(تنبيه ثالث) : يستفاد من كلام الحافظ السابق- وكذا من غيره- أن الحديث
رواه أحمد في " مسنده " من حديث علي بن طلق!
ولم تجد له في فهرس " المسند " مسنداً خاصاً باسمه؛ فراجعه.
ولعل أحمد ﵀ أورده في مسند غيره من الصحابة؛ لمناسبة ما! والله أعلم.
وقد تقدم أنه رواه في (مسند علي بن أبي طالب) .
ثم إني رأيت صاحب " العون " ذكر أن الإمام أحمد صحح هذا الحديث!
وهذا نقل تفرد هو به؛ فلم أجده عند غيره. فإذا صح؛ فالحديث صحيح؛ لأن
الإمام أحمد ﵁ إمام حجة، وليس معروفاً بالتساهل- كالترمذي وابن
حبان-.
فبعد التحقق من صحة هذا النقل؛ ينقل الحديث إلى للكتاب الآخر.
٨٣- ومن باب في المذي
٢٨- عن بقية بن الوليد عن سعْدِ الأغْطش- وهو ابن عبد الله- عن
عبد الرحمن بن عائذ الأزْدِيِّ- قال هشام: وهو ابن قُرْط أمير حمص- عن
معاذ بن جبل قال: سألت رسول الله ﷺ عمّا يحِلُّ للرجل من امرأته وهي
حائض؟ قال:
" ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل ".
قال أبو داود: " وليس هو- يعني: الحديث- بالقوي " ٠
(قلت: وهو كما قال، وله ثلاث علل: تدليس بقية، وضعف سعد
الأغطش، والانقطاع بين ابن عائذ ومعاذ. وكذلك قال ابن حزم: " لا يصح ") .
стр. 72
إسناده: ثنا هشام بن عبد الملك اليزنِي: ثنا بقية بن الوليد.
وهذا إسناد ضعيف، وله ثلاث علل:
الأولى: عنعنة بقية؛ فقد كان مدلساً.
الثانية: ضعف سعد بن عبد الله الأغطش؛ قال عبد الحق: إنه
" ضعيف ". وقال الحافظ في " التقريب ": إنه
" لين الحديث ".
وأما ابن حبان؛ فذكره في " الثقات " - كما في " التهذيب " -!
الثالثة: الانقطاع بين عبد الرحمن بن عائد ومعاذ؛ ففي " التهذيب " في
ترجمة ابن عائذ:
" قال أبو زرعة: لم يدرك معاذاً ".
ولذلك صرح المؤلف بضعف الحديث، كما تراه آنفاً.
وضعفه ابن حزم أيضاً؛ فقال في " المحلى " (٢/١٨١) :
" لا يصح؛ لأنه عن بقية- وليس بالقوي- عن سعيد الأغطش- وهو مجهول ".
وقال الحافظ في " التلخيص " (٢/٤٢٧) :
" ورواه الطبراني من رواية إسماعيل بن عياش عن سعيد بن عبد الله
الخزاعي؛ فإن كان هو الأغطش فقد توبع بقية. وبقيت جهالة حال سعيد؛ فإنا لا
نعرف أحداً وثقه. وأيضاً فعبد الرحمن بن عائذ قال أبو حاتم: " روايته عن علي
مرسلة ". فإذا كان كذلك؛ فعن معاذ أشد إرسالاً ".
стр. 73
قلت: الأولى في إثبات انقطاعه قول أبي زرعة الذي نقلناه عن " تهذيبه " آنفاً.
ونقل صاحب " المشكاة " رقم (٥٤٦) عن محيي السنة- يعني: البغوي-، أنه
قال:
" إسناده ليس بقوي ".
ومن الغرائب: أنه عزاه لرزين دون المصنف!
٨٤- باب في الإكسال
٨٥- باب في الجنب يعود
٨٦- باب الوضوء لمن أراد أن يعود
٨٧- باب الجنب ينام
٨٨- باب الجنب يأكل
[ليس تحت هذه الأبواب أحاديث على شرط كتابنا هذا. (انظر " للصحيح ") ]
٨٩- باب من قال: يتوضأ الجنب
٢٩- عن يحيى بن يعمر عن عمار بن ياسر:
أن النبي ﷺ رخّص للجنب إذا أكل أو شرب أو نام أن يتوضأ.
قال أبو داود: " بين يحيى بن يعمر وعمار بن ياسر في هذا الحديث
رجل ".
(قلت: فعلة الحديث: جهالة هذا الرجل) .
стр. 74
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد قال: أنا عطاء الخراساني عن
يحيى بن يعمر.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ فظاهره الصحة. وقد اغتر بذلك
بعض من صححه كما يأتي! ولكنه معلول، كما بينه المؤلف. وقال الدارقطني في
يحيى بن يعمر:
" لم يلْق عماراً؛ إلا أنه صحيح الحديث عمن لقيه ".
فالحديث منقطع، أو موصول من طريق مجهول.
على أن مداره على عطاء الخراساني؛ وفيه كلام، قال الحافظ في " التقريب ":
" صدوق يهم كثيراً ".
والحديث أخرجه الترمذي (٢/٥١١- ٥١٢) ، وعنه البغوي في " شرح السنة "
(٢/٣٤) من طريق حماد بن سلمة ... به. وقال الترمذي:
" حديث حسن صحيح "!
كذا قال! ووافقه المعلق عليه الأستاذ أحمد محمد شاكر، فقال- بعد أن نقل
كلام المصنف في إعلاله، وكذا ما ذكرناه عن الدارقطني-:
" وعمار قتل بصفين سنة ٣٧؛ فليس ببعيد أن يلقاه يحيى بن يعمر. وقد روى
عن عثمان وهو أقدم من عمار. ويحيى ثقة لم يعرف بتدليس. فالحديث صحيح،
كما قال الترمذي "!
قلت: وهذا كلام وجيه في رد كلام الدارقطني.
وأما المصنف فقد ادعى أنه بين يحيى بن يعمر وعمار بن يسار في هذا
стр. 75
الحديث رجل: وهي دعوى صحيحة، كما يأتي، فلا يكفي في ردها مجرد إثبات
إمكان اللقاء بين يحيى وعمار؛ ما دام أن بعض الثقات أدخل بينهما رجلاً، وزيادة
الثقة مقبولة:
فقد أخرج أحمد من طريق عمر بن عطاء بن أبي الخُوارِ: أنه سمع يحيى بن
يعمر يخبر عن رجل أخبره عن عمار بن ياسر ... الحديث.
وسيأتي بأتم مما هنا في " الترجل " (رقم ... ) [٨- باب في الخلوق للرجال] .
والحديث أخرجه الطحاوي أيضاً (١/٧٦) .
٩٠- ومن باب الجنب يؤخِّر الغُسْل
٣٠- عن عبد الله بن نُجيً عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله
تعالى عنه عن النبي ﷺ ! قال:
" لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب ".
(قلت: إسناده ضعيف؛ فيه اضطراب وجهالة. وقد ضعفه البخاري
فقال: " عبد الله بن نُجي الحضرمي عن أبيه عن علي؛ فيه نظر ". وأشار
الحافظ العراقي إلى أن الحديث ضعيف لا يصح. وهو في " الصحيحين "
وغيرهما من حديث أبي طلحة الأنصاري دون قوله: " ولا جنب ": فهي زيادة
منكرة. وقد رواه المصنف أيضاً في " اللباس "، وهو من شرط الكتاب الآخر،
فانظره فيه (رقم ... ) [٤٨- باب في الصور] .
إسناده: حدثنا حفص بن عمر النمرِيُ قال: ثنا شعبة عن علي بن مُدْرِك عن
أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن عبد الله بن نُجي.
стр. 76
وهذا إسناد ضعيف؛ قال المنذري في " مختصره ":
" وقال البخاري: عبد الله بن نجي الحضرمي عن أبيه عن علي؛ فيه نظر.
