Полный текст (6 131 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
أَبُو حَاتِم: مُنكر الحَدِيث. وَيشْتَبه بعَسَل - بِفَتْح الْعين وَالسِّين - بن ذكْوَان الأخباري. هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب.
وَذكر فِيهِ من الْآثَار ثَلَاثَة:
أَحدهَا: عَن عَلّي ﵁ «أَنه أجر نَفسه من يَهُودِيّ يَسْتَقِي لَهُ كل دلو بتمرة» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث حَنش، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «أصَاب نَبِي الله ﷺ خصَاصَة، فَبلغ ذَلِكَ عليًّا ﵇ فَخرج يلْتَمس عملا يُصِيب فِيهِ شَيْئا [ليقيت بِهِ] رَسُول الله ﷺ فَأَتَى بستانًا لرجل من الْيَهُود فاستقى لَهُ سَبْعَة عشر دلوًا كل دلو بتمرة، [فخيره] الْيَهُودِيّ من تمره [سبع عشرَة] عَجْوَة فجَاء بهَا إِلَى النَّبِي ﷺ » وحنش هَذَا ضَعَّفُوهُ إِلَّا الْحَاكِم؛ فَإِنَّهُ وَثَّقَهُ، وَسَماهُ مُسلم: حُسَيْنًا، قَالَ: وَيُقَال: حسن. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بالسند الْمَذْكُور وباللفظ أَيْضا، وَزَاد فِي آخِره: «فَقَالَ: من أَيْن هَذَا يَا أَبَا (الْحُسَيْن) ؟ فَقَالَ: بَلغنِي مَا بك من الْخَصَاصَة يَا نَبِي الله، فَخرجت التمس عملا لأصيب لَك طَعَاما. قَالَ: فحملك عَلَى هَذَا حب الله وَرَسُوله؟ قَالَ (عَلّي) : نعم يَا نَبِي الله. فَقَالَ نَبِي الله ﷺ : وَالله مَا من عبد يحب الله وَرَسُوله إِلَّا
стр. 4062
الْفقر أسْرع (إِلَيْهِ) من جرية السَّيْل عَلَى وَجهه، من أحب الله وَرَسُوله فليعد تحفافا - وَإِنَّمَا يَعْنِي: الصَّبْر» .
وَله طَرِيق ثَان من حَدِيث عَلّي رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» بِنَحْوِ من لفظ ابْن مَاجَه: «وَجعل الْأُجْرَة» لكنه من رِوَايَة مُجَاهِد عَنهُ، وَهُوَ مُنْقَطع. قَالَ أَبُو زرْعَة: مُجَاهِد عَن عَلّي مُرْسل. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: إِنَّه أدْركهُ لَا يذكر رُؤْيَة وَلَا سَمَاعا. وَقَالَ الدوري: قيل ليحيى بن معِين: رُوِيَ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: «خرج علينا عَلّي» . قَالَ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْء. وَله طَرِيق ثَالِث من حَدِيث أبي حَيَّة (عَن) عَلّي قَالَ: «كنت أدلو الدَّلْو بتمرة وأشرط أَنَّهَا جلدَة» . رَوَاهُ ابْن مَاجَه، عَن مُحَمَّد (بن بشار) ، ثَنَا عبد الرَّحْمَن، ثَنَا سُفْيَان، عَن أبي إِسْحَاق، عَن أبي حَيَّة ... فَذكره، وَهَذَا إِسْنَاد جيد، لَا جرم ذكره ابْن السكن فِي «صحاحه» والجلدة: الْيَابِسَة [الجيدة] قَالَه الْجَوْهَرِي.
الْأَثر الثَّانِي وَالثَّالِث: عَن عمر وَعلي «تضمين الْأَجِير الْمُشْتَرك» .
وَهَذَا يرْوَى عَنْهُمَا بِضعْف، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : قَالَ الشَّافِعِي: قد رُوي من وَجه لَا يثبت أهلُ الحَدِيث مثله «أَن عَلّي بن أبي طَالب ضمن الغسَال والصباغ، وَقَالَ: لَا يصلح للنَّاس إِلَّا ذَلِكَ» أَخْبرنِي
стр. 4063
إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه أَن عليًّا قَالَ ذَلِكَ. قَالَ الشَّافِعِي: وَرُوِيَ (عَن عمر) تضمين بعض الصُنَّاع من وَجه أَضْعَف من هَذَا، وَلم يعلم وَاحِدًا مِنْهُمَا يثبت، قَالَ: وَقد رُوِيَ عَن عَلّي من وَجه آخر: أَنه كَانَ لَا يضمن أحدا من الأُجراء) من وَجه لَا يثبت مثله، قَالَ: وثابتٌ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح أَنه قَالَ: «لَا ضَمَان عَلَى صانع، وَلَا عَلَى أجِير» ثمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد [عَن أَبِيه] عَن عَلّي: «أَنه كَانَ يضمن الصباغَ والصانعَ، وَقَالَ: لَا يصلح للنَّاس إِلَّا ذَاك» . وَعَن خلاس: «أَن عليًّا كَانَ يضمن الْأَجِير» .
ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: حَدِيث جَعْفَر [عَن أَبِيه] عَن عَلّي مُرْسلا، وَأهل الْعلم يضعفون أَحَادِيث خلاس عَن عَلّي، وَقد رَوَى جَابر الْجعْفِيّ - وَهُوَ ضَعِيف - عَن الشّعبِيّ قَالَ: «كَانَ عَلّي يضمن الْأَجِير» .
стр. 4064
كتاب الجُعَالة
стр. 4065
كتاب الجُعَالة
قَالَ الرَّافِعِيّ: استأنسوا لَهُ بقوله تَعَالَى: (وَلمن جَاءَ بِهِ حمل بعير وَأَنا بِهِ زعيم) ويحتج لَهُ (أَيْضا) بِحَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الثَّابِت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» فِي أَخذ الْجعل عَلَى الرّقية، وَقَالَ ﵇: «قد أصبْتُم، فَقَسِّمُوا واضربوا لي (مَعكُمْ) بسهمٍ» وَضحك رَسُول الله ﷺ » .
وَقد ذكره الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» وبسطتُ الْكَلَام عَلَيْهِ فِي تخريجي لأحاديثه؛ فَرَاجعه مِنْهُ، انْتَهَى.
стр. 4066
كتاب إحْيَاء الْموَات
стр. 4067
كتاب إحْيَاء الْموَات
ذكر فِيهِ أَحَادِيث و (أثرين)
- أمَّا الْأَحَادِيث فخمسة (وَعِشْرُونَ) حَدِيثا:
أَحدهَا
عَن سعيد بن زيد ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من أَحْيَا أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، كَمَا سلف فِي الْغَصْب وَاضحا.
الحَدِيث الثَّانِي
عَن عَائِشَة ﵂ عَن النبى (قَالَ: «من عمَّر أَرضًا لَيست لأحد فَهُوَ أَحَق بهَا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» كَذَلِك، وَزَاد: «قَالَ عُرْوَة بن الزبير: قَضَى بِهِ عمر فِي خِلَافَته» . ذكره فِي بَاب: من أَحْيَا أَرضًا مواتًا.
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، إِلَّا أَنه قَالَ: «من أَحْيَا» بدل:
стр. 4068
«من عمر» وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث ابْن لَهِيعَة عَن أبي الْأسود، عَن عُرْوَة (عَنْهَا) مَرْفُوعا بِلَفْظ البُخَارِيّ.
فَائِدَة: قَوْله: «عَمَّر» هُوَ فعْل ثلاثي، أَوله عين، وَفِي بعض النّسخ: «أعمر» رباعيًا بِهَمْزَة قبل الْعين، وَلَيْسَ بِصَحِيح، وَلَا يُطَابق التَّبْوِيب.
الحَدِيث الثَّالِث
عَن سَمُرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من أحَاط حَائِطا عَلَى أَرض فَهِيَ لَهُ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» عَنهُ، ثَنَا مُحَمَّد بن بشر، ثَنَا سعيد، عَن قَتَادَة، عَن الْحسن، عَن سَمُرَة، عَن النَّبِي ﷺ بِهِ سَوَاء.
وَكَذَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَذكره ابْن السكن فى «سنَنه الصِّحَاح» وَقد أسلفنا لَك مَا فِي سَماع الْحسن من سَمُرَة، وَله شَاهد من حَدِيث جَابر بن عبد الله أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من أحَاط حَائِطا عَلَى أَرض فَهِيَ لَهُ» .
