Полный текст (6 131 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
بن إِسْحَاق والشافعيُّ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي «الْمُخْتَصر» : «نفل النَّبِي ﷺ يَوْم خَيْبَر مُحَمَّد بن مسلمة سلب مرحب» . هَذَا تَصْرِيح مِنْهُ بِأَنَّهُ قَاتله.
فَائِدَة: مَرحَب: بِفَتْح الْمِيم والحاء، مِنَ الرَّحَب، بِمَعْنى السعَة، وَهُوَ يَهُودِيّ قُتل كَافِرًا يَوْم خَيْبَر.
الحَدِيث السَّابِع عشر
عَن أبي قَتَادَة ﵁ قَالَ: «خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ يَوْم حُنَيْن، فرأيتُ رجلا من الْمُشْركين عَلَى رجلٍ من الْمُسلمين، فاستدرتُ لَهُ حَتَّى أَتَيْته مِنْ وَرَائه، فضربته عَلَى حَبْلِ عَاتِقه ضَرْبَة، فَأقْبَلَ عليَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وجدتُ مِنْهَا ريح الْمَوْت، ثمَّ أدْركهُ الموتُ، فأرسلني إِلَى أَن مَاتَ [فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : من قتل قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَة فَلهُ سلبه. فَقُمْت فَاقْتَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّة، فَقَالَ رجل: صدق يَا رَسُول الله، وسلب ذَلِك الْقَتِيل عِنْدِي] . فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : فأعْطِهِ إيَّاه. فأعْطَانِيْهِ، فابتعتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بني سَلمَة؛ فَإِنَّهُ لأوَّلُ مالٍ تأثلته فِي الْإِسْلَام» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» مِنْ هَذَا الْوَجْه، قَالَ: «خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ عَام حنين، فلمَّا الْتَقَيْنَا كَانَ للْمُسلمين جَوْلَة، قَالَ: فرأيتُ رجلا من الْمُشْركين قد علا رجلا من الْمُسلمين، فابتدرتُ إِلَيْهِ حَتَّى أتيتَهُ مِنْ وَرَائه، فضربتُه عَلَى حَبْلِ عَاتِقه، فَأقبل عليَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وجدتُ مِنْهَا ريح الْمَوْت، ثمَّ أدْركهُ الموتُ
стр. 4342
فأرسلني، فلحقتُ عمرَ بْنَ الْخطاب، فَقلت: مَا بالُ النَّاس؟ فَقَالَ: أَمْرُ الله، ثمَّ إِن الناسَ رجعُوا، وَجلسَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: مَنْ قتل قَتِيلا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلهُ سلبه. فَقُمْتُ فقلتُ: مَنْ يشْهد لي؟ ثمَّ جلستُ ثمَّ قَالَ ذَلِك ثَلَاثَة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَة؟ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّة، فَقَالَ رجل مِنْ الْقَوْم: صَدَقَ يَا رَسُول الله؛ سَلَبُ ذَلِك الْقَتِيل عِنْدي، فأرْضِهِ مِنْ حقِّه. فَقَالَ أَبُو بكر الصّديق: لَاها الله إِذن، لَا يعمدُ إِلَى أَسد من أَسد الله يُقَاتل عَن الله وَرَسُوله فيعطيك سلبه؟ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : صَدَقَ، فأعْطِهِ إِيَّاه [فَأَعْطَانِي: قَالَ] فَبِعْت الدرْع وابتعتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بني سَلمَة، فَإِنَّهُ لأوَّلُ مالٍ تأثلته فِي الْإِسْلَام» .
وَفِي رِوَايَة لَهما: «لمَّا كَانَ يَوْم حنين نظرتُ إِلَى رجلٍ من الْمُسلمين يُقَاتل رجلا من الْمُشْركين، [وَآخر] من الْمُشْركين [يختله] مِنْ وَرَائه ليَقْتُلهُ، فأسرعتُ إِلَى الَّذِي [يختله] فَرفع يَده ليضربني، فَضربت يَده فقطعتها، ثمَّ أَخَذَنِي فضمني ضمًّا شَدِيدا حَتَّى تخوفت، ثمَّ بزك [فتحلَّل] ، ودفعتُه ثمَّ قَتَلْتُه، وَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ وانهزمتُ مَعَهم؛ فَإِذا بعمر بن الْخطاب فِي النَّاس، فقلتُ لَهُ: مَا شَأْن النَّاس؟ قَالَ: أَمر
стр. 4343
[الله. ثمَّ تراجع] الناسَ إِلَى رَسُول الله ﷺ ... » ثمَّ ذكر النَّاس بنَحْوِ مَا تقدم.
فَائِدَة: قَوْله: «كَانَ للْمُسلمين جَوْلَة» : أَي نُفُور وانكشاف. «حَبْل العاتق» بِسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: مَوضِع الرِّدَاء من العاتق. قَالَه الأصمعيُّ، يذكَّر ويؤنَّث. وَقَوله: «لَاها الله إِذا» : هَكَذَا رُوي، قَالَ الْخطابِيّ: وَالصَّوَاب: «لَاها الله ذَا» بِغَيْر ألف قبل الذَّال، وَمَعْنَاهُ فِي كَلَامهم: لَا وَالله يكون ذَا، يجْعَلُونَ الْهَاء مَكَان الْوَاو. وَوَقع فِي «مُسْند أَحْمد» نَحْو هَذَا القَوْل من عمر فِي حق أبي قَتَادَة من حَدِيث أنس، وَهُوَ وهم كَمَا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «جَامع المسانيد» وَإِنَّمَا قَالَه أَبُو بكر.
والمَخرف - بِفَتْح الْمِيم، وَإِسْكَان الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَفتح الرَّاء - حَائِط النّخل، وَقيل: المَخرف: نَخْلَة وَاحِدَة أَو نخلات يسيرَة إِلَى عشر، فَمَا فَوق ذَلِك فَهُوَ بُسْتَان أَو حديقة، مَأْخُوذ من الخَرف - بِفَتْح الْخَاء - وَهُوَ الْقطع؛ لِأَن الرطب و [الثَّمر] يقْطَعَانِ مِنْهُ، والمخرفية - بِزِيَادَة الْيَاء - اسْم للبستان أَيْضا، كَمَا قَالَه فِي «الصِّحَاح» والمِخْرَف - بِكَسْر الْمِيم - هِيَ مَا يجتنى فِيهِ الثِّمَار، وَمِنْه الخريف للفصل الْمَعْرُوف؛ لكَون الثِّمَار تُقْطع فِيهِ، وبالمد مَعْنَاهُ: عللته. وَالْحَبل: الْكر. و «الجدع» و «حنين» : (واديين) بِمَكَّة، والطائف وَرَاء عَرَفَات، بَينه وَبَين مَكَّة بضعَة عشر ميلًا، وَهُوَ مصروفٌ كَمَا نطق بِهِ الْقُرْآن الْعَزِيز. وَقَوله: «فِي
стр. 4344
بني سلِمة» : هُوَ بِكَسْر اللَّام. قَالَه ابْن الْأَعرَابِي، بني سَلمَة بِكَسْر اللَّام فِي الأزد، وَبِفَتْحِهَا فِي يُسيْر.
الحَدِيث الثَّامِن عشر
«أَن النَّبِي ﷺ لم يُعط ابْن مَسْعُود سلب أبي جهل؛ لِأَنَّهُ كَانَ قد أثخنه فتيَان من الْأَنْصَار، وهما: معَاذ ومعوَّذ ابْنا عَفْراء» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» لكنهما قَالَا: «معَاذ بن عَمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء» بدل مَا ذكره الرافعيُّ.
أَخْرجَاهُ من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (مَنْ ينظر مَا صنع أَبُو جهل؟ فَانْطَلق ابْنُ مَسْعُود فَوَجَدَهُ قد ضربه ابْنا عفراء حَتَّى برد، قَالَ: فَأخذ بلحيته، فَقَالَ: آنت أَبُو جهل؟» . وللبخاري: «آنت أَبَا جهل؟ قَالَ: وَهل [فَوق] رجل قَتَلْتُمُوهُ - أَو قَالَ: قَتله قومُهُ» . وَفِي لفظ لَهما: «قَالَ أَبُو جهل: [فَلَو غيرُ أكَّار] يقتلني؟» .
