Полный текст (6 131 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
طَلْحَة: هِيَ وَالله (هِيَ) » . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَفِي «معرفَة الصَّحَابَة» لأبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ من حَدِيث عَطاء بن السَّائِب، عَن أَبِيه، عَن جده - وَهُوَ مَالك الثَّقَفِيّ - قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «من لُقِّن عِنْد الْمَوْت شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة» . ذكره فِي تَرْجَمَة مَالك وَقَالَ: هُوَ أَبُو السَّائِب الثَّقَفِيّ جد عَطاء. وَفِي «تَلْخِيص الْمُتَشَابه» لِلْحَافِظِ أبي بكر الْخَطِيب عَن حُذَيْفَة: قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي مَرضه الَّذِي قبض فِيهِ: «من ختم لَهُ بِلَا إِلَه إِلَّا الله محتسبًا عَلَى الله دخل الْجنَّة» . وَفِيه أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود رَفعه: «من كَانَ آخر كَلَامه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة» . وَفِي «علل الدَّارَقُطْنِيّ» عَن جَابر رَفعه: «من ختم لَهُ عِنْد مَوته بِلَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة» . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رِوَايَته عَن جَابر عَن معَاذ مَرْفُوعا هُوَ الصَّوَاب، وفيهَا أَيْضا: عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: «و (من) قَالَ عِنْد الْمَوْت: لَا إِلَه إِلَّا الله. وَجَبت لَهُ الْجنَّة» . ثمَّ قَالَ: إرْسَاله هُوَ الصَّوَاب.
الحَدِيث الْخَامِس
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «اقْرَءُوا [[ [يس]] ] عَلَى مَوْتَاكُم» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة أَحْمد فِي «مُسْنده» و (لَفظه: «يس قلب الْقُرْآن، لَا يقْرؤهَا رجل يُرِيد الله وَالدَّار الْآخِرَة إِلَّا غفر لَهُ، واقرءوها
стр. 2697
عَلَى مَوْتَاكُم» ) ، وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمَا» وَالنَّسَائِيّ فِي «عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة» ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من رِوَايَة سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، عَن أبي عُثْمَان - وَلَيْسَ بالنهدي - عَن أَبِيه، عَن معقل بن يسَار مَرْفُوعا، إِلَّا النَّسَائِيّ وَابْن حبَان فَإِنَّهُمَا قَالَا: عَن أبي عُثْمَان، عَن معقل، فأسقطا أَبَاهُ، وأعل هَذَا الحَدِيث بِالْوَقْفِ وبالجهالة وبالاضطراب، قَالَ الْحَاكِم: هَذَا الحَدِيث أوقفهُ يَحْيَى بن سعيد وَغَيره عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، وَالْقَوْل فِيهِ قَول ابْن الْمُبَارك؛ إِذْ الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة. ذكر ذَلِك فِي بَاب فَضَائِل الْقُرْآن من «مُسْتَدْركه» فِي ذكر فَضَائِل سور مُتَفَرِّقَة، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي «علله» : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح؛ لِأَن أَبَا عُثْمَان هَذَا لَا (نعرفه) وَلَا من رَوَى عَنهُ غير سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، وَإِذا لم يكن هُوَ مَعْرُوفا فأبوه أبعد من أَن يعرف. وَكَذَا قَالَ الْمُنْذِرِيّ: أَبُو عُثْمَان وَأَبوهُ ليسَا بمشهورين. وَخَالف فِي كَلَامه عَلَى «تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب» فَقَالَ: إِنَّه حَدِيث حسن رَوَاهُ (د س ق) وَمِنْهُم من قَالَ: عَن أبي عُثْمَان عَن أَبِيه. وَمِنْهُم من قَالَ: عَن (أبي) عُثْمَان عَن معقل، من غير ذكر أَبِيه. قلت: وَمِنْهُم من قَالَ: عَن
стр. 2698
رجل عَن معقل، وَعَن رجل عَن أَبِيه (عَن معقل) ذكرهمَا النَّسَائِيّ فِي «الْيَوْم وَاللَّيْلَة» ، وَالثَّانِي: الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «الْخُلَاصَة» و «شرح الْمُهَذّب» : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَفِيه مَجْهُولَانِ، وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد. قلت: أَبُو عُثْمَان ذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» ، وَعَن ابْن الْعَرَبِيّ عَن الدَّارَقُطْنِيّ: إِنَّه حَدِيث ضَعِيف الْإِسْنَاد مَجْهُول الْمَتْن، وَلَا يَصح فِي الْبَاب حَدِيث.
(فَوَائِد) :
الأولَى: لهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر، ذكر الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» فِي تَرْجَمَة سمحج الجني، وَيُقَال: سمهج بِالْهَاءِ، من حَدِيث عبد الله بن الْحُسَيْن المصِّيصِي قَالَ: «دخلت طرسوس فَقيل: هَا هُنَا امْرَأَة قد رَأَتْ الْجِنّ الَّذِي وفدوا إِلَى رَسُول الله ﷺ . فأتيتها، فأخبرتني بذلك، وَأَن سمحج سَمَّاهُ رَسُول الله ﷺ : عبد الله، وَأَنه سَمعه يَقُول: مَا من مَرِيض تقْرَأ عِنْده [[ [يس]] ] إِلَّا مَاتَ رَيَّان وَحشر يَوْم الْقِيَامَة رَيَّان» . قَالَ الْحَافِظ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي آخر «النَّوَادِر» .
стр. 2699
الثَّانِيَة: قَالَ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» : قَوْله: « (اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُم يس» ) أَرَادَ بِهِ من حَضرته الْمنية؛ (لِأَن الْمَيِّت يقْرَأ عَلَيْهِ) ، (قَالَ: وَكَذَلِكَ: «لقنوا) مَوْتَاكُم لَا إِلَه إِلَّا الله» وَهَذَا الَّذِي قَالَه فِي الأول قَالَه جماعات (وَهُوَ) (مُتَعَيّن) ، وَيكون ذَلِك من بَاب تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا يصير إِلَيْهِ. وَأما مَا قَالَه فِي الثَّانِي: فَلَا نسلم لَهُ، وَقد اعْتَرَضَهُ فِي ذَلِك الْمُحب الطَّبَرِيّ فَقَالَ فِي «أَحْكَامه» : مَا قَالَه فِي التَّلْقِين فَمُسلم. وَأما فِي قِرَاءَة [[ [يس]] ] فَذَلِك نَافِع للمحتضر وللميت.
(الثَّالِثَة) : معقل رَاوِي الحَدِيث - هُوَ بِفَتْح أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه وَكسر ثالثه - ابْن يسَار - بِفَتْح أَوله - وَمَعْقِل فِي الصَّحَابَة جمَاعَة: هَذَا، وَابْن سِنَان الْأَشْجَعِيّ، وَابْن خَالِد - وَيُقَال: خويلد - وَغَيرهم.
الحَدِيث السَّادِس
عَن جَابر بن عبد الله ﵁ قَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول قبل مَوته: «لَا يموتن أحدكُم إِلَّا وَهُوَ يحسن الظَّن بِاللَّه » .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ كَذَلِك وَبِزِيَادَة: «أَنه
стр. 2700
سَمعه من النَّبِي ﷺ قبل مَوته بِثَلَاث» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «يحسن بِاللَّه الظَّن» . وَفِي «ثِقَات أبي حَاتِم بن حبَان» بِإِسْنَادِهِ إِلَى (خلف) بن تَمِيم (أَنه) سَأَلَ عَلّي بن (بكار) المصِّيصِي عَن مَعْنَى هَذَا الحَدِيث، قَالَ: أَن لَا (يَجْمَعُكَ) والفجار فِي دَار وَاحِدَة. وَهُوَ كَمَا قَالَ، فيظن رَحْمَة الله ويرجوها، ويتدبر الْآيَات وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي كرم الله - تَعَالَى - وعفوه وَرَحمته، وَمَا وعد بِهِ أهل التَّوْحِيد وَمَا ييسره لَهُم من الرَّحْمَة يَوْم (الْقِيَامَة) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الحَدِيث الصَّحِيح: «أَنا عِنْد ظن عَبدِي (بِي) » .
وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي مَعْنَى الحَدِيث، وَهُوَ الَّذِي قَالَه جُمْهُور الْعلمَاء، وشذ الْخطابِيّ فَذكر مَعَه تَأْوِيلا آخر؛ أَن مَعْنَاهُ: أَحْسنُوا أَعمالكُم حَتَّى يحسن ظنكم بربكم، فَمن أحسن عمله حسن ظَنّه، وَمن سَاءَ عمله سَاءَ ظَنّه. وَهُوَ تَأْوِيل بعيد.
(فَائِدَة: لهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر من طَرِيق أنس، ذكر فِيهِ زِيَادَة
стр. 2701
حَسَنَة فِي آخِره فِي تَرْجَمَة أبي نواس الشَّاعِر الْمَشْهُور، واسْمه: الْحسن بن هَانِئ، وَهُوَ من مشاهير حَدِيثه، مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن كثير الصُّوفِي عَنهُ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن ثَابت، عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لَا يموتن أحدكُم إِلَّا وَهُوَ يحسن الظَّن بِاللَّه؛ فَإِن حسن الظَّن بِاللَّه ثمن الْجنَّة» ) .
الحَدِيث السَّابِع
«أنَّه ﷺ أغمض أَبَا سَلمَة لما مَاتَ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» مُنْفَردا بِهِ - لَا كَمَا وهم فِيهِ من وهم - من رِوَايَة أم سَلمَة ﵂ قَالَت: «دخل رَسُول الله ﷺ عَلَى أبي سَلمَة وَقد شقّ بَصَره؛ فأغمضه، ثمَّ قَالَ: إِن الرّوح إِذا قبض تبعه الْبَصَر، فَضَجَّ نَاس من أَهله فَقَالَ: لَا تدعوا عَلَى أَنفسكُم إِلَّا بِخَير، فَإِن الْمَلَائِكَة يُؤمنُونَ عَلَى مَا تَقولُونَ. ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر لأبي سَلمَة، وارفع دَرَجَته فِي المهديين، واخلفه فِي عقبه فِي الغابرين، واغفر لنا وَله يَا رب الْعَالمين، وأفسح لَهُ فِي قَبره، وَنور لَهُ فِيهِ» .
مَعْنَى «تبعه الْبَصَر» : ذهب أَو شخص نَاظرا إِلَيْهَا، وَجْهَان حَكَاهُمَا الْمُحب فِي «أَحْكَامه» وَقَالَ: عَلَى الثَّانِي دلّت ظواهر وَردت فِيهِ. و «الغابر» : الْبَاقِي، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَالْأَكْثَر، وَقيل: يُطلق عَلَى الْمَاضِي، فَيكون من الأضداد.
стр. 2702
الحَدِيث الثَّامِن
«أنَّه ﷺ (لما توفّي) سجي بِبرد حبرَة» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته من حَدِيث عَائِشَة ﵂ أودعهُ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» ، وَفِي رِوَايَة: «بثَوْبٍ حبرَة» . وَمَعْنى «سُجي» : غُطي، والحِبَرة - بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْبَاء -: نوع من البرود، وَالْجمع حبر وحبرات كعنبة وعنب وعنبات، وَيُقَال: بُرد حبرَة: بِالتَّنْوِينِ عَلَى الْوَصْف، وبدونه عَلَى الْإِضَافَة، وَهُوَ ثوب يمانٍ يكون من قطن أَو كتَّان مخطط محبر، أَي: مزين، والتحبير: التزيين والتحسين. قَالَ الْمُحب فِي «أَحْكَامه» : (وَهِي) من أشرف ثِيَابهمْ، وَلَو كَانَ عِنْدهم (شَيْء) أشرف مِنْهَا سجي بِهِ.
فَائِدَة: أجمع الْعلمَاء عَلَى أَن سيدنَا رَسُول الله ﷺ توفّي فِي شهر ربيع الأول، وَكَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ، وَاخْتلفُوا فِي أَي يَوْم كَانَ من الشَّهْر، فَقيل: فِي أَوله، وَقيل: فِي ثَانِيه، وَقيل: فِي ثَانِي عشره، وَقيل: فِي عاشره، قَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه «مرج الْبَحْرين» وَسَبقه إِلَيْهِ السُّهيْلي: وَلَا يَصح كل ذَلِك؛ لإِجْمَاع الْمُسلمين عَلَى أَن وَقْفَة عَرَفَة فِي حجَّة الْوَدَاع يَوْم الْجُمُعَة، فَدخل ذُو الْحجَّة يَوْم الْخَمِيس، فَكَانَ (أول)
стр. 2703
الْمحرم إِمَّا الْجُمُعَة وَإِمَّا السبت، فَإِن كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فقد دخل صفر إِمَّا السبت وَإِمَّا الْأَحَد، وَإِن كَانَ السبت فقد كَانَ (أول) ربيع الْأَحَد أَو الِاثْنَيْنِ، وكيفما (كَانَ) الْحساب فَلم يكن الثَّانِي (عشر) من ربيع الأول يَوْم الِاثْنَيْنِ بِوَجْه.
الحَدِيث التَّاسِع
«أَن غسل النَّبِي ﷺ تولاه عَلّي وَالْفضل بن الْعَبَّاس، وَأُسَامَة بن زيد يناول المَاء، وَالْعَبَّاس وَاقِف ثَمَّ ﵃» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» بِإِسْنَاد صَحِيح من حَدِيث عَلّي ﵁ أَنه قَالَ: «غسلت النَّبِي ﷺ ، فَذَهَبت أنظر مَا يكون من الْمَيِّت، فَلم أر شَيْئا، وَكَانَ طيبا (حيًّا وَمَيتًا، وَولي دَفنه وإجْنانهُ أَرْبَعَة: عَلّي وَالْعَبَّاس وَالْفضل وَصَالح مولَى رَسُول الله ﷺ ، ولحد لرَسُول الله ﷺ لحدًا، وَنصب عَلَيْهِ اللَّبن نصبا» . قَالَ الْحَاكِم: هَذ حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَا مِنْهُ غير ذكر اللَّحْد.
قَالَ الْعقيلِيّ فِي «تَارِيخه» : وَرَوَى كيسَان عَن يزِيد بن بِلَال، عَن عَلّي قَالَ: «أَوْصَى رَسُول الله ﷺ لَا يغسلهُ إِلَّا عَلّي؛ فَإِن أحدا لَا يرَى عَوْرَته إِلَّا طمست عَيناهُ. قَالَ عَلّي: كَانَ أُسَامَة يناولني المَاء وَهُوَ
стр. 2704
مغمض عَيْنَيْهِ» . ثمَّ قَالَ الْعقيلِيّ: قد رُوِيَ فِي غسل النَّبِي ﷺ بِإِسْنَاد أَجود من هَذَا «أَنه غسله عَلّي وَالْعَبَّاس وَالْفضل وغيرُهم» وَلَيْسَ فِيهِ أَن أحدا مِنْهُم غمض عَيْنَيْهِ. قَالَ: وَأَخْبرنِي عبد الله بن أَحْمد قَالَ: سَأَلت أبي عَن كيسَان (أبي) عمر، فَقَالَ: شيخ ضَعِيف.
قَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب «التَّنْوِير» : لم يخْتَلف فِي أَن الَّذين غسلوه: عَلّي وَالْفضل، وَاخْتلف فِي الْعَبَّاس وَأُسَامَة وَقثم وشقران؛ فَقيل: نعم، وَقيل: لَا، بل غسله عَلّي وَالْفضل يصب المَاء، وَقيل: أَدخل من الْأَنْصَار أَوْس بن خوَليّ، بِفَتْح الْوَاو فِيمَا ذكره الزَّمَخْشَرِيّ، وَقَبله أَبُو أَحْمد العسكري بِزِيَادَة تَشْدِيد الْيَاء، وَكَانَ الْفضل وَالْعَبَّاس (يغسلانه) وَأُسَامَة وَقثم يصبَّانِ المَاء، وَقيل: إِن الْعَبَّاس لم يحضر استحياء.
الحَدِيث الْعَاشِر
«أَنه ﵇ غسل فِي قَمِيص» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ إمامنا عَن مَالك، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه «أَن رَسُول الله ﷺ غسل فِي قَمِيص» . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي مُعَاوِيَة، عَن أبي بردة، عَن عَلْقَمَة بن مرْثَد، عَن ابْن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه قَالَ: «لما) أخذُوا فِي غسل رَسُول الله ﷺ ناداهم مُنَاد من الدَّاخِل:
стр. 2705
لَا تنزعوا عَن النَّبِي ﷺ قَمِيصه» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَابْن بُرَيْدَة هَذَا هُوَ سُلَيْمَان بن بُرَيْدَة (قد) سمي فِي طَرِيق آخر. وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» (من طَرِيقين عَن بُرَيْدَة وَقَالَ فِي كل مِنْهُمَا: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ) وَلم يخرجَاهُ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق شَيْخه الْحَاكِم وَصرح فِيهِ بِأَن أَبَا بردة هُوَ بريد بن عبد الله بن أبي بردة، أحد الثِّقَات الْمخْرج لَهُم فِي «الصَّحِيحَيْنِ» . لَكِن قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِن أَبَا بردة هَذَا هُوَ عَمْرو بن يزِيد، وَأَنه تفرد بِهِ عَن عَلْقَمَة، فَإِن كَانَ كَذَلِك فعمرو هَذَا ضَعَّفُوهُ. وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق، حَدثنِي حُسَيْن بن عبد الله، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس: «أَنه أسْند رَسُول الله ﷺ إِلَى صَدره وَعَلِيهِ قَمِيصه، وَكَانَ الْعَبَّاس وَالْفضل وَقثم يقلّبونه مَعَ عليٍّ، وَكَانَ أُسَامَة بن زيد وَصَالح مَوْلَاهُ يصبَّانِ المَاء، وَكَانَ يغسل بِالْمَاءِ والسدر، ثمَّ كفنوه، وَحضر غسل رَسُول الله ﷺ أَوْس بن خوَلي وَلم يَلِ من (غسله) شَيْئا» . وحسين هَذَا قد تكلم فِيهِ غير وَاحِد كَمَا ستعلمه.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: «لمّا أَرَادوا غسل رَسُول الله ﷺ قَالُوا: مَا نَدْرِي، أنجرده من ثِيَابه كَمَا نجرد مَوتَانا أم نغسّله وَعَلِيهِ ثِيَابه. فَلَمَّا اخْتلفُوا ألْقَى الله - تَعَالَى - عَلَيْهِم النّوم حَتَّى مَا
стр. 2706
مِنْهُم رجل إِلَّا وذقنه فِي صَدره، ثمَّ كَلمهمْ مُكَلم من نَاحيَة الْبَيْت - لَا يَدْرُونَ من هُوَ - أَن غسلوا النَّبِي ﷺ وَعَلِيهِ ثِيَابه. فَقَامُوا فغسلوا رَسُول الله ﷺ وَعَلِيهِ قَمِيص، يصبون المَاء فَوق الْقَمِيص ويدلكونه بالقميص دون أَيْديهم، وَكَانَت عَائِشَة تَقول: لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا غسله إِلَّا نساؤه» . وَفِي إِسْنَاده ابْن إِسْحَاق، وَقد صرح بِالتَّحْدِيثِ فَزَالَتْ تُهْمَة تدليسه، وَقد أخرجه الْحَاكِم كَذَلِك وَقَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. ذكره فِي آخر وَفَاة رَسُول الله ﷺ ، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» بِنَحْوِهِ، وَفِيه العنعنة عَلَى عَادَته فِي قبُول حَدِيثه بهَا، وَفِي إِحْدَى روايتيه: «وَكَانَ الَّذِي أجلسه فِي حجره عَلّي بن أبي طَالب، أسْندهُ إِلَى صَدره، قَالَت: فَمَا رَأَى (من) رَسُول الله ﷺ مَا يرَى من الْمَيِّت» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سُفْيَان، عَن عبد الْملك بن جريج قَالَ: سَمِعت مُحَمَّد بن عَلّي أَبَا جَعْفَر قَالَ: «غسل النَّبِي ﷺ ثَلَاثًا بالسدر، وَغسل وَعَلِيهِ قَمِيص، وَغسل من بِئْر يُقَال لَهَا: (الْغَرْس) بقباء، كَانَت لسعد بن خَيْثَمَة، وَكَانَ النَّبِي ﷺ يشرب مِنْهَا، وَولي سُفْلَتَهُ عَلّي، وَالْفضل محتضنه، وَالْعَبَّاس يصب المَاء، فَجعل الْفضل يَقُول: أرحني قطعت (وتيني) ، إِنِّي لأجد شَيْئا يترطل عليَّ» .
