام عن محمد ... به.
وللحديث طريق أخرى عن عائشة ... مختصراً؛ لكن فيه عبد الكريم- وهو
ابن أبي المُخارق أبو أمية البصري-، وهو مجمع على ضعفه، كما قال ابن
عبد البر.
أخرجه ابن ماجه (١/٢٢٤) .
ولعائشة حديث آخر بلفظ:
" لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ".
فهو يغني عن هذا، فانظره في الكتاب الآخر (٦٤٨) .
стр. 225
٨٤- باب السّدْل في الصلاة
٨٥- باب الصلاة في شُعُر النساء
٨٦- باب الرجل يصلي عاقصاً شعره
٨٧- باب الصلاة في النّعْل
٨٨- باب المصلي إذا خلع نعْليه؛ أين يضعهما ؟
٨٩- باب الصلاة على الخُمُر
[ليس تحت هذه الأبواب أحاديث على شرط كتابنا هذا. (انظر " الصحيح ") ]
٩٠- من باب الصلاة على الحصير
١٠١- عن يونس بن الحارث عن أبي عون عن أبيه عن المغيرة بن شعبة
قال:
كان رسول الله ﷺ يصلِّي على الحصير والفرْوةِ المدْبُوغةِ.
(قلت: إسناده ضعيف؛ له علتان: يونس بن الحارث ضعيف. ووالد أبي
عون- واسمه عبيد الله بن سعيد الثقفي- مجهول، كما قال ابو حاتم. والحديث
عذه الذهبي من مناكير يونس هذا. وأما الصلاة على الحصير فصحيح، فانظره
في الكتاب الأخر (رقم ٦٦٤ و ٦٦٥)) .
إسناده: حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة وعثمان بن أبي شيبة- بمعني
الإسناد والحديث- قالا: ثنا أبو أحمد الزبيْرِيُ عن يونس بن الحارث.
стр. 226
قلت: وهذا إسناد ضعيف، وله علتان:
الأولى: ضعف يونس بن الحارث- وهو الثقفي الطائفي-، قال أحمد:
" أحاديثه مضطربة ". وقال ابن معين:
" لا شيء ". وقال أبو حاتم:
" ليس بقوي ". وقال النسائي:
" ضعيف ". وقال الساجي:
" ضعيف؛ إلا أنه لا يتهم بالكذب ". وأما ابن عدي فقال:
" ليس به بأس "!
وكذا قال ابن معين- في رواية عنه-، وزاد:
" يُكْتبُ حديثه ". وفي رواية ثالثة عنه:
" كنا نضعفه ضعفاً شديدا ".
وأما ابن حبان؛ فذكره في " الثقات "! وقال الحافظ في " التقريب ":
" ضعيف ". وقال الذهبي في ترجمته من " الميزان ":
" ومن مناكيره هذا الحديث ".
العلة الثانية: جهالة والد أبي عون- واسمه: عبيد الله بن سعيد الثقفي-،
واسم ابنه: محمد.
وبه أعله المنذري في " مختصره " (رقم ٦٢٩) ، فقال:
стр. 227
" وعبيد الله بن سعيد الثقفي؛ قالى أبو حاتم الرازي: هو مجهول ". وكذا قال
الحافظ في " التقريب ": إنه:
" مجهول ". وقال الذهبي:
" انفرد عنه ولده أبو عون ".
وأما ابن حبان؛ فأورده في " الثقات "! في " أتباع التابعين "، وقال:
" يروي المقاطيع "! قال الحافظ:
" فعلى هذا؛ فحديثه عن المغيرة مرسل ".
قلت: فعلى هذا؛ فهذه علة ثالثة.
والحديث أخرجه ابن خزيمة في " صحيحه " (١١٠/٢) ، والحاكم (١/٢٥٩) ،
وعنه البيهقي (٢/٤٢٠) من طريق أخرى عن أبي أحمد الزبيري.
ثم أخرجه البيهقي وأحمد (٤/٢٥٤) ، والذهبي في " الميزان " من طرق أخرى
عن يونس بن الحارث ... به؛ بلفظ:
كان يستحب أن يصلي ... إلخ. وقال الحاكم:
" حديث صحيح على شرط الشيخين "! وقال الذهبي:
" على شرط مسلم "!
وهذا من أوهامهما الفاحشة؛ فإن الحديث غير صحيح مطلقاً؛ فكيف
يصح على شرطهما أو شرط أحدهما؟! بل هو منكر، يشهادة الذهبي نفسه كما
تقدم!
стр. 228
ومن ذلك تعلم أن جزم ابن القيم ﵀ في " زاد المعاد " (١/٨٣) بعزو
الحديث إلى النبي ﷺ غير مقبول.
وإنما يصح من هذا الحديث: الصلاةُ على الحصير؛ لثبوت ذلك عنه ﷺ في
أحاديث كثيرة في " الصحيحين " وغيرهما، وترى بعضها في " الكتاب الآخر " (رقم
٦٦٤ و ٦٦٥) .
٩١- باب الرجل يسجد على ثوبه
[تحته حديث واحد. انظره في " الصحيح "]
تفريع أبواب الصفوف
٩٢- من باب تسوية الصفوف
١٠٢- عن مُصْعبِ بن ثابت بن عبد الله بن الزبيرعن محمد بن مسلم
ابن السائب- صاحب المقصورة- قال:
صليت إلى جنب أنس بن مالك يوماً، فقال: هل تدري لم صُنع هذا
العُودُ؟
فقلت: لا والله! قال:
كان رسول الله ﷺ يضع عليه يده، فيقول:
" استووا، واعْدِلُوا صفوفكم ".
