Полный текст (6 131 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
وَالْمَشْهُور مَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَن أبي مَسْعُود مَرْفُوعا: «نهَى عَن ثمن الْكَلْب وَمهر الْبَغي» .
فَائِدَة: الْبَغي - بِسُكُون الْغَيْن وَتَخْفِيف الْيَاء -: الزِّنَا، وبتشديدها وَكسر الْغَيْن: الزَّانِيَة، وَقد رُوِيَ الحَدِيث بهما، وَاحْتج بِرِوَايَة التَّخْفِيف: أَبُو حنيفَة وَمَالك؛ فَقَالَا: لَا مهر إِذا أكره حرَّة أَو أمة عَلَى الزِّنَا. وَنحن نحتج بِرِوَايَة التَّشْدِيد.
الحَدِيث التَّاسِع
«أنَّه ﷺ نهَى عَن مهر الْبَغي» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» كَمَا سلف من حَدِيث أبي مَسْعُود البدري - نزلها وَلم يشهدها فِي قَول الْأَكْثَرين خلافًا لمُحَمد بن شهَاب وَابْن إِسْحَاق و (ابْن إِسْمَاعِيل) البُخَارِيّ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنه شهد الْعقبَة مَعَ السّبْعين (وَكَانَ أَصْغَرهم - وَمهر الْبَغي: مَا يُعْطَى عَلَى الزِّنَا وَهُوَ حرَام) بِالْإِجْمَاع.
الحَدِيث الْعَاشِر
«النَّهْي عَن (عسب) الْفَحْل» .
стр. 4027
هَذَا الحَدِيث سلف الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب الْبيُوع الْمنْهِي عَنْهَا؛ فَليُرَاجع من ثمَّ، وَذكر الرَّافِعِيّ أَيْضا فِي الْبَاب أَن قَول الْغَزالِيّ: لَا يجب فِي غير الْفرس وَالْبَقَرَة يعلم بِالْحَاء وَالْألف. قَالَ: وَالْقَصْد بِمَا ذكر التَّعَرُّض لَهُ لمذهبهما، وَأَن مَا ذَهَبا إِلَيْهِ لَا أثر فِيهِ عَن الصَّحَابَة. وتأوله عندنَا أَن الْأَرْش فِي الْوَاقِعَة كَانَ قدر الرّبع.
قلت: وَهَذَا الْأَثر صرح بِهِ القَاضِي حُسَيْن فِي «تَعْلِيقه» حَيْثُ قَالَ: احْتج بِمَا رُوِيَ عَن عمر بن الْخطاب «أَنه يضمن فِي (إِحْدَى) عَيْني الدَّابَّة بِربع قيمتهَا» ثمَّ أجَاب بِمَا ذكره الرَّافِعِيّ، وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث سعيد بن مَنْصُور (حَدَّثَنَا) إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، ثَنَا أَيُّوب، عَن أبي قلَابَة، قَالَ: (قَالَ) عمر بن الْخطاب: «فِي عين الدَّابَّة ربع قيمتهَا» ثمَّ قَالَ: هَذَا مُنْقَطع. قَالَ: وَرُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عمر «أَنه كتب بِهِ إِلَى شُرَيْح» وَهُوَ أَيْضا مُنْقَطع، وَرَوَاهُ جَابر الْجعْفِيّ - وَهُوَ ضَعِيف - عَن الشّعبِيّ، عَن شُرَيْح «أَن عمر كتب إِلَيْهِ بذلك» وَرَوَاهُ مجَالد عَن الشّعبِيّ قَالَ: «كتب عمر إِلَى شُرَيْح» وَهُوَ مُنْقَطع.
قلت: وَرَوَاهُ ابْن عَيَّاش، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْتَشِر، عَن عُرْوَة الْبَارِقي قَالَ: «كَانَت لي أَفْرَاس فِيهَا فَحل شِرَاؤُهُ عشرُون ألف دِرْهَم ففقأ عينه دهقان، فَأتيت عمر فَكتب إِلَى سعد بن أبي
стр. 4028
وَقاص: أَن خير الدهْقَان بَين أَن يُعْطِيهِ (عشْرين) ألف دِرْهَم وَيَأْخُذ الْفرس، وَبَين (أَن) يَأْخُذ (ربع) الثّمن. فَقَالَ الدهْقَان: مَا (ينْتَفع) بالفرس بعد ربع الثّمن» .
وَعبد الْملك هَذَا من رجال (الصَّحِيحَيْنِ) وَإِن تكلم فِيهِ، وَسَمَاع مُحَمَّد بن عُرْوَة مُمكن، وَقد سمع من ابْن عمر وَعَائِشَة، وَهَذِه الطَّرِيق أفادها الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي فِي «كتاب الْخَيل» ثمَّ رَوَاهُ مَرْفُوعا من حَدِيث أبي نصر يُوسُف بن عمر بن مُحَمَّد بن يُوسُف فِي «السّنَن الْمُخْتَصر» عَن الْبَغَوِيّ، عَن سِنَان بن أُميَّة بن يعْلى، عَن أبي الزِّنَاد، عَن (عَمْرو بن وهيب) ، عَن زيد بن ثَابت «أَن رَسُول الله ﷺ قَضَى فِي عين الْفرس بِربع ثمنه» .
قلت: وَهَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث أبي أُميَّة بِهِ سَوَاء.
стр. 4029
كتاب الشُّفْعَة
ذكر فِيهِ ﵀ سَبْعَة أَحَادِيث:
أَحدهَا
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا شُفْعَة إِلَّا فِي ربع أَو حَائِط» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب بِهَذَا اللَّفْظ، وَفِي الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي حنيفَة، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «لَا شُفْعَة إِلَّا فِي دَار أَو عقار» ثمَّ ضعفه.
الحَدِيث الثَّانِي
عَن جَابر بن عبد الله ﵁ أَنه قَالَ: «إِنَّمَا جعل رَسُول الله ﷺ الشُّفْعَة (فِيمَا) لم يقسم، فَإِذا وَقعت الْحُدُود وصرفت الطّرق فَلَا شُفْعَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه البُخَارِيّ كَذَلِك فِي الشّركَة من «صَحِيحه» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «قَضَى
стр. 4030
رَسُول الله ﷺ بِالشُّفْعَة. .» إِلَى آخِره، وَكَذَا أخرجه فِي هَذَا الْبَاب وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي الْبيُوع «قَضَى رَسُول الله ﷺ بِالشُّفْعَة فِي كل مَا لم يقسم» وَفِي رِوَايَة لَهُ فِيهِ: «جعل رَسُول الله ﷺ الشُّفْعَة فِي (كل) مَال لم يقسم. .» إِلَى آخِره.
فَائِدَة: قَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث قَالَ: عِنْدِي أَن الْمَرْفُوع مِنْهُ إِلَى قَوْله «لم يقسم» وَالثَّانِي يشبه أَن يكون من قَول جَابر؛ لِأَن الأول كَلَام تَامّ وَالثَّانِي كَلَام مُسْتَقل، فَلَو كَانَ الثَّانِي مَرْفُوعا لقَالَ: «وَقَالَ: (وَإِذا) وَقعت الْحُدُود ... » إِلَى آخِره، قَالَ: بذلك استدللنا عَلَى أَن الْكَلَام الْأَخير من قَول جَابر. وَفِيمَا ذكره نظر لَا يخْفَى.
الحَدِيث الثَّالِث
«أنَّه ﷺ قَضَى بِالشُّفْعَة فِي كل [شركَة لم تقسم] ربعَة أَو حَائِط لَا يحل لَهُ أَن يَبِيعهُ حَتَّى يُؤذن شَرِيكه، فَإِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك، وَإِن بَاعه وَلم يُؤذنهُ فَهُوَ أَحَق بِهِ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» بِهَذَا اللَّفْظ من حَدِيث جَابر ﵁ كَذَلِك إِلَّا أَنه قَالَ: «أَن يَبِيع» بدل «أَن يَبِيعهُ» وَقَالَ: «فَإِن بَاعَ» بدل «فَإِن بَاعه» قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ «الشُّفْعَة فِي كل (شرك) ربع أَو حَائِط» .