وابنا عفراء هما معَاذ بن عَمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء، كَمَا أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف
стр. 4345
قَالَ: «إِنِّي لواقفٌ فِي الصَّفّ يَوْم بدر، فنظرتُ عَن يَمِيني وَعَن شمَالي، فَإِذا أَنا بغلامين من الْأَنْصَار [حَدِيثَة] أسنانهما، فتمنيتُ أَن [أكون] بَين أضلع مِنْهُمَا، فغمزني أَحدهمَا فَقَالَ: أيْ عَمّ، تعرف أَبَا جهل؟ قلت: نعم، مَا حَاجَتك [إِلَيْهِ يَا] ابْن أخي؟ قَالَ: أخْبرت أَنه يسب رَسُول الله ﷺ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِن رَأَيْته لَا يُفَارق سوَادِي سوَاده حَتَّى يَمُوت الأعجل منا. قَالَ: فتعجبت لذَلِك، قَالَ: وغمزني الآخر فَقَالَ لي مثلهَا، فَلم أنشب أَن (نظرت إِلَى) أبي جهل يجول فِي النَّاس، فَقلت: أَلا تريان؛ هَذَا صاحبكما الَّذِي تسألاني عَنهُ. قَالَ: فابتدراه [بسيفيهما] فضرباه حَتَّى قتلاه، ثمَّ انصرفا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: أيكما قَتله؟ قَالَ كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا: أَنا قتلته. فَقَالَ: هَل مسحتما [سيفيكما] ؟ قَالَا: لَا. فَنظر رَسُول الله ﷺ إِلَى السيفين، فَقَالَ: (كلاكما) قَتله. وَقَضَى رَسُول الله ﷺ بسلبه لِمعَاذ بن عَمرو بن الجموح (ومعاذ بن عفراء) » .
стр. 4346
فَائِدَة: «أثخنه» فِي طَرِيق الرَّافِعِيّ بمثلثة، ثمَّ خاء مُعْجمَة، أَي أضعفه بالجراحة.
تَنْبِيهَات: (أَحدهَا) : قد علمتَ أَن فِي الحَدِيث «معَاذ بن عَمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء» خلاف مَا وَقع فِي «الرَّافِعِيّ» وعفراء أُمُّهما، كَمَا قَالَه ابْن الْأَثِير وغيرُه فِي «جَامعه» .
ثَانِيهَا: معَاذ ومعوذ ابْنا الْحَارِث بن رِفَاعَة، وَتَبعهُ ابْنُ الرّفْعَة فِي «الْكِفَايَة» وَقَالَ ابْن معِين فِي «سنَنه» : هُمَا: عَوْف ومسعود. وَقَالَ التغلبي: عَوْف ومعاذ. قَالَا: فالاتفاق عَلَى عَوْف وَالِاخْتِلَاف فِي الآخر.
قلت: وَأَيْنَ الِاتِّفَاق؟ وَقد علمت أَنه خلاف مَا وَقع فِي «الصَّحِيح» وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «تهذيبه» : هما عوذ ومعوذ، الأول بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَإِسْكَان الْوَاو وَبعدهَا ذال مُعْجمَة، ثمَّ نقل عَن ابْنِ عَبْدِ البَرِّ وغيرُه أَنهم فِي «عوذ» : «عَوْف» بِالْفَاءِ بدل الذَّال. هَذَا مَا ذكره فِي النَّوْع السَّابِع الْمَعْقُود لبَيَان المبهمات، وَذكر فِي الْأَسْمَاء فِي تَرْجَمَة معَاذ بن الْحَارِث أخي عوذ ومعوذ. أَن معَاذًا هُوَ الَّذِي شَارك فِي قتل أبي جهل، كَمَا ثَبت فِي «صَحِيح البُخَارِيّ» عَن أنس.
فَائِدَة: تُوفي معاذُ بْنُ عفراء فِي زمن عليّ، عَام صِفِّيْن، كَمَا قَالَه الواقديُّ، وَقَالَ ابْن مَنْدَه: قُتِل ببدر. وَهُوَ غلط بالِاتِّفَاقِ؛ إِنَّمَا قُتِلَ ببدر أَخَوَاهُ، قَالَ كثيرُ بن أَفْلح: أعتق معاذُ بن عفراء ألف نَسْمَة، سُوَى مَا ابْتَاعَ لَهُ. نَقله أَبُو نُعَيْم فِي «الْمعرفَة» .
стр. 4347
ثَالِثهَا: حَكَى ابْن الرّفْعَة خلافًا فِي «كِفَايَته» «أَنه ﵇ أعْطى سلب أبي جهل لَهما أَو لأَحَدهمَا» . وَهُوَ خلاف غَرِيب.
وَفِي «مُسْند الإِمَام أَحْمد» من حَدِيث أبي [عُبَيْدَة] عَن عبد الله بن مَسْعُود: «أَنه وجده - يَعْنِي: أَبَا جهل - يَوْم بدر وَقد ضُرِبَتْ رِجْله وَهُوَ صريع، وَهُوَ يَذُبُّ الناسَ عَنهُ بسيفٍ لَهُ، فأخذتُه فقتلتُه بِهِ، فَنَفَلَني سلبه» .
وَهَذَا مُنْقَطع، أَبُو (عُبَيْدَة) لم يسمع مِنْ أَبِيه.
الحَدِيث التَّاسِع عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، كَمَا سلف لَك قَرِيبا.
وَفِي «مُسْند أَحْمد» : حدَّثنا أَبُو مُعَاوِيَة، ثَنَا أَبُو مَالك الْأَشْجَعِيّ، عَن نعيم بن أبي هِنْد، عَن ابْن سَمُرَة بن جُنْدُب، عَن أَبِيه رَفعه: «من قتل (قَتِيلا) فَلهُ السَّلب» .
الحَدِيث الْعشْرُونَ
عَن عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ وخَالِد بن الْوَلِيد ﵄ «أَن النَّبِي ﷺ قَضَى بالسلب للْقَاتِل، وَلم يُخمس السَّلب» .
стр. 4348
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن صَفْوَان بن عَمرو، عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير بن نفير، عَن أَبِيه، عَن عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ وخَالِد ... فَذكره. وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل عَن الشاميين.
قلت: وَلم ينْفَرد بِهِ إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، بل تَابعه عَلَيْهِ أَبُو الْمُغيرَة، رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَتَابعه أَيْضا الْوَلِيد بن مُسلم، قَالَ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» : أبنا عمر بن مُحَمَّد الْهَمدَانِي، ثَنَا عَمرو بن [عُثْمَان] ثَنَا الْوَلِيد بن مُسلم، عَن صَفْوَان بن عَمرو، عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير بن نفير، عَن أَبِيه، عَن عَوْف بن مَالك: «أَنه ﵇ لم يُخمس السَّلب» .
وَرَوَاهَا أَيْضا الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» بِلَفْظ: «أَنه ﵇ جعل السَّلب للْقَاتِل، وَلم يُخمسه» وَعَزاهَا صَاحب «الْإِلْمَام» إِلَى رِوَايَة (الْحَافِظ) أبي بكر البرقاني أَن عَوْف بن مَالك قَالَ: «إِن رَسُول الله ﷺ لم يكن يُخمس السَّلب» .
وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظ ثَابت فِي «صَحِيح مُسلم» من هَذَا الْوَجْه فِي قصَّة طَوِيلَة بِلَفْظ: «قَالَ عَوْف: فقلتُ: يَا خَالِد، أمَا علمت أَن رَسُول الله ﷺ -
стр. 4349
قَضَى بالسلب للْقَاتِل؟ قَالَ: بلَى، وَلَكِنِّي [استكثرته] » .
وَهِمَ المحبُّ الطَّبَرِيّ فَعَزاهُ إِلَى «البُخَارِيّ» أَيْضا، وَهُوَ من أَفْرَاد مُسلم.
الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّانِي وَالثَّالِث بعد العِشْرين
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَتجوز قِسْمة الْغَنَائِم فِي دَار الْحَرْب من غير كَرَاهَة؛ لِأَنَّهُ ﵇ قَسَّم غَنَائِم بدر بشِعْب مِنْ شعاب الصَّفْرَاء قريبٌ مِنْ بدر، وَقسم غَنَائِم بني المصطلق عَلَى مِيَاههمْ، وقسَّم غَنَائِم حُنَيْن بأوطاس وَهُوَ وَادي حُنَيْن، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تُقَسَّم الْغَنَائِم بدار الْحَرْب. هَذَا آخرُ كَلَامه.
أما قِسْمَتُه ﵇ غَنَائِم بدر بشعب من شعاب الصَّفْرَاء قريبٌ من بدر فمشهور، وَمِمَّنْ ذكره ابْن إِسْحَاق، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ فَقَالَ: «وَمَضَى رَسُول الله ﷺ ، فلمَّا خرج مِنْ مضيق يُقَال لَهُ: الصَّفْرَاء؛ خرج مِنْهُ عَلَى كثيب يُقَال لَهُ: سير، عَلَى مسيرَة لَيْلَة من بدر أَو أَكثر؛ فقسم رَسُول الله ﷺ النَّفْل بَين الْمُسلمين عَلَى ذَلِك الْكَثِيب» . قَالَ الشَّافِعِي: وَمن حول سَير وَأَهله مشركون.