رَوَاهُ عبد بن حميد فِي «مُسْنده» عَن مُحَمَّد بن بشر الْعَبْدي، عَن
стр. 4069
سعيد بن أبي (عرُوبَة) ، (ثَنَا قَتَادَة) عَن (سُلَيْمَان) الْيَشْكُرِي، عَن جَابر مَرْفُوعا بِهِ.
الحَدِيث الرَّابِع
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «عادي الأَرْض لله وَرَسُوله، ثمَّ هِيَ لكم مني» وَرُوِيَ: «مَوَتَانِ الأَرْض لله وَرَسُوله، ثمَّ هِيَ لكم مني أَيهَا الْمُسلمُونَ» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: يعنىِ: الْموَات.
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الأول الشَّافِعِي عَن سُفْيَان، عَن ابْن طَاوس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من أَحْيَا مواتًا من الأَرْض فَهُوَ لَهُ، وعادىِ الأَرْض لله وَرَسُوله، ثمَّ هِيَ لكم مني» .
وَكَذَا فِي الْمسند لَهُ أَيْضا، وَكَذَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث قبيصَة، عَن سُفْيَان، عَن ابْن طَاوس، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «من أَحْيَا شَيْئا من موتان الأَرْض فَلهُ رقبَتهَا، وعادي الأَرْض لله وَلِرَسُولِهِ، ثمَّ لكم من بعدِي» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ هِشَام بن (حُجَيْر) عَن طَاوس
стр. 4070
فَقَالَ: «ثمَّ هِيَ لكم مني» ثمَّ أخرجه من حَدِيث: مُحَمَّد بن فُضَيْل، عَن لَيْث، عَن طَاوس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «عادي الأَرْض لله وَلِرَسُولِهِ، ثمَّ لكم من بعد، فَمن أَحْيَا شَيْئا من موَات الأَرْض فَهُوَ أَحَق بِهِ» وَلَيْث هَذَا هُوَ ابْن (أبي) سُليم، وَقد علمتَ حَاله فِيمَا مَضَى. وَرَوَاهُ بِاللَّفْظِ الثَّانِي الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث: كريب، ثَنَا مُعَاوِيَة، حَدثنَا سُفْيَان، عَن ابْن طَاوس، عَن أَبِيه، عَن (ابْن) عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «مَوَتان الأَرْض لله وَلِرَسُولِهِ، فَمَنْ أحْيَا (مِنْهَا) شَيْئا فَهُوَ لَهُ» .
ثمَّ قَالَ: تفرد بِهِ مُعَاوِيَة بن هِشَام مَرْفُوعا مُتَّصِلا.
قلت: (وَهُوَ) صَدُوق ثِقَة، من رجال مُسلم، وَغلط ابْن الْجَوْزِيّ فَذكره فِي «ضُعَفَائِهِ» وَقَالَ: رَوَى مَا لَيْسَ من سَمَاعه؛ فَتَرَكُوهُ. لَا جرم، لمَّا ذكره الذَّهَبِيّ فِي «الْمُغنِي» قَالَ: إِنَّه ثِقَة، غلط من تكلم فِيهِ. فَأَشَارَ بذلك إِلَى مقَالَة ابْن الْجَوْزِيّ هَذِه فِيهِ. وَقَول الرَّافِعِيّ فِي هَذِه الرِّوَايَة: «ثمَّ هِيَ لكم مني أَيهَا الْمُسلمُونَ» تبع فِي إيرادها كَذَلِك الْبَغَوِيّ وَالْإِمَام.
فَائِدَة: قَوْله: «عاديّ الأَرْض» هُوَ بتَشْديد الْيَاء، يُرِيد: ديار عَاد
стр. 4071
وَثَمُود وَمن بعدهمْ، وَعبارَة ابْن دَاوُد فِي «شرح الْمُخْتَصر» : أَنه الَّذِي كَانَت عِمَارَته قبل بعثة الْأَنْبِيَاء بالشرائع، وَالْيَاء فِي «عاديّ الأَرْض» مشدَّدة. وَقَوله: «موتان الأَرْض» قَالَ الرَّافِعِيّ: هُوَ بِفَتْح الْمِيم وَالْوَاو (و) قَالَ الْخطابِيّ: وَفِيه لُغَة أُخْرَى وَهُوَ: بِفَتْح الْمِيم وَإِسْكَان الْوَاو، وأمَّا «المُوْتان» : بِالضَّمِّ وَإِسْكَان الْوَاو فَهُوَ: الْمَوْت الذريع. وَمَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن الْخطابِيّ رَأَيْته فِي كِتَابه «إصْلَاح الْأَلْفَاظ الَّتِي صحَّفها الروَاة فِي الحَدِيث» وَقَالَ ابْن بري: الصَّحِيح فِي الرِّوَايَة «مَوَتان» بِالْفَتْح فيهمَا، وَهِي: الأَرْض الَّتِي لم تُحيى بعد، وَأما «موْتان» بِسُكُون الْوَاو فَهُوَ: الوجع، يُقَال: رجل موتان الْفُؤَاد، وَامْرَأَة موتانة الْفُؤَاد.
فَائِدَة فقهية: قَالَ الجُوري من أَصْحَابنَا: موَات الأَرْض صَار ملكا للنَّبِي (بقوله: «عادي الأَرْض لله وَلِرَسُولِهِ» فرَدَّها عَلَى أُمَّتِه بقوله: «ثمَّ هِيَ لكم» .
الحَدِيث الْخَامِس
عَن جَابر ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من أَحْيَا أَرضًا ميتَة فَلهُ (بهَا) أجرٌ، وَمَا أكله العوافي مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث (عبيد الله) بن عبد الرَّحْمَن الْأنْصَارِيّ، عَن جَابر بِهِ سَوَاء، إِلَّا أَنه قَالَ: «وَمَا
стр. 4072
أكلت الْعَافِيَة» بدل: «وَمَا أكله العوافي» وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من هَذَا الْوَجْه، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» بِأَلْفَاظ؛ أَحدهَا من هَذَا الْوَجْه، وَهَذَا اللَّفْظ، أَعنِي «الْعَافِيَة» بدل «العوافي» ، وَقَالَ: «فَهُوَ لَهُ صَدَقَة» .
ثمَّ قَالَ: ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن (عبيد الله) هَذَا مَجْهُول لَا يعرف وَلَا يعلم لَهُ سَماع من جَابر. ثمَّ سَاقه من حَدِيث هِشَام، حَدثنِي (عبيد الله) بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع بن خديج، سَمِعت جَابر بن عبد الله يَقُول: «من أَحْيَا أَرضًا ميتَة فَلهُ أجر، وَمَا أكلت الْعَافِيَة فَلهُ بهَا أجر» .
ثمَّ قَالَ: ذكْرُ الْخَبَر الدَّال عَلَى أَن الذمِّي إِذا أَحْيَا أَرضًا ميتَة لم تكن لَهُ. سَاقه من حَدِيث هشيم، عَن وهب بن كيسَان، عَن جَابر رَفعه «من أَحْيَا أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ، (وَله أجر) وَمَا أكلتِ العوافي مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَة» .
وَهَذِه الطَّرِيقَة رَوَاهَا التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» إِلَى قَوْله: «فَهِيَ لَهُ» ثمَّ قَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. ثمَّ قَالَ ابْن حبَان: قد سمع هِشَام بن عُرْوَة هَذَا الْخَبَر من وهبِ بن كيسَان، و (عبيد الله) بن عبد الرَّحْمَن، عَن جَابر، وهما طَرِيقَانِ محفوظان. وَقَالَ: وَفِي هَذَا الْخَبَر دَلِيل عَلَى أَن
стр. 4073
الذِّمِّيّ إِذا أَحْيَا أَرضًا لم تكن لَهُ؛ فَإِن الصَّدَقَة لَا تكون إِلَّا للْمُسلمِ. ونازعه فِي ذَلِك الطَّبَرِيّ فِي «أَحْكَامه» فَقَالَ: فِيمَا ذكره نظر؛ إِذْ الْكَافِر يتَصَدَّق ويجازى عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَبِه ورد الحَدِيث.
فَائِدَة: العوافي: الطير والوحش والضباع، مَأْخُوذ من قَول: عَفَوْت فلَانا أعفوه. إِذا أَتَيْته تطلب معروفه، وَفِي «الْحَاوِي» للماوردي: والعوافي جمع عَافِيَة، وَهُوَ طَالب الْفضل.
