Полный текст (6 131 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه بِلَفْظ أبي دَاوُد (الْآتِي) .
(و) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» عَن أَحْمد بن حَنْبَل، نَا مُحَمَّد بن فُضَيْل، نَا الْأَعْمَش، عَن رجل، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (الإِمَام ضَامِن، والمؤذن مؤتمن، اللَّهُمَّ أرشد الْأَئِمَّة واغفر للمؤذنين) .
قَالَ: وثنا الْحسن بن عَلّي، نَا ابْن نمير، عَن الْأَعْمَش قَالَ: نبئت عَن أبي صَالح وَلَا (أَرَانِي) إِلَّا قد (سمعته) مِنْهُ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِمثلِهِ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» عَن هناد، نَا أَبُو الْأَحْوَص، وَأَبُو مُعَاوِيَة، عَن الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح مَرْفُوعا بِلَفْظ أبي دَاوُد، (و) قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَحَفْص بن غياث وَغير وَاحِد عَن الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة. وَرَوَى أَسْبَاط بن مُحَمَّد، عَن الْأَعْمَش قَالَ: حدثت عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا قَالَ: وَرَوَى نَافِع بن سُلَيْمَان، عَن مُحَمَّد بن أبي صَالح، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة، عَن النَّبِي ﷺ هَذَا الحَدِيث. قَالَ: وَسمعت أَبَا زرْعَة يَقُول: حَدِيث أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة أصح من (حَدِيث) أبي صَالح
стр. 1542
(عَن عَائِشَة) . قَالَ: وَسمعت مُحَمَّدًا يَقُول: حَدِيث أبي صَالح عَن عَائِشَة أصح، (و) ذكر عَن عَلّي بن الْمَدِينِيّ أَنه لم يثبت حَدِيث أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، وَلَا حَدِيث (أبي) صَالح عَن عَائِشَة (فِي هَذَا) هَذَا آخر كَلَام التِّرْمِذِيّ وَنَقله.
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل - فِيمَا نَقله عَنهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : لَيْسَ لهَذَا الحَدِيث أصل - يَعْنِي: حَدِيث الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح (عَن أبي هُرَيْرَة: لَيْسَ يَقُول فِيهِ أحد: عَن الْأَعْمَش أَنه قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالح) وَالْأَعْمَش يحدث عَن ضِعَاف.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : بَلغنِي عَن أبي بكر بن مغور الْحَافِظ الأندلسي قَالَ عَن ابْن الْمَدِينِيّ: رَوَاهُ أَبُو صَالح عَن عَائِشَة بِإِسْنَاد جيد، وطرق أبي هُرَيْرَة معلولة (وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ) : لم يسمع هَذَا الحَدِيث سُهَيْل من أَبِيه؛ إِنَّمَا سَمعه من الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، وَالْأَعْمَش لم يسمعهُ يَقِينا من أبي صَالح؛ إِنَّمَا يَقُول فِيهِ: نبئت عَن أبي صَالح، وَلَا أرَى إِلَّا قد (سمعته) مِنْهُ. وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي «الْوَهم وَالْإِيهَام» : خَفِي عَلَى عبد الْحق انْقِطَاعه، ومعنعن الْأَعْمَش عرضه لتبيين الِانْقِطَاع، فَإِنَّهُ مُدَلّس (ثمَّ) ذكر رِوَايَة أبي دَاوُد السالفة
стр. 1543
المصرحة بالانقطاع، ثمَّ قَالَ: وَفِي كتاب عَبَّاس الدوري عَن ابْن معِين أَنه قَالَ: قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: لم يسمع الْأَعْمَش (هَذَا الحَدِيث) من أبي صَالح. وَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» عَن ابْن الْمَدِينِيّ أَنه قَالَ: لَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب مَرْفُوعا إِلَّا حَدِيث رَوَاهُ الْحسن عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا. وَقَالَ الْعقيلِيّ فِي (تَارِيخه) : الحَدِيث حَدِيث أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة وَسَائِر ذَلِك أَوْهَام. وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : حَدِيث أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا هُوَ الصَّوَاب. وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ إِنَّه أصح لما سَأَلَهُ ابْنه عَن ذَلِك.
فتحصلنا عَلَى ثَلَاث مقالات فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَعَائِشَة (إِحْدَاهَا: أَنَّهُمَا لَا يصحان) وَهُوَ قَول عَلّي ابْن الْمَدِينِيّ، إِنَّمَا صَحَّ مُرْسلا.
ثَانِيهَا: أَن حَدِيث عَائِشَة أصح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - وَهُوَ قَول البُخَارِيّ.
ثَالِثهَا: عَكسه وَهُوَ قَول أبي زرْعَة وجماعات - كَمَا سلف - وَأما أَبُو حَاتِم بن حبَان، فَإِنَّهُ صححهما، فَإِنَّهُ أخرجهُمَا فِي «صَحِيحه» وَهَذِه مقَالَة رَابِعَة، رَوَى حَدِيث أبي هُرَيْرَة من حَدِيث قُتَيْبَة بن سعيد، نَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد، عَن سُهَيْل بن أبي صَالح، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا:
стр. 1544
(الإِمَام ضَامِن، والمؤذن مؤتمن، فأرشد الله الْأَئِمَّة (واغفر) للمؤذنين) .
وَرَوَى حَدِيثه عَائِشَة (من) حَدِيث ابْن وهب، عَن حَيْوَة بن شُرَيْح، عَن نَافِع بن سُلَيْمَان (أَن) مُحَمَّد بن أبي صَالح أخبرهُ عَن أَبِيه، أَنه سمع عَائِشَة تَقول: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (الإِمَام ضَامِن، والمؤذن مؤتمن؛ فأرشد الله الْأَئِمَّة وَعَفا عَن المؤذنين) ثمَّ قَالَ: قد سمع هَذَا الْخَبَر أَبُو صَالح السمان، عَن عَائِشَة عَلَى حسب مَا ذَكرْنَاهُ وسَمعه من أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا؛ فَمرَّة حدث (بِهِ) عَن عَائِشَة، وَأُخْرَى عَن أبي هُرَيْرَة، وَتارَة وَقفه عَلَيْهِ وَلم يرفعهُ، وَأما الْأَعْمَش؛ فَإِنَّهُ سَمعه من أبي صَالح عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا قَالَ: وَقد وهم من أَدخل بَين سُهَيْل وَأَبِيهِ فِيهِ الْأَعْمَش؛ لِأَن الْأَعْمَش سَمعه من سُهَيْل لَا أَن سهيلًا سَمعه من الْأَعْمَش. هَذَا آخر كَلَامه.
(وَذكره) ابْن السكن فِي «سنَنه الصِّحَاح» أَيْضا قَالَ: وَله طرق عَن أبي هُرَيْرَة.
وَقَالَ الْحَافِظ مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْمَقْدِسِي: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد، عَن قُتَيْبَة، عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد (عَن سُهَيْل) عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة. وَقد رَوَى مُسلم بِهَذَا الْإِسْنَاد نَحْو أَرْبَعَة عشر حَدِيثا.
стр. 1545
انْتَهَى. يُرِيد بذلك أَنه عَلَى شَرط مُسلم.
قلت: وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق ثَالِث؛ رَوَاهُ السراج فِي «مُسْنده» عَن أَحْمد بن حَفْص بن عبد الله قَالَ: حَدثنِي أبي (قَالَ) حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، ثَنَا سُلَيْمَان الْأَعْمَش، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (الإِمَام ضَامِن، والمؤذن مؤتمن، اللَّهُمَّ أرشد الْأَئِمَّة واغفر للمؤذنين) .
وَله طَرِيق رَابِع واه رَوَاهُ أَحْمد، وَالدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي غَالب، عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا: (الإِمَام ضَامِن، والمؤذن مؤتمن) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رُوِيَ مَرْفُوعا هَكَذَا وموقوفًا عَلَى أبي أُمَامَة: (الإِمَام ضَامِن، وَالْأَذَان أحب إِلَيّ من الْإِمَامَة، المؤذنون أُمَنَاء النَّاس، يفضلون النَّاس لطول أَعْنَاقهم) .
قَالَ ابْن حبَان: لَا يجوز الِاحْتِجَاج (بغالب) إِلَّا إِذا وَافق الثِّقَات.