(قلت: هذا إسناد ضعيف، وله علتان: الأولى: اتفاق الأئمة على تضعيف
стр. 229
مصعب بن ثابت. والأخرى: جهالة حال محمد بن مسلم بن السائب. وإنما
يصحُ من هذا الحديث الأمر بتسوية الصفوف، وهذا في الكتاب الأخر (رقم
٦٧٤) . وأما ذكر العود فيه؛ فهو منكر عندي) .
إسناده: حدثنا قتيبة: ثنا حاتم بن إسماعيل عن مصعب بن ثابت بن عبد الله
ابن الزبير.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، له علتان:
الأولى: مصعب بن ثابت هذا؛ فإنه ضعيف اتفاقاً؛ لكثرة غلطه؛ إلا الحاكم
فإنه روى له حديثاً في " التفسير " (٢/٣٠١) ، ثم قال:
" صحيح الإسناد "! ووافقه الذهبي!
ولا أتعجّب من تصحيح الحاكم لحديث منِ اتفق الأئمة على تضعيفه؛ فإن
ذلك مما اشتهر به. ولكني أتعجب من الناقد الذهبي كيف يجري وراء الحاكم في
كثير من التصحيح، مع تصريحه في " الميزان " بخلافه؟! وقد مضى لذلك أمثلة،
وهذا منها؛ فإنه قال في ترجمة مصعب بن ثابت هذا ما نصه:
" ضعفه يحيى بن معين وأحمد. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال النسائي:
ليس بالقوي ".
ثم ذكر أنه كان من أعبد أهل زمانه، ولم ينقل عن أحد توثيقه، فهو عنده
متفق على تضعيفه أيضاً. ثم ينسى هذا؛ فيوافق الحاكم على تصحيح حديثه
المشار إليه! فسبحان من لا ينسى!
العلة الأخرى: جهالة حال محمد بن مسلم بن السائب؛ فإنه لم يوثقه غير
ابن حبان، ولم يرو عنه غير مصعب هذا الضعيف، وغير العلاء بن عبد الرحمن.
стр. 230
ولذا قال الحافظ في " التقريب ":
" مقبول "؛ يعني: عند المتابعة؛ وإلا فلين الحديث.
والحديث أخرجه الإمام أحمد (٣/٢٥٤) : ثنا أحمد بن الحجاج: أنا حاتم بن
إسماعيل ... به.
ورواه المصنف من طريق أخرى عن مصعب بزيادة في متنه، وهو:
١٠٣- مصعب بن ثابت عن محمد بن مسلم عن أنس ... بهذا
الحديث؛ قال:
إن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة؛ أخذه بيمينه، ثم التفت
فقال:
" اعتدلوا، سوُوا صفوفكم ". ثم أخذه بيساره ققال:
" اعتدلوا، سوُّوا صفوفكم ".
(قلت: إسناده ضعيف؛ لما بينا في الذي قبله) .
إسناده: حدثنا مُسدّدٌ: ثنا حُميْدُ بن الأسود: ثنا مصعب بن ثابت ...
قلت: والكلام على هذا الإسناد كالكلام على الذي قبله.
وإنما يصح من الحديث قوله ﵇: " سوُوا صفوفكم؛ فإن تسوية
الصفوف من إقامة الصلاة ".
أخرجه الشيخان وغيرهما من طريق أخرى عن أنس، وهو في الكتاب الآخر
(رقم ٦٧٤) .
стр. 231
ولذلك فذِكر العود فى حديث الباب منكر عندي؛ لتفرد الضعيف عن المجهول
به. والله أعلم.
٩٣- باب الصفوف بين السوارى
[تحته حديث واحد. انظره في " الصحيح "]
٩٤- من باب منْ يسْتحِبُّ أن يلِي الإمام في الصفِّ، وكراهية التأخر
١٠٤- عن معاوية بن هشام: ثنا سفيان عن أسامة بن زيد عن عثمان
ابن عروة عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ :
" إن الله وملائكته يُصلون على ميامِنِ الصفوف ".
(قلت: حديث ضعيف بهذا اللفظ؛ أخطأ فيه معاوية بن هشام، وتفرد به،
وفي حفظه ضعف. ولذا قال البيهقي: " لا أراه محفوظاً ". وقد خالفه جماعة
من الثقات عن سفيان وغيره عن أسامة فرووه بلفظ: " على الذين يصِلون
الصفوف ". وهو الصواب. وقال البيهقي: " هو المحفوظ ". وقد صححه
جماعة من الأئمة، كما بيناه في الكتاب الآخر (رقم ٦٨٠)) .
إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا معاوية بن هشام ...
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم؛ إلا أن معاوية بن هشام وأسامة
ابن زيد فيهما كلام من قبل حفظهما، والمتقرر أنهما حسنا الحديث إذا لم يخالفا،
وقد حسّن حديثهما هذا جماعة من الحفاظ، كالمنذري والعسقلاني وغيرهما، كما
ذكر ذلك في الكتاب الآخر (رقم ٦٨٠) . وكأنهم خفيتْ عليهم المخالفة التي
وقعت من أحدهما- وهو معاوية هذا- في متن هذا الحديث، فكان ذلك سبباً
стр. 232
لحكمي على حديثه هذا بالضعف! فقد قال البيهقي في " سننه " (٣/١٠٣) - بعد
أن ساق الحديث من طريق المصنف-:
" كذا قال. والمحفوظ بهذا الإسناد عن النبي ﷺ : " إن الله وملائكته يُصلُون
على الذين يصِلون الصفوف" ... ".