قلت: وَهُوَ مَا جزم بِهِ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» حَيْثُ قَالَ عقب الْخَبَر الْمَذْكُور: طلاب الرزق يُسمَّون الْعَافِيَة. وَذكر الْبَيْهَقِيّ حَدِيثا فِي أثْنَاء أَبْوَاب الزَّكَاة فِيهِ ذكر العوافي، ثمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا العوافي؟ (قَالُوا) : الله وَرَسُوله أعلم. قَالَ: الطير والسِّبَاع» . وَأخرجه الْحَاكِم كَذَلِك فِي التَّفْسِير من «مُسْتَدْركه» ثمَّ قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد. ذكره من حَدِيث عَوْف بن مَالك، وَكَذَا أخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» وَقَالَ الدَّارمِيّ - بعد أَن أخرجه فِي «مُسْنده» -: الْعَافِيَة: الطير وَغير ذَلِك.
الحَدِيث السَّادِس
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَلَيْسَ للذمِّي تَمْلِيكًا (بِالْإِحْيَاءِ) وَلَا يَأْذَن لَهُ
стр. 4074
الإِمَام فِيهِ، وَلَو أذن لَهُ الإِمَام فأحياها.
لم يُمَلَّك، وَفِي قَوْله ﵊: «ثمَّ هِيَ لكم مني أَيهَا الْمُسلمُونَ» مَا يَقْتَضِي التَّخْصِيص بهم.
هَذَا الحَدِيث تقدَّم بَيَانه، إِلَّا قَوْله: «أَيهَا الْمُسلمُونَ» فَإِنِّي لم أرها فِي رِوَايَة كَذَلِك، وَقد أسلفنا أَن الرَّافِعِيّ تبع فِي إيرادِها الْبَغَوِيّ وَالْإِمَام.
الحَدِيث السَّابِع
رُوي أَنه ﵇ قَالَ: « (عادي) الأَرْض لله وَلِرَسُولِهِ، ثمَّ هِيَ لكم مني» .
هَذَا الحَدِيث تقدَّم بَيَانه فِي الحَدِيث الرَّابِع من أَحَادِيث الْبَاب.
الحَدِيث الثَّامِن
روُي أنَّه ﷺ قَالَ: «من أَحْيَا أَرضًا ميتَة فِي غير حق مُسلم فَهِيَ لَهُ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث أُمِّ الْجنُوب بنت نُميلة بالنُّون عَلَى الْمَشْهُور، وبخط ابْن طَاهِر: تُمَيْلة، بِالْمُثَنَّاةِ، وضبطها بَعضهم بِالْمُثَلثَةِ عَن أمهَا سويدة بنت جَابر، عَن أُمِّها (عقيلة)
стр. 4075
- بِفَتْح الْعين - بنت أسمر بن مُضرس، عَن أَبِيهَا مَرْفُوعا: «من سبق إِلَى مَا لم يسْبقهُ إِلَيْهِ مُسلم فَهُوَ لَهُ. قَالَ: فَخرج النَّاس يتعادون يتخاطون» وَهُوَ حَدِيث غَرِيب. قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ: لَا أعلم بِهَذَا الْإِسْنَاد حَدِيثا غَيره. وَأخرجه الضياء فِي «الْأَحَادِيث المختارة» .
قلت: «وأُمُّ جنوب» رَوَت عَن أُمها وأبيها أَيْضا، كَمَا أَفَادَهُ الصّريفيني، قَالَ: وَفِي الأَصْل «نجيلة» بدل «نميلَة» وَرَوَى حَدِيثهَا ابْن مَنْدَه فَقَالَ: عَن أُمِّ جميل بنت نميلَة، رَوَى عَنْهَا عبد الحميد بن عبد الْوَاحِد الغنوي، و (أمهَا) سويدة لَا أعلمها رَوَت عَن غير أُمِّها عقيلة، وَلَا رَوَى عَنْهَا غير ابْنَتهَا أم جنوب، وَكَذَا (أمهَا) عقيلة لَا أعلم روتْ عَن غير أَبِيهَا وَلَا رَوَى عَنْهَا غير ابْنَتهَا سويدة (وَقَالَ) الصريفيني: ذكرهَا خَ.
و «أسمر» هَذَا، قَالَ أَبُو عُمر: يُقَال: إِنَّه أَخُو عُرْوَة بن مُضرس.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث كثير بن عبد الله، عَن أَبِيه، عَن جده: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من أَحْيَا مواتًا من الأَرْض فِي غير حق (لمُسلم) فَهُوَ لَهُ، وَلَيْسَ لعرق ظَالِم حق» .
و «كثير» هَذَا ضعَّفوه بِمرَّة، كَمَا سبق فِي صَلَاة الْعِيدَيْنِ ثمَّ كتاب الصُّلْح، وَذكره ابْن السكن فِي (صحاحه» بِلَفْظ «يُروى» وَهِي صِيغَة
стр. 4076
تمريض، وَوهم ابْن الطلاع حَيْثُ عَزَاه فِي «أَحْكَامه» إِلَى البخاريِّ.
الحَدِيث التَّاسِع
عَن عبد الله بن (مُغفل) ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «من احتفر بِئْرا فَلهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعا حولهَا لعطن مَاشِيَته» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الْوَهَّاب (بن) عَطاء وَغَيره، عَن إِسْمَاعِيل الْمَكِّيّ، عَن الْحسن، عَن عبد الله بن مُغفل أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من حفر بِئْرا فَلهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعا عطنًا لماشيته» . . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من هَذَا الْوَجْه بألفاظٍ:
أَحدهَا: «حَرِيم الْبِئْر أَرْبَعُونَ ذِرَاعا عطنًا لماشيته» .
ثَانِيهَا: «من احتفر بِئْرا فَلهُ مَا حواليها أَرْبَعُونَ ذِرَاعا (عطنًا) لإبله وماشيته» .
ثَالِثهَا: «من احتفر بِئْرا فَلهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعا حولهَا عطنًا لماشيته» .
رَابِعهَا: «من احتفر بِئْرا فَلَيْسَ لأحد أَن يحْفر حولهَا أَرْبَعِينَ ذِرَاعا، عطنًا لماشيته» .
стр. 4077
وَهَذَا حَدِيث ضَعِيف (إِسْمَاعِيل الْمَكِّيّ ضَعَّفُوهُ، أما) عبد الْوَهَّاب بن عَطاء؛ فَهُوَ من رجال مُسلم، حَدِيثه حسن، ضعفه أَحْمد، وأمَّا ابْن الْجَوْزِيّ فَنقل (فِيهِ) فِي «تَحْقِيقه» عَن الرَّازِيّ أَنه كَانَ يكذب، وَعَن الْعقيلِيّ وَالنَّسَائِيّ أَنه مَتْرُوك الحَدِيث. وَهَذَا قَالُوهُ فِي «عبد الْوَهَّاب بن الضَّحَّاك» لَا فِي هَذَا؛ فَتنبه لَهُ، وَقد مَشَى فِي «ضُعَفَائِهِ» عَلَى الصَّوَاب، فَنقل ذَلِك فِي تَرْجَمَة ابْن الضَّحَّاك لَا هَذَا.
الحَدِيث الْعَاشِر
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «حَرِيم الْبِئْر الْبَدِيِّ خَمْسَة وَعِشْرُونَ ذِرَاعا، وحريم الْبِئْر العادية خَمْسُونَ ذِرَاعا» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث الزُّهْرِيّ، عَن سعيد بن الْمسيب، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء، ثمَّ قَالَ: الصَّحِيح أَنه مُرْسل عَن ابْن الْمسيب، وَمن أسْندهُ فقد وهم. وَقَالَ فِي «علله» : إِن الْمُرْسل أشبه. قلت: وَفِي الْمسند (مُحَمَّد بن يُوسُف) الْمُقْرِئ شَيْخُ شيخِ الدَّارَقُطْنِيّ وَقد نسبه هُوَ - أَعنِي: الدَّارَقُطْنِيّ - إِلَى الْوَضع فِي الحَدِيث والقراءات.
стр. 4078
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث يُونُس، عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: أَخْبرنِي سعيد بن الْمسيب «أَن حَرِيم الْبِئْر الْبَدِيِّ خَمْسَة وَعِشْرُونَ ذِرَاعا نَوَاحِيهَا كلهَا، وحريم العادية خَمْسُونَ ذِرَاعا من نَوَاحِيهَا كلهَا، وحريم بِئْر الزَّرْع ثَلَاثمِائَة ذِرَاع من نَوَاحِيهَا كلهَا» قَالَ: وَقَالَ الزُّهْرِيّ: وَسمعت النَّاس يَقُولُونَ: حَرِيم الْعُيُون خَمْسمِائَة ذِرَاع. وَكَذَلِكَ معمر عَن الزُّهْرِيّ. وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن أُميَّة عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «حَرِيم الْبِئْر العادية خَمْسُونَ ذِرَاعا (وحريم بِئْر الْبَدِيِّ خَمْسَة وَعِشْرُونَ ذِرَاعا. قَالَ سعيد بن الْمسيب من قبل نَفسه) : وحريم قليب الزَّرْع ثَلَاثمِائَة ذِرَاع» .
وَهَذَا ذكره أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» وَمن جِهَته أخرجه الْبَيْهَقِيّ ثمَّ قَالَ: ورُوي من حَدِيث معمر وَإِبْرَاهِيم بن أبي عبلة، عَن الزُّهْرِيّ، عَن أبي سعيد، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا وموصولاً، وَهُوَ ضَعِيف. وَرَوَاهُ أوَّلَ الْبَاب من حَدِيث يَحْيَى بن آدم، عَن هشيم، عَن عَوْف الْأَعرَابِي، عَن رجل، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «حَرِيم الْبِئْر أَرْبَعُونَ ذِرَاعا من جوانبها كلهَا لأعطان الْإِبِل وَالْغنم، وَابْن السَّبِيل أول شَارِب، وَلَا يمْنَع فضل مَاء ليمنع بِهِ فضل الْكلأ» قَالَ: وَرَوَاهُ ابْن الْمُبَارك عَن عَوْف قَالَ: بَلغنِي عَن أبي هُرَيْرَة؛ فَذكره من قَوْله. ثمَّ رَوَاهُ آخر الْبَاب من حَدِيث عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «حَرِيم الْبِئْر خَمْسُونَ ذِرَاعا، وحريم الْعين مِائَتَا ذِرَاع» .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فى «مُسْتَدْركه» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَوْصُولا
стр. 4079
ومرسلاً، وَلَفظه فِي الأول: «حَرِيم (قليب) الْبِئْر العادية خَمْسُونَ ذِرَاعا، وحريم (قليب) (الْبِئْر) البادي خَمْسَة وَعِشْرُونَ ذِرَاعا) وَلَفظه فِي الثَّانِي كَلَفْظِ الدَّارَقُطْنِيّ، إِلَّا أَنه قَالَ بدل «الْبَدِيِّ» : «المحدثة» .
ذكرهمَا جَمِيعًا فِي كتاب الْأَحْكَام من «مُسْتَدْركه» عَن شَيْخه ابْن خُزَيْمَة بِإِسْنَادِهِ، وَسكت عَلَيْهَا.
فَائِدَة: الْبَدِيِّ: بِفَتْح الْبَاء، وَكسر الدَّال، وَتَشْديد الْيَاء، كَذَا رَأَيْته بِخَط ابْن الْجَوْزِيّ مضبوطًا فِي «غَرِيبه» ورأيته فِي «الصِّحَاح» بِالْهَمْز، ضبط الْكَاتِب، وَفِي «الرَّافِعِيّ» عَنهُ: أَن البدية الَّتِي أحدثت فِي الْإِسْلَام وَلم تكن عَادِية. وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي «صحاحه» فِي فصل «بَدَأَ» : والبديء والبدي: الْبِئْر الَّتِي حُفرت فِي الْإِسْلَام وَلَيْسَت بعادية. ثمَّ ذكر الحَدِيث، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هِيَ الَّتِي ابْتَدَأتهَا أَنْت فحفرتها. وَقَالَ أَبُو عبيد: وَهِي الَّتِي حُفرت فِي الْإِسْلَام، والعادية: الْقَدِيمَة.
الحَدِيث الْحَادِي عشر
قَالَ الرَّافِعِيّ: لَا يمْنَع من أَحْيَا مَا وَرَاء الْحَرِيم، قَرُبَ أم بَعُدَ؛ لِأَن النَّبِي ﷺ «أقطع عبد الله بن مَسْعُود الدُّور، وَهِي بَين ظهراني عمَارَة الْأَنْصَار من الْمنَازل» (والدُّور) يُقَال: إِنَّه اسْم مَوضِع، وَيُقَال: الْمَعْنى أَنه أقطعه تِلْكَ الْبقْعَة ليتخذها دورًا.
هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده الإِمَام الشَّافِعِي؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي
стр. 4080
«الْمُخْتَصر» : «وَقد أقطع رَسُول (الدُّور، فَقَالَ حَيّ من بني زهرَة - وَيُقَال لَهُم: بَنو عبد بن زهرَة -: نكِّب عَنَّا ابْن أم عبد. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : فَلِمَ ابتعثني الله إِذا؟ ! إِن الله لَا يقدِّس أمة لَا يوخذ للضَّعيف فيهم حَقه» .
قَالَ الشَّافِعِي: وَفِي ذَلِك دلَالَة عَلَى أَن النَّبِي ﷺ أقطع الْمَدِينَة بَين ظهراني عمَارَة الْأَنْصَار من الْمنَازل والنخيل.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» و «مَعْرفَته» من حَدِيث الرّبيع عَنهُ، ثَنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن يَحْيَى بن جعدة قَالَ: «لما قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة أقطع الناسَ الدّور، فَقَالَ حَيّ من بني زهرَة - يُقَال لَهُم: بَنو عبد (بن زهرَة) -: نكب عَنَّا ابْن أم عبد. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : فَلم ابتعثني (الله) إِذا؟ ! إِن الله لَا يقدس أُمَّة لَا يُؤْخَذ للضعيف فيهم حَقه» .
وَهَذَا مُرْسل، قَالَ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم: يَحْيَى بن جعدة لم يلق ابْن مَسْعُود وَإِنَّمَا يُرْسل عَنهُ، وَقد وَصله الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» فَقَالَ: ثَنَا أَبُو خَليفَة الْفضل بن الْحباب، ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن سَلام الجُمَحِي، ثَنَا سُفْيَان، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن يَحْيَى بن جعدة، [بن هُبَيْرَة] عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: «لمَّا قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة أقطع
стр. 4081
الدَّور، وأقطع ابْن مَسْعُود فِيمَن أقطع، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه: يَا رَسُول الله، نَكِّبه عَنَّا. قَالَ: فَلِمَ بَعَثَنِي الله إِذا؟ ! إِن الله لَا يقدس أُمَّة (لَا يُعْطون) الضَّعِيف مِنْهُم حَقه» .
و «هُبَيْرَة» : حَالَته جَيِّدَة كَمَا قررتها فى أَوَائِل كتَابنَا هَذَا فِي بَاب: بَيَان النَّجَاسَات وَالْمَاء النَّجس، لَا كَمَا زعم من يُضعفهُ.
فَائِدَة: وَقع فِي «مُخْتَصر الْمُزنِيّ» : «فجَاء حيٌّ من بني عذرة» كَمَا أسلفناه بدل «بني عبد» وَهُوَ غلط؛ لِأَن «عبد بن زهرَة» لَا يَكُونُوا من «بني عذرة» .
وَإِنَّمَا هم من قُرَيْش، وهم رَهْط عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. قَالَه الإِمَام فِي «نهايته» وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن: «بَنو عذرة» من الْأَنْصَار. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، وَإِنَّمَا هم من الْيمن، منسوبون إِلَى عذرة بن زيد اللات، و «عبد بن زهرَة» هُوَ عبد بن الْحَارِث بن زهرَة، وَابْن مَسْعُود من قُرَيْش، وَالظَّاهِر أَن قُريْشًا (لَا تكره) مجاورته، وَلَكِن ذَلِك الْحَيّ لمَّا كَانُوا من الْيمن وهم قريبون من الْأَنْصَار، سكنوا بَينهم؛ فكرهوا مجاورة ابْن مَسْعُود، قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب: كَانَت الْمَدِينَة نصفهَا عَامر وَنِصْفهَا خراب، فأقطع الْأَنْصَار الخراب، وأقطع ابْن مَسْعُود بَين ظهرانيهم، وَأَرَادُوا إبعاده بقَوْلهمْ: «نكِّب» هُوَ بِكَسْر الْكَاف، وَقَالَ بَعضهم: مَعْنَى «نكِّب» : عدِّل، تَقْدِيره: عدل هُنَا رَسُول الله ﷺ بإقطاعه.
стр. 4082
الحَدِيث الثَّانِي عشر
«أنَّه ﷺ أقطع الدُّور» .
هَذَا الحَدِيث سلف كَمَا نرَاهُ. وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» من حَدِيث فطر بن خَليفَة، ثَنَا أبي، عَن عَمْرو بن حُرَيْث قَالَ: «انْطلق بِي أبي إِلَى رَسُول الله ﷺ وَأَنا غُلَام شَاب، فَدَعَا لي بِالْبركَةِ وَمسح برأسي، وَخط لي دَارا بِالْمَدِينَةِ بقوسٍ وَقَالَ: أزيدك؟ (أزيدك؟)) .
وَأعله ابْن الْقطَّان بِأَن قَالَ: فطر ثِقَة، وَأَبوهُ لَا يعرف حالُه. قلت: بلَى وُثِّق. وَقَالَ: وَلَا من رَوَى عَنهُ (غير) ابْنه. قَالَ: وَأَيْضًا فَإِن عَمْرو بن حُرَيْث لم تدْرك سنه هَذَا الْمَعْنى؛ فَإِنَّهُ [إِمَّا أَنه] كَانَ يَوْم بدر حَمْلاً، و [إِمَّا] قُبض النَّبِي ﷺ وَهُوَ ابْن عشر سِنِين أَو اثْنَي عشر، عَلَى اخْتِلَاف فِيهِ. وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ فِي «مِيزَانه» فَقَالَ: إِنَّه خبر مُنكر. كَذَلِك، وَفِي «الْحَاوِي» للماوردي: «أَنه ﵊ أقطع الْعَبَّاس بن مرداس منزله، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ» .
стр. 4083
الحَدِيث الثَّالِث عشر
عَن عَلْقَمَة بن وَائِل، عَن أَبِيه ﵁: «أَن رَسُول الله ﷺ أقطعه أَرضًا بحضرموت» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَزَاد: «وَبعث مَعَه مُعَاوِيَة ليقطعها إِيَّاه» .
وَفِي رِوَايَة للبيهقي بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيح أَيْضا، بعد قَوْله: «أقطعه أَرضًا» قَالَ: «فَأرْسل معي مُعَاوِيَة أَن أعْطهَا إِيَّاه - أَو قَالَ: أعلمها إِيَّاه - قَالَ: فَقَالَ (لي) مُعَاوِيَة: أردفني خَلفك. فَقلت: لَا تكن من أرداف الْمُلُوك. قَالَ: فَقَالَ: أَعْطِنِي نعليك. فَقلت: انتعل ظلّ النَّاقة. قَالَ: ولمَّا اسْتخْلف مُعَاوِيَة أَتَيْته، فأقعدني مَعَه عَلَى السرير، فذكَّرني الحَدِيث) .
قَالَ سماك: قَالَ وَائِل: «وددت أَنِّي كنت حملتُه بَين يَدي» .
وَرَوَاهَا ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» كَذَلِك: «وَأرْسل (مَعَه) مُعَاوِيَة أَن أعْطهَا إِيَّاه» .
стр. 4084
وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي «أكبر معاجمه» : «قَالَ لَهُ: يَا وَائِل، إِن الرمضاء قد أَصَابَت بَاطِن قدمي؛ فأردفني خَلفك. قلت: مَا أَضِنُّ عَنْك بِهَذِهِ النَّاقة، وَلَكِن لستَ من أرداف الْمُلُوك، وأكره أَن أُعيَّر بك. قَالَ: فألق إليَّ حذاءك أتوقى بِهِ من حر الشَّمْس. (قَالَ) : مَا أضنُّ عَنْك بِهَاتَيْنِ الجِلْدتين، وَلَكِن لستَ مِمَّن يلبس لِبَاس الْمُلُوك، وأكره أَن أعيَّر بك» وَفِي آخِره: «فلمَّا قَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَة؛ أَمر أنْ يتَلَقَّى، وأَذِنَ لَهُ، فأجْلَسَهُ مَعَه عَلَى سَرِيره، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: أَسَرِيري هَذَا أفضل أم ظهر نَاقَتك؟ قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، كنتُ حَدِيث عهدٍ بجاهلية وكُفر، وَكَانَت تِلْكَ سيرة الْجَاهِلِيَّة، وَقد أَتَانَا اللهُ الْيَوْم الْإِسْلَام» .
فَائِدَة: حَضْرَمَوت - بِفَتْح الْحَاء، وَإِسْكَان الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَفتح الْمِيم -: اسْم لبلدٍ بِالْيمن. قَالَه أهلُ اللُّغَة، كَمَا نَقله عَنْهُم النَّوَوِيّ فِي «تهذيبه» قَالَ: وَهُوَ أَيْضا اسْم لقبيلةٍ.
وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِيه» : حَضرمَوْت أحد مخاليف الْيمن فِي أقصاها. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: اسْم بَلْدَة وقبيلة أَيْضا. قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَهَذَا مُخَالف مَنْ قَالَ فِيهِ: مخلاف؛ فَإِن المخلاف كالرستاق والكَوْرة، اسْم لعدّة بِلَاد، وأمَّا الْقَبِيلَة: فَهِيَ حمير، وحضرموت بن قيس (قَالَ) وَيُشبه أَن تكون الْقَبِيلَة نزلت هَذَا الْموضع؛ فَسُمِّي الْموضع بهَا، وَله نَظَائِر.
стр. 4085
الحَدِيث الرَّابِع عشر
«أنَّه ﷺ أقطع الزبير حضر فرسه، فَأَجْرَى فرسه حَتَّى قَامَ، ثمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ، فَقَالَ: أَعْطوهُ من حَيْثُ بلغ (السَّوْط) » .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث عبد الله بن عُمر الْعمريّ، عَن نَافِع، عَن ابْن عُمر «أَن رَسُول الله ﷺ أقطع الزبير حُضْر فرسه؛ فَأَجْرَى الْفرس حَتَّى قَامَ، ثمَّ رَمَى سَوْطه، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أعْطُوهُ حَيْثُ بلغ السَّوْط» .
وَعبد الله هَذَا فِيهِ لين، وَله شَاهد من حَدِيث هِشَام (عَن أَبِيه) عَن أَسمَاء قَالَت «كنتُ أنقل النَّوَى من أَرض الزبير الَّتِي أقطعه رَسُول الله ﷺ عَلَى رَأْسِي، وَهِي عَلَى ثُلثي فَرسَخ» .
أَخْرجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» قَالَ البُخَارِيّ: وَقَالَ أَبُو ضَمرَة عَن هِشَام، عَن أَبِيه، عَن النَّبِي ﷺ : «أقطع الزبير أَرضًا من أَمْوَال بني النَّضِير» وَفِي «مُسْند أَحْمد» و «المعجم الْكَبِير» للطبراني تَسْمِيَة الأَرْض السالفة فِي حَدِيث ابْن عمر «ثُوَيْر» وادَّعى صَاحب «التنقيب» أَن هَذَا الَّذِي أقطعه كَانَ أَرضًا بِخَيْبَر بهَا شجر ونخيل.
стр. 4086
فَائِدَة: «حُضْر فرسه» بحاء مُهْملَة مَضْمُومَة، ثمَّ ضاد مُعْجمَة سَاكِنة، ثمَّ رَاء مُهْملَة، وَهُوَ: العَدْوُ، أَقَامَ الْمصدر مقَام الِاسْم، وَمَعْنَاهُ: مَوضِع حضر فرسِهِ.
وَقَوله: «قَامَ» أَي: وقف، أَي: من العِيّ، وَلم يَبْقَ بِهِ حراك. وَرَمَى سَوْطه ليُزاد فِي الإقطاع، وَقَالَ الْبَارِقي: إِنَّمَا رَمَاه ليَكُون عَلامَة عَلَى الْموضع الذى انْتَهَى إِلَيْهِ فرسه. قَالَ: وَقيل: أَنه رَمَى سَوطه بعد الْفرس ليقطعه زِيَادَة عَلَى حَضْر فرسِهِ وَيجْعَل منتهاه حَيْثُ وَقع (السَّوْط) .
الحَدِيث الْخَامِس عشر
«أنَّه ﷺ حمى النقيع لإبل الصَّدَقَة، ونَعَم الْجِزْيَة، وخيل الْمُجَاهدين فِي سَبِيل الله» .
هَذَا الحَدِيث سلف الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أَوَاخِر بَاب مُحرمَات الْإِحْرَام وَاضحا.
الحَدِيث السَّادِس عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا حِمى إِلَّا لله وَلِرَسُولِهِ» .
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه فِي الْبَاب الْمشَار إِلَيْهِ، فَرَاجعه من ثَمَّ.
وَأخرجه أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» وَابْن السكن فِي «صحاحه» أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء.
стр. 4087
الحَدِيث السَّابِع عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا قَامَ أحدكُم (من) مَجْلِسه فِي الْمَسْجِد فَهُوَ أَحَق بِهِ إِذا عَاد إِلَيْهِ» .
هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده كَذَلِك الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» وَهُوَ تبع فِيهِ إِمَامه؛ فَإِنَّهُ أوردهُ كَذَلِك فِي «نهايته» وَقَالَ: إِنَّه صَحَّ عَنهُ. وَكَذَا وَقع فِي أصل «الرَّوْضَة» أَنه حَدِيث صَحِيح كَمَا قَالَه الإِمَام، والْحَدِيث ثَابت بِدُونِ لفظ «الْمَسْجِد» فِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِذا قَامَ أحدكُم من مَجْلِسه ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَق بِهِ» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «من قَامَ من مَجْلِسه ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَق بِهِ» .
وَوَقع فِي «الْمطلب» لِابْنِ الرّفْعَة عزوه إِلَى البُخَارِيّ أَيْضا، وَلَعَلَّه من طغيان الْقَلَم، وَقد شهد الْحميدِي وَعبد الْحق فِي جَمعهمَا لأحاديث الصَّحِيحَيْنِ بِأَنَّهُ من أَفْرَاد مُسلم، وَأَن البُخَارِيّ لم يخرِّجه.
الحَدِيث الثَّامِن عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «من سبق إِلَى مَا لم يسْبق إِلَيْهِ (مُسلم) فَهُوَ لَهُ» .
هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ بعد، وَقد سلف بَيَانه فِي الْبَاب، فِي الحَدِيث الثَّامِن مِنْهُ.
стр. 4088
الحَدِيث التَّاسِع عشر
«أَن أَبيض بن حمال الْمَازِني استقطع رَسُول الله ﷺ ملح مأرب، فَأَرَادَ أَن يقطعهُ - ويُرْوى: فأقطعه - فَقيل: إِنَّه كَالْمَاءِ الْعد. قَالَ: فَلَا إِذن» .
هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي فِي «الْمُخْتَصر» بِغَيْر إسنادٍ فَقَالَ: «سَأَلَ الأَبيضُ بْنُ حمال النَّبِي ﷺ أَن يقطعهُ ملح مأرب؛ فأقطعه إِيَّاه وأزاده ... » فَذكره بِمثلِهِ.
وأسنده فِي «الْأُم» فَقَالَ: أَنا ابْن عُيَيْنَة، عَن معمر، عَن رجل من أهل مأرب، عَن أَبِيه: «أَن الْأَبْيَض بن حمال سَأَلَ النبىَّ (، فَأَرَادَ أَن يقطعهُ أَو قَالَ: أقطعه إِيَّاه ... » فَذكره بِمثلِهِ أَيْضا. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : وَرَوَاهُ يَحْيَى بن آدم، عَن سُفْيَان، عَن معمر، عَن رجل من أهل الْيمن، عَن رَسُول الله ﷺ وَرَوَاهُ ابْن الْمُبَارك عَن معمر، عَن يَحْيَى بن قيس المأربي، عَن رجل، عَن أَبيض بن حمال، وَرَوَاهُ جمَاعَة: نعيم بن حَمَّاد وقتيبةُ بن سعيد وغيرُهما، عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن قيس المأربي، عَن أَبِيه، عَن سمي بن قيس، عَن [شمير] عَن أَبيض بن حمال قَالَ: «قدمت عَلَى رَسُول الله ﷺ فاستقطعت الْملح الَّذِي بمأرب، فَقَطعه لي، فَلَمَّا وليت قَالَ لَهُ رجل: أَتَدْرِي يَا رَسُول الله مَا قطعت لَهُ؟ ! إِنَّمَا قطعت لَهُ المَاء الْعد فَرجع عَنهُ» .
стр. 4089
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» عَن قُتَيْبَة وَغَيره،، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِن بِزِيَادَة ثُمَامَة بن شرَاحِيل [بَين] يَحْيَى وسُمي بن قيس، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» كَذَلِك، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ طرقِ إِلَى أَبيض، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه مطوَّلاً، قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب - وَفِي بعض نسخِه: حسن - وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أهل الْعلم من الصَّحَابَة وَغَيرهم، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» وَخَالف ابْن الْقطَّان فَقَالَ: إِنَّه حَدِيث ضَعِيف، فَكل مَنْ دُون أَبيض مَجْهُول. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ؛ وَقد أوضحت ذَلِك فِي «تخريجي لأحاديث الْوَسِيط» فَرَاجعه مِنْهُ تَجِد فِيهِ مَا يشفي العليل من ذكر طرقه، وَالْجَوَاب عَمَّن طعن فِيهِ وَضبط أَلْفَاظه وَغير ذَلِك.
فَائِدَة: «أَبيض» : بِفَتْح الْألف، ثمَّ بَاء مُوَحدَة سَاكِنة، ثمَّ مثناة تَحت مَفْتُوحَة، ثمَّ ضاد مُعْجمَة، لَهُ (وفادة) .
و «حَمَّال» بِفَتْح (الْحَاء) الْمُهْملَة، وَتَشْديد الْمِيم، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف، واجتنب مَا سواهُ.
стр. 4090
ومأرب: بتَخْفِيف ثَانِيه وَقد يُسكَّن، نَاحيَة بِالْيمن.
والعِدّ - بِكَسْر الْعين وَتَشْديد الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ -: الدَّائِم الَّذِي لَا انْقِطَاع لمادَّته، وجَمْعُه: أعداد. قَالَ الْأَزْهَرِي: هُوَ الدَّائِم الَّذِي لَا يَنْقَطِع، وَلَا يحْتَاج إِلَى عمل. وَقَالَ الخليلي: العِدّ مجمع الماءَ.
الحَدِيث الْعشْرُونَ
«النَّاس شُرَكَاء فى ثَلَاثَة: فِي المَاء، والكلأ، وَالنَّار» .
هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرافعيُّ فِي الْبَاب، وَهُوَ مَرْوِيّ من طرق، يحضرنا مِنْهَا ثَمَانِيَة:
أَحدهَا: من طَرِيق أبي هُرَيْرَة، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «ثَلَاث لَا يُمنَعن: المَاء، والكلأ، وَالنَّار» .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن (يزِيد) - هُوَ الْقَارئ صَاحب نَافِع - ثَنَا سُفْيَان، عَن أبي الزِّنَاد، عَن الْأَعْرَج، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَهَذَا إِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، قَالَ الضياءُ فِي «أَحْكَامه» : إسنادٌ جيد.
ثَانِيهَا: (من) طَرِيق ابْن عَبَّاس (قَالَ) : قَالَ رَسُول الله ﷺ : «الْمُسلمُونَ شُرَكَاء فِي ثَلَاث: المَاء، والكلأ، وَالنَّار، وثمنه حرَام» قَالَ أَبُو سعيد: يَعْنِي: المَاء الْجَارِي.
стр. 4091
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» عَن عبد الله بن سعيد، ثَنَا (عبد الله بن خرَاش بن حَوْشَب الشَّيْبَانِيّ، عَن الْعَوام بن حَوْشَب، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس) مَرْفُوعا بِهِ. و (هَذَا طَرِيق ضَعِيف) عبد الله هَذَا هُوَ أَخُو شهَاب تَرَكُوهُ، قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث.
قلت: هُوَ مَعْرُوف بالرواية عَن الْعَوام هَذَا، لَهُ عَنهُ أَحَادِيث مَنَاكِير، قَالَ ابْن عدي: (عَامَّة) مَا يرويهِ غير مَحْفُوظ. وَأغْرب ابْن السكن فَأخْرج هَذَا الحَدِيث فِي «سنَنه الصِّحَاح المأثورة» .
ثَالِثهَا: طَرِيق أبي خِدَاش (حبَان) بن زيد - بِفَتْح الْخَاء وَكسرهَا، حَكَاهُمَا الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» - أَنه سمع رجلا من الْمُهَاجِرين من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ قَالَ: «غزوتُ مَعَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاثًا أسمعهُ يَقُول: الْمُسلمُونَ شُرَكَاء فِي ثَلَاث: المَاء، والكلأ، وَالنَّار» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» وَسكت عَلَيْهِ، وَأخرجه أَحْمد فِي «مُسْنده» أَيْضا، قَالَ عبد الْحق: لَا أعلم رَوَى عَن أبي خِدَاش إِلَّا حريز بن عُثْمَان، وَقد قيل: إِنَّه رجل مَجْهُول.