وكذا قال ابن عدي. وضعفه الدارقطني كما يأتي. وقال الشافعي: مجهول. وقال
النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في " الثقات " ... ".
وأما أبوه نجي؛ فذكره ابن حبان في " الثقات " أيضاً؛ لكنه قال:
" لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد ".
وأما العجلي فقال:
" تابعي ثقة "؛ مع أنه لا يذكرون أنّه روى عنه أحد غير ابنه! ولذلك قال
الذهبي في " الميزان ":
" ولا يُدْرى من هو؟! ". وقال الحافظ في " التقريب ":
" مقبول "؛ أي: لين الحديث إذا تفرد، كما نص عليه في المقدمة. فقول
النووي في " المجموع " (٢/١٥٧) :
" إسناده جيد "!
غيرجيد.
ولذلك أشار الحافظ ولي الدين العراقي لضعفه. وقد نقل كلامه في ذلك
السيوطي في " حاشيته " على " سنن النسائي " (١/٥١) ؛ فراجعه.
والحديث أخرجه النسائي (١/٥٠- ٥١) ، والحاكم (١/١٧١) ، والبيهقي
(١/٢٠١) ، وأحمد (٢ رقم ٦٣٢ و ٨١٥ و ١١٧٢) من طرق شتى عن شعبة ...
به. وقال الحاكم:
стр. 77
" هذا حديث صحيح؛ فإن عبد الله بن نجي من ثقات الكوفيين "! ووافقه
الذهبي!
وفيه ما سبق.
وقد اختلف في إسناده: فرواه من أشرنا إليهم عن شعبة ... هكذا.
وأخرجه الطيالسي (رقم ١١٠) ، فقال: حدثنا شعبة عن علي بن مدرك قال:
سمعت أبا زرعة بن عمرو بن جرير يحدث عن عبد الله بن نجي عن علي ... به.
فأسقط من الإسناد: عن أبيه.
وتابعه غُندر- واسمه: محمد بن جعفر- عن شعبة.
أخرجه ابن ماجه (٢/٣٨٦) ؛ لكن سقط من الطابع من سنده: شعبة؛
فصار: غندر عن علي بن مدرك!
وهو خطأ واضح؛ فإن غندراً إنما يروي عن شعبة؛ والحديث حديثه.
وكذلك رواه جابر الجعفي عن عبد الله بن نجي عن علي.
أخرجه أحمد (رقم ٨٤٥ و ١٢٨٩) .
وكذلك رواه الحارث العُكْلِي عن عبد الله بن نجي عن علي.
أخرجه أحمد (رقم ٦٠٨) .
لكنه من طريق أبي بكر بن عياش- وهو سيئ الحفظ-.
ومثله- بل دونه- جابر الجعفي.
فهو- على هذا- منقطع؛ قال ابن معين:
стр. 78
" عبد الله بن نجي لم يسمع من علي، بينه وبينه أبوه ". وقال الدارقطني:
" يقال: إنه لم يسمع هذا من علي ". قال:
" وليس بقوي في الحديث ".
وبالجملة؛ فالحديث إن كان من رواية عبد الله بن نجي عن أبيه؛ فهو مجهول.
وإن كان من رواية عبد الله عن علي؛ فهو منقطع.
وعلى كل حال؛ فهو ضعيف الإسناد.
ثم إن قوله فيه: " ولا جنب " منكر؛ لأن الحديث في " الصحيحين " وغيرهما
من حديث أبي طلحة الأنصاري بدون هذه الزيادة. وسيأتي في الكتاب الآخر- إن
شاء الله تعالى- (رقم ... ) [٤٨- باب في الصور] .
ولم ترد هذه الزيادة في رواية ابن ماجه.
٩١- باب في الجنب يقرأ القران
٣١- عن عبد الله بن سلِمة قال:
دخلتُ على علي أنا ورجلان- رجل منا، ورجل من بني أسد؛
أحسب-؛ فبعثهما عليّ وجهاً، وقال: إنكما علْجانِ! فعالِجا عن دينكما.
ثم قام فدخل المخْرج، ثم خرج، فدعا بماء، فأخذ منه حفْنةً فتمسئح بها،
ثم جعل يقرأ القران، فأنكروا ذلك، فقال:
إن رسول الله ﷺ كان يخرج من الخلاء، فيُقْرِئنا القران، ويأكل معنا
اللحم؛ ولم يكن يحْجُبُهُ- أو قال: يحْجُزُهُ- عن القران شيء؛ ليس
الجنابة.
стр. 79
(قلت: إسناده ضعيف، وقد ضعفه الحفاظ المحققون، كما قال النووي. وممن
ضعفه: الإمام أحمد والبخاري والشافعي، وقال: " أهل الحديث لا يثبتونه "،
قال البيهقي: " وإنما توقف الشافعي في ثبوته؛ لأن مداره على عبد الله بن
سلِمة الكوفي، وكان قد كبِر وأنكِر من حديثه وعقله بعضُ النكْرة؛ وإنما روى
هذا الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة ") .
إسناده: حدثنا حفص بن عمر قال: ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله
ابن سلِمة.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ إلا عبد الله بن سلِمة- وهو المرادي الكوفي-،
فقد اختلفوا فيه؛ وإليك خلاصة ترجمته من " التهذيب ":
" قال شعبة عن عمرو بن مرة: كان عبد الله بن سلِمة يحدثنا، فيعرف
وينكر، كان قد كبر. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة
يعد في الطبقة الأولى من فقهاء الكوفة بعد الصحابة. وقال البخاري: لا يتابع في
حديثه. وقال أبو حاتم: يعرف وينكر. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وقال
ابن حبان: يخطئ. وقال الحاكم أبو أحمد: حديثه ليس بالقائم ".
هذا كل ما قالوه في الرجل، ويظهر من ذلك أنه في نفسه ثقة، ولكنه كان
سيئ الحفظ فيخطئ؛ لا سيما عند الكبر، ولذلك قال الحافظ في " التقريب ":
" صدوق تغيّر حفظه ".
وأما قوله في " الفتح " (١/٣٢٤) - بعد أن ذكر الحديث-:
" رواه أصحاب " السنن "، وصححه الترمذي وابن حبان، وضعف بعضهم
رواته. والحق أنه من قبيل الحسن، يصلح للحجة "!
стр. 80
فلعله لم يستحضر- حين كتابة هذا- أن الراوي المثار إليه- وهو عبد الله بن
سلِمة- إنما روى الحديث في كبره حالة ساء حفظه؛ وإلا فكيف يحسن حديثه مع
قيام هذه العلة فيه؟!
فمثله لا تطمئن النفس للاحتجاج بحديثه؛ لأنه يحتمل احتمالاً قوياً أن
يكون رواه في حالة ضعف حفظه؛ فكيف إذا علمنا أنه رواه في هذه الحال؟ كما
هو الشأن في هذا الحديث؛ كما يأتي. قال المنذري في " مختصره ":
" وذكر أبو بكر البزار أنه لا يُرْوى عن علي إلا من حديث عمرو بن مرة عن
عبد الله بن سلِمة. وحكى البخاري عن عمرو بن مرة: كان عبد الله- يعني: ابن
سلِمة- يحدثنا فتعرف وتنكر، وكان قد كبر، لا يتابع على حديثه. وذكر الإمام
الشافعي هذا الحديث، وقال: لم يكن أهل الحديث يثبتونه. قال البيهقي: وإنما
توقف الشافعي في ثبوت هذا الحديث؛ لأن مداره على عبد الله بن سلِمة الكوفي،
وكان قد كبر وأُنْكِر من حديثه وعقله بعضُ النُكْرةِ، وإنما روى هذا الحديث بعدما
كبر؛ قاله شعبة. وذكر الخطابي أن الإمام أحمد بن حنبل كان يوهن حديث علي
هذا، ويضعف أمر عبد الله بن سلِمة ".
والحديث أخرجه البيهقي (١/٨٩) من طريق المؤلف.