ثم ساق- من طريق قبِيصة والأشجعي-، وأحمد (٦/١٦٠) - من طريق أبي
أحمد- ثلاثتهم عن سفيان عن أسامة بن زيد عن عثمان بن عروة عن أبيه عن
عائشة ... بهذا اللفظ.
وكذلك رواه الحسين بن حفص عن سفيان ... به؛ إلا أنه خالف في إسناده،
فقال: عبد الله بن عروة.. بدل: عثمان بن عروة.
أخرجه البيهقي، وقال:
" وكذلك رواه عبد الرزاق وعبد الله بن الوليد العدني عن سفيان. قال لي أبو
الحسن بن عبْدان: قال أبو القاسم الطبراني: كلاهما صحيحان ". قال البيهقي:
" يريد: كلا الإسنادين. فأما المتن؛ فإن معاوية بن هشام ينفرد بالمتن الأول،
فلا أراه محفوظاً، فقد رواه عبد الله بن وهب وعبد الله بن عطاء عن أسامة بن
زيد ... نحو رواية الجماعة في المتن ".
قلت: أما رواية عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان؛ فقد وصلها الإمام
أحمد (٦/٦٦) .
وأما رواية ابن وهب عن أسامة؛ فوصلها الحاكم (١/٢١٤) ، وقال:
" حديث صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي.
وأما رواية عبد الله بن عطاء؛ فلم أقف الآن عليها.
стр. 233
وقد رواه إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ... به:
أخرجه ابن ماجه (١/٣١٣) ، وأحمد (٦/٨٩) .
لكن ابن عياض ضعيف في روايته عن الحجازيين؛ وهذه منها.
وبالجملة؛ فالحديث بهذا اللفظ ثابت.
وأما لفظ الكتاب؛ فضعيف؛ لشذوذه، وعدم وجود الشاهد أو المتابع له. والله
أعلم.
٩٥- باب مقام الصبيان من الصف
١٠٥- عن شهر بن حوْشب عن عبد الرحمن بن غنْم قال: قال أبو
مالك الأشعرى:
الا أحدثكم بصلاة النبي ﷺ قال: فأقام الصلاة، فصف الرجال،
وصف الغِلْمان خلفهم، ثم صلى بهم، فذكر صلاته، ثم قال:
" هكذا صلاة- قال عبد الأعلى: لا أحسبه إلا قال:- أُمتي ".
(قلت: إسناده ضعيف؛ لأن شهر بن حوشب ضعيف؛ لسوء حفظه وكثرة
أوهامه) .
اسناده: حدثنا عيسى بن شاذان: ثنا عياشن الرقامُ: ثنا عبد الأعلى: ثنا قُرةُ
ابن خالد: ثنا بُديلٌ: ثنا شهر بن حوشب ...
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات؛ غير شهر بن حوشب؛ فإنه
- وإن كان ثقة في نفسه؛ فهو- ضعيف؛ لسوء حفظه وكثرة أوهامه. وهذا ملخص
مما قاله الأئمة فيه؛ فإنهم قد اختلفوا فيه:
стр. 234
فوثقه أحمد وابن معين والعجلي وغيرهم، وقال البخاري:
" إنه حسن الحديث ".
وتركه شعبه وابن عون وعبد الرحمن بن مهدي. وقال النسائي وأبو أحمد
والحاكم وابن عدي:
" ليس بالقوي ". وقال أبو حاتم:
" لا يحتج به ". وقال الساجي:
" فيه ضعف؛ وليس بالحافظ ". وقال ابن حبان:
" كان ممن يروي عن الثقات العضلات، وعن الأثبات المقلوبات ". وقال ابن
عدي:
" عامة ما يرويه فيه من الإنكار ما فيه، وهو ممن لا يحتج بحديثه، ولا يُتدينُ
به ". وقال البيهقي:
" ضعيف ". وقال إبراهيم بن الجُوزجانِى:
" أحاديثه لا تشبه حديث الناس، وحديثه " دال عليه؛ فلا ينبغي أن يُغْتر
بروايته ". وقال الحافظ في " التقريب ":
" صدوق، كثير الإرسال والأوهام ".
ورمز له هو وغيره بأنه من رجال مسلم!
لكن قد صرح المنذري في خاتمة " الترغيب " أن مسلماً إنما روى له مقروناً؛
فليعلم.
قلت: فأقوال هذه الطائفة جارحة- وهي مفسّرة-، فهي مقدمة على أقوال
стр. 235
الطائفة المتقدمة، كما تقرر في " المصطلح ". وكأن أولئك لم يقفوا على ما وقف عليه
هؤلاء من أسباب الجرح؛ وفوق كل ذي علم عليم.
هذا؛ وعياش في إسناد الحديث: هو ابن الوليد. وعبد الأعلى: هو ابن
عبد الأعلى.
وبُديل: هو ابن ميْسرة العُقيْلِيُّ.
والحديث أخرجه البيهقي (٣/٩٧) من طريق أحمد بن يوسف السلمِي: ثنا
عياش بن الوليد ... به؛ إلا أنه قال:
لا أحسبه إلا قال: صلاة النبي ﷺ .
