Полный текст (6 131 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وَالثَّانِي: ابْن أبي شيبَة فِي «مُصَنفه» . وَالثَّالِث: الْبَزَّار عَن ابْن جُبَير بن مطعم، عَن أَبِيه: «أَنه رَأَى رَسُول الله ﷺ (يصلى صَلَاة) قَالَ عَمْرو: لَا أَدْرِي أَي صَلَاة هِيَ. قَالَ: (الله أكبر الله أكبر كَبِيرا، الله أكبر كَبِيرا، الله أكبر كَبِيرا) وَالْحَمْد لله كثيرا، سُبْحَانَ الله بكرَة وَأَصِيلا - (ثَلَاثًا) - أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم من نفخه ونفثه وهمزه» .
قَالَ عَمْرو: نفثه: الشّعْر، ونفخه: الْكبر، وهمزه: الموتة. ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث عَمْرو بن مرّة، عَن رجل، عَن ابْن جُبَير، عَن أَبِيه قَالَ: «سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي التَّطَوُّع ... » وَذكر نَحوه، وَهَذِه طَريقَة أَحْمد كَمَا (قدمتها) وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه كَرِوَايَة أبي دَاوُد الأولَى سَوَاءً.
(وَرَوَاهُ) ابْن حبَان من طَرِيقين بِسَنَد أبي دَاوُد الأول:
أَحدهمَا: لَفظه فِيهِ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا دخل فى الصَّلَاة قَالَ: الله أكبر كَبِيرا وَالْحَمْد لله كثيرا - ثَلَاثًا - وَسُبْحَان الله بكرَة وَأَصِيلا - ثَلَاثًا - أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم من همزه ونفخه ونفثه» ثمَّ ذكر تَفْسِير ذَلِك عَن عَمْرو كَمَا تقدم.
الثَّانِي: عَن جُبَير قَالَ: «رَأَيْت رَسُول الله ﷺ إِذا (افْتتح)
стр. 1682
الصَّلَاة قَالَ: (اللَّهُمَّ) إِنِّي أعوذ بك من الشَّيْطَان من همزه ونفخه ونفثه» ثمَّ ذكر تَفْسِير ذَلِك كَمَا فِي الَّذِي قبله. والموتة: تَعْنِي الْجُنُون. والنفث: كل مَا نفخ الرجل من فِيهِ من غير أَن يخرج رِيقه. وَالْكبر: التيه.
وَرَوَاهُ الْحَاكِم بِسَنَد الْجَمَاعَة وَلَفظه: «إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا افْتتح الصَّلَاة قَالَ: الله أكبر كَبِيرا، وَالْحَمْد لله كثيرا، وَسُبْحَان الله بكرَة وَأَصِيلا - ثَلَاث مَرَّات - اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الشَّيْطَان الرَّجِيم من همزه ونفخه ونفثه» قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَذكره ابْن عَسَاكِر فِي «أَطْرَافه» فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم، عَن أَبِيه. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ من طَرِيق سمي فِيهِ ابْن جُبَير بِنَافِع.
قلت: وَقد أسلفنا ذَلِك عَن (رِوَايَة) أَحْمد.
وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» : حَدِيث جُبَير هَذَا اخْتلف فِي إِسْنَاده، فَرَوَاهُ شُعْبَة، عَن عَمْرو بن (مرّة) عَن عَاصِم الْعَنزي، عَن ابْن جُبَير (بن مطعم) عَن أَبِيه، وَرَوَاهُ (حُصَيْن) بن عبد الرَّحْمَن (عَن) عَمْرو بن مرّة، فَقَالَ: عَن عباد بن عَاصِم (عَن نَافِع بن جُبَير بن مطعم، عَن أَبِيه: وَعَاصِم الْعَنزي وَعباد بن عَاصِم) مَجْهُولَانِ لَا
стр. 1683
نَدْرِي من هما، وَلَا نعلم الصَّحِيح مَا رَوَى حُصَيْن أَو شُعْبَة.
قلت: عَاصِم الْعَنزي موثَّق، ذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» وَذكر الحَدِيث وَالِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ عَن غير جُبَير بن مطعم «أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يتَعَوَّذ قبل الْقِرَاءَة» .
قلت: هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد ورد ذَلِك من عدَّة طرق:
إِحْدَاهَا: عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة بِاللَّيْلِ كبر ثمَّ يَقُول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك، وتبارك اسْمك، وَتَعَالَى جدك، وَلَا إِلَه غَيْرك. ثمَّ يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله - ثَلَاثًا - ثمَّ يَقُول: الله أكبر (كَبِيرا) - ثَلَاثًا - ثمَّ يَقُول: أعوذ بِاللَّه السَّمِيع الْعَلِيم من الشَّيْطَان الرَّجِيم من همزه ونفخه ونفثه» .
رَوَاهُ الْأَئِمَّة: أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَرُبمَا يزِيد بَعضهم عَلَى بعض. قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا الحَدِيث أشهر حَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، وَقد تكلم فِي إِسْنَاده، كَانَ يَحْيَى بن سعيد يتَكَلَّم فِي عَلّي بن عَلّي الرِّفَاعِي - يَعْنِي: الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده - وَقَالَ أَحْمد: هَذَا الحَدِيث لَا يَصح.
قلت: فَلم أخرجته فِي «مسندك» وشرطك فِيهِ الصِّحَّة كَمَا رَوَاهُ عَنْك
стр. 1684
(الْحَافِظ) أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ، وَقد سَأَلَك حَرْب الْكرْمَانِي عَن عَلّي بن عَلّي، فَقلت: لم يكن بِهِ بَأْس، وَسَيَأْتِي عَنهُ أَنه صَالح أَيْضا، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: النَّاس يَقُولُونَ: هُوَ عَن عَلّي بن عَلّي، عَن الْحسن. وَالوهم من جَعْفَر - يَعْنِي: ابْن سُلَيْمَان الضبعِي - الرَّاوِي عَن عَلّي (بن عَلّي) الرِّفَاعِي، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» وَأعله بقول أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ.
قلت: وَعلي هَذَا وَثَّقَهُ وَكِيع وَأَبُو نعيم وَابْن معِين وجماعات. قَالَ ابْن سعد [ثَنَا] الْفضل بن دُكَيْن وَعَفَّان قَالَا: كَانَ عَلّي بن عَلّي الرِّفَاعِي يشبه بِالنَّبِيِّ ﷺ قَالَ (الإِمَام أَحْمد: هُوَ صَالح. قيل: كَانَ يشبه النَّبِي ﷺ قَالَ) كَذَا يُقَال. وَقَالَ مُحَمَّد (بن عبد الله) بن عمار: كَانَ عَلّي بن عَلّي الرِّفَاعِي زَعَمُوا أَنه كَانَ يُصَلِّي كل يَوْم سِتّمائَة رَكْعَة، وَكَانَ تشبه عينه - بِعَين النَّبِي ﷺ وَكَانَ رجلا عابدًا (ثِقَة) وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِهِ بَأْس، لَا يحْتَج بحَديثه. وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» : أما مَا يفْتَتح بِهِ الْعَامَّة صلَاتهم بخراسان من قَوْلهم: سُبْحَانَكَ الله وَبِحَمْدِك، تبَارك اسْمك، وَتَعَالَى جدك، وَلَا إِلَه غَيْرك) فَلَا نعلم فِي هَذَا خَبرا ثَابتا عَن رَسُول الله ﷺ عِنْد أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ، وَأحسن إِسْنَاد نعلمهُ رُوِيَ فِي هَذَا خبر أبي المتَوَكل، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ... فَذكره كَمَا تقدم عَن أَصْحَاب السّنَن وَغَيرهم. ثمَّ قَالَ: هَذَا الْخَبَر لم نسْمع فِي الدُّنْيَا عَالما فِي قديم الدَّهْر وَحَدِيثه اسْتَعْملهُ عَلَى وَجهه، وَلَا سمعنَا عَالما وَلَا حُكيَ لنا
стр. 1685
عَمَّن شَاهد من الْعلمَاء أَنه كَانَ يكبر لافتتاح الصَّلَاة ثَلَاثًا ثمَّ يَقُول: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ... إِلَى قَوْله [و] لَا إِلَه غَيْرك ثَلَاثًا، ثمَّ يهلل ثَلَاثًا، ثمَّ يكبر ثَلَاثًا.