وأحْرجه الحاكم (١/١٥٢) من طريق أخرى عن حفص.
وأخرجه الطيالسي (رقم ١٠١) قال: ثنا شعبة ... به.
وكذلك أخرجه النسائي (١/٥٢) ، وابن ماجه (١/٢٠٧) ، والطحاوي
(١/٥٢) ، والحاكم أيضاً (٤/١٠٧) ، والبيهقي وأحمد (٢ رقم ٦٣٩ و ٨٤٠
و١٠١١) من طرق عن شعبة ... به.
وروى منه الدارقطني (ص ٤٤) قوله: كان لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء؛
стр. 81
إلا أن يكون جنباً.
وهو رواية لأحمد (رقم ٢٢٧) .
وهو عند الدارقطني من رواية سفيان عن مسعر وشعبة معاً. وقال سفيان: قال
لي شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه.
وهذا القدر أخرجه الترمذي (١/٢٧٣- ٢٧٤) من طريق الأعمش وابن أبي
ليلى عن عمرو بن مرة ... به.
وأخرجه النسائي من طريق الأعمش وحده.
وأحمد (٢ رقم ١١٢٣) من طريق ابن أبي ليلى. ثم قال الترمذي:
" حديث حسن صحيح "! وقال الحاكم:
" صحيح "! ووافقه الذهبي! وصححه أيضاً ابن السكنِ وعبد الحق والبغوي
وغيرهم- كما في " التلخيص " (٢/١٤٢- ١٤٣) -!
والحق مع الذين ضعفوه؛ فإنهم أعلم من هؤلاء بعلل الحديث ورجاله؛ وأيضاً
فقد بينوا له علة قادحة، لم يتعرض لإزالتها أو الجواب عنها هؤلاء.
ولذلك قال النووي في " المجموع " (٢/١٥٩) - بعد أن نقل عن للترمذي
تصحيحه له-:
" وقال غيره من الحفاظ المحققين: هو حديث ضعيف "، ثم نقل عن الشافعي
والبيهقي ما نقلناه عن المنذري عنهما.
ولقد حاول الشيخ أحمد محمد شاكر حفظه الله في تعليقه على " الترمذي "
أن يقوي الحديث بقوله:
стр. 82
" وقد توبع عبد الله بن سلمة في معنى حديثه هذا عن علي، فارتفعت شبهة
الخطأ عن روايته إذا كان سيئ الحفظ في كبره كما قالوا، فقد روى أحمد في
" المسند " (رقم ٨٧٢ ج ١ ص ١١٠) : حدثنا عائذ بن حبيب: حدثني عامر بن
السِّمْطِ عن أبي الغرِيف قال: أُتِي علي ﵁ بِوضُوء، فمضمض واستنشق
ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم
غسل رجليه، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ توضأ، ثم قرأ شيئاً من القرآن،
ثم قال: هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا؛ ولا آية. وهذا إسناد صحيح جيد؛
عائذ بن حبيب أبو أحمد العبسي- شيخ الإمام أحمد- ثقة ذكره ابن حبان في
" الثقات "، وقال الأثرم: سمعت أحمد ذكره فأحسن الثناء عليه، وقال: كان
شيخاً جليلاً عاقلاً. ورماه ابن معين بالزندقة. ورد عليه أبو زرعة بأنه صدوق في
الحديث. وعامر بن السِّمْطِ- بكسر السين المهملة وإسكان الميم- وثقه يحيى بن
سعيد والنسائي وغيرهما. وأبو الغرِيف- بفتح الغين المعجمة وكسر الراء وآخره
فاء-: اسمه عبيد الله بن خلِيفة الهمْداني المرادي؛ ذكره ابن حبان في " الثقات "،
وكان على شرطِ علي، وأقل أحواله أن يكون حسن الحديث؛ تُقْبلُ متابعته
لغيره "!!
قلت: هذا كله كلام الشيخ؛ ونحن لا نوافقه فيما ذهب إليه من أن هذا
الإسناد صحيح أو حسن؛ بل نرى أنه ضعيف، ولو صح لكان دليلاً آخر في إثبات
ضعف حديث الباب! وإليك البيان:
قد علمت أن مدار الحديث على أبي الغريف هذا؛ وقد اعتمد الشيخ في
توثيقه على ابن حبان، وهو مشهور بتساهله في التوثيق، كما ذكرنا ذلك مراراً،
وضربنا الأمثلة عليه في " المقدمة "؛ فراجعها.
وقد خالفه هنا من هو أقعد منه بهذا العلم الشريف، ألا وهو أبو حاتم الرازي،
стр. 83
فقد قال عنه:
" ليس بالمشهور. قيل له: هو أحب إليك أو الحارث الأعور؟ قال: الحارث
أشهر؛ وهذا شيخ قد تكلموا فيه، من نظراء أصْبغ بن نُباتة ".
وأصبغ هذا لين الحديث عند أبي حاتم، ومتروك عند غيره، وكذبه أبو بكر بن
عياش.
ثم إن عائذ بن حبيب- وإن كان ثقة- فقد قال ابن عدي:
" روى أحاديث أنكرت عليه ".
قلت: ولعل هذا الحديث منها؛ لأن غيره رواه موقوفاً؛ وإن كان هو نفسه لم
يصرح برفع القطعة الأخيرة منه- التي هي موضع الشاهد منه-.
فقد أخرجه الدارقطني (ص ٤٤) من طريق يزيد بن هارون: نا عامر بن
السمْطِ: نا أبو الغرِيف الهمْداني قال:
كنا مع علي في الرّحْبة، فخرج إلى أقصى الرحبة، فوالله ما أدري أبوْلاً أحدث
أم غائطاً؟! ثم جاء فدعا بكُوز من ماء، فغسل كفيه، ثم قبضهما إليه، ثم قرأ صدراً
من القرآن، ثم قال: اقرأوا القران؛ ما لم يصب أحدكم جنابة، فإن أصابته جنابة
فلا؛ ولا حرفاً واحداً.
وقال الدارقطني:
" هو صحيح عن علي "؛ يعني: موقوفاً عليه.
وأخرجه البيهقي (١/٨٩) - مختصراً موقوفاً- من طريق الحسن بن حي عن
عامر بن السمْطِ ... به عن علي ... في الجنب قال:
стр. 84
لا يقرأ القرآن ولا حرفاً.
ثم أخرجه (ص ٩٠) من طريق خالد بن عبد الله عن عامر بن السمْطِ عن أبي
الغريف قال:
قال علي ﵁:
لا بأس أن تقرأ القران وأنت على غير وضوء، فأما وأنت جنب فلا؛ ولا
حرفاً.
فقد عاد الحديث إلى أنه موقوف على علي من هذه الطريق.
فإن صحت؛ فهي دليل آخر على وهم عبد الله بن سلِمة في الحديث؛ حيث
رفعه وهو موقوف. والله أعلم.
ثم إنه قد صح ما يعارضه من حديث عائشة ﵂ قالت:
كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
رواه مسلم وأبو عوانة في " صحيحيهما "، والمصنف وغيرهم؛ وهو في الكتاب
الآخر (رقم ١٤) .
فهو- بعمومه- يشمل ما نفاه حديث الباب.
نعم، الأفضل ألا يذكر ولا يقرأ القران إلا على طهارة من الحدث الأصغر
والأكبر؛ لقوله ﵊:
" إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ".
وهو حديث صحيح، فانظره في الكتاب الآخر (رقم ١٣) .
стр. 85
٩٢- باب في الجنب يصافح
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر " الصحيح ") ]
٩٣- باب في الجنب يدخل المسجد
٣٢- عن جسْرة بنتِ دجاجة قالت: سمعت عائشة تقول:
جاء رسول الله ﷺ ووجوهُ بيوتِ أصحابِهِ شارعة في المسجد-،
فقال:
" وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد ".
ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئاً؛ رجاء أن ينزل فيهم
رخصة؛ فخرج إليهم فقال:
" وجهوا هذه البيوت عن المسجد؛ فإني لا أُحِلُّ المسجد لحائض ولا
جنب ".
(قلت: إسناده ضعيف؛ من أجل جسرة بنت دجاجة، قال البخاري:
" عندها عجائب ". وقد ضعف الحديث جماعة، كما قال الخطابي، ومن
هؤلاء: البيهقي وابن حزم، فقال: " هذا باطل "، وأبو محمد عبد الحق،
فقال: " لا يثبت ") .
إسناده: حدثنا مسدد قال: ثنا عبد الواحد بن زياد قال: ثنا أفْلتُ بن خليفة
قال: حدثتني جسْرةُ بنت دِجاجة.
قال أبو داود: " وهو فُليْت العامري ".
стр. 86
قلت: ورجاله ثقات؛ غير جسرة بنت دجاجة؛ وليست بالمشهورة ثقةً وعدالةً،
ولم يوثقها أحد من المتقدمين ممن يوثق بتوثيقهم، بل قد غمزها البخاري؛ ففي
" المجموع " (٢/١٦٠) :
" رواه أبو داود وغيره، قال البيهقي: ليس هو بقوي. قال: قال البخاري: عند
جسرة عجائب، وقد خالفها غيرها في سد الأ بواب. وقال الخطابي: ضعف
جماعة هذا الحديث وقالوا: أفلت مجهول. وقال عبد الحق: هذا الحديث لا
يثبت. فلت: وخالفهم غيرهم، فقال أحمد بن حنبل: لا أرى بأفلت بأساً. وقال
الدارقطني: هو كوفي صالح. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: جسرة تابعية ثقة.
وقد روى أبو داود هذا الحديث ولم يضعفه، وقد قدمنا أن مذهبه أن ما رواه ولم
يضعفه، ولم يجد لغيره فيه تضعيفاً؛ فهو عنده صالح، ولكن هذا الحديث ضعفه
من ذكرنا "!
قلت: قد بينا في مقدمة هذا الكتاب أنه لا يصح أن يعتمد على سكوت
المصنف عن الحديث؛ لأسباب: منها كثرة الأحاديث الضعيفة في الكتاب-؛ مما
سكت عنها أبو داود، وهاك الكتاب بين يديك شاهداً على ذلك.
وعلة الحديث ليست هي أفلت؛ بل هي جسرة، وهي- وإن وثقها العجلي
وكذا ابن حبان- فهما من المتساهلين في التوثيق، فلا يطمئن القلب لتوثيقهما؛ لا
سيما مع تضعيف من ذكِر لحديثها؛ فلولا أنها غير حجة عندهم لما ضعفوه.
ثم إنها لم يرو عنها من المعروفين غير أفلت هذا، وقد ذكر في " التهذيب "
فيمن روى عنها غيره:
" قدامة بن عبد الله العامري، ومحدوج الذهلي، وعمر بن عمير بن محدوج ".
وكل هؤلاء مجهولون، بل قيل: إن قدامة هذا هو أفلت نفسه.
стр. 87
وقد أشار البخاري لى أنها غير حجة؛ لمخالفتها غيرها في هذا الحديث. ونص
كلامه في ذلك- كما نقله البيهقي (٢/٤٤٣) -:
" قال البخاري: وعند جسرة عجائب، وقال عروة وعباد بن عبد الله عن
عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : " سُدُوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر "؛
وهذا أصح ". قال البيهقي:
" وهذا إن صح؛ فمحمول في الجنب على المكث فيه، دون العبور؛ بدليل
الكتاب ".
قلت: لكن قد جاءت أحاديث عن غير واحد من الصحابة في سدِّ الأبواب
في المسجد إلا باب علي؛ وقد أخرجها الحافظ في " الفتح " (٧/١١- ١٢) ، وساق
ألفاظها وطرقها، ثم قال.
" وكل طريق منها صالح للاحتجاج- فضلاً عن مجموعها- ".
ثم جمع بينها وبين حديث عائشة المذكور؛ فليراجع.
والمقصود هنا: أنه ليس في شيء من هذه الأحاديث المشار إليها ما في هذا
الحديث من سد الأبواب كلها دون استثناء باب أبي بكر أو علي، كما أنه ليس
فيها ما فيه من تعليل ذلك بقوله: " فإني لا أحل ... " إلخ.
فهذا مما يوهن من شأن هذا الحديث عندي؛ وإن كنت لم أجد من صرح بذلك
قبلي.
ثم إن له علة أخرى، وهي الاضطراب على جسرة كما يأتي.
والحديث أخرجه البيهقي (٢/٤٤٢) من طريق المصنف.
وأخرجه البخاري في " التاريخ الكبير "، وفيه زيادة- كما قال المنذري-.
стр. 88
قلت: ومن طريق البخاري: أخرجه البيهقي أيضاً: عن موسى بن إسماعيل
عن عبد الواحد ... والزيادة:
" إلا لمحمد وآل محمد ".
وأخرجه ابن ماجه (١/٢٢٢) ، وابن أبي حاتم في " العلل " (١ رقم ٢٦٩) من
طريق أبي نعيم: ثنا ابن أبي غنِية عن أبي الخطاب الهجرِي عن محْدُوج الذهلِي
عن جسرة قالت: أخبرتني أم سلمة قالت:
دخل رسول الله ﷺ صرْحة هذا المسجد، فنادى بأعلى صوته:
" إن السجد لا يحِل لجنب ولا لحائض "؛ زاد ابن أبي حاتم:
" إلا للنبي، ولأزواجه، وعلي، وفاطمة بنت محمد ". ثم قال:
" قال أبو زرعة: يقولون: عن جسرة عن أم سلمة. والصحيح: عن عائشة ".
قال:
" قد روى أفلت بن خليفه عن جسرة عن عائشة عن النبي ﷺ ... هذا
الحديث؛ غير أنه لم يذكر فيه: " إلا للنبي ولأزواجه "؛ وإنما يدل (كذا! ولعل
الأصل: قال) : " لا يصلح لجنب ولا لحائض " فقط ".
قلت: قد ثبتت هذه الزيادة في رواية البخاري كما سبق؛ وهي مما تزيد
الحديث وهناً على وهن؛ فإن ابن القيم في " التهذيب " ذهب إلى أنها موضوعة.
وأوردها ابن حزم في " المحلى " (٢/١٨٥) من طريق أبي الخطاب الهجري، ثم
قال:
" وأما محدوج؛ فساقط، يروي المعضلات عن جسرة. وأبو الخطاب الهجري
مجهول ".
стр. 89
ثم إن في قول أبي زرعة المتقدم: " يقولون: عن جسرة " إشارة إلى أن محدوجاً
لم يتفرد بهذا الإسناد، وهو كذلك، فقد ذكره ابن حزم من طريق عبد الوهاب عن
عطاء الخفاف عن ابن أبي غنية عن إسماعيل عن جسرة بنت دجاجة ... به؛
وفيه الزيادة. ثم أعله ابن حزم بقوله:
" وأما عطاء الخفاف؛ فهو عطاء بن مسلم، منكر الحديث، وإسماعيل
مجهول ".
قلت: هكذا في " المحلى ": " عبد الوهّاب عن عطاء الخفاف "، وقال مصححه
الشيخ أحمد محمد شاكر:
" في الميمنية: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف وهو خطأ ".
قلت: وما في هذه النسخة: هو الموافق لما نقله ابن القيم عن ابن حزم؛ ولذلك
أخذ يرد على ابن حزم تضعيفه إياه، ظناً منه أنّه عبد الوهاب بن عطاء، لا عطاء
والد عبد الوهاب، ونقل كلمات الأئمة في الثناء عليه! وهو بلا شك أحسن حالاً
من أبيه.
لكن الصواب أن الراوي هنا إنما هو والده عطاء، كما في النسخ الصحيحة من
" المحلى "، وهو ضعيف لسوء حفظه، وقد قال فيه ابن معين:
" ليس به بأس، وأحاديثه منكرات ".