وَله طَرِيق خَامِس من (حَدِيث) جَابر ذكرهَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» وَضعف إِسْنَاده، وَجَاءَت رِوَايَة غَرِيبَة فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة السالف رَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» وَالْبَزَّار من حَدِيث أبي حَمْزَة السكرِي، عَن الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (الإِمَام ضَامِن، والمؤذن مؤتمن، اللَّهُمَّ أرشد الْأَئِمَّة واغفر للمؤذنين. قَالُوا: يَا
стр. 1546
رَسُول الله، لقد تركتنا نتنافس فِي الْأَذَان بعْدك. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِنَّه يكون بعدِي - أَو بعدكم - قوم (سفلتهم) مؤذنوهم) . (رَوَاهُ ابْن عبد الْبر فِي «تمهيده» ) وَقَالَ: هَذِه الزِّيَادَة لَا تَجِيء إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَهُوَ إِسْنَاد رِجَاله ثِقَات معروفون إِلَّا أَن أَحْمد بن حَنْبَل ضعف الحَدِيث كُله. ثمَّ أَشَارَ إِلَى مَا سلف من عِلّة الِانْقِطَاع فِيمَا بَين الْأَعْمَش وَأبي صَالح.
قَالَ ابْن الْقطَّان: وَلَا عيب للإسناد إِلَّا هَذَا (قَالَ) : وَلَا مبالاة بقول الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» إِنَّهَا لَيست مَحْفُوظَة لثقة أبي حَمْزَة مُحَمَّد بن مَيْمُون الرَّاوِي عَن الْأَعْمَش، وَكَذَا بَاقِي رجالها.
فَائِدَة: الضَّمَان فِي اللُّغَة هُوَ (الْكِفَايَة) وَالْحِفْظ وَالرِّعَايَة (قَالَه) الْهَرَوِيّ وَغَيره، وَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ هُنَا عَلَى خَمْسَة أوجه، أَحدهَا: أَنهم ضمناء لما غَابُوا (عَلَيْهِ) من الْقِرَاءَة والإسرار بِالْقِرَاءَةِ وَالذكر، قَالَه الشَّافِعِي فِي «الْأُم»
ثَانِيهَا: المُرَاد ضَمَان الدُّعَاء أَن يعم الْقَوْم بِهِ وَلَا يخص نَفسه.
ثَالِثهَا: لِأَنَّهُ يتَحَمَّل الْقِرَاءَة وَالْقِيَام عَن الْمَسْبُوق، حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ فِي «شرح السّنة» .
رَابِعهَا: أَنه يحفظ عَلَى الْقَوْم صلَاتهم، وَلَيْسَ هُوَ من الضَّمَان
стр. 1547
الْمُوجب للغرامة (قَالَه) الْخطابِيّ، وَكَذَا قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي «شرح التِّرْمِذِيّ» أَن مَعْنَى ذَلِك الْتِزَام (شُرُوطهَا) وَحفظ (صلَاته) فِي نَفسه؛ لِأَن صَلَاة (الْمَأْمُوم) تبنى عَلَيْهِ.
خَامِسهَا: (مَعْنَاهُ) أَنهم إِذا قَامُوا بِالصَّلَاةِ جمَاعَة سقط فرض الْكِفَايَة (عَن) سَائِر البَاقِينَ بفعلهم، وَفِي (أَمَانَة) المؤذنين ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَنهم أُمَنَاء عَلَى مَوَاقِيت الصَّلَاة. ثَانِيهَا: أَنهم أُمَنَاء عَلَى حرم النَّاس؛ لأَنهم يشرفون عَلَى الْمَوَاضِع الْعَالِيَة. ثَالِثهَا: أَنهم أُمَنَاء فِي تبرعهم بِالْأَذَانِ.
قَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» : وَالْعَفو يكون لمن اسْتوْجبَ النَّار من عباده، والغفران هُوَ الرِّضَا نَفسه؛ فَلَا يكون لمن اسْتوْجبَ النيرَان، ونازعه الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي «أَحْكَامه» فَقَالَ: فِيمَا ذكره نظر؛ فَإِن صفة الرِّضَا أبلغ من صفة الْمَغْفِرَة؛ لِأَن الْمَغْفِرَة تَسْتَلْزِم ذَنبا يغْفر، وَالرِّضَا قد لَا (يستلزمه) بل قد ينشأ لكَمَال حَال المرضي عَنهُ وَعدم تَقْصِيره بذنب، فالمغايرة بَينهمَا ثَابِتَة إِذا، وَأما الغفران وَالْعَفو فَالْوَجْه أَن يُقَال إنَّهُمَا - وَإِن تَغَيَّرت حقيقتهما - يرجعان إِلَى مَعْنَى وَاحِد، وَلذَلِك (تواردا) فِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَن الْعَفو فِي الأَصْل إِمَّا
стр. 1548
الْفضل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: (ويسألونك مَاذَا يُنْفقُونَ قل الْعَفو) وَإِمَّا المحو وَالْمَغْفِرَة من الغفر وَهُوَ السّتْر وَمن محا ذَنبه، أَو تفضل عَلَيْهِ بالتجاوز، فقد ستر عَلَيْهِ، وَمن ستر عَلَيْهِ فقد محا ذَنبه، وتفضل عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ (ستر) لَا ينْكَشف وستره لَا يَزُول.
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: (من أذن سبع سِنِين محتسبًا كتبت لَهُ بَرَاءَة من النَّار) .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي تُمَيْلة يَحْيَى بن وَاضح، ثَنَا أَبُو حَمْزَة السكرِي، عَن جَابر (عَن) مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء.
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي حَمْزَة (وَحَفْص) بن عمر الْأَزْرَق، عَن جَابر بِهِ.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب. قَالَ: وَجَابِر بن (يزِيد) الْجعْفِيّ ضَعَّفُوهُ، تَركه يَحْيَى بن سعيد، وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي. قَالَ: وَسمعت الْجَارُود يَقُول: [سَمِعت وكيعًا يَقُول] : لَوْلَا جَابر
стр. 1549
لَكَانَ أهل الْكُوفَة بِغَيْر حَدِيث، وَلَوْلَا (حَمَّاد) لَكَانَ أهل الْكُوفَة بِغَيْر فقه.
قلت: وَقَالَ ابْن معِين: إِنَّه صَدُوق. وَعنهُ: لَا يكْتب حَدِيثه (لَيْسَ بِشَيْء) وَعَلَيْهَا اقْتصر ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» وَقَالَ وَكِيع: إِن شَكَكْتُمْ فِي (شَيْء) فَلَا تَشكوا فِي أَن جَابِرا ثِقَة، نَا عَنهُ مسعر وسُفْيَان وَشعْبَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: بلغ سُفْيَان أَن شُعْبَة تكلم فِي جَابر الْجعْفِيّ، فَبعث إِلَيْهِ: لَئِن تَكَلَّمت فِيهِ لأتكلمن فِيك، ورماه بِالْكَذِبِ فِي رِوَايَة. وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يَصح، وَجَابِر الْجعْفِيّ كَانَ كذابا. وَقَالَ فِي «الضُّعَفَاء» : كذبه أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ وزائدة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵁: مَا لقِيت أكذب مِنْهُ. وَقَالَ جرير: لَا أستحل (أَن) أروي عَنهُ. وَقد وَثَّقَهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة، وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ: لم يتَكَلَّم فِي جَابر لحديثه؛ إِنَّمَا (يتَكَلَّم) فِيهِ لرأيه. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَلَيْسَ (عِنْده) بِالْقَوِيّ فِي حَدِيثه. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك.
وَأَبُو تُمَيْلة صَدُوق، أخرج لَهُ الْجَمَاعَة، وَزعم ابْن الْجَوْزِيّ فِي
стр. 1550
«ضُعَفَائِهِ» أَن البُخَارِيّ أدخلهُ فِي الضُّعَفَاء وَلم يُر فِيهِ.
وَرَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» من طَرِيق آخر من حَدِيث مُحَمَّد بن الْفضل، عَن مقَاتل ابْن حَيَّان وَحَمْزَة النصيبي عَن مَكْحُول وَنَافِع، عَن ابْن عمر، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (من أذن سبع سِنِين احتسابًا كتبت لَهُ بَرَاءَة من النَّار) ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يَصح؛ فَإِن مُحَمَّد بن الْفضل اخْتَلَط فِي آخر عمره.
قلت: وَرُوِيَ حَدِيث ابْن عمر من وجهٍ آخر بِلَفْظ آخر (رَوَاهُ) ابْن مَاجَه، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث عبد الله بن صَالح - كَاتب اللَّيْث - عَن يَحْيَى بن أَيُّوب، عَن ابْن جريج، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (من أذن اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَجَبت لَهُ الْجنَّة، وَكتب لَهُ بتأذينه فِي كل يَوْم سِتُّونَ حَسَنَة، وَبِكُل إِقَامَة ثَلَاثُونَ حَسَنَة) .
