" ولا يخط المصلي بين يديه خطاً؛ إلا أن يكون ذلك في حديث ثابت
فيُتّبع " أ. هـ. وقال مالك:
" الخط باطل ". كذا في " المدونة " (١/١١٣) .
قلت: وفي قول الشافعي هذا رد على النووي؛ حيث قال في " المجموع "
(٣/٢٤٨) :
" والمختار استحباب الخط؛ لأنه وإن لم يثبت الحديث؛ ففيه تحصيل حريم
للمصلي. وقد قدمنا اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل
الأعمال- دون الحلال والحرام-، وهذا من نحو فضائل الأعمال "!!
قلت: وفيما قاله نظر من وجهين:
الأول: استحبابه الخط، مع اعترافه بضعف الحديث!
وهذا أمر غريب؛ فإن الاستحباب حكم شرعي، لا بد له من دليل تقوم به
الحجة، والحديث الضعيف لا يثبت به أي حكم شرعي. فلا جرم أن ذهب إمامه
إلى عدم مشروعية الخط إلا أن يثبت الحديث. فلو أنه تبع إمامه في ذلك؛ لكان
أصاب الحق.
اقول هذا؛ مع العلم أن ما ذهب إليه النووي كان مذهب الشافعي في القديم،
ثم رجع عنه في الجديد إلى ما نقلناه عنه آنفاً، وذلك حين ظهر له ضعف
الحديث، كما أشار إلى ذلك البيهقي.
والوجه الآخر: نقْفه اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف!
وهذا غير صحيح؛ فإن المسألة مختلف فيها على ثلاثة أقوال، ذكرها الشيخ
القاسمي في " قواعد التحديث " (ص ٩٤) أولاها- وهي عندي أوْلاها-: أنه لا
стр. 247
يعمل به مطلقاً، لا في الأحكام ولا في الفضائل، حكاه ابن سيد الناس في
" عيون الأثر " عن يحيى بن معين، ونسبه في " فتح المغيث " لأبي بكر بن العربي.
وهو مذهب ابن حزم، كما صرح به في كتبه، منها: " الإحكام في أصول
الأحكام " (١/١٣٦) .
وكيف يجوز العمل به، وقد اتفقوا جميعاً على أن الحديث الضعيف لا يفيد
إلا الظن- والظن المرجوح- وهو أكذب الحديث بشهادة النبي ﷺ ؟! وقد نعى الله
تعالى على قوم قبلنا عملهم بالظن، فقال: (إنْ يتبعون إلا الظن وما تهوى
الأنفس) ، وقال تعالى: (وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) .
ولذلك نهى النبي ﷺ أمته عن رواية الحديث عنه إلا بعد العلم بصحته؛
فقال:
" اتقوا الحديث عنِّي إلا ما علمتم ".
أفيجيز لهم العمل به قبل أن يعرفوا صحته، وقد نهاهم عن روايته؟! اللهم! لا.
وهذا بين لا يخفى، وقد مضى تفصيل القول في ذلك في المقدمة (*) .
على أن حديث الباب ليس من الفضائل، بل هو في الأحكام؛ لأن فيه الأمر
بالخط، وهو يفيد الوجوب عند عدم القرينة، ولا قرينة هنا.
وكأن النووي ﵀ لاحظ ما ذكرنا، فاحتاط في عبارته، فقال- كما تقدم-:
" وهذا من نحو فضائل الأعمال "!
هذا؛ وقال النووي (٣/٢٤٦) - بعد أن عزا الحديث للمصنف وابن ماجه-:
стр. 248
" قال البغوي وغيره: هو حديث ضعيف، وروى أبو داود في " سننه " عن
سفيان بن عيينة تضعيفه، وأشار إلى تضعيفه الشافعي والبيهقي وغيرهما ".
قلت: وأما ما نقله ابن التركماني وغيره عن ابن عبد البر، أنه قال في
" الاستذكار ":
" كان ابن حنبل وابن المديني يصححان هذا الحديث "!
فلا أدري مقداره من الصحة والثبوت، ولا سيما وقد نقل الحافظ عن الخلال
عن أحمد تضعيفه- كما سبق-.
فإن صح ما في " الاستذكار "، فيكون لأحمد فيه قولان.
والصحيح منهما: ما سبق، لما نقلناه عن الحافظ العراقي. وقد نقل هو عن
بعضهم أن الحاكم صححه أيضاً، ولعل ذلك في غير كتابه " المستدرك "؛ فإني لم
أجد الحديث فيه! والله أعلم.
ومما سبق من التحقيق؛ تعلم أن قول صاحب " التاج " (١/١٧٦) - في الحديث-:
" رواه أبو داود وأحمد بسند صحيح "!
غير صحيح أيضاً؛ وإنما جاءه ذلك من تقليده بعض المصححين له، دون النظر
في إسناده، وليس ذلك من شأنه ولا من صناعته، كما يتبين ذلك جلياً لمن درس
كتابه هذا دراسة إمعان وتدقيق!
ومن هذا القبيل تقويته للحديث الآتي.
١٠٢- باب الصلاة إلى الراحلة
[تحته حديث واحد. انظره في " الصحيح "]
стр. 249
١٠٣- باب إذا صلى إلى سارية أو نحوها؛ أين يجعلها منه ؟
١٠٩- عن أبي عُبيْدة الوليد بن كامل عن المُهلّب بن حُجْر البهْرانِي
عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود عن أبيها قال: ما رأيت رسول الله ﷺ
يُصلِّي إلى عُود ولا عمودٍ ولا شجرةٍ؛ إلا جعله على حاجبه الأيمن أو
الأيسر؛ ولا يصْمُدُ له صمْداً.
(قلت: إسناده ضعيف له ثلاث علل: ضعف الوليد بن كامل. وجهالة
المهلب بن حجر، وضباعة بنت المقداد. والاضطراب في إسناده ومتنه. وضعفه
ابن عدي والبيهقي وابن القطان. وقال عبد الحق: " ليس إسناده بقوي ") .
إسناده: حدثنا محمود بن خالد الدمشقي. ثنا علي بن عياش: ثنا أبو عبيدة
الوليد بن كامل ...
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ فيه ثلاث علل:
الأولى: ضعف أبي عبيدة الوليد بن كامل؛ قال الذهبي:
" ضعفه أبو الفتح الأزدي، ومن قبله أبو حاتم. قال البخاري: عنده عجائب ".
وقال الحافظ:
" لين الحديث ".
والثانية: جهاله من فوقه؛ قال الذهبي والحافظ:
" المهلب مجهول ".
وضباعة بنت المقداد؛ قال ابن القطان والحافظ:
" لا تُعْرفُ ".
стр. 250
والثالثة: الاضطراب في إسناده ومتنه.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/١٧١- ١٧٢) من طريق المصنف.
وأخرجه أحمد (٤/٦) : ثنا علي بن عياش ... به.
وأخرجه البيهقي من طريق أخرى عنه، ومن طريق يحيى بن صالح: ثنا الوليد
ابن كامل ... به؛ إلا أنه قال: ضباعة بنت المقدام- بالميم-، ثم قال:
" ورواه محمد بن حِمْيرٍ، وبقية بن الوليد عن الوليد بن كامل، فقال:
المقداد. وقيل: عن بقية في رواية أخرى عنه: المقدام. والمقداد أصح، فالله تعالى
أعلم. والحديث تفرد به الوليد بن كامل البجلِيُ الشامي، قال البخاري: عنده
عجائب ".
قلت: وفيه اضطراب آخر عن بقية- غير الذي ذكره البيهقي-، فقال الإمام
أحمد (٦/٤) : ثنا يزيد بن عبد ربه: ثنا بقية: حدثني الوليد بن كامل عن
الحجْرِ- أو أبِي الحجر- بن المُهلبِ البهْراني قال: حدثتني ضُبيْعةُ بنت المقدام بن
معْدِي كرِب عن أبيها.
أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى إلي عمود ... الحديث نحوه.
فقد خالف بقية في قوله: الحُجْر- أو أبي الحجر- بن المهلب!
وإنما هو المهلب بن حجر، كما في رواية الكتاب.
وكذلك رواه غير يزيد بن عبد ربه عن بقية كما يأتي.
وفي قوله: ضبيعة بنت المقدام؛ قال الزيلعي في " نصب الراية " (٢/٨٣- ٨٤)
- بعد أن ذكر الحديث بطريق الصنف-:
стр. 251
" ورواه أحمد في " مسنده "، والطبراني في " معجمه "، وابن عدي في
" الكامل "؛ وأعله بالوليد بن كامل، ونقل عن البخاري أنه قال: عنده عجائب.