وهذا- كما ترى- مخالف لرواية الكتاب؛ فإن فيها: " صلاة أمتي ". وعليه؛
فإنه من قول النبي ﷺ
وعلى رواية البيهقي؛ هو من قول أبي مالك الأشعري.
وهو الأقرب إلى الصواب.
فقد أخرج الحديث: أحمدُ (٥/٣٤٣) من طريق عبد الحميد بن بهْرام عن
شهر ... به مطولا؛ وفيه:
فلما قضى صلاته؛ أقبل إلى قومه بوجهه فقال: احفظوا تكبيري، وتعلموا
ركوعي وسجودي؛ فإنها صلاة رسول الله ﷺ .
ذلك؛ وقد فتشت كتب السنة كثيراً؛ لعلِّي أجد لهذا الحديث متابعاً أو شاهداً
أنقله به من هنا إلى الكتاب الأخر؛ فلم أوفق!
بل في " الصحيحين ": أن أنساً وغلاماً يتيماً وقفا صفاً واحداً وراء النبي ﷺ .
стр. 236
فهذا يدل أن الصبي ليس كالمرأة في وقوفها- ولو وحدها- وراء الرجال، بل له
أن يقف مع الرجل.
أما إذا كثر الرجال والصبيان؛ فهل يسن أن يقف الصبيان صفاً واحداً، ولو لم
يكمُلْ صف الرجال الذي يتقدمهم؟!
فهذا يتوقف على ثبوت حديث الباب، ولم يثبت- كما عرفت-. والله أعلم.
٩٦- باب صفِّ النساء، والتأخر عن الصف الأول
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر " الصحيح ") ]
٩٧- باب مقام الإمام من الصف
١٠٦- عن يحْيى بن بشِيرِ بن خلادٍ عن أُمِّه: أنها دخلت على محمد
ابن كعب القُرظِيِّ، فسمعتمه يقول: حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله
ﷺ :
" وسِّطوا الامام، وسُدوا الخلل ".
(قلت: إسناده ضعيف؛ يحيى بن بشير وأمه؛ قال ابن القطان: " يُجْهلُ
حالهما ". وقال عبد الحق: " ليس هذا الاسناد بقوي ". وقال الذهبي: " سنده
لين ") .
إسناده: حدثنا جعفر بن مُسافِرٍ: ثنا ابن أبي فُديْكٍ عن يحيى بن يشِيرٍ بن
خلاد.
стр. 237
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات؛ غير يحيى بن يشير بن خلاد وأمه؛
فإنهما مجهولان. ولذلك قال المناوي في " الفيض ":
" قال في " المُهذب ": سنده لين ا. هـ وأصله قول عبد الحق: ليس إسناده
بقوي ولا مشهور. قال ابن القطان: ولم يُبيِّنْ علته، وعي أن فيه يحيى بن يشير بن
خلاد وأمه وهما مجهولان ".
وقد نقل الذهبي في " الميزان " كلام عبد الحق وابن القطان بنحو ما نقله المناوي
عنهما. ونصنُ كليهما- كما مر آنفاً- هو منقول الذهبي. وقال الحافظ في
" التقريب " - وتبعه الشوكاني (٣/١٥٣) -:
" يحيى مستور، وأمه مجهولة ".
ومن هذا تعلم أن إيراد النووي لهذا الحديث في " كتابه " رياض الصالحين "
(ص ٤١٤) - الذي اشترط فيه ألا يذكر فيه إلا حديثاً صحيحاً- ليس بصواب؛
فتنبه!
نعم؛ الشطر الثاني منه صحيح لغيره؛ فإن له شاهداً من حديث ابن عمر،
وهو في الكتاب الأخر (رقم ٦٧٢) .
والحديث أخرجه البيهقي (٣/١٠٤) من طريق المصنف.
٩٨- باب الرجل يصلي وحده خلف الصف
٩٩- باب الرجل يركع دون الصف
[ليس تحتهما حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر الصحيح ") ]
стр. 238
تفريع أبواب السترة
١٠٠- باب ما يستر المصلّي
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر " الصحيح ") ]
١٠١- باب الخطِّ إذا لم يجِدْ عصاً
١٠٧- عن أبي عمرو بن محمد بن حُريْثٍ: أنه سمع جدهُ حريْثاً
يحدث عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال:
" إذا صلّى أحدكم؛ فليجعلْ تِلْقاء وجْهِهِ شيئاً، فإن لم يجِدْ؛
فلينصب عصاً، فإن لم يكن معه عصاً؛ فلْيخطّ خطّاً، ثم لا يضُرُّهُ ما مرّ
أمامهُ ".
(قلت: إسناده ضعيف، وله علتان: جهالة أبي عمرو بن محمد بن حريث
وجده حُريْث. والاضطراب في إسناده اضطراباً شديداً. ولذلك قال
الدارقطني: " لا يصح ولا يثبت ". وقال أحمد: " ضعيف ". وقال النووي:
" لم يثبت، قال البغوي وغيره: هو حديث ضعيف، وأشار إلى تضعيفه سفيان
ابن عيينة والشافعي والبيهقي وغيرهم ". وضعفه أيضاً ابن الصلاح والعراقي.
ومن وجوه اضطرابه الرواية الآتية) .