و [عبد الله] هَذَا صَالح الحَدِيث لَهُ مَنَاكِير، رَوَى (عَنهُ) ابْن معِين وَالْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَقَالَ أَبُو زرْعَة: حسن الحَدِيث. وَقَالَ ابْن عدي: هُوَ عِنْدِي مُسْتَقِيم الحَدِيث وَله أغاليط. وَقَالَ أَحْمد: لَيْسَ
стр. 1551
بِشَيْء. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة. وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي «تَذكرته» : كَذَّاب، وَهَذَا الحَدِيث أحد مَا أنكر عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : هَذَا حَدِيث لَا يَصح. وَأما الْحَاكِم فَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ - أَي: فِي عبد الله بن صَالح فِي إِخْرَاجه لَهُ - قَالَ: وَله شَاهد من حَدِيث عبد الله بن لَهِيعَة، وَقد اسْتشْهد بِهِ مُسلم فَذكر بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن لَهِيعَة، عَن عبيد الله بن أبي جَعْفَر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: (من أذن اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَجَبت لَهُ الْجنَّة، وَكتب لَهُ بِكُل أَذَان سِتُّونَ حَسَنَة وَبِكُل إِقَامَة ثَلَاثُونَ حَسَنَة) .
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ
(أنَّه ﷺ كَانَ لَهُ مؤذنان: بِلَال، وَابْن أم مَكْتُوم) .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته من حَدِيث عبيد الله بن عمر (عَن نَافِع، عَن ابْن عمر بِهِ سَوَاء وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث عبيد الله عَن) الْقَاسِم، عَن عَائِشَة، وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» (و) «صِحَاح ابْن السكن» عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: (كَانَ للنَّبِي (ثَلَاثَة مؤذنين: بِلَال، وَأَبُو مَحْذُورَة، وَابْن أم مَكْتُوم) .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا الْخَبَر وَالَّذِي قبله صَحِيحَانِ؛ فَمن قَالَ:
стр. 1552
(كَانَ) لَهُ مؤذنان أَرَادَ الَّذين كَانَا يؤذنان بِالْمَدِينَةِ، وَمن قَالَ: ثَلَاثَة أَرَادَ أَبَا مَحْذُورَة الَّذِي كَانَ يُؤذن بِمَكَّة.
قلت: وَله مُؤذن رَابِع، وَهُوَ سعد الْقرظ (بقباء) وَهُوَ مَشْهُور فِي السّير.
الحَدِيث الْحَادِي بعد (الثَّلَاثِينَ)
أنَّه ﷺ قَالَ: (لَو يعلم النَّاس مَا فِي النداء والصف الأول (ثمَّ) لم يَجدوا إِلَّا أَن يستهموا عَلَيْهِ؛ (لاستهموا عَلَيْهِ)) .
هَذَا (الحَدِيث) مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ (بِهِ) سَوَاء، وَزِيَادَة: (وَلَو يعلمُونَ مَا فِي التهجير لَاستبقوا إِلَيْهِ، وَلَو يعلمُونَ مَا فِي الْعَتَمَة وَالصُّبْح لأتوهما وَلَو حبوًا) .
التهجير: التبكير، وَالْمرَاد هُنَا: التبكير إِلَى الصَّلَاة.
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ
عَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي ﵁ قَالَ: (أَمرنِي رَسُول الله ﷺ أَن أؤذن فِي صَلَاة الْفجْر، فَأَذنت، فَأَرَادَ بِلَال أَن يُقيم، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن أَخا صداءٍ قد أذن، وَمن أذن فَهُوَ يُقيم) .
стр. 1553
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم الأفريقي، عَن زِيَاد بن نعيم الْحَضْرَمِيّ، عَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور لِلتِّرْمِذِي وَابْن مَاجَه، وَلَفظ أَحْمد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أذن يَا أَخا صداء. قَالَ: فَأَذنت، وَذَلِكَ حِين أَضَاء الْفجْر، فَلَمَّا تَوَضَّأ رَسُول الله ﷺ قَامَ إِلَى الصَّلَاة، فَأَرَادَ بِلَال أَن يُقيم، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : يُقيم أَخُو صداء؛ فَإِن من أذن فَهُوَ يُقيم) .
وَلَفظ أبي دَاوُد: عَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي قَالَ: (لما كَانَ أول أَذَان الصُّبْح أَمرنِي - يَعْنِي: النَّبِي ﷺ فَأَذنت فَجعلت أَقُول: أقيم يَا رَسُول الله؟ فَجعل ينظر (إِلَى) نَاحيَة الْمشرق - إِلَى الْفجْر - فَيَقُول: لَا. حَتَّى إِذا طلع الْفجْر نزل فبرز، ثمَّ انْصَرف إِلَيّ وَقد تلاحق أَصْحَابه - يَعْنِي: فَتَوَضَّأ - فَأَرَادَ بِلَال أَن يُقيم، فَقَالَ لَهُ نَبِي الله ﷺ : إِن أَخا صداء هُوَ أذن؛ وَمن أذن فَهُوَ يُقيم. قَالَ: فأقمت) .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا الحَدِيث (إِنَّمَا) (يعرف) من حَدِيث الأفريقي وَهُوَ ضَعِيف عِنْد أهل الحَدِيث، ضعفه يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان وَغَيره. وَقَالَ أَحْمد: لَا أكتب حَدِيثه. قَالَ: وَرَأَيْت مُحَمَّد
стр. 1554
بن إِسْمَاعِيل يُقَوي أمره وَيَقُول: هُوَ مقارب الحَدِيث. قَالَ: وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَكثر أهل الْعلم أَن من أذن فَهُوَ يُقيم. وَنقل النَّوَوِيّ عَن الْبَغَوِيّ تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث أَيْضا (وَسَببه) الطعْن فِي عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد الأفريقي الْمَذْكُور - كَمَا قدمْنَاهُ عَن التِّرْمِذِيّ - وَقد ضعفه مَعَ من تقدم النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» فِي بَاب فرض التَّشَهُّد: ضعفه الْقطَّان وَابْن مهْدي وَابْن معِين وَابْن حَنْبَل وَغَيرهم. وَقَالَ فِي بَاب عتق أُمَّهَات الْأَوْلَاد: ضَعِيف.
وَقَالَ ابْن حبَان: إِنَّه يروي الموضوعات عَن الثِّقَات، وَيُدَلس عَن مُحَمَّد (بن) سعيد المصلوب. وَقَالَ ابْن حزم فِي «محلاه» (فِي) حَدِيث لَا صَلَاة بعد الْفجْر إِلَّا رَكْعَتي الْفجْر: هَالك، وَقد أسلفت ذَلِك هُنَاكَ. وَقَالَ: (هَذَا) الْأَثر الْمَرْوِيّ: (إِنَّمَا يُقيم من أذن) إِنَّمَا جَاءَ من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم، وَهُوَ هَالك.
قلت: قد أخرجه أَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب (الْأَذَان) من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا، وَلَيْسَ فِيهِ الأفريقي (و) الأفريقي قد وَثَّقَهُ جمَاعَة، كَمَا (أسلفت) ذَلِك عَنْهُم فِي الحَدِيث السَّابِع (بعد)
стр. 1555
الْأَرْبَعين (من) من كتاب الصَّلَاة، وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: سَمِعت يَحْيَى الْقطَّان يَقُول: عبد الرَّحْمَن بن [زِيَاد] ثِقَة. وَهَذَا خلاف مَا نَقله التِّرْمِذِيّ عَنهُ من تَضْعِيفه لَهُ، وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي دَاوُد: إِنَّمَا تكلم النَّاس فِي عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم، وضعفوه؛ لِأَنَّهُ رَوَى عَن مُسلم بن يسَار فَقيل لَهُ: أَيْن رَأَيْت مُسلم بن يسَار؟ ! فَقَالَ: بإفريقية. فكذبه النَّاس وضعفوه، وَقَالُوا: مَا دخل مُسلم بن يسَار إفريقية قطّ! - يعنون: الْبَصْرِيّ - وَلم يعلمُوا أَن مُسلم بن يسَار آخر يُقَال لَهُ: أَبُو عُثْمَان الطنبذي، وطنبذ بطن من الْيمن، وَعنهُ رَوَى، وَكَانَ (الأفريقي) رجلا صَالحا، قَالَ ابْن يُونُس: هُوَ أول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام بإفريقية. وَاعْترض الْمُنْذِرِيّ عَلَى قَوْله فِي طنبذ (أَنَّهَا) بطن من الْيمن؛ فَقَالَ: فِيهِ نظر، وَإِنَّمَا هِيَ قَرْيَة من قرَى مصر من أَعمال البهنسا، وَهِي بِضَم الطَّاء، ثمَّ نون سَاكِنة، ثمَّ بَاء مَضْمُومَة ثمَّ ذال مُعْجمَة مَكْسُورَة. وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي «الْوَهم وَالْإِيهَام» : هُوَ من أهل الْعلم والزهد بِلَا خلاف، وَكَانَ من النَّاس من يوثقه، وَلَكِن الْحق أَنه ضَعِيف بِكَثْرَة رِوَايَة الْمُنْكَرَات، وَهُوَ أَمر يعتري الصَّالِحين (كثيرا) لقلَّة نقدهم للرواة (وَلذَلِك) قيل: لم نر الصَّالِحين فِي شَيْء أكذب مِنْهُم فِي الحَدِيث.