стр. 4031
قلت: هَذِه الرِّوَايَة صَحِيحَة أخرجهَا مُسلم فِي «صَحِيحه» أَيْضا من هَذَا الْوَجْه وَهَذَا لَفظه «الشُّفْعَة فِي كل شرك فِي أَرض (أَو ربع) أَو حَائِط لَا يصلح أَن يَبِيع حَتَّى يعرض (عَلَى) شَرِيكه [فَيَأْخُذ] أَو يدع فَإِن أَبَى (فشريكه) أَحَق بِهِ حَتَّى يُؤذنهُ» . وأعل ابْن حزم الحَدِيث بِأَن قَالَ: إِن قَالَ قَائِل قد جَاءَ (هَذَا) فِي الْخَبَر من طَرِيق أبي الزبير عَن جَابر، وَفِيه: «لَا يحل لَهُ أَن يَبِيع» . قُلْنَا: لم يذكر فِيهِ أَبُو الزبير سَمَاعا من جَابر، وَهُوَ قد اعْترف عَلَى نَفسه بِأَن (مَا) لم يذكر فِيهِ سَمَاعا فَإِنَّهُ حَدثهُ بِهِ من لم يسمه عَن جَابر. ثمَّ أوردهُ بِنَحْوِ لفظ مُسلم، وَاعْلَم أَن هَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم عَن جَابر من ثَلَاث طرق:
أَحدهَا: من طَرِيق ابْن جريج، عَن أبي الزبير، عَن جَابر كَمَا سَاقه ابْن حزم، وَهُوَ مَا ذكره الرَّافِعِيّ أَولا.
ثَانِيهَا: من رِوَايَة زُهَيْر أبي خَيْثَمَة عَن أبي الزبير، عَن جَابر بِلَفْظ: «من كَانَ لَهُ شريك فِي ربعَة أَو نخل فَلَيْسَ لَهُ أَن يَبِيع حَتَّى يُؤذن شَرِيكه؛ فَإِن رَضِي أَخذ، وَإِن كره ترك» وَفِي هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ لم يُصَرح بِسَمَاع أبي الزبير عَن جَابر.
стр. 4032
ثَالِثهَا: عَن ابْن جريج أَن أَبَا الزبير أخبرهُ أَنه سمع جَابر بن عبد الله يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «الشُّفْعَة فِي كل (شرك فِي) أَرض ... » إِلَى آخِره كَمَا قدمْنَاهُ.
فَائِدَة: الشّرك الِاسْم من الِاشْتِرَاك فِي الْملك، وَالرّبع والربعة - بِفَتْح الرَّاء وَإِسْكَان (الْبَاء) - وَالرّبع: الدَّار والمسكن وَيُطلق عَلَى الأَرْض، وَأَصله الْمنزل الَّذِي كَانُوا يربعون (بِهِ) أَي يسكنونه و (يُقِيمُونَ) فِيهِ. والربعة تأنث الرّبع، وَقيل: هُوَ وَاحِدَة، وَالْجمع الَّذِي هُوَ اسْم الْجِنْس: ربع. والحائط: النّخل يحوط عَلَيْهِ بجدار أَو غَيره. ويؤذنه: يُعلمهُ.
الحَدِيث الرَّابِع
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «الشُّفْعَة فِيمَا لم يقسم؛ فَإِذا وَقعت الْحُدُود فَلَا شُفْعَة» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي، عَن مَالك، عَن ابْن شهَاب، عَن سعيد بن الْمسيب وَأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: ... فَذكره بِهِ سَوَاء، قَالَ الشَّافِعِي: وَأَنا الثِّقَة، عَن معمر، عَن الزُّهْرِيّ، عَن أبي سَلمَة، عَن جَابر بن عبد الله، عَن رَسُول الله ﷺ مثله أَو مثل
стр. 4033
مَعْنَاهُ لَا يُخَالِفهُ. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» من حَدِيث عبد الرَّزَّاق عَن معمر بِهِ بِلَفْظ: «الشُّفْعَة فِيمَا لم يقسم؛ فَإِذا وَقعت الْحُدُود وَعرف النَّاس حُقُوقهم فَلَا شُفْعَة» ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث الشَّافِعِي، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الجني، عَن معمر بِهِ بِلَفْظ: «إِذا حُدت الْحُدُود فَلَا شُفْعَة» قَالَ: وَقد تَابع معمرًا عَلَى [وصل] الحَدِيث صَالح بن أبي (الْأَخْضَر) وَعبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق. وَرَوَاهُ عِكْرِمَة بن عمار، عَن يَحْيَى بن أبي كثير، عَن أبي سَلمَة، عَن جَابر. وَأما حَدِيث مَالك؛ فقد رَوَاهُ عَنهُ عبد الْملك بن الْمَاجشون وَأَبُو عَاصِم وَيَحْيَى بن أبي قتيلة، عَن مَالك مَوْصُولا بِذكر أبي هُرَيْرَة فِيهِ. وَرَوَاهُ ابْن جريج وَابْن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ فَقَالَا: عَن سعيد (أَو) أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة، وَكَانَ ابْن شهَاب لَا يشك فِي رِوَايَته عَن أبي سَلمَة عَن جَابر مَوْصُولا، وَلَا فِي رِوَايَته عَن ابْن الْمسيب عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا، وَإِنَّمَا كَانَ يشك فِي رِوَايَته (عَنْهُمَا) عَن أبي هُرَيْرَة، وَقد قَامَت الْحجَّة بروايته عَن أبي سَلمَة عَن جَابر، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الزبير عَن جَابر، وَقَالَ الْمُزنِيّ بعد حَدِيث مَالك: وَوَصله من غير حَدِيث مَالك: أَيُّوب وَأَبُو الزبير عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ مثل مَعْنَى حَدِيث مَالك، وَإِنَّمَا وَصله الشَّافِعِي من حَدِيث معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن جَابر، وَمن حَدِيث ابْن جريج عَن أبي الزبير
стр. 4034
عَن جَابر؛ فَذكر أَيُّوب خطأ وَقع فِي كتاب الْمُزنِيّ. ثمَّ رَوَاهُ عَن الشَّافِعِي عَن (سعيد) بن سَالم عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير عَن جَابر مَرْفُوعا ... فَذكره بِلَفْظ الرَّافِعِيّ سَوَاء.
الحَدِيث الْخَامِس
أنَّه ﷺ قَالَ: «من ترك حقًّا فلورثته» .
هَذَا الحَدِيث سلف وَاضحا فِي بَاب الضَّمَان، لَكِن بِلَفْظ: «من ترك مَالا» بدل «من ترك حقًّا» .
الحَدِيث السَّادِس
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «الشُّفْعَة كَحَلِّ العقال» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: إِنَّهَا تفوت إِذا لم يبتدر إِلَيْهَا كالبعير الشرود يحل عَنهُ العقال.
هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ دَلِيلا لِلْقَوْلِ الصَّحِيح أَن الشُّفْعَة عَلَى الْفَوْر، وَهُوَ حَدِيث (ضَعِيف) رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» عَن مُحَمَّد بن بشار بنْدَار، عَن مُحَمَّد بن الْحَارِث (عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْبَيْلَمَانِي، عَن أَبِيه، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِهِ، وَأخرجه الْبَزَّار عَن
стр. 4035
مُحَمَّد بن الْمثنى، ثَنَا مُحَمَّد بن الْحَارِث بِهِ) بِلَفْظ: «لَا شُفْعَة لغَائِب وَلَا لصغير وَالشُّفْعَة كحل العقال» .
وَرَوَاهُ عَلّي بن عبد الْعَزِيز فِي «منتخبه» - عَلَى مَا عزاهُ إِلَيْهِ ابْن الْقطَّان وَعبد الْحق - عَن عَفَّان بن مُسلم (ثَنَا) مُحَمَّد بن الْحَارِث بِهِ بِلَفْظ: «لَا شُفْعَة لغَائِب وَلَا لصغير، وَلَا لِشَرِيك عَلَى شَرِيكه إِذا سبقه بِالشِّرَاءِ، وَالشُّفْعَة كحل العقال» وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف، اشْتَمَل عَلَى ثَلَاثَة ضعفاء:
أحدهم: مُحَمَّد بن الْحَارِث وَهُوَ مَتْرُوك، قَالَ يَحْيَى بن معِين: لَيْسَ بِشَيْء. وَترك أَبُو زرْعَة حَدِيثه، وَلم يقرَّاه عَلَيْهِ فِي الشُّفْعَة - يَعْنِي: هَذَا الحَدِيث - وَقَالَ عَمْرو بن عليّ: أَحَادِيثه مُنكرَة مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ ابْن عدي: عَامَّة حَدِيثه لَا يُتَابع عَلَيْهِ. وَخَالف ابْن حبَان فَذكره فِي «ثقاته» وَالْبَزَّار فَقَالَ: هُوَ رجل لَيْسَ بِهِ بَأْس. قَالَ: وَإِنَّمَا تَأتي نكرَة هَذِه الْأَحَادِيث من ابْن الْبَيْلَمَانِي.