إسناده: حدثنا مُسدّد: ثنا بِشْرُ بن المُفضًلِ: ثنا إسماعيل بن أُمية: حدثني
أبو عمرو بن محمد بن حريث ...
قلت: وهذا إسناد ضعيف، وله علتان:
стр. 239
الأ ولى: جهالة أبي عمرو هذا وجده؛ ففي " التهذيب ":
" قال الطحاوي: أبو عمرو وجده مجهولان، ليس لهما ذكر في غير هذا
الحديث ". وقال الذهبي:
" أبو عمرو بن محمد بن حريث لا يُعْرفُ ".
وكذلك قال الحافظ في " التقريب " فيه، وفي جده حريث.
والأخرى: الاضطراب في إسناده، كما يأتي بيانه.
وقد أورده ابن الصلاح في " علوم الحديث " من أمثلة الحديث المضطرب،
وقال:
" الاضطراب مُوجِبٌ ضعف الحديث؛ لإشعاره بأنه لم يضبط ".
والحديث أخرجه البيهقي (٢/٢٧٠) من طريق المصنف، ومن طريق أخرى عن
مُسدد ... به.
وابن خزيمة (٨١٢) من طريق آخر عن بشر. وقال البيهقي:
" وكذلك رواه روح بن القاسم ووهيب وعبد الوارث عن إسماعيل. وابن عيينة
في إحدى الروايتين عنه عن إسماعيل ".
قلت: قد وصله عن ابن عيينة بالروايتين الإمام أحمد، فقال (٢/٢٤٩) : ثنا
سفيان عن إسماعيل بن أمية عن أبي محمد بن عمرو بن حُريث العُذْرِيِّ- قال
مرة: عن أبي عمرو بن محمد بن حريث- عن جده. سمعت أبا هريرة ... به.
ورواه ابن ماجه (١/٣٠١) عن ابن عيينة وعن حميد بن الأسود عن
إسماعيل ... بالوجه الأول.
стр. 240
فهذان وجهان من وجوه الاضطراب فيه، قد جمعهما أحمد في روايته هذه
عن سفيان.
وقد روى الوجه الأخر عن سفيان: عليّ بن المديني أيضاً؛ أخرجه المصنف،
وهو:
١٠٨- عن أبي محمد بن عمروبن حُريْثِ عن جدِّه حُريْث- رجًلٍ من
بني عُذْرة- عن أبي هريرة عن أبي القاسم ﷺ قال ... فذكر حديث
الخط.
(قلت: إسناده ضعيف؛ لما سبق قبله. وقد أشار المصنف إلى تضعيفه وإلى
بعض الاضطراب الذي في إسناده بقوله، وهو متصل بإسناد الحديث: " قال
سفيان: لم نجد شيئاً نشُد به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه. قال
- يعني: علي بن المديني-: قلت لسفيان: إنهم يختلفون فيه؟ فتفكّر ساعةً،
ثم قال: ما أحفظ إلا أبا محمد بن عمرو. قال سفيان: قدِم هنا رجل بعدما
مات إسماعيل بن أمية، فطلب هذا الشيخ أبا محمد، حتى وجده، فسأله
عنه؟ فخُلِط عليه ") .
إسناده: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس: حدثنا علي- يعني: ابن المديني-
عن سفيان عن إسماعيل بن أمية عن أبي محمد بن عمرو بن حُريْث.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، كما سبق بيانه في الحديث المتقدم، وذكرت ثمة
أن في هذه الرواية وجهاً ثانياً من وجوه الاضطراب في إسناد الحديث، حيث قال
سفيان في الرواية الأولى: عن إسماعيل عن أبي عمرو بن محمد بن حريث: رواه
ابن خزيمة (٨١١) .
стр. 241
وهنا قال: عن إسماعيل عن أبي محمد بن عمرو بن حريث. وكذا رواه ابن
حبان في " صحيحه " (٢٣٥٥- الإحسان) . قال البيهقي:
" وهكذا رواه الشافعي والحميدي وجماعة عن سفيان ". قال:
" ثم روى عنه أنه شك فيه ".
ثم ساق هذه الرواية التي في الكتاب من طريق عثمان بن سعيد الدارمي:
سمعت علياً- يعني: ابن عبد الله بن المديني- ... به أنم منه؛ ففيه:
قال علي: قلت لسفيان: إنهم يختلفون فيه؛ بعضهم يقول: أبو عمرو بن
محمد. وبعضهم يقول: أبو محمد بن عمرو؟ فتفكر ساعة، ثم قال: ما أحفظه إلا
أبا محمد بن عمرو.
قلت لسفيان: فابن جريج يقول: أبو عمرو بن محمد، فسكت سفيان ساعة،
ثم قال: أبو محمد بن عمرو، أو أبو عمرو بن محمد. ثم قال سفيان: كنت أراه
أخاً لعمرو بن حريث، وقال مرة: العذْري. قال علي: قال سفيان: كان جاءنا
إنسان بصري كلم عتبة (وفي نسخة: عقبة) ذاك أبو معاذ، فقال: إني لقيت هذا
الرجل الذي روى عنه إسماعيل- قال علي: ذلك بعد ما مات إسماعيل بن أمية-
فطلب هذا الشيخ حتى وجده، قال عتبة: فسألته عنه؟ فخلطه علي. قال سفيان:
ولم تجد شيئاً يشد هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه. قال سفيان: وكان
إسماعيل إذا حدث بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تشًدونه به؟ " ٠
وفي الحديث وجه ثالث من الاضطراب؛ قال أحمد (٢/٢٤٩) : ثنا سفيان
عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة ... يرفعه
فذكر معناه.