стр. 1556
وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي «أَمَالِيهِ» : الأفريقي هَذَا غمزه بَعضهم فِي الحَدِيث، وَوَثَّقَهُ أَحْمد بن صَالح الْمصْرِيّ وَآخَرُونَ. (قَالَ) : وَهُوَ قَاضِي إفريقية، وَكَانَ (عابدًا) قوالًا بِالْحَقِّ، ورد بَغْدَاد عَلَى أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وشكا عماله وخشن لَهُ فِي القَوْل. وعلق الْبَيْهَقِيّ فِي «السّنَن» و «الْمعرفَة» القَوْل (فِي) هَذَا الحَدِيث؛ فَقَالَ: إِن ثَبت كَانَ أولَى مِمَّا رُوِيَ فِي حَدِيث عبد الله بن زيد - يَعْنِي: الْآتِي - (أَن بِلَالًا أذن، فَقَالَ عبد الله: يَا رَسُول الله، إِنِّي أرَى الرُّؤْيَا وَيُؤذن بِلَال! فَقَالَ: أقِم أَنْت) لما فِي إِسْنَاده وَمَتنه من الِاخْتِلَاف، وَأَنه كَانَ فِي أول شرع الْأَذَان، وَحَدِيث الصدائي كَانَ بعد.
قلت: وَقواهُ جمَاعَة، (وَصرح جمَاعَة بِهِ) قَالَ الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ فِي «تَارِيخ) الضُّعَفَاء) : إِسْنَاده صَالح. وَقَالَ الْحَازِمِي فِي «ناسخه ومنسوخه» : هَذَا حَدِيث حسن. (و) قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (كتاب) «الْأَعْلَام» : إِنَّه حَدِيث ثَابت عَن رَسُول الله ﷺ . وَهَذِه الْعبارَة لَا أسلمها (لَهُ) وَقَالَ فِي «تَحْقِيقه» : إِن قيل فِي (الْإِسْنَاد) الأفريقي، وَهُوَ ضَعِيف.
(قُلْنَا) : قد قوى أمرَه البخاريُ، وَقَالَ: هُوَ مقارب الحَدِيث.
стр. 1557
وَلَا نسلم لَهُ ذَلِك أَيْضا؛ فقد ذكره هُوَ فِي «ضُعَفَائِهِ» كَمَا أسلفنا ذَلِك عَنهُ فِي الْموضع السالف، وَالْأَقْرَب ضعفه، وَفِي حسنه وَقْفَة، وَالله أعلم.
تَنْبِيهَات:
أَحدهَا: هَذَا الحَدِيث اسْتدلَّ بِهِ الرَّافِعِيّ عَلَى أَنه إِذا أذن جمَاعَة عَلَى التَّرْتِيب؛ فَالْأول أولَى بِالْإِقَامَةِ، (فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِذا انْتَهَى الْأَمر إِلَى الْإِقَامَة فَإِذا أذنوا عَلَى التَّرْتِيب؛ فَالْأول أولَى بِالْإِقَامَةِ) ، ثمَّ ذكر الحَدِيث، وَلَيْسَ مطابقًا لما ادَّعَاهُ؛ إِذْ هُوَ دَلِيل عَلَى (أَن) من أذن وَحده (يُقيم) وَلَا يلْزم من إِقَامَة من انْفَرد بِالْأَذَانِ انْفِرَاد من أذن (أَولا) بِالْإِقَامَةِ، وَفِي حَدِيث عبد الله بن زيد الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ بعد هَذَا النّظر؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تعدد الْأَذَان، وإِنَّمَا فِيهِ انْفِرَاد وَاحِد بِهِ وَالْآخر بِالْإِقَامَةِ، فتفطن لَهُ.
ثَانِيهَا: قَالَ الرَّافِعِيّ: (و) إِذا سبق غير الْمُؤَذّن الرَّاتِب وَأذن فَهَل يسْتَحق ولَايَة الْإِقَامَة؟ فِيهِ وَجْهَان:
أَحدهمَا: نعم؛ لإِطْلَاق الْخَبَر (وأظهرهما) لَا؛ لِأَنَّهُ مسئ (بالتقدم) وَفِي الْقِصَّة المروية كَانَ بِلَال غَائِبا، وَزِيَاد أذن بِإِذن رَسُول الله ﷺ انْتَهَى.
وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» فَقَالَ: لم يكن
стр. 1558
بِلَال حَاضرا حِينَئِذٍ و (زَاد) أَن أَذَان زِيَاد كَانَ فِي صَلَاة الصُّبْح فِي السّفر. وَهُوَ كَمَا قَالَا؛ فقد رَوَى ابْن شاهين فِي «ناسخه ومنسوخه» من حَدِيث خَلاد بن يَحْيَى، نَا سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد، عَن زِيَاد بن نعيم الْحَضْرَمِيّ، عَن زِيَاد بن الْحَارِث الصدائي قَالَ: (كنت مَعَ رَسُول الله ﷺ فَأمرنِي فَأَذنت (للفجر) فجَاء بِلَال ليقيم، فَقَالَ ﵇: يَا بِلَال، إِن أَخا صداء أذن، وَمن أذن فَهُوَ يُقيم) .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: (كنت مَعَه فِي سفر فَحَضَرت صَلَاة الصُّبْح، فَقَالَ لي: أذن يَا أَخا صداء. وَأَنا عَلَى رَاحِلَتي) وَفِي لفظ لَهُ: (فَلَمَّا (تحين) الصُّبْح أَمرنِي فَأَذنت، ثمَّ قَالَ: يَا أَخا صداء، مَعَك مَاء؟ قلت: نعم، وَجَاء بِلَال ليقيم، فَقَالَ ﵇: إِن أَخا صداء أذن، وَمن أذن فَهُوَ يُقيم) .
وَرَوَى ابْن شاهين فِي (ناسخه ومنسوخه) وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» والعقيلي فِي «ضُعَفَائِهِ» من حَدِيث سعيد بن رَاشد الْمَازِني، نَا عَطاء بن أبي رَبَاح، عَن ابْن عمر ﵁ (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ فِي
стр. 1559
مسير (لَهُ) فَحَضَرت الصَّلَاة فَنزل الْقَوْم فطلبوا بِلَالًا، فَلم يجدوه، فَقَامَ رجل فَأذن ثمَّ جَاءَ بِلَال. فَقَالَ الْقَوْم: إِن رجلا قد أذن، فَسكت الْقَوْم هونا ثمَّ إِن بِلَالًا أَرَادَ أَن يُقيم، فَقَالَ لَهُ ﵇: مهلا يَا بِلَال؛ فَإِنَّمَا يُقيم من أذن) وَالظَّاهِر أَن هَذَا الْمُبْهم هُوَ الصدائي السالف. و (ابْن) رَاشد هَذَا قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي كتاب «الْجرْح وَالتَّعْدِيل» : سَأَلت أبي عَنهُ، فَقَالَ: ضَعِيف الحَدِيث (مُنكر الحَدِيث) . وَقَالَ فِي «علله» : سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ الْأنْصَارِيّ، عَن سعيد بن رَاشد، عَن عَطاء، عَن ابْن عمر، عَن النَّبِي ﷺ : (من أذن فَهُوَ يُقيم) قَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر، وَسَعِيد ضَعِيف الحَدِيث. وَقَالَ مرّة: (مَتْرُوك) . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: سعيد هَذَا يروي: (من أذن فَهُوَ يُقيم) (و) لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء. وَقَالَ البُخَارِيّ (والرازي) : مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك. وَقَالَ ابْن عدي: لَا يُتَابِعه عَلَى رواياته أحد. وَقَالَ ابْن حبَان: ينْفَرد عَن الثِّقَات بالمعضلات. قَالَ الْعقيلِيّ فِي «تَارِيخ الضُّعَفَاء» : وَقد رُوِيَ هَذَا الْمَتْن بِغَيْر هَذَا الْإِسْنَاد - أَعنِي: رِوَايَة ابْن عمر - من وجهٍ صَالح، وَقد أسلفنا ذَلِك عَنهُ، وَذكر إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَن بِلَالًا كَانَ فِي حَاجَة رَسُول الله ﷺ وَظَاهر مَا (ذَكرْنَاهُ) بل صَرِيحه أَنه لم يصدر من بِلَال
стр. 1560
حِين حضر أَذَان، لَكِن فِي تَعْلِيق (للْقَاضِي) حُسَيْن أَنه حضر بعد طُلُوع الْفجْر وَأذن.
ثَالِثهَا: الصدائي - بِضَم الصَّاد وَتَخْفِيف الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ وبالمد - مَنْسُوب إِلَى صداء (بِالْمدِّ) يصرف وَلَا يصرف (و) هُوَ أَبُو هَذِه الْقَبِيلَة (واسْمه: يزِيد بن حَرْب) . قَالَ البُخَارِيّ فِي «تَارِيخه» : صداء حَيّ من الْيمن.
