Полный текст (6 131 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
الحَدِيث الْخَامِس عشر
قَالَ الرَّافِعِيّ فسروا قَول الشَّافِعِي «ثمَّ يغسل مَا بِهِ من الْأَذَى» بِموضع الِاسْتِنْجَاء إِذا كَانَ قد استنجى بِالْحجرِ، وَكَذَا فسروا لفظ الْأَذَى فِي الْخَبَر. ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك: وَمِنْهُم من فسَّرهُ (فِي كَلَام الشَّافِعِي) وَنَحْوه (مِمَّا) يستقذر. وَهَذَا الْخَبَر الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ هُوَ ثَابت فِي حَدِيث عَائِشَة الْآتِي عَلَى الإثر، وَفِي حَدِيث مَيْمُونَة أخرجه البُخَارِيّ عَنْهَا قَالَت: «تَوَضَّأ رَسُول الله ﷺ َ وضوءه للصَّلَاة غير رجلَيْهِ، وَغسل فرجه وَمَا أَصَابَهُ من الْأَذَى، ثمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ (المَاء) ثمَّ (ينحي) رجلَيْهِ فغسلهما، هَذَا غسله من الْجَنَابَة» .
الحَدِيث السَّادِس عشر
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «كَانَ رَسُول الله ﷺ َ (إِذا اغْتسل) من الْجَنَابَة بَدَأَ فَغسل يَدَيْهِ، ثمَّ يتَوَضَّأ كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة، ثمَّ يدْخل أَصَابِعه فِي المَاء فيخلل بهَا أصُول شعره، ثمَّ يفِيض المَاء عَلَى جلده كُله» .
стр. 1052
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن هِشَام بن عُرْوَة (عَن أَبِيه) عَن عَائِشَة بِهِ إِلَّا أَنه قَالَ: «أصُول الشّعْر» بدل «أصُول شعره» . وَزَاد «ثمَّ يصب عَلَى رَأسه ثَلَاث غرف بِيَدِهِ» (ثمَّ ذكر الْإِفَاضَة بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور (فِيهِ) ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ كَذَلِك إِسْنَادًا ومتنًا.
وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي مُعَاوِيَة، عَن هِشَام، عَن أَبِيه) ، عَنْهَا قَالَت: «كَانَ رَسُول الله ﷺ َ إِذا اغْتسل من الْجَنَابَة يبْدَأ فَيغسل يَدَيْهِ، ثمَّ يفرغ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَاله فَيغسل فرجه، ثمَّ يتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة، ثمَّ يَأْخُذ المَاء فَيدْخل أَصَابِعه فِي أصُول الشّعْر حَتَّى إِذا رَأَى أَن (قد) اسْتَبْرَأَ، حفن عَلَى رَأسه ثَلَاث حفنات، ثمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِر جسده، ثمَّ غسل رجلَيْهِ» . وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث وَكِيع عَن هِشَام بِهِ « (فَبَدَأَ) فَغسل كفيه ثَلَاثًا» . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ من غير حَدِيث مَالك «حَتَّى إِذا ظن (أَنه) قد أروى بَشرته أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاء ثَلَاث مَرَّات» . وَفِي رِوَايَة لمُسلم من حَدِيث أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَنْهَا: « (كَانَ إِذا
стр. 1053
اغْتسل) بَدَأَ بِيَمِينِهِ فصب عَلَيْهَا (من) المَاء فغسلها ثمَّ صب المَاء (عَلَى الْأَذَى) الَّذِي (بِهِ) بِيَمِينِهِ وَغسل عَنهُ بِشمَالِهِ حَتَّى إِذا فرغ من ذَلِك صب عَلَى رَأسه» .
وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» بعد قَوْله «ثَلَاث حثيات» : «وَأفضل فِي الْإِنَاء فضلا فَصَبَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَمَا فرغ» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقَوله فِي آخر الحَدِيث الْمُتَقَدّم «ثمَّ غسل رجلَيْهِ» غَرِيب صَحِيح، حفظه أَبُو مُعَاوِيَة دون غَيره من أَصْحَاب هِشَام من الثِّقَات وَذَلِكَ للتنظيف - إِن شَاءَ الله.
الحَدِيث السَّابِع عشر
عَن مَيْمُونَة ﵂ «أَنَّهَا (وصفت) غسل رَسُول الله ﷺ َ فَقَالَت: ثمَّ تمضمض واستنشق وَغسل وَجهه وذراعيه، ثمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِر جسده، ثمَّ تنحى فَغسل رجلَيْهِ» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيثهَا قَالَت: «أدنيت لرَسُول الله ﷺ َ غسله من الْجَنَابَة فَغسل كفيه مرَّتَيْنِ أَو
стр. 1054
ثَلَاثًا، ثمَّ أَدخل يَده فِي الْإِنَاء، ثمَّ أفرغ بِهِ عَلَى (فرجه) وغسله بِشمَالِهِ، ثمَّ ضرب بِشمَالِهِ الأَرْض فدلكهما دلكا شَدِيدا، ثمَّ تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة، ثمَّ أفرغ عَلَى رَأسه ثَلَاث حفنات ملْء كَفه، ثمَّ غسل سَائِر جسده، ثمَّ تنحى عَن مقَامه ذَلِك فَغسل رجلَيْهِ، ثمَّ أَتَيْته بالمنديل فَرده» .
(قَالَ مُسلم: وَفِي حَدِيث وَكِيع وصف الْوضُوء، فَذكر الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق) وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: «تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة غير رجلَيْهِ» وَقد أسلفناها فِي الحَدِيث الْخَامِس بِطُولِهَا، وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي صفة (وضوئِهِ) «غسل راسه ثَلَاثًا» .
فَائِدَة: (قَوْلهَا) : «غسله» ضَبطه النَّوَوِيّ فِي «شرح مُسلم» - بِضَم الْغَيْن - قَالَ: (وَهُوَ) المَاء الَّذِي يغسل بِهِ، وَضَبطه ابْن باطيش - بِكَسْرِهَا.
الحَدِيث الثَّامِن عشر
قَالَ الرَّافِعِيّ ﵀: كَمَال الْغسْل يحصل بِأُمُور ...
стр. 1055
فَذكرهَا إِلَى أَن قَالَ: وَالرَّابِع يفِيض المَاء عَلَى رَأسه، ثمَّ عَلَى الشق الْأَيْمن، ثمَّ عَلَى الشق الْأَيْسَر (ورد) كَذَلِك فِي غسل رَسُول الله ﷺ . انْتَهَى.
الَّذِي ألفيته فِي (ذَلِك) حَدِيث عَائِشَة (الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ) «أَنه ﵊ كَانَ إِذا اغْتسل من الْجَنَابَة دَعَا بِشَيْء نَحْو الحِلابِ، فَأخذ بكفه بَدَأَ بشق رَأسه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر، ثمَّ أَخذ (بكفيه) فَقَالَ بهما عَلَى رَأسه» . هَذَا لفظ مُسلم وَقَالَ البُخَارِيّ: «فَبَدَأَ» بدل «بَدَأَ» وَقَالَ: «عَلَى وسط رَأسه» بدل «رَأسه» .
وَفِي رِوَايَة لأبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي «مستخرجه عَلَى صَحِيح البُخَارِيّ» : «كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يغْتَسل من الْجَنَابَة دَعَا بِشَيْء دون الحلاب فَأخذ بكفه فَبَدَأَ بشقه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر، ثمَّ أَخذ (بكفيه) مَاء فأفرغ عَلَى رَأسه» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «أَنه كَانَ يغْتَسل من حلاب، ثمَّ يصب عَلَى شقّ رَأسه الْأَيْمن، ثمَّ يصب عَلَى شقّ رَأسه الْأَيْسَر، ثمَّ يَأْخُذ بكفيه فَيصب وسط رَأسه» .
وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة (من) حَدِيث الْقَاسِم أَنه سمع عَائِشَة تَقول: «كَانَ رَسُول الله ﷺ َ يغْتَسل من حلاب فَيَأْخُذ بكفيه فَيَجْعَلهُ عَلَى
стр. 1056
شقَّه الْأَيْمن (و) يَأْخُذ بكفيه فَيَجْعَلهُ عَلَى (شقَّه) الْأَيْسَر، ثمَّ يَأْخُذ بكفيه فَيَجْعَلهُ عَلَى وسط رَأسه» . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» بالسند الْمَذْكُور وَلَفظه: «كَانَ يغْتَسل من حلاب مثل (هَذَا) - وَأَشَارَ أَبُو عَاصِم بكفيه - يصب عَلَى (شقّ) الْأَيْمن، ثمَّ يَأْخُذ (بكفيه فَيصب) عَلَى (شقَّه) الْأَيْسَر، ثمَّ يَأْخُذ (بكفيه) فَيصب عَلَى سَائِر جسده» ترْجم لَهُ: ذكر وصف الغرفات الثَّلَاث الَّتِي وصفناها للمغتسل من [جنابته] .
وَرَوَى قبل ذَلِك فِي حَدِيث عَائِشَة (بعد قَوْلهَا «ثمَّ يتَوَضَّأ كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة) ، ثمَّ يدْخل أَصَابِعه فِي المَاء فيخلل بهَا أصُول شعره، ثمَّ يصب عَلَى رَأسه ثَلَاث غرفات بِيَدِهِ، ثمَّ يفِيض المَاء عَلَى سَائِر جسده» .
وَفِي رِوَايَة للإسماعيلي عَن حَنْظَلَة، عَن الْقَاسِم «أَنه سُئِلَ: كم يَكْفِي من غسل الْجَنَابَة؟ قَالَ: سَمِعت عَائِشَة ﵂ تَقول: كَانَ النَّبِي ﷺ َ يغْتَسل بقدح مثل هَذَا - وَأَشَارَ حَنْظَلَة بِيَدِهِ - كَانَ يغسل (يَدَيْهِ،
стр. 1057
ثمَّ يغسل) وَجهه، ثمَّ يَقُول بِيَدِهِ ثَلَاث غرفات مرّة عَن يَمِينه، وَمرَّة عَن شقَّه الْأَيْسَر، وَمرَّة بَينهمَا، وَكَانَ كثير الشّعْر» .
هَذَا مَا رَأَيْته فِي الْبَاب، وَأقرب الرِّوَايَات إِلَى مَا سَاقه الرَّافِعِيّ رِوَايَة أبي حَاتِم بن حبَان. وَفِي البُخَارِيّ عَن عَائِشَة قَالَت: كُنَّا إِذا أصَاب إحدانا جَنَابَة أخذت (بِيَدِهَا) ثَلَاثًا فَوق رَأسهَا، ثمَّ تَأْخُذ بِيَدِهَا عَلَى شقها الْأَيْمن، وبيدها الْأُخْرَى عَلَى شقها الْأَيْسَر» .
فَائِدَة: الحلاب الْمَذْكُور هُوَ - بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَخْفِيف (اللَّام) وَآخره بَاء مُوَحدَة -: الْإِنَاء الَّذِي يحلب فِيهِ. قَالَ القَاضِي: هُوَ إِنَاء يملؤه حلب النَّاقة، وَيُقَال لَهُ: المحلب أَيْضا. وَكَذَا قَالَه الْخطابِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَنه إِنَاء يسع قدر حلبة نَاقَة. قَالَ - أَعنِي: الْبَيْهَقِيّ -: وَقد جَاءَ (عَن) أبي عَاصِم الضَّحَّاك أَنه قدر كوز يسع ثَمَانِيَة أَرْطَال. ثمَّ سَاقه عَنهُ بِإِسْنَادِهِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور الْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَة، وَأما البُخَارِيّ فَإِنَّهُ ترْجم عَلَى هَذَا الحَدِيث: بَاب من بدأَ بالحلاب وَالطّيب قبل الْغسْل، وَهَذَا يدل عَلَى أَنه عِنْده ضرب من الطّيب، وَهُوَ غير مَعْرُوف كَمَا قَالَه القَاضِي؛ إِنَّمَا الْمَعْرُوف حب المحلب - بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام - نوع من العقاقير الْهِنْدِيَّة تُوضَع فِي الطّيب، وَقد رَوَاهُ بَعضهم فِي غير
стр. 1058
«الصَّحِيحَيْنِ» بِشَيْء نَحْو الجُلاَّب - بِالْجِيم المضمومة وَتَشْديد اللَّام - وَنَقله الْهَرَوِيّ عَن الْأَزْهَرِي قَالَ: فَأَرَادَ بِهِ مَاء الْورْد، فَارسي مُعرب، وَأنكر الْهَرَوِيّ (هَذَا) وَقَالَ: (أرَاهُ) الحلاب.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: مَا توهمه البُخَارِيّ غلط، وَمَا ذكره الْأَزْهَرِي وَغَيره تَصْحِيف. وَكَذَا (قَالَ) صَاحب «الْمطَالع» : إِن مَا دلّ عَلَيْهِ إِيرَاد البُخَارِيّ عَلَى أَنه ضرب من الطّيب لَا يعرف. وَادَّعَى ابْن الْأَثِير أَنه رُوِيَ بِالْجِيم، ثمَّ قَالَ: وَيحْتَمل أَن البُخَارِيّ مَا أَرَادَ إِلَّا هُوَ، لَكِن الَّذِي يرْوَى فِي كِتَابه، إِنَّمَا هُوَ بِالْحَاء وَهُوَ بهَا أشبه؛ لِأَن الطّيب لمن يغْتَسل بعد الْغسْل أليق بِهِ من قبله وَأولَى؛ لِأَنَّهُ إِذا بَدَأَ بِهِ ثمَّ اغْتسل أذهبه المَاء.
الحَدِيث التَّاسِع عشر
قَالَ الرَّافِعِيّ: هَل يسْتَحبّ تَجْدِيد الْغسْل؟ فِيهِ وَجْهَان.
أَحدهمَا: نعم كَالْوضُوءِ. وأظهرهما: لَا؛ لِأَن التَّرْغِيب فِي التَّجْدِيد إِنَّمَا ورد فِي الْوضُوء وَالْغسْل لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ. انْتَهَى.
وَأَشَارَ بذلك إِلَى حَدِيث أبي غطيف (الْهُذلِيّ) قَالَ: «كنت عِنْد عبد الله بن عمر فَلَمَّا نُودي بِالظّهْرِ تَوَضَّأ وَصَلى، فَلَمَّا نُودي بالعصر تَوَضَّأ فَقلت لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ َ يَقُول: من تَوَضَّأ عَلَى طهر كتب لَهُ عشر حَسَنَات» .
стр. 1059
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: إِسْنَاده ضَعِيف. وَقَالَ يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان: ذكر لهشام بن عُرْوَة هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: هَذَا إِسْنَاد مشرقي. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِسَنَد أبي دَاوُد ثمَّ قَالَ: فِيهِ عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد الأفريقي وَهُوَ غير قوي، وَقد أسلفنا فِي فُصُول السِّوَاك حَدِيث عبد الله بن حَنْظَلَة وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي ذَلِك. وَفِي الْإِحْيَاء للغزالي: «وضوء عَلَى وضوء نور عَلَى نور» وَلَا يحضرني.
الحَدِيث الْعشْرُونَ
أَنه ﷺ َ قَالَ: «أما أَنا فأحثي عَلَى رَأْسِي ثَلَاث حثيات، فَإِذا أَنا قد طهرت» .
هَذَا الحَدِيث قدمنَا الْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا فِي بَاب الْوضُوء.
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين
عَن عَائِشَة ﵂ «أَن امْرَأَة جَاءَت إِلَى رَسُول الله ﷺ تسأله عَن الْغسْل من الْحيض فَقَالَ: خذي فرْصَة من مسك فتطهري بهَا. فَلم تعرف مَا أَرَادَ، فاجتذبتها وَقلت: تتبعي بهَا أثر الدَّم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان، عَن مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن الحَجبي، عَن أمه صَفِيَّة بنت شيبَة، عَن عَائِشَة قَالَت:
стр. 1060
«جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله ﷺ َ تسأله عَن الْغسْل من (الْمَحِيض) فَقَالَ: خذي فرْصَة من مسك (فتطهري) بهَا. قَالَت: كَيفَ أتطهر بهَا؟ قَالَ النَّبِي ﷺ َ: سُبْحَانَ الله، سُبْحَانَ الله! - واستتر بِثَوْبِهِ - (تطهري) بهَا. فاجتذبتها - وَعرفت الَّذِي أَرَادَ - فَقلت لَهَا: تتبعي بهَا أثر الدَّم - يَعْنِي الْفرج» .
وَرَوَاهُ البُخَارِيّ (من) حَدِيث ابْن عُيَيْنَة أَيْضا عَن مَنْصُور [بن] صَفِيَّة، عَن أمه، عَن عَائِشَة «أَن امْرَأَة سَأَلت النَّبِي ﷺ َ [عَن] غسلهَا [من] الْحيض فَأمرهَا كَيفَ تَغْتَسِل قَالَ: خذي فرْصَة من مسك فتطهرين بهَا. قَالَت: كَيفَ أتطهر بهَا؟ قَالَ: تطهري بهَا. قَالَت: كَيفَ؟ قَالَ: سُبْحَانَ الله! تطهري بهَا. فاجتذبتها إِلَيّ فَقلت: تتبعي بهَا أثر الدَّم» ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث وهيب عَن مَنْصُور، عَن أمه، عَن عَائِشَة «أَن امْرَأَة من الْأَنْصَار قَالَت للنَّبِي ﷺ َ: كَيفَ أَغْتَسِل من الْمَحِيض؟ قَالَ: خذي فرْصَة ممسكة فتوضئي ثَلَاثًا. ثمَّ إِنَّه ﵇ استحيى فَأَعْرض بِوَجْهِهِ وَقَالَ: توضئي بهَا. فأخذتها فجذبتها فَأَخْبَرتهَا بِمَا يُرِيد النَّبِي ﷺ » وَمن
стр. 1061
تراجمه عَلَى هَذَا الحَدِيث بَاب الْأَحْكَام الَّتِي تعرف بالدلائل.
وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة أَيْضا، عَن مَنْصُور، عَن أمه، عَن عَائِشَة قَالَت: «سَأَلت امْرَأَة رَسُول الله ﷺ : كَيفَ تَغْتَسِل من حَيْضَتهَا؟ قَالَت: فَذكرت أَنه علمهَا كَيفَ تَغْتَسِل ثمَّ تَأْخُذ فرْصَة من مسك فَتطهر بهَا فَقَالَت: كَيفَ أتطهر (بهَا) ؟ قَالَ: تطهري (بهَا) سُبْحَانَ الله. واستتر - وَأَشَارَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِيَدِهِ عَلَى وَجهه - قَالَت عَائِشَة: فاجتذبتها إِلَيّ وَعرفت مَا أَرَادَ، فَقلت: تتبعي أثر الدَّم بهَا» . وَفِي لفظ: «تتبعي بهَا (آثَار) الدَّم» ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث وهيب، عَن مَنْصُور، عَن أمه، عَن عَائِشَة «أَن امْرَأَة سَأَلت النَّبِي ﷺ كَيفَ أَغْتَسِل عِنْد الطّهُور؟ فَقَالَ: خذي فرْصَة ممسكة فتوضئي بهَا ... » ثمَّ ذكر نَحْو حَدِيث سُفْيَان (ثمَّ) رَوَاهُ مطولا (مُنْفَردا بِهِ) من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن المُهَاجر، عَن صَفِيَّة، عَن عَائِشَة «أَن أَسمَاء - وَهِي بنت شكل - سَأَلت النَّبِي ﷺ َ عَن غسل الْمَحِيض فَقَالَ: تَأْخُذ إحداكن ماءها وسدرتها فَتطهر فتحسن الطّهُور، ثمَّ تصب عَلَى رَأسهَا فتدلكه دلكا شَدِيدا حَتَّى تبلغ شئون رَأسهَا - يَعْنِي: أصل الشّعْر - ثمَّ تصب عَلَيْهَا المَاء، ثمَّ تَأْخُذ فرْصَة ممسكة فَتطهر بهَا. فَقَالَت أَسمَاء: وَكَيف أتطهر بهَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله! تطهرين بهَا. فَقَالَت عَائِشَة - كَأَنَّهَا تخفي ذَلِك -: تتبعين بهَا أثر الدَّم. وَسَأَلته عَن
стр. 1062
غسل الْجَنَابَة فَقَالَ: تَأْخُذ مَاء فَتطهر فتحسن الطّهُور (أَو تبلغ الطّهُور) (ثمَّ) تصب عَلَى رَأسهَا فتدلكه حَتَّى تبلغ شئون رَأسهَا، ثمَّ تفيض عَلَيْهَا المَاء. قَالَت عَائِشَة: نعم النِّسَاء نسَاء الْأَنْصَار؛ لم يكن يمنعهن الْحيَاء أَن يتفقهن فِي الدَّين» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ «خذي فرْصَة ممسكة» .
قلت: قد أخرجهَا الشَّيْخَانِ كَمَا عَلمته.
فَوَائِد: الأولَى: أبعد ابْن حزم فطعن فِي «محلاه» فِي رِوَايَة «فتطهري (بهَا) » وَفِي رِوَايَة: «فتوضئي (بهَا) » بِأَن قَالَ: لم تسند هَذِه اللَّفْظَة إِلَّا من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن مهَاجر، وَهُوَ ضَعِيف، وَمن طَرِيق مَنْصُور ابْن صَفِيَّة، وَقد ضعف وَلَيْسَ مِمَّن يحْتَج بروايته. هَذَا لَفظه، وَهُوَ عَجِيب من (وُجُوه) : (أَولهَا قَوْله: لم تسند هَذِه اللَّفْظَة إِلَّا من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن مهَاجر جهل مِنْهُ؛ فقد أسندها ابْن عُيَيْنَة كَمَا أخرجهَا الشَّافِعِي والشيخان، ووهيب كَمَا أخرجه الشَّيْخَانِ.
стр. 1063
ثَانِيهَا:) جرمه بتضعيفه (إِبْرَاهِيم) وَقد احْتج بِهِ مُسلم، وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقه، وَوَثَّقَهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالْعجلِي، وَتكلم فِيهِ ابْن معِين بِحَضْرَة عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَقَالَ: إِنَّه ضَعِيف. فَغَضب عبد الرَّحْمَن فكره مَا قَالَه، وَقَالَ يَحْيَى بن سعيد: لم يكن بِالْقَوِيّ. وَلَعَلَّه الْتبس عَلَى ابْن حزم بإبراهيم بن مهَاجر بن مِسْمَار فَإِنَّهُ مُنكر الحَدِيث، كَمَا قَالَه البُخَارِيّ، وَضَعِيف كَمَا قَالَه النَّسَائِيّ، وَإِن كَانَ يَحْيَى قَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْس فِي رِوَايَة عُثْمَان بن سعيد عَنهُ.
(ثَالِثهَا:) تَضْعِيفه مَنْصُور ابْن صَفِيَّة من أَفْرَاده، وَلَا يحضرني سلفه فِي ذَلِك، وَقد أخرج الشَّيْخَانِ (لَهُ) هَذَا الحَدِيث من طَرِيقه، وَوَثَّقَهُ النَّاس: أَحْمد وَابْن عُيَيْنَة وَغَيرهمَا.
الْفَائِدَة الثَّانِيَة: السائلة فِي رِوَايَة الشَّافِعِي وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم هِيَ أَسمَاء، كَمَا صرح بِهِ مُسلم فِي رِوَايَته الْأُخْرَى، وَهِي أَسمَاء بنت يزِيد بن السكن خطيبة النِّسَاء، كَمَا ذكره الْخَطِيب فِي «مبهماته» وَرَوَى حَدِيثا فِيهِ تَسْمِيَتهَا بذلك، وَتَبعهُ الْمُنْذِرِيّ فِي الْقطعَة (الَّتِي) لَهُ عَلَى «أَحَادِيث الْمُهَذّب» وَوَقع فِي رِوَايَة لمُسلم أَنَّهَا أَسمَاء بنت شكل، كَمَا أسلفناها - بالشين الْمُعْجَمَة وَالْكَاف المفتوحتين - وَحَكَى صَاحب «الْمطَالع» إسكان الْكَاف أَيْضا، قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِيه» : فَيجوز أَن تكون الْقِصَّة جرت
стр. 1064
فِي مجْلِس أَو مجلسين. وَأما الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي فَقَالَ: هَذِه الرِّوَايَة تَصْحِيف. وَجزم ابْن الْأَثِير فِي «شرح الْمسند» بِمَا أسلفناه عَن الْخَطِيب ثمَّ قَالَ: وَهِي أنصارية أحد نسَاء بني عبد الْأَشْهَل، تكنى أم عَامر، وَقيل: أم سَلمَة. (قَالَ:) وَقيل: اسْمهَا: فكيهة، وَهِي مَدَنِيَّة من (المبايعات) وَيُقَال إِنَّهَا بنت عَم معَاذ بن جبل، أَو بنت عمته، وَكَانَت من ذَوَات الْعقل وَالدّين، شهِدت اليرموك، وَقتلت تِسْعَة من الْكفَّار بعمود فسطاط.
الْفَائِدَة الثَّالِثَة: فِي ضبط مَا وَقع فِي الحَدِيث من الْأَلْفَاظ: الفرصة - بِكَسْر الْفَاء وَإِسْكَان الرَّاء وبالصاد الْمُهْملَة - الْقطعَة من كل شَيْء، ذكره ثَعْلَب وَغَيره، وَاقْتصر الرَّافِعِيّ عَلَى حكايته عَن ثَعْلَب، وَحَكَى عَن الغريبين أَنَّهَا الْقطعَة من الصُّوف (أَو) الْقطن، وَقَالَ ابْن سَيّده: الفرصة: الْقطعَة من الْقطن أَو الصُّوف مُثَلّثَة الْفَاء. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ أَيْضا فِي «غَرِيبه» : هِيَ الْقطعَة من الصُّوف أَو الْقطن، يُقَال: فرصت الشَّيْء إِذا قطعته بالمقراض؛ أَي: شَيْئا يَسِيرا، مثل الْقَرْض بِطرف الأصبعين. (وَفِي أبي دَاوُد، عَن أبي الْأَحْوَص أَنه كَانَ يَقُول: قرصة -
стр. 1065
أَي: بِالْقَافِ - كَمَا ضَبطه الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِيه» ) وَقَالَ أَبُو عبيد وَابْن قُتَيْبَة: إِنَّمَا هُوَ قرضة - بِالْقَافِ المضمومة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة - وَيدل عَلَيْهِ الرِّوَايَة السالفة «قرضة ممسكة» - بِضَم الْمِيم الأولَى وَفتح الثَّانِيَة وَفتح السِّين الْمُشَدّدَة وَكسرهَا (أَيْضا) - أَي: قِطْعَة من قطن أَو صوف أَو خرقَة مطيبة بالمسك.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَلم يكن للْقَوْم وسع فِي المَال بِحَيْثُ يستعملون الطّيب فِي مثل هَذَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ممسكة أَي: خلقا، فَإِنَّهُ أصلح لذَلِك (فَلَا) يسْتَعْمل جَدِيد الْقطن وَالصُّوف للارتفاق بِهِ فِي المغزل وَغَيره، وَالْمَشْهُور الأول.
والمسك - بِكَسْر الْمِيم - قَالَ النَّوَوِيّ: وَعَلِيهِ الْفُقَهَاء وَغَيرهم من (أهل) الْعلم، وَادَّعَى القَاضِي عِيَاض أَن الْفَتْح فِيهِ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَهُوَ الْجلد أَي: قِطْعَة من جلد فِيهِ شعر، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ إِنَّه الْمَشْهُور، وَبِه جزم ابْن قُتَيْبَة قَالَ: وَمَعْنَاهُ الْإِمْسَاك. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: لقد أحسن من قَالَ فِي ابْن قُتَيْبَة هجوم ولاح عَلَى مَا لَا يحسن. هَا هُوَ قد أنكر مَا صَحَّ فِي الرِّوَايَة من «فرْصَة» وَجَهل مَا صحّح (لَفظه) أَئِمَّة اللُّغَة وَاخْتَارَ (مَا لَا يلتئم) الْكَلَام مَعَه؛ فَإِنَّهُ لَا يَصح أَن يُقَال: حد قِطْعَة من أمساك
стр. 1066
وَسوى بَين الصَّحَابَة كلهم فِي الْفقر، والمعلوم من حَالَة أهل الْحجاز كَثْرَة الْمسك عِنْدهم؛ فَلَا الْتِفَات إِلَى قَوْله.
والمسك يذكر وَيُؤَنث (كَالْعَيْنِ) ذكره صَاحب «الواعي» ، وَقيل: من ذَكَّر أَرَادَ الْمسك، وَمن أَنَّث أَرَادَ الرَّائِحَة. وَفِي الفصيح: الْمسك (ضرب من) الطّيب (وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن طَلْحَة وَقَالَ: صَوَابه: المسَك) أَي (كَمَا) قَالَه ابْن السّكيت، قَالَ ابْن سَيّده: وَحَكَى ابْن الْأَعرَابِي: مسك إدفر - بِالدَّال الْمُهْملَة - وَلم يحكها أحد سواهُ، إِنَّمَا هِيَ الْمُعْجَمَة.
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين
«أَنه ﷺ َ كَانَ يتَوَضَّأ بِالْمدِّ ويغتسل بالصاع» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح وَله طرق:
أَحدهَا: من حَدِيث سفينة - بِفَتْح أَوله وَكسر ثَانِيه ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِي ﷺ َ يُغَسِّلُهُ (الصَّاع) من المَاء (من) الْجَنَابَة ويوضئه الْمَدّ» وَفِي لفظ: «يغْتَسل بالصاع ويتطهر بِالْمدِّ» (أَو قَالَ: « [يطهره] الْمَدّ» ) .
رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ، بل لم يخرج البُخَارِيّ فِي كِتَابه عَن سفينة شَيْئا كَمَا نبه عَلَيْهِ عبد الْحق فِي «جَامعه» .
стр. 1067
ثَانِيهَا: من حَدِيث أنس ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يتَوَضَّأ بِالْمدِّ ويغتسل بالصاع إِلَى خَمْسَة أَمْدَاد» .
رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَفِي رِوَايَة (لَهما) «كَانَ يغْتَسل بِخمْس مكاكيك وَيتَوَضَّأ بمكوك» وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ بدل «مكاكيك» : «مكاكي» . قَالَ ابْن خُزَيْمَة: المكوك هُوَ الْمَدّ نَفسه. وَسَبقه إِلَى ذَلِك أَبُو خَيْثَمَة وَوَقع فِي «جَامع المسانيد» لِابْنِ الْجَوْزِيّ أَن المكوك مكيال لَهُ مَعْرُوف، وَأَنه لَيْسَ (بالمعلوم) الْقدر عندنَا. وَهُوَ غَرِيب مِنْهُ؛ فقد قَالَ هُوَ نَفسه فِي كِتَابه «غَرِيب الحَدِيث» - وَمن خطه نقلت - قَوْله: (كَانَ يغْتَسل (بِخَمْسَة) مكاكيك) لَا زلت أستهول هَذَا؛ لِأَن المكوك الْمَعْرُوف صَاع وَنصف، وَقد كَانَ ﵇ يغْتَسل بالصاع الْوَاحِد، إِلَى أَن رَأَيْت الْأَزْهَرِي قد حَكَى عَن اللَّيْث أَنه قَالَ: المكوك طاس يشرب بِهِ. فَزَالَ (الْإِشْكَال) قَالَ: وَقَالَ غَيره: (المكوك) إِنَاء يسع (نَحْو الْمَدّ مَعْرُوف عِنْدهم.
وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد «كَانَ يتَوَضَّأ بِإِنَاء يسع) رطلين ويغتسل بالصاع» . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد «يَكْفِي أحدكُم مد (فِي) الْوضُوء» .
стр. 1068
ثَالِثهَا: من حَدِيث عَائِشَة ﵂ «أَن النَّبِي ﷺ َ كَانَ يغْتَسل بالصاع وَيتَوَضَّأ بِالْمدِّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي الْقطعَة الَّتِي لَهُ عَلَى (الْمُهَذّب» : حَدِيث حسن وَرِجَاله كلهم ثِقَات، وَهُوَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْهَا «أَنَّهَا لما سُئِلت عَن غسله من الْجَنَابَة دعت بِإِنَاء قدر الصَّاع فأفرغته عَلَى رَأسهَا» .
رَابِعهَا: من حَدِيث جَابر ﵁ مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن السكن، وَصَححهُ ابْن الْقطَّان عَلَى رَأْي عبد الْحق، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» بِلَفْظ: «يُجزئ من الْوضُوء الْمَدّ، وَمن الْجَنَابَة الصَّاع» .
وَفِي البُخَارِيّ عَن جَابر «أَنه ﵇ كَانَ يَكْفِيهِ الصَّاع فِي الْغسْل» ذكره بِقِصَّتِهِ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» من حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَأَبُو أَحْمد من حَدِيث ابْن عمر، وَفِيهِمَا ضعف، وَفِي «سنَن ابْن مَاجَه» من حَدِيث يزِيد بن أبي زِيَاد - وَهُوَ (صَدُوق) سَاءَ حفظه - عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل بن أبي طَالب - وَفِيه
стр. 1069
لين - عَن أَبِيه، عَن جده - رَفعه -: «يُجزئ من الْوضُوء مد وَمن الْغسْل صَاع. فَقَالَ رجل: لَا يكفينا. فَقَالَ: كَانَ يَكْفِي من هُوَ خير مِنْك وَأكْثر شعرًا - يَعْنِي: النَّبِي ﷺ َ) وَفِي «الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير» و «تَارِيخ الْعقيلِيّ» نَحوه وَضَعفه من رِوَايَة ابْن عَبَّاس، وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث عَائِشَة «كنت أَغْتَسِل أَنا وَالنَّبِيّ ﷺ َ من إِنَاء وَاحِد من قدح يُقَال لَهُ: الْفرق» . هَذَا لفظ البُخَارِيّ وَلَفظ مُسلم: «كَانَ رَسُول الله ﷺ َ يغْتَسل (فِي) الْقدح وَهُوَ الْفرق، وَكنت أَغْتَسِل أَنا وَهُوَ فِي الْإِنَاء الْوَاحِد. قَالَ سُفْيَان: وَالْفرق ثَلَاثَة آصَع» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «كَانَ يغْتَسل فِي إِنَاء - هُوَ الْفرق - من الْجَنَابَة» وَيجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث بِأَنَّهَا كَانَت (أحوالاً) لَهُ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وحد فِيهَا أَكثر مَا اسْتَعْملهُ وَأقله، وَهُوَ دَال عَلَى أَنه لَا حد فِي قدر مَاء الطَّهَارَة يجب اسْتِيفَاؤهُ، وَهُوَ مَا جمع بِهِ إمامنا الشَّافِعِي وَغَيره من الْعلمَاء.
فَائِدَة: لَا خلاف عِنْد أهل الْحجاز - والمرجع إِلَيْهِم - أَن الْمَدّ (رَطْل) وَثلث، وَأَن الصَّاع خَمْسَة أَرْطَال وَثلث، وَأَن الْمَدّ ربع الصَّاع، وَخَالف الْعِرَاقِيُّونَ فَجعلُوا الصَّاع ثَمَانِيَة أَرْطَال وَالْمدّ رطلين،
стр. 1070
وَاحْتَجُّوا لذَلِك بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» عَن أنس «أَنه ﵇ كَانَ يتَوَضَّأ برطلين، ويغتسل بالصاع ثَمَانِيَة أَرْطَال» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «يتَوَضَّأ بِمد - رطلين - ويغتسل بالصاع - ثَمَانِيَة أَرْطَال» وَعَن عَائِشَة (قَالَت) : «جرت السّنة من رَسُول الله ﷺ َ فِي الْغسْل من الْجَنَابَة صَاع، وَالْوُضُوء رطلين، والصاع ثَمَانِيَة أَرْطَال» وَأجَاب الْحفاظ بضعفها، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: (إِسْنَاده) ضَعِيف. ثمَّ أوضحه، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ أَيْضا: لَا يصحان. ثمَّ بَين ذَلِك، لَكِن فِي «سنَن النَّسَائِيّ» بِإِسْنَاد حسن عَن مُوسَى الْجُهَنِيّ قَالَ: «أُتِي مُجَاهِد بقدح حزرته ثَمَانِيَة أَرْطَال، فَقَالَ: حَدَّثتنِي عَائِشَة أَن رَسُول الله ﷺ َ كَانَ يغْتَسل بِمثل هَذَا» وَأوردهُ ابْن حزم بِلَفْظ «يسع ثَمَانِيَة أَرْطَال، تِسْعَة أَرْطَال، عشرَة» ثمَّ رده بِهَذَا الشَّك، وَرَوَى ابْن حزم عَن أنس - رَفعه -: «يُجزئ فِي الْوضُوء رطلان» ثمَّ قَالَ: لَا حجَّة فِيهِ؛ لِأَن فِيهِ شريك بن عبد الله القَاضِي، وَهُوَ مَعْرُوف بتدليس الْمُنْكَرَات عَن الثِّقَات، وَقد أسقط حَدِيثه الإمامان يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان وَابْن الْمُبَارك، وتالله لَا أَفْلح من شهد عَلَيْهِ بالجرحة. انْتَهَى.
حَدِيث أنس هَذَا عزاهُ ابْن عَسَاكِر والضياء الْمَقْدِسِي و (الْمزي)
стр. 1071
إِلَى التِّرْمِذِيّ بِهَذَا اللَّفْظ وَإِن لم أره (فِي) «جَامعه» وَشريك هَذَا قد رَوَى النَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن الْمُبَارك عَنهُ، وَقد رَوَى عَنهُ يَحْيَى الْقطَّان أَيْضا. وَمن الْأَقَاوِيل العجيبة فِي الْمَدّ أَنه الصَّاع. حَكَاهُ صَاحب «مجمع الغرائب» حَيْثُ قَالَ: الْمَدّ (ربع) وَيُقَال: هُوَ الصَّاع.
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين
رُوِيَ أَنه ﷺ َ قَالَ: «سَيَأْتِي أَقوام يستقلون هَذَا؛ فَمن رغب فِي سنتي وَتمسك بهَا بعث معي فِي حَظِيرَة الْقُدس» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب لَا أعلم من خرجه من أَصْحَاب الْكتب (الْمُعْتَمدَة) وَلَا غَيرهَا (ورأيته) فِي كتاب «الِانْتِصَار لأَصْحَاب الحَدِيث» لِلْحَافِظِ أبي المظفر مَنْصُور بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السَّمْعَانِيّ فِي أثْنَاء الْجُزْء الثَّانِي مِنْهُ من حَدِيث عَنْبَسَة بن عبد الرَّحْمَن الْقرشِي، عَن مُحَمَّد بن (زَاذَان) عَن أم سعد - رفعته -: «الْوضُوء وَالْغسْل صَاع، وَسَيَأْتِي أَقوام من بعدِي يستقلون ذَلِك، أُولَئِكَ خلاف أهل سنتي، والآخذ بِسنتي معي فِي حَظِيرَة الْقُدس» وَهُوَ فِي بعض الْأَجْزَاء الحديثية بِلَفْظ: «الْوضُوء مد وَالْغسْل صَاع» وَفِي آخِره: «فِي حَظِيرَة الْقُدس، وَهُوَ مصير أهل الْجنَّة» وعنبسة هَذَا مُتَّهم مَتْرُوك، وَمُحَمّد قَالَ البُخَارِيّ: لَا يكْتب حَدِيثه. ويغني عَنهُ فِي الدّلَالَة حَدِيث
стр. 1072
صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ (من) حَدِيث عبد الله بن مُغفل «أَنه سمع ابْنه يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك الْقصر الْأَبْيَض عَن يَمِين الْجنَّة إِذْ دَخَلتهَا. فَقَالَ: يَا بني، سل الله الْجنَّة وتعوذ بِهِ من النَّار؛ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ يَقُول: إِنَّه سَيكون فِي هَذِه الْأمة قوم يعتدون فِي (الطّهُور) وَالدُّعَاء» قَالَ الْحَاكِم: إِسْنَاده صَحِيح. وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان: مَحْفُوظ من طريقيه.
وَجَاء فِي كَرَاهَة الْإِسْرَاف فِي الْوضُوء أَحَادِيث (صَحِيحه) :
إِحْدَاهَا: عَن أبي بن كَعْب ﵁ أَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: «إِن للْوُضُوء (شَيْطَانا) يُقَال لَهُ الولهان فَاتَّقُوا وسواس المَاء» رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: فِي إِسْنَاده خَارِجَة بن مُصعب وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْد أَصْحَابنَا، وَضَعفه ابْن الْمُبَارك، وَهُوَ حَدِيث غَرِيب، وَلَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَوِيّ عِنْد أهل الحَدِيث؛ لأَنا لَا نعلم أحدا أسْندهُ
стр. 1073
(غير) خَارِجَة. قَالَ: وَقد رُوِيَ هَذَا (الحَدِيث عَن) الْحسن من غير وَجه قَوْله، وَلَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب عَن النَّبِي ﷺ َ شَيْء.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا حَدِيث مَعْلُول بِرِوَايَة الثَّوْريّ عَن، بَيَان، عَن الْحسن، بعضه من قَوْله غير مَرْفُوع، وَبَاقِيه عَن يُونُس بن عبيد من قَوْله غير مَرْفُوع، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : قَالَ أبي: كَذَا رَوَاهُ خَارِجَة، وَأَخْطَأ (فِيهِ) وَإِنَّمَا يرْوَى عَن الْحسن قَوْله، وَعَن الْحسن، عَن النَّبِي ﷺ َ (مُرْسل) قَالَ ابْن أبي حَاتِم: وَسُئِلَ أَبُو زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ َ مُنكر. وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ أَيْضا فِي «علله» وَضَعفه، وَخَالف ابْن خُزَيْمَة فَأوردهُ فِي «صَحِيحه» من جِهَة خَارِجَة، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ، فكلهم ضعف خَارِجَة، وَنسبه إِلَى الْكَذِب يَحْيَى، وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده وَلَا أعلم فِيهِ أحسن من قَول ابْن عدي: إِنَّه يكْتب حَدِيثه.
الحَدِيث الثَّانِي: عَن عبد الله بن (عَمْرو) : «أَن رَسُول الله ﷺ مر بِسَعْد وَهُوَ يتَوَضَّأ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرف؟ قَالَ: أَفِي الْوضُوء إِسْرَاف؟ ! قَالَ: نعم؛ وَإِن كنت عَلَى نهر جَار» .
стр. 1074
رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَفِي إِسْنَاده: ابْن لَهِيعَة، وحالته مَعْلُومَة سلفت لَك فِيمَا مر.
الحَدِيث الثَّالِث: عَن ابْن عمر ﵁ (قَالَ: «رَأَى رَسُول الله ﷺ َ رجلا يتَوَضَّأ، فَقَالَ: لَا تسرف» رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَفِي إِسْنَاده) مُحَمَّد بن الْفضل بن عَطِيَّة وَهُوَ مَتْرُوك، وَرَوَاهُ ابْن عدي من جِهَة مُحَمَّد هَذَا، عَن أَبِيه، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس، عَن النَّبِي ﷺ َ «أَنه كَانَ يتَعَوَّذ بِاللَّه من وَسْوَسَة الْوضُوء» فَخَالف فِي هَذِه الرِّوَايَة فِي الْإِسْنَاد وَاللَّفْظ.
الحَدِيث (الرَّابِع) بعد الْعشْرين
رُوِيَ «أَنه ﵇ تَوَضَّأ بِنصْف مد» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من رِوَايَة أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَفِي إِسْنَاده الصَّلْت بن دِينَار، وَهُوَ مَتْرُوك.
وَفِي رِوَايَة للبيهقي: «بقسط من مَاء» .
فِي رِوَايَة لَهُ: «بِأَقَلّ من مد» .
стр. 1075
الحَدِيث (الْخَامِس) بعد الْعشْرين
رُوِيَ «أَنه ﷺ َ تَوَضَّأ بِثلث مد» .
هَذَا الحَدِيث لَا أعلم من خرجه (مَعَ) شدَّة الْبَحْث عَنهُ من كتب السّنَن وَالْمَسَانِيد وَالْأَحْكَام، وَلَعَلَّه كَانَ «بِثُلثي مد» فأسقط الْكَاتِب الْيَاء، فَإِنَّهُ كَذَلِك مَشْهُور (فِي) كتب الحَدِيث، رَوَاهُ كَذَلِك أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي «سُنَنهمَا» بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث أم عمَارَة نسيبة بنت كَعْب الْأَنْصَارِيَّة «أَن النَّبِي ﷺ َ تَوَضَّأ بِإِنَاء فِيهِ مَاء قدر ثُلثي الْمَدّ» .
وَرَوَاهُ أَيْضا الْأَئِمَّة: ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من رِوَايَة عبد الله بن زيد ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ َ تَوَضَّأ بِنَحْوِ من ثُلثي الْمَدّ» هَذَا لفظ الْبَيْهَقِيّ، وَلَفظ البَاقِينَ «أَنه ﵇ أُتِي بِثُلثي مد مَاء فَتَوَضَّأ، فَجعل يدلك ذِرَاعَيْهِ» قَالَ
стр. 1076
الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : قَالَ أَبُو زرْعَة: الصَّحِيح عِنْدِي حَدِيث أم عمَارَة - يَعْنِي: الأول.
آخر الْجُزْء الثَّالِث عشر (يتلوه فِي الرَّابِع عشر بَاب التَّيَمُّم) .
стр. 1077
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
(رَبنَا آتنا من لَدُنْك رَحْمَة وهيئ لنا من أمرنَا رشدا)
بَاب التَّيَمُّم
ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث وآثارًا، أما الْأَحَادِيث فثمانية عشر حَدِيثا.
(الحَدِيث) الأول «أَنه ﷺ َ سُئِلَ: أَي الْأَعْمَال أفضل؟ فَقَالَ: الصَّلَاة لأوّل وَقتهَا» .
هَذَا الحَدِيث أَصله فِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث شُعْبَة عَن الْوَلِيد بن الْعيزَار، عَن (أبي) عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: «قلت: يَا نَبِي الله، أَي الْأَعْمَال أحب إِلَى الله - تَعَالَى؟ (قَالَ) : الصَّلَاة عَلَى (وَقتهَا) . قلت: ثمَّ أَي؟ قَالَ: بر الْوَالِدين. قلت: ثمَّ أَي؟ قَالَ: الْجِهَاد فِي سَبِيل الله. قَالَ: حَدَّثَني بِهن وَلَو استزدته لزادني» . وَفِي لفظ: «أَي الْأَعْمَال أفضل؟ قَالَ: الصَّلَاة (لوَقْتهَا» وَفِي لفظ: «يَا
стр. 1078
نَبِي الله، أَي الْأَعْمَال أقرب إِلَى الْجنَّة؟ قَالَ: الصَّلَاة) عَلَى مواقيتها ... » الحَدِيث.
وَرَوَاهُ بِلَفْظ المُصَنّف (من هَذَا الْوَجْه) الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» و «عُلُوم الحَدِيث» ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» و «خلافياته» (وَغَيرهمَا) بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَة الَّتِي لَا مطْعن لأحد فِيهَا، قَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان: تفرد بِهَذِهِ اللَّفْظَة عُثْمَان بن (عمر) يَعْنِي (رَاوِيه) عَن مَالك (بن مغول، عَن الْوَلِيد) .
قلت: قد أخرجهَا الْحَاكِم من طَرِيق عَلّي بن حَفْص الْمَدَائِنِي، عَن شُعْبَة، عَن أبي الْعيزَار، عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، عَن أبي مَسْعُود كَمَا سَيَأْتِي.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : وَرِوَايَة عُثْمَان بن عمر، عَن مَالك بن مغول، عَن الْوَلِيد بن الْعيزَار مَقْبُولَة، فقد اتّفق البُخَارِيّ وَمُسلم عَلَى الِاحْتِجَاج بِهِ، وَهُوَ مِمَّن لَا يشك حَدَّثَني فِي ثقته. قَالَ: وَقد تَابعه عَلّي بن حَفْص، عَن شُعْبَة (فَذكره) وَلَفظه: «الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا» وَفِي
стр. 1079
آخر: «الصَّلَاة أول وَقتهَا» ثمَّ قَالَ: رُوَاة هَذَا الحَدِيث كلهم ثِقَات؛ فَإِن حجاج بن الشَّاعِر حَافظ ثِقَة. وَاحْتج مُسلم بعلي بن حَفْص، وَالْبَاقُونَ مُتَّفق (عَلَى) ثقتهم، قَالَ: وَرَوَاهُ غنْدر، عَن شُعْبَة، عَن عبيد الْمكتب، عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ يحدث عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ مثله، وَهُوَ عبد الله بن مَسْعُود بِلَا شكّ فِيهِ، ثمَّ سَاقه بِلَفْظ: «الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا» وَفِي لفظ: «أَي الْعَمَل أفضل؟» قَالَ شُعْبَة: أَو قَالَ: «أفضل الْعَمَل الصَّلَاة عَلَى وَقتهَا» .
قَالَ: وَرَوَاهُ عَن عُثْمَان بن عمر الْحسن بن مكرم الْبَزَّار، وَتَابعه مُحَمَّد بن بشار فِي هَذِه اللَّفْظَة، وَهُوَ صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم؛ لِأَن رُوَاته مُتَّفق عَلَى عدالتهم، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة عِنْدهمَا وَعند الْفُقَهَاء إِذا انْضَمَّ إِلَى رِوَايَته مَا (يؤكدها) وَإِن كَانَ الَّذِي لم يَأْتِ بِهِ أَكثر عددا.
وَقَالَ الْحَاكِم فِي «عُلُوم الحَدِيث» : هَذ حَدِيث صَحِيح مَحْفُوظ، رَوَاهُ جمَاعَة من أَئِمَّة الْمُسلمين عَن مَالك بن مغول، وَكَذَلِكَ عَن عُثْمَان (بن عمر) وَلم يذكر أول الْوَقْت فِيهِ غير بنْدَار مُحَمَّد بن بشار وَالْحسن بن مكرم، وهما ثقتان.
قلت: قد ذكره غَيرهمَا كَمَا مَضَى و (كَمَا) ستعلمه من كَلَامه، وَقَالَ فِي «الْأَرْبَعين الَّتِي خرجها فِي شعار أهل الحَدِيث» : هَذِه الزِّيَادَة ذكرهَا عُثْمَان بن عمر، عَن مَالك بن مغول، وَهِي مَقْبُولَة مِنْهُ، وَإِن لم
стр. 1080
(يخرجَاهُ) - يَعْنِي: البُخَارِيّ (وَمُسلمًا) - فَإِن مَذْهَبهمَا أَن الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة، وَقَالَ فِي «مُسْتَدْركه» : هَذَا حَدِيث يعرف (بِهَذَا اللَّفْظ) بِمُحَمد بن بشار بنْدَار عَن عُثْمَان بن عمر، وَبُنْدَار من الْحفاظ المتقنين الْأَثْبَات. ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ (عَنْهُمَا) ثمَّ قَالَ: فقد صحت هَذِه اللَّفْظَة بِاتِّفَاق (الثقتين) بنْدَار وَالْحسن بن مكرم عَلَى روايتهما عَن عُثْمَان بن عمر، وَهُوَ صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ.
قَالَ: وَلِهَذَا الحَدِيث شَوَاهِد مِنْهَا مَا رَوَاهُ (الْحجَّاج بن الشَّاعِر. ثمَّ سَاقه عَنهُ ثمَّ قَالَ: رَوَى هَذَا الحَدِيث جمَاعَة عَن شُعْبَة [وَلم يذكر هَذِه اللَّفْظَة] غير حجاج. و) حجاج حَافظ ثِقَة، وَقد احْتج مُسلم بعلي بن حَفْص الْمَدَائِنِي. وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ َ ... الحَدِيث، وَهَذَا الرجل هُوَ عبد الله بن مَسْعُود لإِجْمَاع الروَاة فِيهِ عَلَى أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ، وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ يَعْقُوب بن الْوَلِيد، عَن عبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: «خير الْأَعْمَال الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا» (ثمَّ) قَالَ: يَعْقُوب هَذَا شيخ من أهل الْمَدِينَة، سكن بَغْدَاد، وَلَيْسَ من شَرط هَذَا الْكتاب، إِلَّا أَن لَهُ شَاهدا عَن
стр. 1081
(عبيد الله بن عمر الْعمريّ) عَن نَافِع، عَن ابْن عمر «أَن رَسُول الله ﷺ َ سُئِلَ: أَي الْعَمَل أفضل؟ قَالَ: الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا» وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ (عبد الله) بن عمر الْعمريّ، عَن الْقَاسِم بن غَنَّام، عَن جدته أم أَبِيه الدُّنْيَا، عَن جدته أم فَرْوَة - وَكَانَت مِمَّن بَايَعت النَّبِي ﷺ َ وَمن الْمُهَاجِرَات الأول - «أَنَّهَا سَمِعت النَّبِي ﷺ َ وَسُئِلَ عَن أفضل (الْأَعْمَال) فَقَالَ: الصَّلَاة لوَقْتهَا» .
ثمَّ قَالَ: (هَذَا) حَدِيث رَوَاهُ اللَّيْث بن سعد ومعتمر بن سُلَيْمَان وقزعة بن سُوَيْد وَمُحَمّد بن بشر الْعَبْدي، عَن (عبيد الله) بن عمر، عَن الْقَاسِم بن غَنَّام. ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ: قد رَوَى عبد الله بن عمر عَن الْقَاسِم بن غَنَّام وَلم يرو عَنهُ أَخُوهُ عبيد الله بن عمر.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر. قَالَ ابْن مَنْدَه فِي «مستخرجه» : وَرَوَاهُ ابْن عَبَّاس وَجَابِر أَيْضا.