وقال عبد الرزاق: أنا معمر والثوري عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن
стр. 242
حريث عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه ... فذكر الحديث.
وقال في موضع آخر من " المسند " (٢/٢٦٦) : ثنا عبد الرزاق ... به.
وأخرجه البيهقي من طريق الحسيْنِ بن حفص عن سفيان: حدثني إسماعيل
ابن أمية ... به.
وتابعهما حُميْدُ بن الأسود عن إسماعيل بن أمية ... به؛ إلا أنه قال: عن
أبي عمرو بن محمد بن حريث بن سليْمٍ عن أبيه.
أخرجه البيهقي.
لكن تقدم أنه عند ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: عن جده.. قال الحافظ
العراقي في " شرح علوم الحديث ":
" فإما أن يكون قد اختلف فيه على حميد بن الأسود- في قوله: عن أبيه، أو
عن جده-، أو يكون ابن ماجه قد حمل رواية حميد بن الأسود على رواية سفيان
ابن عيينة، ولم يبين الاختلاف الذي بينهما، كما يقع في الأسانيد ".
وفي هذا الإسناد أوجه أخرى من الاضطراب، ذكرها الحافظ العراقي في
" شرح علوم الحديث " (ص ١٠٥- ١٠٦) ، فمن شاء؛ فليراجعها فيه.
ومن الممكن حصر هذا الاختلاف على إسماعيل بن أميهْ في موضعين من
هذا الإسناد:
الموضع الأول: أبو عمرو بن محمد بن حريث.. أو: أبو محمد بن عمرو بن
حريث.
والأول منهما هو الصحيح؛ لاتفاق جميع الرواة عن إسماعيل بن أمية عليه؛
إلا ابن عيينة في إحدى الروايتين عنه.
стр. 243
والموضع الأخر: عن جده.. أو: عن أبيه.
والأول: هو رواية الأكثرين عن إسماعيل- مثل بِشْرِ بن المُفضل وروْحِ بن
القاسم ووُهيْبٍ وعبد الوارث وابن عيينة وحميد بن الأسود- في إحدى الروايتين
عنهما-.
والقول الثاتي: هو رواية الثوري ومعمر وابن عيينة وحميد- في الرواية الأخرى
ومثل هذا الاضطراب مما يصعب الترجيح فيه؛ فإن في كل من القولين أو
الروايتين من المرجِّحات ما ليس في الأخرى.
فالرواية الأولى عن جده تترجح بكثرة رواتها- وهم بشر بن المفضل ومن معه-.
والأخرى تترجح بأن من رواتها سفيان الثوري- وهو أحفظهم-؛ ولذلك رجحها
بعضهم على الرواية الأولى، ونازع- بسبب ذلك- ابن الصلاح في ذكره الحديث
مثالاً للمضطرب، ذلك لأن ابن الصلاح نفسه ذكر أنه إنما يسمى الحديث مضطرباً
إذا تساوت الروايتان. فأما إذا ترجحت إحداهما على الأخرى فلا يسمى مضطرباً.
قال:
" وهذا قد رواه الثوري- وهو أحفظ من ذكرهم- فينبغي أن ترجح روايته على
غيرها، ولا يسميه مضطرباً ".
وأيضاً؛ فإن الحاكم وغيره صحح الحديث المذكور.
وكأن الحافظ ابن حجر ﵀ كان يذهب إلى هذا؛ فقد قال في
" التلخيص " (٤/١٣٢) :
" قلت: وأورده ابن الصلاح مثالاً للمضطرب. ونوزع في ذلك، كما بينته في
" النكت " ... ". وقال في " بلوغ المرام " (١/٢٠٤) :
стр. 244
" وصححه ابن حبان ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن "!
وأجاب عن ذلك شيخه الحافظ العراقي في " شرح علوم الحديث " - بعد أن
أورد اعتراض المعترض على ابن الصلاح، الذي نقلنا معنى كلامه آنفاً- فقال:
" والجواب: أن الوجوه التي يرجّح بها متعارضة في هذا الحديث: فسفيان
الثوري- وإن كان أحفظ من سمّاه الصنف- فإنه انفرد بقوله: عن أبي عمرو بن
حريث عن أبيه.. وأكثر الرواة يقولون: عن جده- وهم بشر بن المفضل وروح بن
القاسم ووهيب بن خالد وعبد الوارث بن سعيد-، وهولاء من ثقات البصريين
وأئمتهم، ووافقهم على ذلك من حفاظ الكوفيين: سفيان بن عيينة. وقولهم
أرجح: لوجهين: أحدهما: الكثرة، والثاني: أن إسماعيل بن أمية مكي، وابن
عيينة كان مقيماً بمكة، ومما يرجح به كون الراوي عنه من أهل بلده، وبكثرة الرواة
أيضاً ". قال:
" فتعارضت حينئذ الوجوه القتضية للترجيح، وانضم إلى ذلك جهالة راوي
الحديث- وهو شيخ إسماعيل بن أمية-، فإنه لم يرو عنه- فيما علمت- غير
إسماعيل بن أمية، مع هذا الاختلاف في اسمه واسم أبيه، وهل يرويه عن أبيه،
أو عن جده، أو هو نفسه عن أبي هريرة؟
وقد حكى أبو داود في " سننه " تضعيفه عن ابن عيينة، فقال: قال سفيان:
لم تجد شيئاً نشد به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه. وقد ضعفه أيضاً
الشافعي والبيهقي. وقول من ضعفه أولى بالحق من تصحيح الحاكم له، مع هذا
الاضطراب والجهالة براويه ".