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ
(أَن عبد الله بن زيد (لما) ألقِي الْأَذَان عَلَى بِلَال قَالَ عبد الله: أَنا رَأَيْته، وَأَنا كنت أريده يَا رَسُول الله! قَالَ: فأقم أَنْت) .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» والسياق لَهُ من حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو، عَن (مُحَمَّد بن عبد الله) عَن عَمه عبد الله بن زيد قَالَ: (أَرَادَ النَّبِي ﷺ (فِي الْأَذَان أَشْيَاء) لم يصنع مِنْهَا (شَيْئا) قَالَ: فأري عبد الله بن زيد فِي الْمَنَام الْأَذَان، فَأَتَى النَّبِي ﷺ فَأخْبرهُ، قَالَ: فألقه عَلَى بِلَال. قَالَ: (فَأَلْقَاهُ) عَلَيْهِ فَأذن
стр. 1561
(بِلَال) قَالَ عبد الله: (أَنا) رَأَيْته، وَأَنا كنت أريده! قَالَ: فأقم أَنْت) .
وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو قَالَ: سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ: (كَانَ جدي عبد الله بن زيد ... ) فَذكر الْخَبَر، قَالَ: فَأَقَامَ جدي، قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي: هَذَا حَدِيث حسن، وَفِي إِسْنَاده مقَال.
قلت: لم يبين ذَلِك (الْمقَال وَهُوَ) من وُجُوه:
أَحدهَا: أَن مُحَمَّد بن عَمْرو الْمَذْكُور هُوَ الوَاقِفِي الْأنْصَارِيّ الْبَصْرِيّ - كَمَا جَاءَ مُبينًا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ لهَذَا الحَدِيث - وَقد ضعفه يَحْيَى بن سعيد جدًّا، وَقَالَ ابْن نمير: لَا يُسَاوِي شَيْئا. وَقَالَ ابْن معِين: ضَعِيف.
ثَانِيهَا: أَن مُحَمَّد بن عبد الله لَا يعرف حَاله كَمَا (قَالَ) ابْن الْقطَّان، قَالَ: وَكَذَلِكَ عبد الله بن مُحَمَّد الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد الآخر.
ثَالِثهَا: أَن الْعقيلِيّ نقل فِي «تَارِيخ الضُّعَفَاء» عَن البُخَارِيّ (عقب) هَذَا الحَدِيث: إِن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن (زيد)
стр. 1562
عَن أَبِيه، عَن جده لم يذكر سَماع بَعضهم من بعض. قَالَ الْعقيلِيّ - لما ذكر الحَدِيث -: الرِّوَايَة فِي هَذَا الْبَاب فِيهَا لين، وَبَعضهَا أفضل من بعض. انْتَهَى.
وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق ثَان رَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» من حَدِيث أبي العميس قَالَ: سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ «يحدث» عَن أَبِيه، عَن جده (أَنه رَأَى الْأَذَان مثنى مثنى، وَالْإِقَامَة مثنى مثنى قَالَ: فَأتيت النَّبِي ﷺ فَأَخْبَرته فَقَالَ: علمهن بِلَالًا. فعلمتهن بِلَالًا، قَالَ: فتقدمت، فَأمرنِي أَن أقيم فأقمت (بهم)) قَالَ: قَالَ الْحَاكِم: هَذَا الحَدِيث واه إِسْنَادًا ومتنًا، أما الْإِسْنَاد؛ فَإِن الْحفاظ من أَصْحَاب أبي العميس رَوَوْهُ عَن أبي العميس، عَن زيد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن زيد، وَأما الْوَهم الظَّاهِر فِي مَتنه؛ فَإِنَّهُ أَتَى بمعضلة لم يروها أحد، وَذَلِكَ أَنه أخبر أَن بِلَالًا أذن وَأقَام عبد الله بن زيد، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (من أذن فَهُوَ يُقيم) فِي أَخْبَار كَثِيرَة. قَالَ: وَعبد السَّلَام بن حَرْب الْملَائي أعلم الْكُوفِيّين بِحَدِيث أبي العميس وَأَكْثَرهم عَنهُ رِوَايَة، وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث [فَلم فَذكر] فِيهِ تَثْنِيَة الْإِقَامَة. هَذَا آخر كَلَام الْحَاكِم عَلَى مَا نَقله الْبَيْهَقِيّ، وَلَا يَخْلُو من (مشاحة) .
وَله طَرِيق ثَالِث رَوَاهَا أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ عَلَى مَا عزاهُ إِلَيْهِ صَاحب
стр. 1563
«الإِمَام» من حَدِيث (الحكم) عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (كَانَ أول من أذن فِي الْإِسْلَام بِلَال وَأول من أَقَامَ عبد الله بن زيد فَلَمَّا أذن بِلَال أَرَادَ أَن يُقيم فَقَالَ عبد الله بن زيد: أَنا الَّذِي رَأَيْت الرُّؤْيَا؛ فَأذن بِلَال (و) يُقيم أَيْضا! قَالَ: فأقم أَنْت) وستعلم - إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْكَلَام عَلَى رفع الْيَدَيْنِ أَن الحكم لم يسمع من مقسم إِلَّا أَرْبَعَة أَحَادِيث؛ فَإِن لم يكن هَذَا من تِلْكَ، فَيكون مُنْقَطِعًا (وأجمل) عبد الْحق فِي «الْأَحْكَام» (القَوْل فِي تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث؛ فَقَالَ:) إِقَامَة عبد الله بن زيد لَيست تَجِيء من وَجه قوي - فِيمَا أعلم - و (ضعفها) النَّوَوِيّ أَيْضا، وَخَالف الْمُنْذِرِيّ فحسنها فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب، وَاحْتج بهَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» ، وَمن الرِّوَايَات الغريبة (أَن عمر بن الْخطاب أَقَامَ بعد أَذَان بِلَال) .
رَوَاهَا ابْن شاهين فِي «ناسخه ومنسوخه» من حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو الوَاقِفِي، عَن عبد الله بن مُحَمَّد الْأنْصَارِيّ، عَن عَمه عبد الله بن زيد (أَنه رَأَى الْأَذَان فِي الْمَنَام، فَأَتَى النَّبِي ﷺ فَذكر ذَلِك لَهُ (قَالَ) : فَأذن بِلَال. قَالَ: فجَاء عمر بن الْخطاب إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَنا أرَى الرُّؤْيَا وَيُؤذن بِلَال! قَالَ: فأقم أَنْت) . قَالَ
стр. 1564
ابْن شاهين: هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا أعلم (أَن) أحدا قَالَ فِيهِ أَن الَّذِي أَقَامَ الصَّلَاة عمر بن الْخطاب إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث، وَالْمَعْرُوف أَن الَّذِي أَقَامَ عبد الله بن زيد بن عبد ربه.
قلت: وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن (عَمْرو) الوَاقِفِي أَيْضا كَمَا سلف، وَقَالَ الْحَازِمِي فِي «ناسخه ومنسوخه» : اتّفق أهل الْعلم فِي الرجل يُؤذن وَيُقِيم غَيره (عَلَى) أَن ذَلِك جَائِز، وَاخْتلفُوا فِي الْأَوْلَوِيَّة، فَذهب أَكْثَرهم (إِلَى) أَنه لَا فرق، وَالْأَمر متسع، وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِك: مَالك وَأكْثر أهل الْحجاز، وَأَبُو حنيفَة وَأكْثر أهل الْكُوفَة، وَأَبُو ثَوْر، وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الأولَى أَن من أذن فَهُوَ يُقيم، وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: كَانَ يُقَال: من أذن فَهُوَ يُقيم.
وروينا عَن أبي مَحْذُورَة (أَنه) جَاءَ وَقد أذن إِنْسَان، فَأذن وَأقَام، وَإِلَى هَذَا ذهب أَحْمد، وَقَالَ الشَّافِعِي ﵁ فِي رِوَايَة الرّبيع عَنهُ: (وَإِذا أذن الرجل أَحْبَبْت أَن يتَوَلَّى الْإِقَامَة) لشَيْء يرْوَى: (إِن من أذن فَهُوَ يُقيم) .
