Полный текст (6 131 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
الحَدِيث الْحَادِي عشر
«أنَّه ﷺ أعْطى عدي بن حَاتِم» .
هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده صَاحب «الْمُهَذّب» وَلم يعزه النَّوَوِيّ فِي «شَرحه» وَلَا الْمُنْذِرِيّ فِي «تَخْرِيجه لأحاديثه» نعم جزم بِهِ النَّوَوِيّ [فِي] «الأغاليط» المنسوبة إِلَيْهِ، وَهُوَ غَرِيب لم أَجِدهُ فِي كتاب حَدِيث، وَالْمَعْرُوف أَن الصّديق هُوَ الَّذِي أعطَاهُ كَمَا ستعلمه فِي الْكَلَام عَلَى الْآثَار، وَكَانَت وفادة عدي بن حَاتِم عَلَى رَسُول الله ﷺ سنة تسع فِي شعْبَان وَقيل: سنة عشر، فَأسلم وَكَانَ نَصْرَانِيّا، وقصة إِسْلَامه مَذْكُورَة فِي كُتب الصَّحَابَة، وَأَنه لمَّا بُعث رَسُول الله ﷺ كرهه أَشد الْكَرَاهَة، وَلما مَاتَ رَسُول الله ﷺ قَدِم عَلَى الصّديق فِي وَقت الرِّدَّة، فصدَّقه قومه، وَثَبت عَلَى الْإِسْلَام وَلم يرْتَد، وَثَبت قومه مَعَه ... . ذكره أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي «المعمرين» قَالُوا: عَاشَ مائَة سنة وَثَمَانِينَ سنة. وَكَانَ أحد الخطاطة؛ إِذا ركب الْفرس كَادَت رِجْليه تخط الأَرْض، وَكَانَ يفت الْخبز للنمل وَيَقُول هِيَ جارات، ولهن حق.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
«أَنه أعْطى الزبْرِقَان بْنَ بدر» .
هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده صَاحب «المهذَّب» أَيْضا، وَلم يَعْزه
стр. 4377
النَّوَوِيّ فِي «شَرحه» وَلَا الْمُنْذِرِيّ فِي «تَخْرِيجه لأحاديثه» نَعَمْ جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي «الأغاليط عَلَى الْوَسِيط» (المنسوبة) إِلَيْهِ، وَهُوَ غَرِيب أَيْضا، وَالْمَعْرُوف مِنْ حَاله: كَانَ سيِّدًا فِي الْجَاهِلِيَّة عَظِيم القدْر فِي الْإِسْلَام، وَكَانَ من (السُّعَدَاء) الْمُحْسِنِينَ، ووفد عَلَى رَسُول الله ﷺ فِي وَفد بني سهم، مِنْهُم: قيس بن عَاصِم الْمنْقري، فأسلموا، وأجارهم رَسُول الله ﷺ وأحْسَنَ جوارهم، وَذَلِكَ سنة سَبْعٍ، وولاَّه رَسُول الله ﷺ صدقَات قومه فِي عَوْف؛ فأدّاها فِي الرِّدَّة إِلَى أبي بكر، فأقره أَبُو بكر عَلَى الصَّدَقَة، وَكَذَلِكَ (عمر) .
فَائِدَة: الزبْرِقَان اسْمه: [الْحصين] وَقيل: الْقَمَر، وَفِي كنيته قَولَانِ: أَحدهمَا: أَبُو عَبَّاس، وَثَانِيهمَا: للبسه عِمَامَة مزوَّقة بالزعفران. . حَكَاهُ ابْن السّكيت والجوهريُّ وغيرَهما والزبرقان: بِكَسْر الزَّاي وَالْبَاء الْمُوَحدَة، وَقَالَ ابْن البرزي فِي «غَرِيب المهذَّب» : (يفتحان) أَيْضا.
تَنْبِيه: أغرب ابْن [معن] فَقَالَ فِي «تنقيبه» فِي هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي قبله: أخرجهُمَا البُخَارِيّ، وَمُسلم. وَهَذَا من الْعجب العجاب؛ فَالَّذِي فِي «الصَّحِيحَيْنِ» حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي فضل بني [تَمِيم] ، فِيهِ:
стр. 4378
«وَجَاءَت صَدَقَاتهمْ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : هَذِه صدقَات قَومنَا» .
هَذَا مَا (فِيهِ) وَلَيْسَ فِيهِ أَن (أَعْطَاهُم) مِنْهَا.
وَفِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث عديّ بن حَاتِم قَالَ: «أتيتُ عُمرَ فِي أناسٍ من قومِي، فَجعل يفْرض [للرجل] مِنْ طَيء فِي أَلفَيْنِ، ويُعرض عني، [قَالَ: فاستقبلته فَأَعْرض عني، ثمَّ أَتَيْته من حِيَال وَجهه فَأَعْرض عني، قَالَ:] فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أتعرفني؟ قَالَ: فَضَحِك حَتَّى اسْتَلْقَى لقفاه، قَالَ: نَعَمْ واللهِ إِنِّي لأعرفك، آمنتَ إِذْ كفرُوا، وأقبلتَ إِذْ أدبروا، ووافيتَ إِذْ غدروا - زَاد خَ: «وعرفتَ إِذا أَنْكَرُوا» [وَإِن] أول صَدَقَة بيضت وَجه رَسُول الله ﷺ [ووجوه] أَصْحَابه صَدَقَة طَيء، جئتَ بهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ . ثمَّ أَخذ يعْتَذر، قَالَ: إِنَّمَا فرضتُ لقوم أجحفت بهم الْفَاقَة وَهُمْ [سادة] عَشَائِرهمْ لما [ينوبهم] من الْحُقُوق» .