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن ابْن مسعودٍ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الشَّيْطَان الرَّجِيم وهمزه ونفخه ونفثه. قَالَ: همزه: الموتة، ونفخه: الشّعْر، ونفثه: الْكبر» .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» هَكَذَا من حَدِيث ابْن فُضَيْل، نَا عَطاء بن السَّائب، عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، عَن ابْن مَسْعُود (بِهِ) وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: «كَانَ ﵇ إِذا دخل فِي الصَّلَاة يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الشَّيْطَان الرَّجِيم ونفخه وهمزه ونفثه. قَالَ: فهمزه: الموتة، ونفخه: الشّعْر، ونفثه: الْكبر» .
ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَقد اسْتشْهد البُخَارِيّ بعطاء بن السَّائِب. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (أَيْضا) بِلَفْظ: «كَانَ ﵇ إِذا دخل فِي الصَّلَاة ... » الحَدِيث. قَالَ عَطاء: فهمزه الموتة. وَذكر بَاقِيه.
وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» بِلَفْظ: «أَنه ﵇ كَانَ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك ... » إِلَى آخِره.
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا قَامَ إِلَى الصَّلَاة كبر ثَلَاث مَرَّات، ثمَّ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله ثَلَاث مَرَّات
стр. 1686
(سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ ثَلَاث مَرَّات) وقَالَ: أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم من همزه ونفخه ونفثه» .
رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد من حَدِيث يعْلى بن عَطاء، عَن رجل أَنه سمع أَبَا أُمَامَة يَقُول ... فَذكره.
وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن شيخ من أهل دمشق أَنه سمع أَبَا أُمَامَة ... فَذكره.
قَالَ الرَّافِعِيّ و (قد) ورد الْخَبَر بِأَن صِيغَة التَّعَوُّذ: «أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم» .
قلت: هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد أسلفنا ذَلِك مَعَ غَيره أَيْضا، ثمَّ ادَّعَى الرَّافِعِيّ أَنه اشْتهر من فعل رَسُول الله ﷺ التَّعَوُّذ فِي الرَّكْعَة الأولَى، وَلم يشْتَهر فِي سَائِر الرَّكْعَات.
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين
عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاة (لمن) لم يقْرَأ (فِيهَا) بِفَاتِحَة الْكتاب» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى (صِحَّته) أَخْرجَاهُ فِي «صَحِيحَيْهِمَا»
стр. 1687
من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا اللَّفْظ، وَفِي رِوَايَة لَهما: «بِأم الْقُرْآن» وَفِي رِوَايَة لمُسلم مُنْفَردا بهَا (فَصَاعِدا) . قَالَ البُخَارِيّ فِي كِتَابه «وجوب الْقِرَاءَة خلف الإِمَام» : لم يُتَابع معمرًا عَلَيْهَا، وَهِي غير مَعْرُوفَة. قَالَ: وَيُقَال إِن عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق تَابعه، وَأَن عبد الرَّحْمَن رُبمَا رَوَى عَن الزُّهْرِيّ وَأدْخل بَينه وَبَين الزُّهْرِيّ غَيره، وَلَا نعلم أَن هَذَا من صَحِيح حَدِيثه أم لَا.
وَفِي رِوَايَة للدارقطني: بِإِسْنَاد لَا شكّ وَلَا مرية فِي صِحَّته: «لَا تُجزئ صَلَاة لَا يقْرَأ الرجل فِيهَا بِأم الْقُرْآن» .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِسْنَاده حسن، وَرِجَاله كلهم ثِقَات. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: صَحِيح.
وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي «صَحِيحَيْهِمَا» بِهَذَا اللَّفْظ من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة.
قَالَ ابْن الصّلاح: وَإِن تفرد بِهَذِهِ اللَّفْظَة شُعْبَة ثمَّ عَنهُ وهب بن جرير فَزِيَادَة الثِّقَة مَقْبُولَة لما عرف.
وَفِي «صَحِيح الْحَاكِم» و «سنَن الدَّارَقُطْنِيّ» من حَدِيث أَشهب
стр. 1688
بن عبد الْعَزِيز، نَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن ابْن شهَاب، عَن مَحْمُود بن الرّبيع، عَن عبَادَة بن الصَّامِت، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «أم الْقُرْآن عوض من غَيرهَا، وَلَيْسَ غَيرهَا مِنْهَا بعوض» ثمَّ قَالَ الْحَاكِم: قد اتّفق الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاج هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ من أوجه مُخْتَلفَة بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ، ورواة هَذَا الحَدِيث أَكْثَرهم أَئِمَّة وَكلهمْ ثِقَات عَلَى شَرطهمَا. قَالَ: وَلِهَذَا الحَدِيث (شَوَاهِد) بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة لم يخرجَاهُ وأسانيدها مُسْتَقِيمَة. ثمَّ ذكرهَا (بأسانيده) .
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين
«أَن رَسُول الله ﷺ انْصَرف من صَلَاة جهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: هَل قَرَأَ معي أحد (مِنْكُم) فَقَالَ رجل: نعم يَا رَسُول الله. فَقَالَ: مَا لي أنازع (الْقُرْآن) ؟ ! فَانْتَهَى النَّاس عَن الْقِرَاءَة فِيمَا يجْهر فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة: الشَّافِعِي وَمَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَأحمد فِي «الْمسند» وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ
стр. 1689
وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمْ» وَأَبُو حَاتِم (بن حبَان) فِي صَحِيحه من حَدِيث الزُّهْرِيّ، عَن ابْن أكيمَة - بِضَم الْألف وَفتح الْكَاف - عَن أبي هُرَيْرَة ﵁.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن. وَقَالَ الحميديُّ - شيخ البُخَارِيّ -: هَذَا الحَدِيث فِيهِ رجل مَجْهُول لم يرو عَنهُ (غَيره) قطّ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : تفرد بِهِ ابْن أكيمَة، وَهُوَ مَجْهُول، لم يحدث إِلَّا بِهَذَا الحَدِيث وَحده (وَلم يحدث عَنهُ غير الزُّهْرِيّ) وَلم يكن عِنْد الزُّهْرِيّ من مَعْرفَته أَكثر من أَن رَآهُ يحدث سعيد بن الْمسيب. ثمَّ نقل كَلَام الْحميدِي السالف.
وَكَذَا قَالَ فِي (مَعْرفَته) : إِن هَذَا الحَدِيث تفرد بِهِ ابْن أكيمَة، وَهُوَ مَجْهُول.
قَالَ: وَاخْتلفُوا فِي اسْمه؛ فَقيل: عمَارَة، وَقيل: عمار، وَكَذَا نصَّ فِي «خلافياته» عَلَى أَنه مَجْهُول.
وَاعْترض الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين عَلَيْهِ فِي ذَلِك فَقَالَ فِي «أَحْكَامه» : قَول الْبَيْهَقِيّ: إِن ابْن أكيمَة رجل مَجْهُول، وَلم يحدث إِلَّا بِهَذَا
стр. 1690
الحَدِيث وَحده، وَأَنه لم يحدث عَنهُ غير الزُّهْرِيّ. لَيْسَ كَذَلِك؛ فقد قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: صَحِيح الحَدِيث وَحَدِيثه مَقْبُول.
قَالَ: وَحكي عَن أبي حَاتِم البستي أَنه قَالَ: رَوَى عَنهُ الزُّهْرِيّ، وَسَعِيد بن أبي هِلَال وَابْن (ابْنه) عَمْرو بن مُسلم بن عمار بن أكيمَة بن عَمْرو.
قلت: (و) هُوَ كَمَا قَالَ من عدم جهالته، وَعدم تفرد الزُّهْرِيّ عَنهُ.
قَالَ ابْن معِين: رَوَى عَنهُ مُحَمَّد بن عَمْرو وَغَيره. وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» وَقَالَ: هُوَ (خولاني) يروي عَن أبي هُرَيْرَة واسْمه: عَمْرو بن مُسلم بن عمار بن أكيمَة رَوَى عَنهُ الزُّهْرِيّ، وَأَخُوهُ عمر بن مُسلم بن (عمار) يروي عَن سعيد بن الْمسيب، (وَسَعِيد بن أبي هِلَال، وَمُحَمّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة رَوَى عَنهُ مَالك وَقَالَ: عَمْرو بن مُسلم إِنَّمَا هُوَ عمر بن مُسلم لَا عَمْرو. لِأَن مَالِكًا لم [يدْرك] عَمرًا) وَقَالَ فِي «صَحِيحه» بعد إِخْرَاجه هَذَا الحَدِيث: اسْم ابْن أكيمَة هَذَا. عَمْرو بن مُسلم (بن عمار بن أكيمَة، وهما أَخَوان عَمْرو بن مُسلم وَعمر بن مُسلم) فَأَما عَمْرو فَهُوَ تَابِعِيّ سمع أَبَا هُرَيْرَة: وَسمع عَنهُ
стр. 1691
الزُّهْرِيّ، وَأما عمر فَهُوَ من أَتبَاع التَّابِعين سمع سعيد بن الْمسيب. وَرَوَى (عَنهُ) مَالك وَمُحَمّد بن عَمْرو (وهما ثقتان) .