قلت: فقد صَحَّ الحَدِيث بشواهده وَللَّه الْحَمد، وَسمعت كثيرا من فُقَهَاء زَمَاننَا يُطلق الضعْف عَلَى هَذَا الحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُم، وَكَأَنَّهُ اسْتَقر فِي ذهنهم تَضْعِيف التِّرْمِذِيّ لَهُ من حَدِيث أم فَرْوَة الَّذِي اسْتشْهد بِهِ الْحَاكِم، وَهُوَ عَجِيب؛ فَإِن الضَّعِيف لَا يقْدَح فِي
стр. 1082
الصَّحِيح، فَإِنَّهُ لما رَوَاهُ قَالَ: إِنَّه حَدِيث لَا يرْوَى إِلَّا من حَدِيث عبد الله بن عمر الْعمريّ وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ (عِنْد) أهل الحَدِيث، واضطربوا فِي هَذَا الحَدِيث، وَقد تكلم فِيهِ يَحْيَى بن سعيد من قبل حفظه.
قلت: وَقَوله (إِنَّه) لَا يرْوَى إِلَّا من حَدِيث عبد الله بن عمر الْعمريّ، لَيْسَ بجيد مِنْهُ؛ فقد رُوِيَ من حَدِيث أَخِيه عبيد الله أَيْضا كَمَا أسلفناه من رِوَايَة الْحَاكِم. وَقَالَ الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين فِي «الْأَحَادِيث المختارة» إِن الدَّارَقُطْنِيّ أخرجه من هَذَا الْوَجْه أَيْضا، وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ: إِنَّه مَحْفُوظ عَنْهُمَا. وَأخرج الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم حَدِيث أم فَرْوَة أَيْضا، وَكَذَا أَبُو دَاوُد، وَأغْرب ابْن السكن فَأخْرجهُ فِي «سنَنه الصِّحَاح المأثورة» وَوَقع لأبي الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ فِي «أَوسط معاجمه» أَن هَذَا الحَدِيث لم يروه عَن عبد الله إِلَّا قزعة بن سُوَيْد، وَقد تقدم من رِوَايَة غَيره؛ عَنهُ فاستفده.
الحَدِيث الثَّانِي
رُوِيَ «أَنه ﵊ أَمر عليًّا أَن يمسح عَلَى الجبائر» .
هَذَا الحَدِيث ضَعِيف رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ
стр. 1083
فِي (سُنَنهمْ) من رِوَايَة عَمْرو بن (خَالِد) الوَاسِطِيّ، عَن زيد بن عَلّي، عَن أَبِيه، عَن جده، عَن عَلّي ﵁ قَالَ: «انْكَسَرَ إِحْدَى زندي فَسَأَلت النَّبِي ﷺ َ فَأمرنِي أَن أَمسَح عَلَى الجبائر» . وَذكره الإِمَام الشَّافِعِي فِي «الْأُم» و «الْمُخْتَصر» فَقَالَ: رُوِيَ عَن عَلّي «أَنه انْكَسَرَ إِحْدَى زنديه فَأمره النَّبِي ﷺ َ أَن يمسح عَلَى الجبائر» . فَقَالَ الشَّافِعِي: وَلَو عرفت إِسْنَاده بِالصِّحَّةِ لَقلت بِهِ وَهَذَا مِمَّا أستخير الله فِيهِ.
قلت: وَإِنَّمَا ضعفه الشَّافِعِي؛ لِأَن رَاوِيه (عَمْرو) بن خَالِد السالف فِي إِسْنَاده أحد الْكَذَّابين، كذبه أَحْمد وَيَحْيَى وَالنَّاس. وَقَالَ وَكِيع: كَانَ فِي جوارنا يضع الحَدِيث فَلَمَّا فُطن لَهُ تحول إِلَى وَاسِط. وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبُو زرْعَة: كَانَ يضع الحَدِيث. وَقَالَ ابْن عدي: عَامَّة مَا يروي مَوْضُوعَات. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: هَذَا حَدِيث بَاطِل لَا أصل لَهُ، وَعَمْرو بن خَالِد مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد: هَذَا حَدِيث يرويهِ عَمْرو بن خَالِد وَلَا يُسَاوِي حَدِيثه شَيْئا. وَقَالَ الْعقيلِيّ: هَذَا حَدِيث لَا يُتَابع عَلَيْهِ وَلَا يعرف إِلَّا (بِعَمْرو) بن خَالِد الوَاسِطِيّ.
قلت: بل تَابعه عَلَيْهِ شَرّ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : عَمْرو بن خَالِد هَذَا مَعْرُوف بِوَضْع الحَدِيث، كذبه أَحْمد
стр. 1084
وَيَحْيَى وَغَيرهمَا من أَئِمَّة الحَدِيث، وَنسبه وَكِيع إِلَى الْوَضع، وَقَالَ: كَانَ فِي جوارنا فَلَمَّا فطن لَهُ تحول إِلَى وَاسِط.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَتَابعه عَلَى ذَلِك (عمر) بن مُوسَى بن وجيه فَرَوَاهُ عَن زيد بن عَلّي مثله. قَالَ: و (عمر) بن مُوسَى مَتْرُوك مَنْسُوب إِلَى الْوَضع، ونعوذ بِاللَّه من الخذلان.
وَقَالَ فِي «خلافياته» : إِن (عمر) بن مُوسَى سَرقه فَرَوَاهُ عَن زيد بن عَلّي، عَن أَبِيه، عَن جده، و (عمر) مَتْرُوك. وَقَالَ فِي «سنَنه» : وَرُوِيَ بِإِسْنَاد آخر مَجْهُول (عَن زيد بن عَلّي) وَلَيْسَ بِشَيْء. وَلم يبين فِي «سنَنه» من هُوَ الْمَجْهُول فِي الْإِسْنَاد، وَبَينه فِي «خلافياته» فَقَالَ: إِنَّه عبد الله بن مُحَمَّد البلوي. قَالَ: وَهُوَ مَجْهُول (رَأينَا) فِي حَدِيثه
стр. 1085
الْمَنَاكِير. قَالَ فِي «سنَنه» و «خلافياته» : وَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيد خَالِد بن يزِيد الْمَكِّيّ بِإِسْنَاد آخر عَن زيد بن عَلّي، عَن عَلّي مُرْسلا، وَأَبُو الْوَلِيد ضَعِيف، ونقلاه عَن الدَّارَقُطْنِيّ وَكَذَا هُوَ فِي «سنَنه» .
قلت: وَهُوَ مُنْقَطع أَيْضا كَمَا نبه عَلَيْهِ «صَاحب الإِمَام» وَذكر الْخلال فِي «علله» عَن الْمَرْوذِيّ قَالَ: سَأَلت أَبَا عبد الله عَن حَدِيث عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن أبي إِسْحَاق، عَن عَاصِم بن ضَمرَة، عَن عَلّي، عَن النَّبِي ﷺ َ: «أَنه مسح عَلَى الجبائر» . فَقَالَ: بَاطِل لَيْسَ (فِي) هَذَا شَيْء، من حدث (بِهَذَا) ؟ قلت: ذَكرُوهُ عَن صَاحب الزُّهْرِيّ فَتكلم فِيهِ بِكَلَام غليظ. قَالَ الْخلال: وقُرئ عَلَى عبد الله بن أَحْمد قَالَ: سَمِعت رجلا يَقُول: يَحْيَى يحفظ: عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن أبي إِسْحَاق، عَن عَاصِم بن ضَمرَة، عَن عَلّي، عَن النَّبِي ﷺ َ «أَنه مسح عَلَى الجبائر» . فَقَالَ: بَاطِل، مَا حدث (بِهِ) معمر قطّ. فَسمِعت يَحْيَى يَقُول: عليَّ بَدَنَة مُجَللَة مقلدة إِن كَانَ معمر حدث بِهَذَا، هَذَا بَاطِل، وَلَو حدث بِهَذَا عبد الرَّزَّاق كَانَ حَلَال الدَّم، من حدث بِهَذَا عَن عبد الرَّزَّاق؟ (قَالَ) : مُحَمَّد بن يَحْيَى. قَالَ: لَا وَالله مَا حدث بِهِ معمر، وَعَلِيهِ حجَّة من هُنَا - يَعْنِي الْمَشْي إِلَى مَكَّة - إِن كَانَ معمر حدث بِهَذَا قطّ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُجَاهِد عَن ابْن عمر «أَنه ﵇ كَانَ
стр. 1086
يمسح عَلَى الجبائر» . ثمَّ قَالَ: لَا يَصح مَرْفُوعا، وَأَبُو عمَارَة مُحَمَّد بن أَحْمد - يَعْنِي الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده - ضَعِيف جدًّا.