قلت: وَفِي مَرَاسِيل (ابْن) أبي حَاتِم: سألتُ أبي عَن حديثٍ
стр. 4092
رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ، عَن رجل من أهل الشَّام، عَن أبي عُثْمَان، عَن أبي خِدَاش قَالَ: «غزوتُ مَعَ رَسُول الله ﷺ فسمعتُه يَقُول: النَّاس شُرَكَاء فِي ثَلَاث: المَاء، والكلأ، وَالنَّار» فسمعتُ أبي يَقُول: هَذَا الرجل من أهل الشَّام، وَهُوَ عِنْدِي (بَقِيَّة) وَأَبُو عُثْمَان هُوَ عِنْدِي حريز بن عُثْمَان، وَأَبُو خِدَاش: لم يدْرك النَّبِي ﷺ إِنَّمَا يَحْكِي عَن رجلٍ من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ . وَذكره ابْن أبي حَاتِم (فِي علله) أَيْضا كَذَلِك، وَزَاد فِي آخِره: وَإِنَّمَا لم يسمه أَبُو إِسْحَاق لِأَنَّهُ كَانَ حيًّا إِلَى ذَلِك الْوَقْت. وَذكر هَذَا الحديثَ أَبُو نعيم فِي «معرفَة الصَّحَابَة» فِي تَرْجَمَة أبي خِدَاش، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فى «تَجْرِيد الصَّحَابَة» : لَا تصح لَهُ صُحْبَة.
رَابِعهَا: طَرِيق عَائِشَة ﵂ قالتْ: «يَا رَسُول الله، مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحل مَنعه؟ قَالَ: المَاء وَالْملح وَالنَّار. قَالَت: قلتُ: يَا رَسُول الله، هَذَا المَاء قد عَرفْنَاهُ، فَمَا بَال الْملح وَالنَّار؟ قَالَ: يَا حميراء، من أعْطى نَارا فِكأنما تصدَّق بِجَمِيعِ مَا أنضجت تِلْكَ النَّار، وَمن أعْطى ملحًا فَكَأَنَّمَا تصدق (مَا طيبت تِلْكَ) الْملح، وَمن سَقَى مُسلما شربة من مَاء حَيْثُ لَا يُوجد المَاء فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهَا» .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» وَفِي إِسْنَاده عَلّي بن زيد بن جدعَان، وَقد عرفت حالَهُ فِيمَا مَضَى (وقرنه مُسلم) بثابتٍ البُناني.
стр. 4093
خَامِسهَا: طَرِيق سيار بن مَنْظُور - رجل من بني فَزَارَة - عَن أَبِيه، عَن امْرَأَة يُقَال لَهَا: بهيسة، عَن (أَبِيهَا) قَالَت: «اسْتَأْذن أبي عَلَى رَسُول الله ﷺ فَدخل بَينه وَبَين قَمِيصه، فَجعل يُقَبِّله ويلتزمه، ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله، مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحل مَنعه؟ قَالَ: المَاء. قَالَ: يَا نبىَّ الله، مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحل مَنعه؟ قَالَ: الْملح. قَالَ: يَا نَبِي الله، مَا الشَّيْء الَّذِي لَا يحل مَنعه؟ قَالَ: أَن تفعل [الْخَيْر] خيرٌ لَك» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الزَّكَاة والبيوع من «سنَنه» وَالنَّسَائِيّ فِي (الزِّينَة) وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَفِي آخِره: قَالَ: «فَانْتَهَى قَوْله إِلَى المَاء وَالْملح، فَكَانَ ذَلِك الرجل لَا يمْنَع شَيْئا وَإِن قل» .
أعله عبدُ الْحق ببهيسة فَقَالَ: إِنَّهَا مَجْهُولَة. وصدَّقه ابْن الْقطَّان فِي ذَلِك، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُمَا؛ فَإِنَّهَا صحابية، كَمَا شهد لَهَا بذلك أَبُو نُعيم وَابْن مَنْدَه وَابْن حبَان، فَلَا يضر عدمُ معرفتنا لَهَا (ثمَّ قَالَ عبد الْحق: وَكَذَلِكَ الَّذِي قبلهَا. قَالَ ابْن الْقطَّان: صدق، وَبَقِي عَلَيْهِ أَن يبين
стр. 4094
[أَن] منظورًا لَا يعرف حَاله، وَكَذَا أَيْضا أَبوهَا. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ) ومنظورًا أَيْضا وَثَّقَهُ ابْن حبَان، ووالدها مذكورٌ فِي كتب الصَّحَابَة.
سادسها: طَرِيق عبد الله بن سرجس قَالَ: «أتيتُ النَّبِي ﷺ فقلتُ: مَا الَّذِي لَا يحل مَنعه؟ قَالَ: الْملح. قلت: وماذا؟ قَالَ: المَاء وَالنَّار» .
فِي إِسْنَاده الْمثنى بن (بكر) قَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتابع عَلَى حَدِيثه. وَيَحْيَى بن سعيد الْعَطَّار: قَالَ ابْن عدي: هُوَ بَيِّن الضعْف. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي الموضوعات عَن الْأَثْبَات.
سابعها: طَرِيق أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «خصلتان لَا يحل منعهما: المَاء وَالنَّار» .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أَصْغَر معاجمه» من حَدِيث بديل بن ميسرَة الْعقيلِيّ عَنهُ، ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن بديل إِلَّا الْحسن بن أبي جَعْفَر، تفرد بِهِ عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سألتُ أبي عَنهُ فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر بِهَذَا الْإِسْنَاد.
ثامنها: طَرِيق ابْن عمر رَفعه: «الْمُسلمُونَ شُرَكَاء فِي المَاء وَالْملح والكلأ وَالنَّار» .
رَوَاهُ الْخَطِيب فِي كتاب «أَسمَاء مَنْ رَوَى عَن مَالك» من حَدِيث عبد الحكم بن ميسرَة، ثَنَا مَالك، عَن نَافِع، عَن ابْن عُمر مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء.
стр. 4095
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من طَرِيق (آخر) إِلَى ابْن عُمر، وَرَوَاهُ من حَدِيث يَحْيَى الْحمانِي عَن قيس بن الرّبيع، عَن زيد بن جُبَير، عَن ابْن عُمر مَرْفُوعا: «الْمُسلمُونَ شُرَكَاء فِي (ثَلَاث) فِي النَّار وَالْمَاء والكلأ، وثمنه حرَام» .
وَيَحْيَى هَذَا صَاحب الْمسند، وَهُوَ حَافظ، وَتكلم فِيهِ أَيْضا، وَقيس هَذَا صَدُوق (لَا) يُحتج بِهِ.
فَائِدَة: المُرَاد بِالْمَاءِ: مَاء السَّمَاء وَمَاء الْعُيُون الَّتِي لَا مَالك لَهَا. قَالَه الْأَزْهَرِي، وَالْمرَاد بالكلأ: مرَاعِي الأَرْض الَّتِي لَا يملكهَا أحد، قَالَه أَيْضا، أمَّا الْكلأ النَّابِت فِي الْأَمْلَاك فَهِيَ لملاكها، و «الْكلأ» بِالْهَمْز العُشْب يَابسا كَانَ أَو رطبا؛ فَإِن يبس فَهُوَ حشيش، فَإِن كَانَ رطبا فَهُوَ الخلا - مَقْصُور - وَلَا يُمَدُّ الخلا وَلَا الْكلأ، وَالْمرَاد بالنَّار: الشّجر الَّذِي يحتطبه النَّاس فينتفعون بِهِ. قَالَه الْأَزْهَرِي أَيْضا، وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن: المُرَاد بالنَّار إِذا أضرمت فِي حطب غير مَمْلُوك، أمَّا [الَّتِي] أضرمت فِي حطب (مَمْلُوك فلمالك الْحَطب) صنع غَيره من تِلْكَ النَّار.
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين
عَن عبَادَة بن الصَّامِت - رَضِي الله (عَنهُ) -: «أَن النَّبِي ﷺ قَضَى فِي شرب النخيل أَن للأعلى أَن يسْقِي قبل الْأَسْفَل، ثمَّ يُرْسل إِلَى الْأَسْفَل،
стр. 4096
وَلَا يحبس المَاء فِي أرضه» . وَفِي رِوَايَة «أَنه يَجْعَل المَاء فِيهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» . وَفِي أُخْرَى: «يُرْسل المَاء حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الْأَرَاضِي» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة، عَن إِسْحَاق [بن يَحْيَى] بن الْوَلِيد، عَن عبَادَة بن الصَّامِت: «أَن رَسُول الله ﷺ قَضَى فِي شرب النّخل من السَّيْل أَن الْأَعْلَى فالأعلى يشرب قبل الْأَسْفَل، ويُترك المَاء إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ يُرسل المَاء إِلَى الْأَسْفَل الَّذِي يَلِيهِ، وَكَذَلِكَ (حَتَّى) تَنْقَضِي الحوائط أَو يفنى المَاء» .