وهذا عمدة ابن حزم في قوله فيه: " منكر الحديث ".
وعليه؛ فكلام ابن القيم غير وارد على ابن حزم. على أنه قد ختم تعقيبه
عليه بقوله:
" وبعد؛ فهذا الاستثناء باطلٌ موضوع من زيادة بعض غلاة الشيعة، ولم
стр. 90
يخرجه ابن ماجه في الحديث ".
قلت: قد أخرجه البخاري وابن أبي حاتم وابن حزم من الطرق الثلاث؛ فهي
بلا شك ثابتة في الحديث؛ ومدارها كلها على جسرة، وقد عرفت حالها. وقد قال
ابن حزم عقبها:
" وهذا كله باطل ".
ومما تقدم بيانه؛ تعلم أن قول الشوكاني في " نيل الأوطار " (٢/٢٠٠) :
" إن الحديث صحيح " - تبعاً لابن خزيمة-!
غير صحيح. وقوله:
" قال ابن سيد الناس: ولعمري إن التحسين لأقل مراتبه؛ لثقة رواته، ووجود
الشواهد له من خارج "!
ففيه نظر بين؛ لأن الشواهد المشار إليها: كلا شواهد؛ لأن مدارها- كما
علمت- على جسرة، ولم يرد من غير طريقها من وجه مقبول؛ وإلا لذهبنا إليه.
فقد رواه ابن حزم من طريق محمد بن الحسن بن زُبالة عن سفيان بن حمزة
عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله:
أن رسول الله ﷺ لم يكن أذن لأحد أن يجلس في المسجد، ولا يمر فيه وهو
جنب؛ إلا علي بن أبي طالب.
وهذا- مع أنه مرسل-؛ فإن ابن زبالة؛ قال المصنف وابن معين:
" كذاب ". زاد الأخير:
стр. 91
" خبيث، لم يكن بثقة ولا مأمون، يسرق ".
وأخرجه الترمذي (٢/٣٠٠- طبع بولاق) ، والبزار أيضاً- كما في " تخريج
أحاديث الكشاف " (٤/٤٤ رقم ٣٦٥) - من طريق سالم بن أبي حفصة عن عطية
عن أبي سعيد ... مرفوعاً:
" يا علي! لا يحل لأحد أن يُجْنِب في هذا المسجد غيري وغيرك ". وقال
الترمذي:
" حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. سمع مني محمد بن
إسماعيل هذا الحديث؛ فاستغربه ".
قلت: وهذا من تساهل الترمذي؛ حيث حسنه. قال الحافظ ابن كثير في
" تفسيره " (١/٥٠١) :
" إنه حديث ضعيف لا يثبت؛ فإن سالماً هذا متروك، وشيخه عطية
ضعيف ".
ثم رواه البزار من رواية الحسن بن زياد عن خارجة بن سعد عن أبيه سعد ...
مثله سواءً، وقال:
" لا نعلمه عن سعد إلا بهذا الإسناد ".
قلت: وهو إسناد موضوع؛ فإن الحسن بن زياد: هو اللؤلؤي- تلميذ أبي حنيفة-
وقد كذبه جماعة من الأئمة، كابن معين وغيره، وانظر " الضعيفة " (٦٢٨٥) .
٩٤- باب في الجنب يصلي بالقوم وهو ناسٍ
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر " الصحيح ") ]
стр. 92
٩٥- باب في الرجل يجد البِلّة في منامه
٣٢- عن عبد الله العمري عن عبيد الله عن القاسم عن عائشة قالت:
سئل النبي ﷺ عن الرجل يجد البلل، ولا يذكر احتلاماً؟ ... (*)
٩٦- باب المرأة ترى ما يرى الرجل
٩٧- باب مقدار الماء الذي يُجزي به الغسل
[ليس تحتهما حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر " للصحيح ") ]
٩٨- من باب في الغُسْلِ من الجنابة
٣٣- عن صدقة قال:
ثنا جُميْعُ بن عُميْر- أحد بني تيْمِ اللهِ بن ثعْلبة- قال:
دخلت مع أمي وخالتي على عائشة، فسألتها إحداهما: كيف كنتم
تصنعون عند الغسل؟ فقالت عائشة:
كان رسول الله ﷺ يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على رأسه
ثلاث مِرارٍ، ونحن نفيض على رؤوسنا خمساً، من أجل الضفر.
(قلت: إسناده ضعيف جداً؛ صدقة: هو ابن سعيد الحنفي؛ قال
البخاري: " عنده عجائب ". وجميع بن عمير، قال فيه: " فيه نظر ". وقال
стр. 93
ابن نمير: " كان من أكذب الناس، كان يقول: إن الكراكي تفرخ في السماء،
ولا يقع فراخها "! وقال ابن حبان: " كان رافضياً يضع الحديث ". وقال
المنذري: " ولا يحتج بحديثه ". ومما يدل على بطلان هذا الحديث: ما رواه
مسلم في " صحيحه " من طريق عُبيْدِ بن عميْرٍ عن عائشة قالت: لقد كنت
أغتسلُ أنا ورسول ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أُفْرِغ على رأسي ثلاث
إفراغات) .
إسناده: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا عبد الرحمن- يعني: ابن مهدي-
عن زائدة بن قُدامة عن صدقة.
وهذا إسناد ضعيف جداً؛ من أجل صدقة، وشيخه جميع بن عمير، وقد
ذكرنا آنفاً بعض كلمات الأئمة فيهما.
والأول منهما ضعفه أيضاً ابن وضاح. وقال الساجي:
" ليس بشيء ".
وأما ابن حبان؛ فذكره في " الثقات "! وقال أبو حاتم:
" شيخ ".
وقال الساجي أيضاً في جميع بن عمير:
" له أحاديث مناكير، وفيه نظر، وهو صدوق ". وقال ابن عدي:
" هو كما قاله البخاري: في أحاديثه نظر، وعامة ما يرويه لا يتابعه غيره عليه ".
وأما العجلي فقال:
стр. 94
" تابعي ثقة "! قال أبو العرب الصقِلِّيّ:
" ليس يتابع أبو الحسن على هذا ".
قلت: وقد روى عبيد بن عمير بن قتادة- وهو ثقة حجة من رجال
" الصحيحين " - عن عائشة: خلاف حديث جُميْعٍ هذا؛ ونصه: قالت:
لقد رأيتني أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من هذا- فإذا تور موضوع مثل الصاع أو
دونه- فنشرع فيه جميعاً، فأفيض على رأسي بيدي ثلاث مرات، وما أنقض لي
شعراً.
أخرجه النسائي (١/٧١) ، وأخرجه مسلم (١/١٧٩) بلفظ:
ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات.
ورواه البخاري من طريق أخرى ... بنحوه.
ورواه المصنف أيضاً؛ فانظره في الكتاب الآخر (رقم ٢٤٨) .
وفي الباب أيضاً عن أم سلمه من قوله ﵊؛ فانظر (رقم ٢٤٦
و٢٤٧) .
فهذا كله يدل على بطلان حديث عمير هذا.
والحديث أخرجه ابن ماجه (١/٢٠٣) ، والدارقطني (ص ٤٢) ، والبيهقي
(١/١٨٠) ، وأحمد (٦/ ١٨٨) من طرق عن صدقة ... به.
وأخرجه الدارمي (١/٢٦٢) .
стр. 95
٣٤- عن الشعبي قال: قالت عائشة:
لئن شئتم لأرينّكم أثر يد رسول الله ﷺ في الحائط؛ حيث كان
يغتسل من الجنابة.
(قلت: إسناده ضعيف؛ لانقطاعه. وضعفه المنذري بقوله: " هذا مرسل،
الشعبي لم يسمع من عائشة " (*)) .
إسناده: حدثنا الحسن بن شوْكرٍ: ثنا هُشيْم عن عروة الهمْداني: ثنا
الشعبي ...