فَائِدَة: بدر عَلَى أَربع مراحل من الْمَدِينَة، وَكَانَت يَوْم الْجُمُعَة كَمَا ثَبت فِي «صَحِيح البُخَارِيّ» من حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَأبْعد من قَالَ: كَانَت يَوْم الِاثْنَيْنِ. حَكَاهُ ابْن عَسَاكِر أَنَّهَا كَانَت يَوْم السبت، وَهُوَ غَرِيب جدًّا.
«قِسْمَتُه ﵇ غَنَائِم بني المصطلق عَلَى مِيَاههمْ» فَذكره الشافعيُّ فِي
стр. 4350
«الْأُم» فَقَالَ: وَقسم رَسُول الله ﷺ أَمْوَال بني المصطلق وَسَبْيهمْ فِي الْموضع الَّذِي غنمها فِيهِ قبل أَن يتَحَوَّل مِنْهُ، وَمَا حوله كُله بِلَاد شرك، وَقسم أَمْوَال أهل بدر بسير عَلَى أميالٍ من بدر وَمن حول سير وَأَهله مشركون.
قَالَ: وَأكْثر مَا قسم رَسُول الله ﷺ وأمراءُ سراياه مَا غنموا بِبِلَاد (الْمغرب) وَذَلِكَ مَعْرُوف عِنْد أَهله، لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
وَأما قسْمَة غَنَائِم حنين بأوطاس - وَهُوَ وَاد بهَا - فغريبٌ؛ وَإِنَّمَا قَسَّمَهَا بالجعرانة، كَمَا أخرجه البخاريُّ وغيرُه؛ (فَإِنَّهُ ﵇ لمَّا نَصره الله بِحُنَيْن عَلَى هوَازن لم يصنع شَيْئا فِي أمْر الْغَنَائِم حَتَّى غزا الطائِفَ، ثمَّ عَاد ولمَّا يُفتح لَهُ، إِلَى أَن نزل بالجعرانة، فَأَتَاهُ هُنَاكَ وَفْدُ هوَازن مُسلمين داعيين، فخيَّرهم بَين عِيَالهمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَبَين أَمْوَالهم، فَاخْتَارُوا أَمْوَالهم، ثمَّ رَدَّ ﵇ وَأَصْحَابه كلَّ ذَلِك عَلَيْهِم. .) الْقِصَّة بِطُولِهَا، وَكَانَ سَبْيُ هوَازن سِتَّة آلَاف إِنْسَان.
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين
«أَن السَّرَايَا كَانَت تخرج من الْمَدِينَة عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ فَتَغْنم وَلَا يشاركهم المقيمون بهَا» .
هَذَا مَشْهُور مَعْرُوف، وَمِمَّنْ رَوَاهُ الربيعُ عَن الشَّافِعِي، كَمَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» عَنهُ.
стр. 4351
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين
رُوي «أَن جَيش الْمُسلمين تفَرقُوا، فغنم بَعضهم بأوطاس وَبَعْضهمْ (بحنين) ؛ فشركوهم» .
هَذَا صَحِيح، قَالَ الشَّافِعِي - فِيمَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «السّنَن» و «الْمعرفَة» -: مَضَت خيل الْمُسلمين فَغنِمت بأوطاس غَنَائِم كَثِيرَة، وَأكْثر الْعَسْكَر بحُنَيْن، [فشركوهم] وهم مَعَ رَسُول الله ﷺ . ثمَّ سَاق فِي السّنَن حَدِيث أبي مُوسَى الثَّابِت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» قَالَ: «لمَّا فرغ النَّبِي ﷺ من حنين بعث أَبَا عَامر عَلَى جَيش أَوْطَاس، فلقي دُرَيْد بن الصمَّة، فَقتل دُرَيْد، وَهزمَ الله أَصْحَابه ... » وَذكر الحَدِيث.
الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين
عَن ابْن عمر ﵄: «أَن النَّبِي ﷺ ضرب للْفرس بسهمين، وللفارس بسَهْمٍ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَقَالا: «للرَّاجِل» بدل «للفارس» .
стр. 4352
وَقد أوضحت طرقه والجوابَ عمَّا عارَضَه فِي «تَخْرِيج أَحَادِيث الْوَسِيط» .
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين
أنَّه ﷺ قَالَ: «الْخَيل مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة: الْأجر، والمغنم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث عُرْوَة بن الْجَعْد الْبَارِقي ﵁ وَأَخْرَجَاهُ أَيْضا من حَدِيث ابْن عمر، وَأنس ﵁ وَأخرجه ت س من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، د وَأَبُو مُسلم الْكَجِّي فِي «سُنَنهمَا» من حَدِيث عتبَة بن [عَبدٍ] السّلمِيّ، د م من رِوَايَة جرير، وَأحمد من حَدِيث أَسمَاء بنت
стр. 4353
يزِيد وَجَابِر، وَالْبَزَّار من حَدِيث حُذَيْفَة، وَأحمد من حَدِيث سَلمَة بن نفَيْل، وَابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث [نعيم بن زِيَاد أَنه سمع أَبَا] كَبْشَة بِزِيَادَة: «وَأَهْلهَا مُعَانون عَلَيْهَا، والمنْفِق عَلَيْهَا كالباسط يَده بِالصَّدَقَةِ» . وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «مُعْجَمه» من هَذِه الطَّرِيق، وَمن طَرِيق [سوَادَة] الْجرْمِي وَأبي أُمَامَة، وَأخرجه ابْن مَنْدَه فِي «الصَّحَابَة» ، و [ابْن سعد] فِي «الطَّبَقَات» من طَرِيق يزِيد بن عبد الله بن عريب الْمليكِي، عَن أَبِيه، عَن جده مَرْفُوعا.
فَهَؤُلَاءِ أَرْبَعَة عشر صحابِيًّا رووا هَذَا الْمَتْن عَن رَسُول الله ﷺ .
قَالَ الإِمَام أَبُو الْفضل: وَهُوَ من كَلَامه ﵇ البليغ، وتحسينه الْأَلْفَاظ العذبة السهلة بَعْضهَا بِبَعْض.
стр. 4354
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين
رُوي «أنَّه ﷺ لم يُعطِ الزبير إِلَّا لفرس واحدٍ، وَقد حضر يَوْم خَيْبَر بأفراس» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم عَلَى مَا نَقله الْبَيْهَقِيّ عَنهُ، عَن عبد الْوَهَّاب [الْخفاف عَن] الْعمريّ عَن أَخِيه: «أَن الزبير وَافى بأفراسٍ يَوْم خَيْبَر، فَلم يُسْهم لَهُ إِلَّا لفرسٍ واحدٍ» .
قَالَ الشَّافِعِي: وَحدث مَكْحُول عَن رَسُول الله ﷺ : «أَن الزبير حضر خَيْبَر بفرسين، فَأعْطَاهُ النَّبِي ﷺ خَمْسَة أسْهم؛ سَهْما لَهُ، وَأَرْبَعَة أسْهم لفرسَيِه» - فَهُوَ حَدِيث مُنْقَطع لَا تقوم بِهِ حُجَّة - قَالَ الشَّافِعِي: وَلَو كَانَ كَمَا حدث مَكْحُول «أَنه ﵇ حضر خَيْبَر بفرسَيْن، وَأخذ خَمْسَة أسْهم» كَانَ وَلَده أعرف بحَديثه و [أحرص] عَلَى مَا فِيهِ زِيَادَة من غَيرهم.
قلت: وَفِي «مُسْند أَحْمد» و «سنَن النَّسَائِيّ» من حَدِيث يَحْيَى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عَن جده قَالَ: (ضرب رَسُول الله ﷺ يَوْم
стр. 4355
خَيْبَر للزبير أَرْبَعَة أسْهم، [سَهْمًا] للزبير، و [سَهْمًا] لذِي [الْقُرْبَى لصفية بنت عبد الْمطلب أم الزبير وسهمين] للْفرس» .
تَنْبِيه: وَقع فِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ «حنين» بدل «خَيْبَر» وَهُوَ من تَحْرِيف النساخ؛ فاجتنبه.
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَقَالَ أَحْمد: يعْطى لفرسَيْن وَلَا يُزَاد؛ لحديثٍ ورد فِيهِ، وَرَوَاهُ راوون قولا للشَّافِعِيّ.
هَذَا الحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ، رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور فِي «سنَنه» عَلَى مَا ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» وغيرُه عَنهُ عَن ابْن عَيَّاش عَن الْأَوْزَاعِيّ: «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُسْهم للخيل، وَكَانَ لَا يُسهم للرجل فَوْقَ فرسَيْن وَإِن كَانَ مَعَه عشرَة أَفْرَاس» .
وَهُوَ مُرْسل كَمَا ترَى؛ لكنه مُرْسل جَيِّد، فَإِنَّهُ من رِوَايَة إِسْمَاعِيل عَن الشاميين، وَهُوَ حجَّة إِذن.