قلت: وهذا هو الحق: أن الحديث ضعيف؛ لما ذكر. وإن كان في تضاعيف
كلام العراقي ما لا يخلو عن اعتراض، كقوله: " إن الثوري انفرد بقوله: عن أبي
عمرو بن محمد عن أبيه "!
стр. 245
مع أنه قد تابعه معمر، وسفيان بن عيينة- في إحدى الروايتين عنه- كما
نقلناه في أول البحث عن " مسند أحمد ".
ومن وجوه الاضطراب: ما علقه ابن حبان في ترجمة (محمد بن عمرو بن
سعيد بن العاص) (٧/٣٩٨) عن أبيه عن أبي هريرة قال ... فذكره موقوفاً عليه.
قال ابن حبان:
" رواه يزيد بن هارون عن نصْرِ بن حاجب القرشي عن إسماعيل بن أمية
قلت: وهذا الوجه منكر- أو شاذ على الأقل-، والعلة من نصْرٍ؛ فإنه مختلف
فيه. وقد قال النسائي فيه:
" ليس بثقة ".
وقد يؤكد هذا أنه خالف كل الثقات الذين قالوا: عن إسماعيل عن أبي عمرو
ابن محمد بن حريث، أو: أبي محمد بن عمرو بن حريث؛ فقال هذا: عن محمد
ابن عمرو بن سعيد بن العاص!
ثم إنه لو سلمنا أن الحديث غير مضطرب، ورجحنا رواية الثوري- أو المخالفين-:
له، فإن العلة الأخرى- وهي الجهالة- لا تزال قائمة.
ولذلك نرى أن قول الحافظ- فيما سبق-: " بل هو حسن "!
غير حسن؛ لا سيما وقد عارضه جماعة من المتقدمين من الأئمة كما سلف؛
وقد ذكر هو نفسه في " التهذيب " عن أحمد أنه قال:
" الخط ضعيف ". وقال الدارقطني:
" لا يصح ولا يثبت ". وقال الشافعي في " سنن حرملة ":
стр. 246
" ولا يخط المصلي بين يديه خطاً؛ إلا أن يكون ذلك في حديث ثابت
فيُتّبع " أ. هـ. وقال مالك:
" الخط باطل ". كذا في " المدونة " (١/١١٣) .
قلت: وفي قول الشافعي هذا رد على النووي؛ حيث قال في " المجموع "
(٣/٢٤٨) :
" والمختار استحباب الخط؛ لأنه وإن لم يثبت الحديث؛ ففيه تحصيل حريم
للمصلي. وقد قدمنا اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل
الأعمال- دون الحلال والحرام-، وهذا من نحو فضائل الأعمال "!!
قلت: وفيما قاله نظر من وجهين:
الأول: استحبابه الخط، مع اعترافه بضعف الحديث!
وهذا أمر غريب؛ فإن الاستحباب حكم شرعي، لا بد له من دليل تقوم به
الحجة، والحديث الضعيف لا يثبت به أي حكم شرعي. فلا جرم أن ذهب إمامه
إلى عدم مشروعية الخط إلا أن يثبت الحديث. فلو أنه تبع إمامه في ذلك؛ لكان
أصاب الحق.
اقول هذا؛ مع العلم أن ما ذهب إليه النووي كان مذهب الشافعي في القديم،
ثم رجع عنه في الجديد إلى ما نقلناه عنه آنفاً، وذلك حين ظهر له ضعف
الحديث، كما أشار إلى ذلك البيهقي.
والوجه الآخر: نقْفه اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف!
وهذا غير صحيح؛ فإن المسألة مختلف فيها على ثلاثة أقوال، ذكرها الشيخ
القاسمي في " قواعد التحديث " (ص ٩٤) أولاها- وهي عندي أوْلاها-: أنه لا
стр. 247
يعمل به مطلقاً، لا في الأحكام ولا في الفضائل، حكاه ابن سيد الناس في
" عيون الأثر " عن يحيى بن معين، ونسبه في " فتح المغيث " لأبي بكر بن العربي.
وهو مذهب ابن حزم، كما صرح به في كتبه، منها: " الإحكام في أصول
الأحكام " (١/١٣٦) .
وكيف يجوز العمل به، وقد اتفقوا جميعاً على أن الحديث الضعيف لا يفيد
إلا الظن- والظن المرجوح- وهو أكذب الحديث بشهادة النبي ﷺ ؟! وقد نعى الله
تعالى على قوم قبلنا عملهم بالظن، فقال: (إنْ يتبعون إلا الظن وما تهوى
الأنفس) ، وقال تعالى: (وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) .
ولذلك نهى النبي ﷺ أمته عن رواية الحديث عنه إلا بعد العلم بصحته؛
فقال:
" اتقوا الحديث عنِّي إلا ما علمتم ".
أفيجيز لهم العمل به قبل أن يعرفوا صحته، وقد نهاهم عن روايته؟! اللهم! لا.
وهذا بين لا يخفى، وقد مضى تفصيل القول في ذلك في المقدمة (*) .
