← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 5922

البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير

ابن الملقن

Полный текст (6 131 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

«سنَنه» عَن الشَّافِعِي [أَنه] قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث: إِنَّه لَيْسَ بثابتٍ عِنْد أهل الحَدِيث [مِنْكُم] قَالَ: وَلَو كَانَ ثَابتا لم يكن فِيهِ حُجَّة علينا؛ لِأَن السُّنَّة دلَّتْ وإجماعُ كثيرٍ من أهل الْعلم عَلَى أَن يَأْخُذ الرجلُ حَقَّه [لنَفسِهِ سرًّا] مِنَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ فقد دلّ أَن ذَلِك لَيْسَ (بخيانة، الْخِيَانَة) أَن يَأْخُذ مَا لَا يحل أخْذه. ولمَّا ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» من الطّرق الثَّلَاثَة الأولَى ضَعَّفَهَا وَقَالَ: إِن هَذَا الحَدِيث من جَمِيع طرقه لَا يَصح. نُقلَ عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ: حَدِيث بَاطِل، لَا أعرفهُ عَن النَّبِي ﷺ مِنْ وَجه صَحِيح. الحَدِيث الثَّانِي عَن عَمرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَوْدع ضَمَان» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» بِهَذَا اللَّفْظ وَزِيَادَة؛ وَهَذِه سياقته: (لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِير غير الْمغل ضَمَان، وَلَا عَلَى الْمُسْتَوْدع غير الْمغل ضَمَان، (وَالضَّمان الخائن)) .

стр. 4307

وَفِي إِسْنَاده عَمرو بن عبد الْجَبَّار و [عُبَيْدَة] بن حسان قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هما ضَعِيفان. قَالَ: وَإِنَّمَا يُروى هَذَا عَن شُرَيْح القَاضِي غير مَرْفُوع. وَقَالَ ابْن عدي: عَمْرو بن عبد الْجَبَّار رَوَى عَن عمِّه (عُبَيْدَة) بن حسان مَنَاكِير، وَله أَحَادِيث غير مَحْفُوظَة. وَقَالَ ابْن حبَان: (عُبَيْدَة) - بِضَم الْعين وَقيل: بِفَتْحِهَا - يَرْوي الموضوعات عَن الثِّقَات؛ لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ بِحَال. وَضَعفه ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» وعبدُ الْحق بِمَا ضَعَّفْنَاه. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من رِوَايَة عبد الله بن (شبيب) عَن إِسْحَاق بن مُحَمَّد، عَن يزِيد بْنِ عبد الْملك، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن (الحَجبي) عَن عَمرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جدِّه مَرْفُوعا: «لَا ضَمَان عَلَى مؤتمن» . وَهَذَا ضَعِيف أَيْضا فعبد الله بن شبيب واهٍ؛ وَيزِيد هُوَ

стр. 4308

(النَّوْفَلِي) وَقد أسلفت حَاله فِي بَاب (الْأَحْدَاث) وَلِهَذَا كلِّه قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : هَذَا الحَدِيث إِسْنَاده ضَعِيف. فَائِدَة: الْمَشْهُور فِي تَفْسِير الْمغل هُنَا أَنه الخائن، وَقيل: إِنَّه المستغل، وَهُوَ القابِضُ، وَمَعْنَاهُ: أَن الْعَارِية لَا تُضمن إِلَّا بِالْقَبْضِ، وادَّعوا أَن هَذَا حَقِيقَة الْمغل، وَالْمَعْرُوف مَا تقدم، وَقد جَاءَ تَفْسِيره فِي آخر الحَدِيث أَنه الخائن، وَهُوَ إِمَّا مِنْ عِنْد رَاوِيه، أَو مَرْفُوعا، فَهُوَ مقدَّم عَلَى (كل حالِهِ) . الحَدِيث الثَّالِث رُوي أنَّه ﷺ قَالَ: «مَنْ أودع وَدِيعَة فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» من حَدِيث عَمرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَفِي إِسْنَاده أَيُّوب بن سُوَيْد، وَهُوَ ضَعِيف كَمَا سلف، والمثنى بن الصَّباح ضعَّفه ابْن معِين، وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ عابدًا، وَله أَحَادِيث، وَهُوَ ضَعِيف. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَة عَن عَمرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه،

стр. 4309

عَن جده مَرْفُوعا: «مَنِ استودع وَدِيعَة فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ» . وَابْن لَهِيعَة ضَعِيف، كَمَا سلف. الحَدِيث الرَّابِع رُوي «أنَّه ﷺ كَانَت عِنْده ودائع، فلمَّا أَرَادَ الهجرةَ سَلَّمَهَا إِلَى أُمِّ (أَيمن) وَأمر عليًّا برَدِّها» . أمَّا تَرْكُهُ ﵊ عليًّا بِمَكَّة رد الودائع إِلَى أَرْبَابهَا فَهُوَ مَشْهُور فِي السّير وَغَيرهَا، قَالَ ابْن إِسْحَاق فِيمَا رَوَيْنَاهُ عَنهُ وَحَكَاهُ عَنهُ أَيْضا الْبَيْهَقِيّ وَغَيره: حَدثنِي من لَا أتهم عَن عُرْوَة بن الزبير عَن عَائِشَة فِي هِجْرَة النَّبِي ﷺ قَالَت: وَأمر - تَعْنِي رَسُول الله ﷺ ) عليًّا أَن يتَخَلَّف عَنهُ بِمَكَّة حَتَّى يؤدِّي عَن رَسُول الله ﷺ الودائع الَّتِي كَانَت عِنْده للنَّاس، قَالَ: وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير (عَن عُرْوَة بن الزبير) عَن عبد الرَّحْمَن بن عويم بن سَاعِدَة قَالَ: حَدثنِي رجالُ قَوْمِي من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ... فَذكر الحديثَ فِي خُرُوج النَّبِي ﷺ (قَالَ فِيهِ: وَخرج النَّبِي ﷺ ) وَأقَام عَلّي بن أبي طَالب ثَلَاث ليالٍ وأيامها؛ حَتَّى أدَّى عَن رَسُول الله ﷺ الودائع الَّتِي كَانَت عِنْده للنَّاس، حَتَّى إِذا فرغ مِنْهَا لحق برَسُول الله ﷺ » .

стр. 4310

وَأما كَونه سلَّمها إِلَى أُمِّ (أَيمن) فَلَا يَحْضُرُني ذَلِك بعد البَحْثِ (عَنهُ) . الحَدِيث الْخَامِس قَالَ الرافعيُّ: وَفِي الحَدِيث «إِن الْمُسَافِر وَمَاله لعَلَى قَلْتٍ، إِلَّا مَنْ وَقَى الله» . هَذَا الحَدِيث غَرِيب؛ لَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة وَلَا المسانيد، وَتبع ابْنُ الرّفْعَة الرافعيَّ فَذكره فِي «مطلبه» (كَذَلِك مَرْفُوعا، وَصَاحب «الْمُهَذّب» ذكره فِي بَاب الْحجر وَالْقَرْض بِلَفْظ: يرْوَى «أَن الْمُسَافِر) وَمَاله عَلَى قلتٍ» . قَالَ النَّوَوِيّ فِي «تهذيبه» : لَيْسَ هَذَا خبر عَن رَسُول الله ﷺ ؛ إِنَّمَا هُوَ من كَلَام بعض السّلف، قيل: إِنَّه عَن عليّ بن أبي طَالب. وَذكر ابْنُ السّكيت والجوهريُّ فِي «صحاحه» : أَنه عَن بعض الْأَعْرَاب قَالَ: والقلت: بِفَتْح (الْقَاف) وَاللَّام وَآخره تَاء مثناة فَوق، وَهُوَ الْهَلَاك، قَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول مِنْهُ: قَلِت - بِكَسْر اللَّام - والمَقلتة - بِفَتْح الْمِيم - المَهلكة. قلت: وظفرتُ بِهِ فِي رحلتي الثَّانِيَة إِلَى الشَّام المحروس مَرْفُوعا

стр. 4311

إِلَى النَّبِي ﷺ ، ذَاكَرَني بِهِ بعضُ الحُفَّاظ، وَأَنه فِي «أَخْبَار أبي الْعَلَاء المعري» لِلْحَافِظِ أبي طَاهِر السلفيّ، فَأحْضرهُ لي، فرأيتهُ ساقة، فَقَالَ: ثَنَا أَبُو إِبْرَاهِيم الْخَلِيل بن عبد الْجَبَّار بن عبد الله (القرائي) بقزوين - وَكَانَ ثِقَة - ثَنَا أَبُو (الْعَلَاء) أَحْمد بن عبد الله بن سُلَيْمَان التنوخي (المعري) بمعرة النُّعْمَان، ثَنَا أَبُو الْفَتْح [مُحَمَّد] بن (الْحسن) بن روح، حَدثنَا خَيْثَمَة بن سُلَيْمَان (الْقرشِي) ، نَا أَبُو عتبَة الْحِمصِي، نَا بشر بن زَاذَان، عَن أبي عَلْقَمَة، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لَو علم الناسُ رحمةَ الله بالمسافر لأصبح النَّاس وهم عَلَى سفرٍ، إِن الْمُسَافِر ورحْلِهِ عَلَى قَلَتٍ، إِلَّا من وقَى الله تَعَالَى» . قَالَ الْخَلِيل: (لم أسمع من أبي الْعَلَاء غير هَذَا الحَدِيث وَلم يرو لي أَنا عَنهُ حَدِيثا سُوَى الْخَلِيل) . والقلت: الْهَلَاك، يُقَال مِنْهُ: قلت قلتًا. قَالَ السلَفِي قبل ذَلِك: أَبُو إِبْرَاهِيم هَذَا رأيتُه بقزوين، وَرَوَى لي عَنهُ

стр. 4312

حَدِيثا وَاحِدًا مُسْندًا، يرويهِ عَن صاحبٍ لخيثمة بن سُلَيْمَان الْقرشِي الأطرابلسي، فَذكره، فاسْتَفِدْ ذَلِك؛ فَإِنَّهُ من المهم الَّذِي مَنَّ الله بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ. الحَدِيث السَّادِس قَوْله ﵊: «عَلَى الْيَد مَا أخذتْ حَتَّى تَرُدَّ» . هَذَا الحَدِيث سبق بَيَانه فِي الْعَارِية وَاضحا؛ فراجِعْهُ. هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب. وأمَّا آثاره فَأَرْبَعَة: عَن أبي بكر، وعليّ، وَابْن مَسْعُود، وَجَابِر: «إِنَّهَا - يَعْنِي: الْوَدِيعَة - أمانةٌ» . أما أثر أبي بكر؛ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سعيد بن مَنْصُور، ثَنَا أَبُو شهَاب، عَن حجاج بن أَرْطَاة، عَن أبي الزبير، عَن جَابر: «أَن أَبَا بكر ﵁ قَضَى فِي وديعةٍ كَانَت فِي جِرَابٍ فضاعتْ مِنْ (حَولي) الجِرَاب أَن لَا ضَمَان فِيهَا» . وَالْحجاج ضَعِيف. وَأما أثر عليّ وَابْن مَسْعُود؛ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن الْوَلِيد، ثَنَا سُفْيَان، عَن جَابر، عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن أَن عليًّا وابْنَ مَسْعُود ﵄ قَالَا: «لَيْسَ عَلَى مؤتمن ضَمَان» . وَأما أثر جَابر فَغَرِيب؛ لَا يحضرني مَنْ خَرَّجَهُ.

стр. 4313

كتاب قَسْمِ الْفَيْء وَالْغنيمَة

стр. 4314

كتاب قَسْمِ الْفَيْء وَالْغنيمَة ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث وآثارًا. أما الْأَحَادِيث فتسعة وَعِشْرُونَ. الحَدِيث الأول أَن آيَة الْفَيْء - أَي وَهِي قَوْله تَعَالَى: (مَا أَفَاء الله عَلَى رَسُوله) - نزلتْ فِي بني النَّضِير؛ وَقد رُوي «أَنه ﵊ صَالحهمْ عَلَى أَن يتْركُوا الْأَرَاضِي والدُّور، ويحملوا كلَّ صفراء وبيضاء، وَمَا تحمله الركائب» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» بِنَحْوِهِ، من حَدِيث معمر عَن الزُّهْرِيّ «فِي قَوْله فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب) قَالَ: صالحَ النَّبِي ﷺ أهل فدك وقرًى قد سمَّاها لَا أحْفَظها، وَهُوَ محاصِرٌ قَوْمًا آخَرين، فأرسلوا إِلَيْهِ بِالصُّلْحِ، قَالَ: (فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيلٍ وَلَا ركاب) يَقُول: (بِغَيْر) قتال. قَالَ الزُّهْرِيّ: وَكَانَت (بَنو) النَّضِير للنَّبِي (خَالِصا، لم يفتحوها عنْوَة وافتتحوها عَلَى صلح،

стр. 4315

فقسم النَّبِي ﷺ بَين الْمُهَاجِرين، لم يُعط الْأَنْصَار مِنْهَا شَيْئا، إِلَّا رجلَيْنِ كَانَت بهما حَاجَة» . وَأخرجه بِنَحْوِهِ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» وَرَوَى (مُوسَى) بن عقبَة عَن ابْن شهَاب، قَالَ: وَهَذَا حَدِيث رَسُول الله ﷺ : «خرج رَسُول الله ﷺ فِي رجالٍ من أَصْحَابه إِلَى بني النَّضِير ... » وَذكر الْقِصَّة، إِلَى أَن قَالَ: «ففاجأهم رَسُول الله ﷺ عَلَى أَن يجليهم، وَلَهُم أَن يحملوا مَا اسْتَقَلت من الْإِبِل الَّذِي كَانَ لَهُم، إِلَّا مَا كَانَ من حليةٍ أَو سلَاح، وطاروا كل مُطارٌ ... ثمَّ ذكر بَاقِي الْقِصَّة. الحَدِيث الثَّانِي قَالَ الرَّافِعِيّ: وأربعةُ أخماسِ الْفَيْء كَانَت لرَسُول الله ﷺ فِي حَيَاته، مَضْمُومَة إِلَى خُمْس الخُمْس، فجُمْلة مَا كَانَ لَهُ أحد وَعِشْرُونَ سَهْما مِنْ خمسةٍ وَعشْرين سَهْما، وَكَانَ ﵇ يصرف الْأَخْمَاس الْأَرْبَعَة إِلَى الْمصَالح. هُوَ كَمَا قَالَ: وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» فِي بَاب بَيَان مَصْرف أَرْبَعَة أَخْمَاس الْفَيْء فِي زمَان رَسُول الله ﷺ وَأَنَّهَا كَانَت لَهُ خَاصةً دون الْمُسلمين، يَضَعهَا حَيْثُ أرَاهُ الله ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ الحديثَ الثَّانِي الَّذِي سَنذكرُهُ، والحديثَ السَّابِق فِي هَذَا الْبَاب.

стр. 4316

الحَدِيث الثَّالِث «أنَّه ﷺ كَانَ ينْفق من سَهْمه عَلَى نَفسه وَأَهله ومصالحه، وَمَا فضل جعله فِي السِّلَاح عدَّة فِي سَبِيل الله وَفِي سَائِر الْمصَالح» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث عُمر ﵁ قَالَ: «كَانَت أَمْوَال بني النَّضِير مِمَّا أَفَاء الله عَلَى رَسُوله، مِمَّا لم يوجف عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ بخيلٍ وَلَا ركاب، فَكَانَت للنَّبِي (خَاصَّة؛ فَكَانَ ينْفق عَلَى نَفسه وَأَهله نفقةَ سَنَةٍ» . وَفِي رِوَايَة لَهما: «وَيحبس لأَهله قوت سَنَتِهِمْ، وَمَا بَقِي جعله فِي الكراع وَالسِّلَاح عدَّة فِي سَبِيل الله» . وَقَوله: «وَفِي سَائِر الْمصَالح» لَا يحضرني (من) خرَّجه فِي الحَدِيث بعد الْبَحْث عَنهُ. فَائِدَة: (الكراع اسْم لجَمِيع الْخَيل وَالسِّلَاح إِذا ذكر مَعَ السِّلَاح والكراع الْخَيل نَفسهَا. قَالَه اللَّيْث. فَائِدَة أُخْرَى) قَالَ الشافعيُّ: قَول عمر «وَكَانَت للنَّبِي خَاصَّة» . يُرِيد: مَا كَانَ يكون للموجفين، وَذَلِكَ أَرْبَعَة أخماسه.

стр. 4317

الحَدِيث الرَّابِع قَالَ الرَّافِعِيّ بعد أَن قرر أَن سهم الرَّسُول ﷺ هُوَ الخُمْس من الْفَيْء، وَأَن هَذَا السهْم كَانَ لَهُ يعْزل مِنْهُ نَفَقَة أَهله، وَمَا فضل جعله فِي الكراع كَمَا سلف: لم يكن رَسُول الله ﷺ يملكهُ، وَلَا ينْتَقل مِنْهُ إِلَى غَيره إِرْثا، بل مَا يملكهُ الْأَنْبِيَاء ﵈ لَا يورَّث عَنْهُم، كَمَا اشْتهر فِي الْخَبَر. هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من طرق: أَحدهَا: عَن أبي بكر الصدِّيق ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لَا نُورَّث، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة» . وَلابْن حبَان فِي «صَحِيحه» : «إِنَّا لَا نُورَّث، مَا تركنَا صَدَقَة» . وللترمذي فِي (غير) «جَامعه» بإسنادٍ عَلَى شَرط مُسلم، عَن عُمر عَن أبي بكر، رَفعه: «إِنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورَّث، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة» . وَلأَحْمَد عَن أبي بكر، رَفعه: «أَن النَّبِي ﷺ لَا يورَّث، وَإِنَّمَا مِيرَاثه فِي فُقَرَاء الْمُسلمين وَالْمَسَاكِين» . ثَانِيهَا: عَن عُمر: «أَنه قَالَ لعُثْمَان وعَبْدِ الرَّحْمَن بن عَوْف والزبير