وَذكره الشَّافِعِي فِي «الْمُخْتَصر» بِغَيْر إِسْنَاد، وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» عَنهُ، فَقَالَ: قَالَ الشَّافِعِي فِي رِوَايَة الرّبيع: وَلَيْسَ فِيمَا قلت من أَن لَا يُسهم إِلَّا لفرسٍ واحدٍ، وَلَا خِلَافه خبر يثبت مثله. قَالَ الْبَيْهَقِيّ:
стр. 4356
وَفِيه أَحَادِيث مُنْقَطِعَة، أشبههَا أَن يكون ثَابتا. ثمَّ سَاق حديثَ يَحْيَى بن عباد بن عبد الله بن الزبير «أَن الزبير ... » فَذكره كَمَا سبق، ثمَّ رَوَاهُ عَن جدّه كَمَا سبق، ثمَّ ذكر حديثَ مَكْحُول السَّابِق، وَكَذَا حَدِيث عبد الْوَهَّاب، ثمَّ قَالَ: ورُوي عَن عبد الله بن رَجَاء، عَن عبد الله بن عمر الْعمريّ [عَن الزبير أَنه غزا مَعَ النَّبِي ﷺ بأفراس لَهُ فَلم يقسم إِلَّا لفرسين» والعمري] غير مُحْتَج بِهِ، ورُوي عَن الْحسن عَن بعض الصَّحَابَة قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يقسم إِلَّا لفرسين» . وَهَذَا مُنْقَطع.
قلت: ورُوي مَوْقُوفا عَلَى عمر أَيْضا، قَالَ سعيد بن مَنْصُور: ثَنَا فرج بن فضَالة، ثَنَا مُحَمَّد بن الْوَلِيد الزبيدِيّ، عَن الزُّهْرِيّ «أَن عمر بن الْخطاب كتب إِلَى أبي عُبَيْدَة بن الْجراح: أَن أَسْهِمْ للْفرس سَهْمَيْنِ، وللفرسين أَرْبَعَة أسْهم، ولصاحبها سَهْما؛ فَذَلِك خَمْسَة أسْهم، وَمَا كَانَ فَوق الفرسين فَهِيَ جنائب» .
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله ومنِّه.
وَأما [١] أثاره: فأحد عشر أثرا:
أَحدهَا: «أَن الْعَبَّاس ﵁ كَانَ يَأْخُذ من سهم ذَوي الْقُرْبَى، وَكَانَ غنيًّا» .
هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد تبع فِيهِ إِمَامه ﵁ وَهَذَا نَصُّه: «فقد أعْطى رَسُول الله ﷺ أَبَا الْفضل الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، وَهُوَ كَمَا وصُف فِي كَثْرَة المَال بقول عامَّة بني الْمطلب، ويتفضل عَلَى غَيرهم» .
стр. 4357
الأُثر الثَّانِي: يُرْوى «أَن الزبير كَانَ يَأْخُذ لأُمِّه» .
هَذَا الْأَثر تبع فِيهِ الماروديَّ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: «إِن الزبير كَانَ يَأْخُذ سهم أُمِّه صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب عَمَّةِ رَسُول الله ﷺ » . ولمَّا ذكر ابْن إِسْحَاق فِي «السِّيرَة» مقاسم خَيْبَر قَالَ: «ثمَّ قسم رَسُول الله ﷺ الكتيبة بَيْنَ قرَابَته، وَبَين نِسَائِهِ، وَبَين رجالٍ من الْمُسلمين وَنسَاء، أَعْطَاهُم مِنْهَا، فقسم رَسُول الله ﷺ لفاطمة ابْنَته مِائَتي وسق» وَذكر جمَاعَة، إِلَى أَن قَالَ: «ولأُمِّ الزبير أَرْبَعِينَ وسْقا» . فَذكرهَا فِيمَن ذكر.
الْأَثر الثَّالِث: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ «أَن أهل الْفَيْء كَانُوا فِي زمَان رَسُول الله ﷺ بمعزل عَن الصَّدَقَة، وَأهل الصَّدَقَة كَانُوا بمعزل عَن الْفَيْء» .
وَهَذَا رَوَاهُ الْمُزنِيّ عَن ابْن عَبَّاس، كَمَا ذكره الرافعيُّ سَوَاء، حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ فِي «الْمعرفَة» ، ثمَّ قَالَ: وروينا عَن عُثْمَان بْنِ عَفَّان مَا دلَّ عَلَى ذَلِك.
قلت: وَفِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث [بُرَيْدَة] قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي أَعْرَاب الْمُسلمين: «لَيْسَ لَهُم من الْفَيْء وَالْغنيمَة شَيْء، إِلَّا أَن يجاهدوا مَعَ الْمُسلمين» .
стр. 4358
الْأَثر الرَّابِع: عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: «كَانَ النَّاس يُعطون النَّفْل من الخُمْس» .
وَهَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد أَنه سمع سعيد بن الْمسيب يَقُول ... فَذكره. وَهُوَ فِي «الأُمِّ» كَذَلِك، وَذكره فِي «الْمُخْتَصر» بِغَيْر إسنادٍ.
الْأَثر الْخَامِس: عَن عُمر فِي تدوين الدَّوَاوِين.
وَهُوَ مَشْهُور عَنهُ، فِيمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي من وَجه آخر ذكره عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» فليراجَعْ مِنْهُ.
الْأَثر السَّادِس؛ إِلَى التَّاسِع: «أَن أَبَا بكر وعليًّا ذَهَبا إِلَى التَّسْوِيَة بَين النَّاس فِي الْقِسْمَة، وَأَن عُمر كَانَ يفضِّل [بَينهم] » وَعَن عُثْمَان مثْله.
وَهَذِه الْآثَار ذكرهَا الشَّافِعِي، خلا أثر عُثْمَان، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : روينَا عَن عُثْمَان مَا دلَّ عَلَى ذَلِك.
الْأَثر الْعَاشِر وَالْحَادِي عشر: قَالَ الرَّافِعِيّ: رُوي مَرْفُوعا عَن النَّبِي ﷺ ، وموقوفًا عَلَى أبي بكر وَعمر ﵄: «أَن الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَقْعَة» .
قلت: أما رَفعه فغريبٌ، كَمَا سلف فِي أثْنَاء الْبَاب. وَأما وقْفه عَلَيْهِمَا فَهُوَ الْمَعْرُوف، وَقد ذكره الشافعيُّ عَنْهُمَا، فَقَالَ: وَمَعْلُوم عِنْد
стр. 4359
غير واحدٍ مِمَّن لقِيت من أهل الْعلم [بالغزوات] أَن أَبَا بكر ﵁ قَالَ: إِن الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَقْعَة» .
قَالَ الشَّافِعِي حِكَايَة عَن أبي يُوسُف: عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن يزِيد بن [عبد الله] بن قسيط: «أَن أَبَا بكر الصدِّيق بعث عِكْرِمَة بن أبي جهل فِي خَمْسمِائَة من الْمُسلمين مدَدا لزياد بن لبيد [وللمهاجر بن أبي أُميَّة، فوافقهم الْجند قد افتتحوا النُّجَيْر بِالْيمن فَأَشْركهُمْ زِيَاد بن لبيد] وَهُوَ مِمَّن شهد بَدْرًا فِي الْغَنِيمَة» .
قَالَ الشَّافِعِي: «فَإِن زيادًا كتب فِيهِ إِلَى أبي بكر، فَكتب أَبُو بكر: إِنَّمَا الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَقْعَة. وَلم يَرَ لعكرمة شَيْئا؛ لِأَنَّهُ لم يشْهد الْوَقْعَة، فَكلم زيادٌ أصحابَهُ، فطابوا أنفسًا بِأَن أشركوا عِكْرِمَة وَأَصْحَابه متطوعين عَلَيْهِم» . وَهَذَا قولُنا.
وَحكي فِي الْقَدِيم - عَلَى مَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» عَنهُ - حَدِيث حجاج، عَن [شُعْبَة] ، عَن قيس بن مُسلم، عَن طَارق بن شهَاب الأحمسي قَالَ: «أمدَّ أهلُ الْكُوفَة أهلَ الْبَصْرَة وَعَلَيْهِم عمار بن يَاسر؛ فَجَاءُوا وَقد غنموا، فَكتب عمرُ: أَن الْغَنِيمَة لمَنْ شهد الْوَقْعَة» . قَالَ الشَّافِعِي: وَأما مَا رَوَاهُ أَبُو يُوسُف عَن المجالد، عَن
стр. 4360
عَامر وَزِيَاد بن علاقَة: «أَن عمر كتب إِلَى سعد بن أبي وَقاص: قد أمْدَدْتُك بقومٍ، فَمَنْ أَتَاك مِنْهُم قَبْلَ أَن تَفَقَّأ الْقَتْلَى فأشْرِكْهُ فِي الْغَنِيمَة» . فَهُوَ غير ثَابت عَن عمر، وَلَو ثَبت عَنهُ كُنَّا أسْرع إِلَى قبُوله مِنْهُ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا حَدِيث مُنْقَطع، وروايةُ [مجَالد] ، وَهُوَ ضَعِيف، وَحَدِيث طَارق إِسْنَاده صَحِيح لَا شكّ فِيهِ. قَالَ الشافعيِ: وَقد رُوي عَن النَّبِي ﷺ شيءٌ يَثْبُتُ فِي مَعْنَى مَا رُوِيَ عَن أبي بكرٍ وعُمر، لَا يَحْضُرُني حِفْظُهُ.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: أَرَادَ - وَالله أعلم - حديثَ أبي هُرَيْرَة فِي قصَّة أبان بن سعيد بن الْعَاصِ حِين قَدِمَ مَعَ أَصْحَابه عَلَى النَّبِي ﷺ بِخَيْبَر بعد أَن فتحهَا، فَلم يقسم لَهُم.