وهذا إسناده ضعيف، رجاله كلهم ثقات؛ وعلّته: الانقطاع ببن الشعبي
وعائشة؛ وقال المنذري في " مختصره ":
" هذا مرسل؛ الشعبي لم يسمع من عائشة ".
والحديث أخرجه أحمد (٦/٢٣٦) قال: ثنا يزيد: أنا عروة أبو عبد الله البزار
عن الشعبي ... به؛ بلفظ: قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، بدأ فتوضأ وضوءه للصلاة، وغسل
فرجه وقدميه، ومسح يده بالحائط، ثم أفاض عليه الماء؛ فكأني أرى أثر يده في
الحائط.
قلت: والظاهر أن عروة في سند أحمد هو نفسه في سند الكتاب؛ غير أن هذا
كنيته أبو فروة، بينما كنية الآخر أبو عبد الله البزاز.
стр. 96
وهذا ما لم يذكره أحد في ترجمة أبي فروة؛ أن له تلك الكنية، فهي فائدة
عزيزة.
ثم إنه قد صح أن النبي ﷺ كان يضرب بيده على الحائط في الاغتسال من
الجنابة؛ ورد ذلك من حديث عائشة، ومن حديث ميمونة: رواهما المصنف في
هذا الباب، فانظرهما في الكتاب الآخر (٢٤٣ و ٢٤٤) .
٣٥- عن شعبة قال:
إن ابن عباس كان إذا اغتسل من الجنابة يفرغ بيده اليمنى على يده
اليسرى سبْع مرار، ثم يغْسِلُ فرْجهُ، فنسي مرةً كم أفرغ، فسألني: كم
أفرغت؟ فقلت: لا أدري! فقال: لا أُمّ لك! وما يمنعك أن تدري؟! ثم
يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفيض على جلده الماء، ثم يقول: هكذا كان
رسول الله ﷺ يتطهّرُ.
(قلت: إسناده ضعيف؛ لأن شعبة- وهو ابن دينار مولى ابن عباس- سيئ
الحفظ، حتى قال ابن حبان: " روى عن ابن عباس ما لا أصل له، حتى كأنه
ابن عباس آخر ". ولذلك قال المنذري في " مختصره ": " لا يحتج بحديثه ") .
إسناده: حدثنا الحسين بن عيسى الخُراسانِيُ: ثنا ابن أبي فُديْكٍ عن ابن أبي
ذئب عن شعبة.
وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات؛ غير شعبة هذا- وهو ابن دينار مولى
ابن عباس-، وقد ضعفه الجمهور، فقال ابن معين:
" لا يكتب حديثه ". وقال الجوزجاني والنسائي:
" ليس بقوي ". وقال ابن سعد:
стр. 97
" لا يحتج به ". وقال أبو حاتم:
" ليس بالقوي " وقال بشر بن عمر الزهراني:
" سالمت عنه مالكاً؟ فقال: ليس بثقة ". وقال البخاري:
" يتكلم فيه مالك، ويحتمل منه ". قال أبو الحسن بن القطان الفاسي:
" قوله: ويحتمل منه؛ يعني: من شعبة، وليس هو ممن يترك حديثه. قال:
ومالك لم يضعفه؛ وإنما شح عليه بلفظة: ثقة ". قال الحافظ:
" هذا التأويل غير سائغ؛ بل لفظة: " ليس بثقة " في الاصطلاح توجب
الضعف الشديد. وقد قال ابن حبان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له، حتى
كأنه ابن عباس آخر ". وقال في " التقريب ":
" صدوق سيئ الحفظ ".
والحديث أخرجه للطيالسي (رقم ٢٧٢٨) : قال: حدثنا ابن أبي ذئب ... به.
٣٦- عن أيوب بن جابر عن عبد الله بن عُصْم عن عبد الله بن عمر
قال:
كانت الصلاة خمسين، والغُسْلُ من الجنابة سبْع مِرارٍ، وغسْلُ البول
من الثوب سبْع مِرارٍ، فلم يزل رسول الله ﷺ يسْألُ؛ حتى جُعِلتِ الصلاة
خمساً، والغُسْلُ من الجنابة مرةً، وغسْلُ البول من الثوب مرةً.
(قلت: إسناده ضعيف؛ لأن أيوب بن جابر واهي الحديث. وعبد الله بن
عصم مختلف فيه. وقال المنذري: " تكلم فيه غير واحد، والراوي عنه: أيوب
ابن جابر أبو سليمان اليمامي، ولا يحتج بحديثه ") .
стр. 98
إسناده: حدثنا قتيبة بن سعيد: نا أيوب بن جابر.
وهذا إسناد ضعيف؛ أيوب بن جابر ضعفه الجمهور، فقال ابن معين:
" ضعيف ليس بشيء ". وقال النسائي:
" ضعيف ". وقال أبو زرعة:
" واهي الحديث ضعيف ". وقال أبو حاتم:
" ضعيف الحديث ". وقال ابن حبان:
" كان يخطئ، حتى خرج عن حد الاحتجاج به؛ لكثرة وهمه ".
وذكره يعقوب بن سفيان في " باب من يرغب عن الرواية عنهم ". وقال أحمد
ابن عصام الأصبهاني:
" كان علي بن المديني يضع حديث أيوب بن جابر؛ أيْ: يضعفه ". وقال ابن
عدي:
" وسائر أحاديث أيوب بن جابر متقاربة، يحمل بعضها بعضاً، وهو ممن يكتب
حديثه ".
وأما أحمد؛ فقال ابنه عبد الله عنه:
" حديثه يشبه حديث أهل الصدق ".
وقال الحافظ في " التقريب ": إنه
وشيخه عبد الله بن عصْمٍ مختلف فيه؛ فقال ابن معين:
стр. 99
" ثقة ". وقال أبو زرعة:
" ليس به بأس ". وقال أبو حاتم:
" شيخ ". وقال ابن حبان في " الثقات ":
" يخطئ كثيراً "
وقد ذكره أيضاً في " الضعفاء "، فقال:
" منكر الحديث جداً، على قلة روايته، يحدث عن الأثبات ما لا يشبه
أحاديثهم، حتى يسبق إلى القلب أنها موهومة أو موضوعة ". وقال الحافظ في
" التقريب ":
" هو صدوق يخطئ، أفرط ابن حبان فيه وتناقض ".
والحديث أخرجه أحمد (٢/١٠٩) ، والبيهقي (١/٢٤٤) من طريق أخرى عن
أيوب بن جابر ... به.
٣٧- عن الحارث بن وجِيهٍ: نا مالك بن دينار عن محمد بن سيرين عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
" إن تحت كلِّ شعرةٍ جنابةً؛ فاغسلوا الشّعر، وانْقُوا البشر ".
قال أبو داود: " الحارث بن وجيه حديثه منكر، وهو ضعيف ".
(قلت: وهو كما قال المصنف ﵀. وضعفه الترمذي فقال: " حديث
غريب، لا نعرفه إلا من حديث الحارث بن وجيه، وهو شيخ ليس بذاك، وقد
تفرد بهذا الحديث ". وقال الشافعي: " هذا الحديث ليس بثابت ". وقال
البيهقي: " أنكره أهل العلم بالحديث: البخاري وأبو داود وغيرهما ". وقال
стр. 100
الخطابي: " هو ضعيف ". وقال أبو حاتم: " حديث منكر ") .
إسناده: حدثنا نصر بن علي: نا الحارث بن وجيه.
قال أبو داود: " الحارث بن وجيه حديثه منكر وهو ضعيف ".
قلت: والحارث هذا متفق على تضعيفه؛ فلا نطيل الكلام بذكر أقوال الأئمة
فيه، وقد قال الحافظ في " التقريب ": إنه
" ضعيف ". وقال في " التلخيص " (٢/١٦٥- ١٦٦) :
" وهو ضعيف جداً ". قال:
" وقال الدارقطني في " العلل ": إنما يروى هذا عن مالك بن دينار عن
الحسن ... مرسلاً، ورواه سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس عن الحسن قال:
نُبئْتُ أن رسول الله ﷺ ... فذكره. ورواه أبان العطار عن قتادة عن الحسن عن
أبي هريرة ... من قوله. وقال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت.