قَالَ الْحَازِمِي: وَحجَّة هَذَا الْمَذْهَب حَدِيث الصدائي؛ لِأَنَّهُ أقوم إِسْنَادًا من حَدِيث عبد الله بن زيد، ثمَّ حَدِيث عبد الله بن زيد كَانَ فِي أول (شرع) الْأَذَان، وَذَلِكَ فِي السّنة الأولَى، وَحَدِيث الصدائي كَانَ بعده بِلَا شكّ، وَالْأَخْذ بآخر الْأَمريْنِ أولَى. قَالَ: وَطَرِيق الْإِنْصَاف أَن يُقَال: الْأَمر فِي هَذَا الْبَاب عَلَى التَّوسعَة (وادعاء) النّسخ مَعَ إِمْكَان الْجمع
стр. 1565
بَين الْحَدِيثين عَلَى خلاف الأَصْل؛ إِذْ لَا عِبْرَة بِمُجَرَّد التَّرَاخِي. ثمَّ نقُول فِي حَدِيث عبد الله بن زيد: إِنَّمَا فوض الْأَذَان إِلَى بِلَال؛ لِأَنَّهُ كَانَ أندى صَوتا من عبد الله - عَلَى مَا ذكر فِي الحَدِيث - وَالْمَقْصُود من الْأَذَان الْإِعْلَام، وَمن (شَرطه) الصَّوْت، فَكلما كَانَ الصَّوْت أَعلَى كَانَ أولَى، وَأما زِيَاد بن الْحَارِث (فَكَانَ) جَهورِي (الصَّوْت) وَمن صلح للأذان كَانَ للإقامة أصلح، وَهَذَا الْمَعْنى يُؤَكد قَول من قَالَ: من أذن فَهُوَ يُقيم.
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: (الْمُؤَذّن أملك بِالْأَذَانِ، وَالْإِمَام أملك بِالْإِقَامَةِ) .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طَرِيقين (أَحدهمَا) : من (حَدِيث) أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء (و) زِيَادَة: (اللَّهُمَّ أرشد الْأَئِمَّة، واغفر للمؤذنين) رَوَاهُ ابْن عدي فِي كَامِله كَذَلِك من حَدِيث شريك بن عبد الله القَاضِي، عَن الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة (بِهِ) ثمَّ قَالَ: إِنَّمَا رَوَاهُ النَّاس عَن الْأَعْمَش بِلَفْظ آخر، وَهُوَ: «الإِمَام ضَامِن» .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : من وثق شَرِيكا وَصحح حَدِيثه لَا يَنْبَغِي أَن يقْدَح هَذَا عِنْده فِيهِ؛ لِأَن هَذِه زِيَادَة لَا تعارضها تِلْكَ الرِّوَايَة.
стр. 1566
(ثَانِيهمَا) : من حَدِيث ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (المؤذنون أَحَق بِالْأَذَانِ، وَالْإِمَام أَحَق بِالْإِقَامَةِ) .
رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ من حَدِيث معارك بن عباد، عَن يَحْيَى بن أبي الْفضل، عَن أبي الجوزاء، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا (بِهِ) ومعارك هَذَا ضعفه غير وَاحِد، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: واهي الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: أَحَادِيثه مُنكرَة.
قلت: وَرُوِيَ من طَرِيق ثَالِث مَوْقُوفا عَن عَلّي ﵁ أَنه قَالَ: (الْمُؤَذّن أملك بِالْأَذَانِ، وَالْإِمَام أملك بِالْإِقَامَةِ) .
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (فِي «سنَنه» هَكَذَا) مَوْقُوفا عَن عَلّي ﵁ ثمَّ قَالَ: رَوَى شريك عَن الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا (وَلَيْسَ بِمَحْفُوظ) وَقد أسلفنا (الْكَلَام) عَلَيْهَا أَولا، هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب - بِفضل الله وَمِنْه - وَذكر الرَّافِعِيّ فِي آخِره خَاتِمَة مُشْتَمِلَة عَلَى محبوبات الْأَذَان وَلكُل (مِنْهَا) حَدِيث شَاهد بذلك، وَلَيْسَ من شرطي الْخَوْض فِي ذَلِك، لِئَلَّا يصير شرحًا لكتاب الرَّافِعِيّ، وَإِنَّمَا شرطي أَن أعزو مَا صرح بِهِ أَو (أَوْمَأ) إِلَيْهِ.
وَأما آثاره فَأَرْبَعَة:
أَولهَا: عَن ابْن عمر ﵁ أَنه قَالَ: (لَيْسَ عَلَى النِّسَاء أَذَان) .
стр. 1567
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَنهُ بِإِسْنَاد صَحِيح (بِهِ) وَزِيَادَة: (وَلَا إِقَامَة) وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» : حَكَى أَصْحَابنَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَيْسَ عَلَى النِّسَاء أَذَان وَلَا إِقَامَة) قَالَ: وَهَذَا لَا نعرفه مَرْفُوعا؛ إِنَّمَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور، عَن الْحسن وَإِبْرَاهِيم (وَالشعْبِيّ) وَسليمَان بن يسَار، وَحكي عَن عَطاء أَنه قَالَ: (يقمن) .
قلت: قد جَاءَ مَرْفُوعا من حَدِيث الحكم بن عبد الله الْأَيْلِي (و) رَوَاهُ ابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيثه عَن الْقَاسِم، عَن أَسمَاء قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَيْسَ عَلَى النِّسَاء أَذَان وَلَا إِقَامَة وَلَا جُمُعَة وَلَا اغتسال، وَلَا (تتقدمهن) امْرَأَة، وَلَكِن تقوم فِي وسطهن) (و) لكنه حَدِيث ضَعِيف بِسَبَب الحكم هَذَا؛ فَإِنَّهُ مَتْرُوك مُتَّهم (نسبه) إِلَى الْكَذِب السَّعْدِيّ وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ (بِثِقَة) وَلَا مَأْمُون. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِشَيْء، لَا يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ أَحْمد: أَحَادِيثه كلهَا مَوْضُوعَة. وَقَالَ البُخَارِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي الموضوعات عَن الْأَثْبَات.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» هَكَذَا رَوَاهُ الحكم بن عبد الله
стр. 1568
الْأَيْلِي، وَهُوَ ضَعِيف.
قَالَ: ورويناه فِي الْأَذَان وَالْإِقَامَة عَن أنس مَرْفُوعا وموقوفًا، وَرَفعه ضَعِيف.
الْأَثر الثَّانِي: عَن عَائِشَة ﵂ «أَنَّهَا كَانَت تؤذن وتقيم» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» بِزِيَادَة: (وتؤم النِّسَاء وسطهن) .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ عَن عَمْرو بن أبي سَلمَة قَالَ: (سَأَلت ابْن ثَوْبَان: عَلَى النِّسَاء إِقَامَة؟ فَحَدثني أَن أَبَاهُ حَدثهُ قَالَ: سَأَلت مَكْحُولًا فَقَالَ: إِذا أذنَّ وأقمن فَذَلِك أفضل، وَإِن لم يزدن عَلَى الْإِقَامَة أَجْزَأت عَنْهُن. قَالَ ابْن ثَوْبَان: وَإِن لم يقمن، فَإِن الزُّهْرِيّ حدث عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة قَالَت: كُنَّا نصلي بِغَيْر إِقَامَة) .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا إِن صَحَّ مَعَ الأول فَلَا (يتنافيان) لجَوَاز فعلهَا ذَلِك مرّة وَتركهَا أُخْرَى؛ لجَوَاز الْأَمريْنِ جَمِيعًا. قَالَ: وَيذكر عَن جَابر بن عبد الله «قيل (لَهُ) : أتقيم الْمَرْأَة؟ قَالَ: نعم» .
الْأَثر الثَّالِث: عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ: (لَوْلَا الخليفى لأذنت) .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، عَن قيس بن أبي حَازِم قَالَ: (قدمنَا عَلَى عمر بن الْخطاب ﵁ فَقَالَ: من (مؤذنكم) ؟ فَقُلْنَا: عبيدنا وموالينا. فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا
стр. 1569
(يقلبها) - عبيدنا وموالينا؟ ! إِن ذَلِك بكم لنَقص شَدِيد لَو أطقت الْأَذَان مَعَ الخليفى لأذنت) .
(وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا عَن قيس قَالَ: قَالَ عمر: (لَو كنت أُطِيق الْأَذَان مَعَ الخليفى لأذنت)) .
وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ - عَلَى مَا نَقله صَاحب «الإِمَام» عَنهُ - من حَدِيث إِسْمَاعِيل أَيْضا قَالَ: ثَنَا شبيل بن عَوْف البَجلِيّ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: (من مؤذنوكم الْيَوْم؟ قُلْنَا: موالينا وعبيدنا. قَالَ: إِن ذَلِك بكم لنَقص (كَبِير)) قَالَ: وَقَالَ إِسْمَاعِيل: قَالَ: (و) قَالَ عمر: (لَو كنت أُطِيق مَعَ الخليفى لأذنت) وَقَالَ حُصَيْن: حدثت أَن عمر بن الْخطاب قَالَ: (لَوْلَا أَن يكون سنة مَا أذن غَيْرِي) .
فَائِدَة: الخليفى - بتَشْديد (اللَّام) مَعَ كسر الْخَاء الْمُعْجَمَة مَقْصُور.