وأما ابن القطان؛ فإنه ذكر فيه علتين: علة في إسناده، وعلة في متنه: أما التي في
إسناده؛ فقال: إن فيه ثلاثة مجاهيل: فضباعة مجهولة الحال، ولا أعلم أحداً
ذكرها. وكذلك المُهلب بن حُجْرِ مجهول الحال. والوليد بن كامل من الشيوخ
الذين لم تثبت عدالتهم، وليس له من الرواية كثير شيء يستدل به على حاله.
وأما التي في متنه؛ فهي أن أبا علي بن السّكنِ رواه في " سننه " هكذا: حدثنا
سعيد بن عبد العزيز الحلبي: ثنا أبو تقي هشام بن عبد الملك: ثنا بقية عن الوليد
ابن كامل: ثنا المهلب ابن حجر البهراتي عن ضبيعة بنت المقدام بن معْدِي كرِب
عن أبيها قال: قال رسول الله ﷺ :
" إذا صلى أحدكم إلى عمود أو سارية أو شيء؛ فلا يجعله نُصْب عينيه،
وليجعله على حاجبه الأيسر ". انتهى.
قال ابن السكن: أخرج هذا الحديث: أبو داود من رواية علي بن عياش عن
الوليد بن كامل؛ فغير إسناده ومتنه؛ فإنه عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود عن
أبيها. وهذا الذي روى بقية: هو عن ضبيعة بنت القدام بن معْدِي كرِب عن
أبيها. وذاك فِعْل، وهذا قول. قال ابن القطان. فمع اختلافهما في المتن؛ بقية
يقول: ضبيعة بنت المقدام، وابن عياش يقول: ضباعة بنت المقداد؛ فالوهن من
حيث هو اختلاف على الوليد بن كامل، ومُورِث للشك فيما كان عنده من ذلك،
على ضعف الوليد في نفسه، والجهل بحال من فوقه. قال: وذلك كله دليل على
الاضطراب والجهل بحال الرواة انتهى ".
ورواية ابن السكن عزاها ابن القيم في " تهذيب السنن " (رقم ٦٦١) للنسائي
من طريق بقية.
стр. 252
ولم أجده في " سننه الصغرى "، ولا عزاه إليه في " الذخائر " فلعله في " سننه
الكبرى "! والله أعلم.
ونقل عن عبد الحق أنه قال:
" ليس إسناده بقوي ".
قلت: ومما سبق تعلم أن قول صاحب " التاج " (١/١٧٨) :
" رواه أبو داود وأحمد بسند صالح "!
خطأ واضح، لم يسبق إليه؛ وإنما أتي من تقليده للقاعدة المنقولة عن المصنف:
أن ما سكت عليه فهو صالح. وقد بينا في " المقدمة " أن هذه القاعدة ليست على
عمومها، فكم من حديث سكت عليه في هذا الكتاب، وضعفه خارجه! ومن
ذلك الحديث الآتي عقب هذا؛ فينبغي أن لا يُغْتر بها، وأن يحكم على الحديث بما
تقتضيه قواعد الحديث ومصطلحه.
١٠٤- باب الصلاة إلى المتحدثين والنيام
١٠٥- باب الدنو من السترة
١٠٦- باب ما يؤمر المصلي أن يدْرأ عن الممرِّ بين يديه
١٠٧- باب ما ينهى عنه من المرور بين يدي المصلي
[ليس تحت هذه الأبواب أحاديث على شرط كتابنا. (انظر " الصحيح ") ]
стр. 253
تفريع أبواب ما يقطع الصلاة وما لا يقطعها
١٠٨- من باب ما يقطع الصلاة
١١٠- عن يحيى عن عكرمة عن ابن عباس- قال: أحسبه- عن رسول
الله ﷺ قال:
" إذا صلى أحدُكم إلى غير سُتْرةٍ؛ فإنه يقطعُ صلاتهُ الكلبُ والحمارُ
والخنزيرُ واليهودي والمجوسيُ والمرأةُ، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على
قذْفة بِحجرٍ ".
(قلت: إسناده ضعيف. وقال الشوكاني: " لا تقوم بمثله حجة ". وعلته
عنعنة يحيى- وهو ابن أبي كثير-؛ فإنه مدلس. على أن الراوي قد شك في
رفعه إلى النبي ﷺ . وقوله: " والخنزير ... " إلخ باستثناء المرأة: منكر؛ فقد
صح الحديث من طريق أخرى عن ابن عباس بدون هذه الزيادة، وهو في
الكتاب الأخر (رقم ٧٠٠) . وقد ضعفه المصنف بقوله: " قال أبو داود: في
نفسي من هذا الحديث شيء، كنت أُذاكِرُ به إبراهيم وغيره؛ فلم أر أحداً جاء
به عن هشام، ولا يعرفه، ولم أر أحداً يحدث به عن هشام [وهو الدسْتوائِي
راويه عن يحيى، ويعني: أنه لم يحدث به عن هشام غير معاذ ابنه] ، وأحسب
الوهم من ابن أبي سمينة، والمنكر فيه: ذكر المجوسي، وفيه: على قذفة بحجر،
وذكر الخنزير، وفيه نكارة ") .
قال أبو داود: " ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن إسماعيل،
وأحسبه وهم؛ لأنه كان يحدثنا من حفظه ".
стр. 254
إسناده: حدثنا محمد بن إسماعيل البصري: ثنا معاذ: ثنا هشام عن يحيى.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ وعلته عنعنة يحيى- وهو ابن أبي كثير-؛
فإنه مدلس، وصفه بذلك ابن حبان وغيره.
هذه هي العلة الحقيقية لهذا الإسناد.
وأما المصنف؛ فقد أعله بعلتين أخريين- كما ترى في كلامه المذكور آنفاً-:
الأولى: تفرد معاذ بن هشام عن أبيه.
والأخرى: وهم ابن أبي سمينة فيه.
وهاتان علتان غير مؤثرتين في صحة الإسناد؛ لولا ما ذكرنا.
أما الأولى؛ فلأن معاذ بن هشام ثقة محتج به في " الصحيحين "؛ فتفرده به لا
يضر؛ لا سيما في روايته عن أبيه؛ فإنه أخص به من غيره.
وأما العلة الأخرى؛ فإن ابن أبي سمينة- وهو محمد بن إسماعيل البصري-
ثقة أيضاً، محتج به في " البخاري "، ولم يتكلم في حفظه أحد؛ إلا ما في كلام
المصنف هنا. ثم إنه لم يتفرد بهذا الحديث، بل تابعه محمد بن أبي بكر المقلّمي
وعلي بن بحر بن بري- كما يأتي-، وهما ثقتان حجتان؛ فزالت شبهة وهمِ ابن
أبي سمينة فيه.
ثم إن الحديث قد شك الراوي في رفعه؛ فإنه قال: عن ابن عباس قال:
أحسبه عن رسول الله ﷺ ... قال ابن القيم عن ابن القطان:
" فهذا رأي لا خبر، ولم يجزم ابن عباس برفعه في الأصل، وأثبته ابن أبي
سمينة أحد الثقات. وقد جاء هذا الخبر موقوفاً على ابن عباس بإسناد جيد بذكر
أربعة فقط؛ قال البزار: حدثنا محمد بن المثنى: حدثنا عبد الأعلى: حدثنا سعيد
стр. 255
عن قتادة قال: قلت لجابر بن زيد: ما يقطع الصلاة؟ قال: قال ابن عباس: الكلب
الأسود والمرأة والحائض. قلت: قد كان يذكر الرابع. قال: ما هو؟ قلت: الحمار.
قال: رويدك! الحمار؟ قلت: كان يذكر را بعاً، قال: ما هو؟ قال: العِلْج الكافر.
قال: إن استطعت أن لا يمر بين يديك كافر ولا مسلم؛ فافعل ".
قلت: وهذا قد أخرجه المصنف في الباب قبيل هذا الحديث: من طريق شعبة
عن قتادة فال: سمعت جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس- رفعه شعبة-
قال:
" يقطع الصلاة المرأةُ الحائضُ والكلب ".
وإسناده صحيح على شرط البخاري، ولذلك أوردناه في الكتاب الآخر (رقم
٧٠٠) ، ثم قال عقبه:
" وقفه سعيد وهشام وهمام عن قتادة عن جابر بن يزيد على ابن عباس ".
وكأنه يشير برواية سعيد إلى ما نقلناه عن البزار آنفاً.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/٢٧٥) من طريق المصنف.
وأخرجه أيضاً- من طريق علي بن بحر القطان-، والطحاوي (١/٢٦٥) - من
طريق القدمي- قالا: ثنا معاذ بن هشام ... به.
١١١- عن مولىً ليزيد بن نِمْران عن يزيد بن نِمْران قال:
رأيت رجلاً بتبوك مقْعداً فقال:
مررْتُ بين يديِ النبي ﷺ وأنا على حمار- وهويصلي- فقال:
" اللهم! اقطع أثره ". فما مشيت عليها بعْدُ.
стр. 256
(قلت: إسناده ضعيف؛ قال المنذري: " مولى يزيد مجهول ". والمتن
منكر) .
إسناده: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري: ثنا وكيع عن سعيد بن عبد العزيز
عن مولى ليزيد بن نمران.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ بسبب جهالة مولى يزيد بن نمران، كما نقلناه عن
المنذري في " مختصره " آنفاً.
ثم إن متنه ظاهر النكارة؛ لأنه مخالف كل المخالفة لما عرف من هديه ﷺ في
حسن إرشاده لأمته، ولطفه في تعليمهم، كما ترى ذلك في حديث الأعرابي
الذي بال في المسجد النبوي، وفي حديث معاوية بن الحكم السُلمِي، الذي تكلم
في الصلاة، فلم ينهره ﵊، ولا دعا عليه! بل قال معاوية نفسه:
فوالله! ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني، وإنما قال: " إن هذه الصلاة
لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ... " الحديث؛ وسيأتي في الكتاب الآخر
(رقم ٨٦٢) .
فأين هذا مما في هذا الحديث من دعائه ﵊ على هذا الرجل؛
لمجرد مروره بينه وبين السترة؟!
ولذلك مال الذهبي إلى أن الحديث موضوع، كما يأتي في الرواية الثالثة، فما
والحديث أخرجه البيهقي (٢/٢٧٥) من طريق الصنف.
وأخرجه أحمد (٥/٣٧٦- ٣٧٧) : ثنا أبو عاصم عن سعيد بن عبد العزيز
التّنُوخِي ... به؛ بلفظ:
" قطع علينا صلاتنا؛ قطع الله أثره! " فأُقعِد.
стр. 257
ورواه المصنف نحوه في رواية؛ وهما:
١١٢- وفي رواية ... بإسناده ومعناه؛ زاد: فقال:
" قطع صلاتنا قطع الله أثره ".
إسناده: حدثنا كثِيرُ بن عُبيْدٍ - يعني: المذْحِجِي-: ثنا أبو حيوة عن
سعيد ... بإسناده ومعناه؛ زاد ...
قال أبو داود: " ورواه أبو مُسْهِرٍ عن سعيد؛ قال فيه: " قطع صلاتنا " ... ".
قلت: إسناده ضعيف، كما سبق بيانه في الرواية التقدمة.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/٢٧٥) من طريق المصنف أيضاً.
وله عنده طريق أخرى، وهما:
١١٣- عن سعيد بن غزوان عن أبيه: أنه نزل بتوك- وهو حاج-؛ فإذا
هو بِرجُل مًقْعدٍ، فسأله عن أمره؟ فقال: سأحدِّثك حديثاً؛ فلا تحدث به
ما سمعت أني حي:
إن رسول الله ﷺ نزل بتبوك إلى نخلةً، فقال:
" هذه قِبْلتنا "؛ ثم صلى إليها، فأقبلت- وأنا غلام- أسعى، حتى
مررت بينه وبينها، فقال:
" قطع صلاتنا؛ قطع الله أثره! ".
فما قمت عليها إلى يومي هذا.
(قلت: إسناده ضعيف؛ من أجل سعيد بن غزوان وأبيه؛ قال الذهبي: " لا
стр. 258
يُدْرى من هما، ولا من المقعد؟! قال عبد الحق وابن القطان: إسناده إسناد
ضعيف. قلت: أظنه موضوعاً ". وقال الحافظ ابن حجر: " والحديث في غاية
الضعف، ونكارة المتن ") .
إسناده: حدثنا أحمد بن سعيد الهمْدانيّ. (ح) ونا سليمان بن داود قالا: ثنا
ابن وهب: أخبرني معاوية عن سعيد بن غزوان.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ من أجل سعيد بن غزوان وأبيه؛ قال الذهبي في
ترجمته من " الميزان ":
" شامي مُقِل، ما رأيت لهم فيه ولا في أبيه كلاماً، ولا يدرى من هما؟! ولا
من المقعد؟! قال عبد الحق وابن القطان: إسناده إسناد ضعيف. قلت: أظنه
موضوعاً ".
قلت: وهذا غير بعيد؛ لما ذكرنا في الرواية الأولى من الحديث. وقال الذهبي
أيضاً في ترجمه غزوان- وتبعه الحافظ في " التقريب " -: إنه
" مجهول. وقال في " التهذيب " - بعد أن نقل عن ابن القطان قوله فيه:
" لا يعرف " -:
" والحديث في غاية الضعف، ونكارة المتن ". وقال ابن القيم في " تهذيب
السنن ":
" حديث ابن غزوان هذا؛ قال عبد الحق: إسناده ضعيف. قال ابن القطان:
سعيد مجهول: فأما أبوه غزوان فإنه لا يعرف مذكوراً. وأما ابنه فقد ذكر وترجم في
مظان ذكره بما يذكر به المجهولون، وظن عبد الحق أن غزوان هذا صحابي، وليس
كذلك فإنه نقص في إسناده ".
والحديث أخرجه البيهقي (٢/٢٧٥) من طريق الصنف.
стр. 259
١٠٩- باب سترة الامام سترةُ منْ خلفه
١١٠- باب من قال: المرأة لا تقطع الصلاة
١١١- باب من قال: الحمار لا يقطع الصلاة
[ليس تحت هذه الأبواب أحاديث على شرط كتابنا هذا. (انظر " الصحيح ") ]
١١٢- باب من قال: الكلب لا يقطع الصلاة
١١٤- عن عباس بن عُبيْدِ الله بن عباس عن الفضل بن عباس قال:
أتانا رسول الله ﷺ ونحن في بادية لنا، ومعه عباس، فصلّى في
صحراء؛ ليس بين يديه سترة؛ وحمارة وكلبة تعبثان بين يديه؛ فما بالى
ذلك.
(قلت: إسناده ضعيف؛ وله علتان: الأولى: جهالة عباس بن عبيد الله بن
عباس، قال ابن القطان: " لا يُعْرفُ حاله ". والأخرى: الانقطاع بينه وبين
عمه الفضل بن عباس، قال ابن حزم: " وهذا باطل؛ لأن العباس بن عبيد الله
لم يدرك الفضل ". قال الحافظ ابن حجر: " وهو كما قال ". قلت: وقد ورد
الحديث عن عبد الله بن عباس بنحو هذا، لكن ليس فيه ذكر الكلبة، ولا أن
الحمارة كانت بين يديه ﷺ ؛ بل فيه: فمررْتُ بين يدي بعض الصف ... وهذا
هو الصواب، وهو في الكتاب الآخر (رقم ٧٠٩)) .
إسناده: حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث: حدثني أبي عن جدي عن
يحيى بن أيوب عن محمد بن عمر بن علي عن عباس بن عبيد الله بن عباس.
стр. 260
قلت: وهذا إسناد ضعيف، وله علتان: جهالة عباس بن عبيد الله بن
عباس. والانقطاع بينه وبين عمه الفضل بن عباس.
أما الأولى؛ فقال ابن القطان:
" لا يعرف حاله ". وقال الحافظ في " التقريب ":
" مقبول "؛ يعني: عند المتابعة؛ وإلا فلين الحديث.
وقد تفرد بهذا الحديث على هذا اللفظ؛ فهو ضعيف.
وأما ابن حبان؛ فأورده في " الثقات " على قاعدته
ثم استدركت؛ فقلت: قد روى عنه أربعة من الثقات، فهو ثقة. فالعلة ما
بعد:
وأما العلة الأحْرى؛ فقال ابن حزم في " المحلى " (٤/١٣) - بعد أن ذكر
الحديث-:
" وهذا باطل؛ لأن العباس بن عبيد الله لم يدرك عمه الفضل ". قال الحافظ
في " التهذيب ":
" وهو كما قال ".
وبيّنه المحقق أحمد محمد شاكر في تعليقه على " المسند " (٣/٢٢٨) ؛ فقال:
" وهذا عندي متجه؛ لأن الفضل مات سنة ١٢ أو ١٨، وكانت سن أخيه
عبيد الله حين وفاته: ١٣ سنة أو ١٩ سنة على الأكثر؛ فأنى يكون له ولد مميز
يدرك عمه الفضل ويسمع منه؟! ".
ومن هذا تعلم أن قول النووي (٣/٢٥١) :
стр. 261
" رواه أبو داود بإسناد حسن "!
غير حسن.
وقال المنذري في " مختصره ":
" وذكر بعضهم أن في إسناده مقالا، وقال: إنه لم يذكر فيه نعت الكلب،
وقد يجوز أن يكون الكلب ليس أسود ".
قلت: وقد وردت هذه القصة من حديث عبد الله بن عباس، مع شيء من
المغايرة؛ ولفظه- كما في الكتاب الآخر-:
أقبلت راكباً على أتان؛ وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام؛ ورسول الله ﷺ
يصلي بالناس بمنىً، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان
ترتع، ودخلت في الصف؛ فلم ينكر ذلك أحد.
وفي رواية- عند غير المصنف-:
جئت أنا والفضل ونحن على أتان ... الحديث.
فلعل العباس بن عبيد الله- أو من حدثه بالقصة- أراد هذه القصة التي رواها
عبد الله بن عباس وشهدها أخوه الفضل؛ فأخطأ في سياقها؛ وزاد فيها ونقص!
والله أعلم.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/٢٧٨) من طريق المصنف.
وأخرجه الطحاوي (١/٢٦٦) من طريق عبد الله بن صالح قال: حدثني
الليث ... به.
ثم أخرجه من طرق أخرى عن يحيى بن أيوب.
стр. 262
وقد تابعه ابن جريج: أخبرني محمد بن عمر بن علي ... به.
أخرجه النسائي (١/١٢٣) ، والطحاوي والبيهقي وأحمد (رقم ١٧٩٧) .
وسقط من إسناده- في رواية عنده (١٨١٧) -: عباس بن عبد الله! فصار
بذلك أشد انقطاعاً.
رواه من طريق عبد الرزاق، وهذا في " مصنفه " (٢٨/٢/٢٣٥٨) .
١١٣- باب منْ قال: لا يقطع الصلاة شيءٌ
١١٥- عن مُجالِدٍ عن أبي الوداكِ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ
" لا يقطعُ الصلاة شيء، وادرءُوا ما استطعتم؛ فإنما هو شيطان ".
(قلت: إسناده ضعيف- وكذا قال النووي-؛ وعلّته مجالد هذا- وهو ابن
أبي سعيد الهمْداني-، وهو سيئ الحفظ، وكان قد تغير في آخر عمره. وقد
اضطرب في هذا الحديث: فمرة يرفع الجملة الأولى منه- كما في هذه الرواية-،
ومرة يوقفها- كما في الرواية الاتية-، وهي أشبه بالصواب. وأما قوله:
" وادرءُوا ... " إلخ؛ فهو حديث صحيح، له في الكتاب الأخر طريق أخرى
(رقم ٦٩٤ و ٦٩٥)) .
إسناده: حدثنا محمد بن العلاء: أنا أبو أسامة عن مجالد.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، كما قال النووي في " المجموع " (٣/٢٤٦) ؛ وعلته
من مجالد- وهو ابن سعيد الهمْداني الكوفي-، وقد ضعفه جمهور علماء
الحديث؛ لسوء حفظه، وكان قد تغير في آخر عمره، وقد روى عنه أبو أسامة هذا
стр. 263
- واسمه: حماد بن أسامة- بعد أن تغير، كما ذكر ابن مهدي، وروى له مسلم
مقروناً. وقال الذهبي:
" فيه لين ". وقال الحافظ:
" ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره ".
وبقية رجال الإسناد ثقات رجال مسلم. وقول ابن حزم في " المحلى "
(٤/١٣) :
" أبو الوئاك ضعيف، ومجالد مثله "!
ليس بصواب؛ فإن أبا الوداك- واسمه: جبر بن نوف- ثقة احتج به مسلم،
ووثقه جماعة- منهم النسائي في رواية-، ولم نقف على من ضعفه؛ إلا النسائي
في الرواية الأخرى عنه.
والأولى هي الصواب؛ لموافقتها للأئمة الآخرين، ولأن الجرح المبهم لا
يقبل.
فعلة هذا الحديث إنما هو مجالد هذا.
وبه أعله المنذري في " مختصره ".
والحديث أخرجه البيهقي (٢/١٧٨) من طريق أخرى عن أبي أسامة ... به.
وأخرجه الدارقطني (ص ١٤١) ؛ دون قوله: " وادرءوا ما استطعتم ".
وهذه الجملة من الحديث صحيحة ثابتة من طريق أخرى عن أبي سعيد
الخدري، في حديث له مضى في الكتاب الآخر برقم (٦٩٤ و ٦٩٥) .
والجملة الأولى منه قد رواها غير أبي أسامة عن مجالد ... موقوفاً على أبي
стр. 264
سعيد؛ وهو الأشبه بالصواب. وهو:
١١٦- عن مجالد: ثنا أبو الوداك قال:
مرّ شاب من قريش بين يدي أبي سعيد الخدري وهو يصلي، فدفعه،
ثم عاد؛ فدفعه- ثلاث مرات-، فلما انصرف قال:
إن الصلاة لا يقطعها شيء، ولكن قال رسول الله ﷺ :
" ادرءُوا ما استطعتم؛ فإنه شيطان ".
(قلت: إسناده ضعيف؛ لما علمت من حال مجالد) .
قال أبو داود: " إذا تنازع الخبران عن النبي ﷺ ؛ نظِر إلى ما عمِل به
أصحابه من بعده " (١) .
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا عبد الواحد بن زياد: ثنا مجالد.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لما عرفت من حال مجالد في الرواية الأولى.
وقوله: " إن الصلاة لا يقطعها شيء " موقوف في رواية ابن زياد هذه.
وخالفه أبو أسامة- كما تقدم- فرواه مرفوعة.
ولعل الموقوف أصح؛ فقد روى سعيد بن منصور- بإسناد صحيح- عن علي
وعثمان وغيرهما نحو ذلك موقوفاً- كما في " الفتح " (١/٤٦٦) -، قال:
" وأخرجها الدارقطني مرفوعة عن ابن عمر- وإسنادها ضعيف. ووردت أيضاً
стр. 265
مرفوعة من حديث أبي سعيد- عند أبي داود-، ومن حديث أنس وأبي أمامة
- عند الدارقطني-، ومن حديث جابر- عند الطبراني في " الأوسط "-؛ وفي إسناد
كل منها ضعف ".
قلت: وقد ضعف الزيلعي (٢/٧٦- ٧٧) جميع هذه الروايات المرفوعة- حاشا
رواية أنس-. وقال الحافظ في " الدراية " (ص ١٠٤) :
" إسناده حسن "!
وفيما قاله نظر؛ فإن الدارقطني أخرجه (ص ١٤٠- ١٤١) ، وكذا البيهقي
(٢/١٧٧- ١٧٨) من طريق إبراهيم بن منقذ الخولاني: نا إدريس بن يحيى أبو
عمرو- المعروف بالخولاني- عن بكر بن مُضر عن صخر بن عبد الله بن حرملة أنه
سمع عمر بن عبد العزيز يقول: عن أنس بن مالك:
أن رسول الله ﷺ صلّى بالناس، فمر بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي
ربيعة: سبحان الله، سبحان الله! فلما سلم رسول الله ﷺ قال:
" منِ المسبِّح آنفاً: سبحان الله وبحمده؟ ". قال: فقال: أنا يا رسول الله ﷺ !
إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة؟ قال:
" لا يقطعُ الصلاة شيء ".
وهذا إسناد ضعيف عندي؛ فإن إبراهيم بن مُنْقِذ الخوْلاني وشيخه إدريس بن
يحيى لم أجد من ترجمهما!
ومن العجيب ميْلُ الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على " الترمذي "
(٢/١٦٤- ١٦٦) ، وعلى " المحلى " (٤/١٣- ١٥) إلى تصحيح الحديث، مع اعترافه
بجهالة بعض رواته! حيث قال:
стр. 266
" ولم أجد ترجمة لإدريس هذا، وما أظن أحداً ضعفه. ولذلك لما أراد ابن
الجوزي في " التحقيق " أن ينصر مذهبه ضعف الحديث بصخر بن عبد الله، فأخطأً
جداً؛ لأنه زعمه: صخر بن عبد الله الحاجبي المِنْقرِي، وهو كوفي متأخر، روى عن
مالك والليث، وبقي إلى حدود سنة (٢٣٠) . وأما الذىِ في الإسناد؛ فهو صخر
ابن عبد الله بن حرملة المُدْلِجِي، وهو حجازي قديم، كان في حدود سنة (١٣٠) ،
وهو ثقة "!!
قلت: وفيما ظن نظرٌ:
أولا: أنه مجرد ظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً؛ فإن عدم العلم بالشيء
لا يستلزم نفي المعلوم، كما لا يخفى.
وثانياً: لو ثبت أنه لم يضعفه أحد؛ فلا يلزم منه ثبوت العدالة له؛ فإن لذلك
شروطاً مقررة في مصطلح الحديث معروفة، ولو أن أحدأ طرد هذا الذي ذهب إليه
الشيخ؛ لثبت عدالة كثيرين من الرواة المجهولين عندنا، بحجة أننا لا نعلم أن أحدا
ضعفهم! ولا يخفى بطلان هذا.
وثالثاً: أن انصراف ابن الجوزي عن هذه العلة إلى علة أخرى غير صحيحة: لا
يدلً على أن ليس هناك علة أخرى صحيحة؛ لجواز أنه ذهل عنها. وكثيراً ما رأينا
في إسناد غير ما حديث أكثر من علة واحدة، فيشتغل بعض الناقدين ببيان
إحداها، ويذهل بذلك عن الأخرى، وقد تكون هذه هما القادحة في صحة
الحديث، فلا ينتبه لها إلا من شاء الله! ولعله قد مضى في كتابنا هذا- من هذا
القبِيل- غير ما حديث، ومن ذلك الحديث التقدم برقم (٤) ، فقد أعله الصنف بتفرد
همام، وليس كذلك! وإنما علته الحقيقية تدليس ابن جريج، كما بيناه هناك.
ثم إن الشيخ أحمد حفظه الله قوى الحديث بما نقله عن الباغندي في " مسند
عمر بن عبد العزيز " (ص ٣) : حدثنا هشام بن خالد الأزرق: نا الوليد بن مسلم
стр. 267
عن بكر بن مضر المصري عن صخر بن عبد الله المدْلجِي قال: سمعت عمر بن
عبد العزيز يحدث عن عياش بن أبي ربيعة الخزومي قال:
بينما رسول الله ﷺ يصلي يوماً بأصحابه ... الحديث نحوه. قال الشيخ أحمد:
" هذا إسناد صحيح؛ إلا أن عمر بن عبد العزيز لم يسمع من عياش، فقد
مات سنة (١٥) ، ولكنه محمول على الروايه الأولى عن أنس "!
قلت: لكن هذه الرواية معلولة كما بينا؛ فلا يصح أن تتخذ موئلا في أن
الحديث موصول الأصل!
على أن في هذه الرواية الأخرى ما يعلها أيضاً، وذلك أن الوليد بن مسلم
مدلس- وقد عنعنه- فكيف يكون الحديث صحيحاً؟!
وبالجملة؛ فكل هذه الأحاديث ضعيفة الأسانيد، لا يحتج يشيء منها، لا
سيما وقد عارضها الحديث الصحيح:
" يقطع صلاة الرجلِ- إذا لم يكن بين يديه قِيد آخرة الرحل-: الحمارُ،
والكلب الأسود، والمرأة ".
أخرجه مسلم وغيره عن أبي ذر، وهو في الكتاب الآخر برقم (٦٩٩) .
ولو أن هذه الأحاديث صحتْ؛ لكان الجمع بينها وبين حديث أبي ذر هذا
ممكناً بأن يقال: إن تلك مطلقة، وهذا مقيد، فيحمل المطلق على المقيد- كما في
علم الأصول تقيّد-، فينتج من ذلك أنه:
لا يقطع الصلاة شيء إذا كان بين يديه ما يستره، وإلا؛ قطعت بالثلاثة
المذكورة. وهذا في الواقع مفهوم حديث أبي ذر- كما لا يخفى-، بل قد جاء ذلك
منطوقاً في رواية عنه بلفظ:
стр. 268
" لا يقطعُ الصلاة شيء إذا كان بين يديه كآخرة الرحل "، وقال: " يقطع
الصلاة المرأةُ ... " الحديث.
أخرجه أبو عوانة في " صحيحه " (٢/٥٠- ٥١) ، والطحاوي هكذا بسند صحيح.
وبهذا تتفق الأحاديث كلها، فلا مسوغ حينئذِ للقول بنسخ حديث أبي ذر وما
في معناه من الأحاديث، كما فعل الشيخ أحمد شاكر، وكانت عمدته في ذلك
حديث عياش هذا! وقد علمت أنه لا يصح. ولو صح لم يكن صريحاً في النسخ؛
لأن عياشاً ﵁ حين استنكاره لمرور الحمار- كان مؤتماً، وفي هذه الصورة
لا يضر المرور بين أيديهم اتفاقاً؛ لأن الإمام سترة لمن خلفه. وكأنه كان عنده أن
المرور مطلقاً يقطع الصلاة، فبين له ﵊ أن الصلاة لا يقطعها
شيء؛ أي: الصلاة وراء الإمام؛ لأنه سترتهم، فهو مثل حديث أبي ذر تماماً.
وإنما كان يصح أن يكون ناسخاً لو أن في الحديث التصريح بأن الحمار مر بين
يديه ﷺ ، وأنه لم يكن أمامه سترة، ودون إثبات هذين الأمرين خرْطُ القتادِ! لا
سيما وأنّ من هديه ﷺ الصلاة وراء سترة، فهذا يقتضي أن صلاته في هذا
الحديث كانت وراء سترة؛ إلا إن ثبت خلافه.
أبواب تفربع استفتاح الصلاة
١١٤- من باب رفع اليدين في الصلاة
١١٧- عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه:
أنه أبْصر النبيّ ﷺ حين قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى كانتا بِحِيالِ
منْكِبيْهِ، وحاذى بإبهاميه اذنيْهِ، ثم كبّر.
стр. 269
(قلت: إسناده ضعيف؛ لانقطاعه. قال المنذري وكيره: " عبد الجبار بن
وائل لم يسمع من أبيه ". وقوله: ثم كبر.. منكر؛ لأن الثابت عن وائل رفع
اليدين مع التكبير لا قبله. انظر الحديث (٧١٥) من الكتاب الأخر) .
إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة: نا عبد الرحيم بن سليمان عن الحسن
ابن عبيد الله النخعِي عن عبد الجبار بن وائل.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لانقطاعه، وإن كان رجالُهُ ثقاتاً. قال المنذري في
" مختصره " (رقم ٦٩٣) - وتبعه النووي في " المجموع " (٣/٣٠٦) -:
" عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه ".
قلت: وقد ذكرت الحجة في الكتاب الآخر (رقم ٧١٥) .
ثم إن قوله في الحديث: ثم كبر.. منكر عندي؛ لأن الثابت عن وائل- من
طريق عبد الجبار عن أبيه، ومن طريق غيره عنه- رفع اليدين مع للتكبير لا قبله،
فانظر الحديث المشار إليه آنفاً، مع الأحاديث الأخرى التي أوردناها تحته.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/٢٤- ٢٥) من طريق المؤلف.
١١٥- من باب افتتاح الصلاة
١١٨- عن عيسى بن عبد الله بن مالك عن محمد بن عمرو بن عطاء
- أحدِ بني مالك- عن عباس- أو عيّاش- بن سهل الساعدي:
أنه كان في مجلس فيه أبوه- وكان من أصحاب النبي ﷺ ، وفي
المجلس أبو هريرة وأبو حُميْد الساعدي وأبو أُسيْد ... بهذا الخبر، يزيد أو
ينقص؛ قال فيه:
стр. 270
ثم رفع رأسه من الركوع فقال: " سمع الله لمن حمده، اللهم ربّنا! لك
الحمد "؛ ورفع يديه ثم قال: " الله أكبر "، فسجد فانتصب على كفّيْهِ
وركبتيه وصُدُورِ قدميه وهو ساجد، ثم كبر فجلس، فتورّك ونصب قدمه
الأخرى، ثم كبر فسجد، ثم كبّر فقام ولم يتوركْ ... ثم ساق الحديث؛
ثم جلس بعد الركعتين، حتى إذا هو أراد أن ينهض للقيام؛ قام
بتكبيرة، ثم ركع الركعتين الأخرييْنِ ... ولم يذكر التورك في التشهد.