وَفِي «التَّمْهِيد» كَانَ ابْن أكيمَة يحدث فِي مجْلِس سعيد بن الْمسيب وَهُوَ (يصغى) إِلَى حَدِيثه، وبحديثه [أَخذ] وَذَلِكَ دَلِيل عَلَى جلالته عِنْدهم وثقته.
قلت: فقد زالتْ (عَنهُ) الْجَهَالَة العينية والحالية بِرِوَايَة جمَاعَة عَنهُ وتوثيق أبي حَاتِم بن حبَان إِيَّاه، وَإِخْرَاج الحَدِيث فِي «صَحِيحه» من جِهَته، وَتَصْحِيح أبي حَاتِم (الرَّازِيّ) حَدِيثه وَأَنه مَقْبُول، وتحسين التِّرْمِذِيّ لَهُ، وسكوت أبي دَاوُد عَنهُ فَهُوَ حسن كَمَا قَالَه التِّرْمِذِيّ، بل (هُوَ) صَحِيح كَمَا قَالَه ابْن حبَان، وَتفرد ابْن أكيمَة بِهِ لَا يُخرجهُ عَن كَونه (صَحِيحا) لما علم من أَنه لَا يضر تفرد الثِّقَة بِالْحَدِيثِ، كَيفَ وَقد أخرجه إِمَام دَار الْهِجْرَة فِي (موطئِهِ) مَعَ مَا علم من تشديده وتحرِّيه فِي الرِّجَال، وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد: (مَالك إِذا رَوَى) عَن رجل لَا يعرف فَهُوَ حجَّة. وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: كَانَ مَالك (لَا يبلغ) من الحَدِيث إِلَّا صَحِيحا و (لَا يحدث) إِلَّا عَن (ثِقَات) .
стр. 1692
وروينا عَن بشر بن عمر الزهْرَانِي قَالَ: سَأَلت مَالِكًا عَن رجل قَالَ: هَل رَأَيْته فِي كتبي؟ قلت: لَا، قَالَ: لَو كَانَ ثِقَة لرأيته فِي كتبي. فَهَذَا تَصْرِيح من هَذَا الإِمَام (بِأَن) كل من رَوَى عَنهُ فِي موطئِهِ يكون ثِقَة.
تَنْبِيهَات:
أَحدهَا: تبع الْمُنْذِرِيّ فِي «كَلَامه عَلَى أَحَادِيث المهذَّب» الْبَيْهَقِيّ فِي مقَالَته السَّالفة، وَقد علمت مَا فِيهَا، وَبَالغ النَّوَوِيّ فِي «خلاصته» فَقَالَ: اتَّفقُوا عَلَى ضعف هَذَا الحَدِيث؛ لِأَن ابْن أكيمَة مَجْهُول. قَالَ: وَأنكر الْأَئِمَّة عَلَى التِّرْمِذِيّ تحسينه. هَذَا كَلَامه؛ وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ.
ثَانِيهَا: تحصلنا فِيمَا مَضَى فِي اسْم (ابْن) أكيمَة عَلَى أَقْوَال: أَحدهَا: عمَارَة. وَثَانِيها: عمار. وَثَالِثهَا: عمر. وَقد ذكر الأول التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» مقدما الأول، وَفِيه أَقْوَال أخر: أَحدهَا: عَامر. ثَانِيهَا: يزِيد. ثَالِثهَا: عباد. حكاهن الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِيه» وَقَالَ: وكنيته: أَبُو الْوَلِيد. رَابِعهَا: عمر، حَكَاهُ فِي «كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب» وَقد سلف أَيْضا.
ثَالِثهَا: قَوْله: «فَانْتَهَى النَّاس عَن الْقِرَاءَة ... » إِلَى آخِره، لَيْسَ من كَلَام سيدنَا رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام (الزُّهْرِيّ) مدرج فِي الحَدِيث؛ لذَلِك أطبق الْحفاظ عَلَيْهِ كَمَا بَينه الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كِتَابه «الْفَصْل للوصل المدرج فِي النَّقْل» قَالَ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» :
стр. 1693
سَمِعت مُحَمَّد بن يَحْيَى بن فَارس يَقُول: قَوْله: «فَانْتَهَى النَّاس» من كَلَام الزُّهْرِيّ.
(قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَكَذَا قَالَه البُخَارِيّ فِي «التَّارِيخ» قَالَ: هَذَا الْكَلَام من قَول الزُّهْرِيّ) وَكَذَا قَالَه مُحَمَّد بن يَحْيَى الذهلي شيخ البُخَارِيّ وَإِمَام أهل نيسابور، والخطابي، وَابْن حبَان وَغَيرهم.
وَاتفقَ هَؤُلَاءِ كلهم عَلَى أَن هَذِه اللَّفْظَة مدرجة فِي الحَدِيث من كَلَام الزُّهْرِيّ وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ بَينهم.
رَابِعهَا: رَوَى أَحْمد فِي «مُسْنده» وَالْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابيه: «السّنَن» و «الْمعرفَة» من رِوَايَة عبد الله ابْن بُحَيْنَة بِنَحْوِ رِوَايَة ابْن أكيمَة عَن أبي هُرَيْرَة ثمَّ رَوَى عَن الْحَافِظ يَعْقُوب بن سُفْيَان أَنه قَالَ: هَذَا خطأ لَا شكّ فِيهِ وَلَا ارتياب (وَالله الْمُوفق) .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين
عَن عبَادَة بن الصَّامت ﵁ قَالَ: «كُنَّا خلف رَسُول الله ﷺ (فِي صَلَاة الْفجْر) فَثقلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَة، فَلَمَّا فرغ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تقرءون خَلْفي؟ قُلْنَا: نعم. قَالَ: لَا تَفعلُوا إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بهَا» .
هَذَا الحَدِيث جَيِّد رَوَاهُ الْأَئِمَّة: أحمدُ فِي «مُسْنده» ، والبخاريُّ
стр. 1694
فِي كتاب «الْقِرَاءَة خلف الإِمَام» محتجًّا بِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي «سُنَنهمْ» وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «السّنَن» و «الْمعرفَة» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِسْنَاده حسن، وَرِجَاله ثِقَات. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِسْنَاده جيد لَا مطْعن فِيهِ. وَقَالَ الْحَاكِم: إِسْنَاده مُسْتَقِيم. فَإِن قلت فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق، وَقد قَالَ عَن مَكْحُول وَابْن إِسْحَاق: مُدَلّس كَمَا (أسلفناه) فَكيف يكون حسنا؟ ! فَالْجَوَاب أَن الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن حبَان رووا بأسانيدهم عَن ابْن إِسْحَاق قَالَ: حَدثنِي مَكْحُول ... الحَدِيث. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ (فِي سنَنه) : هَذَا الْإِسْنَاد حسن. فَزَالَ ذَلِك - وَللَّه الْحَمد (و) فِي بعض رِوَايَات الْبَيْهَقِيّ: «صَلَّى بِنَا رَسُول الله ﷺ -
стр. 1695
بعض الصَّلَاة الَّتِي يجْهر فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: لَا يقْرَأن أحد مِنْكُم إِذا جهرت بِالْقِرَاءَةِ إِلَّا بِأم الْقُرْآن» قَالَ الْبَيْهَقِيّ (عقب) هَذِه الرِّوَايَة: والْحَدِيث صَحِيح عَن عبَادَة، عَن النَّبِي ﷺ (و) لَهُ شَوَاهِد ذكرهَا.
وَفِي رِوَايَة (لَهُ و) لأبي دَاوُد وَغَيرهمَا بعد قَوْله: «لَعَلَّكُمْ تقرءون خَلْفي؟ قُلْنَا: أجل يَا رَسُول الله نَفْعل هَذَا ... » وَفِي رِوَايَة للدَّار قطني: «نهذه هذًّا (و) ندرسه درسًا ... » - والهذُّ بتَشْديد الذَّال وتنوينها - قَالَ الخطَّابي وَغَيره: هُوَ سرعَة وَشدَّة الاستعجال فِي الْقِرَاءَة. وَقيل: المُرَاد بالهذ (هُنَا) : الْجَهْر، وَتَقْدِيره: نهذه هذًّا.