كَذَا وجدته فِي «سنَن ابْن مَاجَه» : إِسْحَاق بن [يَحْيَى] بن الْوَلِيد. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «مِيزَانه» : إِن فِيهَا إِسْحَاق بن يَحْيَى بن الْوَلِيد (بن) عبَادَة بن الصَّامِت عَن عبَادَة وَلم يُدْرِكهُ.
قلت: (وَكَذَا) وَقع فى «سنَن الْبَيْهَقِيّ» : إِسْحَاق بن يَحْيَى بن الْوَلِيد (بن) عبَادَة بن الصَّامِت (عَن عبَادَة) قَالَ: «إِن من قَضَاء رَسُول الله ﷺ أَنه قَضَى فِي شرب النّخل من السَّيْل، أَن الْأَعْلَى
стр. 4097
فالأعلى يشرب قبل الْأَسْفَل، وَيتْرك فِيهِ (المَاء) إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ يُرْسل المَاء إِلَى الْأَسْفَل الَّذِي يَلِيهِ، وَكَذَلِكَ [حَتَّى] تَنْقَضِي الحوائط» .
ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْحَاق بن يَحْيَى عَن عبَادَة مُرْسل. وَتوقف ابْن عَسَاكِر فِي ذَلِك، فَقَالَ: أَظُنهُ لم يُدْرِكهُ. وَجزم بِعَدَمِ إِدْرَاكه الْمزي ثمَّ الذَّهَبِيّ، وَرَوَى عَنهُ مُوسَى بن عقبَة فَقَط، وَعَن التِّرْمِذِيّ أَنه جزم بِعَدَمِ إِدْرَاكه أَيْضا، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» : إِسْحَاق بن يَحْيَى ابْن أخي عبَادَة بن الصَّامِت، عَن عبَادَة، قَالَ ابْن عدي: عامَّة أَحَادِيثه غير مَحْفُوظَة. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» : إِسْحَاق بن يَحْيَى عَن (عمهم) عبَادَة. كَذَا قَالَ، وَقَالَ فِي «الْمُغنِي» : عَن عَمه عبَادَة، مُنكر الحَدِيث.
وَأخرج هَذَا الحَدِيث أَيْضا عبد الله بن أَحْمد فِي «مُسْند أَبِيه» وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» مُتَّصِلا ومنقطعًا، أَخْرجَاهُ من حَدِيث إِسْحَاق بن يَحْيَى قَالَ: «إِن من قَضَاء رَسُول الله ﷺ ... » فَذكره.
وَأما ابْن حزم فادّعى جَهَالَة إِسْحَاق هَذَا فِي كتاب الْبيُوع فِي (ذكر) حَدِيث «لَا ضَرَر وَلَا ضرار» وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ؛ فقد علمت
стр. 4098
حَاله، وَعزا إِلَى ابْن حبَان أَنه ذكره فِي «ثقاته» فَهُوَ من الْمُخْتَلف فيهم إِذا.
تَنْبِيه: رِوَايَة الرَّافِعِيّ السالفة: «حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الْأَرَاضِي» هُوَ بِمَعْنى مَا ذَكرْنَاهُ، وَإِن لم يُعثر عَلَى هَذَا اللَّفْظ.
فَائِدَة: الشّرْب بِالْكَسْرِ: (النَّصِيب) .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين
عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده: «أَن رَسُول الله ﷺ قَضَى فِي السَّيْل أَن يُمسك حَتَّى يبلغ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ يُرسل الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَل» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» بِهَذَا اللَّفْظ، وَزَاد بعد قَوْله «فِي السَّيْل» : «المهزور» وَقَالَ: «حَتَّى يبلغ الْكَعْبَيْنِ» وَقَالَ «عَلَى (الْأَسْفَل)) بدل «إِلَى الْأَسْفَل» .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» بِلَفْظ: «أَنه ﵊ قَضَى فِي سيل مهزور أَن يُمسك حَتَّى يبلغ الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ يُرْسل المَاء» .
وهما من رِوَايَة الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث المَخْزُومِي الْمدنِي، عَن أَبِيه، عَن عَمْرو. الْمُغيرَة قَالَ أَبُو حَاتِم فِي حقِّه: مدنِي لَا بَأْس بِهِ. ووالده عبد الرَّحْمَن قَالَ أَحْمد: مَتْرُوك. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ
стр. 4099
بِالْقَوِيّ. وَنقل ابْن الْقطَّان عَن ابْن معِين أَنه صالحٌ، قَالَ ابْن الْقطَّان: وَقد يلتبس هَذَا بالمغيرة بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام المَخْزُومِي، شيخ مَالك، وَكَذَلِكَ أَبوهُ بِأَبِيهِ وأنسابهما، وكنية هَذَا الثَّانِي: أَبُو مُحَمَّد، وكنية الأول: أَبُو الْحَارِث، وكنية الْمُغيرَة - شيخ مَالك -: أَبُو هَاشم، وَالْأول لَا أعرف لَهُ كنية.
قلت: وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق ثَعْلَبَة بن أبي مَالك، وَعَائِشَة ﵂ أمَّا حَدِيث عَائِشَة؛ فَأخْرجهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ: «أَنه ﵊ قَضَى فِي سيل مهزور ومذنب أَن الْأَعْلَى يُرْسل إِلَى الْأَسْفَل، وَيحبس قدر (كعبين) » .
ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: اخْتلف عَن مَالك فِي وَقفه عَلَى عَائِشَة وَرَفعه، وَالْمَحْفُوظ عَنهُ الأول.
وَأما حَدِيث ثَعْلَبَة؛ فَرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ قَالَ: «قَضَى رَسُول الله ﷺ فِي سيل مهزورٍ، الْأَعْلَى فَوق الْأَسْفَل، يسْقِي الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ يُرْسل إِلَى من هُوَ أَسْفَل مِنْهُ» فِي إِسْنَاده زَكَرِيَّا بن مَنْظُور، ليَّنَه أَحْمد مرّة، وَاخْتلف قَول يَحْيَى فِيهِ؛ فوثقه مرّة وَضَعفه أُخْرَى، وَقَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. وثعلبة هَذَا، إِمَام بني قُرَيْظَة، وُلد فِي عهد رَسُول الله ﷺ وَله رُؤْيَة، وَطَالَ عمره، رَوَى عَنهُ ابْنه أَبُو مَالك، وصفوانُ بن سليم، لَهُ حديثان مرسلان، ووالده أدْرك النَّبِي ﷺ فَأسلم، واسْمه: عبد الله.
стр. 4100
قلت: وَرَوَاهُ بَعضهم عَن مَالك بن أبي ثَعْلَبَة، وَهُوَ غلط؛ فَإِنَّهُ تَابِعِيّ، فَفِي «معرفَة الصَّحَابَة» لأبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ: مَالك بن أبي ثَعْلَبَة «أَن رَسُول الله ﷺ قَضَى فِي سيل مهزور، أَن المَاء يُحبس إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ يُرسِل الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَل» .
وَرَوَى عَنهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق، قَالَ جَعْفَر: وردّه يَحْيَى بن يُونُس. قَالَ: وَهَذَا حَدِيث مُرْسل، وَمَالك بن ثَعْلَبَة لَا صُحْبَة لَهُ بِيَقِين؛ لِأَن ابْن إِسْحَاق لم يلق أحدا من الصَّحَابَة، إِنَّمَا رِوَايَته عَن التَّابِعين فَمن دونهم. وَذكره عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» من طَرِيق عبد الرَّزَّاق، عَن أبي حَازِم الْقرظِيّ، عَن أَبِيه، عَن جده: «أَن رَسُول الله ﷺ قَضَى فِي سيل مهزور أَن يُحبس فِي كل حَائِط حَتَّى يبلغ الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ يُرْسل، وَغَيره من السُّيُول كَذَلِك» .
وَلم يذكر فِي (أَحْكَامه) غَيره، وَهُوَ ضَعِيف لَا يَصح، كَمَا قَالَ ابْن الْقطَّان بِجَهَالَة أبي حَازِم، قَالَ: وَأَبوهُ وجدُّه أَحْرَى بذلك.
وَرَوَاهُ ابْن زبالة بلفظين:
أَحدهمَا: «قَضَى رَسُول الله ﷺ فِي سيل مهزور الْأَعْلَى قبل الْأَسْفَل، يسْقِي الْأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثمَّ يُرْسل إِلَى (من) أَسْفَل مِنْهُ» .
الثَّانِي: «فَإِذا استضعف أَصله أمسك الأول» .
(وَرَوَى يَحْيَى بن أَدَم فِي «كتاب الْخراج» من حَدِيث جَعْفَر
следующие страницы →