وَقيس بن أبي (حَازِم) هَذَا تَابِعِيّ جليل، رَوَى عَن الْعشْرَة، وَلَا يعرف أحد رَوَى عَن الْعشْرَة غَيره، قَالَه ابْن خرَاش الْحَافِظ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: لم يسمع ابْن عَوْف. وَذكر الْحَاكِم مَعَ (قيس) هَذَا سعيد بن الْمسيب وَغَيره، وَفِيه نظر لَا يخْفَى، وَاسم أَبِيه: عبد عَوْف
стр. 1570
بن الْحَارِث، وَقيل: عَوْف الأحمسي (البَجلِيّ) الْكُوفِي، وَهُوَ من المخضرمين، أدْرك الْجَاهِلِيَّة، وَجَاء ليبايع النَّبِي ﷺ فَتوفي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ فِي الطَّرِيق، وَقيل فِي المخضرم غير ذَلِك، مِمَّا أوضعته فِي «الْمقنع فِي عُلُوم الحَدِيث» فِي النَّوْع الْأَرْبَعين؛ فَرَاجعه (مِنْهُ) تَجِد غرائب ونفائس لَا تُوجد مَجْمُوعَة فِي غَيره.
الْأَثر الرَّابِع: «أَن عُثْمَان) ﵁ (أَخذ) أَرْبَعَة من المؤذنين، وَلم يزدْ الْخُلَفَاء الراشدون عَلَى هَذَا الْعدَد) .
(و) هَذَا (الْأَمر) مَشْهُور فِي كتب أَصْحَابنَا، وَمِمَّنْ ذكره مِنْهُم صَاحب «الْمُهَذّب» وَلم يعزه النَّوَوِيّ فِي شَرحه لَهُ، وبيض لَهُ الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه لأحاديثه بَيَاضًا، وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» بَاب عدد المؤذنين، وَذكر فِي آخِره زِيَادَة عُثْمَان: (التأذين يَوْم الْجُمُعَة) ثمَّ قَالَ: الْخَبَر ورد فِي التأذين لَا فِي الْمُؤَذّن. وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فَهُوَ إِذا (أَدخل) فِي الْبَاب غير مَا ترْجم لَهُ، وَفِي «الْمعرفَة» لَهُ عَن (بعض) أَصْحَابنَا أَنه قَالَ: احْتج الشَّافِعِي فِي «الْإِمْلَاء» عَلَى جَوَاز أَكثر من مؤذنين اثْنَيْنِ بِقصَّة عُثْمَان، قَالَ: ومعروف أَنه زَاد فِي عدد المؤذنين فجعلهم) ثَلَاثَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قد روينَا فِي حَدِيث السَّائِب بن يزِيد (أَن) التأذين الثَّالِث يَوْم
стр. 1571
الْجُمُعَة (إِنَّمَا أَمر بِهِ عُثْمَان حِين كثر أهل الْمَدِينَة إِلَّا أَن أهل الْعلم يَقُولُونَ: المُرَاد بِهِ التأذين الثَّالِث) مَعَ الْإِقَامَة، وَذَلِكَ لِأَن فِي حَدِيث السَّائِب «وَكَانَ التأذين يَوْم الْجُمُعَة حِين يجلس (الإِمَام) » فَالَّذِي زَاد عُثْمَان هُوَ الْأَذَان قبل خُرُوج الإِمَام. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَعَلَى هَذَا يدل كَلَام الشَّافِعِي فِي كتاب الْجُمُعَة. قَالَ: وَلَعَلَّه زَاد أَيْضا فِي عدد المؤذنين.
خاتمتان نختم بهما الْبَاب:
(الأولَى) : قَالَ الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْبَاب: وَأما الْجمع بَين الْأَذَان [الْإِمَامَة] فَلَا يسْتَحبّ؛ لِأَنَّهُ لم يَفْعَله رَسُول الله ﷺ وَلَا أَمر بِهِ، وَلَا السّلف الصَّالح بعده، هَذَا لَفظه. وَفِي كَون الرَّسُول لم يفعل ذَلِك نظر؛ فَفِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث يعْلى بن مرّة: (فَأذن رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَلَى (رَاحِلَته) وَأقَام (وَهُوَ عَلَى رَاحِلَته)) ثمَّ قَالَ: غَرِيب.
وَقد أخرجه أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالا فِيهِ: (فَأمر الْمُؤَذّن فَأذن وَأقَام) وَقد أوضحت ذَلِك (أكمل إِيضَاح) فِي «تَخْرِيج أَحَادِيث الْوَسِيط» فَرَاجعه مِنْهُ.
стр. 1572
الثَّانِيَة: قَالَ الرَّافِعِيّ أَيْضا فِي أثْنَاء مَسْأَلَة الْأَذَان وَالْإِقَامَة أَيهمَا أفضل؟ إِن الْمَنْقُول أَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول فِي تشهده: «أشهد أَنِّي رَسُول الله ﷺ ٢٦٦٧» ) . وَفِيمَا ذكره نظر؛ فَإِن الْمَنْقُول خِلَافه (وَأَن) (لفظ) (تشهده) : أشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، كَمَا ستعلمه بِطرقِهِ فِي أَوَاخِر بَاب صفة الصَّلَاة عِنْد الْكَلَام عَلَى ذكر التشهدات، وَلَقَد أصَاب النَّوَوِيّ فِي (التَّنْقِيح) شرح الْوَسِيط (حَيْثُ) قَالَ: (كَانَ ﵇ يَقُول فِي تشهده: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله) .
стр. 1573
بَاب اسْتِقْبَال الْقبْلَة
ذكر فِيهِ ﵀ سَبْعَة أَحَادِيث
الحَدِيث الأول
(أَن النَّبِي ﷺ دخل الْبَيْت ودعا فِي نواحيه، ثمَّ خرج وَركع رَكْعَتَيْنِ فِي (قبُل) الْكَعْبَة، وَقَالَ: هَذِه الْقبْلَة) .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أودعاه فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث أُسَامَة بن زيد ﵁: (أَن رَسُول الله ﷺ لما دخل الْبَيْت دَعَا فِي نواحيه كلهَا، وَلم يصل فِيهَا حَتَّى خرج، فَلَمَّا خرج ركع فِي قبل الْبَيْت رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: هَذِه الْقبْلَة) .
(فَائِدَة: قَوْله) : (ركع فِي قبل الْبَيْت) قَالَ الْخطابِيّ: قبُل كل شَيْء وقبلته: مَا استقبلك مِنْهُ. وَقَالَ القلعي: قبل الْبَيْت، أَي: بِحَيْثُ تقابله وتعاينه. وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بقبلها: وَجههَا؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة فِي الصَّحِيح من حَدِيث ابْن عمر: (فَصَلى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجه الْكَعْبَة) قَالَ:
стр. 1574
وَهَذَا أحسن مَا قيل فِيهِ - إِن شَاءَ الله. قَالَ: (وقبلة) : بِضَم الْبَاء، وَيجوز إسكانها.
(و) : قَوْله: «هَذِه الْقبْلَة» قَالَ الْخطابِيّ (فِي) مَعْنَاهُ: إِن أَمر الْقبْلَة قد اسْتَقر عَلَى هَذِه البنية؛ فَلَا تنسخ بعد الْيَوْم، فصلوا إِلَيْهِ أبدا فَهُوَ قبلتكم. قَالَ: وَيحْتَمل أَنه علمهمْ موقف سنة الإِمَام وَأَنه يقف (فِي وَجههَا) دون أَرْكَانهَا وجوانبها، وَإِن كَانَت (الصَّلَوَات) فِي جَمِيع جهاتها مجزئة.
قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : وَيحْتَمل مَعْنَى ثَالِثا (و) هُوَ (أَن مَعْنَاهُ) : هَذِه الْكَعْبَة هِيَ الْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي أمرْتُم باستقباله؛ لَا كل الْحرم وَلَا مَكَّة وَلَا الْمَسْجِد الَّذِي حول الْكَعْبَة بل (هِيَ) نَفسهَا فَقَط.
فَائِدَة ثَانِيَة: نفي أُسَامَة صلَاته ﵇ فِي الْكَعْبَة، وَكَذَا ابْن عَبَّاس فِي «صَحِيح البُخَارِيّ» وأثبتها بِلَال، كَمَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» وَأجْمع أهل الحَدِيث عَلَى الْأَخْذ بهَا (لِأَنَّهَا) مثبتة (وَمَعَهَا) زِيَادَة علم، فَوَجَبَ ترجيحها، وَأجَاب بَعضهم عَن الأول بِأَن المُرَاد نفي الرُّؤْيَة فَقَط
стр. 1575
لَا النَّفْي الْمُطلق، وَعَابَ ابْن حبَان هَذَا فِي «صَحِيحه» وَجمع بَينهمَا بِأَن ذَلِك بِاعْتِبَار (حالتين) فِي (عَاميْنِ وَأحسن مِنْهُ بِاعْتِبَار) وَقْتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ، وَقد ذكرت ذَلِك كُله موضحًا فِي شرحي للعمدة فَليُرَاجع مِنْهُ.