(قلت: حديث ضعيف بهذا السياق؛ وعلته عيسى بن عبد الله هذا؛ قال
ابن المديني: " مجهول ". وقد أخطأ في موضعين منه: الإسناد والمتن. أما
الأول فقال: عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عباس- أو عياش- بن سهل
الساعدي! والصواب: عن محمد بن عمرو عن أبي حميد، ليس بينهما
عباس- أو عياش- هذا. وأما الأخر؛ فهو ذكره التورك بين السجدتين، ولم
يذكره في التشهد الأخير، والصواب خلافه؛ أي: أن التورك في التشهد لا
بين السجدتين، كما تراه في الكتاب الأخر (رقم ٧٢٠- ٧٢٢) . وقد روى
الحديث عنه على وجه أخر وهو الآتي) .
إسناده: حدثنا علي بن حسين بن إبراهيم: نا أبو بدر: حدثني زهير أبو
خيثمة: ثنا الحسن بن الحُر: حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك ...
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات؛ غير عيسى بن عبد الله بن مالك؛
قال ابن المديني:
" مجهول ".
стр. 271
وأما ابن حبان؛ فأورده في " الثقات "! وقال الحافظ:
" مقبول ". يعني: عند المتابعة، وإلا؛ فلين الحديث.
وقد غمزه ابن القيم في " التهذيب " كما يأتي.
ومما يدل على ضعفه: أنه أخطأً في هذا الحديث في موضعين منه: في سنده
ومتنه.
أما الأول: فقد قال: عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عباس- أو عياش-
ابن سهل الساعدي!
وللصواب: عن محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد، ليس بينهما عباس
هذا.
كذلك رواه عبد الحميد بن جعفر ومحمد بن عمرو بن حلْحلة عن محمد بن
عمرو بن عطاء، وصرح الأول منهما بسماع ابن عطاء من أبي حميد، وذكر الأخر
معنى ذلك؛ حيث قال: عن ابن عطاء: أنه كان في المجلس.. كما تراه في
الكتاب الأخر (٧٢٠- ٧٢٢) .
نعم؛ لرواية عباس بن سهل هذه أصل صحيح، لكن من غير رواية محمد بن
عمرو بن عطاء كما هو مذكورفي الكتاب الآخر أيضاً (٧٢٣) .
وقد رواه عنه عيسى بن عبد الله هذا أيضاً مباشرة، كما يأتي عقب هذه
الرواية؛ بينما يرويه فيها عنه بواسطة محمد بن عمرو بن عطاء! وهو وهم منه،
كما صرح بذلك البيهقي- فيما نقله ابن القيم في " التهذيب " عنه (١/٣٦٣) - ثم
" وهذا- والله أعلم- من تخليط عيسى، أو من دونه؛ فإن حديث عباس هذا
стр. 272
لا ذكر فيه لمحمد بن عمرو، ولا رواه محمد بن عمرو عنه ".
فقد اضطرب في روايته لهذا الحديث عن عباس؛ فدل على ضعفه، وأنه ليس
أهلأ لأن يحتج به.
وقد تابعه على خطئه الأول: عطاف بن خالد، لكنه لم يصرح باسم سهل بن
عباس؛ بل أبهمه فقال: حدثني محمد بن عمرو بن عطاء قال: حدثني رجل: أنه
وجد عشرة من أصحاب النبي ﷺ جلوساً ... الحديث نحوه.
أخرجه الطحاوي (١/١٥٣) ؛ وبه أعل حديث عبد الحميد بن جعفر المشار إليه!
وهذا ليس بصواب فإن عطافاً هذا مختلف فيه، وإن كان يترجح عندي أنه ثقة؛
لكن في حفظه ضعف، فهو من الذين لا يسقط حديثهم عن الاحتجاج به، ولا
يحتج به عند المخالفة. وهو هنا قد خالف عبد الحميد ومحمد بن عمرو بن حلحلة؛
فالحجة في روايتهما. قال ابن القيم:
" فأما عطاف؛ فلم يرْض أصحاب " الصحيح " إخراج حديثه، ولا هو ممن
يعارض به الثقات الأثبات ".
وأما الحافظ ابن حجر؛ فكأنه مال إلى اعتبار رواية عطاف هذه، فقال- بعد أن
ساقها في " التلخيص " (٣/٢٧٥) -:
" والتحقيق عندي: أن محمد بن عمرو الذي رواه عطاف بن خالد عنه: هو
محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، وهو لم يلْق أبا قتادة، ولا
قارب ذلك، إنما يروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وغيره من كبار التابعين. وأما
محمد بن عمرو- الذي رواه عبد الحميد بن جعفر عنه-: فهو محمد بن عمرو بن
عطاء، تابعي كبير، جزم البخاري بأنه سمع من أبي حميد وغيره، وأخرج الحديث
من طريقه "!
стр. 273
وهذا الجمع قوي، لو كان يوجد لدينا ما يؤيده! فالله أعلم.
وأما خطأ عيسى بن عبد الله في متن الحديث؛ فهو قوله: ئم كبّر فجلس
فتورك!
فذكر التورك بين السجدتين، ولم يذكره في التشهد الأخير! وذلك خطأً منه،
والصواب خلافه؛ إذ إنا التورك في حديث أبي حميد الصحيح؛ إنما هو في التشهد
الأخير، كما رواه عبد الحميد بن جعفر ومحمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن
عمرو بن عطاء. قال الحافظ في " الفتح " (٢/٢٤٥) - بعد أن ذكر قول عيسى بن
عبد الله هذا-:
" وهذا يخالف رواية عبد الحميد في صفة الجلوس. ويقوي رواية عبد الحميد
روايةُ فُليْح عند ابن حبان بلفظ: كان إذا جلس بين السجدتين؛ افترش رجله
اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته. وفي رواية ابن إسحاق خلاف الروايتين،
ولفظه: فاعتدل على عقبيه وصدور قدميه. فإن لم يحْملْ على التعدد؛ وإلا فرواية
عبد الحميد أرجح ".
قلت: لا أشك أن روايته هي الأرجح، بل هي الصواب، والحمل على
التعدد بعيد، لما بينا من حال المخالفين في الضعف؛ ومنهم ابن إسحاق عند
المخالفة، لا سيما وأن روايته عند البخاري في " جزئه " معنعنة (ص ٦) وإن كانت
مختصرة.
وأيضاً؛ فقد خالف عيسى بن عبد الله في موضع ثالث- وتبعه عليه ابن
إسحاق أيضاً- وذلك أن تمام الحديث عند غير المصنف من طريق عيسى: أنهم
تذاكروا الصلاة، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ قالوا: كيف؟
قال: اتبعت ذلك من رسول الله ﷺ ، قالوا: فأرنا، قال: فقام يصلي وهم ينظرون
стр. 274
إليه؛ فبدأ فكبر، فرفع يديه نحو المنكبين، ثم كبر للركوع، فرفع يديه أيضاً حتى
أمكن يديه من ركبتيه- غير مُقْنعٍ رأسه ولا مصوِّبِهِ-، ثم رفع رأسه فقال:
" سمع الله لمن حمده ... " إلخ.
ففي حديثه أن أبا حميد وصف الصلاة بالفعل، وفي حديث الثقتين وغيرهما
أنه وصفها بالقول، وهذا هو الصواب، وهو الذي رواه البخاري وغيره، وقد أوردته
تحت الحديث (٧٢٢) من الكتاب الآخر. وانظر الحديث الذي قبله.
وذهب الحافظ إلى الجمع بين الروايتين، فقال:
" ويمكن الجمع بينهما بأن يكون وصفها مرة بالقول، ومرة بالفعل "!
قلت: قد علمت مما تقدم أن عيسى بن عبد الله ليس مشهوراً ولا معروفاً
بالعدالة، فمثله لا يشتغل بالجمع بين حديثه وحديث الثقات المخالفين له في غير
ما موضع.
على أنه قد وافقهم هو نفسه في هذا الموضع في رواية عنه، كما سنذكره
قريباً؛ إلا أن الحافظ أيد ما ذهب إليه بقوله:
" ويقوي ذلك أن ابن خزيمة أخرج من طريق ابن إسحاق أن عباس بن سهل
حدثه ... فساق الحديث بصفة الفعل أيضاً. والله أعلم "!
قلت: وابن إسحاق ممن لا يحتج به عند المخالفة. والله أعلم.
والحديث أخرجه الطحاوي (١/١٥٣) ، وابن حبان (٤٩٦) ، والبيهقي
(٢/١٠١ و ١١٨) ، والسراج في " مسنده " (٢٥/١) من طرق أخرى عن أبي بدر
شجاع بن الوليد ... به بتمامه.