وقال البيهقي: أنكره أهل العلم بالحديث: البخاري وأبو داود وغيرهما ". وقال
ابن أبي حاتم في " العلل " (١/٢٩) :
" قال أبي. هذا حديث منكر، والحارث ضعيف الحديث ".
قلت: وقال الخطابي في " المعالم ":
" والحديث ضعيف ".
والحديث أخرجه الترمذي (١/١٧٨) ، وابن ماجه (١/٢٠٧) ... بإسناد
المصنف هذا.
стр. 101
وأخرجه البيهقي (١/١٧٥) عن نصر بن علي ومحمد بن أبي بكر قالا: ثنا
الحارث بن وجيه الراسبي ... به. وقال:
" تفرد به موصولاً: الحارث بن وجيه، والحارث بن وجيه تكلموا فيه ". وقال
النووي (٢/١٨٤) :
إنه " حديث ضعيف "، ونقل عن ابن معين أيضاً أنه ضعفه.
قلت: وللشطر الأول منه شاهد من حديث أبي أيوب الأنصاري ... مرفوعاً
في حديث:
قلت: وما أداء الأمانة؟ قال:
" غُسْلُ الجنابة؛ فإن تحت كل شعرة جنابةً ".
أخرجه ابن ماجه (٥٩٨) عن عُتْبة بن أبي حكيم: حدثني طلحة بن نافع:
حدثني أبو أيوب الأنصاري ... به.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، كما بينته في " الضعيفة " (٣٨٠١) .
٣٨- عن حماد: أنا عطاء بن السائب عن زاذان عن علي قال: إن
رسول الله ﷺ قال:
" منْ ترك موْضع شعرة من جنابة لم يغْسِلها؛ فًعِل بها كذا وكذا من
النار ".
قال علي: فمن ثمّ عاديتً رأسي، فمن ثمّ عاديت رأسي، فمن ثم
عاديْتً رأسي، وكان يجًزُّ شعره رضي الله تعالى عنه.
стр. 102
(قلت: إسناده ضعيف؛ لأن حماداً- وهو ابن سلمة- قد روى عن عطاء بن
السائب في حالة اختلاطه؛ ولذلك قال النووي: إنه " حديث ضعيف ") .
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: نا حماد.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات؛ لكن عطاء بن السائب كان قد
اختلط، وحماد- وهو ابن سلمة- قد سمع منه في الاختلاط، كما سمع منه
قبل ذلك، وليس لدينا من الأدلة ما يرجح أنه سمع هذا الحديث منه قبل
اختلاطه، واحتمال سماعه له منه في الاختلاط قائم؛ فلذلك أوردناه في هذا
الكتاب، حتى نقف على الدليل المشار إليه، أو تجد له متابعاً أو شاهدا. قال ابن
معين:
" عطاء بن السائب اختلط، وما سمع منه جرير وذووه ليس من صحيح
حديثه، وقد سمع منه أبو عوانة في الصحيح والاختلاط جميعاً، ولا يحتج
بحديثه ". وقال في رواية أخرى:
" وجميع من سمع من عطاء سمع منه في الاختلاط؛ إلا شعبة والثوري ".
قلت: وقوله: " وجميع " يشمل أبا عوانة، كما يشمل حماد بن سلمة- وهو
بصري-. وقد قال أبو حاتم:
" كان محله الصدق قبل أن يختلط، صالح مستقيم الحديث، ثم بأخرة تغير
حفظه، في حفظه تخاليط كثيرة، وقديم السماع من عطاء: سفيان وشعبة، وفي
حديث البصريين عنه تخاليط كثيرة؛ لأنه قدم عليهم في آخر عمره، وما روى عنه
ابن فضيل ففيه غلط واضطراب، رفع أشياء كان يرويها عن التابعين ورفعها إلى
الصحابة ". وقال الدارقطني:
стр. 103
" دخل عطاء البصرة مرتين؛ فسماع أيوب وحماد بن سلمة في الرحلة الأولى
صحيح ".
وأصرح من ذلك كله قول العقيلي:
" وسماع حماد بن سلمة بعد الاختلاط ". قال الحافظ:
" كذا نقله عنه ابن القطان، ثم وقفت على ترجمته في " العقيلي " ... ".
قلت: ثم ذكر الحافظ عنه ما نقله عن علي بن المديني، ولكن المؤسف أنه
سقط من قلم الناسخ الكلام المقصود هنا؛ وهو المتعلق ببيان حال رواية حماد بن
سلمة عن عطاء، وترك مكانه بياضاً.
لكن المقصود واضح من نقل ابن القطان، ومما علقه الحافظ على نقله هو
بقوله:
" فاستفدنا من هذه القصة: أن رواية وهيب وحماد وأبي عوانة عنه في جملة
ما يدخل في الاختلاط ".
ثم ذكر بعض الكلمات عن بعض الأئمة، فيها أن حماداً سمع منه قبل
الاختلاط، ثم قال:
" فيحصل لنا من مجموع كلامهم: أن سفيان الثوري وشّعبة وزائدة وحماد بن
زيد وأيوب عنه صحيح، ومن عداهم يتوقف فيه؛ إلا حماد بن سلمة
فاختلف قولهم، والظاهر أنه سمع منه مرتين: مرة مع أيوب- كما يومي إليه كلام
الدارقطني-، ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة، وسمع منه مع جرير وذويه.
والله أعلم ".
стр. 104
قلت: وهذا هو تحرير القول وتحقيقه في رواية حماد عن عطاء. وبناءً على ذلك
فقول الحافظ في " التلخيص " (٢/١٦٩) :
" إسناده صحيح؛ فإنه من رواية عطاء بن السائب، وقد سمع منه حماد بن
سلمة قبل الاختلاط، لكن قيل: إن الصواب وقفه على علي "!
فغير صحيح أنه صحيح، وكأنه ذهل- حين كتب هذا- عن التحقيق الذي
نقلناه آنفاً عنه.
وقال الصنعاني في " سبل السلام " (١/١٢٧) - مستدركاً على الحافظ
تصحيحه-:
" ولكن قال ابن كثير في " الإرشاد ": إن حديث علي هذا من رواية عطاء بن
السائب، وهو سيئ الحفظ. وقال النووي: إنه حديث ضعيف. قلت: وسبب
اختلاف الأئمة في تصحيحه وتضعيفه: أن عطاء بن السائب اختلط فما آخر
عمره؛ فمن روى عنه قبل اختلاطه فروايته عنه صحيحة، ومن روى عنه بعد
اختلاطه فروايته عنه ضعيفة. وحديث علي هذا؛ اختلفوا هل رواه قبل الاختلاط
أو بعده، فلذا اختلفوا في تصحيحه وتضعيفه! والحق: الوقف عن تصحيحه
وتضعيفه، حتى يتبين الحال فيه "!
قلت: لكن التوقف فيه من الوجهة العملية غير ممكن! فطالما أنه لم تثبت
صحته؛ فلا يجوز نسبته إليه ﷺ جزماً، كما لا يجوز الاحتجاج به على حكم،
فهو في حكم الحديث الضعيف الظاهر الضعف.
وهذا كحديث الرجل المجهول الذي لم يُسم- كالحديث الآتي بعد هذا،
والذي يليه- يحكم عليه بالضعف؛ لجهلنا بحاله ثقةً وحفظاً، مع احتمال أنه إذا
سمي في رواية أخرى؛ ظهر أنه ثقة- كما في الحديث (رقم ٨٨) من الكتاب
الآخر-.
стр. 105
ثم إن ما حكاه عن النووي أنه ضعف الحديث؛ إنما هو آخر قوليه في " المجموع "
(٢/١٨٤) . وإلا؛ فقد قال فيما سبق منه (١/٣٦٣) :
إنه " حديث حسن، رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن "!