تَنْبِيه: طعن ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه «التَّحْقِيق» فِي هَذَا الحَدِيث بِابْن إِسْحَاق، وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ فَإِنَّهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث كَمَا أسلفناه، وَقد احْتج بِهِ هُوَ فِي (مَوَاضِع أخر) ؛ ثمَّ طعن فِيهِ أَيْضا بِأَن قَالَ: مَكْحُول ضَعِيف. وَلَيْسَ بجيد أَيْضا؛ فَإِنَّهُ ثِقَة، رَوَى لَهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» و «الْأَرْبَعَة» وَإِن ضعفه ابْن سعد؛ وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» لأجل ذَلِك فَقَالَ: ذكر مُحَمَّد بن سعد عَن جمَاعَة من الْعلمَاء أَنهم قَالُوا: كَانَ ضَعِيفا فِي الرِّوَايَة. وَمَا ذكره ابْن سعد معَارض
стр. 1696
بِأَن جمَاعَة وثَّقوه، وَهُوَ من رجال الصَّحِيح كَمَا قَرَّرْنَاهُ، ثمَّ ذكره ابْن الْجَوْزِيّ بِسَنَد آخر، وَأعله بزيد بن وَاقد وَقَالَ: قَالَ فِيهِ أَبُو زرْعَة (الرَّازِيّ) : إِنَّه لَيْسَ بِشَيْء. ثمَّ قَالَ: عَلَى أَنه وَثَّقَهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَهَذَا وهم مِنْهُ؛ فزيد هَذَا صَاحب مَكْحُول، وَثَّقَهُ الإِمَام أَحْمد وَيَحْيَى بن معِين ودحيم وَالْعجلِي وَابْن حبَان، وَرَوَى لَهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» ومقالة أبي زرْعَة إِنَّمَا هِيَ فِي (زيد) بن وَاقد (السَّمْتِي) الْبَصْرِيّ، نزيل الرّيّ. وَوهم أَيْضا فِي نَقله عَن الدَّارَقُطْنِيّ تَوْثِيق هَذَا؛ إِنَّمَا وثق (الشَّامي) وَأما هَذَا فوثقه أَبُو حَاتِم؛ فَتنبه لذَلِك.
الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين
عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: «أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نَقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب فِي كل رَكْعَة» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب بِهَذَا اللَّفْظ، لَا يحضرني من خرَّجه بعد شدَّة الْبَحْث عَنهُ، وَعَزاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» إِلَى رِوَايَة أَصْحَابهم الْفُقَهَاء فَقَالَ: رَوَى أَصْحَابنَا من حَدِيث عبَادَة وَأبي سعيد قَالَا: «أمرنَا
стр. 1697
رَسُول الله ﷺ أَن نَقْرَأ الْفَاتِحَة فِي كل رَكْعَة» قَالَ: وَرووا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ (الْفَاتِحَة) فِي كل رَكْعَة» قَالَ: وَمَا عرفت هذَيْن الْحَدِيثين.
قلت: (وعزاهما) بعض الْحفاظ من الْحَنَابِلَة مُحَرر هَذَا الْكتاب إِلَى رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن (سعيد) الشالنجي قَالَ: وَالْآخر رُوِيَ من حَدِيث أبي سعيد.
قلت: وَفِي «سنَن ابْن مَاجَه» من حَدِيث أبي سُفْيَان السَّعْدِيّ، عَن أبي نَضرة، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ فِي كل رَكْعَة بِالْحَمْد وَسورَة فِي فَرِيضَة أَو غَيرهَا» .
وَإِسْنَاده ضَعِيف، فِيهِ سُوَيْد بن سعيد الحَدَثَاني، وَأَبُو سُفْيَان السَّعْدِيّ وهما مَتْرُوكَانِ (وعيب) عَلَى مُسلم إِخْرَاج حَدِيث الأول، وَرَوَى أَبُو يعْلى الْموصِلِي، عَن زُهَيْر، نَا عبد الصَّمد، نَا همام، نَا قَتَادَة، عَن أبي نَضرة، عَن أبي سعيد: «أمرنَا (نَبِي الله) (أَن نَقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب وَمَا تيَسّر» .
وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد، عَن عبد الصَّمد، وَرَوَاهُ أَيْضا عَن
стр. 1698
عَفَّان، عَن همام، (وَعنهُ «بِفَاتِحَة الْكتاب» ) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، عَن أبي الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ، عَن همام. وَكَذَا رَوَاهُ عبد بن حميد فِي «مُسْنده» (وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» عَن أبي يعْلى الْموصِلِي، وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ: يرويهِ قَتَادَة وَأَبُو سُفْيَان السَّعْدِيّ عَن أبي نَضرة مَرْفُوعا [وَوَقفه أَبُو مسلمة] عَن أبي نَضرة، كَذَلِك قَالَ أَصْحَاب شُعْبَة عَنهُ) وَرَوَاهُ (زنبقة) ، عَن عُثْمَان [بن] عمر، عَن شُعْبَة، عَن أبي (مسلمة) مَرْفُوعا، وَلَا يَصح رَفعه عَن شُعْبَة.
قلت: ويغني فِي الدّلَالَة عَلَى قِرَاءَة (الْفَاتِحَة) فِي كلِّ رَكْعَة عَن هَذِه الْأَحَادِيث الحديثُ الثَّابِت فِي «صَحِيح البُخَارِيّ» عَن مَالك
стр. 1699
بن الْحُوَيْرِث، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَقد ثَبت أنَّه ﷺ كَانَ يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب فِي كل الرَّكْعَات، وَقد جَاءَ ذَلِك فِي عدَّة أَحَادِيث؛ مِنْهَا حَدِيث أبي قَتَادَة الثَّابت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» : «كَانَ رَسُول الله ﷺ يقْرَأ فِي الظّهْر وَالْعصر فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوليين بِفَاتِحَة الْكتاب (وسورتين، ويسمعنا الْآيَة أَحْيَانًا، وَيقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأم الْكتاب) » .
ويستدل لذَلِك أَيْضا بِحَدِيث (النَّبِي ﷺ ) للمسيء صلَاته؛ فَإِنَّهُ ﵇ علَّمه وَاجِبَات الصَّلَاة، فَقَالَ لَهُ: «إِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فَكبر، ثمَّ اقْرَأ مَا تيَسّر مَعَك من الْقُرْآن ... » إِلَى أَن قَالَ: «ثمَّ افْعَل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا» .
متَّفق عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة للبيهقي بِإِسْنَاد صَحِيح: «ثمَّ افْعَل (ذَلِك فِي كل رَكْعَة)) وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَابْن حبَان «ثمَّ اقْرَأ بِأم الْقُرْآن ... » إِلَى أَن قَالَ: «ثمَّ اصْنَع ذَلِك فِي كل رَكْعَة» وَهَذِه رِوَايَة جليلة؛ فاستفدها.
стр. 1700
الحَدِيث السابعُ بعد الْعشْرين
«أَنه ﷺ قَرَأَ فَاتِحَة الْكتاب، فَقَرَأَ: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (وعدها آيَة» .
هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي فِي «الْمُخْتَصر» هَكَذَا بِغَيْر إِسْنَاد، وأسنده الْبُوَيْطِيّ فَقَالَ: أَخْبرنِي غير وَاحِد، عَن حَفْص بن غياث، عَن ابْن جريج، عَن ابْن أبي مليكَة، عَن أم سَلمَة: «أَنه ﵇ كَانَ إِذا قَرَأَ أم الْقُرْآن بَدَأَ ب (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (، يعدها آيَة، ثمَّ قَرَأَ (الْحَمد لله ربّ الْعَالمين (يعدها سِتّ آيَات» .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» عَن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن زَكَرِيَّا، ثَنَا عباد بن يَعْقُوب، نَا عمر بن هَارُون. ح ونا عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز، نَا إِبْرَاهِيم بن هَانِئ، نَا مُحَمَّد بن سعيد بن الْأَصْبَهَانِيّ، نَا عمر بن هَارُون الْبَلْخِي، عَن ابْن جريج، عَن ابْن أبي مليكَة، عَن أم سَلمَة: «أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يقْرَأ (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم * الْحَمد لله رب الْعَالمين * الرَّحْمَن الرَّحِيم * مَالك يَوْم الدَّين * إياك نعْبد وإيَّاك نستعين * اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم * صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين) قطعهَا آيَة آيَة، وعدها عد الْأَعْرَاب، وعد (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (آيَة، وَلم يعد: عَلَيْهِم» .
стр. 1701
وَهَذَا حَدِيث سَائِر رُوَاته (ثِقَات) ، الْبَغَوِيّ مَعْرُوف، وَابْن هَانِئ. قَالَ ابْن أبي حَاتِم: ثِقَة صَدُوق. وَابْن الْأَصْبَهَانِيّ رَوَى عَنهُ البُخَارِيّ. وَعمر بن هَارُون (وثق وَترك، قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي بَاب الْأَخْذ من اللِّحْيَة: سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل يَقُول: عمر بن هَارُون) مقارب الحَدِيث وَبَاقِي الْإِسْنَاد لَا يسْأَل عَنهُ. وَنقل النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ: إِسْنَاده كلهم ثِقَات، وَهُوَ إِسْنَاد صَحِيح.
قلت: وَأخرجه ابنُ خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من هَذَا الْوَجْه أَيْضا، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة عَن أبي بكر بن إِسْحَاق الصغاني، نَا خَالِد بن خِدَاش، نَا عمر بن هَارُون. وَرَوَاهُ الْحَاكِم عَن الْأَصَم، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصغاني، قَالَ: وَأَخْبرنِي أَبُو مُحَمَّد بن زِيَاد الْعدْل، نَا ابْن خُزَيْمَة، ثَنَا أَبُو بكر بن إِسْحَاق الصغاني، نَا خَالِد بن خِدَاش، ثَنَا عمر بن هَارُون عَن ابْن جريج، عَن ابْن أبي مليكَة، عَن أم سَلمَة: «أَنَّ رَسُول الله ﷺ قَرَأَ فِي الصَّلَاة (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (- يعدها آيَة - (الْحَمد لله رب الْعَالمين (آيَتَيْنِ (الرَّحْمَن الرَّحِيم (ثَلَاث آيَات (مَالك يَوْم الدَّين (
стр. 1702
أَربع آيَات، وَقَالَ: هَكَذَا (إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين (وَجمع خمس أَصَابِعه» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْمَقْدِسِي - الْمَعْرُوف بِأبي (شامة) -: لما وقف النَّبِي ﷺ عَلَى هَذِه المقاطع أخبر عَنهُ (أَنه) عد كل مقطع آيَة، وَأما الَّذِي عد أَصَابِعه فَهُوَ بعض الروَاة حِين حدث بِهَذَا الحَدِيث فعل ذَلِك زِيَادَة فِي الْبَيَان قَالَ: وَفِي عمر بن هَارُون هَذَا كَلَام لبَعض الْحفاظ، إِلَّا أَن حَدِيثه أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» وَقَالَ الْحَاكِم: (عمر) بن هَارُون أصل فِي السّنة، وَلم يخرجَاهُ.
قلت: وَلم يتفرد بِهِ؛ بل تَابعه حَفْص بن غياث كَمَا أسلفناه عَن رِوَايَة الْبُوَيْطِيّ، وَكَذَا قَالَ ابْن الصّلاح: أخرج هَذَا الحَدِيث ابْن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» وَاحْتج بِهِ فِي الْمَسْأَلَة، وَإِن كَانَ (عمر) بن هَارُون لَيْسَ بِالْقَوِيّ؛ فقد تَابعه عَلَيْهِ غَيره. ثمَّ ذكر رِوَايَة الْبُوَيْطِيّ. قَالَ الْحَاكِم: هَذَا شَاهد للْحَدِيث الصَّحِيح عَلَى شَرطهمَا، عَن أم سَلمَة قَالَت: «كَانَ النَّبِي ﷺ يقْرَأ: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم * الْحَمد لله رب الْعَالمين (يقطعهما حرفا حرفا» وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا - أَعنِي: الْحَاكِم - عَن أم سَلمَة قَالَت: «كَانَ النَّبِي ﷺ (يقطع قِرَاءَته) (بِسم الله
стр. 1703
الرَّحْمَن الرَّحِيم * الْحَمد لله رب الْعَالمين * الرَّحْمَن الرَّحِيم * مَالك يَوْم الدَّين» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : إِسْنَاده صَحِيح وَرُوَاته ثِقَات. وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم أَيْضا فِي أَوَائِل بَاب (قراءات) رَسُول «عَن أم سَلمَة) أَيْضا «أَنه ﵇ كَانَ يقطع قِرَاءَته آيَة آيَة آيَة (الْحَمد لله رب الْعَالمين «ثمَّ يقف) (الرَّحْمَن الرَّحِيم (ثمَّ يقف» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. وأعل الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث بالانقطاع؛ فَقَالَ فِي كِتَابه «الرَّد عَلَى الْكَرَابِيسِي» : لم يسمع ابْن أبي مليكَة هَذَا الحَدِيث من أم سَلمَة، وَاسْتدلَّ عَلَيْهِ بِمَا أسْندهُ من حَدِيث اللَّيْث، عَن ابْن أبي مليكَة، عَن يعْلى بن (مملك) «أَنه سَأَلَ أم سَلمَة عَن قِرَاءَة رَسُول الله ﷺ فنعتت لَهُ قِرَاءَة مفسرة حرفا حرفا» وَهَذَا لَا يدل لمدعاة؛ إِذْ يحْتَمل أَن يكون عِنْد ابْن أبي مليكَة (لَهُ) طَرِيقَانِ، وَيُقَوِّي هَذَا تَصْحِيح من مَضَى لَهُ من طَرِيقه عَن أم سَلمَة، وَقد ذكر التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث الَّذِي ذكره الطَّحَاوِيّ فِي أَبْوَاب الْقِرَاءَة، وَقَالَ فِيهِ: (غَرِيب حسن صَحِيح) قَالَ: وَقد رَوَى ابْن جريج هَذَا
стр. 1704
الحَدِيث، عَن ابْن أبي مليكَة، عَن أم سَلمَة، وَالْأول أصح، وَهَذَا من التِّرْمِذِيّ نقيض لصِحَّة الأول أَيْضا.
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا قَرَأْتُمْ فَاتِحَة الْكتاب فاقرءوا: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (؛ فَإِنَّهَا أم الْقُرْآن والسبع المثاني، و (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (إِحْدَى آياتها» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» عَن يَحْيَى بن مُحَمَّد بن صاعد، وَمُحَمّد بن أبي مخلد قَالَا: نَا جَعْفَر بن مكرم، نَا أَبُو بكر الْحَنَفِيّ، نَا عبد الحميد بن جَعْفَر، أَخْبرنِي نوح بن أبي بِلَال، عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِذا قَرَأْتُمْ الْحَمد [لله] فاقرءوا: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (إِنَّهَا أم الْقُرْآن وَأم الْكتاب والسبع المثاني و (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (إِحْدَى آياتها» .
قَالَ أَبُو بكر الْحَنَفِيّ: ثمَّ لقِيت (نوحًا) فَحَدثني عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة مثله (وَلم يرفعهُ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ) : ونا أَبُو طَالب الْحَافِظ، نَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن مَنْصُور بن أبي مُزَاحم [ثَنَا جدي] ، نَا أَبُو أويس، عَن الْعَلَاء
стр. 1705
بن عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي ﷺ : «أَنه كَانَ إِذا قَرَأَ وَهُوَ يؤم النَّاس افْتتح ب (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: هِيَ آيَة من كتاب (الله) اقْرَءُوا إِن شِئْتُم فَاتِحَة الْكتاب؛ فَإِنَّهَا الْآيَة السَّابِعَة» وَفِي رِوَايَة لَهُ «أَن النَّبِي ﷺ كَانَ (إِذا) أم النَّاس قَرَأَ: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (، لم يزدْ عَلَى هَذَا) يَعْنِي (رَاوِيه) .
قلت: وَسَائِر رُواة هَذَا الحَدِيث من جَمِيع طرقه ثِقَات، جَعْفَر بن (مكرم) قَالَ ابْن أبي حَاتِم: صَدُوق. وَأَبُو بكر الْحَنَفِيّ هُوَ عبد الْكَبِير بن عبد الْمجِيد ثِقَة من رجال «الصَّحِيحَيْنِ» وَعبد الحميد بن جَعْفَر من رجال «مُسلم» ووثَّقه ابْن معِين وَابْن سعد. وَقَالَ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ: لَا بَأْس بِهِ. ونوح بن أبي بِلَال وثَّقه أَحْمد وَيَحْيَى وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة وَالنَّسَائِيّ: لَا بَأْس بِهِ (والمقبري) من رجال «الصَّحِيحَيْنِ» وَقَالَ أَحْمد: وَلَيْسَ بِهِ بَأْس. فَلم يبْق إلاَّ (تردد) نوح بن أبي بِلَال وَوَقفه إِيَّاه أخيرًا، لَكِن قد تقرر أَنه ثِقَة، والراوي الثِّقَة قد يُرْسل الحَدِيث وَقد ينشط فيرفعه.
(لَا جَرَمَ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ عقب الرِّوَايَة الأولَى: رجال إِسْنَاده
стр. 1706
كلهم ثِقَات. نَقله عَنهُ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» وَلم أره فِي «سنَنه» فِيمَا وقفت عَلَيْهِ من نسخه، وَلَعَلَّه قَالَهَا فِي (مُصَنفه) فِي الْجَهْر أَو (فِي) غَيره، وَأما رد ابْن الْقطَّان لَهُ بالتردد السالف (فَلم) يسلم لَهُ، وَكَذَا رد ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» لَهُ بِعَبْد الحميد، وَوَقع فِي «وسيط» الإِمَام الْغَزالِيّ أَن البُخَارِيّ رَوَى «أَنه ﵇ عد (فَاتِحَة) الْكتاب سبع آيَات، وعد (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (آيَة مِنْهَا» وَهُوَ وهم مِنْهُ فَلَيْسَ ذَلِك فِي «صَحِيحه» وَلَا «تَارِيخه» وَتبع فِي ذَلِك شَيْخه الإِمَام؛ فَإِنَّهُ ذكره (كَذَلِك) فِي «نهايته» [وَلَعَلَّه] أَرَادَ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، فَسبق الْقَلَم إِلَى البُخَارِيّ.
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يعرف فصل (السورتين) حَتَّى تنزل (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) » .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور: أَبُو دَاوُد فِي
стр. 1707
«سنَنه» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَقَالَ: هَذَا (حَدِيث) صَحِيح عَلَى شَرطهمَا وَلم يخرجَاهُ. وَفِي رِوَايَة لَهُ: «أَنه ﵇ كَانَ إِذا جَاءَهُ جِبْرِيل فَقَرَأَ: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (علم أَنَّهَا سُورَة» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
قلت: فِيهِ نظر؛ فَإِن فِيهِ المثنَّى بن الصَّباح، وَهُوَ ضَعِيف. قَالَ أَحْمد: لَا يُسَاوِي شَيْئا، هُوَ مُضْطَرب. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك (الحَدِيث) وَضَعفه يَحْيَى وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَفِي رِوَايَة (لَهُ) عَن ابْن عَبَّاس؛ قَالَ: «كَانَ الْمُسلمُونَ لَا يعلمُونَ انْقِضَاء (السُّورَة) حَتَّى تنزل: (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (؛ فَإِذا (نزلت) (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (، علمُوا أَن السُّورَة قد انْقَضتْ» (ثمَّ) قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرطهمَا، وَلم يخرجَاهُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ.
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ
أنَّه ﷺ قَالَ: «سُورَة تشفع (لقائلها) ، وَهِي ثَلَاثُونَ آيَة (أَلا) وَهِي تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك» .
стр. 1708
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمْ» ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَفِي رِوَايَة ابْن حبَان: «تستغفر لصَاحِبهَا حَتَّى [يغْفر] (لَهُ) » . وَلَفظ أَحْمد: «إِن سُورَة من الْقُرْآن ثَلَاثُونَ آيَة شفعت لرجل حَتَّى غفر لَهُ، وَهِي (تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك) » .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن. وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد. وَذكره البُخَارِيّ فِي «تَارِيخه الْكَبِير» من رِوَايَة عَبَّاس الجُشَمي، عَن أبي هُرَيْرَة؛ كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد وَمن ذكر مَعَه، وَقَالَ: لم يذكر سَمَاعه من أبي هُرَيْرَة. قَالَ الْمُنْذِرِيّ: يُرِيد أَنَّ (عبَّاسًا) الجُشَمي رَوَى هَذَا الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة، وَلم يذكر فِيهِ أَنه سَمعه مِنْهُ.
قلت: وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي « (أكبر معاجمه» ) من حَدِيث ثَابت عَن أنس بن مَالك قَالَ: قَالَ رسولُ الله
стр. 1709
(: «سُورَة من الْقُرْآن مَا هِيَ إِلَّا ثَلَاثُونَ آيَة (خَاصَمت) عَن صَاحبهَا حَتَّى أدخلته الْجنَّة، وَهِي سُورَة تبَارك» (ثمَّ) قَالَ الطَّبَرَانِيّ: لم يروه عَن ثَابت الْبنانِيّ إِلَّا سَلام بن مِسْكين.
قلت: هُوَ أحد ثِقَات الْبَصرِيين، من رجال «الصَّحِيحَيْنِ» لكنه يُرْمَى بِالْقدرِ. قَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ يذهب إِلَيْهِ.
الحَدِيث الْحَادِي و (الثَّانِي وَالثَّالِث بعد) الثَّلَاثِينَ
عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: « (صليت خلف النَّبِي ﷺ ) وَأبي بكر وَعمر، فَكَانُوا يجهرون بالبسملة» وَعَن عَلّي وَابْن عَبَّاس: «أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يجْهر بهَا فِي الصَّلَاة بَين السورتين» .
الْأَحَادِيث الثَّلَاثَة مخرَّجة فِي «سنَن الدَّارَقُطْنِيّ» .
أما الأول: وَهُوَ حَدِيث ابْن عمر فَرَوَاهُ عَن: عمر بن الْحسن بن عَلّي الشَّيْبَانِيّ، نَا جَعْفَر بن مُحَمَّد بن مَرْوَان، نَا أَبُو الطَّاهِر أَحْمد بن عِيسَى، نَا ابْن أبي فديك، عَن (ابْن) أبي ذِئْب، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر قَالَ: «صلَّيْتُ خلف النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعمر؛ فَكَانُوا يجهرون بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم» .
عمر بن الْحسن شيخ الدَّارَقُطْنِيّ وثَّقه بَعضهم وَتكلم فِيهِ آخَرُونَ.
стр. 1710
وجعفر بن مُحَمَّد بن مَرْوَان قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا يحتجُّ بحَديثه. وَأَبُو الطَّاهِر بن عِيسَى قَالَ ابْن أبي حَاتِم: هُوَ ابْن مُحَمَّد بن عمر بن [عَلّي بن] أبي طَالب الْعلوِي، رَوَى عَن ابْن أبي فديك، رَوَى عَنهُ أَبُو يُونُس الْمدنِي [قَالَ] الدَّارَقُطْنِيّ: كَذَّاب.
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) مستشهدًا بِهِ عَن أبي بكر (البردعي) ، نَا أَبُو الْفضل الْعَبَّاس بن عمرَان القَاضِي، نَا أَبُو جَابر سيف (بن) عَمْرو، نَا مُحَمَّد بن أبي السّري، أَنا إِسْمَاعِيل بن أبي أويس، نَا مَالك، عَن [حميد] عَن أنس قَالَ: «صلَّيت خلف النَّبِي ﷺ وَخلف أبي بكر وَخلف عمر وَخلف عُثْمَان [وَخلف عَلّي] فَكَانُوا كلهم يجهرون بِقِرَاءَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم» .
وَأما الثَّانِي: وَهُوَ حَدِيث عَلّي فَرَوَاهُ أَيْضا - (أَعنِي) الدَّارَقُطْنِيّ - عَن أبي الْقَاسِم الْبَزَّاز، نَا الْقَاسِم بن الْحسن الزبيدِيّ، نَا أسيد بن [زيد] ، نَا عَمْرو بن شمر، عَن جَابر، عَن
стр. 1711
أبي الطُّفَيْل، عَن عَلّي وعمار: «أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يجْهر فِي المكتوبات بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم» .
عَمْرو هَذَا واه. ثمَّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن [الحكم] بن ظهير، نَا مُحَمَّد بن حسان الْعَبْدي، عَن جَابر، عَن أبي الطُّفَيْل قَالَ: سَمِعت عَلّي بن أبي طَالب وَعمَّارًا يَقُولَانِ: «إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم» .
الحكم هَذَا قَالَ البُخَارِيّ: تَرَكُوهُ.
وَأما [الثَّالِث وَهُوَ] حَدِيث ابْن عَبَّاس فَرَوَاهُ أَيْضا [أَعنِي] الدَّارَقُطْنِيّ - كَمَا سَيَأْتِي - وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي (جَامعه) بعد أَن بوَّب: مَا جَاءَ فِي الْجَهْر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من حَدِيث أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ، نَا الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان قَالَ: حَدثنِي إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد، عَن أبي خَالِد، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «كَانَ النَّبِي ﷺ يفْتَتح صلَاته بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ.
стр. 1712
قلت: أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ ثِقَة حُجَّة، احتجَّ بِهِ مُسلم، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ. والمعتمر بن سُلَيْمَان: لَا يسْأَل عَنهُ، احْتج بِهِ الشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَة. وَإِسْمَاعِيل بن حَمَّاد: صَدُوق وَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه. نعم، قَالَ الْأَزْدِيّ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ. وَوهم ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» فَادَّعَى أَن (رَاوِيه) حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَقَالَ: كذبه ابْن معِين. وَإِنَّمَا هُوَ (إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان) كَمَا (علمت) وَقد صرح بذلك أَيْضا ابْن عدي فِي «كَامِله» ، والعقيلي فِي «ضُعَفَائِهِ» . وَبَقِي الشَّأن فِي أبي خَالِد هَذَا [فَقيل] : إِنَّه (الْوَالِبِي) الْكُوفِي، واسْمه هُرْمُز وَقيل: هرم. قَالَ أَبُو حَاتِم: صَالح الحَدِيث، وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي الكنى: سُئِلَ أَبُو زرْعَة عَنهُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي من هُوَ لَا أعرفهُ. وَذكره ابْن أبي حَاتِم فِي الْأَسْمَاء تَرْجَمَة أبي خَالِد الْوَالِبِي، وَسَماهُ هُرْمُز (وَقَالَ) الْعقيلِيّ فِي إِسْمَاعِيل: حَدِيثه غير مَحْفُوظ ويحكيه، عَن مَجْهُول، ثمَّ سَاق الحَدِيث. وَسَاقه ابْن عدي كَذَلِك، ثمَّ سَاقه من
стр. 1713
حَدِيث إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد، عَن عمرَان بن أبي خَالِد، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ، ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث لَا يرويهِ غير مُعْتَمر، وَهُوَ غير مَحْفُوظ، سَوَاء (قَالَ) عَن أبي خَالِد [أَو] عَن عمرَان (بن) أبي خَالِد جَمِيعًا [مَجْهُولَانِ] .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) من حَدِيث أبي الصَّلْت الْهَرَوِيّ، عَن عباد بن الْعَوام، عَن شريك، وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن حسان، عَن شريك، عَن سَالم، عَن سعيد بن جُبَير، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «كَانَ النَّبِي ﷺ يجْهر فِي الصَّلَاة بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم» قَالَ الْحَاكِم: قد احْتج البُخَارِيّ بسالم هَذَا وَهُوَ ابْن عجلَان الْأَفْطَس. وَاحْتج مُسلم بِشريك. وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح وَلَيْسَ لَهُ عِلّة وَلم يخرجَاهُ.
قلت: هما مَعْذُوران فِي عدم تَخْرِيجه؛ فَإِن عبد الله الْمَذْكُور كذبه غير وَاحِد من الْأَئِمَّة، وَنسبه عَلّي بن الْمَدِينِيّ إِلَى الْوَضع، وَالْعجب كَيفَ خَفِي حَاله عَلَى هَذَا الْحَافِظ الْكَبِير. وَأَبُو الصَّلْت الَّذِي فِي سَنَد الدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك، وَقد رَوَاهُ ابْن رَاهَوَيْه فِي «مُسْنده» عَن (يَحْيَى) بن آدم، أَنا شريك، عَن سَالم الْأَفْطَس، عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ يجْهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم يمدُّ بهَا صَوته» وَرَوَاهُ
стр. 1714
الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق مُعْتَمر أَيْضا كَمَا سلف، وَمن طَرِيق أَحْمد بن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حَمْزَة قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن أَبِيه قَالَ: «صَلَّى بِنَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي الْمغرب، فجهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. قَالَ: فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا هَذَا؟ فَقَالَ: حَدثنِي أبي، عَن أَبِيه، عَن جدِّه، عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي ﷺ جهر بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. قَالَ: قلت (فآثره) عَنْك؟ قَالَ: نعم» .
وَمن طَرِيق جَعْفَر بن عبسة بن عَمْرو الْكُوفِي، نَا عمر بن حَفْص الْمَكِّيّ، وَلَا يعرفان كَمَا قَالَه ابْن الْقطَّان. نعم الثَّانِي ذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» ، عَن ابْن جريج، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس «أَن النَّبِي ﷺ لم يزل يجْهر فِي السورتين بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم حَتَّى قبض» وَنقل النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» وَقَبله أَبُو أُسَامَة الْمَقْدِسِي فِي مصنَّفه فِي الْجَهْر (بالبسملة) عَن الدَّارَقُطْنِيّ (أَنه) قَالَ فِي طَرِيق مُعْتَمر وَأحمد بن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حَمْزَة: هَذَا إِسْنَاد صَحِيح، لَيْسَ فِي رُوَاته مَجْرُوح. وَفِي الْبَاب أَحَادِيث صَحِيحه صَرِيحَة لَيْسَ لأحد فِيهَا مطْعن، قَالَ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد الْمَقْدِسِي فِي كِتَابه الْمَعْرُوف (فِي الْبَسْمَلَة) وَهُوَ كتاب نَفِيس جدًّا: اعْلَم أَن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْجَهْر كَثِيرَة مُتعَدِّدَة عَن
стр. 1715
جماعةٍ من الصَّحَابَة يرتقي عَددهمْ إِلَى أحد وَعشْرين صحابيًّا رووا ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ مِنْهُم من صرح بذلك، وَمِنْهُم من فهم (من) عِبَارَته، وَلم يَرِدْ تصريحُ الْإِسْرَار بهَا عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: عَن ابْن (مُغفل) وَهِي ضَعِيفَة، وَالثَّانيَِة: عَن أنس، وَهِي معللة (بِمَا أوجب) سُقُوط الِاحْتِجَاج بهَا.
وَمِنْهُم من اسْتدلَّ بِحَدِيث: «قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ» وَلَا دَلِيل فِيهِ للإسرار.
وَأما أَحَادِيث الْجَهْر فالحجة قَائِمَة بِمَا شهد لَهُ بِالصِّحَّةِ مِنْهَا؛ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن سِتَّة من الصَّحَابَة: أبي هُرَيْرَة، وَأم سَلمَة، وَابْن عَبَّاس، وَأنس، وَعلي بن أبي طَالب، وَسمرَة بن جُنْدُب ﵃. ثمَّ ذكر ذَلِك بِطرقِهِ وَقد كنتُ كتبتُ هُنَا مِنْهُ أوراقًا بِزِيَادَات عَلَيْهِ وأحلتُ فِي شرحي للمنهاج عَلَيْهِ، وَرَأَيْت الْآن (حذف) ذَلِك هُنَا مسارعة إِلَى إِكْمَال هَذِه المبيَّضة الثَّانِيَة فَإِنَّهُ أهم، وليراجع من أَرَادَ ذَلِك من الْكتاب الْمَذْكُور لأبي شامة الْحَافِظ ﵀.
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ
«أنَّه ﷺ كَانَ يوالي فِي قِرَاءَة الْفَاتِحَة وَقَالَ: صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
أما كَونه « (كَانَ يوالي فِي قِرَاءَة الْفَاتِحَة» فَهُوَ أشهر من أَن يذكر لَهُ دَلِيل، وأوضح من أَن يحْتَاج إِلَى برهَان وتعليل، وَأما قَوْله: «صلوا كَمَا
стр. 1716
رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فسلف الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب الْأَذَان، وَذكر الرَّافِعِيّ هُنَا حَدِيث «لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب» . وَقد سلف الْكَلَام عَلَيْهِ، وَذكر أَيْضا أَنه ندب إِلَى أَن يُؤمن (الْمَأْمُون) مَعَ إِمَامه (وَأَنه) إِذا قَرَأَ آيَة رَحْمَة سَأَلَهَا الْمَأْمُوم، أَو آيَة عَذَاب استعاذ مِنْهُ، وَالْفَتْح عَلَى الإِمَام، وَالْحَمْد عِنْد العطاس مَنْدُوب إِلَيْهِ وَإِن كَانَ فِي الصَّلَاة، وَهَذَا لَا يلْزَمنِي تَخْرِيجه، وَفِيه أَحَادِيث منتشرة لَو تبرعت بذكرها [لطال] وَصَارَ (شرحًا) .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا قَامَ أحدكُم إِلَى الصَّلَاة فَليَتَوَضَّأ كَمَا أمره الله - تَعَالَى - فَإِن كَانَ لَا يحسن شَيْئا من الْقُرْآن فليحمد الله (وليكبره) » .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث رِفَاعَة بن رَافع - كَمَا أسلفنا بِلَفْظِهِ فِي الحَدِيث السَّادِس من الْبَاب - وَقَالَ: إِنَّه حَدِيث حسن. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد (أَيْضا) كَمَا أسلفناه هُنَاكَ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» بِلَفْظ: «إِنَّهَا لَا تتمّ صَلَاة أحدكُم حَتَّى يسبغ الْوضُوء كَمَا أمره الله - تَعَالَى - يغسل وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين، وَيمْسَح رَأسه
стр. 1717
وَرجلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ يكبر ويحمد الله ويمجده وَيقْرَأ من الْقُرْآن مَا أذن الله لَهُ فِيهِ، ثمَّ يكبر فيركع ... » الحَدِيث بِطُولِهِ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم بعد أَن أَقَامَ يَحْيَى بن همام إِسْنَاده؛ فَإِنَّهُ حَافظ ثِقَة، وَلم يخرجَاهُ (بِهَذِهِ السِّيَاقَة، إِنَّمَا اتفقَا) مِنْهُ عَلَى حَدِيث المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة.
قَالَ: وَقد رَوَى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل هَذَا الحَدِيث فِي «تَارِيخه الْكَبِير» عَن حجاج بن منهال وَحكم لَهُ بحفظه، ثمَّ قَالَ: (لم يقمه) حَمَّاد بن سَلمَة. قَالَ الْحَاكِم: وَقد أَقَامَ هَذَا الْإِسْنَاد دَاوُد بن قيس الْفراء، وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن يسَار، وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن أبي كثير، ثمَّ ذكر ذَلِك عَنْهُم بأسانيده (وَنَازع) الْبَيْهَقِيّ الْحَاكِم فِي قَوْله «إِنَّه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ» فَقَالَ فِي «خلافياته» : عَلّي بن يَحْيَى بن خَلاد الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده، (وَأَبوهُ) من شَرط البُخَارِيّ فَقَط.
(و) قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى (الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه) «معرفَة الصَّحَابَة» : اخْتلف فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث فَقَالَ عبد الله بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ: عَن ابْن عُيَيْنَة، عَن ابْن عجلَان، عَن عَلّي بن يَحْيَى بن عبد الله بن خَلاد، عَن أَبِيه، عَن جده. وَقَالَ عبد الْجَبَّار: (عَن ابْن عُيَيْنَة) ،
стр. 1718
عَن ابْن عجلَان، عَن رجلٍ من الْأَنْصَار، عَن أَبِيه، عَن جده. قَالَ: والْحَدِيث مَشْهُور بِرِوَايَة ابْن رِفَاعَة.
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: الصَّحِيح عَن عَلّي بن يَحْيَى بن خَلاد، عَن أَبِيه، عَن عَمه رِفَاعَة. وَكَذَا قَالَ أَبُو زرْعَة.
الحَدِيث السَّادِس بعد الثَّلَاثِينَ
«أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَن آخذ من الْقُرْآن شَيْئا فعلِّمني مَا يجزئني فِي صَلَاتي. فَقَالَ: قل: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْد لله، وَلَا إِلَه إِلَّا الله، وَالله أكبر، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن أبي خَالِد الدالاني، عَن (إِبْرَاهِيم) السكْسكِي، عَن عبد الله بن أبي أَوْفَى قَالَ: «جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَن آخذ من الْقُرْآن شَيْئا، فعلمني مَا يجزئني مِنْهُ. قَالَ: قل: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْد لله، وَلَا إِلَه إِلَّا الله، وَالله أكبر، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. قَالَ: يَا رَسُول الله، هَذَا لله، فَمَا لي؟ قَالَ: قل: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَعَافنِي واهدني وارزقني. فَلَمَّا قَامَ قَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أما هَذَا فقد مَلأ يَدَيْهِ من الْخَيْر» .
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) كَذَلِك إِلَّا أَنه لم يقل (مِنْهُ) بعد «مَا
стр. 1719
يجزئني» ، وَزَاد: «اغْفِر لي» . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث الفَضْل بن مُوسَى، نَا مسعر، عَن إِبْرَاهِيم السكْسكِي، عَن ابْن أبي أَوْفَى إِلَى قَوْله: «إِلَّا بِاللَّه» . وَقَالَ: «إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَن آخذ شَيْئا من الْقُرْآن فعلمني شَيْئا يجزئني من الْقُرْآن» بدل مَا ذكره.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِهَذَا السَّنَد بِلَفْظ «ذكر أَنه لَا يَسْتَطِيع أَن يَأْخُذ شَيْئا من الْقُرْآن» . وَفِي لفظ «عَلمنِي شَيْئا يجزئني من الْقُرْآن فَإِنِّي لَا أَقرَأ. فَقَالَ: قل: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْد لله (وَلَا إِلَه إِلَّا الله) وَالله أكبر، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه (الْعلي الْعَظِيم)) . ثمَّ ذكر الْبَاقِي بِنَحْوِ رِوَايَة أبي دَاوُد السالفة. ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث أبي [خَالِد] الدالاني، عَن إِبْرَاهِيم - قَالَ: وَلَيْسَ (بالنخعي - عَن عبد الله) بن أبي أَوْفَى (أَن رجلا) جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَن أتعلم الْقُرْآن فَمَا يجزئني فِي صَلَاتي؟ فَقَالَ: تَقول: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْد لله، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وَالله أكبر، وَلَا إِلَه إِلَّا الله ... » . ثمَّ ذكر الحَدِيث كَمَا سَاقه أَبُو دَاوُد إِلَّا أَن فِيهِ بعد «فقد مَلأ يَدَيْهِ من الْخَيْر» : «وَقبض كفيه» . وَهَذِه مُطَابقَة لرِوَايَة الرَّافِعِيّ «مَا يجزئني فِي صَلَاتي ... » .
стр. 1720
ثمَّ رَوَاهُ أَيْضا من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة بِلَفْظ «فعلمني مَا يجزئني مِنْهُ قَالَ: قل: بِسم الله، وَالْحَمْد لله، وَلَا إِلَه إِلَّا الله، وَالله أكبر. قَالَ: يَا رَسُول الله، هَذَا لله فَمَا لي ... » ثمَّ ذكر نَحوه.
وَرَوَاهُ ابْن الْجَارُود فِي (الْمُنْتَقَى) من حَدِيث سُفْيَان، عَن مسعر، عَن إِبْرَاهِيم السكْسكِي، عَن ابْن أبي أَوْفَى «أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله، عَلمنِي شَيْئا يجزئني عَن الْقُرْآن قَالَ: قل: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْد لله، وَلَا إِلَه إِلَّا الله، وَالله أكبر» . قَالَ سُفْيَان: زَاد يزِيد أَبُو خَالِد الوَاسِطِيّ «قَالَ الرجل: هَذَا لرَبي، فَمَا لي؟ قَالَ: قل: اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني واهدني وَعَافنِي. قَالَ الرجل: أَربع لرَبي وَأَرْبع لي» .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث جَعْفَر بن عون وسُفْيَان، عَن مسعر، عَن إِبْرَاهِيم السكْسكِي، عَن عبد الله بن أبي أَوْفَى قَالَ: «جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﵌ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، عَلمنِي شَيْئا يجزئني من الْقُرْآن فَإِنِّي لَا أَقرَأ. قَالَ: قل: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْد لله، وَلَا إِلَه إِلَّا الله، وَالله أكبر، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه قَالَ: فضم عَلَيْهَا الرجل بِيَدِهِ وَقَالَ: (هَذَا لرَبي، فَمَا لي؟) قَالَ: قل: اللَّهُمَّ اغْفِر لي وارحمني واهدني وارزقني وَعَافنِي. قَالَ: فضم عَلَيْهَا بِيَدِهِ الْأُخْرَى وَقَامَ» . زَاد جَعْفَر بن عون فِي حَدِيثه: «قَالَ مسعر: كنت عِنْد إِبْرَاهِيم وَهُوَ يحدث بِهَذَا الحَدِيث (فاستثبته) من غَيره» .
следующие страницы →