стр. 4318

وَسعد وَعلي وَالْعَبَّاس: أُنْشِدُكُمْ بِاللَّه الَّذِي تقوم السَّمَوَات وَالْأَرْض بأَمْره؛ أتعلمون أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: لَا نورَّث، مَا تركنَا صَدَقَة؟ قَالُوا: نعم» . وللنسائي فِي «سنَنه الْكُبْرَى» من حَدِيث سُفْيَان، عَن عَمرو بن دِينَار، عَن الزُّهْرِيّ، عَن مَالك بن أَوْس (بن الْحدثَان) قَالَ: «قَالَ عمر لعبد الرَّحْمَن وَسعد وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزبير: أنشِدُكم بِاللَّه الَّذِي قَامَت (لَهُ) السَّمَوَات وَالْأَرْض، سَمِعْتُمْ النَّبِي ﷺ يَقُول: إِنَّا معشر الْأَنْبِيَاء لَا نورَّث، مَا تركنَا (فَهُوَ) صَدَقَة؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نعَمْ» . ثَالِثهَا: عَن عَائِشَة ﵂: «أَن أَزوَاج النَّبِي ﷺ حِين تُوفِّي أردن أَن يَبْعَثْنَ عثمانَ إِلَى أبي بكر يسألنه ميراثهن، فَقَالَت عَائِشَة: أَلَيْسَ قَالَ النَّبِي ﷺ : لَا نورَّث، مَا تركنَا صَدَقَة» . رَابِعهَا: عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يقتسم ورثتي دِينَارا، مَا تركتُ بَعْدَ نَفَقَة نسَائِي وَمؤنَة عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَة» . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد: «وَلَا درهما» . وَلأَحْمَد، وَالتِّرْمِذِيّ،

стр. 4319

وصحَّحه عَن أبي هُرَيْرَة: «أَن فَاطِمَة قَالَت لأبي بكر: مَنْ يرثكَ إِذا مت؟ قَالَ: وَلَدي وَأَهلي. قَالَت: فَمَا لنا لَا نَرِثُ النَّبِي ﷺ ؟ قَالَ: سمعتُ النَّبِي ﷺ يَقُول: لَا نورَّث، وَلَكِن أعول مَنْ كَانَ رَسُول الله ﷺ يعول، وَأنْفق عَلَى مَنْ كَانَ رَسُول الله ﷺ ينْفق عَلَيْهِ» . وَفِي «علل الدَّارَقُطْنِيّ» : أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث فَاطِمَة ﵂ عَن أبي بكر، عَن النَّبِي ﷺ : «أَن الْأَنْبِيَاء لَا يُورَّثون، مَا تَرَكُوهُ فَهُوَ صَدَقَة» قَالَ: هُوَ حَدِيث يرويهِ الْكَلْبِيّ، فَاخْتلف عَنهُ؛ فَقَالَ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش: عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح، عَن أُمِّ هَانِئ، عَن فَاطِمَة «أَنَّهَا دخلت عَلَى أبي بكر فَقَالَت: أرأيتَ لَو مت مَنْ كَانَ يَرِثُك؟» وَخَالفهُ سُفْيَان الثَّوْريّ والمغيرة فروياه: عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن أُمِّ هَانِئ «أَن أَبَا بكر قَالَ لفاطمة» . فَائِدَة: قَوْله: «مَا تركنَا صَدَقَة» هُوَ فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ، و «صَدَقَة» مرفوعٌ خبرٌ، خلافًا للإمامية فِي قَوْلهم: إِنَّمَا هُوَ «يَرث» بِالْمُثَنَّاةِ تَحت. و «صَدَقَة» بِالْفَتْح، أَي: مَا تركنَا صَدَقَة؛ فَلَا نورَّث، و «مَا» فِي مَوضِع الْمَفْعُول، و «صَدَقَة» مَنْصُوب عَلَى الْحَال وَعَلَى التَّفْسِير، وَهَذَا مُخَالف لما فهم مِنْهُ أهل اللِّسَان، وَلما حمله عَلَيْهِ أئمةُ الصَّحَابَة من رِوَايَة هَذَا الحَدِيث، وَمَا وَقع فِي سَائِر الرِّوَايَات (فِي) قَوْله ﵊: «لَا نورّث، (مَا تركنَا) فَهُوَ صَدَقَة» .

стр. 4320

قَالَ أَبُو جَعْفَر النّحاس: فِي قَوْله ﵊: «مَا تركنَا صَدَقَة» ثَلَاثَة أقوالٍ للْعُلَمَاء: أَحدهَا: أَنه بِمَنْزِلَة الصَّدَقَة، أَي: لَا يورَّث، إِنَّمَا هُوَ فِي مصَالح الْمُسلمين. ثَانِيهَا: أَنه ﵊ تصدَّق بِهِ. ثَالِثهَا: أَن تكون الرِّوَايَة: «لَا نورَّث، مَا تركنَا صَدَقَة» بِالنّصب، وَتَكون «مَا» بِمَعْنى «الَّذِي» ، وَتَكون فِي مَوضِع جَرٍّ أَيْضا. قَالَ: والمعاني فِي هَذَا مقاربة (لِأَن الْمَقْصُود) أَنه ﵊ لَا يورَّث. الحَدِيث الْخَامِس عَن جُبَير بن مطعم ﵁ قَالَ: «لمَّا قَسَّمَ رَسُول الله ﷺ سَهْمَ ذَوي الْقُرْبَى بَين بني هَاشم و (بَين) بني الْمطلب، أتيتُ أَنا وَعُثْمَان بن عَفَّان رَسُول الله ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله، (إِخْوَاننَا) بَنو هاشمٍ لَا ننكر فَضلهمْ لِمَكَانِك الَّذِي (وضعك) الله بِهِ مِنْهُم، فَمَا بَال إِخْوَاننَا من بني الْمطلب أَعطيتهم وَتَركنَا؛ وَإِنَّمَا قرابتنا وقرابتهم (وَاحِد) ؟ فَقَالَ ﵊: إِنَّمَا بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب شَيْء وَاحِد. وشبَّك بَين أَصَابِعه» . ويُروْى أَنه قَالَ: «لم (يُفَارِقُونِي) فِي جاهليةٍ وَلَا إِسْلَام» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الشافعيُّ كَذَلِك باخْتلَاف قريب؛

стр. 4321

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْبرْقَانِي كَذَلِك أَيْضا، إِلَّا أَنهم قَالُوا فِي أوَّلِهِ: «لمَّا كَانَ يَوْم خَيْبَر وضع رَسُول الله ﷺ سهم ذَوي الْقُرْبَى (فِي) بني هَاشم وَبني الْمطلب، وَترك بني نَوْفَل وَبني عبد شمس فانطلقتُ أَنا وَعُثْمَان ... » ثمَّ ذَكرُوهُ إِلَى آخِره. قَالَ البرقاني: وَهُوَ عَلَى شَرط مُسلم. وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» عَن عُثْمَان بن عمر، ثَنَا يُونُس، عَن الزُّهْرِيّ، عَن ابْن الْمسيب، عَن جُبَير بن مطعم: «أَن رَسُول الله ﷺ لم يقسم لبني عَبْدِ شمس وَلَا لبني نَوْفَل مِنَ الخُمْس شَيْئا، كَمَا كَانَ يُقسم لبني هاشمٍ ولبني الْمطلب، وَأَن أَبَا بكر كَانَ يُقسم الْخمس نَحْو قسم رَسُول الله ﷺ ، غير أَنه لم يكن يُعْطي قرباء رَسُول الله كَمَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يعطيهم، وَكَانَ عمر يعطيهم، وَعُثْمَان من بعده» . وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» عَن جُبَير أَيْضا قَالَ: «مشيتُ أَنا وعثمانُ بْنُ عَفَّان إِلَى النَّبِي ﷺ ، (فَقلت) : يَا رَسُول الله، أعطيتَ بني الْمطلب، وَتَرَكتنَا وَنحن وهم بمنزلةٍ وَاحِدَة؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِنَّمَا بَنو الْمطلب وَبَنُو هَاشم شَيْء وَاحِد» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «فَقُلْنَا: أَعْطَيْت بني الْمطلب مِنْ خُمْس خَيْبَر وَتَرَكتنَا؟ قَالَ جُبَير: وَلم يقسم النَّبِي ﷺ لبني عَبْدِ شمسٍ، وَلَا لبني نَوْفَل شَيْئا» .

стр. 4322

وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: عبدُ شمس وَالْمطلب وهَاشِم إخْوَة لأُمٍّ، وأُمُّهُمْ عَاتِكَة بنت مُرَّة، وَكَانَ نَوْفَل أَخَاهُم لأبيهم. قَالَ الشَّافِعِي فِي «الرسَالَة» : «فقسم النَّبِي ﷺ سهم ذَوي الْقُرْبَى فِي بني هَاشم، وَبني الْمطلب، وَلم يُعط الآخرين شَيْئا، وَإِن كَانَا أخويِّ هَاشم وَالْمطلب؛ لأجل الْفرق الَّذِي ذكره رَسُول الله ﷺ وَهُوَ: أَن بني هَاشم وَبني الْمطلب شَيْء وَاحِد، وَلم يفارقوهم فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام، وحلوا مَعَهم فِي الشّعب دون بني أُميَّة بن عبد شمس وَبني نَوْفَل. وَقَالَ الرَّافِعِيّ: كَانَ عُثْمَان من بني عبد شمس، وَجبير من بني نَوْفَل، فَأَشَارَ النَّبِي ﷺ بِمَا ذكره إِلَى بَيَان الصَّحِيفَة القاطعة الَّتِي كتبْتَها قريشُ عَلَى أَن لَا يُجَالسوا بني هَاشم وَلَا يبايعوهم وَلَا يناكحوهم، وبقوا عَلَى ذَلِك سَنَةً، لم يدْخل فِي بيعتهم بَنو الْمطلب، بل خَرجُوا مَعَ بني هَاشم إِلَى بعض الشِّعَاب. قلت: هَذَا مَشْهُور بَين أَرْبَاب الْمَغَازِي، وَمِمَّنْ ذكره ابْنُ إِسْحَاق فِي «السِّيرَة» وَحَكَاهُ عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «دَلَائِل النُّبُوَّة» بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ. فَائِدَة: قَوْله فِي الحَدِيث: «شَيْء» : رُوي بالشين الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة، وبالسين الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة ثُمَّ يَاء مشدَّدة بِلَا همز، قَالَ الْخطابِيّ: كَانَ يَحْيَى بن معِين يرويهِ بِالسِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء - وَهُوَ أَجود - أَي: سَوَاء، يُقَال: هَذَا سِيّ هَذَا. أَي مِثْلُه ونَظِيْرُه، قَالَ: وَالرِّوَايَة بالشين الْمُعْجَمَة، وَذكره الهرويُّ فِي «غَرِيبه» بِالسِّين الْمُهْملَة.

стр. 4323

الحَدِيث السَّادِس رُوي أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا يُتْمَ بعد احْتِلَام» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن صَالح، ثَنَا يَحْيَى بن مُحَمَّد الْمدنِي، حَدثنِي عبد الله بن خَالِد بن سعيد بن أبي مَرْيَم، عَن أَبِيه، عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن (رُقَيْش) أَنه سمع شُيُوخًا من بني عَمرو بن عَوْف وَمن خَاله عبد الله بن أبي أَحْمد قَالَ: قَالَ عليُّ: حفظت عَن رَسُول الله ﷺ : «لَا يتم بعد احْتِلَام، وَلَا صمَات يَوْم إِلَى اللَّيْل» . أَحْمد هَذَا هُوَ المِصْريُّ الْحَافِظ الثِّقَة، لم يتَكَلَّم فِيهِ النَّسَائِيّ بحُجَّة، وَيَحْيَى الْمدنِي مُخْتَلف فِيهِ، وَقَالَ الْعقيلِيّ: فِي حَدِيثه (مَنَاكِير وأغاليط. وَعبد الله بن خَالِد ضعفه الْأَزْدِيّ وَقَالَ: لَا يكْتب حَدِيثه) ووالده ثِقَة كَمَا جزم بِهِ الذَّهَبِيّ فِي «الكاشف» ، وَذكره ابْن حبَان فِي

стр. 4324

«الثِّقَات» وَسَعِيد بن عبد الرَّحْمَن ثِقَة وَعبد الله بن أبي أَحْمد هُوَ ابْن جحش، تابعيُّ. فَهَذَا إِسْنَاد يَقْرُب من الْحسن لَوْلَا عبد الله بن خَالِد، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي كِتَابه «رياض الصَّالِحين» : إِسْنَاده حسن. وَكَأَنَّهُ اعْتمد فِي ذَلِك عَلَى سكُوت أبي دَاوُد عَلَيْهِ، وَأما ابْن الْقطَّان فضعَّفه حَيْثُ قَالَ فِي «الْوَهم وَالْإِيهَام» : عبد الله بن خَالِد ووالده مَجْهُولَانِ، وَيَحْيَى بن مُحَمَّد الْمدنِي إِمَّا مَجْهُول، وَإِمَّا ضَعِيف إِن كَانَ ابْن هَانِئ، وَعبد الله بن أبي أَحْمد مَجْهُول أَيْضا. قَالَ: وَلَيْسَ بوالد بكير بن عبد الله بن الْأَشَج كَمَا ظَنّه ابْنُ أبي حَاتِم، حِين جمع بَينهمَا، وَالْبُخَارِيّ قد فصل بَينهمَا. قَالَ: وَأيهمَا كَانَ فحالته مَجْهُولَة أَيْضا، هَذَا كَلَامه. وكل هَؤُلَاءِ مَعْلُوم الْعين مَعْلُوم الْحَال كَمَا قَرّرته لَك، إِلَّا عبد الله بن أبي أَحْمد؛ فَإِنِّي لَا أعلم حَاله، وَأعله عبد الْحق، بِوَجْه آخر، فَقَالَ: الْمَحْفُوظ عَن عَلّي ﵁. وَأعله الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِيه» بِيَحْيَى بن مُحَمَّد الْمدنِي، وَقد قَالَ البُخَارِيّ: تُكُلِّم فِيهِ. وَقَالَ ابْن حبَان: يجب التنكب عَمَّا انْفَرد بِهِ من الرِّوَايَات. وَذكر هَذَا الحديثَ العقيليُّ

стр. 4325

وَقَالَ: لَا يُتابع عَلَيْهِ يَحْيَى. قلت: ورُوي من طَرِيق آخر عَن عليٍّ، قَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي «أَصْغَر معاجمه» : ثَنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الصُّوفِي، ثَنَا مُحَمَّد بن عبيد بن مَيْمُون التبَّان الْمَدِينِيّ، حَدثنِي أبي، عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير، عَن مُوسَى بن عقبَة، عَن أبان بن تغلب، عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، عَن عَلْقَمَة بن قيس، عَن عليّ مَرْفُوعا: «لَا رضَاع بعد فصَال، وَلَا يُتم بعد حلم» . ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن أبان إِلَّا مُوسَى بن عقبَة، وَلَا عَن مُوسَى إِلَّا مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَلَا عَن مُحَمَّد إِلَّا عبيد، تفرد بِهِ محمدُ بن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد بن عبيد. (وَرَوَاهُ) أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي «مُسْنده» . قلت: وَلِحَدِيث عَلّي شَوَاهِد من حَدِيث جمَاعَة من الصَّحَابَة: أحدهم: جَابر بن عبد الله، رَفعه: «لَا يتم بعد حُلُم» . وَهُوَ قِطْعَة من حديثٍ طَوِيل رَوَاهُ ابْن عدي فِي تَرْجَمَة حرَام بن عُثْمَان، وَالرِّوَايَة عَن حرَام (حرَام) . ثانيهم: أنس، قَالَ الْمُنْذِرِيّ عقب كَلَامه السالف: وَقد رُوي هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة جَابر وَأنس، وَلَيْسَ فيهمَا شَيْء يثبت. ثالثهم: حَنْظَلَة، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» مَرْفُوعا، وَذكره الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» من

стр. 4326

حَدِيث حَنْظَلَة بن حنيفَة عَن جدَّته مَرْفُوعا: «لَا يتم بعد احْتِلَام، وَلَا يتم عَلَى جَارِيَة، إِذا هِيَ حَاضَت» . ثمَّ قَالَ: كَذَا أوردهُ ابْن شاهين، وَهُوَ وهم وتصحيف، وَلَعَلَّه أَرَادَ عَن جده فصحفه بجدته، واسْمه: حَنْظَلَة، ثمَّ سَاقه بِإِسْنَادِهِ كَذَلِك. الحَدِيث السَّابِع أنَّه ﷺ قَالَ: «نُصرت بِالرُّعْبِ مسيرَة شهر، وأُحلت لي الْغَنَائِم وَلم تحل لأحدٍ قَبْلي» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «أُعطيت خمْسا لم يُعطهنَّ أحدٌ من الْأَنْبِيَاء قَبْلي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مسيرَة شهرٍ، وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا، فأيُّما رجل من أُمَّتي أَدْرَكته الصَّلَاة فليصلّ، وأحلِّت لي الْغَنَائِم وَلم تحل لأحدٍ قبلي، وأُعطيت الشَّفَاعَة، وَكَانَ النَّبِي يُبعث إِلَى قومه [خَاصَّة] وبُعثت إِلَى النَّاس عَامَّة» . قَالَ الرَّافِعِيّ: وَكَانَت الْغَنَائِم فِي أول الْأَمر لَهُ خَاصَّة، يَفْعل بهَا مَا شَاءَ، وَفِي ذَلِك نزل قَوْله تَعَالَى: (يَسْأَلُونَك عَن الْأَنْفَال قل الْأَنْفَال لله وَالرَّسُول ﷺ لمَّا تنَازع فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ والأنصارُ ﵃ يَوْم بدر.

стр. 4327

قلت: رَوَى ذَلِك الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» لكنه لم يصرِّح بالمهاجرين. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَعَلِيهِ يُحْمَل إِعْطَاؤُهُ من لم يَشهد الْوَقْعَة، ثمَّ نُسخ ذَلِك، فَجعل خُمسها مقسومًا بِخَمْسَة أسْهم، قَالَ الله - تَعَالَى -: (فَإِن لله خمسه وَلِلرَّسُولِ) الْآيَة، وَجعل أَرْبَعَة أخماسها للغانمين؛ لحَدِيث: «الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَقْعَة» . وَهَذَا الحَدِيث سَيَأْتِي الْكَلَام (عَلَيْهِ) - إِن شَاءَ الله وقدَّره. الحَدِيث الثَّامِن رُوي «أنَّه ﷺ عرَّف عَام (حنين) عَلَى كل عشرَة عريفًا، وَذَلِكَ (فِي استطابة) قُلُوبهم فِي سَبْي هوَازن» . هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي فِيمَا نَقله الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» عَنهُ عَن الزُّهْرِيّ: «أَنه ﵇ عرَّف عَام (حنين) عَلَى كلِّ عشرَة عريفًا» . وَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» من حَدِيث عُرْوَة بن الزبير أَن مَرْوَان بن الحكم والمسور بن مخرمَة أخبرا: «أَن رَسُول الله ﷺ حِين أذن للنَّاس فِي عِتْقِ سَبي هوَازن؛ قَالَ: إِنِّي لَا أَدْرِي مَنْ أذن مِنْكُم مِمَّن لم يَأْذَن، فَارْجِعُوا حَتَّى يرفع إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمركُم. فَرجع النَّاس وكلَّمهم

стр. 4328

عُرَفَاؤُهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى رَسُول الله ﷺ فأخبروه أَن النَّاس قد طيبُوا وأذنوا» . وَرَوَى الشَّافِعِي الْقِصَّة فِي «سير الْوَاقِدِيّ» من كتاب «الْأُم» بأطول من ذَلِك، وفيهَا: «أَنه ﵇ ترك حَقَّه وحَقَّ أهل بَيته، فَسمع بذلك الْمُهَاجِرُونَ، فتركوا لَهُم حَقهم (وَسمع بذلك الْأَنْصَار فتركوا لَهُم حَقهم) ، ثمَّ بَقِي قوم من الْمُهَاجِرين الآخرين، وَأَنه عرَّف عَلَى كل عشرَة وَاحِدًا ... » ثمَّ سَاق الحَدِيث. الحَدِيث التَّاسِع أنَّه ﷺ قَالَ: «قدِّموا قُريْشًا» . هَذَا الحَدِيث تقدَّم بَيَانه فِي بَاب صَلَاة الْجَمَاعَة وَاضحا. الحَدِيث الْعَاشِر «أنَّه ﷺ كَانَ فِي حلف الفضول» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الْحميدِي عَن سُفْيَان، عَن عبد الله، عَن مُحَمَّد، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر قَالَا: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لقد شهدتُ فِي دَار عبد الله بن جدعَان حلفا، لَو دعيت بِهِ فِي الْإِسْلَام لَأَجَبْت، تحالفوا أَن (يردوا) الفضول (عَلَى) أَهلهَا، وَأَن لَا يَعُد (ظَالِم) مَظْلُوما» .

стр. 4329

وَرَوَاهُ ابْن أبي أُسَامَة فِي «مُسْنده» أَيْضا، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف. (قَالَ) السُّهيْلي: وَهَذَا أَقْوَى وَأولَى مَا ورد فِي تَفْسِير حلف الفضول. قَالَ: وَقَول ابْن قُتَيْبَة فِيهِ حسنٌ، وَهُوَ كَانَ قد سبق قُريْشًا إِلَى مثل هَذَا الْحلف جرهم فِي الزَّمن الأوَّل فتحالف مِنْهُم ثَلَاثَة، هم ومَنْ تَبِعَهُمْ: الْفضل بن فضَالة، وَالْفضل بن ودَاعَة، وَالْفضل بن الْحَارِث - وَقيل: ابْن (رِفَاعَة) - فلمَّا أشبه فعل قُرَيْش الآخر فعل هَؤُلَاءِ الجرهميين سُمِّي حِلف الفضول، وَكَانَ ذَلِك فِي ذِي الْقعدَة قبل المبعث بِعشْرين سنة، ثمَّ ذكر السُّهيْلي سَبَب ذَلِك وأوضحه (كعادته) . (قَالَ الرَّافِعِيّ: وَكَذَلِكَ كَانَ ﵇ فِي الْحلف الأول وَكَانَ مَعَ المطيبين) . قلت: فِي «مُسْند أَحْمد» من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «شهدتُ حِلْفَ المطيبين مَعَ عمومتي، وَأَنا غُلَام، فَمَا أُحِبُّ أَن لي حُمْرَ النّعم وَأَنِّي (أنكثه) » . وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَيْضا رَفَعَهُ: «شهِدت وَأَنا غُلَام حلف المطيبين، فَمَا أُحب أَن أنكثه وَأَن لي (بِهِ) حُمْرَ النعم» .

стр. 4330

وَفِي رِوَايَة لَهُ: «شهدتُ مَعَ عمومتي» (وَرَوَى هَذَا الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» بِلَفْظ «شهِدت غُلَاما مَعَ عمومتي) حلف المطيبين، فَمَا (ترَى) أَن لي حُمْر النعم وَإِنِّي أنكثه» . ثمَّ قَالَ: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَكَذَا أخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» . وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَفعه: (مَا شهِدت حلفا إِلَّا حلف قُرَيْش من حلف المطيبين، وَمَا أحب لي بِهِ حمر النعم، وَأَنِّي كنت نقضته» . والمطيبون: هَاشم و [أُميَّة] وزهرة، ومخزوم، وَرَوَى هَذَا ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» بِلَفْظ: «مَا شهدتُ مِنْ حلف قُرَيْش إِلَّا حلف المطيبين، وَمَا أحب أَن لي حمر النعم، وَإِنِّي كنت نقضته» . قَالَ (ابْن حبَان) : والمطيبون: هَاشم و [أُميَّة] وزهرة، ومخزوم.

стр. 4331

قَالَ: وَلم يشْهد حلف المطيبين؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْل مولده، وَإِنَّمَا شهد حلف الفضول، وهُمْ (كالمطيبين) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا أَدْرِي هَذَا التَّفْسِير من قَول أبي هُرَيْرَة أَو من دونه. قَالَ: وَبَلغنِي أَنه قد قيل: حلف المطيبين؛ لأَنهم غمسوا أَيْديهم فِي طِيْبٍ. قَالَ الشَّافِعِي: وَقَالَ بَعضهم: حلفٌ من الفضول. قَالَ مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي: قَالَ بعض أهل الْمعرفَة بالسير وَأَيَّام النَّاس: إِن قَوْله فِي الحَدِيث: «حلف المطيبين» غلط؛ إِنَّمَا هُوَ حلف الفضول، وَذَلِكَ أَنه ﵇ لم يدْرك حلف المطيبين؛ لِأَن ذَلِك كَانَ قَدِيما قبل أَن يُولد بِزَمَان. وَكَذَا ذكر هَذَا الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» وابْنُ عدي فِي «كَامِله» ، وَفِي «المستعذب عَلَى المهذَّب» : حلف المطيبين والفضول حلفان كَانَا فِي الْجَاهِلِيَّة من قُرَيْش: أما الأول: فَلِأَن عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب عملت لَهُم طيبا فِي جِفْنَةٍ وتركتها فِي الحِجْر؛ فغمسوا أَيْديهم فِيهَا وتحالفوا، وَقيل: إِنَّهُم مسحوا بِهِ الْكَعْبَة توكيدًا عَلَى أنفسهم. ولأي أمرٍ تحالفوا؟ قيل: عَلَى مَنْع الظَّالِم ونصْر الْمَظْلُوم. وَقيل: كَانَ بَنُو عَبْدِ الدَّار أَرَادوا أخْذَ السِّقَايَة والرفادة من بني هَاشم، فتحالفوا عَلَى مَنعهم، وَنحر الْآخرُونَ جَزُورًا، وغمسوا أَيْديهم فِي الدَّم، وَقيل: سُمُّوا المطيبين لأَنهم تحالفوا عَلَى أَن ينفقوا ويطعموا الْوُفُود من طيب أَمْوَالهم. وَفِي حلف (الفضول) وَجْهَان:

стр. 4332

الأول: أَنه اجْتمع فِيهِ رجال أَسمَاؤُهُم الْفضل: ابْن الْحَارِث، وَابْن ودَاعَة، وَابْن فضَالة (كَمَا سلف) . والفضول جَمْع فضل، قَالَ الْهَرَوِيّ: يُقَال: فضل وفضول، كَمَا يُقَال: سعد وسعود. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ: هم قوم من جرهم تحالفوا يُقَال لَهُم: فِضال وفُضال وفضالة، فلمَّا تحالفت قُرَيْش عَلَى مثله سُمُّوا حلف الفضول. ولأي أمْرٍ تحالفوا؟ فَقيل: عَلَى أَن لَا يَجدوا بِمَكَّة مَظْلُوما من أَهلهَا، أَو من غَيرهَا إِلَّا قَامُوا مَعَه. وَقيل: عَلَى أَنهم يُنْفقُونَ من فضول أَمْوَالهم، فسمُّوا بذلك حلف الفضول. وَقيل: سُمُّوا بذلك لفاضلِ ذَلِك الطِيْب. تَنْبِيه (خَاتِمَة) قَالَ الرَّافِعِيّ: وَكَانَ فِي قُرَيْش حِلفان قبل المبعث - وَالْحلف: الْعَهْد والبيعة - أَحدهمَا: أَنه وَقع نزاع بَين عبد منَاف وَبني عبد الدَّار، فِيمَا كَانَ إِلَى قُصي من الحجابة والسقاية والرفادة واللواء، فتبع عبد منَاف قبائل. . إِلَى آخِره. وَقد بَيَّنَّاها. وَعبد منَاف وَعبد الدَّار ولدان لقُصيّ وَلَهُمَا أَخ ثَالِث اسْمه عبد الْعُزَّى، وَالْمرَاد بالحجابة: حجاب الْكَعْبَة، وَهِي ولَايَة فتحهَا وغلقها وَخدمتهَا، ويُعبَّر عَن ذَلِك (بالسِّدَانةِ) أَيْضا (وَهِي) بكَسْر السِّين الْمُهْملَة، وَالْمرَاد بالسقاية: الْقيام بتهيئة المَاء من زَمْزَم، وطرْح الزَّبِيب فِيهِ لسقي الْحجَّاج، والرِّفادة - بكَسْر الرَّاء - مَال كَانَت قُرَيْش تجمعه

стр. 4333

فِيمَا بَينهم عَلَى (قدر) طَاقَة كلٍّ مِنْهُم، فيشترون بِهِ الطَّعَام وَالزَّبِيب لإطعام الْحجَّاج وسقيهم، مَأْخُوذ من الرفد وَهُوَ الْإِعَانَة. الحَدِيث الْحَادِي عشر «أَنه ﵊ نفل فِي بعض الْغَزَوَات دون بعض» . هُوَ كَمَا قَالَ، قَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَ مَالك بن أنس: بَلغنِي «أَن رَسُول الله ﷺ نفل فِي بعض مغازيه، وَلم ينفل فِي مغازيه كلِّها» . قَالَ: وَإِنَّمَا ذَلِك عَلَى وَجه الِاجْتِهَاد من الإِمَام فِي أوَّل الْمغنم وَآخره. قلت: و «فِي» «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث ابْن عمر ﵄ «أَن النَّبِي ﷺ كَانَ ينفل بعض من يبْعَث من السَّرَايَا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّة سُوَى قَسم عامَّة الْجَيْش» . وَفِيهِمَا أَيْضا من حَدِيثه: «التَّنْفِيل فِي السّريَّة الَّتِي بعثها قبل نجد» . الحَدِيث الثَّانِي عشر عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ نَفَّلَ فِي البدأة الرّبع، وَفِي الرّجْعَة الثُّلثُ» .

стр. 4334

هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن. وَصَححهُ ابْنُ حبَان، وَقد أوضحت الْكَلَام عَلَيْهِ فِي «تخريجي لأحاديث الْوَسِيط» ، وذكرته ثمَّ من طَرِيقين آخَرين أَيْضا، وَذكرت اخْتِلَاف الْأَصْحَاب فِي المُرَاد بالبدأة وَالرَّجْعَة، فراجِعه من ثمَّ، تجدُ مَا يشفي العليل. والرافعي نقل عَن بَعضهم أَنه فسر البدأة بالسَّرية الأولَى، وَالرَّجْعَة بِالثَّانِيَةِ، ثمَّ قَالَ: وَالْمَشْهُور أَن البدأة ابْتِدَاء السَّفَر. قَالَ الْخطابِيّ عَن ابْن الْمُنْذر: إِنَّمَا فرَّق ﵇ بَينهمَا لقُوَّة (الظُّهُور) عِنْد دُخُولهمْ، وَضَعفه عِنْد خُرُوجهمْ؛ لأَنهم وهم داخلون أنشط وأشهى [للسير] والإمعان فِي بِلَاد الْعَدو، وهُمْ عِنْد القفول أَضْعَف لضَعْف دوابهم وأبدانهم، وهم أشهى للرُّجُوع [إِلَى أوطانهم وأهاليهم لطول عَهدهم بهم وحبهم للرُّجُوع إِلَيْهِم] فزادَهُمْ فِي الرُّجُوع لذَلِك ثمَّ اعْترض عَلَى ابْن الْمُنْذر؛ فَقَالَ: كَلَامه (هَذَا لَيْسَ بالبَيِّن؛ لِأَن فَحْوَاه يُوهم أَن مَعْنَى الرّجْعَة هُوَ القفول إِلَى أوطانهم، وَلَيْسَ الْمَعْنى كَذَلِك؛ إِنَّمَا (الْبِدَايَة) هِيَ ابْتِدَاء السّفر لغزوٍ، فَإِذا نهضت سريةٌ من جملَة العَسْكر [فأوقعت بطَائفَة الْعَدو] نَفَلَهَا الرُّبْعَ، فَإِن قَفَلُوا من الْغُزَاة ثمَّ

стр. 4335

رجعُوا؛ فأوقعوا بالعَدُوِّ ثَانِيَة كَانَ لَهُم الثُّلُث من الْغَنِيمَة؛ لِأَن نهوضهم بعد القفول أشقُّ عَلَيْهِم وأخطر. الحَدِيث الثَّالِث عشر رُوي أنَّه ﷺ قَالَ: «الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَقْعَة» . هَذَا الحَدِيث ذكره الرافعيُّ فِيمَا مَضَى قَبْل الحَدِيث الثَّامِن، كَمَا أسلفته، وَهُوَ غريبٌ مَرْفُوعا؛ إِنَّمَا نعرفه مَوْقُوفا، كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ أَيْضا، وستعلمه آخر الْبَاب. وأمَّا ابْن الرّفْعَة فَذكره فِي كِتَابيه مَرْفُوعا، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ بَعضهم مَوْقُوفا، قيل: عَلَى أبي بكر، وَقيل: عَلَى أبي بكر وعُمر، وَقيل: عَلَى أبي بكر وَعُثْمَان. وَقَالَ فِي «مطلبه» : كَذَا ذكره الرافعيُّ - يَعْنِي: مَرْفُوعا - وغيرهُ يوقفه عَلَيْهِمَا. وَفِي هَذِه الْعبارَة نظر؛ فَإِن الرافعيَّ ذكره أَولا مَرْفُوعا ثمَّ مَوْقُوفا، كَمَا ستعلمه آخر الْبَاب. وَفِي الْمَسْأَلَة حديثان صَحِيحَانِ دالان عَلَى أَنه لَا يُسهم إِلَّا لمن حضر الْوَقْعَة: أَحدهمَا: حَدِيث أبي مُوسَى الثَّابِت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» : «أَنه لمَّا وافى هُوَ وَأَصْحَابه من الْحُدَيْبِيَة النَّبِي ﷺ حِين افْتتح خَيْبَر فَأَسْهم لَهُم مَعَ من شَهِدَهَا، وَلم يُسهم لمن غَابَ عَنْهَا غَيرهم» . ثَانِيهمَا: حَدِيث سعيد بن الْعَاصِ (أَنه ﵇ بعث أبان بن سعيد

стр. 4336

بن الْعَاصِ فِي سَرِيَّة قِبل نجد، فَقدم أبانُ وأصحابُه (عَلَى) رَسُول الله ﷺ بَعْدَمَا فتح خَيْبَر، فَأَبَى رَسُول الله ﷺ أَن يُسهم شَيْئا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بإسنادٍ صَحِيح، وغلَّطه البخاريُّ، قَالَ الذَّهَبِيّ: وَهُوَ مَحْفُوظ من طَرِيقه. الحَدِيث الرَّابِع عشر قَالَ الرَّافِعِيّ: إِذا قَالَ الإِمَام: من أَخذ شَيْئا فَهُوَ لَهُ. فعلَى قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه يَصح شَرطه؛ لما رُوي: «أنَّه ﷺ قَالَ ذَلِك يَوْم بدر» . وأصحهما: الْمَنْع. والْحَدِيث مِمَّا تكلمُوا فِي ثُبُوته، وَبِتَقْدِير ثُبُوته فَإِن غَنَائِم بدر كَانَت لَهُ خَاصَّة يَضَعهَا حَيْثُ شَاءَ. هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده وتضعيفه الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» فَإِنَّهُ أوردهُ كَذَلِك ثمَّ قَالَ: والْحَدِيث غير صَحِيح، وَقد قيل: إِن غَنَائِم بَدْر كَانَت لَهُ خَاصَّة، يفعل فِيهَا مَا يَشَاء. وتبعا فِي ذَلِك الشافعيُّ؛ فَإِنَّهُ ذكره وَأفهم أَنه لَا يَصح عِنْده، فَقَالَ - عَلَى مَا نَقله الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» -: قَالَ بعض أهل الْعلم: إِذا بعث الإِمَام سَرِيَّة أَو جَيْشًا؛ فَقَالَ لَهُم قبل اللِّقَاء: مْن غنم شَيْئا فَهُوَ لَهُ بعد الخُمْس. فَذَلِك لَهُم عَلَى مَا شَرط، لأَنهم عَلَى ذَلِك غزوا، وَبِه رَضوا، وذهبوا فِي هَذَا إِلَى أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَوْم بدر: «من أَخذ شَيْئا فَهُوَ لَهُ» .