стр. 2707
الحَدِيث الْحَادِي عشر
عَن عَلّي ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لَا تبرز فخذك، وَلَا تنظر إِلَى فَخذ حيٍّ وَلَا ميت» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي شُرُوط الصَّلَاة؛ فَليُرَاجع مِنْهُ.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
أنَّه ﷺ قَالَ للواتي غسلن ابْنَته: «ابدأن (بميامنها) ومواضع الْوضُوء مِنْهَا» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث أم عَطِيَّة الْأَنْصَارِيَّة ﵂ بِلَفْظ: «ابدأن بميامنها ومواضع الْوضُوء مِنْهَا. وَهَذِه الْبِنْت هِيَ زَيْنَب ﵂» كَذَا جَاءَت مُسَمَّاة فِي رِوَايَة لمُسلم. وَوَقع فِي «سنَن أبي دَاوُد» أَنَّهَا أم كُلْثُوم، فِي حَدِيث لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ، وَفِيه نظر أَيْضا، نبه عَلَيْهِ الْمُنْذِرِيّ؛ فَإِن أم كُلْثُوم توفيت وَرَسُول الله ﷺ ببدر. وَأم عَطِيَّة اسْمهَا نسيبة - بِضَم النُّون وَفتحهَا.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «افعلوا بميتكم مَا تَفْعَلُونَ بعروسكم» .
стр. 2708
هَذَا الحَدِيث غَرِيب، لَا أعلم من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ، وَذكره الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» بِلَفْظ آخر: «افعلوا بموتاكم مَا تَفْعَلُونَ بأحيائكم» وَلَا يحضرني من خرج الآخر، وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى «الْوَسِيط» : بحثت عَنهُ فَلم أَجِدهُ ثَابتا. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو شامة الْمَقْدِسِي فِي كتاب «السِّوَاك» : (وَمَا) يتَعَلَّق بِهِ هَذَا الحَدِيث مَذْكُور فِي كثير من كتب الْفِقْه، وَهُوَ غير مَعْرُوف.
قلت: بل فِي «الْبَيْهَقِيّ» تَعْلِيقا أَنه رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: «علام تنصون ميتكم؟» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: أَي: تسرحون شعره. قَالَ: وَكَأَنَّهَا كرهت ذَلِك إِذا سرحه بِمشْط ضيق الْأَسْنَان.
الحَدِيث الرَّابِع عشر
«أنَّه ﷺ أَمر غاسلات ابْنَته أَن يبدأن بميامنها» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، كَمَا سلف قَرِيبا.
الحَدِيث الْخَامِس عشر
«أنَّه ﷺ قَالَ لغاسلات ابْنَته: اغسلها ثَلَاثًا اَوْ خمْسا أَو سبعا» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته أَيْضا من حَدِيث أم عَطِيَّة الْأَنْصَارِيَّة قَالَت: «دخل علينا النَّبِي ﷺ وَنحن نغسل ابْنَته، فَقَالَ:
стр. 2709
اغسلنها ثَلَاثًا أَو خمْسا أَو أَكثر من ذَلِك، بِمَاء وَسدر، (واجعلن) فِي الْآخِرَة كافورًا (أَو شَيْئا من كافور) فَإِذا فرغتن فآذنني. فَلَمَّا فَرغْنَا آذناه، فَألْقَى إِلَيْنَا حقوه فَقَالَ: أشعرنها (إِيَّاه) (قَالَت: ومشطناها ثَلَاثَة قُرُون» وَفِي رِوَايَة لَهَا: «اغسلنها وترا ثَلَاثًا أَو خمْسا أَو سبعا أَو أَكثر من ذَلِك إِن رأيتن ذَلِك» وَفِي رِوَايَة: «فضفرنا شعرهَا) ثَلَاثَة أَثلَاث: قرنيها وناصيتها» . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: «وألقيناها خلفهَا» ، وَفِي رِوَايَة للشَّافِعِيّ بِإِسْنَاد عَلَى شَرطهمَا: «ومشطناها ثَلَاثَة قُرُون» . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان فِي «صَحِيحه» : «و (اجعلن) لَهَا ثَلَاثَة قُرُون» . وَهَذِه الرِّوَايَة وَالَّتِي قبلهَا ترد قَول القَاضِي عِيَاض وَمن (مَعَه) أَن ذَلِك من فعل أم عَطِيَّة، وَترْجم عَلَيْهِ ابْن حبَان ذكر الْبَيَان بِأَن أم عَطِيَّة إِنَّمَا مشطت قرنها بِأَمْر الْمُصْطَفَى (لَا من تِلْقَاء نَفسهَا.
فَائِدَة: مَعْنَى «إِن رأيتن ذَلِك» : إِن احتجتن للزِّيَادَة.
والحقو - بِفَتْح الْحَاء وَكسرهَا - الْإِزَار. قَالَه الْخطابِيّ. قَالَ الْهَرَوِيّ: الأَصْل فِي الحقو: معقد الْإِزَار، ثمَّ قيل للإزار: حقو؛ لِأَنَّهُ يشد عَلَى الحقو.
стр. 2710
ومعني «أشعرنها إِيَّاه» : اجعلنه مِمَّا يَلِي جَسدهَا.
(الحَدِيث السَّادِس عشر
«أنَّه ﷺ قَالَ لأم عَطِيَّة - وَكَانَت من غاسلات ابْنَته -: واجعلن فِي الْأَخِيرَة كافورًا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سقناه أَيْضا بِلَفْظِهِ) .
الحَدِيث (السَّابِع) عشر
(رُوِيَ) أنَّه ﷺ قَالَ لعَائِشَة: «لَو مت قبلي لغسلتك وكفنتك» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة: أَحْمد، والدارمي، وَابْن مَاجَه، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ، من رِوَايَة عَائِشَة ﵂ قَالَت: «رَجَعَ رَسُول الله ﷺ من البقيع، وَأَنا أجد صداعًا فِي رَأْسِي وَأَقُول: وارأساه! فَقَالَ: بل أَنا يَا عَائِشَة وارأساه. ثمَّ قَالَ: مَا ضرك لَو مت قبلي فَقُمْت عَلَيْك فغسلتك وكفنتك، وَصليت عَلَيْك ودفنتك. قلت: لكَأَنِّي بك وَالله لَو فعلت ذَلِك، لقد رجعت إِلَى بَيْتِي فأعرست فِيهِ بِبَعْض نِسَائِك. فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ بَدَأَ فِي وَجَعه الَّذِي مَاتَ فِيهِ» . وَفِي سَنَده عنعنة
стр. 2711
ابْن إِسْحَاق، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» فِي بَاب تَحْرِيم قَتْل مَا لَهُ روح: الْحفاظ يتوقون مَا ينْفَرد بِهِ.