ثانيهم: مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْبَيْلَمَانِي وَهُوَ مُنكر الحَدِيث، كَمَا قَالَه خَ وَغَيره، وَقَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ ابْن حبَان: حدث عَن أَبِيه بنسخة شَبِيها بِمِائَتي حَدِيث كلهَا مَوْضُوعَة؛ لَا يجوز الِاحْتِجَاج
стр. 4036
بِهِ إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب. وَقَالَ ابْن عدي: كل مَا يرويهِ ابْن الْبَيْلَمَانِي فالبلاء مِنْهُ.
ثالثهم: عبد الرَّحْمَن وَالِده وَهُوَ لين خير من وَلَده، قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم: هُوَ لين. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف لَا تقوم بِهِ حجَّة إِذا وصل الحَدِيث (فَكيف) بِمَا يُرْسِلهُ؟ وَقَالَ ابْن الْقطَّان: لم تثبت عَدَالَته وَهُوَ ظَاهر الضعْف. وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» فِي التَّابِعين ثمَّ قَالَ: لَا (يجوز أَن يعْتد بِشَيْء من حَدِيثه إِذا كَانَ من رِوَايَة ابْنه) لِأَن ابْنه يضع عَلَى أَبِيه الْعَجَائِب.
قلت: وَقد شهد غير وَاحِد من الْحفاظ لهَذَا الحَدِيث بالضعف، قَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان: هَذَا الْخَبَر لَا أصل لَهُ. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سُئِلَ أَبُو زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: هَذَا (حَدِيث) مُنكر، وَلم يقْرَأ علينا فِي كتاب الشُّفْعَة وضربنا عَلَيْهِ. وَلما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» بِاللَّفْظِ السالف، أَعنِي: لفظ ابْن عبد الْعَزِيز فِي بَاب عقده لبَيَان أَلْفَاظ مُنكرَة يذكرهَا بعض الْفُقَهَاء فِي مسَائِل الشُّفْعَة. وَقَالَ: مُحَمَّد بن الْحَارِث مَتْرُوك، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن ضَعِيف، ضعفهما يَحْيَى بن معِين وَغَيره من أَئِمَّة أهل الحَدِيث. وَقَالَ فِي «خلافياته» : هَذَا حَدِيث لَيْسَ بِثَابِت، وَابْن الْبَيْلَمَانِي ضَعِيف. وَقَالَ: عبد الْحق: (هَذَا حَدِيث
стр. 4037
ضَعِيف الْإِسْنَاد، فِيهِ) الْبَيْلَمَانِي وَغَيره. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: مُحَمَّد بن الْحَارِث (ضَعِيف جدًّا) أَسْوَأ حَالا من ابْن الْبَيْلَمَانِي وَأَبِيهِ.
الحَدِيث السَّابِع
أنَّه ﷺ قَالَ: «الشُّفْعَة لمن واثبها» وَيروَى: «الشُّفْعَة كنشطة العقال، إِن قيدت ثبتَتْ وَإِلَّا فاللوم عَلَى من تَركهَا» .
هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ أَيْضا دَلِيلا لِلْقَوْلِ الصَّحِيح أَن الشُّفْعَة عَلَى الْفَوْر، وَتبع فِي إِيرَاده صَاحب «الشَّامِل» وَالْقَاضِي أَبَا الطّيب، وَذكره الْمَاوَرْدِيّ أَيْضا فَقَالَ: وَرُوِيَ عَنهُ أنَّه ﷺ قَالَ: «الشُّفْعَة لمن واثبها» يَعْنِي: لمن بادرها، وَرُوِيَ: «الشُّفْعَة كنشطة العقال؛ فَإِن أَخذهَا فَهِيَ لَهُ وَإِن تَركهَا رَجَعَ بالملامة عَلَى نَفسه» وَعَزاهُ عبد الْحق إِلَى رِوَايَة أبي مُحَمَّد - يَعْنِي: ابْن حزم - أَنه ذكره من رِوَايَة ابْن عمر مَرْفُوعا: «الشُّفْعَة كحل العقال؛ فَإِن قيدها مَكَانَهُ ثَبت حَقه وَإِلَّا فاللوم عَلَيْهِ» قَالَ عبد الْحق: وَهُوَ أَيْضا من حَدِيث الْبَيْلَمَانِي. ذكره عَنهُ بعد أَن عزاهُ إِلَى (منتخب) عَلّي بن عبد الْعَزِيز وَالْبَزَّار كَمَا أسلفناه، فَقَالَ: وَذكره أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ فِيهِ: «الشُّفْعَة كحل العقال؛ فَإِن قيدها مَكَانَهُ ثَبت حَقه وَإِلَّا فاللوم عَلَيْهِ» .
стр. 4038
وَاعْترض ابْن الْقطَّان بِأَن قَالَ - بعد أَن سَاقه من طَرِيق الْبَزَّار السالف من هَذَا الطَّرِيق بِهَذَا الْإِسْنَاد - سَاقه ابْن حزم فِي «محلاه» بِهَذَا اللَّفْظ وَزَاد فِيهِ: «من مثل بمملوكه فَهُوَ حر، وَهُوَ مولَى الله وَرَسُوله، وَالنَّاس عَلَى شروطهم مَا وَافق الْحق» وَلم يذكر الزِّيَادَة الَّتِي أوردهَا عبد الْحق عَنهُ الَّتِي هِيَ «فَإِن قيدها مَكَانَهُ ... » إِلَى آخِره، وَلَعَلَّه رَآهَا لَهُ فِي غير «الْمُحَلَّى» وَهَذَا الَّذِي زَاده ابْن حزم فِي «محلاه» من أَمر العَبْد والشروط لم يذكرهُ الْبَزَّار فِي حَدِيث الشُّفْعَة، وَإِنَّمَا أورد أَمر العَبْد (بِالْإِسْنَادِ) الْمَذْكُور حَدِيثا، وَكَذَلِكَ أَمر الشَّرْط، وَمَعَهُ: «المنحة مَرْدُودَة» حَدِيثا، وأظن [أَن] ابْن حزم لما كَانَ ذَلِكَ كُله بِإِسْنَاد وَاحِد لفَّقَه تشنيعًا عَلَى الْخُصُوم الآخذين بعض مَا رُوِيَ بِهَذَا الْإِسْنَاد والتاركين (لبعضه) وَإِلَّا فَالْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ كَمَا أَخْبَرتك.
فَائِدَة: قَوْله: «لمن واثبها» قد قدمنَا عَن الْمَاوَرْدِيّ أَن مَعْنَاهُ: بَادر إِلَيْهَا. وَعبارَة المطرزي فِي «المعرب» قَوْله: «لمن واثبها» أَي: طلبَهَا عَلَى وَجه المسارعة والمبادرة، مفاعلة من الْوُثُوب عَلَى الِاسْتِعَارَة، واللوم فِي الْخَبَر العذل، بذال مُعْجمَة، يُقَال: لمته لومًا؛ أَي: عذلته، واللائمة الْمَلَامَة، وَإِنَّمَا مثل بِحل العقال؛ لِأَنَّهُ ينْحل سَرِيعا، وَكَأَنَّهُ يَقُول: زمن اسْتِحْقَاق طلب الشُّفْعَة زمن حل العقال. وَقد سلف عَن الرَّافِعِيّ تَفْسِيره، وَتبع فِيهِ الإِمَام قَوْله: «كنشطة من عقال» (كنى بِهِ أَيْضا عَن السرعة، وَمِنْه
стр. 4039
حَدِيث الرّقية: «كَأَنَّمَا أنشط من عقال» ) قَالَ ابْن فَارس: نشطت الْحَبل إِذا عقدت، وأنشطت إِذا حلت. وَضَبطه ابْن [معن] فِي «تنقيبه» بِفَتْح النُّون والشين الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة. وَكَذَا ضَبطه بِفَتْح الشين.
خَاتِمَة: ذكر الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْبَاب «أَن السّنة السَّلَام قبل الْكَلَام» وَهَذَا حَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث جَابر أَنه ﵊ قَالَ: «السَّلَام قبل الْكَلَام» لكنه حَدِيث ضَعِيف، لَا جرم قَالَ التِّرْمِذِيّ: إِنَّه حَدِيث مُنكر لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَسمعت مُحَمَّدًا - يَعْنِي: البُخَارِيّ - يَقُول: عَنْبَسَة بن عبد الرَّحْمَن - يَعْنِي: الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده - ضَعِيف فِي الحَدِيث ذَاهِب، وَمُحَمّد بن زَاذَان - يَعْنِي: الْمَذْكُور فِيهِ أَيْضا - مُنكر الحَدِيث. وَذكره الْبَغَوِيّ فِي «مصابيحه» فِي الْحساب عَلَى اصْطِلَاحه. وَقَالَ بعض حفاظ بَغْدَاد فِي كَلَامه عَلَيْهِ: إِنَّه حَدِيث مَوْضُوع. قَالَ عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» : فَأحْسن مِنْهُ حَدِيث ابْن (عمر) مَرْفُوعا: «السَّلَام قبل السُّؤَال، من بَدَأَكُمْ بالسؤال قبل السَّلَام فَلَا تجيبوه» وَعَزاهُ إِلَى ابْن عدي. وَابْن عدي رَوَاهُ من طَرِيق حَفْص بن عمر الْأَيْلِي. قَالَ أَبُو حَاتِم: كَانَ شَيخا كذابا.
стр. 4040
كتاب الْقَرَاض
стр. 4041
كتاب الْقَرَاض
ذكر فِيهِ حَدِيث عُرْوَة الْبَارِقي وَقد سلف فِي أَوَائِل البيع، وَذكر فِيهِ أَيْضا آثارًا.
أَحدهَا: مَا ذكره الشَّافِعِي فِي «اخْتِلَاف الْعِرَاقِيّين» أَن أَبَا حنيفَة رَوَى عَن حميد بن عبد الله بن عبيد الْأنْصَارِيّ، عَن أَبِيه، عَن جده «أَن عمر بن الْخطاب ﵁ أعطي مَال يَتِيم مُضَارَبَة، فَكَانَ (يعْمل) بِهِ فِي الْعرَاق» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» عَن الْحَاكِم، عَن الْأَصَم، عَن الرّبيع عَنهُ أَنه حَكَاهُ فِي «اخْتِلَاف الْعِرَاقِيّين» عَن بعض أهل الْعرَاق عَن حميد ... فَذكره، وَزَاد بعد قَوْله «وَكَانَ يعْمل بِهِ فِي الْعرَاق» : لَا نَدْرِي كَيفَ قاطعه عَلَى الرِّبْح. و «اخْتِلَاف الْعِرَاقِيّين» بِفَتْح الْيَاء الأولَى وَكسر النُّون عَلَى لفظ التَّثْنِيَة، وَالْمرَاد بهما: ابْن أبي لَيْلَى وَأبي حنيفَة، وَكَذَا ضَبطه النَّوَوِيّ فِي «تَهْذِيب اللُّغَات» وَهُوَ كتاب صنفه الشَّافِعِي من جملَة كتاب «الْأُم» وَيذكر فِيهِ الْمسَائِل الَّتِي اخْتلف فِيهَا أَبُو حنيفَة وَابْن أبي لَيْلَى، فَتَارَة يخْتَار أَحدهمَا و (يزيف) الآخر، وَتارَة (يزيفهما) مَعًا
стр. 4042
ويختار غَيرهمَا.
فَائِدَة: قَالَ ابْن دَاوُد: الَّذِي أعطَاهُ عمر هَذَا المَال هُوَ عبيد الْأنْصَارِيّ، بَعثه ليتجر فِيهِ بِالْبَحْرَيْنِ يكون الرِّبْح بَينهمَا نِصْفَيْنِ. هَذَا كَلَامه وَالَّذِي أسلفناه عَن رِوَايَة الشَّافِعِي أَنه رَاوِي الْقِصَّة فَلْينْظر ذَلِكَ.
فَائِدَة أُخْرَى: رَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يفعل كَفعل وَالِده. أخرجه من حَدِيث هِشَام عَن أَيُّوب عَنهُ «أَنه كَانَ يكون عِنْده مَال الْيَتِيم فيزكيه وَيُعْطِيه مُضَارَبَة ويستقرض مِنْهُ» .
الْأَثر الثَّانِي: «أَن عبد الله وَعبيد الله ابْني عمر بن الْخطاب ﵁ لقيا أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ بِالْبَصْرَةِ منصرفهما من غَزْوَة نهاوند، فتسلفا مِنْهُ مَالا وابتاعا بِهِ مَتَاعا، وقدما الْمَدِينَة فباعاه وربحا فِيهِ، فَأَرَادَ عمر ﵁ أَخذ رَأس المَال وَالرِّبْح كُله، فَقَالَا: لَو تلف كَانَ ضَمَانه علينا، فَكيف لَا يكون ربحه لنا؟ ! فَقَالَ رجل لأمير الْمُؤمنِينَ: لَو جعلته قراضا. فَقَالَ: قد جعلته. وَأخذ مِنْهُمَا نصف الرِّبْح» .
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَالشَّافِعِيّ فِي «الْأُم» عَنهُ، عَن زيد بن أسلم، عَن أَبِيه أَنه قَالَ: «خرج عبد الله وَعبيد الله ابْنا عمر بن الْخطاب (فِي) جَيش إِلَى الْعرَاق، فَلَمَّا قفلا مرَّا عَلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، فَرَحَّبَ بهما وَسَهل، وَهُوَ أَمِير الْبَصْرَة، فَقَالَ: لَو أقدر لَكمَا عَلَى أَمر (أنفعكما بِهِ) لفَعَلت. ثمَّ قَالَ: بلَى؛ هَا هُنَا مَال من مَال الله،
стр. 4043
أُرِيد أَن أبْعث بِهِ إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فأسلفكماه، فتبتاعان بِهِ مَتَاعا من مَتَاع الْعرَاق، فتبيعانه بِالْمَدِينَةِ فتؤديان رَأس المَال إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَيكون لَكمَا الرِّبْح. فَقَالَا: وَدِدْنَا (ذَلِكَ فَفعل) فَكتب إِلَى عمر أَن يَأْخُذ مِنْهُمَا المَال، فَلَمَّا قدما الْمَدِينَة باعا وربحا، فَلَمَّا دفعا ذَلِكَ إِلَى عمر قَالَ: أكل الْجَيْش أسلفه كَمَا أسلفكما؟ قَالَا: لَا. قَالَ (عمر بن الْخطاب: ابْنا) أَمِير الْمُؤمنِينَ فأسلفكما، أديا المَال وَربحه. فَأَما عبد الله (فَسكت) وَأما عبيد الله فَقَالَ: (مَا) يَنْبَغِي لَك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا، لَو نقص (هَذَا) المَال أَو هلك لضمناه. فَقَالَ عمر: أدياه. فَسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فَقَالَ رجل من جلساء عمر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو جعلته قراضا. فَقَالَ عمر: قد جعلته قراضا. فَأخذ عمر رَأس المَال وَنصف ربحه، وَأخذ عبد الله وَعبيد الله ابْنا عمر بن الْخطاب نصف المَال» . وَفِي رِوَايَة الشَّافِعِي عَن مَالك: «فَلَمَّا قفلا مرَّا عَلَى عَامل لعمر» وَذكره فِي «الْمُخْتَصر» مُخْتَصرا فَقَالَ: رُوِيَ عَن عمر «أَنه صيَّر ربح ابنيه فِي المَال الَّذِي تسلفاه بالعراق وربحا فِيهِ بِالْمَدِينَةِ فَجعله قراضا، عِنْدَمَا قَالَ لَهُ رجل من أَصْحَابه: لَو جعلته قراضا. فَفعل» .
فَوَائِد:
الأولَى: قَالَ الرَّافِعِيّ: هَذَا الرجل قيل: إِنَّه عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
стр. 4044
قلت: تبع فِيهِ الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» فَإِنَّهُ صرح بِهِ فِي رِوَايَته، وَتبع فِيهِ الإِمَام؛ فَإِنَّهُ ذكره كَذَلِك فِي «نهايته» وَتبع فِيهِ القَاضِي حُسَيْن فَإِنَّهُ ذكره كَذَلِك، وَكَذَا ذكره ابْن دَاوُد فِي «شرح الْمُخْتَصر» وَحَكَاهُ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى «الْمُهَذّب» عَن بَعضهم.
الثَّانِيَة: مَعْنَى «رحب بهما وَسَهل» قَالَ: مرْحَبًا وسهلاً (وَمَعْنى «لقيتما رحبًا من الأرَض» أَي: سَعَة وسهلاً) أَي: غير حزن. وَقَوله «من مَال الله» يُرِيد الْفَيْء، وَكَانَ هَذَا المَال مائَة ألف دِرْهَم، كَمَا قَالَه ابْن دَاوُد فِي «شرح الْمُخْتَصر» وَابْن [معن] فِي «تنقيبه» . وَقَوله: «ابْنا أَمِير الْمُؤمنِينَ فأسلفكما» يَعْنِي فعل ذَلِكَ تقربًا إليَّ. وَقَوله: «لَو جعلته قراضا» وَقع فِي رِوَايَة القَاضِي حُسَيْن وَالْغَزالِيّ فِي «وسيطه» : «لَو جعلته قراضا عَلَى النّصْف» وَذكر القَاضِي بعض قَوْله «لضمناه» : قَالَ لَهُ عمر: بلَى.
الثَّالِثَة: «نهاوند» الْمَذْكُورَة فِي رِوَايَة الرَّافِعِيّ، وَكَذَا إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ فِي «وسيطه» بِضَم النُّون كَمَا قَالَه السَّمْعَانِيّ قَالَ: وَهِي مَدِينَة من بِلَاد الْجَبَل، قيل: إِن نوحًا (بناها، وَكَانَ اسْمهَا: نوح أوند، فأبدلوا الْحَاء هَاء.
الرَّابِعَة: قَالَ الرَّافِعِيّ: أظهر مَا ذكره الْأَصْحَاب فِي مَحل هَذِه الْقِصَّة، وَبِه قَالَ ابْن سُريج: إِن مَا جَرَى كَانَ قرضا صَحِيحا وَكَانَ الرِّبْح
стр. 4045
وَرَأس المَال لَهما، لَكِن عمر ﵁ (استنزلهما) عَن بعض الرِّبْح خيفة أَن يكون قصد أبي مُوسَى (إرفاقهما لَا رِعَايَة مصلحَة بَيت المَال، وَلذَلِك قَالَ فِي بعض الرِّوَايَات: «أَو أسلف كل الْجَيْش) كَمَا أسلفكما» . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : تَأَول الْمُزنِيّ هَذِه الْقِصَّة بِأَنَّهُ سَأَلَهُمَا لبره الْوَاجِب عَلَيْهِمَا أَن يجعلا كُله للْمُسلمين فَلم يجيباه، فَلَمَّا طلب النّصْف أجاباه عَن طيب أَنفسهمَا. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَيحْتَمل أَن عمر عاملهما بذلك كَمَا شاطر عماله أَمْوَالهم. وَحَكَى ابْن دَاوُد عَن بعض أَصْحَابنَا أَن مَعْنَى قَول عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: «لَو جعلته قراضا» أَي: لَو جعلت حكمه حكم الْقَرَاض.
الْأَثر الثَّالِث: عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب عَن أَبِيه «أَن عُثْمَان بن عَفَّان أعطَاهُ مَالا مقارضة» .
هَذَا الْأَثر حَكَاهُ الشَّافِعِي فِي «اخْتِلَاف الْعِرَاقِيّين» عَن عبد الله بن عَلّي، عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب، عَن أَبِيه «أَن عُثْمَان أعْطى مَالا مقارضة - يَعْنِي مُضَارَبَة» . وَذكره عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» وَذكره الشَّافِعِي فِي «الْأُم» فِي «اخْتِلَاف الْعِرَاقِيّين» فَقَالَ: وَرَوَى أَبُو حنيفَة ﵁ عَن عبد الله ... فَذكره بِهِ سَوَاء.
وَرَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب، عَن أَبِيه، عَن جده «أَنه عمل فِي مَال لعُثْمَان بن عَفَّان
стр. 4046
عَلَى أَن الرِّبْح (عَلَيْهِمَا) » وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق [ابْن بكير] عَن مَالك (كَذَلِك، وَمن طَرِيق ابْن وهب، عَن) مَالك، أَخْبرنِي الْعَلَاء (بن) عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب، عَن أَبِيه أَنه قَالَ: «جِئْت عُثْمَان بن عَفَّان فَقلت لَهُ (قد قدمت سلْعَة فَهَل لَك أَن تُعْطِينِي مَالا فأشتري بذلك فَقَالَ: أتراك فَاعِلا؟ قلت: نعم، وَلَكِنِّي رجل مكَاتب فأشتريها عَلَى أَن الرِّبْح بيني وَبَيْنك. قَالَ: نعم) فَأَعْطَانِي مَالا عَلَى ذَلِكَ» .
الْأَثر الرَّابِع وَالْخَامِس وَالسَّادِس وَالسَّابِع وَالثَّامِن: عَن عَلّي وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وَحَكِيم بن حزَام ﵃ «تَجْوِيز الْمُضَاربَة» .
أما أثر عَلّي فَغَرِيب لَا يحضرني من خرجه عَنهُ، وَأما أثر ابْن مَسْعُود فَذكره «الشَّافِعِي» فِي «اخْتِلَاف الْعِرَاقِيّين» فَقَالَ: وَرَوَى أَبُو حنيفَة عَن حَمَّاد، عَن إِبْرَاهِيم «أَن عبد الله بن مَسْعُود أعْطى زيد بن خليدة مَالا مقارضة» وَذكره الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» عَن الشَّافِعِي فِي «اخْتِلَاف الْعِرَاقِيّين» بلاغًا، وَأما أثر ابْن عَبَّاس فَغَرِيب عَنهُ، نعم رَوَى عَن أَبِيه «أَنه كَانَ إِذا دفع مَالا مُضَارَبَة اشْترط عَلَى صَاحبه أَن لَا يسْلك بِهِ بحرًا وَلَا
стр. 4047
ينزل بِهِ وَاديا، وَلَا يَشْتَرِي بِهِ ذَات كبد رطبَة؛ فَإِن فعل ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِن، فَرفع شَرطه إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأَجَازَهُ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» وَقَالَ: تفرد بِهِ أَبُو الْجَارُود زِيَاد بن الْمُنْذر، وَهُوَ كُوفِي ضَعِيف، كذبه يَحْيَى بن معِين - أَي: وَقَالَ: إِنَّه عَدو الله لَا يُسَاوِي فلسًا - وَضَعفه الْبَاقُونَ.
(وَأما أثر جَابر، فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث ابْن لَهِيعَة، عَن أبي الزبير، عَن جَابر بن عبد الله «أَنه سَأَلَهُ عَن الرجل يُعْطي الرجل المَال قراضا فَيشْتَرط لَهُ كَمَا أعطَاهُ نَحْو يَوْم يَأْخُذهُ قَالَ: لَا بَأْس بذلك) (وَأما أثر حَكِيم) بن حزَام فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث ابْن لَهِيعَة وحيوة بن شُرَيْح، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْأَسدي، عَن عُرْوَة بن الزبير، عَنهُ «أَنه كَانَ يدْفع المَال (مُضَارَبَة) مقارضة إِلَى أجل وَيشْتَرط عَلَيْهِ أَن لَا يمر بِهِ بطن وادٍ وَلَا يبْتَاع بِهِ حَيَوَانا وَلَا يحملهُ فِي بَحر فَإِن فعل شَيْئا من ذَلِكَ فقد ضمن ذَلِكَ المَال. قَالَ: فَإِذا تعدى أمره ضمنه من فعل ذَلِكَ. وَذكر الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب أَن السّنة الظَّاهِرَة وَردت فِي الْمُسَاقَاة وَهُوَ كَمَا قَالَ، كَمَا ستعلمه فِي الْبَاب الْآتِي عَلَى الإثر.
стр. 4048
كتاب الْمُسَاقَاة والمزارعة وَالْمُخَابَرَة
стр. 4049
كتاب الْمُسَاقَاة والمزارعة و (المخابرة)
ذكر فِيهِ ﵀ سَبْعَة أَحَادِيث:
أَحدهَا
عَن ابْن عمر ﵄ «أَن رَسُول الله ﷺ عَامل أهل خَيْبَر بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا من تمر أَو زرع» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» كَذَلِك، وَلَهُمَا غير ذَلِكَ من الْأَلْفَاظ.
الحَدِيث الثَّانِي
«أنَّه ﷺ عَامل أهل خَيْبَر بالشطر مِمَّا يخرج من النّخل وَالشَّجر» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» عَن ابْن صاعد، ثَنَا يُوسُف الْقطَّان وَشُعَيْب بن أَيُّوب قَالَا: ثَنَا ابْن نمير، عَن عبد الله، عَن
стр. 4050
نَافِع، عَن ابْن عمر «أَن رَسُول الله ﷺ عَامل أهل خَيْبَر بِشَطْر مَا يخرج من النّخل وَالزَّرْع» وَقَالَ يُوسُف: «من النّخل وَالشَّجر» وَقَالَ: ابْن صاعد وهم فِي ذكر الشّجر وَلم يقلهُ (غَيره) .
الحَدِيث الثَّالِث
عَن ابْن عمر ﵁ قَالَ: «كُنَّا نخابر وَلَا نرَى بذلك بَأْسا حَتَّى أخبرنَا رَافع بن خديج أَن النَّبِي ﷺ نهَى عَنْهَا (فتركناها) لقَوْل رَافع بن خديج» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الْمُخْتَصر» عَن سُفْيَان قَالَ: سَمِعت عَمْرو بن دِينَار يَقُول: سَمِعت ابْن عمر يَقُول: «كُنَّا نخابر ... » فَذكره كَمَا أوردهُ الرَّافِعِيّ سَوَاء. وَرَوَاهُ الرّبيع، عَن الشَّافِعِي، ثَنَا سُفْيَان ... فَذكره إِلَّا أَنه قَالَ: «حَتَّى زعم» بدل «أخبرنَا» وَقَالَ: «من (أجل) ذَلِكَ» بدل «لقَوْل رَافع بن خديج» .
وَرَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث أبي بكر بن أبي شيبَة وَغَيره، عَن سُفْيَان وَغَيره، عَن عَمْرو قَالَ: سَمِعت ابْن عمر يَقُول: «كُنَّا لَا نرَى بالْخبر بَأْسا حَتَّى كَانَ عَام أول زعم رَافع بن خديج أَن نَبِي الله ﷺ نهَى عَنهُ» (و) فِي لفظ «فتركناه من أَجله» .
стр. 4051
الحَدِيث الرَّابِع وَالْخَامِس
عَن جَابر وَغَيره «أَن النَّبِي ﷺ نهَى عَن المخابرة» .
أما حَدِيث جَابر فَأخْرجهُ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَكَذَا د، س، وت وَقَالَ: حسن. وَأما حَدِيث غَيره فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث زيد بن ثَابت ﵁ وَأخرج من حَدِيث جَابر - رَفعه -: «من لم يذر المخابرة فليؤذن بِحَرب من الله وَرَسُوله» .
الحَدِيث السَّادِس
عَن ثَابت بن الضَّحَّاك «أَن رَسُول الله ﷺ نهَى عَن الْمُزَارعَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث عبد الله بن السَّائِب قَالَ: «دَخَلنَا عَلَى عبد الله بن معقل فَسَأَلْنَاهُ عَن (الْمُزَارعَة) فَقَالَ: (زعم) ثَابت بن الضَّحَّاك أَن رَسُول الله ﷺ -
стр. 4052
نهَى عَن الْمُزَارعَة وَأمر بالمؤاجرة، وَقَالَ: لَا بَأْس (بهَا)) .
الحَدِيث السَّابِع
«أنَّه ﷺ ساقى أهل خَيْبَر عَلَى نصف التَّمْر وَالزَّرْع» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن عمر قَالَ: «لما افتتحت خَيْبَر سَأَلت الْيَهُود رَسُول الله ﷺ أَن يقرهم فِيهَا عَلَى أَن يعملوا عَلَى نصف مَا يخرج مِنْهَا من التَّمْر وَالزَّرْع، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أقركم (فِيهَا) عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا» .
الحَدِيث الثَّامِن
«أنَّه ﷺ خرص عَلَى أهل خَيْبَر» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي بَاب (زَكَاة) المعشرات؛ فَرَاجعه من ثمَّ.
стр. 4053
كتاب الْإِجَارَة
стр. 4054
كتاب الْإِجَارَة
ذكر فِيهِ خَمْسَة أَحَادِيث:
أَحدهَا
أنَّه ﷺ قَالَ: «أعْطوا الْأَجِير أجره قبل أَن يجِف عرقه» .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق (كلهَا ضَعِيفَة) :
أَحدهَا: من حَدِيث ابْن عمر رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم، عَن أَبِيه، (عَنهُ) مَرْفُوعا بِهِ. وَعبد الرَّحْمَن هَذَا ضَعَّفُوهُ كَمَا تقدم فِي أَوَائِل الْكتاب.
ثَانِيهَا: من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أَصْغَر معاجمه» وَقَالَ: لم يروه عَن أبي الزبير إِلَّا شَرْقي بن قطامي تفرد بِهِ مُحَمَّد بن زِيَاد [الْكَلْبِيّ] .
قلت: شَرْقي ضعفه زَكَرِيَّا السَّاجِي، وَمُحَمّد بن زِيَاد قَالَ
стр. 4055
ابْن معِين: لَا شَيْء.
ثَالِثهَا: من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَعَلِيهِ اقْتصر صَاحب «الْمُهَذّب» وَذكرت فِي تخريجي لأحاديثه أَن الْبَيْهَقِيّ رَوَاهُ من ثَلَاث طرق وَالْكل ضَعِيفَة، وَإِن كَانَ هُوَ لم يضعف إِلَّا وَاحِدًا مِنْهَا، وذكرته ثمَّ من طَرِيقين آخَرين عَن أبي هُرَيْرَة وَكِلَاهُمَا ضَعِيف فراجع ذَلِكَ مِنْهُ. وَذكر هَذَا الحَدِيث الْبَغَوِيّ فِي «مصابيحه» فِي قسم الْجِنَازَة عَلَى (اصْطِلَاحه فِي ذَلِكَ ثمَّ ادَّعَى إرْسَاله.
تَنْبِيه) : اجْتنب مَا وَقع فِي كَلَام بعض العصريين عَلَى أَحَادِيث الْهِدَايَة وَالْخُلَاصَة من عزوه هَذَا الحَدِيث إِلَى البُخَارِيّ تقليدًا لمن قبله من العصريين فاحذر ذَلِكَ.
الحَدِيث الثَّانِي
(رُوِيَ أَنه ﵊ قَالَ: «من اسْتَأْجر أَجِيرا) فليعلمه أجره» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث عبد الله بن الْمُبَارك، عَن أبي حنيفَة، عَن حَمَّاد، عَن إِبْرَاهِيم، عَن الْأسود، عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ : «لَا يساوم الرجل عَلَى سوم أَخِيه، وَلَا يخْطب عَلَى خطْبَة أَخِيه، وَلَا تناجشوا، وَلَا تبايعوا بإلقاء الْحجر، وَمن اسْتَأْجر أَجِيرا فليعلمه أجره» ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: كَذَا رَوَاهُ أَبُو حنيفَة عَن حَمَّاد بِهِ،
стр. 4056
وَقيل من وَجه آخر ضَعِيف عَن [ابْن مَسْعُود] وَرَوَاهُ عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن حَمَّاد (عَن) إِبْرَاهِيم (عَن) أبي سعيد الْخُدْرِيّ «أَن رَسُول الله ﷺ نهَى عَن اسْتِئْجَار الْأَجِير - يَعْنِي: حَتَّى يبين لَهُ أجره» .
(وَهُوَ) مُرْسل بَين إِبْرَاهِيم وَأبي سعيد، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ معمر عَن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان مُرْسلا.
الحَدِيث الثَّالِث
«نَهْيه (عَن قفيز الطَّحَّان» .
هَذَا النَّهْي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث وَكِيع وَعبيد الله بن مُوسَى قَالَا: ثَنَا سُفْيَان، عَن هِشَام أبي كُلَيْب، عَن (ابْن أبي نعم) عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: «نُهي عَن (عسب) الْفَحْل (زَاد عبيد الله: وَعَن قفيز الطَّحَّان» وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» فِي بَاب النَّهْي عَن عسب الْفَحْل) بعد أَن رَوَاهُ هَكَذَا من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ. وَرَوَاهُ ابْن الْمُبَارك عَن سُفْيَان، كَمَا رَوَاهُ عبيد الله وَقَالَ: «نهَى» وَكَذَلِكَ قَالَه إِسْحَاق الْحَنْظَلِي
стр. 4057
عَن وَكِيع «نهَى عَن (عسب) الْفَحْل» .
وَرَوَاهُ عَطاء بن السَّائِب عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي نعم قَالَ: «نهَى رَسُول الله ﷺ ... » فَذكره (وَذكره) عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» عَن الدَّارَقُطْنِيّ بِلَفْظ عَن أبي سعيد «نهَى رَسُول الله ﷺ عَن (عسب) الْفَحْل وقفيز الطَّحَّان» وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة فِي «مطلبه» فِي عزوه إِلَى الدَّارَقُطْنِيّ كَذَلِك ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ... فَذكره بِلَفْظ (الدَّارَقُطْنِيّ) الَّذِي نَقَلْنَاهُ أَولا من «سنَنه» وَالْبَيْهَقِيّ نَفسه سَاقه من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ، وَقد تعقب ابْن الْقطَّان عبد الْحق فَقَالَ: كَذَا ذكره عبد الْحق وَقد بحثت عَنهُ فَلم أَجِدهُ؛ إِنَّمَا هُوَ فِي كتاب الدَّارَقُطْنِيّ هَكَذَا «نُهي» مَبْنِيّ لما لم يسم فَاعله، وَلَعَلَّ قَائِلا يَقُول: [لَعَلَّه] اعْتقد فِيمَا يَقُوله الصَّحَابِيّ [من] هَذَا مَرْفُوعا. فَنَقُول لَهُ: إِنَّمَا عَلَيْهِ أَن ينْقل لنا رِوَايَته لَا رَأْيه، فَلَعَلَّ من بلغه يرَى غير مَا يرَاهُ من ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يقبل مِنْهُ نُقوله لَا قَوْله.
قلت: وَبعد هَذَا كُله فَالْحَدِيث مَعْلُول؛ فَإِن شيخ سُفْيَان وَهُوَ هِشَام الْمَذْكُور لَا نعرفه، لَا جرم قَالَ الذَّهَبِيّ فِي «مِيزَانه» : هَذَا خبر مُنكر،
стр. 4058
وَرِجَاله لَا تعرف. وَأما بعض شُيُوخنَا فَقَالَ بعد أَن ذكره كَمَا ذكره عبد الْحق بِسَنَد جيد: لَيْسَ فِيهِ مَا ينظر فِيهِ إِلَّا عنعنة الثَّوْريّ عَن هِشَام أبي كُلَيْب، وَهِشَام ثِقَة وَمثل هَذَا لَا يقصر عَن رُتْبَة الْحسن إِن لم يصل إِلَى رُتْبَة الصَّحِيح. قَالَ: وَأَرْجُو أَنه صَحِيح - إِن شَاءَ الله - هَذَا لَفظه وَلَا أَدْرِي من أَيْن وَقع لَهُ تَوْثِيق هِشَام؟ ! فَإِن ثَبت فَالْأَمْر كَمَا قَالَه.
فَائِدَة: (هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ دَلِيلا عَلَى أَنه إِذا اسْتَأْجر الطَّحَّان بالنخالة أَو بِصَاع من الدَّقِيق أَنه يفْسد، وَقَالَ الْمجد فِي «أَحْكَامه» ) . فسر الْقَوْم «قفيز الطَّحَّان» بطحن الطَّعَام بِجُزْء مِنْهُ مطحونًا لما فِيهِ من اسْتِحْقَاق طحن قدر الْأُجْرَة لكل [وَاحِد] مِنْهَا عَلَى الآخر، وَذَلِكَ متناقض، قَالَ: وَقيل: لَا بَأْس بذلك مَعَ الْعلم بِقَدرِهِ، وَإِنَّمَا الْمنْهِي عَنهُ طحن الصُّبْرَة لَا يعلم كيلها بقفيز مِنْهَا وَإِن شَرط حبًّا؛ لِأَن مَا عداهُ مَجْهُول فَهُوَ كبيعها إِلَّا قَفِيزا مِنْهَا.
قلت: وَفِي «الغريبين» للهروي أَن ابْن الْمُبَارك قَالَ: إِن صورته أَن تَقول: اطحن بِكَذَا وَزِيَادَة قفيز من نَفْس الطَّحْن. قَالَ صَاحب «الْمطلب» : وَكَيف كَانَ، فَهَل ذَلِكَ لأجل أَنه لَا يعرف كَيْفيَّة الدَّقِيق بعد الطَّحْن هَل هُوَ ناعم أَو خشن؟ وَالْغَرَض يخْتَلف بِهِ، أَو لأجل أَنه جعل الْأُجْرَة مَا يحصل بِعَمَل الآخر؛ فَهِيَ غير مَقْدُور عَلَيْهَا فِي الْحَال، أَو لأجل أَنه تَأْجِيل فِي الْأَعْيَان أَنه حصر الْأُجْرَة فِي الْقَمْح المطحون وَجعل اسْتِحْقَاقه بعد الطَّحْن، وَذَلِكَ تَأْجِيل لَهُ بِأَجل مَجْهُول، فِيهِ احتمالات. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون النَّهْي لأجل كل مِنْهَا؛ فَإِن أصُول الشَّرْع تَقْتَضِيه.
стр. 4059
الحَدِيث الرَّابِع
عَن جَابر ﵁ (أَنه بَاعَ فِي بعض الْأَسْفَار بَعِيرًا من رَسُول الله ﷺ عَلَى أَن يكون لَهُ ظَهره إِلَى الْمَدِينَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وكرره البُخَارِيّ فِي عدَّة أَبْوَاب وَقد ذكرته بِطرقِهِ فِي «شرح الْعُمْدَة» فَرَاجعه مِنْهُ فَإِنَّهُ يُسَاوِي رحْلَة.
الحَدِيث الْخَامِس
رُوِيَ «أنَّه ﷺ قَالَ فِي قصَّة الَّتِي عرضت نَفسهَا عَلَيْهِ لبَعض الْقَوْم: أُرِيد أَن أزَوجك هَذِه إِن رضيت. فَقَالَ: مَا رضيت لي يَا رَسُول الله فقد رضيت. فَقَالَ للرجل: هَل عنْدك شَيْء؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَا تحفظ من الْقُرْآن؟ قَالَ: سُورَة الْبَقَرَة وَالَّتِي تَلِيهَا. قَالَ: (قُم) فعلمها (عشْرين) آيَة وَهِي امْرَأَتك» .
هَذَا الحَدِيث أَصله فِي «الصَّحِيحَيْنِ» بِغَيْر هَذِه السِّيَاقَة، كَمَا ستعلمه - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - فِي النِّكَاح، وَرَوَاهُ بنحوها أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث عِسل - بِكَسْر الْعين وَإِسْكَان السِّين (الْمُهْمَلَتَيْنِ) - عَن
стр. 4060
عَطاء بن أبي (رَبَاح) ، عَن أبي هُرَيْرَة نَحْو هَذِه الْقِصَّة - يَعْنِي: قصَّة سُؤال الرجل للنَّبِي (أَن يُزَوجهُ الواهبة نَفسهَا - قَالَ أَبُو دَاوُد: لم يذكر الْإِزَار و (الْخَاتم) فَقَالَ: «مَا تحفظ من الْقُرْآن؟ قَالَ: سُورَة الْبَقَرَة أَو الَّتِي تَلِيهَا. قَالَ: (قُم) فعلمها عشْرين آيَة وَهِي امْرَأَتك» وَرَوَاهُ بهَا النَّسَائِيّ من هَذَا الْوَجْه وَهَذَا لَفظه: «جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله ﷺ فعرضت نَفسهَا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: اجلسي. فَجَلَست سَاعَة ثمَّ قَامَت، قَالَ: اجلسي بَارك الله فِيك؛ أما نَحن فَلَا حَاجَة لنا فِيك، وَلَكِن تملكيني أَمرك؟ قَالَت: نعم. فَنظر رَسُول الله ﷺ فِي وُجُوه الْقَوْم فَدَعَا رجلا مِنْهُم، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيد أَن أزَوجك هَذَا إِن رضيت. قَالَت: مَا رضيت لي يَا رَسُول الله فقد رضيت. ثمَّ قَالَ للرجل: هَل عنْدك من شَيْء؟ قَالَ: لَا وَالله يَا رَسُول الله. قَالَ: قُم إِلَى النِّسَاء. فَقَامَ إلَيْهِنَّ فَلم يجد (عِنْدهن) شَيْئا، قَالَ: وَمَا تحفظ من الْقُرْآن؟ قَالَ: سُورَة الْبَقَرَة - أَو الَّتِي تَلِيهَا - قَالَ: قُم فعلمها عشْرين آيَة وَهِي امْرَأَتك» كَذَا وَقع فِيهِ أَن الْمَشْرُوط رِضَاهَا - أَي: الْمَرْأَة لَا الرجل - كَمَا وَقع فِي الرَّافِعِيّ، وَعسل هَذَا هُوَ ابْن سُفْيَان بن (يربوعي) بَصرِي، كنيته: أَبُو (قُرَّة) وَقد ضَعَّفُوهُ، قَالَ
стр. 4061
أَبُو حَاتِم: مُنكر الحَدِيث. وَيشْتَبه بعَسَل - بِفَتْح الْعين وَالسِّين - بن ذكْوَان الأخباري. هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب.
وَذكر فِيهِ من الْآثَار ثَلَاثَة:
أَحدهَا: عَن عَلّي ﵁ «أَنه أجر نَفسه من يَهُودِيّ يَسْتَقِي لَهُ كل دلو بتمرة» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث حَنش، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «أصَاب نَبِي الله ﷺ خصَاصَة، فَبلغ ذَلِكَ عليًّا ﵇ فَخرج يلْتَمس عملا يُصِيب فِيهِ شَيْئا [ليقيت بِهِ] رَسُول الله ﷺ فَأَتَى بستانًا لرجل من الْيَهُود فاستقى لَهُ سَبْعَة عشر دلوًا كل دلو بتمرة، [فخيره] الْيَهُودِيّ من تمره [سبع عشرَة] عَجْوَة فجَاء بهَا إِلَى النَّبِي ﷺ » وحنش هَذَا ضَعَّفُوهُ إِلَّا الْحَاكِم؛ فَإِنَّهُ وَثَّقَهُ، وَسَماهُ مُسلم: حُسَيْنًا، قَالَ: وَيُقَال: حسن. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بالسند الْمَذْكُور وباللفظ أَيْضا، وَزَاد فِي آخِره: «فَقَالَ: من أَيْن هَذَا يَا أَبَا (الْحُسَيْن) ؟ فَقَالَ: بَلغنِي مَا بك من الْخَصَاصَة يَا نَبِي الله، فَخرجت التمس عملا لأصيب لَك طَعَاما. قَالَ: فحملك عَلَى هَذَا حب الله وَرَسُوله؟ قَالَ (عَلّي) : نعم يَا نَبِي الله. فَقَالَ نَبِي الله ﷺ : وَالله مَا من عبد يحب الله وَرَسُوله إِلَّا
стр. 4062
الْفقر أسْرع (إِلَيْهِ) من جرية السَّيْل عَلَى وَجهه، من أحب الله وَرَسُوله فليعد تحفافا - وَإِنَّمَا يَعْنِي: الصَّبْر» .
وَله طَرِيق ثَان من حَدِيث عَلّي رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» بِنَحْوِ من لفظ ابْن مَاجَه: «وَجعل الْأُجْرَة» لكنه من رِوَايَة مُجَاهِد عَنهُ، وَهُوَ مُنْقَطع. قَالَ أَبُو زرْعَة: مُجَاهِد عَن عَلّي مُرْسل. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: إِنَّه أدْركهُ لَا يذكر رُؤْيَة وَلَا سَمَاعا. وَقَالَ الدوري: قيل ليحيى بن معِين: رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: «خرج علينا عَلّي» . قَالَ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْء. وَله طَرِيق ثَالِث من حَدِيث أبي حَيَّة (عَن) عَلّي قَالَ: «كنت أدلو الدَّلْو بتمرة وأشرط أَنَّهَا جلدَة» . رَوَاهُ ابْن مَاجَه، عَن مُحَمَّد (بن بشار) ، ثَنَا عبد الرَّحْمَن، ثَنَا سُفْيَان، عَن أبي إِسْحَاق، عَن أبي حَيَّة ... فَذكره، وَهَذَا إِسْنَاد جيد، لَا جرم ذكره ابْن السكن فِي «صحاحه» والجلدة: الْيَابِسَة [الجيدة] قَالَه الْجَوْهَرِي.
الْأَثر الثَّانِي وَالثَّالِث: عَن عمر وَعلي «تضمين الْأَجِير الْمُشْتَرك» .
وَهَذَا يرْوَى عَنْهُمَا بِضعْف، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : قَالَ الشَّافِعِي: قد رُوي من وَجه لَا يثبت أهلُ الحَدِيث مثله «أَن عَلّي بن أبي طَالب ضمن الغسَال والصباغ، وَقَالَ: لَا يصلح للنَّاس إِلَّا ذَلِكَ» أَخْبرنِي
стр. 4063
إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه أَن عليًّا قَالَ ذَلِكَ. قَالَ الشَّافِعِي: وَرُوِيَ (عَن عمر) تضمين بعض الصُنَّاع من وَجه أَضْعَف من هَذَا، وَلم يعلم وَاحِدًا مِنْهُمَا يثبت، قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن عَلّي من وَجه آخر: أَنه كَانَ لَا يضمن أحدا من الأُجراء) من وَجه لَا يثبت مثله، قَالَ: وثابتٌ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح أَنه قَالَ: «لَا ضَمَان عَلَى صانع، وَلَا عَلَى أجِير» ثمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد [عَن أَبِيه] عَن عَلّي: «أَنه كَانَ يضمن الصباغَ والصانعَ، وَقَالَ: لَا يصلح للنَّاس إِلَّا ذَاك» . وَعَن خلاس: «أَن عليًّا كَانَ يضمن الْأَجِير» .
ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: حَدِيث جَعْفَر [عَن أَبِيه] عَن عَلّي مُرْسلا، وَأهل الْعلم يضعفون أَحَادِيث خلاس عَن عَلّي، وَقد رَوَى جَابر الْجعْفِيّ - وَهُوَ ضَعِيف - عَن الشّعبِيّ قَالَ: «كَانَ عَلّي يضمن الْأَجِير» .
стр. 4064
كتاب الجُعَالة
стр. 4065
كتاب الجُعَالة
قَالَ الرَّافِعِيّ: استأنسوا لَهُ بقوله تَعَالَى: (وَلمن جَاءَ بِهِ حمل بعير وَأَنا بِهِ زعيم) ويحتج لَهُ (أَيْضا) بِحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الثَّابِت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» فِي أَخذ الْجعل عَلَى الرّقية، وَقَالَ ﵇: «قد أصبْتُم، فَقَسِّمُوا واضربوا لي (مَعكُمْ) بسهمٍ» وَضحك رَسُول الله ﷺ » .
وَقد ذكره الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» وبسطتُ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي تخريجي لأحاديثه؛ فَرَاجعه مِنْهُ، انْتَهَى.
следующие страницы →