стр. 4337

وَذَلِكَ قبل نزُول الخُمْس، وَالله أعلم، وَلم أعلم شَيْئا [يثبت] عندنَا عَن رَسُول الله ﷺ [بِهَذَا] . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قد رُوِيَ عَن عبَادَة بن الصَّامِت «أَنه سُئِلَ عَن الْأَنْفَال، قَالَ: فِينَا نزلت أصحابُ بدر، وَذَلِكَ أَن رَسُول الله ﷺ حِين التقَى النَّاس ببدرٍ نفل كلَّ امرئٍ مَا أصَاب، ثمَّ ذكر نزُول الْآيَة والقَسْمَ بَينهم» . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَقَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَفِيه نظر؛ فَإِنَّهُ من رِوَايَة مَكْحُول عَن أبي أُمَامَة عَن عبَادَة، وَمَكْحُول لم ير أَبَا أُمَامَة كَمَا قَالَ أَبُو حَاتِم. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ورُوي عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ يَوْم بدر: «مَنْ قَتَلَ قَتِيْلاً فَلهُ كَذَا، ومَنْ أسر أَسِيرًا فَلهُ كَذَا وَكَذَا» ثمَّ ذَكَرَ تنازعهم، ونزول الْآيَة فِي الْأَنْفَال، وقِسْمَةَ النَّبِي ﷺ الْغَنِيمَة بَينهم. قلت: حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الصَّحِيح، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح. فقد احْتج البُخَارِيّ بِعِكْرِمَةَ، ومسلمُ بداودِ بْنِ أبي هِنْد - يَعْنِي: المذكورَيْن فِي إِسْنَاده - وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين فِي «الاقتراح» : أَنه عَلَى شَرط البُخَارِيّ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وروينا فِي حَدِيث سعد بن أبي وَقاص فِي بعث عبد

стр. 4338

الله بن جحش، وَكَانَ الْفَيْء إِذْ ذَاك: من أَخذ شَيْئا فَهُوَ لَهُ. قد كَانَ ذَلِك قبل وقْعَة بدر، وَقد صَار الْأَمر بعد نزُول الْآيَة إِلَى مَا اخْتَارَهُ الشَّافِعِي فِي قسْمَة أَرْبَعَة أَخْمَاس الْغَنِيمَة بَين من حضر الْقِتَال، وَأَرْبَعَة أَخْمَاس الخُمس عَلَى أَهله، وَأَن النَّبِي ﷺ كَانَ [يضع] سَهْمه حَيْثُ أرَاهُ الله، وَهُوَ خُمس الخُمس. الحَدِيث الْخَامِس عشر عَن ابْن عَبَّاس ﵁ «أَنه سُئل عَن النِّسَاء هَل كُنَّ يشهدن الْحَرْب مَعَ رَسُول الله ﷺ ؟ وَهل كَانَ يُضرب لَهُنَّ سهم؟ فَقَالَ: كُنَّ يشهدن الْحَرْب، وَأما أنْ يُضْرب لَهُنَّ سهمٌ فَلَا» . هَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» من هَذَا الْوَجْه مطولا بِلَفْظ: ( [كتبت] تَسْألني - يَعْنِي: [نجدة] بن عَامر الحروري التَّابِعِيّ - هَل كَانَ رَسُول الله ﷺ يَغْزُو بِالنسَاء؟ وَقد كَانَ يَغْزُو بهنَّ؛ فيداوين الجَرْحَى، ويُحْذَيْنَ من الْغَنِيمَة، وأمَّا بِسَهْم فَلم يضْرب لَهُنَّ» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «لَيْسَ لَهما - يَعْنِي: العَبْد وَالْمَرْأَة - شَيْء إِلَّا أَن يُحْذيَا» .

стр. 4339

وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: «فَأَما أَن يضْرب لَهُنَّ بِسَهْم فَلَا، وَقد كَانَ يُرْضَخُ لَهُنَّ» . مَعْنَى «يُحْذَيْن» : يُعْطَيْن. وادَّعى الرافعيُّ ﵀: أَنه ﵊ لم يتْرك الرَّضْخَ قَط، وَلنَا بِهِ أُسْوَة حَسَنَة. فَائِدَة: حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا دالٌّ عَلَى ضَعْف حَدِيث حشرج بن زِيَاد عَن جدَّته أُمِّ أَبِيه: «أَنَّهَا غزت مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي ستَّة نسْوَة، قَالَ: فَأَسْهم لَهَا ﵇ كَمَا أسْهم [للرِّجَال] » . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وحشرج مَجْهُول. الحَدِيث السَّادِس عشر «أَنه ﵇ أعْطى سلب مرحب يَوْم خَيْبَر من قَتله» . هَذَا الحَدِيث مَشْهُور، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» قَالَ: وَاخْتلفُوا فِي قَاتل مرحب، فَقيل: عَلّي بن أبي طَالب، وَقيل: مُحَمَّد بن مسلمة الْأنْصَارِيّ. قلت: وبالأوَّل قَالَ جماعةٌ، وَرَوَاهُ الحاكمُ فِي «مُسْتَدْركه» بإسنادٍ لِلْوَاقِدِي مَا يجمع بَين الْقَوْلَيْنِ، قَالَ: «ضرب مُحَمَّد بن مسلمة ساقي

стр. 4340

مرحب؛ فقطعهما وَلم يُجهز عَلَيْهِ، فَمر بِهِ عليٌ فَضرب عُنُقه؛ فَأعْطَى رَسُول الله ﷺ سلبه مُحَمَّد بن مسلمة: سَيْفه وَدِرْعه ومِغْفره وبيضته، وَقد كَانَ عِنْد مُحَمَّد بْنِ مسلمة سَيْفه» . وَرَوَى الْحَاكِم إِلَى الْوَاقِدِيّ أَيْضا، قَالَ: «وَقيل: إِن مُحَمَّد بن مسلمة ضَرَبَ ساقي مرحب، فقطعهما، فَقَالَ مرحبُ: أجْهزْ عليَّ يَا مُحَمَّد. فَقَالَ مُحَمَّد: ذُق الْمَوْت كَمَا ذاقه أخي مَحْمُود. فَمر بِهِ عليٌّ فَضرب عُنُقه وَأخذ سلبه؛ فاختصما إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ مُحَمَّد: يَا رَسُول الله، وَالله مَا قطعتُ رجلَيْهِ وَتركته إِلَّا ليذوق الْمَوْت، وَكنت قَادِرًا عَلَى أَن أُجهز عَلَيْهِ. فَقَالَ عليُّ: صدق، ضربتُ عُنُقه بعد أَن قطع رجلَيْهِ. فَأعْطَى رَسُول الله ﷺ سلبه مُحَمَّد بن مسلمة: سَيْفه وَدِرْعه ومِغفره وبيضته، وَكَانَ عِنْد مُحَمَّد بن مسلمة سَيْفه فِيهِ كِتَابَة لَا يدْرِي مَا هُوَ، حَتَّى قَرَأَهُ يهوديُّ مِنَ الْيَهُود؛ فَإِذا فِيهِ: هَذَا سيف مرحب، مَنْ يذقه يعطب» . وَقيل: إِن قَاتله أَبُو دجَاجَة، رَوَاهُ الحاكمُ بِسَنَدِهِ إِلَى الْوَاقِدِيّ بإسنادٍ مُنْقَطع أَيْضا. وَفِي «صَحِيح مُسلم» بِإِسْنَادِهِ عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع التَّصْرِيح بِأَن عليًّا هُوَ الَّذِي قَتله. وَفِي «مُسْند أَحْمد» عَن عليّ قَالَ: (لمَّا قتلتُ مرْحَبًا جئتُ بِرَأْسِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ » . قَالَ ابْن الْأَثِير: وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أكثرُ أهل السّير والْحَدِيث. وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي «مُخْتَصر السِّيرَة» : إِنَّه الصَّحِيح. وَقَالَ بِالثَّانِي محمدُ