قلت: وَأما ابْن حبَان فَإِنَّهُ أخرجه فِي «صَحِيحه» بعنعنته عَلَى عَادَته فِي الِاحْتِجَاج بِهِ مُطلقًا، وَذكره فِي «ثقاته» ، وَلم ينْفَرد بِهِ ابْن إِسْحَاق، بل تَابعه عَلَيْهِ صَالح بن كيسَان، كَمَا أخرجه الإِمَام أَحْمد وَالنَّسَائِيّ فِي «سنَنه الْكُبْرَى» فِي رِوَايَة حَمْزَة فِي بَاب: بَدْء علته ﵇، قبل الْأَيْمَان وَالنُّذُور، وَلَفظه فِيهَا: «فهيأتك، ودفنتك ... » الحَدِيث. وَصَالح هَذَا هُوَ الإِمَام الثِّقَة من غير ريب، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» : لم يقل: «غسلتك» إِلَّا ابْن إِسْحَاق، ثمَّ أجَاب عَمَّن طعن فِيهِ. وَرَوَاهُ البُخَارِيّ بِلَفْظ: «قلت: وارأساه. فَقَالَ: ذَلِك لَو كَانَ وَأَنا حَيّ؛ فأستغفر لَك وأدعو لَك» .
стр. 2712
تَنْبِيهَانِ:
أَحدهمَا: وَقع فِي «الرَّافِعِيّ» و «الْمُهَذّب» : «لغسلتك» بِاللَّامِ، وَالَّذِي فِي كتب الحَدِيث بِالْفَاءِ.
ثَانِيهمَا: «البقيع» بِالْبَاء (الْمُوَحدَة) فِي أَوله، وَهُوَ بَقِيع الْغَرْقَد: مدفن أهل الْمَدِينَة. و «مت» : بِضَم الْمِيم وَكسرهَا.
الحَدِيث الثَّامِن عشر
«أَن رجلا كَانَ مَعَ النَّبِي ﷺ ، فوقصته نَاقَته وَهُوَ محرم فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : اغسلوه بِمَاء وَسدر، وكفنوه فِي ثوبيه، وَلَا تمسوه بِطيب، وَلَا تخمروا رَأسه، فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيًا» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: «بَيْنَمَا رجل وَاقِف مَعَ رَسُول الله ﷺ بِعَرَفَة، إِذْ وَقع من رَاحِلَته، فأقصعته - أَو قَالَ: فأوقصته - فَقَالَ النَّبِي ﷺ : اغسلوه بِمَاء وَسدر، وكفنوه فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تحنطوه، وَلَا تخمروا رَأسه؛ فَإِن الله يَبْعَثهُ يَوْم الْقِيَامَة ملبيًا» . وَفِي لفظ لَهما: «ملبدًا» وَفِي لفظ لَهما: «وَلَا تمسُّوه طيبا» وَفِي لفظ لَهما: «وكفنوه فِي ثوبيه» وَفِي
стр. 2713
لفظ لمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان: «وَلَا تخمروا وَجهه وَلَا رَأسه» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ذكر الْوَجْه وهم من بعض رُوَاته فِي الْإِسْنَاد، والمتن [جَمِيعًا و] الصَّحِيح: «لَا تغطوا رَأسه» . كَذَا أخرجه البُخَارِيّ، وَذكر الْوَجْه فِيهِ غَرِيب. وللنسائي: «اغسلوا الْمحرم فِي ثوبيه اللَّذين أحرم فيهمَا، واغسلوه (فيهمَا) بِمَاء وَسدر، وكفنوه فِي ثوبيه، وَلَا تمسوه بِطيب، وَلَا تخمروا رَأسه؛ فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيًا» .
الحَدِيث التَّاسِع عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «خير ثيابكم الْبيَاض، فاكسوها أحياءكم، وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم» .
هَذَا الحَدِيث سلف الْكَلَام عَلَيْهِ فِي كتاب الْجُمُعَة وَاضحا.
الحَدِيث الْعشْرُونَ
«أنَّه ﷺ كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب سحُولِيَّة من كُرْسُف بيض، لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة» .
стр. 2714
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة ﵂ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، زَاد مُسلم: «أما الْحلَّة فَإِنَّمَا يشْتَبه عَلَى النَّاس فِيهَا، إِنَّمَا اشْتريت لَهُ ليكفن فِيهَا، فَتركت وكفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة، فَأَخذهَا عبد الله بن أبي بكر فَقَالَ: لأحبسنها حَتَّى أكفن فِيهَا نَفسِي ثمَّ قَالَ: وَالله لَو رضيها الله لنَبيه ﷺ لكفنه فِيهَا فَبَاعَهَا وَتصدق بِثمنِهَا» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «أدرج رَسُول الله ﷺ فِي حلَّة يَمَانِية كَانَت لعبد الله بن أبي بكر، ثمَّ نزعت عَنهُ وكفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب سحُولِيَّة يَمَانِية لَيْسَ فِيهَا عِمَامَة وَلَا قَمِيص» . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : وَفِي رِوَايَة لَيست بمحفوظة فِي هَذَا الحَدِيث: «وَنصب عَلَيْهِ اللَّبن» . وَاعْلَم أَنه ورد فِي كفن رَسُول الله ﷺ رِوَايَات مُخْتَلفَة وَهَذِه أَصَحهَا:
فَمِنْهَا: عَن عَائِشَة: «كفن ﵇ فِي ثَلَاثَة أَثوَاب، أَحدهَا برد أَحْمَر» . وَهُوَ مُخَالف لما فِي «الصَّحِيح» كَمَا سقناه آنِفا، مَعَ أَن فِي سَنَده عبد الله بن بشر (بن نَبهَان) الرقي، وَقد اخْتلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ، قَالَ الدَّارمِيّ: لَيْسَ بِذَاكَ. وَوَثَّقَهُ ابْن معِين، وَذكره ابْن حبَان فِي «الضُّعَفَاء» و «الثِّقَات» ، وَقَالَ ابْن عدي: أَحَادِيثه عِنْدِي مُسْتَقِيمَة. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: لَا بَأْس بِهِ.
стр. 2715
وَمِنْهَا: عَن أبي هُرَيْرَة: «أَنه ﵇ لما كفن (زر) عَلَيْهِ (قَمِيصه) » . وَهُوَ حَدِيث مُنكر؛ رَوَاهُ أَحْمد بن عبيد بن نَاصح، عَن الْأَصْمَعِي، عَن مُحَمَّد بن عون عَنهُ بِهِ، وَأحمد هَذَا لَيْسَ بِحجَّة، والأصمعي فِيهِ مقَال، قَالَ (أَبُو) دَاوُد: صَدُوق. وَقَالَ ابْن معِين: لم يكن مِمَّن يكذب. وَقَالَ الْأَزْدِيّ: ضَعِيف. وسَاق لَهُ هَذَا الحَدِيث.
وَمِنْهَا: عَن ابْن عَبَّاس: «أَنه ﵇ كفن فِي قطيفة حَمْرَاء» . وَهُوَ بَاطِل، رَوَاهُ ابْن عدي، وَكَأن الرَّاوِي تصحف عَلَيْهِ «دُفن» ب «كُفِّن» ، وَفِي سَنَده مُحَمَّد بن مُصعب القرقساني، وَهُوَ مُخْتَلف فِي ضعفه، وقبِلَهُ الإِمَام أَحْمد.
وَمِنْهَا: عَن (أبي) إِسْحَاق قَالَ: « (سَأَلت) آل مُحَمَّد وَفِيهِمْ ابْن نَوْفَل: فِي أَي شَيْء كفن رَسُول الله ﷺ ؟ فَقَالُوا: فِي حلَّة حَمْرَاء، لَيْسَ فِيهَا قَمِيص، وَجعل تَحت لحده سحق قطيفة كَانَت لَهُم» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» عَن مُحَمَّد بن عبد الله (الْحَضْرَمِيّ) ،
стр. 2716
نَا أَبُو كريب، نَا يَحْيَى بن آدم، عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة، عَن أبي إِسْحَاق بِهِ، وَهَذَا إِسْنَاد جيد. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث عبيد الله بن مُوسَى، ثَنَا إِسْرَائِيل، عَن أبي إِسْحَاق قَالَ: «أتيت (حَلقَة) بني عبد الْمطلب فَسَأَلت أَشْيَاخهم: فِي كم كفن رَسُول الله ﷺ ؟ قَالُوا: فِي ثَوْبَيْنِ أحمرين، لَيْسَ فيهمَا قَمِيص» . وَهَذَا الْإِسْنَاد جيد أَيْضا، لَكِن عبيد الله بن مُوسَى الْعَبْسِي كرهه بعض الْحفاظ لفرْط تشيعه، وَإِسْرَائِيل وَثَّقَهُ أَحْمد وَالنَّاس، لَكِن ضعفه ابْن الْمَدِينِيّ، وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة: فِي حَدِيثه لين.
وَمِنْهَا: عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «كفن رَسُول الله ﷺ فِي ثَلَاثَة أَثوَاب نجرانية: الْحلَّة، وقميصه الَّذِي مَاتَ فِيهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه كَذَلِك، وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ: «كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب: فِي قَمِيصه الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وحلة نجرانية. الْحلَّة ثَوْبَان» . وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف؛ لأجل يزِيد بن (أبي) زِيَاد الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده فَإِنَّهُ تفرد بِهِ، وَلَا يحْتَج بِهِ لضَعْفه، لَا سِيمَا وَقد خَالف رِوَايَة الثِّقَات فِيهَا وَحَدِيث عَائِشَة الَّتِي نفت
стр. 2717
الْقَمِيص عَنهُ، وَلَو صَحَّ فتأويله مَا سلف عَن عَائِشَة أَنَّهَا (اشترت) الْحلَّة (لَهُ) فَلم يُكفن فِيهَا، قَالَ ابْن أبي صفرَة: قَول عَائِشَة: «لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة» يدل عَلَى أَن الْقَمِيص الَّذِي غسل فِيهِ النَّبِي ﷺ نزع عَنهُ حِين كفن؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا قيل: «لَا تنزعوا الْقَمِيص» - أَي: فِي حَدِيث بُرَيْدَة السالف فِي الحَدِيث الْعَاشِر - (ليستره) وَلَا يكْشف جسده، فَلَمَّا ستر بالكفن استغني عَن الْقَمِيص، وَلَو لم ينْزع الْقَمِيص حِين كفن لخرج عَن حد الْوتر الَّذِي أَمر بِهِ ﵇، إشعارًا للتوحيد، وَكَانَت تكون أَرْبَعَة بِالثَّوْبِ المبلول، ويستبشع أَن يُكفن عَلَى قَمِيص مبلول. وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلِأَن فِيهِ إفسادًا للأكفان. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : هَذَا الحَدِيث لَا يَصح لأمور: مِنْهَا: ضعف يزِيد. وَمِنْهَا: أَن عَائِشَة أعلم بذلك.
وَمِنْهَا: أَنَّهَا قد أخْبرت عَن سَبَب اشْتِبَاه ذَلِك - كَمَا تقدم - قَالَ الْحَاكِم: وَكَيف يجوز أَن يَصح مثل هَذَا الحَدِيث وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار عَن عليٍّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَجَابِر وَعبد الله بن مُغفل وَعَائِشَة ﵃ فِي تكفين النَّبِي ﷺ فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة.
وَمِنْهَا: عَن ابْن عَبَّاس: «أَنه ﵇ كفن فِي ثَوْبَيْنِ أبيضين، وَفِي برد أَحْمَر» . رَوَاهُ أَحْمد عَن الْحجَّاج، حَدثنِي الحكم، عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ، وَالْحجاج هُوَ ابْن أَرْطَاة، وَقد سلف حَاله، وَالْحكم لم يسمع من مقسم إِلَّا أَرْبَعَة أَحَادِيث.
стр. 2718
وَمِنْهَا: عَن الْفضل بن عَبَّاس: «أَنه ﵇ كفن فِي ثَوْبَيْنِ سَحُولِيَّيْنِ» . رَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث يَعْقُوب بن عَطاء، عَن أَبِيه، عَن ابْن عَبَّاس، (عَن الْفضل بن عَبَّاس) وَيَعْقُوب هَذَا ضَعَّفُوهُ.
وَمِنْهَا: عَن أبي هُرَيْرَة: «أَنه ﵇ كفن فِي ثوب نجراني و (ريطتين) » . رَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» .
وَمِنْهَا: عَن عليٍّ: «أَنه ﵇ كفن فِي سَبْعَة أَثوَاب» . رَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة، عَن ابْن عقيل، عَن مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة، عَن عليٍّ بِهِ، ثمَّ قَالَ: لَا نعلم أحدا تَابع ابْن عقيل عَلَى رِوَايَته هَذِه، وَلَا (نعلم أحدا) رَوَاهُ عَن ابْن عقيل بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَّا حَمَّاد، وَأعله ابْن طَاهِر فِي «تَذكرته» بِابْن عقيل، وَهُوَ حَدِيث مُنكر، وَإِن أخرجه أَحْمد فِي «مُسْنده» وَلما أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة وَصَححهُ، قَالَ: قد رُوِيَ فِي كفن رَسُول الله ﷺ رِوَايَات مُخْتَلفَة، وَحَدِيث عَائِشَة أصح الْأَحَادِيث الَّتِي رويت فِي كَفنه (.
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين
«أَن مُصعب بن عُمَيْر ﵁ قتل يَوْم أحد، فَلم يخلف إِلَّا نمرة، فَكَانَ
стр. 2719
إِذا غطي بهَا رَأسه بَدَت رِجْلَاهُ، وَإِذا غطي بهَا رِجْلَاهُ بدا رَأسه، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : غطوا بهَا رَأسه وَاجْعَلُوا عَلَى رجلَيْهِ من الْإِذْخر» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث خباب بن الْأَرَت ﵁ قَالَ: «هاجرنا مَعَ رَسُول الله ﷺ نلتمس وَجه الله فَوَقع أجرنا عَلَى الله؛ فمنا من مَاتَ لم يَأْكُل من أجره شَيْئا، مِنْهُم مُصعب بن عُمَيْر قتل يَوْم أحد، فَلم نجد مَا نكفنه بِهِ إِلَّا بردة، إِذا غطينا بهَا رَأسه خرجت رِجْلَاهُ، وَإِذا غطينا بهَا رجلَيْهِ خرج رَأسه، فَأمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نغطي رَأسه ونجعل عَلَى رجلَيْهِ من الْإِذْخر» . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «فَلم يُوجد لَهُ شَيْء يُكفن فِيهِ إِلَّا نمرة ... » وَالْبَاقِي مثله.
فَائِدَة: الْإِذْخر - بِكَسْر الْهمزَة وَالْخَاء -: نبت طيب الرَّائِحَة. والنَّمِرة - بِفَتْح النُّون وَكسر الْمِيم -: ضرب من الأكسية، وَقيل: شملة مخططة من صوف، وَقيل: فِيهَا أَمْثَال الْأَهِلّة.
وَمصْعَب بن عُمَيْر من فضلاء الصَّحَابَة والسابقين إِلَى الْإِسْلَام. وَيَوْم أحد كَانَ فِي شَوَّال سنة ثَلَاث، قَالَ النَّوَوِيّ فِي «الرَّوْضَة» : وَكَانَت يَوْم السبت (سَابِع شَوَّال. وَخَالف فِي «التَّهْذِيب» و «شرح الْمُهَذّب» فَقَالَ: كَانَت يَوْم السبت) لإحدى عشرَة خلت مِنْهُ،
стр. 2720
وسنتعرض لذَلِك فِي كتاب السّير؛ حَيْثُ تعرض الرَّافِعِيّ لَهُ - (إِن شَاءَ الله) .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا تغَالوا فِي الْكَفَن؛ فَإِنَّهُ يسلب سلبًا سَرِيعا» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن عليٍّ ﵁ بِهِ سَوَاء، وَلم يُضعفهُ، وَسَمَاع (الشّعبِيّ من عليٍّ مُخْتَلف فِيهِ، وَفِيه مَعَ ذَلِك عَمْرو بن هَاشم الْجَنبي وَثَّقَهُ) ابْن معِين وَغَيره، وَضَعفه مُسلم، ووهاه ابْن حبَان، وَقَالَ خَ: فِيهِ نظر عَن أبي إِسْحَاق. وَقَالَ أَحْمد: هُوَ صَدُوق، لكنه لم يكن صَاحب حَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: لين الحَدِيث، يكْتب حَدِيثه. وَأما ابْن الْقطَّان وَالْمُنْذِرِي وَالنَّوَوِيّ فَإِنَّهُم قَالُوا: إِنَّه حَدِيث حسن. وَجزم عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» بِأَن الشّعبِيّ رَأَى عليًّا، وَتعقبه ابْن الْقطَّان فَقَالَ: فِيهِ نظر، وَقد قيل للدارقطني: سمع الشّعبِيّ من عليٍّ؟ قَالَ: سمع مِنْهُ حرفا، مَا سمع مِنْهُ غير هَذَا. ثمَّ بسط الْكَلَام فِي ذَلِك، وَقَالَ فِي آخِره: إِن سَمَاعه مِنْهُ مُخْتَلف فِيهِ. وَجزم
стр. 2721
الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب بِسَمَاعِهِ مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَأَبُو أَحْمد الْكَرَابِيسِي: (رَآهُ) .
فَائِدَة: تغَالوا: بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة، وَرَأَيْت بِخَط بَعضهم أَنه بإهمالها أَيْضا. وَقَوله ﷺ : « (فَإِنَّهُ) يسلب سلبًا سَرِيعا» أَي: ينْزع عَنهُ، فيبدل مِنْهُ، إِمَّا خيرا (مِنْهُ) إِن كَانَ من أهل الْخَيْر، (وَإِمَّا) شرًّا إِن كَانَ من أهل الشَّرّ، أَو لِأَنَّهَا تتمزق من الْمهل والصديد. قَالَه صَاحب «المستعذب عَلَى الْمُهَذّب» .
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين
«أَن أم عَطِيَّة ﵂ لما غسلت أم كُلْثُوم بنت رَسُول الله ﷺ كَانَ رَسُول الله ﷺ جَالِسا عَلَى الْبَاب؛ فناولها إزارًا وَدِرْعًا وخمارًا وثوبين» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَهُوَ فِي «مُسْنده» عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن ابْن إِسْحَاق قَالَ: حَدثنِي نوح بن حَكِيم الثَّقَفِيّ، وَكَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ
стр. 2722
عَن رجل من بني عُرْوَة بن مَسْعُود (يُقَال) لَهُ: دَاوُد - قد وَلدته أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان زوج النَّبِي ﷺ عَن لَيْلَى بنت قانف - بنُون ثمَّ فَاء - الثقفية الصحابية ﵂ قَالَت: «كنت فِيمَن غسل أم كُلْثُوم بنت النَّبِي ﷺ ، (وَكَانَ) أول مَا أَعْطَانَا رَسُول الله ﷺ الحقا، ثمَّ الدرْع، ثمَّ الْخمار، ثمَّ الملحفة، ثمَّ أدرجت بعد فِي الثَّوْب الآخر، وَرَسُول الله ﷺ جَالس عِنْد الْبَاب مَعَه كفنها، يناولنا ثوبا ثوبا» . لم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد، فَهُوَ صَالح للاحتجاج بِهِ عِنْده، وَأما ابْن الْقطَّان: فَإِنَّهُ أعله بِأَن قَالَ: ابْن إِسْحَاق (لَا) يُقَال لما يرويهِ: حسن إِذا لم يكن لما يرويهِ عِلّة غَيره، فَأَما هَذَا فَإِن نوح بن حَكِيم؛ رجل مَجْهُول الْحَال، وَلم تثبت عَدَالَته بِكَوْنِهِ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ، فَمَا كل قَارِئ مرضِي، وَأما هَذَا الرجل الثَّقَفِيّ الَّذِي يُقَال لَهُ «دَاوُد» (فنحدس فِيهِ حدس) لَا يقطع النزاع، وَلَا يدْخلهُ فِي بَاب من يقبل حَدِيثه، وَذَلِكَ أَن هُنَاكَ دَاوُد بن أبي عَاصِم بن عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ، وَهُوَ رجل مَعْرُوف، يروي عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وجماعات، وهومكي ثِقَة. قَالَه أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ، وَلَا نجزم القَوْل بِأَنَّهُ هُوَ، وَمُوجب التَّوَقُّف فِي (ذَلِك هُوَ أَنه) الَّذِي وصف فِي الْإِسْنَاد بِأَنَّهُ
стр. 2723
قد وَلدته أم حَبِيبَة، وَأم حَبِيبَة ﵂ إِنَّمَا كَانَت لَهَا بنت وَاحِدَة قدمت بهَا من أَرض الْحَبَشَة، كَانَت ولدتها من زَوجهَا عبيد الله بن جحش، وَاسم هَذِه الْبِنْت حَبِيبَة، فَلَو كَانَ زوج حَبِيبَة هَذِه هُوَ عَاصِم بن عُرْوَة بن مَسْعُود أمكن أَن يُقَال: إِن «دَاوُد» الْمَذْكُور ابْنه مِنْهَا، فَهُوَ حفيد لأم حَبِيبَة، وَهَذَا لَا نقل بِهِ، وَلَا (تحقق) لَهُ، بل الْمَنْقُول خِلَافه، وَهُوَ أَن زوج حَبِيبَة هَذِه دَاوُد بن عُرْوَة بن مَسْعُود، كَذَا قَالَ أَبُو عَلّي بن السكن وَغَيره، فداود الَّذِي لأم حَبِيبَة عَلَيْهِ ولادَة لَيْسَ دَاوُد بن أبي عَاصِم بن عُرْوَة بن مَسْعُود، إِذْ لَيْسَ أَبُو عَاصِم زوجا لحبيبة، وَلَا هُوَ بِدَاوُد بن عُرْوَة بن مَسْعُود، (الَّذِي هُوَ) زوج حَبِيبَة؛ فَإِنَّهُ لَا ولادَة لأم حَبِيبَة عَلَيْهِ؛ فَالله أعلم من هُوَ، فَالْحَدِيث من أَجله ضَعِيف، هَذَا آخر كَلَامه.
ونوح الَّذِي ادَّعَى جهالته ذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» وَجعل دَاوُد الْمَذْكُور هُوَ ابْن أبي عَاصِم الثِّقَة، وَتَبعهُ الْمزي، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : هَذَا الحَدِيث إِسْنَاده حسن، إِلَّا رجلا وَاحِدًا لَا أتحقق حَاله، وَقد سكت عَنهُ أَبُو دَاوُد فَلم يُضعفهُ، وَالظَّاهِر أَنه أَرَادَ نوح بن (حَكِيم) ، وَقد علمت حَاله، وَجزم فِي «خلاصته» بِأَن إِسْنَاده
стр. 2724
حسن، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي «مُخْتَصر السّنَن» : هَذَا حَدِيث غَرِيب. ثمَّ قَالَ: فِيهِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق، وَفِيه مقَال، وَأكْثر مَا عابوا عَلَيْهِ التَّدْلِيس، وَقد صرح فِي هَذَا الحَدِيث بِالتَّحْدِيثِ، (فيحتج) بِهِ وَيكون حسنا. وَقَالَ ابْن عَسَاكِر أَيْضا فِي «تَخْرِيجه لأحاديث الْمُهَذّب» : هَذَا حَدِيث غَرِيب، لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق.
فَائِدَة: الحقا: بِكَسْر الْحَاء، وَتَخْفِيف الْقَاف، مَقْصُور، كَذَا وَقع فِي الرِّوَايَة، قَالَ الشَّيْخ زكي (الدَّين) : ولعلها تكون لُغَة فِي الحِقْو. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : (الحقا) : يُقَال لَهُ: الحقْو، بِكَسْر الْحَاء وَفتحهَا، وَهُوَ الْإِزَار والمئزر.
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين
رُوِيَ «أنَّه ﷺ حمل جَنَازَة سعد بن معَاذ بَين العمودين» .
هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي ﵀ تَعَالَى - عَن بعض أَصْحَابه، فَقَالَ كَمَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» عَن الرّبيع عَنهُ: قَالَ قَائِل: لَا يحمل بَين العمودين هَذَا عندنَا مستنكر، فَلم يرض أَن جهل مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن (يَنْقُلهُ) ، حَتَّى عَابَ قَول من قَالَ بِفعل هَذَا، قَالَ
стр. 2725
الشَّافِعِي: وَقد رَوَاهُ بعض أَصْحَابنَا عَن النَّبِي ﷺ «أَنه حمل فِي جَنَازَة سعد بن معَاذ بَين العمودين» . وروينا عَن بعض أَصْحَابه (أَنهم فعلوا ذَلِك، وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم: وروينا ثبتًا عَن بعض أَصْحَابه) دون مَا رُوِيَ فِيهِ عَن النَّبِي ﷺ : أَنا إِبْرَاهِيم بن سعد، عَن أَبِيه، عَن جده قَالَ: «رَأَيْت سعد بن أبي وَقاص فِي جَنَازَة عبد الرَّحْمَن بن عَوْف قَائِما بَين العمودين المقدمين، وَاضِعا السرير عَلَى كَاهِله» . وَهَذَا إِسْنَاد عَلَى شَرط (الصَّحِيحَيْنِ) . قَالَ الرَّافِعِيّ: وَنقل حمل الْجِنَازَة أَيْضا عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقد عَرفته من فعل سعد، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي من فعل عُثْمَان، وَأبي هُرَيْرَة، وَابْن الزبير، وَقد ذكرته بأسانيده إِلَيْهِم فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب، فَرَاجعه مِنْهُ، وَرَوَاهُ أَيْضا من فعل [ابْن] عمر، فَقَالَ: أبنا بعض أَصْحَابنَا عَن ابْن جريج، عَن يُوسُف بن مَاهك «أَنه رَأَى ابْن عمر فِي جَنَازَة رَافع - يَعْنِي ابْن خديج - قَائِما بَين قائمتي السرير» . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث هِشَام بن عمار، ثَنَا معن، ثَنَا هَارُون مولَى قُرَيْش قَالَ: «رَأَيْت الْمطلب بَين عمودي سَرِير جَابر بن عبد الله» . قَالَ يَعْقُوب: كَانَ عندنَا خَارِجَة، فَقَالَ هِشَام: جَابر. وَرَوَى أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن مَاهك قَالَ: «شهِدت جَنَازَة رَافع بن خديج، وفيهَا ابْن عمر وَابْن عَبَّاس، فَانْطَلق ابْن عمر حَتَّى أَخذ بِمقدم السرير بَين القائمتين، فَوَضعه عَلَى كَاهِله، ثمَّ مَشَى بهَا» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي
стр. 2726
«الْمعرفَة» : وَرَوَى الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم حَدِيث ابْن عمر عَن حَمَّاد بن مدرك، عَن ابْن جريج. وَيذكر عَن يَحْيَى بن عبد الله «أَن أُسيد بن حضير مَاتَ، ويكنى أَبَا يَحْيَى، وَحمله عمر بَين عمودي السرير حَتَّى وَضعه» .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين
عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: «إِذا تبع أحدكُم الْجِنَازَة فليأخذ بجوانب (السرير) الْأَرْبَعَة ثمَّ ليتطوع بعد أَو ليذر؛ فَإِنَّهُ من السّنة» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي «مُسْنده» ، وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» من رِوَايَة أبي عُبَيْدَة بن عبد الله بن مَسْعُود، عَن أَبِيه قَالَ: «من اتبع جَنَازَة فليحمل بجوانب السرير كلهَا؛ فَإِنَّهُ من السّنة، ثمَّ إِن شَاءَ فليتطوع، وَإِن شَاءَ فَليدع» . وَهَذَا لفظ ابْن مَاجَه، وَلَفظ (الْأَوَّلين) مَا سلف، وَلم يُضعفهُ الْبَيْهَقِيّ، وَهُوَ مُنْقَطع؛ لِأَن أَبَا عُبَيْدَة لم يدْرك أَبَاهُ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : هَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْدِي، قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث اخْتلف فِي إِسْنَاده؛ فَقيل: عَن
стр. 2727
عبيد بن نسطاس، عَن أبي عُبَيْدَة، رَوَاهُ كَذَلِك مَنْصُور، وحدَّث بِهِ عَنهُ جمَاعَة. وَخَالفهُم أَبُو حنيفَة ﵀ تَعَالَى - فَرَوَاهُ عَن مَنْصُور وَوهم فِي إِسْنَاده، جعله عَن سَالم بن أبي الْجَعْد، عَن عبيد بن نسطاس، عَن ابْن مَسْعُود، وَأسْقط أَبَا عُبَيْدَة، وَالصَّحِيح: عَن مَنْصُور عَن عبيد بِهِ. وَقيل: عَن مَنْصُور، عَن قيس بن السكن، عَن أبي عُبَيْدَة، عَن أَبِيه. وَرَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن عبد الرَّحْمَن بن عبيد بن نسطاس، عَن أَبِيه، عَن أبي عُبَيْدَة، عَن أَبِيه. قلت: وَفِي «مُصَنف بن أبي شيبَة» : (ثَنَا يَحْيَى بن سعيد، عَن ثَوْر، عَن عَامر بن جشيب وَغَيره من أهل الشَّام) قَالُوا: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء: «من تَمام أجر الْجِنَازَة أَن يشيعها من أَهلهَا، وَأَن يحمل بأركانها الْأَرْبَعَة، وَأَن يحثو فِي الْقَبْر» وَهَذَا إِسْنَاد جيد. وَقد جَاءَ فِي فضل من حمل السرير عَلَى هَذِه الْحَالة حَدِيث ثَوْبَان الْمَرْفُوع: «من اتبع جَنَازَة فَأخذ بجوانب السرير الْأَرْبَع غفر لَهُ أَرْبَعُونَ ذَنبا كلهَا من الْكَبَائِر» . وَحَدِيث أنس الْمَرْفُوع: «من حمل قَوَائِم السرير الْأَرْبَع إِيمَانًا واحتسابًا (حط) الله عَنهُ أَرْبَعِينَ كَبِيرَة» . وَلَا يصحان، فِي الأول سوار بن مُصعب الْهَمدَانِي الْمَتْرُوك، وَفِي الثَّانِي: عَلّي بن أبي سارة الشَّيْبَانِيّ؛ وَهُوَ مَتْرُوك أَيْضا؛ لَا جرم ذكرهمَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» .
стр. 2728
الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين
عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: «رَأَيْت النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر وَعمر يَمْشُونَ أَمَام الْجِنَازَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الْأَئِمَّة: أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي «سُنَنهمْ» وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» من رِوَايَة الزُّهْرِيّ، عَن سَالم عَن أَبِيه بِهِ. وَفِي رِوَايَة للشَّافِعِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ زِيَادَة: «وَعُثْمَان» . وَرُوِيَ مُرْسلا عَن الزُّهْرِيّ، قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَأهل الحَدِيث يرَوْنَ أَنه أصح. قَالَه ابْن الْمُبَارك، وَقَالَ النَّسَائِيّ: الصَّوَاب مُرْسل، وَوَصله خطأ. وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة: يَا أَبَا مُحَمَّد، خالفك النَّاس فِي هَذَا الحَدِيث. فَقَالَ سُفْيَان: استيقن الزُّهْرِيّ، حَدثنِي مرَارًا لست أحصيه، سَمِعت من فِيهِ يُعِيدهُ ويبديه
стр. 2729
عَن سَالم، عَن أَبِيه. وَلما رَوَى الطَّبَرَانِيّ: عَن ابْن الإِمَام أَحْمد، عَن أَبِيه، عَن حجاج بن مُحَمَّد، عَن ابْن جريج، عَن زِيَاد بن سعد، عَن الزُّهْرِيّ، حَدثنِي سَالم، عَن ابْن عمر «أَنه كَانَ يمشي بَين يَدي الْجِنَازَة» . وَبِه «كَانَ رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر وَعمر يَمْشُونَ أمامها» (قَالَ عبد الله) قَالَ أبي - يَعْنِي: أَحْمد -: هَذَا الحَدِيث إِنَّمَا هُوَ عَن الزُّهْرِيّ مُرْسل، وَحَدِيث سَالم فِعْلُ ابْن عمر، وَحَدِيث ابْن عُيَيْنَة كَأَنَّهُ وهم. (وَاخْتَارَ الْبَيْهَقِيّ تَرْجِيح الْوَصْل؛ لِأَن الَّذِي وَصله سُفْيَان وَهُوَ ثِقَة حَافظ إِمَام، وَقد أَتَى بِزِيَادَة عَلَى من أرسل، فَوَجَبَ تَقْدِيم قَوْله، وتابع ابْن عُيَيْنَة عَلَى رَفعه ابنُ جريج وَزِيَاد بن سعد وَمَنْصُور وَبكر وَغير وَاحِد) وَاخْتَارَ ذَلِك ابْن حبَان قبله، فَإِنَّهُ أخرجه فِي «صَحِيحه» كَمَا تقدم، ثمَّ قَالَ: ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن سُفْيَان لم يسمع هَذَا الْخَبَر من الزُّهْرِيّ. ثمَّ أخرجه من حَدِيث الْحميدِي، نَا سُفْيَان، نَا الزُّهْرِيّ - غير مرّة أشهد لَك عَلَيْهِ - قَالَ: أَخْبرنِي سَالم، عَن أَبِيه قَالَ: «رَأَيْت النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر وَعمر يَمْشُونَ أَمَام الْجِنَازَة» فَقيل لِسُفْيَان: فِيهِ «وَعُثْمَان» ؟ قَالَ: لَا أحفظه. قيل لَهُ: فَإِن بعض النَّاس لَا يَقُوله إِلَّا عَن سَالم. فَقَالَ: حدّثنَاهُ الزُّهْرِيّ أشهد لَك عَلَيْهِ. وَقيل لَهُ: كَانَ ابْن جريج يَقُوله كَمَا تَقوله وَيزِيد فِيهِ «عُثْمَان» قَالَ سُفْيَان: لم أسمعهُ ذكر «عُثْمَان» .
стр. 2730
ثمَّ قَالَ ابْن حبَان: ذكر الْخَبَر المدحض (قَول) من زعم أَن هَذَا الْخَبَر أَخطَأ فِيهِ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، ثمَّ أخرجه من حَدِيث شُعَيْب بن أبي حَمْزَة، عَن الزُّهْرِيّ، عَن سَالم: «أَن عبد الله بن عمر كَانَ يمشي بَين يَديهَا، وَأَبا بكر وَعمر وَعُثْمَان» . قَالَ الزُّهْرِيّ: وَكَذَلِكَ السّنة. وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» اخْتِلَافا كثيرا فِي هَذَا الحَدِيث. وَمن ذَلِك: رِوَايَة شُعَيْب بن حَمْزَة وَغَيره عَن الزُّهْرِيّ، ثمَّ قَالَ: وَالصَّحِيح عَن الزُّهْرِيّ قَول من قَالَ: عَن سَالم، عَن أَبِيه: «أَنه كَانَ يمشي، وَقد مَشَى رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر وعمرُ» . قَالَ: وَرُوِيَ عَن شريك، عَن خَالِد بن ذُؤَيْب، عَن الزُّهْرِيّ: «رَأَيْت ابْن عمر (يمشي) أَمَام الْجِنَازَة» . قَالَ: وَالزهْرِيّ وَإِن كَانَ لَقِي ابْن عمر فَإِن هَذَا القَوْل وهم؛ لِأَن الْحفاظ رَوَوْهُ عَن الزُّهْرِيّ، عَن سَالم «أَنه رَأَى ابْن عمر ... » وَهُوَ الصَّوَاب. وَرَوَى التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أنس كَحَدِيث ابْن عمر، قَالَ البُخَارِيّ: وَهِي خطأ، ومرسلا أصح. وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ آثارًا كَثِيرَة عَن الصَّحَابَة ﵃ فِي الْمَشْي أمامها، ثمَّ ذكر بَابا فِي الْمَشْي خلفهَا، أَحَادِيث كلهَا ضَعِيفَة، ثمَّ قَالَ: الْآثَار فِي الْمَشْي أمامها أَكثر و (أصح) .
стр. 2731
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين
عَن عليٍّ ﵁ أَنه قَالَ: «قَامَ النَّبِي ﷺ إِلَى الْجِنَازَة حَتَّى تُوضَع، وَقَامَ النَّاس مَعَه، ثمَّ قعد بعد ذَلِك وَأمرهمْ بالقعود» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» بِمَعْنَاهُ، وَهَذَا لَفظه: «قَامَ النَّبِي ﷺ يَعْنِي فِي الْجِنَازَة - ثمَّ قعد» . وَفِي لفظ لَهُ: «قَامَ فقمنا، ثمَّ قعد فَقَعَدْنَا» وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم (بن حبَان) فِي «صَحِيحه» بلفظين: أَحدهمَا: «قَامَ عَلَى الْجَنَائِز حَتَّى تُوضع، (ثمَّ قعد» . وَثَانِيهمَا: «كَانَ يَأْمُرنَا بِالْقيامِ فِي الْجَنَائِز، ثمَّ جلس بعد ذَلِك وأمرنا بِالْجُلُوسِ» . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طرق، فِي بَعْضهَا كَرِوَايَة مُسلم، وَفِي بَعْضهَا كَمَا فِي «الرَّافِعِيّ» بِحُرُوفِهِ: «أَنه ﵇ قَامَ مَعَ الْجِنَازَة حَتَّى تُوضَع) ، وَقَامَ النَّاس مَعَه، ثمَّ قعد، وَأمرهمْ بالقعود» .