стр. 4361
كتاب قسم الصَّدقَات
стр. 4362
كتاب قسم الصَّدقَات
ذكر فِيهِ ﵀ أحاديثَ وآثارًا أما الْأَحَادِيث: فَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا
الحَدِيث الأول
«أَن رجلَيْنِ أَتَيَا رَسُول الله ﷺ يسألانه الصَّدَقَة؛ فَقَالَ: إِن شئتما أعطيتكما، فَلَا حَظَّ فِيهَا لَغَنِيّ، وَلَا لذِي مرّة سوي» وَهِي الْقُوَّة، وَيروَى: «وَلَا لذِي قُوَّة مكتسب» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الثَّانِي الشافعيُّ وأحمدُ فِي «مسنديهما» ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي «سُنَنهمْ» بإسنادٍ صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، من حَدِيث (عبيد الله) بن عدي بن الْخِيَار: «أَن رجلَيْنِ أخبراه: أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُول الله ﷺ يسألانه الصَّدَقَة، فَقَلَّبَ فيهمَا (النّظر) ، ورآهما جَلِدَيْنِ فَقَالَ: إِن شِئتُما أعطيتكما، ولاحظَّ فِيهَا لغنيّ وَلَا لقويّ مكتسب» .
стр. 4363
هَذَا لفظ أَحْمد، وَلَفظ البَاقِينَ عَن عبيد الله الْمَذْكُور قَالَ: «أَخْبرنِي رجلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِي ﷺ وَهُوَ فِي حَجَّة الْوَدَاع، وَهُوَ يُقَسِّم الصَّدَقَة، فَسَأَلَاهُ مِنْهَا، فَرفع فيهمَا النّظر وخفضه ... » ثمَّ ذكرُوا الحديثَ كَمَا سلف.
وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ فِي «بَيَان الْمُشكل» فَقَالَ: «رجلَانِ من قومِي» وَفِي روايةٍ: «جَلِدَيْن قَوِيَّيْن» وَفِي رِوَايَة للبيهقي: «فصعَّد فِينَا النظرَ وصوَّب» وَفِي رِوَايَة: «الْبَصَر» بدل «النّظر» .
قَالَ أَحْمد: مَا [أجوده] من حديثٍ، وَقَالَ: هُوَ أحْسَنُهَا إِسْنَادًا. وَوَقع فِي «المهذَّب» : (بدل) «عدي» «عبد الله» وَهُوَ وهْم، كَمَا بَيَّنْتُه فِي «تخريجي لأحاديثه» . وَأما اللَّفْظ الأول، وَهُوَ: «وَلَا لذِي مرّة سويّ» . فَلم أره فِي هَذَا الحَدِيث، نعم هُوَ فِي أَحَادِيث أُخر:
أَحدهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَة لغنيّ وَلَا (لذِى) مرّة سوىّ» .
حَدِيث صَحِيح، كل رِجَاله ثِقَات، رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» والنسائى، وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمَا» وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» وَرَوَاهُ جماعاتٌ عَن أبي هُرَيْرَة: أَبُو حَازِم وَأَبُو صَالح وَسَالم بن أبي الْجَعْد. وَقَالَ أَحْمد: سَالم لم يسمع من أبي هُرَيْرَة شَيْئا،
стр. 4364
وَطَرِيق أبي حَازِم وَأبي صَالح يقوِّيه. وَقد أخرجه الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من طَرِيق أبي حَازِم، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. قَالَ: وشاهدُه حديثُ عَبْدِ الله بن عَمْرو «أَن رَسُول الله ﷺ ... » فَذكره لكنه قَالَ: «لذِي مرّة قوي» بدل «مرّة سوي» وَهَذَا هُوَ الحَدِيث الثَّانِي من الْأَحَادِيث الَّتِي أَشَرنَا إِلَيْهَا، وَهُوَ حَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد مَرْفُوعا وموقوفًا: وَأخرجه التِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا وَقَالَ: حسن. وَذكر عَن شُعْبَة أَنه لم يرفعهُ.
قلت: وَمَعَ ذَلِك فَفِي إِسْنَاده ريحَان بن يزِيد قَالَ ابْن معِين وَابْن حبَان: ثِقَة. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: شيخ مَجْهُول.
ثَالِثهَا: وَهُوَ شَاهد لحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا وَكَذَا مَا سأذكره بعد حَدِيث طَلْحَة بن عبيد الله رَفعه «لَا تحل الصَّدَقَة لغنى وَلَا لذِي مرّة سوي» سُئل عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَأجَاب فِي «علله» بِأَنَّهُ يرويهِ نَافِع عَن ابْن عمر عَنهُ، وَنَافِع عَن أسلم مولَى عمر، عَن طَلْحَة، قَالَ: وَالثَّانِي أشبه بِالصَّوَابِ.
رَابِعهَا: حَدِيث (حبشِي) بن جُنَادَة رَفعه «إِن الْمَسْأَلَة لَا تحل لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوي إِلَّا لذِي فقر [مدقع] أَو غرم [مفظع] » رَوَاهُ
стр. 4365
التِّرْمِذِيّ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه.
قلت: وَفِيه مُجَاهِد هَذَا.
خَامِسهَا: حَدِيث جَابر قَالَ: «جَاءَت رَسُول الله ﷺ صَدَقَة [فَرَكبهُ] النَّاس فَقَالَ: إِنَّهَا لَا تصلح لَغَنِيّ، وَلَا لصحيح سوي، وَلَا (لعامل) قوي» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَفِي إِسْنَاده الْوَازِع بن نَافِع، وَقد ضَعَّفُوهُ.
سادسها: حَدِيث أبي زميل سماك، عَن رجل من بني هِلَال سَمِعت رَسُول الله يَقُول: «لَا تصلح الصَّدَقَة لَغَنِيّ وَلَا لذِي مرّة سوي» رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» .
فَائِدَة: الْمرة - بِكَسْر الْمِيم - الْقُوَّة، كَمَا سلف عَن الرَّافِعِيّ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) وَأَصلهَا من شدَّة فتل الْحَبل.
والسوي الصَّحِيح الْأَعْضَاء، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: «وَلَا لذِي مرّة سوي» أَي ذُو عقل وَشدَّة. وَقَالَ غَيره: هِيَ هَاهُنَا الْقُوَّة عَلَى الْكسْب وَالْعَمَل.
الحَدِيث الثَّانِي
« (أَنه) ﵇ أعْطى لمن سَأَلَ الصَّدَقَة وَهُوَ غير زمن» .
стр. 4366
هُوَ كَمَا قَالَ، فَفِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث أنس بن مَالك قَالَ: «كنت أَمْشِي مَعَ رَسُول الله ﷺ وَعَلِيهِ رِدَاء نجراني غليظ الْحَاشِيَة، فأدركه أَعْرَابِي فجبذ بردائه جبذة شَدِيدَة - نظرت إِلَى صفحة عنق رَسُول الله ﷺ وَقد أثرت بِهِ حَاشِيَة الرِّدَاء من شدَّة جبذته - ثمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّد، مُرْ لي من مَال الله الَّذِي عنْدك. فَالْتَفت إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فَضَحِك، ثمَّ أَمر لَهُ بعطاء» وَفِي رِوَايَة «ثمَّ جبذه إِلَيْهِ جبذة رَجَعَ النَّبِي ﷺ فِي نحر الْأَعرَابِي» وَفِي رِوَايَة «فجاذبه حَتَّى انْشَقَّ البرُد وَحَتَّى بقيت حَاشِيَته فِي عنق رَسُول الله ﷺ » .
الحَدِيث الثَّالِث
أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا تحل الصَّدَقَة إِلَّا لثَلَاثَة فَذكر رجلا أَصَابَته جَائِحَة فاجتاحت مَاله فَحلت لَهُ الصَّدَقَة حَتَّى يُصِيب سدادًا من عَيْش» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم كَمَا سلف بَيَانه وَاضحا فِي بَاب التَّفْلِيس لَكِن بِلَفْظ «الْمَسْأَلَة» فِي الثَّانِيَة.
