Полный текст (6 131 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
عبد الله بن الْجراح، نَا زَافِر بن سُلَيْمَان، عَن أبي (الْعَلَاء) ، عَن مَيْمُون بن مهْرَان، عَن عبد الله بن عمر قَالَ: «آخر مَا كبر رَسُول الله ﷺ عَلَى (الْجَنَائِز) أَرْبعا» . قَالَ: وثنا أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْآدَمِيّ، نَا أَحْمد بن الْوَلَد الفحام، نَا خُنَيْس بن بكر بن خُنَيْس، ثَنَا الْفُرَات (ابْن) سُلَيْمَان الْجَزرِي، عَن مَيْمُون، عَن عبد الله بن عَبَّاس قَالَ: «آخر مَا كبر رَسُول الله ﷺ عَلَى الْجَنَائِز أَرْبعا (وَهَذَا الْأَخير رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «مُسْتَدْركه» بِلَفْظ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «آخر مَا كبر رَسُول الله ﷺ عَلَى الْجَنَائِز أَرْبعا) وَكبر عمر عَلَى أبي بكر (أَرْبعا) ، وَكبر (عبد الله بن عمر عَلَى) عمر أَرْبعا، وَكبر الْحسن
стр. 2767
بن عَلّي عَلَى عَلّي أَرْبعا، وَكبر الْحُسَيْن بن عَلّي عَلَى الْحسن أَرْبعا، وَكَبرت الْمَلَائِكَة عَلَى آدم صَلَّى الله عَلَيْهِ أَرْبعا» . قَالَ الْحَاكِم: لست مِمَّن يخْفَى عَلَيْهِ أَن فرات بن السَّائِب لَيْسَ من شَرط الْكتاب، وَإِنَّمَا أخرجته شَاهدا لحَدِيث أنس قَالَ: «كَبرت الْمَلَائِكَة عَلَى آدم أَرْبعا، وَكبر أَبُو بكر عَلَى النَّبِي ﷺ أَرْبعا، وَكبر عمر عَلَى أبي بكر أَرْبعا، وَكبر صُهَيْب عَلَى عمر أَرْبعا، وَكبر الْحسن بن عَلّي عَلَى عَلّي أَرْبعا، وَكبر الْحُسَيْن عَلَى الْحسن أَرْبعا» . قَالَ: وَهَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. قَالَ: ولمبارك بن فضَالة - يَعْنِي الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده - من الزّهْد وَالْعلم بِحَيْثُ لَا يجرح مثله، إِلَّا أَن الشَّيْخَيْنِ لم يخرجَاهُ لسوء حفظه. وينجبر بِالشَّاهِدِ السَّابِق، وستعرف كَلَام الْبَيْهَقِيّ فِيهِ قَرِيبا أَيْضا.
وَقَالَ الْخلال فِي «علله» : أَخْبرنِي حَرْب قَالَ: سُئِلَ أَحْمد عَن أبي الْمليح، عَن مَيْمُون، عَن ابْن عَبَّاس «أَن آخر جَنَازَة صَلَّى عَلَيْهَا النَّبِي ﷺ كبر أَرْبعا» . قَالَ أَحْمد: هَذَا كذب، إِنَّمَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن زِيَاد الطَّحَّان، وَكَانَ يضع الحَدِيث. وَقَالَ الْأَثْرَم: رَوَاهُ مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة النَّيْسَابُورِي، عَن أبي الْمليح، عَن مَيْمُون، عَن ابْن عَبَّاس «أَن الْمَلَائِكَة صلت عَلَى آدم، فكبرت عَلَيْهِ أَرْبعا» . قَالَ أَبُو عبد الله: (رَأَيْت لمُحَمد) (هَذَا أَحَادِيث مَوْضُوعَة. فَذكر مِنْهَا) هَذَا الحَدِيث، واستعظمه أَبُو عبد الله وَقَالَ: أَبُو الْمليح كَانَ أصح حَدِيثا وَأَتْقَى لله من أَن يروي مثل هَذَا.
وَأما اتِّفَاق الصَّحَابَة عَلَى ذَلِك فقد قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : بَاب
стр. 2768
مَا يسْتَدلّ بِهِ عَلَى أَن أَكثر الصَّحَابَة اجْتَمعُوا عَلَى أَربع وَرَأَى بَعضهم الزِّيَادَة مَنْسُوخَة. ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرو بن مرّة قَالَ: سَمِعت سعيد بن الْمسيب يحدث عَن عمر قَالَ: كل ذَلِك قد كَانَ، أَرْبعا وخمسًا، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى (أَربع، التَّكْبِير عَلَى الْجِنَازَة) . رَوَاهُ من حَدِيث (أبي الْجَعْد) ، أَنا شُعْبَة، عَن عَمْرو بن مرّة، وَأعله ابْن حزم (بِأبي الْجَعْد) وَقَالَ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقد احْتج بِهِ البُخَارِيّ، ووثق. ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ إِلَى أبي وَائِل قَالَ: «كَانُوا يكبرُونَ عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ خمْسا وَسبعا وستًا، أَو قَالَ: أَرْبعا، فَجمع عمر بن الْخطاب أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَأخْبر كل رجل بِمَا رَأَى، فَجَمعهُمْ (عمر) عَلَى أَربع تَكْبِيرَات، (كأطول) الصَّلَاة» . وَفِي رِوَايَة (عَن [وَكِيع عَن سُفْيَان] «أَرْبعا» مَكَان (سِتا) قَالَ الْبَيْهَقِيّ: يروي) وَكِيع، عَن مسعر، عَن عبد الْملك بن إِيَاس الشَّيْبَانِيّ، عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: «اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله
стр. 2769
(فِي بَيت (أبي) مَسْعُود الْأنْصَارِيّ، فَأَجْمعُوا أَن التَّكْبِير عَلَى الْجِنَازَة أَربع» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَحَدِيث ابْن عَبَّاس «آخر جَنَازَة صَلَّى عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ كبر أَرْبعا» تفرد بِهِ النَّضر بن عبد الرَّحْمَن الخزاز عَن عِكْرِمَة، وَهُوَ ضَعِيف، وَرُوِيَ هَذَا اللَّفْظ من وُجُوه أخر كلهَا ضَعِيفَة، إِلَّا أَن اجْتِمَاع أَكثر الصَّحَابَة عَلَى الْأَرْبَع كالدليل عَلَى ذَلِك، ثمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ إِلَى عَلّي: «أَنه كبر أَرْبعا» وَكَذَلِكَ زيد بن ثَابت ثمَّ بِسَنَدِهِ إِلَى الشّعبِيّ قَالَ: «صَلَّى ابْن عمر عَلَى زيد بن عمر وَأمه أم كُلْثُوم بنت عَلّي، فَجعل [الرجل] مِمَّا يَلِي الإِمَام وَالْمَرْأَة من خَلفه، فَصَلى [عَلَيْهِمَا] أَرْبعا، و (خَلفه) ابْن الْحَنَفِيَّة وَالْحُسَيْن بن عَلّي وَابْن عَبَّاس» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَمِمَّنْ روينَا عَنهُ من الصَّحَابَة أَنه كبر أَرْبعا: عبد الله بن مَسْعُود، والبراء، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَعقبَة بن عَامر. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «الْإِعْلَام» : اعْلَم أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يخْتَلف تكبيره عَلَى الْجِنَازَة، إِلَّا أَن الْأَغْلَب وَالْأَشْهر (أَنه) كَانَ أَربع تَكْبِيرَات، فروَى عَنهُ عمر بن الْخطاب، وسعيدُ بن زيد، وَعبد الله بن عمر، وَجَابِر، وَأنس بن مَالك، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، وَزيد بن أَرقم، وَعَمْرو بن عَوْف، وَيزِيد
стр. 2770
بن ثَابت أَخُو زيد، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَابْن عَبَّاس: «أَنه كَانَ يكبِّر أَرْبعا» وَقد كَانَ أَبُو بكر، وَعمر، (و) عُثْمَان، وَعلي، وَابْن مَسْعُود، وَغَيرهم من كبار الصَّحَابَة يكبرُونَ أَرْبعا.
الحَدِيث (الثَّالِث) بعد الْأَرْبَعين
عَن جَابر ﵁: «أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ فِيهَا - يَعْنِي فِي صَلَاة الْجِنَازَة - بِأم الْقُرْآن» .
هَذَا الحَدِيث تقدم قَرِيبا الْكَلَام عَلَيْهِ، ويغني فِي الدّلَالَة عَنهُ - فَإِن الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهِ عَلَى وجوب قِرَاءَة الْفَاتِحَة فِي صَلَاة الْجِنَازَة - مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» عَن ابْن عَبَّاس ﵁: «أَنه صَلَّى عَلَى جَنَازَة فَقَرَأَ بِفَاتِحَة الْكتاب، وَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّة» . قَوْله: (سنة) هُوَ كَقَوْل الصَّحَابِيّ: «من السّنة كَذَا» وَهُوَ مَرْفُوع عَلَى الْأَصَح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ والمحدثين، وَنقل الْبَيْهَقِيّ الِاتِّفَاق عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة للبيهقي بِإِسْنَاد البُخَارِيّ: «وَقَالَ: إِنَّهَا من السّنة» . وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي: «إِنَّهَا من السّنة، أَو من تَمام السّنة» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَفِي رِوَايَة للشَّافِعِيّ ﵀: «يجْهر بِالْقِرَاءَةِ، وَقَالَ: إِنَّمَا جهرت لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سنة» إسنادها حسن. وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» : «فجهر
стр. 2771
بِالْحَمْد لله، وَقَالَ: إِنَّمَا جهرت لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سنة» يَعْنِي: لِتَعْلَمُوا أَن الْقِرَاءَة مَأْمُور بهَا. وَفِي رِوَايَة لَهُ وَلابْن حبَان: «فَقَالَ: إِنَّه حق وَسنة» . قَالَ الْحَاكِم: إِسْنَاده صَحِيح، وَفِي رِوَايَة للنسائي وَالْبَيْهَقِيّ: «فَقَرَأَ بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ذكر السُّورَة غير مَحْفُوظ. وَرَوَى هَذِه الرِّوَايَة أَيْضا أَبُو يعْلى فِي «مُسْنده» ، وَقَالَ النَّوَوِيّ: إسنادها صَحِيح.
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْأَرْبَعين
أنَّه ﷺ قَالَ: «صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَقد سلف بَيَانه مَرَّات.
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْأَرْبَعين
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاة لمن لم يصل عَلّي» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي بَاب كَيْفيَّة الصَّلَاة، ويُغني عَنهُ فِي الدّلَالَة مَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ، وتلميذه الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَن أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف أَنه أخبرهُ رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ : «أَن السّنة فِي الصَّلَاة عَلَى الْجِنَازَة أَن يكبر الإِمَام، ثمَّ يُصَلِّي عَلَى
стр. 2772
النَّبِي ﷺ ، ويخلص الدُّعَاء فِي التَّكْبِيرَات الثَّلَاث، ثمَّ يسلم تَسْلِيمًا خفِيا، وَالسّنة أَن يفعل (مَنْ) وَرَاءه مثل مَا فعل إِمَامه» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَلم يخرجَاهُ، وَلَيْسَ فِي التسليمة الْوَاحِدَة عَلَى الْجِنَازَة أصح مِنْهُ، ثمَّ ذكر لَهُ شَاهدا.
الحَدِيث السَّادِس بعد الْأَرْبَعين
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا صليتم عَلَى الْمَيِّت فأخلصوا لَهُ الدُّعَاء» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد، وَفِيه ابْن إِسْحَاق، وعنعنته، قَالَ النَّوَوِيّ فِي «خلاصته» : فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم، فَلَعَلَّهُ يكون ثَبت عِنْد أبي دَاوُد سَمَاعه مِنْهُ.
قلت: قد ثَبت بِحَمْد الله، وَصَححهُ ابْن حبَان أَيْضا؛ فَإِنَّهُ أخرجه فِي «صَحِيحه» أَولا بالعنعنة، ثمَّ قَالَ: ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن ابْن إِسْحَاق لم يسمع هَذَا الْخَبَر من مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم. ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ...
стр. 2773
فَذكره، وَكَذَا أخرجه الْحَاكِم أَبُو أَحْمد أَيْضا.
الحَدِيث السَّابِع بعد الْأَرْبَعين
عَن عَوْف بن مَالك ﵁ قَالَ: «صَلَّى رَسُول الله ﷺ عَلَى جَنَازَة، فَحفِظت من دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه، وعافه واعف عَنهُ، وَأكْرم نزله ووسع مدخله، واغسله بِالْمَاءِ والثلج وَالْبرد، ونقه من الْخَطَايَا كَمَا نقيت الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس، وأبدله دَارا خيرا من دَاره، وَأهلا خيرا من أَهله، وزوجًا خيرا من زوجه، وَأدْخلهُ الْجنَّة، وأعذه من عَذَاب الْقَبْر وَمن عَذَاب النَّار. حَتَّى تمنيت أَن أكون ذَلِك الْمَيِّت؛ لدعاء رَسُول الله ﷺ (عَلَى ذَلِك) الْمَيِّت» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم بِهَذِهِ الْحُرُوف، وَمِنْه نقلته، وَفِيه زِيَادَة عَلَى مَا فِي الْكتاب، فَإِنَّهُ أسقط مِنْهُ: «وَأدْخلهُ الْجنَّة» وَهِي ثَابِتَة فِي «صَحِيح مُسلم» كَمَا سُقْنَاهَا، وَزَاد مُسلم أَيْضا فِي رِوَايَة لَهُ: «وقِهِ فتْنَة الْقَبْر، وَعَذَاب (الْقَبْر) » . والرافعي ذكر هَذِه الزِّيَادَة، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مُخْتَصرا «أَنه ﵇ صَلَّى عَلَى ميت، ففهمت من صلَاته ﵇: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه، واغسله بالبرد، واغسله كَمَا يغسل الثَّوْب» .
стр. 2774
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْأَرْبَعين
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: «صَلَّى رَسُول الله ﷺ عَلَى جَنَازَة، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر لحينا وميتنا، وصغيرنا وَكَبِيرنَا، ذكرنَا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللَّهُمَّ من أحييته منا فأحيه عَلَى الْإِسْلَام، وَمن توفيته منا فتوفه عَلَى الْإِيمَان» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة من هَذَا الْوَجْه، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور هُوَ لفظ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، وَلَفظ أَحْمد: «كَانَ إِذا صَلَّى عَلَى جَنَازَة قَالَ ... » فَذكره، وَلَفظ أبي دَاوُد كالأولين إِلَّا أَنه قَالَ: «من أحييته منا فأحيه عَلَى الْإِيمَان، وَمن (توفيته) منا فتوفه عَلَى الْإِسْلَام» عكس رِوَايَة الْجُمْهُور، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» زَاد أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي آخِره: «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمنَا أجره وَلَا تضلنا بعده» وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» بِلَفْظ التِّرْمِذِيّ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقد ذكره كَذَلِك الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي آخر «اقتراحه» . قَالَ الْحَاكِم: وَله شَاهد صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم
стр. 2775
.. فَذكره بِإِسْنَادِهِ من رِوَايَة أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن قَالَ: «سَأَلت عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ: كَيفَ كَانَت صَلَاة رَسُول الله ﷺ عَلَى الْمَيِّت؟ قَالَت: كَانَ يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لحينا وميتنا ... » الحَدِيث كَمَا سلف.
قلت: وَشَاهد ثَان من حَدِيث أبي إِبْرَاهِيم الأشْهَلِي عَن أَبِيه مَرْفُوعا، رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي «عمل يَوْم وَلَيْلَة» وَلَفْظهمْ مثل رِوَايَة أبي هُرَيْرَة إِلَى قَوْله: و «أنثانا» .
وَشَاهد ثَالِث من حَدِيث أبي قَتَادَة رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا كَمَا رَوَاهُ الْجُمْهُور عَن أبي هُرَيْرَة. وَشَاهد رَابِع من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَمِعت البُخَارِيّ يَقُول: أصح الرِّوَايَات فِي هَذَا حَدِيث أبي إِبْرَاهِيم الأشْهَلِي عَن أَبِيه قَالَ: وَسَأَلته عَن اسْم أبي إِبْرَاهِيم فَلم يعرفهُ. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: قَالَ أبي: (أَبُو) إِبْرَاهِيم وَأَبوهُ مَجْهُولَانِ. قَالَ: و (قد) توهم بعض النَّاس أَنه عبد الله بن أبي قَتَادَة، وَهُوَ غلط، فَإِن أَبَا قَتَادَة من بني سَلمَة،
стр. 2776
وَأَبُو إِبْرَاهِيم رجل من بني عبد الْأَشْهَل. قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقَالَ البُخَارِيّ: أصح حَدِيث فِي الْبَاب حَدِيث عَوْف بن مَالك ... وَذكره مُخْتَصرا كَمَا تقدم، وَحَكَى الْبَيْهَقِيّ عَن التِّرْمِذِيّ (عَن البُخَارِيّ) أَنه قَالَ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَعَائِشَة وَأبي قَتَادَة فِي هَذَا الْبَاب غير مَحْفُوظ، وَأَصَح شَيْء فِيهِ حَدِيث عَوْف بن مَالك. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» فِي (الْبَاب) عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعَائِشَة وَأبي قَتَادَة وَجَابِر وعَوْف بن مَالك. قَالَ: وَحَدِيث وَالِد أبي إِبْرَاهِيم الأشْهَلِي حَدِيث حسن صَحِيح. (قَالَ: وَرُوِيَ أَيْضا من رِوَايَة أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا) . قَالَ: وَرَوَى عِكْرِمَة بن عمار عَن يَحْيَى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ . قَالَ: وَهَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ، وَعِكْرِمَة (مِمَّن يهم فِي الحَدِيث) وَفِي «علل ابْن أبي حَاتِم» : سَأَلت أبي عَن حَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة السَّابِق، فَقَالَ: هَذَا خطأ، الْحفاظ لَا يَقُولُونَ «أَبُو هُرَيْرَة» إِنَّمَا يَقُولُونَ «أَبُو سَلمَة أَن النَّبِي ﷺ » . وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: لَا يَقُول «أَبُو هُرَيْرَة» وَلَا يوصله
стр. 2777
عَن أبي هُرَيْرَة إِلَّا غير متقن وَالصَّحِيح أَنه مُرْسل.
فصل: وَأما الدُّعَاء الَّذِي ذكره الشَّافِعِي وَهُوَ: «اللَّهُمَّ إِن هَذَا عَبدك وَابْن عَبدك ... » إِلَى آخِره فَلم أره مجموعًا فِي حَدِيث وَاحِد، وَإِنَّمَا التقطه من عدَّة أَحَادِيث، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: الشَّافِعِي أَخذ مَعَاني مَا جمع من الدُّعَاء.
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْأَرْبَعين
أنَّه ﷺ قَالَ: «مَا أدركتم فصلوا وَمَا فاتكم فاقضوا» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي صَلَاة الْجَمَاعَة فَرَاجعه مِنْهُ ثمَّ.
الحَدِيث (الْخَمْسُونَ)
«أنَّه ﷺ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَة جمَاعَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح مَشْهُور متكرر فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، مِنْهَا صلَاته عَلَى النَّجَاشِيّ، كَمَا ستعلمه قَرِيبا، وَمِنْهَا صلَاته عَلَى من لَا دين عَلَيْهِ، كَمَا ستعرفه فِي مَوْضِعه، وَغير ذَلِك.
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْخمسين
«أَن الصَّحَابَة - رضوَان الله عَلَيْهِم - صلوا عَلَى النَّبِي ﷺ فُرَادَى» .
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق:
إِحْدَاهَا: (من) رِوَايَة ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: «لما صُلِي
стр. 2778
عَلَى النَّبِي ﷺ أَدخل الرِّجَال فصلوا عَلَيْهِ بِغَيْر إِمَام أَرْسَالًا حَتَّى فرغوا، ثمَّ أَدخل النِّسَاء فصلين عَلَيْهِ، ثمَّ أَدخل الصّبيان فصلوا عَلَيْهِ، ثمَّ أَدخل العبيد فصلوا عَلَيْهِ أَرْسَالًا، لم يؤمهم عَلَى رَسُول الله ﷺ أحد» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ كَذَلِك فِي «سنَنه» بِنَحْوِهِ من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق، حَدثنِي الْحُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ، وحسين هَذَا تَركه النَّسَائِيّ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه وَلَفظه: «فَلَمَّا فرغوا من جهازه يَوْم الثُّلَاثَاء وضع عَلَى سَرِيره فِي بَيته، ثمَّ دخل النَّاس عَلَى رَسُول الله ﷺ أَرْسَالًا يصلونَ، (حَتَّى إِذا فرغوا (دخل) النِّسَاء) حَتَّى إِذا فرغوا أدخلُوا الصّبيان، وَلم يؤم النَّاس عَلَى رَسُول الله ﷺ أحد ... » ثمَّ سَاق بَقِيَّة الحَدِيث.
(الطَّرِيق الثَّانِي) : من رِوَايَة أبي عسيب «أَنه شهد الصَّلَاة عَلَى رَسُول الله ﷺ ، قَالُوا: كَيفَ نصلي (عَلَيْهِ) ؟ قَالَ: ادخُلُوا أَرْسَالًا. قَالَ: فَكَانُوا يدْخلُونَ من هَذَا الْبَاب فيصلون عَلَيْهِ، ثمَّ يخرجُون من الْبَاب الآخر. قَالَ: فَلَمَّا وضع فِي لحده قَالَ الْمُغيرَة: قد بَقِي من رجلَيْهِ شَيْء أصلحوه. قَالُوا: فَادْخُلْ فأصلحه. فَدخل وَأدْخل يَده فمس قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: أهيلوا عليَّ التُّرَاب. (فأهالوا) عَلَيْهِ حَتَّى بلغ أَنْصَاف سَاقيه، ثمَّ خرج،
стр. 2779
فَكَانَ يَقُول: أَنا أحدثكُم عهدا برَسُول الله ﷺ » . رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» عَن بهز، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن أبي عمرَان الْجونِي، عَن أبي عسيب بِهِ.
(الطَّرِيق الثَّالِث) : من رِوَايَة جَابر بن عبد الله وَابْن عَبَّاس، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الْمُنعم بن إِدْرِيس، عَن أَبِيه، عَن وهب بن مُنَبّه عَنْهُمَا، فِي حَدِيث طَوِيل، وَفِيه: «فَقَالَ عَلّي: يَا رَسُول الله، إِذا أَنْت قبضت فَمن يغسلك، وفيم نكفنك، وَمن يُصَلِّي عَلَيْك، وَمن (يدْخلك) الْقَبْر؟ فَقَالَ: يَا عَلّي، أما الْغسْل فاغسلني أَنْت، وَالْفضل بن الْعَبَّاس يصب عَلَيْك المَاء، وَجِبْرِيل ثالثكما، فَإِذا أَنْتُم فَرَغْتُمْ من غسْلي فكفنوني فِي ثَلَاثَة أَثوَاب جدد، وَجِبْرِيل يأتيني بحنوط من الْجنَّة، فَإِذا أَنْتُم وضعتموني عَلَى السرير فضعوني فِي الْمَسْجِد واخرجوا عني، فَإِن أول من يُصَلِّي عليَّ الرب من فَوق عَرْشه، ثمَّ جِبْرِيل، ثمَّ مِيكَائِيل، ثمَّ إسْرَافيل، ثمَّ الْمَلَائِكَة زمرًا زمرًا، ثمَّ ادخُلُوا (فَقومُوا) صُفُوفا، لَا يتَقَدَّم عَلّي أحد» . وَهُوَ حَدِيث طَوِيل فِي (ثَلَاث) أوراق، فِيهِ قصَّة عكاشة، لكنه ضَعِيف، ثمَّ عبد الْمُنعم مَتْرُوك، قَالَ أَحْمد: يكذب عَلَى وهب وَعَلَى غَيره، مَتْرُوك. ووالده ضعفه ابْن عدي، قَالَ ابْن دحْيَة فِي «تنويره» : حَكَى الْبَزَّار والطبري أَنه ﵇ قَالَ: «أول (من)
стр. 2780
يُصَلِّي (عَلّي) رب الْعِزَّة ... » فِي حَدِيث طَوِيل، كرهت أَن أذكرهُ؛ لِأَن الْبَزَّار قَالَ فِي «علله» : إِنَّه مَوْضُوع. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الْأَزْدِيّ: فِي حَدِيث مَعْلُول «أَنهم صلوا بِصَلَاة جِبْرِيل، وَكَبرُوا بتكبيره» . وَالصَّحِيح مَا تقدم أَنهم صلوا (أفذاذًا) وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا بتوقيف، وَقد رُوِيَ أَنه أَوْصَى بِهِ، ذكره الْبَزَّار والطبري وَغَيرهمَا، حَكَاهُ عَنْهُم ابْن دحْيَة فِي الْكتاب الْمَذْكُور، وَرَوَى الصَّلَاة عَلَيْهِ (أفذاذًا) مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» بلاغًا، وَابْن عبد الْبر فِي آخر «تمهيده» ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث نُبَيْط بن شُرَيْط بن أنس الْأَشْجَعِيّ الصَّحَابِيّ، قَالَ ابْن عبد الْبر: وَصَلَاة النَّاس عَلَيْهِ (أفذاذًا) (الْمُجْتَمع) عَلَيْهِ عِنْد أهل [السّير] وَجَمَاعَة أهل النَّقْل لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. قَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه «مرج الْبَحْرين» : وَأَنا متعجب من قَوْله عَلَى اتساع (علمه) ؛ فَإِن الْخلاف فِيهِ مَنْصُوص (هَل) كَانَت الصَّلَاة عَلَيْهِ كصلاتنا عَلَى أمواتنا أم لَا، فَقيل: دُعَاء
стр. 2781
فَقَط. وَقيل: صلوا الصَّلَاة (الْمَعْهُودَة) . حَكَى ابْن الْقصار الْقَوْلَيْنِ عَن أَصْحَاب مَالك، وَاخْتلف بعدُ هَل صلوا عَلَيْهِ أفذاذًا أم جمَاعَة، وَاخْتلف بعد فِيمَن أم بهم، فَقيل: أَبُو بكر. ذكره ابْن الْقصار، وَذَلِكَ بَاطِل بِيَقِين لضعف رُوَاته وانقطاعه، وَالصَّحِيح (أَن (الْمُسلمين) صلوا عَلَيْهِ (أفذاذًا) لَا يؤمهم أحد، كلما جَاءَت طَائِفَة صلت عَلَيْهِ» وَهُوَ حَدِيث مَحْفُوظ.
قلت: وَفِي «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» فِي آخر وَفَاة رَسُول الله ﷺ من حَدِيث سَلام بن سُلَيْمَان الْمَدَائِنِي، ثَنَا سَلام بن (سُلَيْمَان) الطَّوِيل، عَن عبد الْملك بن عبد الرَّحْمَن، عَن الْحسن العرني، عَن الْأَشْعَث بن طليق، عَن مرّة بن شرَاحِيل، عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: «لما ثقل رَسُول الله ﷺ قُلْنَا: من يُصَلِّي عَلَيْك يَا رَسُول الله؟ فَبَكَى وبكينا، فَقَالَ: مهلا، غفر الله لكم، وجزاكم عَن نَبِيكُم (خيرا) ، إِذا غسلتموني وكفنتموني وحنطتموني فضعوني عَلَى شَفير قَبْرِي، ثمَّ اخْرُجُوا عني سَاعَة، فَإِن أول من يُصَلِّي عَلّي خليلي وحبيبي جِبْرِيل، وَمِيكَائِيل، ثمَّ إسْرَافيل، ثمَّ ملك الْمَوْت مَعَ جنود الْمَلَائِكَة، ثمَّ ليبدأ بِالصَّلَاةِ رجال أهل بَيْتِي، ثمَّ نِسَاؤُهُم، ثمَّ ادخُلُوا أَفْوَاجًا وفرادى، وَلَا تؤذوني بباكية وَلَا برنة وَلَا بصيحة، وَمن كَانَ غَائِبا من أَصْحَابِي فأبلغوه مني السَّلَام،
стр. 2782
فَإِنِّي أشهدكم أَنِّي قد [سلمت] عَلَى من دخل فِي الْإِسْلَام، وَمن (تابعني) عَلَى ديني هَذَا مُنْذُ الْيَوْم إِلَى الْقِيَامَة» . ثمَّ قَالَ الْحَاكِم: عبد الْملك مَجْهُول، لَا نعرفه بعدالة وَلَا جرح، وَالْبَاقُونَ كلهم ثِقَات.
قلت: عبد الْملك كذبه الفلاس، وَسَلام بن سُلَيْمَان الْمَدَائِنِي قَالَ ابْن عدي: عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ. وَسَلام بن سُلَيْمَان الطَّوِيل تَرَكُوهُ، والعرني لَيْسَ بِشَيْء كَمَا قَالَه الْأَزْدِيّ، فَأَيْنَ الثِّقَة فِي هَؤُلَاءِ؟ ! .
فَائِدَة: فِي (السِّرّ) فِي كَونهم صلوا عَلَيْهِ أفذاذا، قَالَ الشَّافِعِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَذَلِكَ لعظم رَسُول الله ﷺ ، بِأبي هُوَ وَأمي، وتنافسهم فِي أَن لَا يتَوَلَّى الْإِمَامَة فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ وَاحِد. قَالَ ابْن دحْيَة: وَكَانَ المصلون عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ ألفا. كَذَا قَالَ.
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْخمسين
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «صلوا) عَلَى من قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي صَلَاة الْجَمَاعَة وَاضحا، والرافعي ذكره دَلِيلا للقائل بِسُقُوط الْفَرْضِيَّة عِنْد صَلَاة ثَلَاثَة، فَقَالَ: وَاحْتج لَهُ ... فَذكر
стр. 2783
الحَدِيث، خَاطب بِهِ الْجمع وَأقله ثَلَاثَة، وَلَو احْتج لهَذَا الْقَائِل بالأحاديث الصَّحِيحَة، كَقَوْلِه لأَصْحَاب الْمَيِّت (الَّذِي عَلَيْهِ) الدَّين: «صلوا عَلَى صَاحبكُم» وَغَيره من الْأَحَادِيث لأفاد هَذَا الْغَرَض.
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْخمسين
«أنَّه ﷺ أخبر بِمَوْت النَّجَاشِيّ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخرج بهم إِلَى الْمُصَلى، فَصف بهم، وَكبر أَرْبعا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَله طرق:
أَحدهَا: من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ نَعَى النَّجَاشِيّ فِي الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخرج (بهم) إِلَى الْمُصَلى، فَصف بهم، وَكبر أَربع تَكْبِيرَات» مُتَّفق عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة لَهما: «فَقَالُوا: اسْتَغْفرُوا لأخيكم» .
ثَانِيهَا: من رِوَايَة جَابر ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيّ، فَكبر أَرْبعا» . مُتَّفق عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: «فَكنت فِي الصَّفّ
стр. 2784
الثَّانِي أَو الثَّالِث» . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «فصففنا صفّين» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «صَلَّى عَلَى أَصْحَمَة النَّجَاشِيّ» .
ثَالِثهَا: من رِوَايَة عمرَان بن الْحصين ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِن أَخا لكم قد مَاتَ فَقومُوا فصلوا عَلَيْهِ. يَعْنِي: النَّجَاشِيّ» رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ، وَفِي رِوَايَة (لَهُ) : «إِن أَخَاكُم» .
وَمن الْأَحَادِيث الضعيفة: رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث كثير بن عبد الله الْمُزنِيّ، عَن أَبِيه، عَن جده «أَنه ﵇ كبر عَلَى النَّجَاشِيّ خمْسا» . وَقد ذكرت فِي «شرحي للعمدة» فَوَائِد تتَعَلَّق (بِلَفْظ) «النَّجَاشِيّ» واسْمه وَغير ذَلِك؛ فَرَاجعهَا مِنْهُ؛ فَإِنَّهَا لَا تُوجد مَجْمُوعَة كَذَلِك فِي غَيره. وَذكر الرَّافِعِيّ أَنه كَانَ بَين النَّبِي ﷺ وَالنَّجَاشِي مسيرَة شهر، وَكَانَت وَفَاته فِي رَجَب سنة تسع من الْهِجْرَة.
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْخمسين
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ «أَن النَّبِي ﷺ مر بِقَبْر دفن لَيْلًا، فَقَالَ: مَتى دفن هَذَا؟ قَالُوا: البارحة. قَالَ: أَفلا آذنتموني؟ قَالُوا: دفناه فِي ظلمَة اللَّيْل؛ وكرهنا أَن نوقظك. فَقَامَ فصفنا خَلفه قَالَ ابْن عَبَّاس: وَأَنا فيهم، فَصَلى عَلَيْهِ» .
стр. 2785
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، (رَوَاهُ) البُخَارِيّ وَمُسلم فِي «صَحِيحَيْهِمَا» ، وَلَفظ البُخَارِيّ: «مَاتَ إِنْسَان كَانَ النَّبِي ﷺ يعودهُ، فَمَاتَ بِاللَّيْلِ فدفنوه لَيْلًا، فَلَمَّا أصبح أَخْبرُوهُ، فَقَالَ: مَا منعكم أَن تعلموني؟ قَالُوا: كَانَ اللَّيْل فكرهنا - وَكَانَت ظلمَة - أَن نشق عَلَيْك. فَأَتَى قَبره فَصَلى عَلَيْهِ» وَفِي لفظ آخر: «فصففنا خَلفه. قَالَ ابْن عَبَّاس: وَأَنا فيهم» . وَلَفظ مُسلم مُخْتَصرا «أَنه ﵇ صَلَّى عَلَى قبر بَعْدَمَا دفن، وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا» .
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْخمسين
«أنَّه ﷺ صَلَّى عَلَى قبر الْبَراء بن معْرور بعد شهر» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي مُحَمَّد بن معبد بن أبي قَتَادَة «أَن رَسُول الله ﷺ صَلَّى عَلَى قبر الْبَراء بن معْرور بعد مَوته بِسنة» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: كَذَا وجدته فِي كتابي، وَالصَّوَاب: «بعد شهر» قَالَ: وَهَذَا مُرْسل. قَالَ: قد رُوِيَ عَن يَحْيَى بن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه مَوْصُولا دون التَّأْقِيت. ثمَّ رَوَى من حَدِيث ابْن عَبَّاس «أَنه ﵇ صَلَّى عَلَى قبر بعد شهر» ثمَّ نقل عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه قَالَ: (تفرد) بِهِ بشر بن آدم،
стр. 2786
وَخَالفهُ غَيره أَن نقل: «بَعْدَمَا دفن» ، وَقيل: «بعد لَيْلَتَيْنِ» وَقيل: «بِثَلَاث» .
(فَائِدَة: معْرور: بِعَين وَرَاء مهملات، يُقَال: عيره بشر، أَي: لعِلَّة، فَهُوَ معرو، وَمِنْه: قَوْله تَعَالَى: (فتصيبكم مِنْهُم معرة بِغَيْر علم» قَالَ الرَّافِعِيّ: وَلم تنقل الزِّيَادَة عَلَيْهِ.
قلت: بلَى، وَقد سلف أَنه رُوِيَ: «بعد سنة» ، وَإِن كَانَ الصَّوَاب خِلَافه، وَفِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سعيد بن الْمسيب «أَن أم سعد مَاتَت وَالنَّبِيّ ﷺ غَائِب، فَلَمَّا قدم صَلَّى عَلَيْهَا وَقد مَضَى لذَلِك شهر» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا وَلَفظه «أَنه ﵇ صَلَّى عَلَيْهَا بعد مَوتهَا بِشَهْر» ثمَّ قَالَ: وَهُوَ مُرْسل صَحِيح.
الحَدِيث السَّادِس بعد الْخمسين
قَالَ الرَّافِعِيّ فِي تَوْجِيه عدم الصَّلَاة عَلَى قبر النَّبِي ﷺ : لِأَنَّهُ رُوِيَ (فِي الْخَبَر) أنَّه ﷺ قَالَ: «أَنا أكْرم عَلَى رَبِّي من أَن يتركني فِي قَبْرِي بعد ثَلَاث» .
هَذَا الحَدِيث تبع الرَّافِعِيّ فِي إِيرَاده الإِمَام؛ فَإِنَّهُ أوردهُ كَذَلِك فِي «نهايته» ، ثمَّ قَالَ بعد: وَرُوِيَ «أَكثر من يَوْمَيْنِ» وَلَا أعلم من خرجه بعد الْبَحْث الشَّديد عَنهُ، وَذكره بعض من (أدركناه) مِمَّن صنف فِي حَيَاة الْأَنْبِيَاء - عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام - فِي قُبُورهم فَلم يعزه، وَفِي كتاب «حَيَاة
стр. 2787
الْأَنْبِيَاء فِي قُبُورهم بعد مَوْتهمْ» لِلْحَافِظِ أبي بكر الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي الرّبيع الزهْرَانِي، نَا إِسْمَاعِيل بن طَلْحَة بن يزِيد، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، [عَن ثَابت] عَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «الْأَنْبِيَاء لَا يتركون فِي قُبُورهم بعد أَرْبَعِينَ لَيْلَة، وَلَكنهُمْ يصلونَ بَين يَدي الله - تَعَالَى - حَتَّى ينْفخ فِي الصُّور» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِن صَحَّ بِهَذَا اللَّفْظ فَالْمُرَاد بِهِ - وَالله أعلم -: لَا يتركون لَا يصلونَ إِلَّا هَذَا الْمِقْدَار، ثمَّ يكونُونَ مصلين فِيمَا بَين يَدي الله تَعَالَى. كَمَا أَنا ... وسَاق بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث الْحسن بن قُتَيْبَة الْمَدَائِنِي، ثمَّ حَدثنَا [المستلم] بن سعيد الثَّقَفِيّ، عَن الْحجَّاج بن الْأسود، عَن ثَابت الْبنانِيّ، عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «الْأَنْبِيَاء أَحيَاء فِي قُبُورهم يصلونَ» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا يعد فِي أَفْرَاد الْحسن بن قُتَيْبَة الْمَدَائِنِي.
قلت: ضَعَّفُوهُ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مَتْرُوك. وَقَالَ ابْن عدي: أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ. وَأما ابْن السكن فَذكر الحَدِيث من وَجْهَيْن فِي «سنَنه الصِّحَاح» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوِيَ من حَدِيث يَحْيَى بن أبي بكير، عَن
стр. 2788
[المستلم] بن سعيد بِهِ، قَالَ (أَعنِي الْبَيْهَقِيّ فِي غير هَذَا الْكتاب: وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح. وَهُوَ كَمَا قَالَ) ؛ لِأَن رِجَاله كلهم ثِقَات، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوِيَ من وَجه آخر عَن أنس مَوْقُوفا: «الْأَنْبِيَاء أَحيَاء فِي قُبُورهم يصلونَ» . ثمَّ أسْندهُ من حَدِيث مُؤَمل، نَا (عبيد الله) بن أبي حميد الْهُذلِيّ، عَن أبي الْمليح، عَن أنس بِهِ. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ رفع أَجْسَادهم مَعَ أَرْوَاحهم؛ فقد رَوَى سُفْيَان الثَّوْريّ فِي جَامعه فَقَالَ: قَالَ شيخ (لنا) عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: «مَا (مكث) نَبِي فِي قَبره أَكثر من أَرْبَعِينَ ليلةٍ حَتَّى يُرْفع» .
قلت: وَهَذَا مَشْهُور عَن ابْن الْمسيب، وَقد اشْتهر أَن جِدَار قبر النَّبِي ﷺ (انْهَدم) أَيَّام خلَافَة الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَولَايَة عمر بن عبد الْعَزِيز عَلَى الْمَدِينَة، بَدَت لَهُم قدم فخافوا أَن تكون قدم رَسُول الله ﷺ ، وهالهم أمرهَا وجزعوا، حَتَّى رَوَى لَهُم سعيد بن الْمسيب «أَن جثث الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم لَا (تقيم) أَكثر من أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي الأَرْض، ثمَّ ترفع» . وَجَاء سَالم بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب فَعرف أَنَّهَا قدم جده عمر. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: فعلَى هَذَا
стр. 2789
يصيرون كَسَائِر الْأَحْيَاء، تكون حَيْثُ ينزلهم الله - تَعَالَى - لما روينَا فِي حَدِيث الْمِعْرَاج وَغَيره: «أَن النَّبِي ﷺ رَأَى مُوسَى ﵇ قَائِما يُصَلِّي فِي قَبره، ثمَّ رَآهُ مَعَ سَائِر الْأَنْبِيَاء فِي بَيت الْمُقَدّس، ثمَّ رَآهُمْ فِي السَّمَاوَات» وَالله - تَعَالَى - فعال لما يُرِيد.
قلت: وَفِي «الموضوعات» لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ من حَدِيث أنس (رَفعه) : «مَا من نَبِي يَمُوت فيقيم فِي قَبره إِلَّا أَرْبَعِينَ صباحًا، حَتَّى يرد الله إِلَيْهِ روحه» . ثمَّ قَالَ: قَالَ ابْن حبَان: هَذَا حَدِيث بَاطِل مَوْضُوع. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ولحياة الْأَنْبِيَاء فِي قُبُورهم بعد مَوْتهمْ شَوَاهِد من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. ثمَّ ذكر حَدِيث أنس الثَّابِت فِي «صَحِيح مُسلم» : «أَنه ﵊ لَيْلَة أسرِي بِهِ مر عَلَى مُوسَى ﵇ وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبره» . وَفِي لفظ: «مَرَرْت عَلَى مُوسَى وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي قَبره» . وَفِي لفظ: «أتيت عَلَى مُوسَى لَيْلَة أسرِي بِي عِنْد الْكَثِيب الْأَحْمَر» . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة الثَّابِت فِيهِ أَيْضا قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لقد رَأَيْتنِي فِي الْحجر وَأَنا أخبر قُريْشًا (عَن) مسراي، فسألوني
стр. 2790
عَن أَشْيَاء من بَيت الْمُقَدّس لم أثبتها، فكربت كربًا لم أكرب مثله قطّ، فرفعه الله لي أنظر إِلَيْهِ؛ فَمَا سَأَلُونِي (عَن) شَيْء إِلَّا أنبأتهم بِهِ، وَلَقَد رَأَيْتنِي فِي جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء، فَإِذا مُوسَى قَائِم يُصَلِّي، وَإِذا رجل ضرب جعد كَأَنَّهُ من رجال شنُوءَة، وَإِذا عِيسَى ابْن مَرْيَم قَائِم يُصَلِّي، أقرب النَّاس مِنْهُ شبها عُرْوَة بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ، وَإِذا إِبْرَاهِيم قَائِم يُصَلِّي، أشبه النَّاس بِهِ صَاحبكُم - يَعْنِي: نَفسه - فحانت الصَّلَاة، فأممتهم، فَلَمَّا فرغت من الصَّلَاة قَالَ قَائِل: يَا مُحَمَّد، هَذَا مالكٌ صَاحب النَّار يسلم عَلَيْك، فَالْتَفت إِلَيْهِ فبدأني بِالسَّلَامِ» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَفِي حَدِيث ابْن الْمسيب «أَنه لَقِيَهُمْ فِي مَسْجِد بَيت الْمُقَدّس» . وَفِي حَدِيث أبي (ذَر) وَمَالك بن صعصعة فِي قصَّة الْمِعْرَاج «أَنه لَقِيَهُمْ فِي جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء فِي السَّمَوَات، [وكلمهم وكلموه] ) . وكل ذَلِك صَحِيح، لَا يُخَالف بعضه بَعْضًا، فقد يرَى مُوسَى ﵇ قَائِما يُصَلِّي فِي قَبره، ثمَّ يُسرى بمُوسَى وَغَيره إِلَى بَيت الْمُقَدّس كَمَا أسرِي بنبينا، فَرَآهُمْ فِيهِ، ثمَّ يعرج بهم إِلَى السَّمَوَات كَمَا عرج بنبينا (فَرَآهُمْ) فِيهَا،، كَمَا أخبر (بحلولهم) فِي
стр. 2791
أَوْقَات، (بمواضع) مختلفات، جَائِز فِي الْعقل، كَمَا ورد بِهِ الْخَبَر الصَّادِق، وَفِي كل ذَلِك دلَالَة عَلَى حياتهم. قَالَ: وَمِمَّا يدل عَلَى ذَلِك حَدِيث أَوْس بن أَوْس قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ : «أفضل أيامكم يَوْم الْجُمُعَة؛ فِيهِ خُلق آدم، وَفِيه قبض، وَفِيه النفخة، وَفِيه الصعقة، فَأَكْثرُوا عَلّي من الصَّلَاة فِيهِ، فَإِن صَلَاتكُمْ معروضة عَلّي قَالُوا: وَكَيف تعرض صَلَاتنَا عَلَيْك وَقد أرمت - يَقُولُونَ: بليت -؟ قَالَ: فَإِن الله حرم عَلَى الأَرْض أَن تَأْكُل أجساد الْأَنْبِيَاء» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» قَالَ: وَله شَوَاهِد، مِنْهَا: حَدِيث أبي مَسْعُود الْأنْصَارِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «أَكْثرُوا الصَّلَاة عَلّي فِي يَوْم الْجُمُعَة، فَإِنَّهُ لَيْسَ يُصَلِّي عَلّي أحد يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا عرضت عَلّي صلَاته» . وَحَدِيث أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا: «أَكْثرُوا الصَّلَاة عليَّ يَوْم الْجُمُعَة، فَإِنَّهُ مشهود، تشهده الْمَلَائِكَة، وَإِن أحدا لن يُصَلِّي عَلّي إِلَّا عرضت عَلّي صلَاته حَتَّى يفرغ مِنْهَا. قَالَ: قلت: بعد الْمَوْت؟ قَالَ: إِن الله حرم عَلَى الأَرْض أكل أجساد الْأَنْبِيَاء ﵈ فَإِن نَبِي الله حَيّ يرْزق» . رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث زيد بن (أَيمن) ، عَن عبَادَة بن نسي، عَن أبي الدَّرْدَاء، وَإِسْنَاده حسن،
стр. 2792
إِلَّا أَنه غير مُتَّصِل، قَالَ البُخَارِيّ فِي «تَارِيخه» : زيد عَن (عبَادَة) مُرْسل. وَحَدِيث أبي أُمَامَة مَرْفُوعا: «أَكْثرُوا عَلَى من الصَّلَاة فِي كل يَوْم (جُمُعَة) ؛ فَإِن صَلَاة أمتِي تعرض عَلّي فِي كل يَوْم (جُمُعَة) ، من كَانَ أَكْثَرهم عَلّي صَلَاة كَانَ أقربهم مني منزلَة يَوْم الْقِيَامَة» . وَحَدِيث أنس بن مَالك مَرْفُوعا: «إِن أقربكم مني يَوْم الْقِيَامَة فِي كل موطن أَكْثَرَكُم صَلَاة عَلّي فِي (الدُّنْيَا) ، من صَلَّى عَلّي فِي لَيْلَة الْجُمُعَة وَيَوْم الْجُمُعَة قَضَى الله لَهُ مائَة حَاجَة؛ سبعين من حوائج (الدُّنْيَا) ، وَثَلَاثِينَ من حوائج (الْآخِرَة) ، ثمَّ يُوكل الله بذلك ملكا يدْخلهُ فِي قَبْرِي كَمَا تدخل عَلَيْكُم الْهَدَايَا، يُخْبِرنِي من صَلَّى عَلّي باسمه وَنسبه إِلَى (عشيرته) ، فأثبته عِنْدِي فِي صحيفَة بَيْضَاء» . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ قبورًا وَلَا تجْعَلُوا قَبْرِي عيدًا، وصلوا عَلّي فَإِن صَلَاتكُمْ تبلغني حَيْثُ كُنْتُم» وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا مَرْفُوعا «مَا من أحد يسلم عَلّي إِلَّا رد الله إِلَيّ روحي حَتَّى أرد ﵇» .
стр. 2793
قلت: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد جيد، وَالْمرَاد بِالروحِ هُنَا النُّطْق مجَازًا، فَتنبه لَهُ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَفِي هَذَا الْمَعْنى حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود مَرْفُوعا: «إِن لله - تَعَالَى - مَلَائِكَة سياحين فِي الأَرْض، يبلغوني عَن أمتِي السَّلَام» . وحَدِيث ابْن عَبَّاس «لَيْسَ أحد من أمة مُحَمَّد (يُصَلِّي عَلَيْهِ صَلَاة إِلَّا وَهِي تبلغه، (يَقُول) : فلَان يُصَلِّي عَلَيْك كَذَا وَكَذَا صَلَاة» . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من صَلَّى عَلّي عِنْد قَبْرِي سمعته، وَمن صلي عَلّي نَائِيا (بلغته) » . فِي إِسْنَاد هَذَا نظر، و (مَضَى) مَا يؤكده، ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى سُلَيْمَان بن (عُثْمَان) قَالَ: «رَأَيْت النَّبِي ﷺ فِي النّوم، فَقلت: يَا رَسُول الله، هَؤُلَاءِ الَّذين يأتونك فيسلمون عَلَيْك؛ أتفقه سلامهم؟ قَالَ: نعم، وأرد عَلَيْهِم» . قَالَ: وَمِمَّا يدل عَلَى حياتهم مَا (رَوَاهُ) البُخَارِيّ فِي
стр. 2794
«الصَّحِيح» (عَن) أبي هُرَيْرَة «فِي الرجلَيْن اللَّذين اسْتَبَّا، حِين قَالَ الْمُسلم: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالمين. واليهودي الَّذِي قَالَ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالمين. وصكه الْمُسلم، قَالَ النَّبِي ﷺ : لَا تخيروني عَلَى مُوسَى؛ فَإِن النَّاس يصعقون، فَأَكُون أول من يفِيق، فَإِذا مُوسَى باطش بِجَانِب الْعَرْش، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مِمَّن صُعق [فأفاق] من قبلي، أم كَانَ مِمَّن اسْتثْنى الله » . وَحَدِيث الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا تفضلوا بَين (أَنْبيَاء) الله - تَعَالَى - فَإِنَّهُ ينْفخ فِي الصُّور فيصعق من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله، ثمَّ ينْفخ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُون أول من بعث، فَإِذا مُوسَى آخذ بالعرش، لَا أَدْرِي أحوسب (بصعقته) يَوْم الطّور، أم بعث قبلي» . فَهَذَا إِنَّمَا يَصح عَلَى (أَن الله - تَعَالَى، جلّ ثَنَاؤُهُ - رد) إِلَى الْأَنْبِيَاء أَرْوَاحهم، وهم أَحيَاء عِنْد رَبهم كالشهداء، فَإِذا نفخ فِي الصُّور النفخة الأولَى صعقوا فِيمَن صعق، وَلَا يكون ذَلِك موتا فِي جَمِيع مَعَانِيه إِلَّا فِي ذهَاب (الِاسْتِثْنَاء) ، فَإِن كَانَ مُوسَى ﵇ فِيمَن اسْتثْنى الله - تَعَالَى - بقوله: (إِلَّا من شَاءَ الله) فَإِنَّهُ لَا يذهب اسْتِثْنَاؤُهُ فِي تِلْكَ الْحَالة
стр. 2795
وَيُحَاسب بصعقة يَوْم الطّور. وَيُقَال: إِن الشُّهَدَاء مِمَّن اسْتثْنى الله بقوله: (إِلَّا مَنْ شَاءَ الله) وروينا فِيهِ خَبرا مَرْفُوعا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي كِتَابه «دَلَائِل النُّبُوَّة» : الْأَنْبِيَاء أَحيَاء عِنْد رَبهم كالشهداء. وَقَالَ فِي كتاب «الِاعْتِقَاد» : والأنبياء بَعْدَمَا قبضوا ردَّتْ إِلَيْهِم أَرْوَاحهم، فهم أَحيَاء عِنْد رَبهم كالشهداء.
قلت: وَقد أطلنا فِي هَذَا الْموضع لكَونه من الْمَوَاضِع المهمة، فَلَا تسأم من طوله، ثمَّ رَأَيْت بعد ذَلِك أمرا غَرِيبا فِي كَلَام الْغَزالِيّ فِي كتاب «كشف عُلُوم الْآخِرَة» فَإِنَّهُ ذكر الحَدِيث الَّذِي أوردهُ الرَّافِعِيّ بِلَفْظ: قَالَ (: «إِنِّي أكْرم عِنْد الله من أَن يدعني فِي الأَرْض أَكثر من ثَلَاث» . ثمَّ قَالَ: وَكَأن الثَّلَاث عشرات، لِأَن الْحُسَيْن قتل عَلَى رَأس السِّتين، فَغَضب عَلَى أهل الأَرْض، وعرج بِهِ إِلَى أهل السَّمَاء. هَذَا لَفظه، وَهُوَ عَجِيب غَرِيب؛ ذكرته ليعرف.
الحَدِيث السَّابِع بعد الْخمسين
قَالَ الرَّافِعِيّ فِي تَوْجِيه عدم الصَّلَاة عَلَى قَبره أَيْضا: لما رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لعن الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى؛ اتَّخذُوا قُبُور أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أَخْرجَاهُ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من
стр. 2796
حَدِيث ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة ﵂، وَفِيهِمَا أَنه قَالَ ذَلِك عِنْد وَفَاته. وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جُنْدُب بن عبد الله ﵁ قَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ قبل أَن يَمُوت بِخمْس وَهُوَ يَقُول: «أَلا (فَلَا) تَتَّخِذُوا الْقُبُور مَسَاجِد، إِنِّي أنهاكم عَن ذَلِك» . وَرَوَى مُسلم أَيْضا عَن أبي مرْثَد الغنوي، واسْمه كناز - بالنُّون الْمُشَدّدَة وَالزَّاي - بن الْحصين أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا تجلسوا عَلَى الْقُبُور، وَلَا تصلوا إِلَيْهَا» .
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْخمسين
«أنَّه ﷺ كَانَ يدْفن أَصْحَابه فِي الْمَقَابِر» .
هَذَا (الحَدِيث) صَحِيح متواتر، وَمن تدبر الْأَحَادِيث وجد ذَلِك، وَمِنْهَا الحَدِيث الصَّحِيح: «أَنه ﵇ أَتَى الْمقْبرَة فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم دَار قوم مُؤمنين ... » الحَدِيث بِطُولِهِ.
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْخمسين
«أنَّه ﷺ دفن فِي حجرَة عَائِشَة ﵂» .
هَذَا (الحَدِيث) أَيْضا صَحِيح متواتر مَعْرُوف، فَهُوَ (فِي)
стр. 2797
«صَحِيح البُخَارِيّ» عَن عَائِشَة ﵂ فِي حَدِيثهَا فِي الْوَفَاة (قَالَت) : «فَلَمَّا كَانَ [يومي] قَبضه الله بَين سحرِي وَنَحْرِي، وَدفن فِي بَيْتِي» وَفِي «جَامع التِّرْمِذِيّ» عَن عَائِشَة قَالَت: «لما قبض رَسُول الله ﷺ اخْتلفُوا فِي دَفنه، فَقَالَ أَبُو بكر: سَمِعت من رَسُول الله ﷺ شَيْئا مَا نَسِيته، قَالَ: مَا قبض الله نبيًّا إِلَّا فِي الْموضع الَّذِي يحب أَن يدْفن فِيهِ. ادفنوه فِي مَوضِع فرَاشه» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث غَرِيب، وَفِيه عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر الْمليكِي (يضعف) ، وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من غير هَذَا الْوَجْه، قد رَوَاهُ ابْن عَبَّاس عَن أبي بكر عَن رَسُول الله ﷺ .
قلت: أخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن إِسْحَاق، حَدثنِي حُسَيْن بن عبد الله، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي حَدِيث طَوِيل: «لقد اخْتلف الْمُسلمُونَ فِي الْموضع الَّذِي يحْفر لَهُ، فَقَالَ (قَائِلُونَ) : يدْفن فِي مَسْجده. وَقَالَ قَائِلُونَ: يدْفن مَعَ أَصْحَابه. فَقَالَ أَبُو بكر: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: مَا قبض نَبِي إِلَّا دفن حَيْثُ يقبض. قَالَ: فَرفعُوا فرَاش رَسُول الله ﷺ (الَّذِي توفّي عَلَيْهِ، ثمَّ دفن رَسُول الله ﷺ ) وسط اللَّيْل من لَيْلَة الْأَرْبَعَاء» . وحسين هَذَا تَركه النَّسَائِيّ، وَرَوَاهُ مَالك
стр. 2798
بِنَحْوِهِ بلاغًا، وَفِي «مُسْند أَحْمد» عَن عبد الرَّزَّاق، أَخْبرنِي ابْن جريج، أَخْبرنِي أبي أَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ (لم يدروا أَيْن يقبرون النَّبِي ﷺ حَتَّى قَالَ أَبُو بكر: سَمِعت رَسُول الله ﷺ ) [يَقُول] : لم يقبر نَبِي إِلَّا حَيْثُ يَمُوت. فأخروا (رَأسه) ، وحفروا لَهُ تَحت فرَاشه» .
الحَدِيث السِّتُّونَ
أنَّه ﷺ قَالَ: «احفروا، وأوسعوا، وأعمقوا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة من حَدِيث هِشَام بن عَامر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُم يَوْم أحد ذَلِك، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور لَهُم، خلا ابْن ماجة فَإِنَّهُ قَالَ: «أَحْسنُوا» بدل «أعمقوا» ، وخلا أَحْمد فَإِنَّهُ قَالَ: «احفروا، وأوسعوا» . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد
стр. 2799
قَالَ: «جَاءَت الْأَنْصَار إِلَى رَسُول الله ﷺ يَوْم أحد فَقَالُوا: أَصَابَنَا قرح وَجهد فَكيف (تَأْمُرنَا) ؟ فَقَالَ: احفروا، وأوسعوا، وأعمقوا، وَاجْعَلُوا الرجلَيْن وَالثَّلَاثَة فِي الْقَبْر. قيل: فَأَيهمْ نقدم؟ قَالَ: أَكْثَرهم قُرْآنًا» . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد فِي كتاب الْبيُوع من «سنَنه» ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي هَذَا الْبَاب من «سنَنه» من حَدِيث عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه - وَهُوَ تَابِعِيّ - عَن رجل من الْأَنْصَار قَالَ: «خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي جَنَازَة، فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ عَلَى الْقَبْر يُوصي الْحَافِر: أوسع من قبل رجلَيْهِ، أوسع من قبل رَأسه» .
إِسْنَاده صَحِيح، وَعَاصِم من رجال مُسلم، وَهُوَ ثِقَة، كَمَا شهد لَهُ بذلك ابْن معِين وَغَيره، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: لَا يحْتَج بِهِ إِذا انْفَرد. قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي الحَدِيث الأول: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، (رَوَاهُ) سُفْيَان الثَّوْريّ وَغَيره عَن أَيُّوب، عَن حميد بن هِلَال، عَن هِشَام بن (عَامر) . يُرِيد بذلك أَنه لَيْسَ بَين حميد وَهِشَام وَاسِطَة، وَقد أخرجه كَذَلِك النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد فِي «سُنَنهمَا» ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه، عَن حميد، عَن أبي الدهماء قرفة بن بهيس - تَابِعِيّ انْفَرد بِهِ مُسلم - عَن هِشَام. قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي: أَي هذَيْن الْحَدِيثين أصح؟
стр. 2800
فَقَالَ: حَدِيث حميد عَن هِشَام. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة، عَن حميد، عَن هِشَام (بِهِ) .
فَائِدَة: هِشَام بن عَامر هَذَا أَنْصَارِي، كَانَ اسْمه شهابًا، فَغَيره النَّبِي ﷺ بِهِشَام، وَاسْتشْهدَ أَبوهُ يَوْم أحد، وَهُوَ من الصَّحَابَة (الَّذين) انْفَرد مُسلم بِإِخْرَاج حَدِيثهمْ، أخرج لَهُ حَدِيثا وَاحِدًا فِي ذكر الدَّجَّال، وَلم يخرج لَهُ أَصْحَاب «السّنَن» سُوَى هَذَا الحَدِيث الَّذِي أوردناه عَنهُ، سكن الْبَصْرَة وَمَات بهَا، وَلما أخرج ابْن الْجَوْزِيّ فِي «جَامع المسانيد» حَدِيث هِشَام هَذَا بِزِيَادَة ذكر الدَّجَّال فِي آخِره قَالَ: انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم. وَمرَاده بِذكر الدَّجَّال) لَا بِالْحَدِيثِ بِكَمَالِهِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي مُسلم أصلا، فَتنبه لذَلِك.
الحَدِيث الْحَادِي بعد السِّتين
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: (أَن النَّبِي ﷺ ) قَالَ: «اللَّحْد لنا، والشق لغيرنا» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَأَصْحَاب «السّنَن» الْأَرْبَعَة بِهَذَا
стр. 2801
اللَّفْظ، وَإِسْنَاده ضَعِيف، فَإِن فِي إِسْنَاده عبد الْأَعْلَى بن عَامر، ومدار الحَدِيث عَلَيْهِ، وَهُوَ غير مُحْتَج بحَديثه، كَانَ ابْن مهْدي لَا يحدث عَنهُ، وَوصف اضطرابه، وَقَالَ أَحْمد وَأَبُو زرْعَة: ضَعِيف الحَدِيث. زَاد أَبُو زرْعَة: رُبمَا رفع الحَدِيث وَرُبمَا وَقفه. قَالَ يَحْيَى: تعرف وتنكر. وَقَالَ مرّة: ثِقَة. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِذَاكَ الْقوي. وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم، وَقَالَ ابْن عدي: حدث بأَشْيَاء لَا يُتَابع عَلَيْهَا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: أرَى هَذَا الحَدِيث لَا يَصح من أَجله.
قلت: وَأغْرب ابْن السكن فَذكره فِي «سنَنه الصِّحَاح» وَقد رُوِيَ من غير حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا، رَوَى ابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» فِي حَدِيث جرير بن عبد الله البَجلِيّ، وَلَا يَصح أَيْضا؛ فَإِن فِي إِسْنَاده عُثْمَان بن عُمَيْر البَجلِيّ الْكُوفِي الرَّاوِي عَن زَاذَان، عَن جرير، وكنيته أَبُو الْيَقظَان، وَلَا يحْتَج بحَديثه، قَالَ أَحْمد: ضَعِيف الحَدِيث. وَقَالَ (يَحْيَى) : حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ ابْن حبَان: اخْتَلَط حَتَّى لَا يدْرِي مَا يَقُول، لَا يجوز الِاحْتِجَاج (بِهِ) .
стр. 2802
وَأغْرب ابْن السكن فَذكره فِي «سنَنه الصِّحَاح» ، وَذكر ابْن عدي أَنه لَا يُتَابِعه عَلَيْهِ أحد. وَلَيْسَ كَمَا ذكر؛ فقد تَابعه عَلَيْهِ عَمْرو بن مرّة؛ فَرَوَاهُ الْحجَّاج بن أَرْطَاة عَنهُ، عَن زَاذَان، عَن جرير، كَذَا أخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ، وَعَمْرو بن مرّة هُوَ الْجملِي حجَّة أخرجُوا لَهُ، ووثق، ورماه أَبُو حَاتِم بالإرجاء، وَتَابعه أَيْضا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا عَن الدبرِي، عَن عبد الرَّزَّاق، عَن الثَّوْريّ، عَن سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن، عَن زَاذَان، عَن جرير. وَتَابعه أَيْضا ثَابت، رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» عَن أسود بن عَامر، ثَنَا عبد الحميد، عَن ثَابت، عَن زَاذَان، عَن جرير بِنَحْوِهِ. وَتَابعه أَيْضا أَبُو جناب، رَوَاهُ أَحْمد أَيْضا من حَدِيثه عَن زَاذَان عَنهُ. وَفِي رِوَايَة للْإِمَام أَحْمد (ضعفه بِسَبَب) أبي الْيَقظَان السالف: «اللَّحْد لنا، والشق لغيرنا لأهل الْكتاب» .
فَوَائِد:
الأولَى: لما رَوَى التِّرْمِذِيّ حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن جرير، وَعَائِشَة، وَابْن عمر، وَجَابِر. قَالَ ابْن مَنْدَه فِي «مستخرجه» : وَفِيه أَيْضا عَن بُرَيْدَة بن الْحصيب وَابْن مَسْعُود.
الثَّانِيَة: يعضد هَذَا الحَدِيث فِي تَقْدِيم اللَّحْد عَلَى الشق أَنه الَّذِي
стр. 2803
اخْتَارَهُ الله - تَعَالَى - لنَبيه ﷺ ، كَمَا ستعلمه، وَفِي «صَحِيح مُسلم» عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ أَنه قَالَ فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عَلّي اللَّبن نصبا، كَمَا صنع برَسُول الله ﷺ » .
الثَّالِثَة: الشق: بِفَتْح الشين (واللحد: بِفَتْح اللَّام وَضمّهَا لُغَتَانِ) ، قَالَ الْجَوْهَرِي: الضريح، الشق فِي وسط الْقَبْر، واللحد فِي الْجَانِب.
الحَدِيث (الثَّانِي) بعد السِّتين
رُوِيَ «أَنه كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجلَانِ، أَحدهمَا يلْحد والأخر يشق، فَبعث الصَّحَابَة فِي طلبهما، وَقَالُوا: أَيهمَا جَاءَ أَولا عمل عمله لرَسُول الله ﷺ ، فجَاء الَّذِي يلْحد، فلحد لرَسُول الله ﷺ » .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق:
أَحدهَا: من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ: «لما توفّي رَسُول الله ﷺ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجل يلْحد وَآخر يضرح، فَقَالُوا: نستخير رَبنَا ونبعث إِلَيْهِمَا، فَأَيّهمَا سبق تَرَكْنَاهُ. فَأرْسل إِلَيْهِمَا، فَسبق صَاحب اللَّحْد؛ فلحد لرَسُول الله ﷺ » . رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَابْن مَاجَه فِي «سنَنه» بِإِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات، إِلَّا مبارك بن فضَالة؛ فَإِن النَّسَائِيّ ضعفه، وَقَالَ عَفَّان: ثِقَة من النساك [وَكَانَ وَكَانَ] . وَقَالَ أَبُو زرْعَة: إِذا قَالَ: (ثَنَا) فَهُوَ ثِقَة.
стр. 2804
قلت: قد صرح بِالتَّحْدِيثِ فِي هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: ثَنَا حميد.
ثَانِيهَا: من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: «لما أَرَادوا أَن يحفروا لرَسُول الله ﷺ بعثوا إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح، وَكَانَ يضرح كضريح أهل مَكَّة، وبعثوا إِلَى أبي طَلْحَة، وَكَانَ هُوَ الَّذِي يحْفر لأهل الْمَدِينَة وَكَانَ يلْحد، فبعثوا إِلَيْهِمَا رسولين، وَقَالَ: اللَّهُمَّ خر لِرَسُولِك. فوجدوا أَبَا طَلْحَة، فجيء بِهِ - وَلم يُوجد أَبُو عُبَيْدَة - فلحد لرَسُول الله ﷺ » ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث، وَهُوَ قِطْعَة من الحَدِيث السالف فِي دَفنه فِي الْحُجْرَة الشَّرِيفَة، وَقد أسلفنا أَن فِي سَنَده حُسَيْن بن عبد الله، وَأَن النَّسَائِيّ تَركه، وَقَالَ يَحْيَى مرّة: لَا بَأْس بِهِ، يكْتب حَدِيثه. وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ: «ثمَّ دَعَا الْعَبَّاس رجلَيْنِ، فَقَالَ: (ليذْهب أَحَدكُمَا إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح - وَكَانَ يُصَرح لأهل مَكَّة -) وليذهب الآخر إِلَى أبي طَلْحَة - وَكَانَ يلْحد لأهل الْمَدِينَة - قَالَ: ثمَّ قَالَ الْعَبَّاس لَهما حِين سرحهما: اللَّهُمَّ خر لِرَسُولِك. فذهبا، فَلم يجد صَاحب أبي عُبَيْدَة أَبَا عُبَيْدَة، وَوجد صَاحب أبي طَلْحَة أَبَا طَلْحَة، فجَاء فلحد لرَسُول الله ﷺ » .
ثَالِثهَا: من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي مليكَة عَن عَائِشَة، رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا، قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَعبد الرَّحْمَن يضعف من قبل حفظه، (وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك) . وَقَالَ البُخَارِيّ: ضَعِيف ذَاهِب
стр. 2805
الحَدِيث. وَقَالَ ابْن حبَان: ينْفَرد عَن الثِّقَات بِمَا لَا يشبه حَدِيث الْأَثْبَات، فَلَا أَدْرِي كثر الْوَهم مِنْهُ أَو من ابْنه مُحَمَّد، وَابْنه فَاحش الْخَطَأ وَأكْثر رواياته تَدور عَلَى ابْنه؛ فَوَجَبَ تَركه لاشتباه أمره.
وَفِي «علل الدَّارَقُطْنِيّ» عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: «كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجلَانِ، أَحدهمَا يشق، والأخر يلْحد، فجَاء الَّذِي يلْحد، فلحد لرَسُول الله ﷺ » . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ هِشَام، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة، من طَرِيق [يَحْيَى بن] عُرْوَة بن الزبير، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن سَلمَة، عَن هِشَام، عَن أَبِيه مُرْسلا، وَهُوَ الْمَحْفُوظ، قَالَ: كَذَلِك رَوَاهُ مَالك وَابْن عُيَيْنَة.
وَفِي «علل ابْن أبي حَاتِم» : سَأَلت أبي عَن حَدِيث عَائِشَة هَذَا، فَقَالَ: الصَّحِيح عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، بِإِسْقَاط عَائِشَة. - قلت: الَّذِي رَوَاهُ (بإثباتها) هُوَ أَبُو الْوَلِيد عَن حَمَّاد بن سَلمَة - فالخطأ من أَيهمَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. وَفِي كتاب «أَسمَاء رُوَاة مَالك» للخطيب الْحَافِظ من حَدِيث ابْن عمر: «أَنه ﵇ لحد لَهُ» . ثمَّ قَالَ: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تفرد بِهِ إِسْمَاعِيل بن يَحْيَى، وَهُوَ ضَعِيف، مَتْرُوك الحَدِيث.
следующие страницы →