وَفِي رِوَايَة لَهُ «أَن عليًّا رَأَى نَاسا قيَاما ينتظرون الْجِنَازَة أَن تُوضَع، فَأَشَارَ إِلَيْهِم بدرة مَعَه أَو سَوط أَن اجلسوا؛ فَإِن رَسُول الله ﷺ قد جلس بَعْدَمَا كَانَ يقوم» وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» وَابْن مَاجَه
стр. 2732
وَالتِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ فِي سَبَب الْقعُود قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ يقوم فِي الْجِنَازَة حَتَّى تُوضَع فِي اللَّحْد، فَمر حبر من الْيَهُود فَقَالَ: هَكَذَا نَفْعل. فَجَلَسَ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ: اجلسوا؛ خالفوهم» . وَإسْنَاد هَذَا ضَعِيف؛ فِيهِ بشر بن رَافع - وَلَيْسَ بِحجَّة - عَن ابْن جُنَادَة، وَفِيه نظر كَمَا قَالَ البُخَارِيّ، وَقَالَ أَيْضا: هَذَا حَدِيث مُنكر، لم يُتَابع عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن حبَان: لَا أَدْرِي البلية من سُلَيْمَان بن جُنَادَة أَو من بشر. وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يحفظ ذكر الحبر إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث. وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد عَن عليٍّ قَالَ: «لم يقم النَّبِي ﷺ إِلَّا مرّة، ثمَّ لم يعد» وإسنادها أَيْضا ضَعِيف، (و) قَالَ الشَّافِعِي ﵀: حَدِيث) عَلّي - (يَعْنِي) الَّذِي رَوَاهُ مُسلم - أصح شَيْء فِي هَذَا الْبَاب، وَهُوَ نَاسخ لحَدِيث عَامر بن ربيعَة وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ، وَغَيرهمَا من الْأَحَادِيث الثَّابِتَة فِي «الصَّحِيحَيْنِ» «أَنه ﵇ أَمر بِالْقيامِ لمن مرت بِهِ جَنَازَة حَتَّى تخلفه أَو تُوضَع، وَأمر من مَعهَا أَن لَا يقْعد عِنْد الْقَبْر حَتَّى تُوضَع» حَتَّى قَالَ سليم الرَّازِيّ والمحاملي وَغَيرهمَا من أَصْحَابنَا: يكره الْقيام لَهَا إِذا لم يُرد الْمَشْي مَعهَا. وَخَالف صَاحب «التَّتِمَّة» فِي ذَلِك وَقَالَ: يسْتَحبّ ذَلِك، وَهُوَ قوي، وَبِه صحت الْأَحَادِيث بِالْأَمر بِالْقيامِ، وَلم يثبت فِي الْقعُود إِلَّا حَدِيث عليٍّ السالف، وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي النّسخ،
стр. 2733
بل لَيْسَ فِيهِ نسخ؛ لِأَنَّهُ يحْتَمل الْقعُود لبَيَان الْجَوَاز، وَهَذَا اخْتَارَهُ من الْمُتَأَخِّرين النَّوَوِيّ، وَمن الْحَنَابِلَة ابْن عقيل. ثمَّ ذكر من حَدِيث عليٍّ وَعبادَة مَا يشْهد لذَلِك، (وَلذَلِك) قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «إِعْلَامه» : حَدِيث (عَلّي) مُحْتَمل النّسخ، إِلَّا أَن قَوْله فِي حَدِيث سَخْبَرَة: «مَا فعل ذَلِك إِلَّا مرّة فَلَمَّا نهي انْتَهَى» صَرِيح فِي النّسخ. قلت: لَكِن فِي سَنَده لَيْث بن (أبي) سليم، وحالته وَكَلَام النَّاس فِيهِ مَعْلُوم سلف.
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين
رُوِيَ «أنَّه ﷺ سُئِلَ عَن الْمَشْي بالجنازة، فَقَالَ: دون الخبب، فَإِن يَك خيرا عجلتموه إِلَيْهِ، وَإِن يَك شرًّا فبعدًا لأهل النَّار، الْجِنَازَة متبوعة، وَلَا تتبع، لَيْسَ (مَعهَا) من (يقدمهَا) » .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن عبد الله التَّمِيمِي عَن أبي ماجدة عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: «سَأَلنَا نَبينَا (عَن الْمَشْي مَعَ الْجِنَازَة، فَقَالَ: مَا دون الخبب، إِن يكن خيرا يُعجَّل إِلَيْهِ، وَإِن يكن غير ذَلِك فبعدًا لأهل النَّار، والجنازة متبوعة وَلَا تتبع، لَيْسَ مَعهَا من يقدمهَا» . هَذَا لفظ أبي دَاوُد، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: «سَأَلنَا رَسُول الله ﷺ عَن الْمَشْي خلف الْجِنَازَة، قَالَ: مَا دون الخبب، فَإِن كَانَ خيرا
стр. 2734
عجلتموه، وَإِن كَانَ شرًّا فَلَا يُبعد إِلَّا أهل النَّار ... » وَالْبَاقِي بِمثلِهِ. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه مُخْتَصرا بِلَفْظ: «الْجِنَازَة متبوعة» . وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث يَحْيَى الجابر أَو الْحَارِث التَّيْمِيّ عَن أبي ماجدة، وَهُوَ حَدِيث واه لأجل (يَحْيَى الجابر) و (أبي ماجدة) ، أما يَحْيَى فضعفوه، مِنْهُم أَحْمد وَيَحْيَى وَالْبُخَارِيّ، قَالَ أَحْمد: لَيْسَ بشيءِ؛ إِنَّمَا يحدث عَن أبي ماجدة، وَذَلِكَ غير مَعْرُوف. وَأما أَبُو ماجد وَيُقَال لَهُ: أَبُو ماجدة أَيْضا، واسْمه عَابِد بن نَضْلَة كَمَا قَالَه أَبُو حَاتِم، وَهُوَ حَنَفِيّ، وَيُقَال: عجلي؛ فمجهول مُنكر الحَدِيث، (قَالَ التِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ: مَجْهُول. زَاد الدَّارَقُطْنِيّ: وَهُوَ مَتْرُوك. وَقَالَ ابْن عدي: مُنكر الحَدِيث) رَوَى عَنهُ يَحْيَى الجابر إِن كَانَ حفظ عَنهُ، سَمِعت ابْن حَمَّاد يَقُوله عَن النَّسَائِيّ. وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد بعد أَن رَوَى هَذَا الحَدِيث فِي «كناه» : أرَى [أَبُو] ماجدة هَذَا غير أبي ماجدة الْحَنَفِيّ الَّذِي حَدِيثه لَيْسَ بالقائم، وَهَذَا قَول آخر فِي الْفرق بَينهمَا، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَسمعت البُخَارِيّ يضعِّفه، قَالَ مُحَمَّد: قَالَ ابْن عُيَيْنَة: قيل ليحيى: مَنْ أَبُو ماجدة؟ قَالَ: طَائِر طَار فحدثنا. وَفِي رِوَايَة عَن يَحْيَى: إِنَّه مُنكر الحَدِيث. قلت: وَفِي «تَارِيخ البُخَارِيّ» هَذِه الْحِكَايَة أَيْضا،
стр. 2735
لكنه قَالَ: «طَارِئ طَرَأَ علينا فحدثنا» بدل مَا ذكره التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان: لَا يعرف حَاله. وَخَالف ابْن حبَان فَذكره فِي «الثِّقَات» من التَّابِعين، وَقَالَ: اسْمه عَلّي بن ماجدة، أَظُنهُ أَنا هُوَ. وَأخرج الْحَاكِم حَدِيثا لأبي ماجدة فِي الْحُدُود (من) «مُسْتَدْركه» وَقَالَ: إِنَّه صَحِيح. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا حَدِيث ضَعِيف؛ يَحْيَى الجابر ضَعِيف، وَأَبُو ماجدة وَقيل: (أَبُو ماجد) مَجْهُول، وَفِيمَا مَضَى كِفَايَة. يُرِيد الحَدِيث الصَّحِيح الْمُتَّفق عَلَيْهِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (أَسْرعُوا بالجنازة، فَإِن تَكُ صَالِحَة فَخير تقدمونها عَلَيْهِ، وَإِن تَكُ سُوَى ذَلِك فشر تضعونه عَن رِقَابكُمْ» . وَسقط للْبُخَارِيّ: «عَلَيْهِ» . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «قربتموها إِلَى الْخَيْر» .
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا اسْتهلّ السقط صلي عَلَيْهِ» .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من حَدِيث جَابر والمغيرة بن شُعْبَة، أما حَدِيث
следующие страницы →