الحَدِيث الرَّابِع وَالْخَامِس
«أنَّه ﷺ استعاذ من الْفقر وَقَالَ: اللَّهُمَّ أحيني مِسْكينا» .
стр. 4367
أما استعاذته ﵇ من الْفقر فثابت، فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث عَائِشَة أنَّه ﷺ كَانَ يَقُول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الكسل والهرم، [والمأثم] والمغرم، وَمن فتْنَة الْقَبْر وَعَذَاب الْقَبْر، وَمن فتْنَة النَّار وَعَذَاب (النَّار) وَمن شَرّ فتْنَة الْغِنَى، (وَمن شَرّ) فتْنَة الْفقر، وَأَعُوذ بك من شَرّ فتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال» وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» وَالنَّسَائِيّ و «صَحِيح ابْن حبَان» وَالْحَاكِم - وَقَالَ: إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم - من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْفقر و [الْقلَّة] والذلة، وَأَعُوذ بك أَن أَظلم أَو أُظلم» وَفِي صحيحي ابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيث أبي [بكرَة] «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَقُول فِي دبر الصَّلَاة: أعوذ بك من [الْكفْر] والفقر وَعَذَاب الْقَبْر»
стр. 4368
قَالَ الْحَاكِم: هَذَا صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم - فقد احْتج بِإِسْنَادِهِ سَوَاء «سَتَكُون فتْنَة الْقَاعِد خير فِيهَا من الْقَائِم» وَلم يخرجَاهُ.
وَأما قَوْله «اللَّهُمَّ أحيني مِسْكينا» فَأخْرجهُ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» فِي أَبْوَاب الزّهْد فِي بَاب مَا جَاءَ أَن فُقَرَاء الْمُهَاجِرين يدْخلُونَ الْجنَّة قبل أغنيائهم من حَدِيث أنس أَن رَسُول (قَالَ: «اللَّهُمَّ أحيني مِسْكينا وأمتني مِسْكينا، واحشرني فِي زمرة الْمَسَاكِين يَوْم الْقِيَامَة. قَالَت عَائِشَة: لِمَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: إِنَّهُم يدْخلُونَ الْجنَّة قبل أغنيائهم بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا، يَا عَائِشَة لَا تَرُدِّي الْمِسْكِين وَلَو بشق تَمْرَة، يَا عَائِشَة أحبي الْمَسَاكِين وقربيهم فَإِن الله يقربك يَوْم الْقِيَامَة» قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب.
قلت: وَضَعِيف أَيْضا قَالَ: فِي إِسْنَاده الْحَارِث بن النُّعْمَان اللَّيْثِيّ ابْن أُخْت سعيد بن جُبَير، قَالَ أَبُو حَاتِم فِيهِ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. قلت: لَكِن لَهُ شَاهد من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي أَبْوَاب الزّهْد من «سنَنه» فِي بَاب [مجالسة] الْفُقَرَاء قَالَ: « (أَحبُّوا) الْمَسَاكِين فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ أحيني مِسْكينا وأمتني مِسْكينا واحشرني فِي زمرة الْمَسَاكِين» وَإِسْنَاده أَيْضا ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة يزِيد بن سِنَان
стр. 4369
الرهاوي - وَقد ضَعَّفُوهُ - عَن [أبي] الْمُبَارك - وَهُوَ مَجْهُول، كَمَا قَالَه أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَالتِّرْمِذِيّ، لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات - عَن عَطاء، عَن أبي سعيد عَنهُ. وغلا ابْن الْجَوْزِيّ فَذكر حَدِيث أبي سعيد هَذَا وَحَدِيث أنس السالف فِي «مَوْضُوعَاته» وَعلله بِمَا ذَكرْنَاهُ وَلم يذكر تَوْثِيق (أبي) الْمُبَارك، وَإِنَّمَا اقْتصر عَلَى من جَهله، وَالْحق أَن يذكر فِي الْأَحَادِيث الضعيفة، وَقد أخرجه الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» - وَكَذَا أَعنِي حَدِيث أبي سعيد - بِدُونِ ذكر هذَيْن الرجلَيْن، وَحكم بِصِحَّتِهِ، قَالَ فِي أَوَائِل «مُسْتَدْركه» فِي أثْنَاء كتاب الرقَاق: حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل الْقَارئ، ثَنَا عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ، ثَنَا أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن الدِّمَشْقِي، ثَنَا خَالِد بن يزِيد بن أبي مَالك، عَن أَبِيه، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «أحيني مِسْكينا وتوفني (مِسْكينا) واحشرني فِي زمرة الْمَسَاكِين، وَإِن أَشْقَى الأشقياء من اجْتمع عَلَيْهِ فقر الدُّنْيَا وَعَذَاب
стр. 4370
الْآخِرَة» ثمَّ قَالَ: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ.
قلت: لَكِن هَذَا مُخْتَلف فِيهِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى تَضْعِيفه، وَله (شَاهد) من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ يَقُول: اللَّهُمَّ أحيني مِسْكينا واحشرني فِي زمرة الْمَسَاكِين» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُوسَى بن مُحَمَّد مولَى عُثْمَان بن عَفَّان، ثَنَا معقل بن زِيَاد [أبنا عبد الله بن زِيَاد] ثَنَا جناد بن أبي أُميَّة قَالَ: سَمِعت عبَادَة ... فَذكره، وَرَوَى حَدِيث أبي سعيد السالف بِسَنَد الْحَاكِم لَكِن بمتابع قَالَ: أبنا أَبُو (الْحُسَيْن) بن الْفضل الْقطَّان بِبَغْدَاد، أَنا أَبُو سهل بن زِيَاد بن الْقطَّان، ثَنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ، ثَنَا سُلَيْمَان بن شُرَحْبِيل، ثَنَا خَالِد بن يزِيد بن أبي مَالك، عَن أَبِيه، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ: سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ يَقُول: «يَا أَيهَا النَّاس، اتَّقوا الله، وَلَا تحملنكم (الْغيرَة) عَلَى أَن تَطْلُبُوا الرزق من غير حلّه، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: اللَّهُمَّ احشرني فِي زمرة الْمَسَاكِين وَلَا تحشرني فِي زمرة الْأَغْنِيَاء، فَإِن أَشْقَى الأشقياء من اجْتمع عَلَيْهِ فقر الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ. قَالَ أَصْحَابنَا: فقد استعاذ ﵇ من الْفقر. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوِيَ فِي [حَدِيث شَيبَان عَن قَتَادَة، عَن أنس، عَن النَّبِي ﷺ «أَنه استعاذ من المسكنة والفقر» فَلَا يجوز أَن يكون
стр. 4371
استعاذته من] الْحَال الَّتِي [شرفها] فِي أَخْبَار كَثِيرَة، وَلَا من الْحَال الَّتِي سَأَلَ أَن يَحْيَى و (يُثَاب) عَلَيْهَا، وَلَا يجوز أَن يكون مَسْأَلته مُخَالفَة لما مَاتَ ﵇ فقد مَاتَ مكفيًا بِمَا أَفَاء الله عَلَيْهِ. قَالَ: وَوجه هَذِه الْأَحَادِيث عِنْدِي وَالله أعلم، أَنه استعاذ من فتْنَة الْفقر والمسكنة اللَّذين يرجع مَعْنَاهُمَا إِلَى الْقلَّة كَمَا استعاذ من فتْنَة الْغِنَى. قَالَ: وَذَلِكَ بَين، ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ حَدِيث عَائِشَة السالف ثمَّ قَالَ: وَفِيه دلَالَة عَلَى أَنه إِنَّمَا استعاذ من فتْنَة الْفقر دون حَال الْفقر، وَمن فتْنَة الْغِنَى دون حَال الْغِنَى. قَالَ: وَأما قَوْله: «أحيني مِسْكينا وأمتني مِسْكينا» فَهُوَ إِن صَحَّ طَرِيقه فَفِيهِ نظر، فَالَّذِي يدل عَلَيْهِ حَاله عِنْد وَفَاته أَنه لم يسْأَل حَال المسكنة الَّتِي يرجع مَعْنَاهَا إِلَى الْقلَّة إِنَّمَا سَأَلَ المسكنة الَّتِي يرجع مَعْنَاهَا إِلَى الإخبات والتواضع فَكَأَنَّهُ ﵇ سَأَلَ الله تَعَالَى أَن لَا يَجعله من الجبارين المتكبرين وَأَن لَا يحشره فِي زمرة الْأَغْنِيَاء (المسرفين) . قَالَ (القيبي) : والمسكنة حرف مَأْخُوذ من السّكُون، يُقَال: «تمسكن الرجل» إِذا لَان وتواضع وخشع، وَمِنْه قَوْله ﵇ للْمُصَلِّي: «تبأس وتمسكن» يُرِيد تخشع وتواضع لله.