والحديث أخرجه الطيالسي (رقم ١٧٥) : حدثنا حماد بن سلمة ... به.
وكذا أخرجه عن حماد: الدارمي وابن ماجه والبيهقي وأحمد (٢ رقم
٧٢٧ و ٧٩٤) ، وابنه عبد الله (رقم ١١٢١) ، وأبو نعيم في " حلية الأولياء "
(٤/٢٠٠) .
وأخرجه الطبراني في " الصغير " (ص ٢٠٦) من طريق عبد العزيز بن أبي رواد
عن عطاء، وقال:
" تفرد به عنه ابنه عبد المجيد. والمشهور: حديث حماد بن سلمة عن
عطاء ".
٩٩- باب الوضوء بعد الغسل
١٠٠- باب المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل ؟
[ليس تحتهما حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر) الصحيح ") ]
١٠١- باب في الجنب يغسل رأسه بخطميّ أيجزئه ذلك
٣٩- عن شرِيك عن قيس بن وهب عن رجل من بني سواءة بن عامر
عن عائشة عن النبي ﷺ :
стр. 106
أنه كان يغسل رأسه بالخِطْمِيِّ وهو جنب؛ يجتزي بذلك، ولا يصُبُ
عليه الماء.
(قلت: إسناده ضعيف؛ شريك سيئ الحفظ، ورجل من بني سواءة لم
يسم، فهو مجهول- كما قال المنذري- والحديث بهذا اللفظ باطل، والصواب
فيه ما أخرجه أحمد في " المسند " ... بهذا الاسناد عن شيخ من بني
سُواءة قال: سألت عائشة قلت: أكان رسول الله ﷺ إذا أجْنب فغسل رأسه
بِغِسْلٍ؛ اجتزأ بذلك، أم يفيض الماء على رأسه؟ قالت: بل كان يفيض على
رأسه الماء) .
إسناده: حدثنا محمد بن جعفر بن زياد: نا شريك.
فلت: وهذا إسناد ضعيب فما؛ شريك: هو ابن عبد الله القاضي، وهو سيئ
الحفظ.
والرجل الراوي له عن عائشة؛ قال الحافظ:
" لم أقف على تسميته ".
فهو مجهول؛ كما قال الحافظ المنذري.
ثم إن الحديث طاهر البطلان، وإنما ذلك بسبب اختصاره من بعض رواته.
يوضح ذلك رواية أحمد التي ذكرناها آنفاً.
وإسنادها هكذا (٦/٧٠) : ثنا حسين: ثنا شريك ... به.
стр. 107
ثم أخرجه في مكان آخر (٦/٢٢٢) : ثنا حجاج قال: أنا شريك ... به
مثله.
١٠٢- باب فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء
٤٠- عن شرِيكٍ عن قيس بن وهب عن رجل من بني سُواءة بن عامر
عن عائشة- فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء- قالت:
كان رسول الله ﷺ يأخذ كفاً من ماء يصُبُّ علي الماء، ثم يأخذ كفاً
من ماء، ثم يصُبُهُ عليه.
(قلت: إسناده ضعيف كالذي قبله) .
إسناده: حدثنا محمد بن رافع: نا يحيى بن ادم: نا شريك.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لما سبق بيانه.
١٠٣- باب مواكلة الحائض ومجامعتها
١٠٤- باب الحائض تُناوِل من المسجد
١٠٥- باب الحائض لا تقضي الصلاة
[ليس تحت هذه الأبواب أحاديث على شرط كتابنا هذا. (انظر " الصحيح ") ]
стр. 108
١٠٦- من باب في إتيان الحائض
٤١- عن شرِيكٍ عن خصيْفٍ عن مِقْسمٍ عن ابن عباس عن النبي ﷺ
قال:
" إذا وقع الرجل في أهله وهي حائض؛ فليتصدق بنصف دينار ".
(قلت: إسناده ضعيف؛ خصيف وشريك كلاهما سيئ الحفظ) .
إسناده: حدثنا محمد بن الصّبّاحِ البراز: نا شرِيك.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ من أجل شريك عن خصيف، وكلاهما سيئ
الحفظ.
والحديث أخرجه البيهقي (١/٣١٦) من طريق المؤلف.
وأخرجه الترمذي (١/٢٤٤) ، والدارمي (١/٢٥٤) ، وأحمد (١/٢٧٢) من
طرق عن شريك ... به.
وقد تابعه سفيان- وهو الثوري- عن خُصيْفٍ ... به.
أخرجه الدارمي بإسناد صحيح عنه.
وقد رواه سفيان عن خصيْفٍ عن مِقْسمِ ... مرسلاً أيضاً، كما نذكره في
الحديث بعده.
وتابعه عن مقسم. عبد الكريم: أخرجه ابن ماجه (١/٢٢٤) .
وأخرجه الترمذي (١/٢٤٥) ، والدارمي (٢٥٥) ، والبيهقي والدارقطني أيضاً
(ص ٤١١) ، وأحمد (١/٣٦٧) من طرق عن عبد الكريم ... به؛ لكن بلفظ:
стр. 109
" إذا أتى الرجل امرأته وهي حائض؛ فإن كان الدم عبيطاً فليتصدق بدينار،
وإن كانت صفرة فليتصدق بنصف دينار ".
وعبد الكريم هذا: هو ابن أبي الخارق أبو أمية البصري، كما هو مصرح به في
رواية البيهقي والدارقطني، وهو ضعيف، وليس هو ابن مالك الجزري الثقة، كما
زعم غير واحد من المتقدمين، وبعض المعاصرين!
ثم إن الصواب في هذا اللفظ المفسر: أنه موقوف على ابن عباس؛ فانظر (رقم
٢٥٨) من الكتاب الأخر.
٤٢- قال أبو داود:
" وكذا قال علي بن بذِيمة عن مِقْسم عن النبي ﷺ ... مرسلاً ".
(قلت: وصله البيهقي، وهو ضعيف لإرساله، والراوية الصحيحة لهذا
الحديث- كما قال المصنف- هي بلفظ: " يتصدق بدينار أو نصف دينار "؛
هكذا على التخيير، وهي في الكتاب الآخر (رقم ٢٥٧)) .
إسناده معلق كما ترى، وقد وصله البيهقي (١/٣١٦) من طريق يحيى عن
سفيان: حدثني علي بن بذيمة وخصيف عن مقسم عن النبي ﷺ ... به.
" خصيف غير محتج به ".
وأخرجه أحمد (١/٣٥٥) : ثنا يحيى بن ادم: ثنا سفيان عن خصيف عن
مقسم ... به.
стр. 110
وقد وصله سفيان مرة، وأسنده عن ابن عباس- كما سبق بيانه فيما قبل-.
وكذلك أخرجه الدارقطني (ص ٤١٥) من طريق عبد الله بن يزيد بن الصلْتِ
عن سفيان عن عبد الكريم وعلي بن بذيمة وخصيف عن مقسم عن ابن عباس ...
مرفوعاً؛ لكن باللفظ المفسر المذكور في الذي قبله.
وعبد الله بن يزيد بن الصلت ضعيف.
وقد رواه عبد الله بن مُحرّرٍ عن هؤلاء الثلاثة.
وعبد الله بن محرر متروك.
أخرجه عنه: الدارقطني.
وبالجملة؛ فهو- من هذه الطرق الثلاثة- عن مقسم موصول؛ لكنه
ضعيف.
ومن طريق علي بن بذيمة مرسل.
وعلي بن بذيمة ثقة؛ وقد أرسله فضعف حديثه من أجل ذلك.
وقد وصله عن مقسم: عبد الحميد بن عبد الرحمن ... باللفظ الذي ذكرناه
أخرجه المصنف، وقال عقيبه:
" هكذا الرواية الصحيحة "، فانظره في الكتاب الآخر.