стр. 275
١١٩- عن عُتْبة (وهو ابن أبي حكِيم) : حدثني عبد الله بن عيسى عن
العباس بن سهل الساعدي عن أبي حميد ... بهذا الحديث؛ قال:
وإذا سجد؛ فرّج بين فخِذيْهِ، غيْر حاملٍ بطنه على شيء من فخذيه.
إسناده: حدثنا عمرو بن عثمان: نا بقية: حدثني عتبة ...
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ من أجل عبد الله بن عيسى- وهو: عيسى بن
عبد الله، انقلب اسمه على بعض الرواة-، وهو مجهول.
وقد اضطرب في إسناده ومتنه- كما تقدم بيانه-، فأغنى عن الإعادة.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/١١٨) من طريق المصنف، ثم قال:
" وكذلك رواه إسماعيل بن عياش عن عتبة؛ إلا أنه قال في إسناده: عيسى
ابن عبد الله؛ وهو الصحيح ".
قلت: وهو كما قال؛ لأنها الموافقة لرواية الحسن بن الحُرِّ المتقدمة أول الباب
(رقم ١١٨) ، ولرواية فليح الآتية عقب هذه في الكتاب (١٢٠) ، غير أنه قد
اختلف فيه على ابن عياش:
فقد أخرجه الطحاوي (١/١٥٣) من طريق هشام بن عمار قال: ثنا إسماعيل
ابن عياش قال: ثنا عتبة بن أبي حكيم عن عيسى بن عبد الرحمن العدوِيِّ عن
العباس بن سهل ... به.
فسمى والد عيسى: عبد الرحمن!
وهذا خلاف جميع الروايات. والله أعلم.
стр. 276
١٢٠- قال أبو داود: " ورواه ابن المبارك: أنا فُليْحٌ: سمعت عباس بن
سهل يحدث، فلم أحفظه، فحدثنيه- أراه ذكر- عيسى بن عبد الله: أنه
سمعه من عباس بن سهل قال:
حضرت أبا حميد الساعدي ... بهذا الحديث.
(قلت: حديث ضعيف؛ وعلته عيسى بن عبد الله- أوعبد الله بن عيسى-،
وهو مجهول كما سبق بيانه في الرواية الأولى. وهذه الرواية الثالثة معلقة، ولم
أجد الان من وصلها! وأما حديث فليح؛ فهو موصول صحيح، وهو في
الكتاب الأخر (٧٢٣)) .
إسناده: هو معلق كما ترى؛ ولم أجد الآن من وصله! وقد عرفت علته مما
تقدم.
١٢١- عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه عن النبي ﷺ ... في هذا
الحديث؛ قال:
فلما سجد؛ وقعتا ركبتاه إلى الأرض، قبل أن تقع كفّاه، فلما سجد؛
وضع جبهته بين كفّيْهِ، وجافى عن إبطيه.
(قلت: إسناده ضعيف؛ عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه كما تقدم.
وقد ضعفه النووي فقال: " حديث ضعيف ". وإنما يصح منه وضع الجبهة بين
الكفين، وهو في الكتاب الآخر (٧١٤ و ٧١٦) . وأما الشطر الأول منه- وهو
وضع الركبتين قبل الكفين-؛ فصح عنه ﷺ خلافه من قوله وفعله، والأول في
الكتاب الآخر (٧٨٩)) .
стр. 277
إسناده: حدثنا محمد بن معمر: نا حجاح بن منهال: ثنا همام: نا محمد بن
جُحادة عن عبد الجبار.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، ورجاله ثقات رجال مسلم؛ وعلته الانقطاع بين
عبد الجبار بن وائل وأبيه؛ فإنه لم يسمع منه كما تقدم بيانه. ولذلك قال للنووي
في " المجموع " (٣/٤٤٦) :
" حديث ضعيف من رواية ابنه عبد الجبار بن وائل عن أبيه، واتفق الحفاظ
على أنه لم يسمع من أبيه شيئاً، ولم يدركه ".
والحديث أخرجه البيهقي (٢/٩٨- ٩٩) من طريق حنبل بن إسحاق: ثنا
حجاج بن منهال ... به بتمامه.
وخالفه سعيد بن عبد الجبار، فقال: عن عبد الجبار بن وائل عن أمه عن وائل
ابن حُجْرٍ قال:
صليت خلف رسول الله ﷺ ، ثم سجد، وكان أول ما وصل إلى الأرض
ركبتاه.
أخرجه البيهقي من طريق محمد بن عمر عنه.
وسعيد هذا، والراوي عنه ضعيفان؛ فلا يلتفت إلى روايتهما ومخالفتهما.
وأصل الحديث عن عبد الجبار صحيح؛ لكن ليس فيه سبق الركبتين
الكفين، وهو في الكتاب الآخر، وقد صح عنه ﷺ أنه كان يضع يديه قبل
ركبتيه، وأنه أمر بذلك، كما بيناه في كتابنا المفرد في " صفة صلاته ﷺ "
وغيره.
стр. 278
١٢٢- عن شقِيق: حدثني عاصم بن كُليْب عن أبيه عن النبي
ﷺ ... بمثل هذا.
(قلت: إسناده ضعيف؛ شقيق هذا مجهول، وكُليب والد عاصم لم يدرك
النبي ﷺ ؛ فهو مرسل) .
" وفي حديث أحدهما (يعني: شقيقاً أو محمد بن جُحادة) - وأكبر
علمي أنه حديث محمد بن جُحادة-:
وإذا نهض؛ نهض على ركبتيه، واعتمد على فخِذيْهِ ".
(قلت: وهذه زيادة ضعيفة أيضاً- كما قال النووي-؛ وعلته الانقطاع كما
بينا آنفاً) (١) .
إسناده: قال حجاج: قال همام: وحدثنا شقيق ...
قلت: وهذا إسناد ضعيف، وهو متصل بالإسناد الذي قبله عن محمد بن
معمر: نا حجاج بن منهال ...
وعلته شقيق هذا، وكنيته: أبو ليث؛ قال الذهبي:
" لا يُعْرفُ ". وقال الحافظ:
" مجهول ".
وله علة أخرى؛ هي الإرسال. قال المنذري في " مختصره " (١/٣٥٩) :
стр. 279
" كُليْب والد عاصم: هو كُليْبُ بن شهاب الجرْمِي الكوفي، روى عن النبي
ﷺ مرسلاً، ولم يدركه ".
قلت: وقد أسنده شرِيكٌ؛ فرواه عن كليب بن عاصم عن أبيه عن وائل بن
حجر.
لكن شريكاً سييء الحفظ، فلا يحتج به، وستأتي روايته في الكتاب (رقم
١٥١) .
والحديث أخرجه البيهقي (٢/٩٩) من طريق عفّان: ثنا همام: ثنا شقيق
أبو الليث ... به؛ بلفظ:
أن النبي ﷺ كان إذا سجد؛ وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه.
قال عفان:
" وهذا الحديث غريب ".
ورواه يزيد بن هارون عن شريك. قال البيهقي:
" هذا حديث يُعدُ في أفراد شريك القاضي. وإنما تابعه همام من هذا
الوجه ... مرسلاً. هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين ﵏ ".
قلت: وقد روى هذا الحديث عن عاصم بن كُليْب عن أبيه عن وائل: بشرُ بن
المُفضّلِ وزائدة بن قُدامة وغيرهما، فلم يذكر أحد منهم ما ذكره شريك وشقيق عن
عاصم، فدل ذلك على ضعف حديثهما. وانظر حديث بشر وزائدة في الكتاب
الآخر (رقم ٧١٦- ٧١٨) .
стр. 280
١٢٣- عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال:
رأيت رسول الله ﷺ يرفع إبهاميه في الصلاة إلى شحمة أذنيه.
(قلت: إسناده ضعيف، كما قال الحافظ العراقي؛ لأن عبد الجبار لم يسمع
من أبنه كما تقدم. وضعفه النووي أيضاً. والصحيح من حديث وائل: رفع
اليدين إلى الأذنين؛ ليس فيه: الابهام والشحمة. انظر الكتاب الأخر (رقم
٧١٦)) .
إسناده: حدثنا مُسدّدٌ: نا عبد الله بن داود عن فِطْرٍ عن عبد الجبار.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ لكنه معلول بالانقطاع بين عبد الجبار وأبيه،
كما تقدم مراراً. ولذلك قال الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (١/١٣٧) :
" سنده ضعيف ".
وضعفه النووي أيضاً في " المجموع " (٣/٣٠٦) .
وعبد الله بن داود: هو الخُريْبِي.
وفِطْرٌ: هو ابن خليفة.