على أن حديث الباب ليس من الفضائل، بل هو في الأحكام؛ لأن فيه الأمر
بالخط، وهو يفيد الوجوب عند عدم القرينة، ولا قرينة هنا.
وكأن النووي ﵀ لاحظ ما ذكرنا، فاحتاط في عبارته، فقال- كما تقدم-:
" وهذا من نحو فضائل الأعمال "!
هذا؛ وقال النووي (٣/٢٤٦) - بعد أن عزا الحديث للمصنف وابن ماجه-:
стр. 248
" قال البغوي وغيره: هو حديث ضعيف، وروى أبو داود في " سننه " عن
سفيان بن عيينة تضعيفه، وأشار إلى تضعيفه الشافعي والبيهقي وغيرهما ".
قلت: وأما ما نقله ابن التركماني وغيره عن ابن عبد البر، أنه قال في
" الاستذكار ":
" كان ابن حنبل وابن المديني يصححان هذا الحديث "!
فلا أدري مقداره من الصحة والثبوت، ولا سيما وقد نقل الحافظ عن الخلال
عن أحمد تضعيفه- كما سبق-.
فإن صح ما في " الاستذكار "، فيكون لأحمد فيه قولان.
والصحيح منهما: ما سبق، لما نقلناه عن الحافظ العراقي. وقد نقل هو عن
بعضهم أن الحاكم صححه أيضاً، ولعل ذلك في غير كتابه " المستدرك "؛ فإني لم
أجد الحديث فيه! والله أعلم.
ومما سبق من التحقيق؛ تعلم أن قول صاحب " التاج " (١/١٧٦) - في الحديث-:
" رواه أبو داود وأحمد بسند صحيح "!
غير صحيح أيضاً؛ وإنما جاءه ذلك من تقليده بعض المصححين له، دون النظر
في إسناده، وليس ذلك من شأنه ولا من صناعته، كما يتبين ذلك جلياً لمن درس
كتابه هذا دراسة إمعان وتدقيق!
ومن هذا القبيل تقويته للحديث الآتي.
١٠٢- باب الصلاة إلى الراحلة
[تحته حديث واحد. انظره في " الصحيح "]
стр. 249
١٠٣- باب إذا صلى إلى سارية أو نحوها؛ أين يجعلها منه ؟
١٠٩- عن أبي عُبيْدة الوليد بن كامل عن المُهلّب بن حُجْر البهْرانِي
عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود عن أبيها قال: ما رأيت رسول الله ﷺ
يُصلِّي إلى عُود ولا عمودٍ ولا شجرةٍ؛ إلا جعله على حاجبه الأيمن أو
الأيسر؛ ولا يصْمُدُ له صمْداً.
(قلت: إسناده ضعيف له ثلاث علل: ضعف الوليد بن كامل. وجهالة
المهلب بن حجر، وضباعة بنت المقداد. والاضطراب في إسناده ومتنه. وضعفه
ابن عدي والبيهقي وابن القطان. وقال عبد الحق: " ليس إسناده بقوي ") .
إسناده: حدثنا محمود بن خالد الدمشقي. ثنا علي بن عياش: ثنا أبو عبيدة
الوليد بن كامل ...
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: ضعف أبي عبيدة الوليد بن كامل؛ قال الذهبي:
" ضعفه أبو الفتح الأزدي، ومن قبله أبو حاتم. قال البخاري: عنده عجائب ".
وقال الحافظ:
" لين الحديث ".
والثانية: جهاله من فوقه؛ قال الذهبي والحافظ:
" المهلب مجهول ".
وضباعة بنت المقداد؛ قال ابن القطان والحافظ:
" لا تُعْرفُ ".
стр. 250
والثالثة: الاضطراب في إسناده ومتنه.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/١٧١- ١٧٢) من طريق المصنف.
وأخرجه أحمد (٤/٦) : ثنا علي بن عياش ... به.
وأخرجه البيهقي من طريق أخرى عنه، ومن طريق يحيى بن صالح: ثنا الوليد
ابن كامل ... به؛ إلا أنه قال: ضباعة بنت المقدام- بالميم-، ثم قال:
" ورواه محمد بن حِمْيرٍ، وبقية بن الوليد عن الوليد بن كامل، فقال:
المقداد. وقيل: عن بقية في رواية أخرى عنه: المقدام. والمقداد أصح، فالله تعالى
أعلم. والحديث تفرد به الوليد بن كامل البجلِيُ الشامي، قال البخاري: عنده
عجائب ".
قلت: وفيه اضطراب آخر عن بقية- غير الذي ذكره البيهقي-، فقال الإمام
أحمد (٦/٤) : ثنا يزيد بن عبد ربه: ثنا بقية: حدثني الوليد بن كامل عن
الحجْرِ- أو أبِي الحجر- بن المُهلبِ البهْراني قال: حدثتني ضُبيْعةُ بنت المقدام بن
معْدِي كرِب عن أبيها.
أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى إلي عمود ... الحديث نحوه.
فقد خالف بقية في قوله: الحُجْر- أو أبي الحجر- بن المهلب!
وإنما هو المهلب بن حجر، كما في رواية الكتاب.
وكذلك رواه غير يزيد بن عبد ربه عن بقية كما يأتي.
وفي قوله: ضبيعة بنت المقدام؛ قال الزيلعي في " نصب الراية " (٢/٨٣- ٨٤)
- بعد أن ذكر الحديث بطريق الصنف-: