Полный текст (6 131 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
السّلف شَيْئا، وَإِن كَانَ يرْوَى عَن بَعضهم فِي الدُّعَاء خَارج الصَّلَاة. وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ حَدِيث فِيهِ ضعف وَهُوَ مُسْتَعْمل عِنْد بَعضهم خَارج الصَّلَاة، فَأَما فِي الصَّلَاة فَهُوَ عمل لم يثبت فِيهِ أثر وَلَا خبر وَلَا قِيَاس، وَالْأولَى أَن لَا يَفْعَله ويقتصر عَلَى مَا فعله السّلف ﵃ من رفع الْيَدَيْنِ دون مسحهما بِالْوَجْهِ فِي الصَّلَاة. ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ الحَدِيث السالف، وَنقل كَلَام أبي دَاوُد فِيهِ، ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن الْمُبَارك أَنه سُئِلَ عَن مسح الْوَجْه إِذا دَعَا الْإِنْسَان قَالَ: لم أجد لَهُ شَاهدا. هَذَا آخر كَلَام الْبَيْهَقِيّ.
وَأما حَدِيث عمر ﵁ (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا رفع يَدَيْهِ فِي الدُّعَاء لم يحطهما حَتَّى يمسح بهما وَجهه) فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: غَرِيب، انْفَرد بِهِ حَمَّاد بن عِيسَى. قلت: هُوَ الْجُهَنِيّ غريق الْجحْفَة، ضَعَّفُوهُ، وَأَتَى عَن جَعْفَر الصَّادِق وَابْن جريج بطامات.
وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: هَذَا حَدِيث مُنكر. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : قَالَ أَبُو زرْعَة: هَذَا حَدِيث مُنكر، أَخَاف أَن لَا يكون لَهُ أصل. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : لَا يَصح. وَنقل عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» أَن التِّرْمِذِيّ صَححهُ، وَقد قيل إِنَّه وجد كَذَلِك فِي غير مَا نُسْخَة مِنْهُ، لَكِن ابْن الصّلاح ثمَّ النَّوَوِيّ غلطاه فِي هَذَا النَّقْل عَنهُ، فَإِن يثبت ذَلِك عَن التِّرْمِذِيّ فَلَيْسَ بجيد مِنْهُ، وينكر عَلَى ابْن السكن فِي
стр. 1787
إِدْخَاله لَهُ فِي (سنَنه الصِّحَاح المأثورة) . وَالله أعلم.)
الحَدِيث (الْخَامِس) بعد السِّتين
عَن أنس ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ لَا يرفع الْيَد إِلَّا (فِي) ثَلَاثَة مَوَاطِن: الاستستقاء، والاستنصار، وَعَشِيَّة عَرَفَة» .
هَذَا الحَدِيث قدمت الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْفَصْل الْمَعْقُود لما عَارض الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي الرّفْع وَأَنه غَرِيب، لَا نَعْرِف من خرجه من حَدِيث أنس وَأَن الْمَعْرُوف إرْسَاله، وَقد قَدمته هُنَاكَ، وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَن أنس قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يرفع يَدَيْهِ فِي (شَيْء من) دُعَائِهِ إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاء، وَأَنه يرفع يَدَيْهِ حَتَّى يرَى بَيَاض إبطَيْهِ» .
قلت: وَثَبت أنَّه ﷺ رفع يَدَيْهِ فِي عدَّة مَوَاضِع أخر مِنْهَا: فِي الْقُنُوت، رَوَاهُ أنس، وَهُوَ فِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» ، وَمِنْهَا فِي دُعَائِهِ لأهل البقيع، روته عَائِشَة، وَهُوَ فِي «صَحِيح مُسلم» ، وَمِنْهَا فِي دُعَائِهِ يَوْم بدر وَقَوله: «اللَّهُمَّ أنْجز لي مَا وَعَدتنِي» . رَوَاهُ عمر بن الْخطاب وَهُوَ فِي «صَحِيح مُسلم» (أَيْضا) ، وَمِنْهَا فِي دُعَائِهِ عِنْد الْجَمْرَة الدُّنْيَا
стр. 1788
وَالْوُسْطَى، رَوَاهُ ابْنه عبد الله وَهُوَ فِي «صَحِيح البُخَارِيّ» ، وَمِنْهَا لما صبح خَيْبَر وَقَالَ: «الله أكبر خربَتْ خَيْبَر» . رَوَاهُ أنس وَهُوَ (فِي) صَحِيح البُخَارِيّ أَيْضا، وَمِنْهَا فِي دُعَائِهِ لأبي عَامر لما اسْتشْهد رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» ، وَفِي كتاب «رفع الْيَدَيْنِ» للْبُخَارِيّ الرّفْع عَنهُ (من حَدِيث عَائِشَة وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر وَعلي وَقَالَ: هِيَ صَحِيحَة. إِذا علمت ذَلِك فيتأول حَدِيث أنس أَنه أَرَادَ الرّفْع البليغ فقد رَوَى هُوَ بعض ذَلِك.
الحَدِيث السَّادِس بعد السِّتين
عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِذا سجدت فمكن جبهتك من الأَرْض وَلَا تنقر نقرًا» .
هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب، وَذكره الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي (مهذبه) ، وبيض لَهُ الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيثه، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شَرحه» : هَذَا حَدِيث غَرِيب ضَعِيف، وَذكره فِي «خلاصته» فِي فصل الضَّعِيف وَأَشَارَ غَيره إِلَى غنية الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة عَنهُ لما لم يظفر
стр. 1789
بِهِ (وَهِي) «أَنه ﵇ كَانَ يسْجد عَلَى جَبهته ويمكنها» وَمن ذَلِك حَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ «أَنه ﵇ كَانَ إِذا سجد أمكن جَبهته وَأَنْفه» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مطولا، وَمِنْهَا حَدِيث وَائِل بن حجر قَالَ: «رَأَيْت النَّبِي ﷺ يسْجد عَلَى الأَرْض وَاضِعا جَبهته وَأَنْفه فِي سُجُوده» . رَوَاهُ أَحْمد.
وَمِنْهَا حَدِيث رِفَاعَة ﵁ «أَنه ﵇ قَالَ لرجل: إِذا أَنْت سجدت فَأثْبت وَجهك ويديك حَتَّى يطمئن كل عظم مِنْك إِلَى مَوْضِعه» رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) .
وَهَذَا غَرِيب من هَؤُلَاءِ، فَالْحَدِيث مَوْجُود بِعَيْنِه فِي «المعجم الْكَبِير» للطبراني عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الدبرِي، عَن عبد الرَّزَّاق، عَن ابْن مُجَاهِد، عَن أَبِيه، عَن ابْن عمر مطولا وَفِيه: «فَإِذا قُمْت إِلَى الصَّلَاة فركعت فضع يَديك عَلَى ركبتيك وَفرج بَين أصابعك، ثمَّ ارْفَعْ رَأسك حَتَّى يرجع كل عُضْو إِلَى مفصله، وَإِذا سجدت فَأمكن جبهتك من الأَرْض وَلَا تنقر» . ثمَّ ذكر بَاقِيه: بِطُولِهِ إِسْحَاق الدبرِي صَدُوق احْتج بِهِ أَبُو عوَانَة فِي «صَحِيحه» وَإِن استصغر فِي شَيْخه عبد الرَّزَّاق الإِمَام وَلَا عِبْرَة بِمن تكلم فِيهِ، وَمُجاهد سمع من ابْن عمر، قَالَ البرديجي (الَّذِي) صَحَّ لمجاهد من الصَّحَابَة ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأَبُو هُرَيْرَة عَلَى خلاف فِيهِ.
стр. 1790
قلت: لَكِن الشَّأْن فِي ابْن مُجَاهِد فَإِنَّهُ أحد الضُّعَفَاء كذبه سُفْيَان الثَّوْريّ. وَقَالَ النَّسَائِيّ وَغَيره: مَتْرُوك ثمَّ رَأَيْته بعد ذَلِك بإسقاطه من غير هَذَا الْوَجْه أخرجه أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» (فَالْحَمْد لله) عَلَى زَوَال الغرابة والضعف (عَنهُ) كَمَا ادعِي. قَالَ أَبُو حَاتِم: أَنا الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن مُصعب السنجي، نَا مُحَمَّد بن (عمر بن) الْهياج، نَا يَحْيَى بن عبد الرَّحْمَن الأرحبي، حَدثنِي عُبَيْدَة بن (الْأسود) ، عَن الْقَاسِم بن الْوَلِيد، عَن سِنَان بن الْحَارِث بن مصرف، [عَن طَلْحَة بن مصرف] ، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عمر قَالَ: «جَاءَ رجل من الْأَنْصَار إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، كَلِمَات أسأَل عَنْهُن، قَالَ: اجْلِسْ، وَجَاء رجل من ثَقِيف فَقَالَ: يَا رَسُول الله، كَلِمَات أسأَل عَنْهُن فَقَالَ (: سَبَقَك الْأنْصَارِيّ [فَقَالَ الْأنْصَارِيّ] : إِنَّه رجل غَرِيب، وَإِن للغريب حقًّا فابدأ بِهِ. فَأقبل عَلَى الثَّقَفِيّ فَقَالَ: إِن شِئْت أَجَبْتُك عَمَّا كنت تسْأَل، (وَإِن شِئْت سَأَلتنِي) وأخبرك. فَقَالَ: يَا رَسُول الله، بل أجبني عَمَّا كنت (أَسأَلك) قَالَ: (جِئْت) تَسْأَلنِي عَن
стр. 1791
الرُّكُوع وَالسُّجُود وَالصَّلَاة وَالصَّوْم. فَقَالَ: [لَا] (و) الَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أَخْطَأت مِمَّا كَانَ فِي نَفسِي شَيْئا. قَالَ: فَإِذا ركعت فضع (راحتيك) عَلَى ركبتيك، ثمَّ فرج بَين أصابعك ثمَّ امْكُث حَتَّى يَأْخُذ كل عُضْو مأخذه، وَإِذا سجدت فمكن جبهتك، وَلَا تنقر نقرًا، وصل أول النَّهَار وَآخره. فَقَالَ: يَا نَبِي الله، فَإِن أَنا صليت بَينهمَا؟ قَالَ: فَأَنت إِذا (مصلٍّ) ، وصم (من) كل شهر ثَلَاث عشرَة وَأَرْبع عشرَة وَخمْس عشرَة. فَقَامَ الثَّقَفِيّ، ثمَّ أقبل عَلَى الْأنْصَارِيّ فَقَالَ: إِن شِئْت أَخْبَرتك عَمَّا (جِئْت) تسْأَل، وَإِن شِئْت سَأَلتنِي فأخبرك. فَقَالَ: لَا يَا نَبِي الله، أَخْبرنِي عَمَّا (جِئْت) أَسأَلك. قَالَ: جِئْت تَسْأَلنِي عَن الْحَاج مَا لَهُ حِين يخرج من بَيته، وَمَا لَهُ حِين يقوم بِعَرَفَات، وَمَا لَهُ حِين يَرْمِي الْجمار، وَمَا لَهُ حِين يحلق رَأسه، وَمَا لَهُ حِين يقْضِي آخر طَوَافه بِالْبَيْتِ، فَقَالَ: يَا نَبِي الله، وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أَخْطَأت مِمَّا كَانَ فِي نَفسِي شَيْئا ... » فَذكره بِطُولِهِ، وَقد سقته فِي شرحي الصَّغِير «للمنهاج» .
قلت: وَرُوِيَ فِي حَدِيث آخر «وَلَا تنقر كنقر الديك» رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كِتَابه «تَلْخِيص الْمُتَشَابه» من حَدِيث أَنه ﵇ قَالَ لَهُ (فِي جملَة) حَدِيث طَوِيل: «يَا بني، إِذا سجدت فَأمكن جبهتك من
стр. 1792
الأَرْض وَلَا تنقر نقر الديك» لكنه حَدِيث ضَعِيف فِي إِسْنَاده بشر بن إِبْرَاهِيم المفلوج الوضاع.
الحَدِيث السَّابِع بعد السِّتين
عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ: «رَأَيْت النَّبِي ﷺ سجد بِأَعْلَى جَبهته عَلَى قصاص الشّعْر» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن عبد الْعَزِيز بن عبيد الله قَالَ: «قلت لوهب بن كيسَان: مَا لَك لَا تمكن جبهتك وأنفك من الأَرْض؟ قَالَ: ذَلِك أَنِّي سَمِعت جَابر بن عبد الله يَقُول: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يسْجد بِأَعْلَى جَبهته عَلَى قصاص الشّعْر» .
ثمَّ قَالَ: تفرد بِهِ عبد الْعَزِيز، عَن وهب، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ عبد الْحق: عبد الْعَزِيز هَذَا لم يرو عَنهُ إِلَّا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش وَهُوَ ضَعِيف وَحَدِيثه مُنكر، وَهَذَا قَالَه يَحْيَى بن معِين فِيهِ. وَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ فِي حَقه: لَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: مُضْطَرب الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك.
فَائِدَة: قصاص الشّعْر - مثلث الْقَاف -: أول منبته من مقدم الرَّأْس (وَالتَّقْيِيد بِكَوْنِهِ من مقدم الرَّأْس إِنَّمَا هُوَ تَفْسِير للْقصَاص الْوَاقِع فِي
стр. 1793
الحَدِيث، وَأما مَفْهُومه اللّغَوِيّ فَينْطَلق عَلَى مُنْتَهى (الشّعْر) سَوَاء كَانَ من الْمُقدم أَو الْمُؤخر، قَالَه الْجَوْهَرِي، وَالضَّم أفْصح) .
الحَدِيث الثَّامِن بعد السِّتين
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «أمرت أَن أَسجد عَلَى سَبْعَة أعظم: عَلَى الْجَبْهَة - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنفه - وَالْيَدَيْنِ، والركبتين، وأطراف الْقَدَمَيْنِ» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَزِيَادَة: «وَلَا أكفت الثِّيَاب وَلَا الشّعْر» . وَفِي رِوَايَة لَهما «أمرت أَن أَسجد عَلَى سبع [وَلَا أكفت الشّعْر وَلَا الثِّيَاب] : الْجَبْهَة، وَالْأنف، وَالْيَدَيْنِ، والركبتين [والقدمين] » وَفِي رِوَايَة لَهما: «أُمر النَّبِي ﷺ أَن يسْجد عَلَى سَبْعَة أعظم: الْكَفَّيْنِ، والركبتين، والقدمين، والجبهة» . قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى «عَلَى سَبْعَة آرَاب» .
стр. 1794
قلت: هَذِه الرِّوَايَة صَحِيحَة رَوَاهَا أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا وَلَفظه: «أمرت - وَرُبمَا قَالَ: أَمر نَبِيكُم - أَن نسجد عَلَى سَبْعَة آرَاب» . إِسْنَاده صَحِيح. وَعَزاهُ غير وَاحِد من الْحفاظ كالبيهقي وَغَيره إِلَى مُسلم فِي «صَحِيحه» أَنه قد رَوَى فِيهِ من حَدِيث الْعَبَّاس ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: «إِذا (سجد العَبْد) سجد مَعَه سَبْعَة (آرَاب) وَجهه، وَكَفاهُ، وَركبَتَاهُ، وَقَدمَاهُ» . وَوَقع فِي (مُسْتَدْرك الْحَاكِم) فِي أثْنَاء كتاب صَلَاة الْجَمَاعَة أَن البُخَارِيّ وَمُسلمًا اتفقَا عَلَى حَدِيث مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن عَامر بن سعد، عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: «إِذا سجد العَبْد سجد مَعَه سَبْعَة (آرَاب)
» الحَدِيث.
وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ فَلَيْسَ هُوَ فِي البُخَارِيّ قطعا، وَإِنَّمَا هُوَ فِي بعض نسخ مُسلم كَمَا نبه عَلَيْهِ القَاضِي عِيَاض فِي «إكماله» وَلم أره أَنا فِي شَيْء من نسخه. قَالَ الْبَزَّار فِي «مُسْنده» : وَلَا نعلم أحدا قَالَ: الْآرَاب إِلَّا الْعَبَّاس.
قلت: قد قَالَهَا وَلَده أَيْضا كَمَا نقلنا ذَلِك عَن «سنَن أبي دَاوُد» وَقَالَهَا أَيْضا غَيرهمَا فَفِي (مُسْند عبد بن حميد) حَدثنِي ابْن أبي شيبَة، نَا مُحَمَّد بن عمر، عَن عبد الله بن جَعْفَر، عَن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد، عَن
стр. 1795
عَامر بن سعد، عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِذا سجد العَبْد يسْجد عَلَى سَبْعَة آرَاب: وَجهه، وكفيه، وركبتيه، وقدميه، فَمَا لم (يَقع بعد) انْتقصَ» .
فَائِدَة: الْآرَاب: الْأَعْضَاء، وَاحِدهَا: إرب - بِكَسْر الْهمزَة وَإِسْكَان الرَّاء - قَالَ ابْن يُونُس فِي «شرح التَّعْجِيز» : والآراب - بِفَتْح الرَّاء وإسكانها - جمع إرب؛ أَي: عُضْو.
الحَدِيث التَّاسِع بعد السِّتين
عَن خباب بن الْأَرَت ﵁ قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ حر الرمضاء فِي جباهنا وأكفنا فَلم يشكنا» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ كَذَلِك فِي «سنَنه» و «خلافياته» بِإِسْنَاد صَحِيح، قَالَ فِي «خلافياته» : رَوَاهُ زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة، عَن أبي إِسْحَاق كَذَلِك، وزَكَرِيا مجمع عَلَى عَدَالَته، وَكَذَلِكَ الطَّرِيق إِلَيْهِ (سديد) ، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة. وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَقَالَ الْحَاكِم فِي «أربعينه» : أَنا ابْن خُزَيْمَة، نَا الْعَبَّاس بن الْفضل، نَا أَحْمد بن يُونُس، نَا أَبُو إِسْحَاق، عَن سعيد بن وهب، عَن خباب قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ حر الرمضاء فِي جباهنا وأكفنا فَلم يشكنا» ثمَّ
стр. 1796
قَالَ: رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» ، عَن أَحْمد بن يُونُس.
قلت: مُرَاده أَصله؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لفظ «جباهنا وأكفنا» هَذَا لفظ مُسلم: ثَنَا أَحْمد بن يُونُس، نَا أَبُو إِسْحَاق زُهَيْر بن حَرْب، عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي، عَن سعيد بن وهب، عَن خباب (بن الْأَرَت) قَالَ: «أَتَيْنَا رَسُول الله ﷺ فشكونا إِلَيْهِ حر الرمضاء فَلم يشكنا» .
قَالَ زُهَيْر: قلت لأبي إِسْحَاق: أَفِي الظّهْر؟ قَالَ: نعم. قلت: أَفِي تَعْجِيلهَا؟ قَالَ: نعم. وَفِي رِوَايَة لَهُ: (شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ (الصَّلَاة فِي) الرمضاء فَلم يشكنا» وَرَوَاهُ (ابْن) الْمُنْذر، عَن عبد الله بن أَحْمد، نَا خَلاد بن يَحْيَى، نَا يُونُس بن أبي إِسْحَاق، نَا سعيد بن وهب، نَا خباب قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ (حر) الرمضاء فَمَا أشكانا، وَقَالَ: إِذا زَالَت الشَّمْس فصلوا» .
وَرَوَى هَذِه الزِّيَادَة أَيْضا الْبَيْهَقِيّ وصححها ابْن الْقطَّان، فَقَالَ فِي «الْوَهم وَالْإِيهَام» : يُونُس بن أبي إِسْحَاق قد شَارك أَبَاهُ فِي أَشْيَاخ، مِنْهُم: نَاجِية بن كَعْب وَغَيره فَلَا بعد فِي قَوْله: نَا سعيد بن وهب. وَهُوَ فِي «كتاب مُسلم» بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة من رِوَايَة أبي إِسْحَاق، عَن سعيد لَكِن من غير رِوَايَة يُونُس، فَلَعَلَّ يُونُس حفظ عَن سعيد الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة
стр. 1797
مَا لم يحفظ أَبوهُ أَبُو إِسْحَاق. وَيُونُس ثِقَة حَافظ، وخلاد بن يَحْيَى ثِقَة أحد أَشْيَاخ البُخَارِيّ.
قلت: وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث أَيْضا من رِوَايَة أبي إِسْحَاق، عَن حَارِثَة بن (مضرب عَنهُ، رَوَاهُ وَكِيع، عَن الْأَعْمَش قَالَ عبد الرَّحْمَن: سَأَلت أَبَا زرْعَة عَنهُ فَقَالَ: أَخطَأ فِيهِ) وَكِيع بن الْجراح، إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا رَوَاهُ (شُعْبَة وسُفْيَان وَزُهَيْر وَإِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق، عَن) سعيد بن وهب، عَن خباب يرفعهُ، وَقَالَ أَيْضا: سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ ابْن (عُيَيْنَة) ، عَن الْأَعْمَش، عَن عمَارَة، (عَن) أبي معمر، عَن خباب قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى النَّبِي ﷺ (حر الرمضاء) فَلم يشكنا» . قَالَ أبي: هَذَا خطأ، أَخطَأ فِيهِ ابْن عُيَيْنَة، لَيْسَ لهَذَا أصل، مَا نَدْرِي كَيفَ أَخطَأ وَمَا أَرَادَ. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: إِنَّمَا أَرَادَ ابْن عُيَيْنَة حَدِيث الْأَعْمَش، عَن عمَارَة، عَن أبي معمر، عَن خباب أَنه قيل [لَهُ] «كَيفَ تعرفُون قِرَاءَة رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: باضطراب لحيته» . قلت لأبي زرْعَة: عَنهُ الحديثان جَمِيعًا؟ فَقَالَ: أَحدهمَا وَالْآخر خطأ. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: الصَّحِيح حَدِيث الْأَعْمَش، عَن أبي إِسْحَاق، عَن حَارِثَة، عَن خباب قَالَ: «شَكَوْنَا ... » وَابْن عُيَيْنَة وهم فِيهِ (وَفِي) «علل التِّرْمِذِيّ» من حَدِيث
стр. 1798
زيد بن جُبَير، عَن خشف بن مَالك، (عَن أَبِيه) عَن عبد الله قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ حر الرمضاء فَلم يشكنا» ثمَّ قَالَ: سَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ، فَقَالَ: الصَّحِيح عَن عبد الله مَوْقُوف.
تَنْبِيهَات:
أَحدهَا: وَقع فِي «أَحْكَام الْمُحب الطَّبَرِيّ» أَن البُخَارِيّ أخرج حَدِيث خباب هَذَا، وَهُوَ وهم، وَقد شهد عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» بِأَن البُخَارِيّ لم يُخرجهُ.
ثَانِيهَا: اسْتدلَّ الرَّافِعِيّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى وجوب كشف الْجَبْهَة فِي السُّجُود تبعا للأصحاب. وَاعْترض بَعضهم عَلَى الِاسْتِدْلَال بِهِ وَقَالَ: (إِنَّه) إِنَّمَا ورد فِي الْإِبْرَاد. وَهَذَا الِاعْتِرَاض ضَعِيف كَمَا نبه عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» ؛ لأَنهم شكوا حر الرمضاء فِي جباههم وأكفهم، وَلَو كَانَ الْكَشْف غير وَاجِب (لقيل) لَهُم استروها، فَلَمَّا لم يقل ذَلِك دلّ عَلَى أَنه لَا بُد من كشفها.
ثَالِثهَا: اخْتلف فِي مَعْنَى (هَذَا) الحَدِيث فَقيل: لم يعذرنا، وَقيل: لم يحوجنا إِلَى الشكوى فِي الْمُسْتَقْبل. وَرِوَايَة ابْن الْمُنْذر السالفة مبينَة للْأولِ. قلت: لَكِن نسخ ذَلِك وَثبتت السّنة (بعده بِالْأَمر بالإبراد كَمَا سلف) فِي كتاب الصَّلَاة فِي عدَّة أَحَادِيث.
стр. 1799
رَابِعهَا: خباب بخاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة مُشَدّدَة ثمَّ ألف ثمَّ بَاء مُوَحدَة. والأرت: بِالْمُثَنَّاةِ فَوق كَلَفْظِ الْأَرَت فِي اللِّسَان. والرمضاء: شدَّة حر الأَرْض من وَقع الشَّمْس عَلَى الرمل (وَغَيره) ، ويشكنا - بِضَم أَوله.
خَامِسهَا: هَذَا الحَدِيث رُوِيَ من حَدِيث جَابر أَيْضا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أَصْغَر معاجمه» من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، عَن جَابر قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى النَّبِي ﷺ حر الرمضاء فَلم يشكنا، وَقَالَ: أَكْثرُوا من قَول لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه فَإِنَّهَا تدفع (تِسْعَة وَتِسْعين) بَابا من الضّر (أدناها الْهم والفقر) . ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر إِلَّا بلهط بن عباد الْمَكِّيّ، وَهُوَ عِنْدِي ثِقَة، تفرد بِهِ ابْن أبي عمر الْعَدنِي، عَن عبد الْمجِيد بن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد، وَلَا يرْوَى عَن جَابر إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلَا يحفظ بلهط حَدِيثا غير هَذَا. وَذكره الْعقيلِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» وَقَالَ: بلهط بن عباد، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر مَجْهُول فِي الرِّوَايَة وَالنّسب، حَدِيثه غير مَحْفُوظ، وَلَا يُتَابع عَلَيْهِ، وَهَذَا اللَّفْظ لَا يَصح، وَالْمَحْفُوظ إِلَى قَوْله: «فَلم يشكنا» . وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ فَقَالَ فِي «الْمِيزَان» : بلهط لَا يعرف، وَالْخَبَر مُنكر.
стр. 1800
الحَدِيث السبعون
(رُوِيَ) أنَّه ﷺ قَالَ: «الزق جبهتك بِالْأَرْضِ» .
هَذَا الحَدِيث هُوَ بِمَعْنى الحَدِيث السَّادِس بعد السِّتين، وَقد سلف الْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا.
الحَدِيث الْحَادِي بعد (السّبْعين)
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي سُجُوده كالخرقة البالية» .
هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده الْغَزالِيّ وإمامه. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: لم أجد لَهُ بعد الْبَحْث عَنهُ صِحَة. قَالَ: وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي التَّجَافِي (فِي) السُّجُود تنفيه، مِنْهَا حَدِيث مَيْمُونَة ﵂ قَالَت: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سجد لَو أَرَادَت بهمة أَن تمر (من) تَحْتَهُ لمرت مِمَّا يتجافى» . رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» والبهمة - بِفَتْح الْبَاء وَإِسْكَان الْهَاء -: الصَّغِيرَة من أَوْلَاد الضَّأْن والمعز (يَقع عَلَى الذّكر وَالْأُنْثَى) وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي «تنقيحه» : هَذَا الحَدِيث مُنكر لَا يعرف لَهُ أصل.
قلت: بل لَهُ أصل، وَلكنه ضَعِيف، رَوَاهُ سُلَيْمَان بن أبي كَرِيمَة، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة قَالَت: «كَانَت لَيْلَة النّصْف من
стр. 1801
شعْبَان فَبَاتَ عِنْدِي رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا كَانَ جَوف اللَّيْل فقدته فَلم أَجِدهُ، فأخذني مَا يَأْخُذ النِّسَاء من الْغيرَة، فتلففت بمرطي وطلبته فِي حجر نِسَائِهِ فَلم أَجِدهُ، فَانْصَرَفت إِلَى حُجْرَتي فَإِذا بِهِ كَالثَّوْبِ السَّاقِط عَلَى وَجه الأَرْض سَاجِدا وَهُوَ يَقُول فِي سُجُوده: اللَّهُمَّ سجد لَك سوَادِي ... » الحَدِيث. ذكره كَذَلِك ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه «النُّور فِي فَضَائِل الْأَيَّام والشهور» وَلم يعله، نعم أعله فِي «علله» وَقَالَ: إِنَّه حَدِيث لَا يَصح.
قَالَ ابْن عدي: سُلَيْمَان هَذَا عَامَّة أَحَادِيثه مَنَاكِير.
قلت: وَضَعفه أَيْضا - أَعنِي سُلَيْمَان. وَفِي «الضُّعَفَاء» لأبي حَاتِم بن حبَان من حَدِيث أم سَلمَة «أَنه ﵇ كَانَ إِذا قَامَ يُصَلِّي ظن الظَّان أَنه جَسَد لَا روح فِيهِ» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث لَا أصل لَهُ.
الحَدِيث الثَّانِي بعد السّبْعين
عَن وَائِل بن حجر ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا سجد وضع رُكْبَتَيْهِ قبل يَدَيْهِ، وَإِذا نَهَضَ رفع يَدَيْهِ قبل رُكْبَتَيْهِ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث يزِيد بن هَارُون، عَن شريك، عَن عَاصِم بن كُلَيْب، عَن أَبِيه، عَن وَائِل بن حجر قَالَ: «رَأَيْت النَّبِي ﷺ إِذا
стр. 1802
سجد ... » الحَدِيث. ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، لَا نَعْرِف أحدا رَوَاهُ [مثل هَذَا] (عَن) شريك، وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد (أَكثر) أهل الْعلم. وَقَالَ الْخطابِيّ: هُوَ أثبت من حَدِيث تَقْدِيم الْيَدَيْنِ، وَهُوَ أرْفق بالمصلي وَأحسن فِي الشكل ورأي الْعين. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قَالَ ابْن أبي دَاوُد وضع (الرُّكْبَتَيْنِ قبل الْيَدَيْنِ) تفرد بِهِ شريك القَاضِي، عَن عَاصِم بن كُلَيْب، وَشريك لَيْسَ بِقَوي فِيمَا ينْفَرد بِهِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَلم يحدث بِهِ عَن عَاصِم غير شريك. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث يعد (فِي) أَفْرَاد شريك القَاضِي، وَإِنَّمَا تَابعه همام مُرْسلا، هَكَذَا ذكره البُخَارِيّ وَغَيره من الْحفاظ الْمُتَقَدِّمين. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: لَا نَعْرِف أحدا رَوَاهُ غير شريك.
قلت: وَشريك هَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» فِي بَاب الرجل يَأْخُذ حَقه مِمَّن يمنعهُ: لم يحْتَج بِهِ أَكثر أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ. هَذَا كَلَامه وَهُوَ من رجال مُسلم وَالْأَرْبَعَة (وَثَّقَهُ) ابْن معِين وَغَيره. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَأخرج هَذَا الحَدِيث الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من هَذَا الْوَجْه، ثمَّ قَالَ: شريك احْتج بِهِ مُسلم، قَالَ: وَكَذَا عَاصِم بن كُلَيْب.
стр. 1803
قلت: وَفِيه أَيْضا مقَال قريب كَمَا ستعلمه فِي الحَدِيث الْمِائَة. وَأخرجه أَيْضا من هَذَا الْوَجْه ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي (صَحِيحَيْهِمَا) وَابْن السكن فِي (سنَنه الصِّحَاح» ، وَقَالَ: إِنَّه (مُخْتَلف) فِيهِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لم يقل هَذَا عَن شريك غير يزِيد بن هَارُون. قلت: وَهَذَا لَا يقْدَح فِي تَصْحِيحه لجلالة يزِيد وَحفظه. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَرَوَاهُ همام، عَن عَاصِم مُرْسلا وَلم يذكر فِيهِ وَائِل بن حجر.
قلت: وَهَذَا لَا يقْدَح فِيهِ أَيْضا لجلالة همام وثقته، وَنِهَايَة مَا فِيهِ تعَارض الْوَصْل والإرسال، وَقد علم مَا فِيهِ، وَيلْزم التِّرْمِذِيّ تَصْحِيحه؛ لِأَنَّهُ صحّح حَدِيث عَاصِم عَن أَبِيه، عَن وَائِل: «لأنظرن إِلَى صَلَاة النَّبِي ﷺ فَلَمَّا جلس للتَّشَهُّد ... » الحَدِيث. وَادَّعَى الْحَازِمِي أَن الْمَحْفُوظ رِوَايَة الْإِرْسَال، فَقَالَ فِي «ناسخه ومنسوخه» : هَذَا حَدِيث حسن عَلَى شَرط د ت ق أَخْرجُوهُ فِي كتبهمْ من حَدِيث يزِيد بن هَارُون، عَن شريك. وَرَوَاهُ همام بن يَحْيَى، عَن مُحَمَّد بن جحادة، عَن عبد الْجَبَّار بن وَائِل، عَن أَبِيه مَرْفُوعا. قَالَ همام: ونا شَقِيق - يَعْنِي أَبَا اللَّيْث - عَن عَاصِم بن كُلَيْب (عَن) أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا وَهُوَ الْمَحْفُوظ. انْتَهَى كَلَامه. ويقابل كَلَامه بِأَن جماعات من الْحفاظ صححوه متصلًّا كَمَا سلف. ثمَّ ننبه بعد ذَلِك لأمور وَقعت فِي كَلَام التِّرْمِذِيّ - رحمنا الله وإياه.
стр. 1804
أَولهَا: قَوْله: لَا نَعْرِف أحدا رَوَاهُ غير شريك وَقد علمت من (حَال) كَلَام الْحَازِمِي الْحَافِظ أَن همام بن يَحْيَى رَوَاهُ من طَرِيقين، وَأخرج أَبُو دَاوُد الطَّرِيق الثَّانِي، وَقد قَالَ التِّرْمِذِيّ نَفسه بعد ذَلِك: وَرَوَاهُ عَاصِم عَن همام مُرْسلا.
ثَانِيهَا: قَوْله إِن عَاصِمًا رَوَاهُ عَن همام غير مَعْرُوف، إِنَّمَا رَوَاهُ همام عَن شَقِيق، عَن عَاصِم. وَكَذَا ذكره أَبُو دَاوُد وَهُوَ نَفسه فِي علله.
ثَالِثهَا: نقل مثل ذَلِك عَن يزِيد بن هَارُون أَن شَرِيكا لم يرو عَن عَاصِم بن كُلَيْب إِلَّا هَذَا الحَدِيث وَأقرهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُمَا، فقد رَوَى شريك عَن عَاصِم بن كُلَيْب عدَّة أَحَادِيث: أَحدهَا: حَدِيث « (رَأَيْت) النَّبِي ﷺ حِين افْتتح الصَّلَاة رفع يَدَيْهِ حِيَال أُذُنَيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، عَن شريك، عَن عَاصِم، عَن (أَبِيه، عَن) وَائِل.
ثَانِيهَا: حَدِيث «أتيت النَّبِي ﷺ فِي الشتَاء فَرَأَيْت أَصْحَابه يرفعون أَيْديهم فِي ثِيَابهمْ فِي الصَّلَاة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث وَكِيع عَن شريك، عَن عَاصِم، عَن عَلْقَمَة، عَن أَبِيه. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث شريك، عَن عَاصِم، عَن أَبِيه، عَن وَائِل.
стр. 1805
ثَالِثهَا: حَدِيث «أنَّه ﷺ جهر بآمين» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث شريك، عَن عَاصِم، عَن أَبِيه، عَن وَائِل. فاستفد ذَلِك.
تَنْبِيه: جَاءَ فِي رِوَايَة لأبي دَاوُد فِي «سنَنه» و «مراسيله» من حَدِيث عبد الْجَبَّار بن وَائِل، عَن أَبِيه «وَإِذا نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاعْتمد عَلَى فَخذيهِ» وَقد علمت فِيمَا مَضَى مَا فِي هَذِه التَّرْجَمَة من الِانْقِطَاع.
الحَدِيث الثَّالِث بعد السّبْعين
عَن ابْن عمر ﵄ «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ لَا يرفع يَدَيْهِ فِي السُّجُود» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ، كَمَا سلف فِي الْبَاب فِي الحَدِيث السَّابِع مِنْهُ.
الحَدِيث الرَّابِع بعد السّبْعين
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا سجد أحدكُم فَقَالَ فِي سُجُوده: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا فقد تمّ سُجُوده وَذَلِكَ أدناه» .
هَذَا الحَدِيث قد سلف الْكَلَام عَلَيْهِ، وَهُوَ بعض من الحَدِيث الْحَادِي بعد الْخمسين، فَرَاجعه من ثمَّ.
стр. 1806
الحَدِيث الْخَامِس بعد السّبْعين
عَن عَلّي بن أبي طَالب ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول فِي سُجُوده: اللَّهُمَّ لَك سجدت، وَبِك آمَنت، وَلَك أسلمت، سجد وَجْهي للَّذي خلقه وصوره وشق سَمعه وبصره، فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم كَمَا سلف بِطُولِهِ فِي الْبَاب فِي الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين مِنْهُ إِلَّا أَنه قَالَ: «تبَارك» . بِإِسْقَاط الْفَاء، وَرَوَاهُ بإثباتها أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي كِتَابه «وصف الصَّلَاة بِالسنةِ» (وَزَاد فِي «أصل الرَّوْضَة» «بحوله وقوته» قبل «تبَارك» ) .
الحَدِيث السَّادِس بعد السّبْعين
عَن أبي حميد ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سجد أمكن (أَنفه و) جَبهته من الأَرْض، ونحى يَدَيْهِ عَن جَنْبَيْهِ، وَوضع كفيه حَذْو مَنْكِبَيْه» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» بِلَفْظ «ثمَّ سجد فَأمكن ... » إِلَى آخِره وَلم يقل: «من الأَرْض» وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» بهَا.
стр. 1807
الحَدِيث السَّابِع بعد السّبْعين
قَالَ الرَّافِعِيّ: نقل فِي بعض الْأَخْبَار «أَنه ﵇ كَانَ يفرق فِي السُّجُود بَين رُكْبَتَيْهِ» .
هُوَ كَمَا قَالَ، فَفِي «سنَن أبي دَاوُد» من حَدِيث بَقِيَّة، حَدثنِي عتبَة - يَعْنِي ابْن أبي حَكِيم - حَدثنِي عبد الله بن عِيسَى، عَن الْعَبَّاس بن سهل السَّاعِدِيّ، عَن أبي حميد فِي هَذَا الحَدِيث وأحال عَلَى حَدِيث قبله قَالَ: «وَإِذا سجد فرج بَين فَخذيهِ غير حَامِل بَطْنه عَلَى شَيْء من فَخذيهِ» . بَقِيَّة حَالَته قد علمتها فِيمَا مَضَى، وَعتبَة أَيْضا علمت حَاله فِي أَوَاخِر بَاب الاستطابة.
وَفِي «مُسْند أَحْمد» ، نَا أَبُو كَامِل، نَا شريك، عَن أبي إِسْحَاق، عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ «أَنه وصف السُّجُود فَقَالَ: فَبسط كفيه وَرفع عجيزته وخوى، وَقَالَ: هَكَذَا سجد النَّبِي ﷺ » . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي تَوْبَة، عَن شريك، عَن أبي إِسْحَاق قَالَ: «وصف لنا الْبَراء بن عَازِب أَنه وضع يَدَيْهِ وَاعْتمد عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَرفع عجيزته، وَقَالَ: هَكَذَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يسْجد» .
وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» و «صِحَاح ابْن السكن» من حَدِيث الْبَراء أَيْضا قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا ركع بسط ظَهره وَإِذا سجد وَجه أَصَابِعه قبل الْقبْلَة فتفاج» .
стр. 1808
قَالَ الْجَوْهَرِي: فججت مَا بَين رجليَّ أفجهما فجًّا إِذا فتحت، يُقَال: يمشي مفاجًّا وتفاجَّ (يبين) فعل ذَلِك من فتح رجلَيْهِ.
الحَدِيث الثَّامِن بعد السّبْعين
عَن أبي حميد السَّاعِدِيّ ﵁ «أَنه وصف صَلَاة رَسُول الله ﷺ وَذكر فِيهَا التَّفْرِقَة بَين الْمرْفقين والجنبين» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد كَمَا سلف فِي الحَدِيث السَّادِس بعد السّبْعين وبلفظ: «ونحى يَدَيْهِ عَن جَنْبَيْهِ» . وَفِي رِوَايَة لَهُ «فيجافي يَدَيْهِ عَن جَنْبَيْهِ» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ «ثمَّ جافى عضديه عَن إبطَيْهِ» . ثمَّ قَالَ: حسن صَحِيح. وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة «ثمَّ يهوي إِلَى الأَرْض ويجافي يَدَيْهِ عَن جَنْبَيْهِ» . وَفِي لفظ: «مجافيًا يَدَيْهِ عَن جَنْبَيْهِ» .
الحَدِيث التَّاسِع بعد السّبْعين
عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يقل بَطْنه عَن فَخذيهِ فِي سُجُوده» .
هَذَا الحَدِيث سلف فِي الحَدِيث السَّابِع بعد السّبْعين وَلَفظه
стр. 1809
«وخوى» . وَفِي «سنَن النَّسَائِيّ» وَالْبَيْهَقِيّ و «صَحِيح ابْن خُزَيْمَة» و «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» عَن الْبَراء أَيْضا « (كَانَ) رَسُول الله ﷺ إِذا صَلَّى جخ» . وَلَفظ النَّسَائِيّ «جخن» . وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» بلفظين: أَحدهمَا: «جخ» وَالثَّانِي: «إِذا سجد جافى يَدَيْهِ عَن إبطَيْهِ» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَلم يخرجَاهُ، وَهُوَ أحد مَا يعد من أَفْرَاد النَّضر بن شُمَيْل قَالَ: وَقد حدث بِهِ زُهَيْر بن مُعَاوِيَة، عَن أبي إِسْحَاق، عَن أربدة التَّمِيمِي، عَن الْبَراء، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «أتيت النَّبِي ﷺ من خَلفه فَرَأَيْت بَيَاض إبطَيْهِ وَهُوَ مجخ قد فرج يَدَيْهِ» .
فَائِدَة: جخَّ - بجيم مَفْتُوحَة ثمَّ خاء مُعْجمَة مُشَدّدَة - قَالَ الْهَرَوِيّ: أَي فتح عضديه فِي السُّجُود، وَقَالَ: وَرَأَيْت لأبي حَمْزَة «كَانَ إِذا صَلَّى جخ» أَي: تحول من مَكَان إِلَى مَكَان.
قلت: وَهَذَا غَرِيب. قَالَ الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» سَمِعت أَبَا زَكَرِيَّا (الْعَنْبَري) يَقُول: جخ الرجل فِي صلَاته إِذا مد ضبعيه ويجافي الرُّكُوع وَالسُّجُود. وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي «صَحِيحه» سَمِعت السّري
стр. 1810
يَقُول: قَالَ (النَّضر: جخ الَّذِي لَا يتمدّد فِي رُكُوعه وَلَا فِي سُجُوده) .
الحَدِيث الثَّمَانُونَ
«أنَّه ﷺ كَانَ إِذا سجد خوى فِي سُجُوده» .
هَذَا صَحِيح، وَقد ورد ذَلِك فِي عدَّة أَحَادِيث:
أَحدهَا: عَن مَيْمُونَة ﵂ قَالَت: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سجد، لَو شَاءَت بهمة أَن تمر بَين يَدَيْهِ لمرت» .
رَوَاهُ مُسلم كَمَا سلف فِي الحَدِيث الْحَادِي بعد السّبْعين، وَفِي رِوَايَة لَهُ «كَانَ إِذا سجد خوى بيدَيْهِ - يَعْنِي جنَّح - حَتَّى يرَى وضح إبطَيْهِ» . والوضح: الْبيَاض.
ثَانِيهَا: حَدِيث أبي حميد، وَقد سلف فِي الحَدِيث الثَّامِن بعد السّبْعين.
ثَالِثهَا: عَن عبيد الله بن عبد الله بن أقرم الْخُزَاعِيّ، عَن أَبِيه قَالَ: «كنت مَعَ أبي بالقاع من (نمرة) ، فمرت ركبة فَإِذا رَسُول الله ﷺ قَامَ فَصَلى قَالَ: فَكنت أنظر إِلَى (عُفرتَىِ) إبطَيْهِ إِذا سجد أرَى بياضه» رَوَاهُ الشَّافِعِي وَأحمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث دَاوُد بن قيس، وَلَا نَعْرِف
стр. 1811
لعبد الله بن أقرم عَن النَّبِي ﷺ غير هَذَا الحَدِيث.
قلت: بلَى لَهُ حَدِيث آخر ذكره أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ فِي «مُعْجَمه» ، وَدَاوُد هَذَا من فرسَان مُسلم. قَالَ الشَّافِعِي (فِيهِ) : ثِقَة حَافظ، وَكَذَلِكَ وَثَّقَهُ أَحْمد وَيَحْيَى وَغَيرهمَا. وَعبيد الله بن أقرم وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ.
والقاع: المستوي من الأَرْض. (وَالركبَة) - بِفَتْح الْكَاف - قَالَه الْجَوْهَرِي قَالَ: والركب: أَصْحَاب الْإِبِل فِي السّفر دون الدَّوَابّ، وهم الْعشْرَة فَمَا فَوْقهَا، وَالْجمع أركب قَالَ: (وَالركبَة) بِالتَّحْرِيكِ أقل من الركب، والأركوب - بِالضَّمِّ -: أَكثر من الركب، والركبان الْجَمَاعَة مِنْهُم. وعفر الْإِبِط: بياضه.
رَابِعهَا: عَن عبد الله ابْن بُحَيْنَة قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا صَلَّى فرج بَين يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُو بَيَاض إبطَيْهِ» . مُتَّفق عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة لَهما: «كَانَ إِذا سجد جافى فِي سُجُوده حَتَّى يرَى وضح إبطَيْهِ» .
خَامِسهَا: عَن جَابر بن عبد الله (قَالَ) : «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سجد جافى حَتَّى يرَى بَيَاض إبطَيْهِ» . رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَصَححهُ أَبُو زرْعَة.
стр. 1812
سادسها: عَن أَحْمَر - بالراء - ابْن جُزْء ﵁ قَالَ: «إِن كُنَّا لنأوي لرَسُول الله ﷺ (مِمَّا) يُجَافِي مرفقيه، عَن جَنْبَيْهِ إِذا سجد» رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي آخر «الاقتراح» : وَهُوَ عَلَى شَرط البُخَارِيّ. قَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَى نأوي: نرق لَهُ. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «جَامع المسانيد» : فِي الصَّحَابَة خَمْسَة كلهم اسْمه أَحْمَر أحدهم: هَذَا، وثانيهم: ابْن سَوَاء، وثالثهم: ابْن مُعَاوِيَة، وأحمر مولَى رَسُول الله ﷺ . (وأحمر) مولَى أم سَلمَة، وأحمر بن قطن الهمذاني شهد فتح مصر، ذكره ابْن يُونُس.
سابعها: عَن عدي بن (عميرَة) الْكِنْدِيّ «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا سجد جافى حَتَّى يرَى بَيَاض إبطَيْهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (أكبر معاجمه) بِإِسْنَاد جيد.
ثامنها: عَن ابْن عَبَّاس «أَنه ﵇ كَانَ إِذا سجد يرَى بَيَاض إبطَيْهِ» وَفِي لفظ «أتيت رَسُول الله ﷺ من خَلفه، فَرَأَيْت بَيَاض إبطَيْهِ وَهُوَ مجخ
стр. 1813
قد فرج يَدَيْهِ» . رَوَاهُمَا أَحْمد فِي «مُسْنده» وَفِي الأول شُعْبَة مولَى ابْن عَبَّاس، قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. والمجخ الَّذِي قد فرج يَدَيْهِ فِي سُجُوده.
تَنْبِيه: لما ذكر الرَّافِعِيّ التَّفْرِيق فِي هَذِه الْأَمَاكِن قَالَ: هَذِه الْجُمْلَة يعبر عَنْهَا بالتخوية وَهِي ترك الخواء بَين الْأَعْضَاء. وَهُوَ تَابع «النِّهَايَة» فِي ذَلِك حَيْثُ قَالَ: تَفْسِير التخوية مَا ذَكرْنَاهُ وَمِنْه يُقَال خوى الْبَعِير إِذا برك عَلَى وقارٍ وَلم يسترح. وَمَعْنَاهَا فِي اللِّسَان: ترك خواء بَين الْأَعْضَاء. وَفِي (الصِّحَاح) (خوى) الْبَعِير تخوية إِذا جافى بَطْنه عَن الأَرْض فِي بروكه، وَكَذَلِكَ الرجل فِي سُجُوده، والطائر إِذا أرسل (جناحيه) وَهَذَا أخص من كَلَام الرَّافِعِيّ فَإِنَّهُ خص التخوية (بمجافاة) الْبَطن عَن الأَرْض، وَفِي (نِهَايَة) ابْن الْأَثِير مَعْنَى «إِذا سجد خوى» جافى بَطْنه عَن الأَرْض ورفعها، وجافى عضديه عَن جَنْبَيْهِ حَتَّى يخوى مَا بَين ذَلِك، وَفِي (الْمَشَارِق) (مَعْنَاهُ) : جافى بَطْنه عَن الأَرْض، وخواء الْفرس - مَمْدُود -: مَا بَين يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ. والخواء: الْمَكَان الْخَالِي.
стр. 1814
الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّمَانِينَ
عَن أبي حميد ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سجد وضع يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْه» .
هَذَا الحَدِيث تقدم فِي الحَدِيث السَّادِس بعد السّبْعين فَرَاجعه مِنْهُ.
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّمَانِينَ
عَن وَائِل بن حجر ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا سجد ضم أَصَابِعه» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» ، وَابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي «صَحِيحهمَا» ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ.
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّمَانِينَ
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سجد وضع أَصَابِعه تجاه الْقبْلَة» .
هَذَا الحَدِيث ذكره أَيْضا صَاحب «الْمُهَذّب» وبيض لَهُ الْمُنْذِرِيّ.
стр. 1815
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شَرحه» لَهُ: إِنَّه حَدِيث غَرِيب، ويغني عَنهُ حَدِيث أبي حميد ... فَذكره. وَهَذَا عَجِيب فَهُوَ فِي (سنَن الدَّارَقُطْنِيّ) عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد، نَا أَبُو شيبَة، نَا أَبُو غَسَّان، نَا جَعْفَر الْأَحْمَر، عَن حَارِثَة - بِالْحَاء الْمُهْملَة - عَن عمْرَة، عَن عَائِشَة قَالَت: «كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا سجد اسْتقْبل بأصابعه الْقبْلَة» . وحارثة هَذَا هُوَ ابْن أبي الرِّجَال ضَعَّفُوهُ، [و] قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. ثمَّ رَأَيْته بعد ذَلِك فِي «وصف الصَّلَاة بِالسنةِ» لأبي حَاتِم بن حبَان بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «فقدتُ رَسُول الله ﷺ وَكَانَ معي عَلَى فِرَاشِي فوجدتهُ سَاجِدا راصًّا عَقِبَيْهِ مُسْتَقْبلا بأطراف أَصَابِعه الْقبْلَة» .
وَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» من حَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ «أَن النَّبِي ﷺ سجد واستقبل بأطراف أَصَابِع رجلَيْهِ الْقبْلَة» . (وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ قَالَ: لتكن الْأَصَابِع منشورة مَضْمُومَة مستطيلة فِي جِهَة الْقبْلَة) ثمَّ ذكر حَدِيث وَائِل السالف وَحَدِيث عَائِشَة، وَمرَاده بذلك أَصَابِع الْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ سَيذكرُ بعد ذَلِك أَصَابِع الرجلَيْن، وَلَيْسَ فِي هذَيْن الْحَدِيثين صَرَاحَة بأصابع (الْيَدَيْنِ إِلَّا) أَن يُقَال أَصَابِعه (فيهمَا) جمع مُضَاف، وَهُوَ يَقْتَضِي الْعُمُوم، لَكِن حَدِيثهَا فِي «وصف الصَّلَاة بِالسنةِ» صَرِيح فِي أَصَابِع الرجلَيْن.
стр. 1816
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّمَانِينَ
«أنَّه ﷺ قَالَ للمسيء صلَاته: ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا، (ثمَّ ارْفَعْ رَأسك حَتَّى تعتدل جَالِسا) ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا» وَفِي بعض الرِّوَايَات «ثمَّ (ارْفَعْ) حَتَّى تطمئِن جَالِسا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَقد أسلفناه بِطُولِهِ أول الْبَاب، فَرَاجعه من ثمَّ.
الحَدِيث الْخَامِس بعد الثَّمَانِينَ
عَن أبي حميد ﵁ أَنه قَالَ فِي وصف صَلَاة رَسُول الله ﷺ : «فَلَمَّا رفع رَأسه من السَّجْدَة الأولَى ثنى رجله (الْيُسْرَى) وَقعد عَلَيْهَا» .
هَذَا الحَدِيث (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَفظه «ثمَّ يرفع رَأسه ويثني رجله الْيُسْرَى فيقعد عَلَيْهَا) ، ويفتخ أَصَابِع رجلَيْهِ إِذا سجد، ثمَّ يسْجد ثمَّ يَقُول: الله أكبر. وَيرْفَع ويثني رجله الْيُسْرَى فيقعد عَلَيْهَا حَتَّى (يرجع) كل عُضْو إِلَى مَوْضِعه، ثمَّ يصنع فِي الْأُخْرَى مثل ذَلِك» .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ «ثمَّ ثنى رجله الْيُسْرَى وَقعد عَلَيْهَا ... » الحَدِيث ثمَّ قَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي
стр. 1817
«صَحِيحه» بِلَفْظ «فَثنى رجله الْيُسْرَى وَقعد عَلَيْهَا» .
فَائِدَة: الفتخ - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة -: تليين الْأَصَابِع وثنيها إِلَى الْقبْلَة.
الحَدِيث السَّادِس بعد الثَّمَانِينَ
(أنَّه ﷺ كَانَ يكبر فِي كل خفض وَرفع» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف فِي أثْنَاء الْبَاب وَهُوَ الحَدِيث الثَّامِن بعد الْأَرْبَعين.
الحَدِيث السَّابِع بعد الثَّمَانِينَ
عَن طَاوس «قلت لِابْنِ عَبَّاس فِي الإقعاء عَلَى الْقَدَمَيْنِ قَالَ: هِيَ السّنة، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لنراه جفَاء بِالرجلِ، فَقَالَ: بل هِيَ سنة نبيك مُحَمَّد ﷺ » .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا ذكرته فِي أثْنَاء الحَدِيث التَّاسِع عشر مَعَ (مَا) عَارضه وجمعت بَينهمَا وَذكرت هُنَاكَ أَنه من أَفْرَاد مُسلم وَأغْرب الْحَاكِم فاستدركه عَلَيْهِ وَقَالَ: إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرطه وَقد علمت أَنه فِيهِ، وَهَذَا الحَدِيث أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّافِعِيّ فَإِنَّهُ قَالَ: وَحكي قولٌ أَنه يضجع قَدَمَيْهِ وَيجْلس عَلَى صدورهما، وَيروَى ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس. فَذَكرته أَنا بِلَفْظِهِ.
فَائِدَة: كَانَ الْحَافِظ أَبُو عمر بن عبد الْبر يَقُول فِي قَوْله: « (إِنَّا
стр. 1818
لنراه) جفَاء بِالرجلِ» ؛ (أَنه) - بِكَسْر الرَّاء وَإِسْكَان الْجِيم - وَيَقُول: من فتح الرَّاء وَضم الْجِيم - أَي الْإِنْسَان - فقد غلط. وَالَّذِي اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُونَ مَا رده أَبُو عمر (و) قَالُوا: وَهُوَ الَّذِي يصلح أَن ينْسب لَهُ الْجفَاء.
قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح مُسلم» : الَّذِي ضبطناه الثَّانِي (و) كَذَا نَقله القَاضِي عَن جَمِيع رُوَاة مُسلم، ورد الْجُمْهُور عَلَى ابْن عبد الْبر وَقَالُوا: الصَّوَاب الضَّم، وَهُوَ الَّذِي يَلِيق بِهِ مَعَ إِضَافَة الْجفَاء إِلَيْهِ.
قلت: لَكِن يُؤَيّد الأول رِوَايَة الإِمَام أَحْمد فِي (مُسْنده) «إِنَّا لنراه جفَاء بالقدم) وَفِي كتاب ابْن أبي (خَيْثَمَة) مَا يُؤَيّد الثَّانِي إِذْ فِيهِ «إِنَّا لنراه جفَاء بِالْمَرْءِ» فَلَو ادعِي صَوَاب كل مِنْهُمَا إِذن لما بعد.
الحَدِيث الثَّامِن بعد الثَّمَانِينَ
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ «أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول بَين السَّجْدَتَيْنِ: اللَّهُمَّ اغْفِر لي واجبرني وَعَافنِي وارزقني واهدني» وَيروَى «وارحمني» بدل «واجبرني» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه
стр. 1819
وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سُنَنهمْ) وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي موضِعين من (مُسْتَدْركه) وَاللَّفْظ الْمَذْكُور لِلتِّرْمِذِي إِلَّا أَنه لم يقل: «وَعَافنِي» . وَلَفظ أبي دَاوُد مثله إِلَّا أَنه أثبت «وَعَافنِي» وَأسْقط «واجبرني» .
وَهُوَ لفظ إِحْدَى روايتي الْحَاكِم أَيْضا. وَلَفظ ابْن مَاجَه: «كَانَ يَقُول بَين السَّجْدَتَيْنِ فِي صَلَاة اللَّيْل: رب اغْفِر لي وارحمني واجبرني وارزقني وارفعني» . وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ وَالرِّوَايَة الْأُخْرَى للْحَاكِم «رب اغْفِر لي وارحمني واجبرني وارفعني وارزقني واهدني» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب. قَالَ: وَرَوَى بَعضهم هَذَا الحَدِيث عَن كَامِل أبي الْعَلَاء - يَعْنِي أحد رُوَاته - مُرْسلا، وَقَالَ الْحَاكِم فِي كلا الْمَوْضِعَيْنِ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَقَالَ: وَأَبُو الْعَلَاء هُوَ كَامِل بن الْعَلَاء مِمَّن يجمع حَدِيثه فِي الْكُوفِيّين. قلت: وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين. وَقَالَ النَّسَائِيّ مرّة: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَمرَّة: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ. وَأما ابْن حبَان فجرحه وَتَبعهُ ابْن طَاهِر.
الحَدِيث التَّاسِع بعد الثَّمَانِينَ
عَن وَائِل بن حجر ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا رفع رَأسه من السَّجْدَتَيْنِ اسْتَوَى قَائِما» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب جدًّا لَا أعلم من خرجه من هَذَا الْوَجْه، وَتبع
стр. 1820
الرَّافِعِيّ فِي إِيرَاده صاحبا « (الشَّامِل» ) و «الْمُهَذّب» فَإِنَّهُمَا أورداه بِزِيَادَة تكبيره «بعد قَوْله اسْتَوَى قَائِما» ، وبيض بِهِ الْمُنْذِرِيّ بَيَاضًا، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : إِنَّه غَرِيب. لَكِن ذكره فِي فصل الضَّعِيف من «خلاصته» وَقَالَ الشَّيْخ تَاج الدَّين الْفَزارِيّ: لم أَقف عَلَى حَاله.
قلت: ورأيته من طَرِيق آخر من حَدِيث معَاذ بن جبل ﵁ «أَنه ﵇ كَانَ يُمكن جَبهته وَأَنْفه من الأَرْض، ثمَّ يقوم كَأَنَّهُ السهْم لَا يعْتَمد عَلَى يَدَيْهِ» . لكنه ضَعِيف، كَمَا سلف بَيَانه فِي الْبَاب فِي الحَدِيث الثَّالِث عشر مِنْهُ فِي أثْنَاء التَّنْبِيه، فَإِنَّهُ قِطْعَة مِنْهُ.
وَفِي «أَحْكَام» الْمُحب الطَّبَرِيّ أَن أَبَا بكر يُوسُف بن البهلول رَوَى من حَدِيث رِفَاعَة بن رَافع «أَنه ﵇ رَأَى رجلا يُصَلِّي صَلَاة خَفِيفَة، فَقَالَ: أعد صَلَاتك، فَقَامَ الرجل عَائِدًا للصَّلَاة، فَقَالَ ﵇: كبر وارفع يَديك حَذْو منكبيك. فَفعل، ثمَّ قَالَ: اقْرَأ بِأم الْقُرْآن وَسورَة، ثمَّ كبر وارفع مُتَمَكنًا. فَفعل، ثمَّ قَالَ: ارْفَعْ رَأسك وَقل: سمع الله لمن حَمده رَبنَا وَلَك الْحَمد، وَلَا تسْجد حَتَّى يرجع كل (عظم) إِلَى مَوْضِعه، ثمَّ كبر واسجد، فَإِذا رفعت رَأسك فَكبر وانتهض قبل أَن تستوي قَاعِدا. فَفعل، ثمَّ قَالَ ﵇: افْعَل فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة كَمَا فعلت فِي هَذِه الرَّكْعَة» وَلم يذكرهَا الْمُحب الطَّبَرِيّ بإسنادها لينْظر (فِيهِ) .
стр. 1821
الحَدِيث التِّسْعُونَ
عَن مَالك بن الْحُوَيْرِث ﵁ «أَنه رَأَى النَّبِي ﷺ يُصَلِّي فَإِذا كَانَ فِي وتر من صلَاته لم ينْهض حَتَّى يَسْتَوِي قَاعِدا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ بِهَذَا اللَّفْظ وَهُوَ مَعْدُود من أَفْرَاده، وَرَوَاهُ بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ أَيْضا.
الحَدِيث الْحَادِي بعد التسعين
عَن أبي حميد السَّاعِدِيّ فِي عشرَة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ «أَنه وصف صَلَاة رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: ثمَّ هوى سَاجِدا ثمَّ ثنى رجله وَقعد (واعتدل) حَتَّى يرجع كل عُضْو فِي مَوْضِعه، ثمَّ نَهَضَ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ كَذَلِك ثمَّ قَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظ «ثمَّ يرفع ويثني رجله الْيُسْرَى (فيقعد) عَلَيْهَا حَتَّى يرجع كل عظم إِلَى مَوْضِعه» وَقد أسلفنا ذَلِك قَرِيبا.
فَائِدَة: ادَّعَى الطَّحَاوِيّ مَعَ سَعَة علمه أَن جلْسَة الاسْتِرَاحَة لَيست فِي حَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ، وَقد علمت أَنَّهَا ثَابِتَة فِيهِ وَقد سبق بالإنكار
стр. 1822
عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» لكنه وَقع فِي نُكْتَة لَطِيفَة، وَهِي أَنه قَالَ: (احْتج من) لم يسْتَحبّ جلْسَة الاسْتِرَاحَة (بِأَنَّهَا) لم تذكر فِي حَدِيث الْمُسِيء صلَاته، ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ ﵇ إِنَّمَا علمَّه الْوَاجِبَات دون المسنونات. وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ فجلسة الاسْتِرَاحَة مَذْكُورَة فِي حَدِيث الْمُسِيء صلَاته فِي صَحِيح البُخَارِيّ، وَلكنهَا فِي غير المظنة، ذكرهَا فِي كتاب الاسْتِئْذَان فِي بَاب من رد فَقَالَ: (عَلَيْكُم) السَّلَام وَهَذَا لَفظه فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه ﵇ قَالَ للمسيء صلَاته: «ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا، ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تطمئِن جَالِسا، ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا، ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تطمئِن جَالِسا، ثمَّ افْعَل ذَلِك فِي صَلَاتك كلهَا» .
الحَدِيث الثَّانِي بعد التسعين
أنَّه ﷺ «كَانَ يكبر فِي كل خفض وَرفع» .
هَذَا الحَدِيث تكَرر فِي الْبَاب كَمَا سلف، وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى قَوْلنَا باستحباب جلْسَة الاسْتِرَاحَة أَن الْأَصَح أَنه يرفع رَأسه إِلَّا أَنه يرفع رَأسه غير مكبر، ويبتدئ بِالتَّكْبِيرِ جَالِسا ويمده إِلَى (أَن) يقوم. وَرِوَايَة أبي حميد فِي (جَامع التِّرْمِذِيّ) ثمَّ قَالَ: «الله
стр. 1823
أكبر، ثمَّ ثنى رجله وَقعد واعتدل» . شاهدة لذَلِك.
وَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيثه وَلَفظه «ثمَّ يعود - يَعْنِي إِلَى السُّجُود - ثمَّ يرفع فَيَقُول: الله أكبر، ثمَّ يثني رجله فيقعد عَلَيْهَا [معتدلًا] حَتَّى يرجع أَو يقر كل عظم مَوْضِعه معتدلًا» .
ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب جلْسَة الاسْتِرَاحَة فالاستدلال بذلك أولَى مِمَّا اسْتدلَّ بِهِ الرَّافِعِيّ فَتَأَمّله.
الحَدِيث الثَّالِث بعد التسعين
عَن أبي حميد السَّاعِدِيّ ﵁ «أَنه وصف صَلَاة رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِذا جلس فِي الرَّكْعَتَيْنِ جلس عَلَى رجله الْيُسْرَى وَنصب الْيُمْنَى) .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) كَذَلِك.
الحَدِيث الرَّابِع بعد التسعين
عَن مَالك بن الْحُوَيْرِث ﵁ «أَنه وصف صَلَاة رَسُول الله ﷺ وَقَالَ فِي جملَة ذَلِك: فَلَمَّا رفع رَأسه عَن السَّجْدَة الْأَخِيرَة فِي الرَّكْعَة الأولَى، واستوى قَاعِدا قَامَ وَاعْتمد يَدَيْهِ عَلَى الأَرْض» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ بِمَعْنَاهُ وَهَذَا لَفظه عَن أَيُّوب، عَن أبي قلَابَة قَالَ: «جَاءَنَا مَالك بن الْحُوَيْرِث فَصَلى بِنَا فَقَالَ: إِنِّي لأصلي بكم وَمَا أُرِيد الصَّلَاة لكني أُرِيد أَن أريكم كَيفَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي، قَالَ أَيُّوب: فَقلت لأبي قلَابَة: وَكَيف كَانَت صلَاته؟ قَالَ:
стр. 1824
مثل صَلَاة شَيخنَا هَذَا - يَعْنِي عَمْرو بن سَلمَة - قَالَ أَيُّوب: وَكَانَ ذَلِك الشَّيْخ يتم التَّكْبِير، فَإِذا رفع رَأسه عَن السَّجْدَة الثَّانِيَة جلس وَاعْتمد عَلَى الأَرْض ثمَّ قَامَ» .
وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاده وَلم يُخرجهُ مُسلم، وللطحاوي: (قَالَ: فَرَأَيْت: عَمْرو بن سَلمَة يصنع شَيْئا لَا أَرَاكُم تصنعونه كَانَ إِذا رفع رَأسه من السَّجْدَة الأولَى و (الثَّالِثَة) الَّتِي لَا يقْعد فِيهَا اسْتَوَى قَاعِدا ثمَّ قَامَ» وَلأَحْمَد (كَانَ إِذا رفع رَأسه من السَّجْدَتَيْنِ اسْتَوَى قَاعِدا، ثمَّ قَامَ من الرَّكْعَة الأولَى وَالثَّالِثَة) وَفِي «الإقليد» لِابْنِ الفركاح أَن الشَّافِعِي رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى مَالك (بن الْحُوَيْرِث فِي صفة صَلَاة رَسُول الله ﷺ «وَكَانَ مَالك» ) إِذا رفع رَأسه من السَّجْدَة الْأَخِيرَة فِي الرَّكْعَة الأولَى فَاسْتَوَى قَاعِدا (ثمَّ) قَامَ وَاعْتمد عَلَى الأَرْض» .
الحَدِيث الْخَامِس بعد التسعين
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا قَامَ فِي صلَاته وضع يَده عَلَى الأَرْض كَمَا يصنع (العاجن) » .
هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ تبعا للغزالي فَإِنَّهُ أوردهُ كَذَلِك فِي «وسيطه» ، وَالْغَزالِيّ تبع إِمَامه فَإِنَّهُ أوردهُ كَذَلِك فِي نهايته (وَلَا يحضرني) من خرجه من الْمُحدثين من هَذَا الْوَجْه بعد الْبَحْث عَنهُ.
стр. 1825
وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى (الْوَسِيط) : هَذَا الحَدِيث لَا يعرف وَلَا يَصح وَلَا يجوز أَن يحْتَج بِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : هَذَا حَدِيث ضَعِيف أَو بَاطِل لَا أصل لَهُ. وَقَالَ فِي (التَّنْقِيح) : ضَعِيف بَاطِل لَا (يعرف) ، وَفِي (النِّهَايَة) لِابْنِ الْأَثِير، وَفِي حَدِيث ابْن عمر «أَنه كَانَ يعجن فِي الصَّلَاة فَقيل لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يعجن فِي الصَّلَاة) أَي يعْتَمد عَلَى يَدَيْهِ إِذا قَامَ كَمَا يفعل الَّذِي يعجن الْعَجِين. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْن الصّلاح: قد صَار هَذَا الحَدِيث - أَعنِي حَدِيث ابْن عَبَّاس - فِي (الْوَسِيط) و (الْوَجِيز) مَظَنَّة الْغَلَط، فَمن غالط فِي لَفظه (يَقُول) : «الْعَاجِز» . بالزاي وَإِنَّمَا هُوَ بالنُّون، وَقد جعله الْغَزالِيّ فِيمَا نقل عَنهُ فِي درسه بالزاي أحد الْوَجْهَيْنِ فِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَمن غالط فِي مَعْنَاهُ غير غالط فِي لَفظه يَقُول: هُوَ بالنُّون وَلكنه عاجن عجين الْخبز فَيقبض أَصَابِع كفيه ويضمها كَمَا يَفْعَله عاجن الْعَجِين، ويتكئ عَلَيْهَا ويرتفع، وَلَا يضع راحتيه عَلَى الأَرْض، وَهَذَا جعله الْغَزالِيّ فِي درسه. الْوَجْه الثَّانِي فِيهِ وَعمل بِهِ كثير من عَامَّة الْعَجم وَغَيرهم: وَهُوَ إِثْبَات هَيْئَة شَرْعِيَّة فى الصَّلَاة لَا عهد بهَا بِحَدِيث لم يثبت وَلَو ثَبت (ذَلِك) لم يكن ذَلِك مَعْنَاهُ (لِأَن العاجن) فِي اللُّغَة الرجل المسن الْكَبِير الَّذِي إِذا قَامَ اعْتمد بيدَيْهِ عَلَى الأَرْض من الْكبر وأنشدوا:
وَشر خِصَال الْمَرْء كُنْتٌ وعَاجِنُ
وأصبحت كُنتِيًّا وأصبحتُ عاجنًا
следующие страницы →