الحَدِيث الثَّانِي
(أَن ابْن عمر ﵄ قَالَ ذَلِك فِي تَفْسِير قَول الله - تَعَالَى -: (فَإِن خِفْتُمْ فرجالًا أَو ركبانًا) يَعْنِي: مستقبلي الْقبْلَة وَغير مستقبليها) . قَالَ نَافِع: وَلَا أرَاهُ ذكر ذَلِك إِلَّا عَن رَسُول الله ﷺ .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب التَّفْسِير من «صَحِيحه» عَن عبد الله بن يُوسُف، عَن مَالك، عَن نَافِع (أَن عبد الله بن عمر كَانَ إِذا سُئِلَ عَن صَلَاة الْخَوْف قَالَ: يتَقَدَّم الإِمَام وَطَائِفَة من النَّاس ... - فَذكر صفتهَا - قَالَ: فَإِن كَانَ خوف أَشد من ذَلِك صلوا رجَالًا قيَاما عَلَى أَقْدَامهم أَو ركبانًا مستقبلي الْقبْلَة أَو غير مستقبليها) [قَالَ مَالك] قَالَ نَافِع: لَا (أرَى) (ابْن) عمر (ذكر) ذَلِك إِلَّا عَن رَسُول الله ﷺ .
وَفِي «صَحِيح مُسلم» أَن ابْن عمر رَوَى صَلَاة الْخَوْف ثمَّ قَالَ -
стр. 1576
[أَي] (ابْن) عمر: «إِن) كَانَ خوف أَكثر من ذَلِك فصل. رَاكِبًا وقَائِما تومئ إِيمَاء) .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : وَهُوَ ثَابت من جِهَة مُوسَى بن عقبَة، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، عَن النَّبِي ﷺ .
فَائِدَة: قَوْله تَعَالَى: (فَإِن خِفْتُمْ) أَي: عدوًّا؛ فَحذف الْمَفْعُول بِهِ (لإحاطة) الْعلم بِهِ، قَالَه الواحدي. قَالَ: وَالرِّجَال: جمع راجل، كصاحب وصحاب، وَهُوَ الْكَائِن عَلَى رجله مَاشِيا كَانَ أَو وَاقِفًا. قَالَ: وَجمعه رجل، (رجالة) ، وَرِجَال. قَالَ: (والركبان) جمع رَاكب كفارس وفرسان. قَالَ: وَمَعْنى الْآيَة: (وَإِن) لم يمكنكم أَن (تصلوا) صُفُوفا (موفين للصَّلَاة) حُقُوقهَا فصلوا مشَاة وركبانًا؛ فَإِن ذَلِك يجزئكم. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذَا فِي حَال المسايفة والمطاردة، قَالَ ابْن عمر فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة: مستقبلي الْقبْلَة وَغير مستقبليها.
هَذَا آخر كَلَام الواحدي فَصرحَ بِأَن كَلَام ابْن عمر تَفْسِير لِلْآيَةِ. قَالَ النَّوَوِيّ فِي «التَّهْذِيب» : وَكَانَ بعض شُيُوخنَا يذهب إِلَى هَذَا، وَكَانَ
стр. 1577
بَعضهم يَقُول: لَيْسَ (هُوَ) بتفسير؛ بل هُوَ بَيَان حكم من أَحْكَام صَلَاة الْخَوْف. قَالَ فِي «شرح الْمُهَذّب» : وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَهُوَ ظَاهر رِوَايَة البُخَارِيّ.
الحَدِيث الثَّالِث
عَن ابْن عمر ﵄: (أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي السّفر عَلَى رَاحِلَته حَيْثُ تَوَجَّهت) .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أودعهُ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» (وَلَفظ البُخَارِيّ) عَن نَافِع قَالَ: «كَانَ ابْن عمر يُصَلِّي عَلَى (رَاحِلَته) ويوتر عَلَيْهَا، ويخبر أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَفْعَله، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (كَانَ عبد الله بن عمر يُصَلِّي فِي السّفر عَلَى رَاحِلَته أَيْنَمَا تَوَجَّهت يُومِئ) . وَيذكر أَنه ﵇ كَانَ يَفْعَله، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (كَانَ عبد الله يُصَلِّي عَلَى دَابَّته من اللَّيْل وَهُوَ مُسَافر، مَا يُبَالِي حَيْثُ كَانَ وَجهه. قَالَ ابْن عمر: وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يسبح عَلَى الرَّاحِلَة قبل أَي وَجه توجه ويوتر عَلَيْهَا غير أَنه لَا (يُصَلِّي) عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَة) .
стр. 1578
وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن ابْن عمر قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي فِي السّفر عَلَى رَاحِلَته حَيْثُ تَوَجَّهت بِهِ، يُومِئ إِيمَاء صَلَاة اللَّيْل إِلَّا الْفَرَائِض، ويوتر عَلَى رَاحِلَته) وَفِي أُخْرَى: (يُومِئ بِرَأْسِهِ) ، وَلَفظ مُسلم: (أَنه ﵇ كَانَ يُصَلِّي سبحته حَيْثُمَا تَوَجَّهت بِهِ نَاقَته) وَفِي لفظ لَهُ: (كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَته حَيْثُ تَوَجَّهت (بِهِ)) وَفِي لفظ لَهُ: (حَيْثُمَا تَوَجَّهت بِهِ، وَكَانَ ابْن عمر يفعل ذَلِك) وَفِي (لفظ لَهُ) : (كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مقبل من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة عَلَى رَاحِلَته حَيْثُ كَانَ وَجهه وَفِيه نزلت: (فأينما توَلّوا فثم وَجه الله» وَفِي لفظ لَهُ: (ثمَّ تَلا ابْن عمر: (فأينما توَلّوا فثم وَجه الله) وَقَالَ: فِي هَذَا نزلت) وَفِي لفظ لَهُ: (رَأَيْته يُصَلِّي عَلَى حمَار وَهُوَ موجه إِلَى خَيْبَر) قَالَ عبد الْحق: تفرد بهَا، وَالصَّحِيح: (عَلَى رَاحِلَته) وَفِي لفظ لَهُ: (كَانَ يسبح عَلَى الرَّاحِلَة قبل أيُ وَجه توجه، ويوتر عَلَيْهَا غير أَنه لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَة) .
стр. 1579
وَقَالَ أَحْمد فِي «مُسْنده» : ثَنَا وَكِيع، ثَنَا ابْن أبي لَيْلَى، عَن عَطاء أَو عَطِيَّة عَن أبي (و) سعيد عَن نَافِع، عَن ابْن عمر «أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَته فِي التَّطَوُّع حَيْثُمَا تَوَجَّهت بِهِ يُومِئ إِيمَاء (يَجْعَل) السُّجُود أَخفض من الرُّكُوع» قَالَ عبد الله: (وَالصَّوَاب) عَطِيَّة، وَالله أعلم.
الحَدِيث الرَّابِع
عَن جَابر بن عبد الله مثل حَدِيث ابْن عمر.
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ، رَوَاهُ البُخَارِيّ بِأَلْفَاظ: أَحدهَا: من حَدِيث عُثْمَان بن عبد الله بن سراقَة عَنهُ (أَن رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة أَنْمَار كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَته مُتَوَجها قبل الْمشرق) .
ثَانِيهَا: (كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَته حَيْثُ تَوَجَّهت (بِهِ) فَإِذا أَرَادَ (أَن يُصَلِّي الْمَكْتُوبَة) (نزل) فَاسْتقْبل الْقبْلَة) .
ثَالِثهَا: «كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَته نَحْو الْمشرق؛ فَإِذا أَرَادَ أَن
стр. 1580
يُصَلِّي الْمَكْتُوبَة نزل فَاسْتقْبل الْقبْلَة» .
قَالَ عبد الْحق: وَالنُّزُول للمكتوبة من أَفْرَاده.
رَابِعهَا: (كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّع وَهُوَ رَاكب فِي غير الْقبْلَة) .
وَرَوَاهُ مُسلم بِأَلْفَاظ من حَدِيث أبي الزبير عَنهُ:
أَحدهَا: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ [فَبَعَثَنِي] فِي حَاجَة، فَرَجَعت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَته وَوَجهه إِلَى غير الْقبْلَة ... ) الحَدِيث.
ثَانِيهَا: «أَتَيْته وَهُوَ (يُصَلِّي) عَلَى بعيره، يومىء (بِرَأْسِهِ)
) الحَدِيث.
ثَالِثهَا: (أَدْرَكته يُصَلِّي وَهُوَ موجه يَوْمئِذٍ قبل الْمشرق ... ) الحَدِيث، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان: (إِنِّي كنت أُصَلِّي نَافِلَة) .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، ثَنَا وَكِيع، عَن سُفْيَان، عَن أبي الزبير، عَن جَابر قَالَ: (بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ فِي حَاجَة، فَجئْت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَته نَحْو الْمشرق (السُّجُود) أَخفض من الرُّكُوع) .
следующие страницы →