стр. 4341

بن إِسْحَاق والشافعيُّ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي «الْمُخْتَصر» : «نفل النَّبِي ﷺ يَوْم خَيْبَر مُحَمَّد بن مسلمة سلب مرحب» . هَذَا تَصْرِيح مِنْهُ بِأَنَّهُ قَاتله. فَائِدَة: مَرحَب: بِفَتْح الْمِيم والحاء، مِنَ الرَّحَب، بِمَعْنى السعَة، وَهُوَ يَهُودِيّ قُتل كَافِرًا يَوْم خَيْبَر. الحَدِيث السَّابِع عشر عَن أبي قَتَادَة ﵁ قَالَ: «خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ يَوْم حُنَيْن، فرأيتُ رجلا من الْمُشْركين عَلَى رجلٍ من الْمُسلمين، فاستدرتُ لَهُ حَتَّى أَتَيْته مِنْ وَرَائه، فضربته عَلَى حَبْلِ عَاتِقه ضَرْبَة، فَأقْبَلَ عليَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وجدتُ مِنْهَا ريح الْمَوْت، ثمَّ أدْركهُ الموتُ، فأرسلني إِلَى أَن مَاتَ [فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : من قتل قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلهُ سلبه. فَقُمْت فَاقْتَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّة، فَقَالَ رجل: صدق يَا رَسُول الله، وسلب ذَلِك الْقَتِيل عِنْدِي] . فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : فأعْطِهِ إيَّاه. فأعْطَانِيْهِ، فابتعتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بني سَلمَة؛ فَإِنَّهُ لأوَّلُ مالٍ تأثلته فِي الْإِسْلَام» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» مِنْ هَذَا الْوَجْه، قَالَ: «خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ عَام حنين، فلمَّا الْتَقَيْنَا كَانَ للْمُسلمين جَوْلَة، قَالَ: فرأيتُ رجلا من الْمُشْركين قد علا رجلا من الْمُسلمين، فابتدرتُ إِلَيْهِ حَتَّى أتيتَهُ مِنْ وَرَائه، فضربتُه عَلَى حَبْلِ عَاتِقه، فَأقبل عليَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وجدتُ مِنْهَا ريح الْمَوْت، ثمَّ أدْركهُ الموتُ

стр. 4342

فأرسلني، فلحقتُ عمرَ بْنَ الْخطاب، فَقلت: مَا بالُ النَّاس؟ فَقَالَ: أَمْرُ الله، ثمَّ إِن الناسَ رجعُوا، وَجلسَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: مَنْ قتل قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلهُ سلبه. فَقُمْتُ فقلتُ: مَنْ يشْهد لي؟ ثمَّ جلستُ ثمَّ قَالَ ذَلِك ثَلَاثَة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَة؟ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّة، فَقَالَ رجل مِنْ الْقَوْم: صَدَقَ يَا رَسُول الله؛ سَلَبُ ذَلِك الْقَتِيل عِنْدي، فأرْضِهِ مِنْ حقِّه. فَقَالَ أَبُو بكر الصّديق: لَاها الله إِذن، لَا يعمدُ إِلَى أَسد من أَسد الله يُقَاتل عَن الله وَرَسُوله فيعطيك سلبه؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : صَدَقَ، فأعْطِهِ إِيَّاه [فَأَعْطَانِي: قَالَ] فَبِعْت الدرْع وابتعتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بني سَلمَة، فَإِنَّهُ لأوَّلُ مالٍ تأثلته فِي الْإِسْلَام» . وَفِي رِوَايَة لَهما: «لمَّا كَانَ يَوْم حنين نظرتُ إِلَى رجلٍ من الْمُسلمين يُقَاتل رجلا من الْمُشْركين، [وَآخر] من الْمُشْركين [يختله] مِنْ وَرَائه ليَقْتُلهُ، فأسرعتُ إِلَى الَّذِي [يختله] فَرفع يَده ليضربني، فَضربت يَده فقطعتها، ثمَّ أَخَذَنِي فضمني ضمًّا شَدِيدا حَتَّى تخوفت، ثمَّ بزك [فتحلَّل] ، ودفعتُه ثمَّ قَتَلْتُه، وَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ وانهزمتُ مَعَهم؛ فَإِذا بعمر بن الْخطاب فِي النَّاس، فقلتُ لَهُ: مَا شَأْن النَّاس؟ قَالَ: أَمر

стр. 4343

[الله. ثمَّ تراجع] الناسَ إِلَى رَسُول الله ﷺ ... » ثمَّ ذكر النَّاس بنَحْوِ مَا تقدم. فَائِدَة: قَوْله: «كَانَ للْمُسلمين جَوْلَة» : أَي نُفُور وانكشاف. «حَبْل العاتق» بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: مَوضِع الرِّدَاء من العاتق. قَالَه الأصمعيُّ، يذكَّر ويؤنَّث. وَقَوله: «لَاها الله إِذا» : هَكَذَا رُوي، قَالَ الْخطابِيّ: وَالصَّوَاب: «لَاها الله ذَا» بِغَيْر ألف قبل الذَّال، وَمَعْنَاهُ فِي كَلَامهم: لَا وَالله يكون ذَا، يجْعَلُونَ الْهَاء مَكَان الْوَاو. وَوَقع فِي «مُسْند أَحْمد» نَحْو هَذَا القَوْل من عمر فِي حق أبي قَتَادَة من حَدِيث أنس، وَهُوَ وهم كَمَا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «جَامع المسانيد» وَإِنَّمَا قَالَه أَبُو بكر. والمَخرف - بِفَتْح الْمِيم، وَإِسْكَان الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَفتح الرَّاء - حَائِط النّخل، وَقيل: المَخرف: نَخْلَة وَاحِدَة أَو نخلات يسيرَة إِلَى عشر، فَمَا فَوق ذَلِك فَهُوَ بُسْتَان أَو حديقة، مَأْخُوذ من الخَرف - بِفَتْح الْخَاء - وَهُوَ الْقطع؛ لِأَن الرطب و [الثَّمر] يقْطَعَانِ مِنْهُ، والمخرفية - بِزِيَادَة الْيَاء - اسْم للبستان أَيْضا، كَمَا قَالَه فِي «الصِّحَاح» والمِخْرَف - بِكَسْر الْمِيم - هِيَ مَا يجتنى فِيهِ الثِّمَار، وَمِنْه الخريف للفصل الْمَعْرُوف؛ لكَون الثِّمَار تُقْطع فِيهِ، وبالمد مَعْنَاهُ: عللته. وَالْحَبل: الْكر. و «الجدع» و «حنين» : (واديين) بِمَكَّة، والطائف وَرَاء عَرَفَات، بَينه وَبَين مَكَّة بضعَة عشر ميلًا، وَهُوَ مصروفٌ كَمَا نطق بِهِ الْقُرْآن الْعَزِيز. وَقَوله: «فِي

стр. 4344

بني سلِمة» : هُوَ بِكَسْر اللَّام. قَالَه ابْن الْأَعرَابِي، بني سَلمَة بِكَسْر اللَّام فِي الأزد، وَبِفَتْحِهَا فِي يُسيْر. الحَدِيث الثَّامِن عشر «أَن النَّبِي ﷺ لم يُعط ابْن مَسْعُود سلب أبي جهل؛ لِأَنَّهُ كَانَ قد أثخنه فتيَان من الْأَنْصَار، وهما: معَاذ ومعوَّذ ابْنا عَفْراء» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» لكنهما قَالَا: «معَاذ بن عَمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء» بدل مَا ذكره الرافعيُّ. أَخْرجَاهُ من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مَنْ ينظر مَا صنع أَبُو جهل؟ فَانْطَلق ابْنُ مَسْعُود فَوَجَدَهُ قد ضربه ابْنا عفراء حَتَّى برد، قَالَ: فَأخذ بلحيته، فَقَالَ: آنت أَبُو جهل؟» . وللبخاري: «آنت أَبَا جهل؟ قَالَ: وَهل [فَوق] رجل قَتَلْتُمُوهُ - أَو قَالَ: قَتله قومُهُ» . وَفِي لفظ لَهما: «قَالَ أَبُو جهل: [فَلَو غيرُ أكَّار] يقتلني؟» . وابنا عفراء هما معَاذ بن عَمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء، كَمَا أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف

стр. 4345

قَالَ: «إِنِّي لواقفٌ فِي الصَّفّ يَوْم بدر، فنظرتُ عَن يَمِيني وَعَن شمَالي، فَإِذا أَنا بغلامين من الْأَنْصَار [حَدِيثَة] أسنانهما، فتمنيتُ أَن [أكون] بَين أضلع مِنْهُمَا، فغمزني أَحدهمَا فَقَالَ: أيْ عَمّ، تعرف أَبَا جهل؟ قلت: نعم، مَا حَاجَتك [إِلَيْهِ يَا] ابْن أخي؟ قَالَ: أخْبرت أَنه يسب رَسُول الله ﷺ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِن رَأَيْته لَا يُفَارق سوَادِي سوَاده حَتَّى يَمُوت الأعجل منا. قَالَ: فتعجبت لذَلِك، قَالَ: وغمزني الآخر فَقَالَ لي مثلهَا، فَلم أنشب أَن (نظرت إِلَى) أبي جهل يجول فِي النَّاس، فَقلت: أَلا تريان؛ هَذَا صاحبكما الَّذِي تسألاني عَنهُ. قَالَ: فابتدراه [بسيفيهما] فضرباه حَتَّى قتلاه، ثمَّ انصرفا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: أيكما قَتله؟ قَالَ كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا: أَنا قتلته. فَقَالَ: هَل مسحتما [سيفيكما] ؟ قَالَا: لَا. فَنظر رَسُول الله ﷺ إِلَى السيفين، فَقَالَ: (كلاكما) قَتله. وَقَضَى رَسُول الله ﷺ بسلبه لِمعَاذ بن عَمرو بن الجموح (ومعاذ بن عفراء) » .
следующие страницы →