стр. 4372
الحَدِيث السَّادِس
قَالَ الرَّافِعِيّ مَا مَعْنَاهُ: أَن للمستدل أَن يسْتَدلّ عَلَى أَن الْفَقِير أحسن حَالا من الْمِسْكِين بِمَا نقل وَبِه افتخر.
هَذَا الحَدِيث لَا أعرفهُ مرويًّا فِي كتاب حَدِيث، وَقَالَ الصغاني: إِن حَقه أَنه حَدِيث مَوْضُوع. وَكَذَا قَالَ غَيره مِمَّن أَدْرَكته من الْعلمَاء أَنه كذب لَا يعرف فِي شَيْء من كتب الْمُسلمين الْمَعْرُوفَة.
الحَدِيث السَّابِع
«أَنه ﵊ وَالْخُلَفَاء بعده بعثوا السعاة لأجل الصَّدقَات» .
هَذَا صَحِيح مستفيض عَنْهُم وَقد أوضحناه فِيمَا مَضَى من كتاب الزَّكَاة.
الحَدِيث الثَّامِن
الرَّافِعِيّ: وَفِي إِعْطَاء مؤلفة الْكتاب من غير الزَّكَاة قَولَانِ:
أَحدهمَا: يُعْطون من خمس الْخمس؛ لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يعطيهم وَلنَا فِيهِ أُسْوَة حَسَنَة.
هُوَ كَمَا قَالَ فَفِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث رَافع بن خديج وَعبد الله بن زيد الْمَازِني «أَن رَسُول الله ﷺ أعْطى الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم يَوْم حنين
стр. 4373
مائَة من الْإِبِل» وَسَيَأْتِي إِعْطَاؤُهُ صَفْوَان بن أُميَّة من غَنَائِم حنين وَكَانَ كَافِرًا إِذْ ذَاك، وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث سهل بن أبي [حثْمَة] «أَن رَسُول الله ﷺ أدّى [عبد الله] بن سهل ثَمَانِيَة من إبل الصَّدَقَة» وَالْأَظْهَر أَنه ﵊ يؤلف بذلك قُلُوبهم لما أصيبوا بقتيلهم، وَأبْعد من تَأَوَّلَه بِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا من إبل الصَّدَقَة.
الحَدِيث التَّاسِع
«أَنه ﵊ قَالَ لِمعَاذ: إِنَّك ستأتي قوما أهل كتاب فَإِذا جئتهم فادعهم إِلَى شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَإِنِّي رَسُول الله، فَإِن هم أطاعوا لَك بذلك فأعلمهم بِأَن عَلَيْهِم صَدَقَة تُؤْخَذ من أغنياءهم فَترد فِي فقرائهم» .
هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب وَهُوَ (حَدِيث) صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَقد سبق بِطُولِهِ فِي الزَّكَاة.
(الحَدِيث) الْعَاشِر
«أنَّه ﷺ أعْطى عُيَيْنَة بن حصن والأقرع بن حَابِس وَأَبا سُفْيَان
стр. 4374
بن حَرْب وَصَفوَان بن أُميَّة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث رَافع بن خديج قَالَ: «أعْطى رَسُول الله ﷺ أَبَا سُفْيَان بن حَرْب وَصَفوَان بن أُميَّة وعيينة بن حصن والأقرع بن حَابِس وعلقمة بن [علاثة] كل إِنْسَان مِنْهُم مائَة، وَأعْطَى عَبَّاس بن مرداس دون ذَلِك، فَقَالَ عَبَّاس بن مرداس:
أَتجْعَلُ نَهبي ونَهب العُبَيْ
د بَين عُيَيْنَة والأقرع
فَمَا كَانَ بدر وَلَا حَابِس
يَفُوقَانِ مرداس فِي مجمع
وَمَا كنت (دون) امْرِئ مِنْهُمَا
وَمن تخْفض الْيَوْم لَا يرفع
قَالَ: فَأَتمَّ لَهُ رَسُول الله ﷺ مائَة» . هَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد مُسلم، وَقد شهد لَهُ بذلك عبد الْحق أَيْضا، وَوهم صَاحب «التنقيب» فَادَّعَى أَن البُخَارِيّ رَوَاهُ، فاجتنبه، وَزَاد ابْن إِسْحَاق فِي «السِّيرَة» أبياتًا عَلَى ذَلِك فَقَالَ:
كَانَت نهابًا تلافيتهاِ
بِكَرِّي عَلَى الْمهْر فِي الأجرع
وإيقاظي الْقَوْم أَن يرقدوا
إِذا هجع النَّاس لم أهجع
فَأصْبح نَهْبي وَنهب العبيد
بَين عُيَيْنَة والأقرع
وَقد كنت فِي الْحَرْب ذَا تدرإ
فَلم أعْط شَيْئا وَلم أمنع
إِلَّا (أفائل) أعطيتهَا
(عديد) قَوَائِمهَا الْأَرْبَع
стр. 4375
فَمَا كَانَ حصن وَلَا حَابِس
... الْبَيْت
وَقَالَ فِي الثَّانِي «وَمن تضع» بدل «وَمن تخْفض» . فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوا عني لِسَانه» . فَأَعْطوهُ حَتَّى رَضِي وَكَانَ ذَلِك قطع لِسَانه الَّذِي أَمر بِهِ النَّبِي ﷺ . قَالَ ابْن هِشَام: وحَدثني بعض أهل الْعلم «أَن عباسًا أَتَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : أَنْت الْقَائِل:
فَأصْبح نَهْبي وَنهب العبيد
بَين الْأَقْرَع وعيينة
قَالَ أَبُو بكر الصّديق: بَين عُيَيْنَة والأقرع. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : هما وَاحِد. فَقَالَ أَبُو بكر: أشهد أَنَّك كَمَا قَالَ الله تَعَالَى (وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) .
تَنْبِيه: قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: هَذَا خطأ، وَالصَّوَاب عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا كَذَا قَالَ.
فَائِدَة: العُبيد - بِضَم الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة - اسْم فرس ابْن مرداس السّلمِيّ، وَكَانَ يُدعَى فِي الْإِسْلَام: فَارس العبيد، وَفِي الْجَاهِلِيَّة: فَارس فروه. وَذكر ابْن دَاوُد من أَصْحَابنَا أَن الشَّافِعِي (أَشَارَ) إِلَى تتميم النَّبِي ﷺ الْمِائَة لَهُ إِلَى قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: لأجل تألفه. ثَانِيهمَا: لِئَلَّا تنحط رتبته.
стр. 4376
الحَدِيث الْحَادِي عشر
«أنَّه ﷺ أعْطى عدي بن حَاتِم» .
هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده صَاحب «الْمُهَذّب» وَلم يعزه النَّوَوِيّ فِي «شَرحه» وَلَا الْمُنْذِرِيّ فِي «تَخْرِيجه لأحاديثه» نعم جزم بِهِ النَّوَوِيّ [فِي] «الأغاليط» المنسوبة إِلَيْهِ، وَهُوَ غَرِيب لم أَجِدهُ فِي كتاب حَدِيث، وَالْمَعْرُوف أَن الصّديق هُوَ الَّذِي أعطَاهُ كَمَا ستعلمه فِي الْكَلَام عَلَى الْآثَار، وَكَانَت وفادة عدي بن حَاتِم عَلَى رَسُول الله ﷺ سنة تسع فِي شعْبَان وَقيل: سنة عشر، فَأسلم وَكَانَ نَصْرَانِيّا، وقصة إِسْلَامه مَذْكُورَة فِي كُتب الصَّحَابَة، وَأَنه لمَّا بُعث رَسُول الله ﷺ كرهه أَشد الْكَرَاهَة، وَلما مَاتَ رَسُول الله ﷺ قَدِم عَلَى الصّديق فِي وَقت الرِّدَّة، فصدَّقه قومه، وَثَبت عَلَى الْإِسْلَام وَلم يرْتَد، وَثَبت قومه مَعَه ... . ذكره أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي «المعمرين» قَالُوا: عَاشَ مائَة سنة وَثَمَانِينَ سنة. وَكَانَ أحد الخطاطة؛ إِذا ركب الْفرس كَادَت رِجْليه تخط الأَرْض، وَكَانَ يفت الْخبز للنمل وَيَقُول هِيَ جارات، ولهن حق.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
«أَنه أعْطى الزبْرِقَان بْنَ بدر» .
هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده صَاحب «المهذَّب» أَيْضا، وَلم يَعْزه
стр. 4377
النَّوَوِيّ فِي «شَرحه» وَلَا الْمُنْذِرِيّ فِي «تَخْرِيجه لأحاديثه» نَعَمْ جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي «الأغاليط عَلَى الْوَسِيط» (المنسوبة) إِلَيْهِ، وَهُوَ غَرِيب أَيْضا، وَالْمَعْرُوف مِنْ حَاله: كَانَ سيِّدًا فِي الْجَاهِلِيَّة عَظِيم القدْر فِي الْإِسْلَام، وَكَانَ من (السُّعَدَاء) الْمُحْسِنِينَ، ووفد عَلَى رَسُول الله ﷺ فِي وَفد بني سهم، مِنْهُم: قيس بن عَاصِم الْمنْقري، فأسلموا، وأجارهم رَسُول الله ﷺ وأحْسَنَ جوارهم، وَذَلِكَ سنة سَبْعٍ، وولاَّه رَسُول الله ﷺ صدقَات قومه فِي عَوْف؛ فأدّاها فِي الرِّدَّة إِلَى أبي بكر، فأقره أَبُو بكر عَلَى الصَّدَقَة، وَكَذَلِكَ (عمر) .
فَائِدَة: الزبْرِقَان اسْمه: [الْحصين] وَقيل: الْقَمَر، وَفِي كنيته قَولَانِ: أَحدهمَا: أَبُو عَبَّاس، وَثَانِيهمَا: للبسه عِمَامَة مزوَّقة بالزعفران. . حَكَاهُ ابْن السّكيت والجوهريُّ وغيرَهما والزبرقان: بِكَسْر الزَّاي وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَقَالَ ابْن البرزي فِي «غَرِيب المهذَّب» : (يفتحان) أَيْضا.
تَنْبِيه: أغرب ابْن [معن] فَقَالَ فِي «تنقيبه» فِي هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي قبله: أخرجهُمَا البُخَارِيّ، وَمُسلم. وَهَذَا من الْعجب العجاب؛ فَالَّذِي فِي «الصَّحِيحَيْنِ» حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي فضل بني [تَمِيم] ، فِيهِ:
стр. 4378
«وَجَاءَت صَدَقَاتهمْ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : هَذِه صدقَات قَومنَا» .
هَذَا مَا (فِيهِ) وَلَيْسَ فِيهِ أَن (أَعْطَاهُم) مِنْهَا.
وَفِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث عديّ بن حَاتِم قَالَ: «أتيتُ عُمرَ فِي أناسٍ من قومِي، فَجعل يفْرض [للرجل] مِنْ طَيء فِي أَلفَيْنِ، ويُعرض عني، [قَالَ: فاستقبلته فَأَعْرض عني، ثمَّ أَتَيْته من حِيَال وَجهه فَأَعْرض عني، قَالَ:] فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أتعرفني؟ قَالَ: فَضَحِك حَتَّى اسْتَلْقَى لقفاه، قَالَ: نَعَمْ واللهِ إِنِّي لأعرفك، آمنتَ إِذْ كفرُوا، وأقبلتَ إِذْ أدبروا، ووافيتَ إِذْ غدروا - زَاد خَ: «وعرفتَ إِذا أَنْكَرُوا» [وَإِن] أول صَدَقَة بيضت وَجه رَسُول الله ﷺ [ووجوه] أَصْحَابه صَدَقَة طَيء، جئتَ بهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ . ثمَّ أَخذ يعْتَذر، قَالَ: إِنَّمَا فرضتُ لقوم أجحفت بهم الْفَاقَة وَهُمْ [سادة] عَشَائِرهمْ لما [ينوبهم] من الْحُقُوق» .
فصل: اعلمْ: أَن الرَّافِعِيّ ﵀ لمّا ذكر أَن مؤلفة الْمُسلمين عَلَى أصنافٍ، مِنْهُم: مَنْ نِيَّته ضَعِيفَة فِي الْإِسْلَام، ويُرْجى بإعطائه ثباته.
стр. 4379
وَمِنْهُم: مَنْ يُرْجى بإعطائه رَغْبَة نظرائه فِي الْإِسْلَام.
قَالَ: وَفِي هذَيْن الصِّنْفَيْنِ قَولَانِ: أَحدهمَا: يعطيان تأسيَّاً برَسُول الله ﷺ ، فَإِنَّهُ أعْطى بِالْمَعْنَى الأوَّل: عيينةَ بْنَ حصن، والأقرع بن حَابِس، وَأَبا سُفْيَان بن حَرْب، وَصَفوَان بن أُميَّة، وبالمعنى الثَّانِي: عديَّ بن حَاتِم، والزبرقان بن بدر.
هَذَا كَلَامه، وَكَذَا ذكره فِي «الشَّرْح الصَّغِير» أَيْضا، وقلَّد فِي الأول القَاضِي حُسَيْن وَصَاحب «المهذَّب» وَفِي الثَّانِي: صَاحب «التَّتِمَّة» و (أعتدوهم) كَانَ من الْغَنِيمَة؛ لِأَن ذَلِك كَانَ فِي وقْعَة حُنين من أَمْوَال هوَازن، لَا من الزَّكَاة. فأمَّا عُيَيْنَة بن حصن فَلَا إِشْكَال فِي عدّه من الْمُؤَلّفَة، وَقد نَصَّ عَلَى ذَلِك غيرُ وَاحِد، وَكَانَ أَيْضا من الْأَعْرَاب الجفاة، قيل: إِنَّه دخل عَلَى رَسُول الله ﷺ من غير إِذن؛ فَقَالَ لَهُ: أَيْن الْإِذْن؟ فَقَالَ: مَا استأذنتُ عَلَى أحدٍ من مُضر. أسلم بعد الْفَتْح، وَقيل: قبله، وَكَانَ مِمَّن أرتد، وَتبع طَلْحَة وَقَاتل مَعَه، وَأخذ أَسِيرًا، وحُمل إِلَى أبي بكر، فَكَانَ صبيان الْمَدِينَة يَقُولُونَ: [يَا عَدو الله أكفرت] بعد إيمانك؟ فَيَقُول: مَا آمَنت بِاللَّه طرفَة. فَأسلم، فَأَطْلقهُ أَبُو بكر. وَأما الْأَقْرَع بن حَابِس فَلَا شكّ فِي عدّه من الْمُؤَلّفَة أَيْضا، وَقد تقدم إِعْطَاؤُهُ يَوْم حنين عَن «صَحِيح مُسلم» وَكَانَ حضر مَعَ النَّبِي ﷺ فتح مَكَّة وحُنينًا، وَحضر الطَّائِف، فلمَّا قَدِم وفْدُ بني [تَمِيم] كَانَ مَعَهم، فلمَّا قدم
стр. 4380
الْمَدِينَة ذكر قصَّة طَوِيلَة فِي آخرهَا: أَنه أسلم، فَقَالَ لَهُ ﵇: «لَا يَضرك مَا كَانَ قبلهَا» .
وَأما أَبُو سُفْيَان صَخْر بن حَرْب فَلَا إِشْكَال فِي عدّه مِنْهُم، وَقد أسلم عامَ الْفَتْح وحَسُنَ إِسْلَامه، وَأَعْطَاهُ من غَنَائِم حنين - وَقد شَهِدَهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ مائةَ بعير، كَمَا سلف، وَأَرْبَعين أُوقية، وَأعْطَى ابنيه يزِيد وَمُعَاوِيَة كلَّ واحدٍ مثله، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي «الأغاليط» الَّذِي لَهُ عَلَى «الْوَسِيط» : إِن إِعْطَاؤُهُ أَبَا سُفْيَان كَانَ لضعف نِيَّته فِي الْإِسْلَام كالأقرع وعيينة، وَاعْترض ابْن [معن] فى «تنقيبه عَلَى المهذَّب» فَقَالَ: جَعْله أَبَا سُفْيَان قسم من أسلم وَنِيَّته ضَعِيفَة، لَيْسَ كَذَلِك؛ لِأَنَّهُ أعطَاهُ قبل أَن يسلم، ثمَّ أسلم بَعْد. وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَأما صَفْوَان بن أُميَّة فَفِي عدِّه من مؤلفة الْمُسلمين (وَفِيه أَيْضا) فقد ثَبت فِي أَفْرَاد «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث ابْن شهَاب قَالَ: «غزا رَسُول الله ﷺ غَزْوَة الفتحِ فَتْحَ مَكَّة، ثمَّ خرج رَسُول الله ﷺ بمَنْ مَعَه من الْمُسلمين، فَاقْتَتلُوا بحُنَين، فنصر الله دِيْنَه وَالْمُسْلِمين، وَأعْطَى رَسُول الله ﷺ يَوْمئِذٍ صَفْوَان بن أُميَّة مائَة مَِنَ النعم، ثمَّ مائَة، ثمَّ مائَة» . قَالَ ابْن شهَاب: حَدثنِي سعيد بن الْمسيب: أَن صَفْوَان قَالَ: واللهِ لقد أَعْطَانِي رَسُول الله ﷺ وَإنَّهُ لأبغض النَّاس إليَّ، فَمَا برح يعطيني حَتَّى إِنَّه لأحب النَّاس إليَّ.
وَالظَّاهِر أَنه كَانَ كَافِرًا وَالْحَالة هَذِه، بل صرَّح بذلك الرَّافِعِيّ نَفسه
следующие страницы →