قلت: يتلخص من هَذَا كُله ضعف حَدِيث الْمسْح عَلَى الجبائر، وَنقل النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» اتِّفَاق (الْحفاظ) عَلَى ضعف حَدِيث (عَلّي) وتضعيف رِوَايَة عَمْرو بن خَالِد، وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» فَخفف أمره وَأقر حَدِيث ابْن عمر أَولا فَقَالَ: اسْتدلَّ بهما أَصْحَابنَا وَفِيهِمَا مقَال ثمَّ ضعفهما بعد ذَلِك، وَلَقَد أحسن الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي قَوْله فِي «سنَنه» بعد أَن ذكر مَا أسلفناه عَنهُ: لَا يثبت عَن النَّبِي ﷺ َ فِي هَذَا الْبَاب شَيْء.
قَالَ: وَأَصَح مَا فِيهِ حَدِيث عَطاء بن أبي رَبَاح؛ أَي: الَّذِي سأذكره عَلَى الإثر بعد. قَالَ: وَإِنَّمَا (فِي) الْمسْح عَلَى الْجَبِيرَة قَول الْفُقَهَاء من التَّابِعين فَمن بعدهمْ، مَعَ مَا صَحَّ عَن ابْن عمر «أَنه تَوَضَّأ وكفه معصوبة فَمسح عَلَيْهِ وَعَلَى الْعِصَابَة وَغسل مَا سُوَى ذَلِك» ثمَّ قَالَ: وَهَذَا عَن ابْن عمر صَحِيح. ثمَّ رَوَى الْمسْح عَلَى الجبائر وعصائب الْجِرَاحَات بأسانيده عَن أَئِمَّة التَّابِعين.
فَائِدَة: قصَّة عَلّي هَذِه (كَانَت) فِي وقْعَة محاربة عَمْرو بن عبد ود، كَمَا نبه عَلَيْهِ صَاحب (التنقيب) .
стр. 1087
الحَدِيث الثَّالِث
حَدِيث جَابر ﵁ فِي المشجوج الَّذِي احْتَلَمَ واغتسل فَدخل المَاء شجته وَمَات أَن النَّبِي ﷺ َ قَالَ: «إِنَّمَا يَكْفِيهِ أَن يتَيَمَّم ويعصب عَلَى رَأسه خرقَة ثمَّ يمسح عَلَيْهَا وَيغسل سَائِر جسده» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن الْأَنْطَاكِي، ثَنَا مُحَمَّد بن سَلمَة، عَن الزبير بن خُريق - بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة، ثمَّ رَاء مُهْملَة، ثمَّ مثناة تَحت ثمَّ قَاف - عَن عَطاء، عَن جَابر قَالَ: «خرجنَا فِي سفر فَأصَاب رجلا مَعنا حجر فَشَجَّهُ فِي رَأسه فَاحْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابه هَل يَجدونَ لَهُ رخصَة فِي التَّيَمُّم؟ فَقَالُوا: مَا نجد (لَك) رخصَة وَأَنت تقدر عَلَى المَاء. فاغتسل فَمَاتَ، فَلَمَّا قدمنَا عَلَى النَّبِي ﷺ َ أخبر بذلك فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله! أَلا سَأَلُوا إِذا لم يعلمُوا؟ ! فَإِنَّمَا شِفَاء العي السُّؤَال؛ إِنَّمَا يَكْفِيهِ أَن يتَيَمَّم (أَو) يعصب - شكّ مُوسَى - عَلَى جرحه خرقَة ثمَّ يمسح عَلَيْهَا وَيغسل سَائِر جسده» .
وَهَذَا إِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات، الْأَنْطَاكِي ثِقَة، وَمُحَمّد بن سَلمَة هُوَ الْحَرَّانِي احْتج بِهِ مُسلم، وَقَالَ ابْن سعد: ثِقَة فَاضل عَالم، وَله فضل وَرِوَايَة وفتوى. وَالزبير ذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» وَعَطَاء لَا يسْأَل عَنهُ، لَا جرم أخرجه ابْن السكن فِي «سنَنه الصِّحَاح
стр. 1088
المأثورة» ، وَاحْتج بِهِ ابْن الْجَوْزِيّ (وَأما الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ: (إِنَّه) أصح شَيْء فِي الْبَاب وَإنَّهُ لَيْسَ بِقَوي. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ) : قَالَ أَبُو بكر بن أبي دَاوُد: هَذِه سنة تفرد بهَا أهل مَكَّة، وَحملهَا أهل الجزيرة، لم يروه عَن عَطاء عَن جَابر غير الزبير بن خريق وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَخَالفهُ الْأَوْزَاعِيّ فَرَوَاهُ عَن عَطاء، عَن (ابْن) عَبَّاس، وَهُوَ الصَّوَاب.
رَوَاهُ من هَذَا الْوَجْه أَحْمد والدارمي فِي «مسنديهما» وَأَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» (وَالدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا بعده) من حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ أَنه (بلغه) عَن عَطاء بن أبي رَبَاح أَنه سمع عبد الله بن عَبَّاس قَالَ: «أصَاب رجلا جرح فِي عهد رَسُول الله ﷺ َ ثمَّ احْتَلَمَ فَأمر بالاغتسال، فاغتسل فَمَاتَ فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ َ فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله! ألم يكن شِفَاء العي السُّؤَال؟ !» . وَهَذَا مُنْقَطع فِيمَا بَين الْأَوْزَاعِيّ وَعَطَاء، وَقد وَصله ابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الحميد بن أبي الْعشْرين، ثَنَا الْأَوْزَاعِيّ، عَن عَطاء - كَمَا سلف - وَقَالَ فِي آخِره: «قَالَ عَطاء: وبلغنا
стр. 1089
أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: لَو غسل جسده وَترك رَأسه حَيْثُ أَصَابَهُ الْجراح!» .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَاخْتلف عَن الْأَوْزَاعِيّ فَقيل عَنهُ عَن عَطاء، وَقيل: بَلغنِي عَن عَطاء، وَأرْسل الْأَوْزَاعِيّ (آخِره) عَن عَطاء عَن النَّبِي ﷺ َ وَهُوَ الصَّوَاب.
قلت: وَهَذِه هِيَ طَريقَة ابْن مَاجَه الَّتِي أسلفناها، وَذكر أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة - فِيمَا سَأَلَهُمَا ابْن أبي حَاتِم عَن هَذَا الحَدِيث - فَقَالَا: رَوَاهُ ابْن أبي الْعشْرين، عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن مُسلم، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس، وأفسد الحَدِيث. يُرِيد أَنه أَدخل إِسْمَاعِيل فِيهِ، وَتبين أَن الْأَوْزَاعِيّ أَخذه عَن إِسْمَاعِيل.
قلت: وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من طَرِيق آخر لَيْسَ فِيهَا الْأَوْزَاعِيّ رَأْسا، روياها من حَدِيث مُحَمَّد بن يَحْيَى الذهلي، ثَنَا عمر بن حَفْص بن غياث، أَنا أبي، أَخْبرنِي الْوَلِيد بن [عبيد الله] بن أبي رَبَاح، أَن عَطاء عَمه حَدثهُ عَن ابْن عَبَّاس «أَن رجلا أجنب فِي شتاء، فَسَأَلَ فَأمر بِالْغسْلِ فَمَاتَ، فَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ َ فَقَالَ: مَا لَهُم (قَتَلُوهُ) قَتلهمْ الله؟ ! - ثَلَاثًا - قد جعل الله الصَّعِيد - أَو التَّيَمُّم - طهُورا» قَالَ: شكّ ابْن عَبَّاس ثمَّ أَتَيْته بعدُ.
стр. 1090
قلت: والوليد هَذَا ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ، وَسكت عَنهُ الْبَيْهَقِيّ هُنَا وَضَعفه فِي بَاب النَّهْي عَن ثمن الْكَلْب (من) «سنَنه» ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث السّري بن خُزَيْمَة، ثَنَا عمر بن حَفْص بن غياث، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح. قَالَ: الْوَلِيد بن عبيد الله هَذَا قَلِيل الحَدِيث (جدًّا) قَالَ: وَله شَاهد عَن ابْن عَبَّاس ... فَذكره (و) رَوَاهُ بعد هَذَا الْموضع بأوراق من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ، وَصرح فِيهِ بِسَمَاع الْأَوْزَاعِيّ من عَطاء، فَزَالَ ذَلِك الْمَحْذُور السالف (و) رَوَاهُ الْحَاكِم عَن الْأَصَم، عَن أبي عُثْمَان سعيد بن عُثْمَان التنوخي، ثَنَا بشر بن بكر، حَدَّثَني الْأَوْزَاعِيّ، نَا عَطاء بن أبي رَبَاح أَنه سمع عبد الله بن عَبَّاس يخبر «أَن رجلا أَصَابَهُ جرح عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ َ ثمَّ أَصَابَهُ احْتِلَام فاغتسل فَمَاتَ، فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ َ فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتلهمْ الله! ألم يكن شِفَاء العي السُّؤَال؟ !» .
قَالَ الْحَاكِم: بشر بن بكر ثِقَة مَأْمُون، وَقد أَقَامَ إِسْنَاده، وَهُوَ صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. قَالَ: وَرَوَاهُ الْوَلِيد بن مزِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ وَقَالَ: بَلغنِي عَن عَطاء والهقل بن زِيَاد، وَهُوَ من أثبت
следующие страницы →