والحديث أخرجه النسائي (١/١٤١) من طريق محمد بن بشر قال: ثنا فِطْرٌ
ابن خليفة ... به.
وأخرجه أحمد (٤/٣١٦) : ثنا وكيع: ثناِ فطْرٌ ... به.
وأخرجه النسائي (١/١٤٠) من طريق أبي إسحاق عن عبد الجبار ... به؛
بلفظ:
صليت خلف رسول الله ﷺ ، فلما افتتح الصلاة؛ كبر ورفع يديه حتى حاذتا
стр. 281
أذنيه، ثم يقرأ ... الحديث أتم منه.
قلت: وهذا هو الصحيح من حديث وائل، ليس فيه ذكر: الإبهام والشحمة.
وهو الموافق لحديث عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل، وهو في الكتاب الآخر
برقم (٧١٦) .
١٢٤- عن يحيى بن أيوب عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن
ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي
هريره: أنه قال:
كان رسول الله ﷺ إذا كبّر للصلاة؛ جعل يديه حذْو منْكِبيْهِ، وإذا
ركع؛ فعل مثل ذلك، وإذا رفع للسجود؛ فعل ممل ذلك، وإذا قام من
الركعتين؛ فعل مثل ذلك.
(قلت: حديث ضعيف بهذا السياق؛ أخطأ فيه يحيى بن أيوب- وهو
المصري-، والصواب فيه: كان يكبر.. فقط، ليس فيه رفع اليدين، كما قال
الدارقطني وأبو حاتم. وهو الذي أخرجه الشيخان في " صحيحيهما " عن ابن
شهاب ... بهذا الاسناد، وهو في الكتاب الآخر أيضاً (رقم ٧٨٧) . ويغني عن
حديث الباب حديث ابن عمر في الكتاب الآخر (رقم ٧١٢ و ٧١٣ و ٧٢٦
و٧٢٨) ، وحديث علي بن أبي طالب فيه (رقم ٧٢٩)) .
إسناده: حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث: حدثني أبي عن جدي عن
يحيى بن أيوب.
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم. ولذلك قال ابن القيم في
" التهذيب " (رقم ٧٠٧) :
стр. 282
" وهذا الحديث على شرط مسلم، رواه جماعة عن الزهري عن أبي بكر ".
وقال النووي (٣/٤٤٧) :
" رواه أبو داود بإسناد صحيح، فيه رجل فيه أدنى كلام، وقد وثقه الأكثرون،
وقد روى له البخاري في " صحيحه " ".
قلت: وهو يشير بذلك إلى يحيى بن أيوب- وهو المصري الغافِقِيّ-، وهو ثقة،
ولكنه سيئ الحفظ، وصفه بهذا أحمد وغيره. وقال الآجري:
" قلت لأبي داود: ابن أيوب ثقة؟ فقال: هو صالح ".
وضعفه النسائي وغيره.
واحتج به مسلم.
فهو من الرواه الذين يحتج بهم إذا لم يخالفوا.
وقد ظهر لي بعد البحث والتتبع أنه أخطأ في هذا الحديث؛ حيث ذكر فيه رفع
اليدين مع التكبير، وغيره من الثقات- ممن هو أحفظ منه وأكثر عدداً- لا يذكرون
فيه رفع اليدين:
فقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج: أخبرني ابن شهاب ... به؛ بلفظ:
كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة؛ يكبِّر حين يقوم، ثم يكبر حين
يركع ... الحديث، وهو أتم، وليس فيه رفع اليدين.
أخرجه مسلم (٢/٧) ، وأبو عوانة (٢/٩٥) عنه.
وكذلك رواه عقيْلٌ وشعيب ومعمر كلهم عن الزهري ... به؛ ليس فيه رفع
اليدين.
стр. 283
وكذلك رواه أبو سلمة وغيره عن أبي هريرة أيضاً. وسيأتي في الكتاب الآخر
حديث شعيب، وفيه حديث أبي سلمة (رقم ٧٨٧) .
نعم؛ قد تابع يحيى بن أيوب على هذا المتن: عثمانُ بن الحكمِ الجُذامِيُ عن
ابن جريج ... ذكره الدارقطني في " العلل "، وقال:
" وقد خالفه عبد الرزاق، فرواه ابن جريج بلفظ: التكبير، دون: الرفع. وهو
الصحيح ". نقله الزيلعي (١/٤١٤) .
قلت: وعثمان هذا متكلم فيه أيضاً، فقال أبو حاتم:
" شيخ ليس بالمتين ". وقال أبو عمر:
" ليس بالقوي ".
ووثقه أحمد بن صالح المصري.
فمثله لا يحتج به عند المخالفة أيضاً.
ورواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري ... به مثل حديث ابن أيوب:
أخرجه ابن أبي حاتم في " العلل " (رقم ٢٩١) ، ثم قال:
" قال أبي: هذا خطأ؛ إنما يروي هذا الحديث أنه كان يكبر فقط، ليس فيه:
رفع اليدين ".
وللحديث طريق أخرى؛ أخرجها الدارقطني في " العلل " عن عمرو بن علي
عن ابن أبي عدى عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة:
أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع، ويقول: أنا أشْبهُكُمْ صلاةً برسول الله
ﷺ . ثم قال:
стр. 284
" لم يتابع عمرو بن علي على ذلك. وغيره يرويه بلفظ: التكبير؛ وليس فيه:
رفع اليدين. وهو الصحيح ".
قلت: وممن رواه- هكذا على الصواب عن محمد بن عمرو-: يزيد بن هارون
ومحمد بن عبيد. أخرجه أحمد (٢/٥٠٢ و ٥٢٧) .
(تنبيه) : علمت مما تقدم أن حديث ابن أبي الأخضر- عند ابن أبي حاتم- إنما
هو عن الزهري مباشرة، ليس بينهما ابن جريج. فقول الزيلعي:
" وكذلك تابعه صالح بن أبي الأخضر عن ابن جريج، رواه ابن أبي حاتم في
" علله " ... "!
وهمٌ منه- ﵀؛ فليتنبه!
١١٦- باب [من ذكر أنه يرفع يديه إذا قام من الثنتين] (*)
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر " الصحيح ") ]
١١٧- من باب منْ لم يذكر الرفع عند الركوع
١٢٥- عن شرِيكٍ عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى
عن البراء:
أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة؛ رفع يديه إلى قريب من
أذنيه، ثم لا يعود.
(قلت: إسناده ضعيف؛ يزيد بن أبي زياد ضعيف، وكان كبِر فتغير وصار
стр. 285
يتلقن. وقال الامام أحمد: " هذا حديث واهٍ، قد كان يزيد بن أبي زياد
يحدث به بُرْهة من دهره، فلا يذكر فيه: ثم لا يعود.. فلما لقنوه؛ تلقن، فكان
يذكرها ". وقد اتفق الحفاظ على أنها مدرجة في الحديث) .
إسناده: حدثنا محمد بن الصّبّاحِ البزازُ: نا شرِيك عن يزيد بن أبي زياد.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ وعلته يزيد بن أبي زياد هذا- وهو الهاشمي
مولاهم الكوفي-، وهو ضعيف، وقد وصفه بما ذكرنا آنفاً العجلي وابن حبان وابن
سعد ويعقوب بن سفيان وغيرهم، كالدارقطني- ويأتي قوله فيه-، وأحمد كما
رأيت نص كلامه آنفاً-. وقد نقلناه عن " نصب الراية " (١/٤٠٢) و " التلخيص "
(٣/٢٧٣) ، وذكر هذا الاتفاق الذكور آنفاً وقال عن الحديث:
" ضعفه البخاري وأحمد ويحيى والدارمي والحميدي وغير واحد ".
قلت: وشريك: هو ابن عبد الله القاضي؛ وهو سيئ الحفظ أيضاً، لكنه قد
توبع كما يأتي.
والحديث أخرجه الدارقطنى (ص ١١٠) من طريق إسماعيل بن زكريا: ثنا
يزيد بن أبي زياد ... به.
وأخرجه الشافعي (١/٩٠- هامش " الأم ") قال: أخبرنا ابن عيينة عن يزيد بن
أبي زياد ... به دون الزيادة. قال سفيان: ثم قدمت الكوفة، فلقيت يزيد بها،
فسمعته يحدِّث بهذا، وزاد فيه:
ثم لم يعد.
وأراهم لقنوه. قال الشافعي:
" وذهب سفيان إلى تغليط يزيد في هذا الحديث، ويقول: كان لُقن هذا
الحرف الآخر، فتلقنه، ولم يكن سفيان يضعف يزيد بالحفظ لذلك ".