فصل: اعلمْ: أَن الرَّافِعِيّ ﵀ لمّا ذكر أَن مؤلفة الْمُسلمين عَلَى أصنافٍ، مِنْهُم: مَنْ نِيَّته ضَعِيفَة فِي الْإِسْلَام، ويُرْجى بإعطائه ثباته.
стр. 4379
وَمِنْهُم: مَنْ يُرْجى بإعطائه رَغْبَة نظرائه فِي الْإِسْلَام.
قَالَ: وَفِي هذَيْن الصِّنْفَيْنِ قَولَانِ: أَحدهمَا: يعطيان تأسيَّاً برَسُول الله ﷺ ، فَإِنَّهُ أعْطى بِالْمَعْنَى الأوَّل: عيينةَ بْنَ حصن، والأقرع بن حَابِس، وَأَبا سُفْيَان بن حَرْب، وَصَفوَان بن أُميَّة، وبالمعنى الثَّانِي: عديَّ بن حَاتِم، والزبرقان بن بدر.
هَذَا كَلَامه، وَكَذَا ذكره فِي «الشَّرْح الصَّغِير» أَيْضا، وقلَّد فِي الأول القَاضِي حُسَيْن وَصَاحب «المهذَّب» وَفِي الثَّانِي: صَاحب «التَّتِمَّة» و (أعتدوهم) كَانَ من الْغَنِيمَة؛ لِأَن ذَلِك كَانَ فِي وقْعَة حُنين من أَمْوَال هوَازن، لَا من الزَّكَاة. فأمَّا عُيَيْنَة بن حصن فَلَا إِشْكَال فِي عدّه من الْمُؤَلّفَة، وَقد نَصَّ عَلَى ذَلِك غيرُ وَاحِد، وَكَانَ أَيْضا من الْأَعْرَاب الجفاة، قيل: إِنَّه دخل عَلَى رَسُول الله ﷺ من غير إِذن؛ فَقَالَ لَهُ: أَيْن الْإِذْن؟ فَقَالَ: مَا استأذنتُ عَلَى أحدٍ من مُضر. أسلم بعد الْفَتْح، وَقيل: قبله، وَكَانَ مِمَّن أرتد، وَتبع طَلْحَة وَقَاتل مَعَه، وَأخذ أَسِيرًا، وحُمل إِلَى أبي بكر، فَكَانَ صبيان الْمَدِينَة يَقُولُونَ: [يَا عَدو الله أكفرت] بعد إيمانك؟ فَيَقُول: مَا آمَنت بِاللَّه طرفَة. فَأسلم، فَأَطْلقهُ أَبُو بكر. وَأما الْأَقْرَع بن حَابِس فَلَا شكّ فِي عدّه من الْمُؤَلّفَة أَيْضا، وَقد تقدم إِعْطَاؤُهُ يَوْم حنين عَن «صَحِيح مُسلم» وَكَانَ حضر مَعَ النَّبِي ﷺ فتح مَكَّة وحُنينًا، وَحضر الطَّائِف، فلمَّا قَدِم وفْدُ بني [تَمِيم] كَانَ مَعَهم، فلمَّا قدم
стр. 4380
الْمَدِينَة ذكر قصَّة طَوِيلَة فِي آخرهَا: أَنه أسلم، فَقَالَ لَهُ ﵇: «لَا يَضرك مَا كَانَ قبلهَا» .
وَأما أَبُو سُفْيَان صَخْر بن حَرْب فَلَا إِشْكَال فِي عدّه مِنْهُم، وَقد أسلم عامَ الْفَتْح وحَسُنَ إِسْلَامه، وَأَعْطَاهُ من غَنَائِم حنين - وَقد شَهِدَهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ مائةَ بعير، كَمَا سلف، وَأَرْبَعين أُوقية، وَأعْطَى ابنيه يزِيد وَمُعَاوِيَة كلَّ واحدٍ مثله، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي «الأغاليط» الَّذِي لَهُ عَلَى «الْوَسِيط» : إِن إِعْطَاؤُهُ أَبَا سُفْيَان كَانَ لضعف نِيَّته فِي الْإِسْلَام كالأقرع وعيينة، وَاعْترض ابْن [معن] فى «تنقيبه عَلَى المهذَّب» فَقَالَ: جَعْله أَبَا سُفْيَان قسم من أسلم وَنِيَّته ضَعِيفَة، لَيْسَ كَذَلِك؛ لِأَنَّهُ أعطَاهُ قبل أَن يسلم، ثمَّ أسلم بَعْد. وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَأما صَفْوَان بن أُميَّة فَفِي عدِّه من مؤلفة الْمُسلمين (وَفِيه أَيْضا) فقد ثَبت فِي أَفْرَاد «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث ابْن شهَاب قَالَ: «غزا رَسُول الله ﷺ غَزْوَة الفتحِ فَتْحَ مَكَّة، ثمَّ خرج رَسُول الله ﷺ بمَنْ مَعَه من الْمُسلمين، فَاقْتَتلُوا بحُنَين، فنصر الله دِيْنَه وَالْمُسْلِمين، وَأعْطَى رَسُول الله ﷺ يَوْمئِذٍ صَفْوَان بن أُميَّة مائَة مَِنَ النعم، ثمَّ مائَة، ثمَّ مائَة» . قَالَ ابْن شهَاب: حَدثنِي سعيد بن الْمسيب: أَن صَفْوَان قَالَ: واللهِ لقد أَعْطَانِي رَسُول الله ﷺ وَإنَّهُ لأبغض النَّاس إليَّ، فَمَا برح يعطيني حَتَّى إِنَّه لأحب النَّاس إليَّ.
وَالظَّاهِر أَنه كَانَ كَافِرًا وَالْحَالة هَذِه، بل صرَّح بذلك الرَّافِعِيّ نَفسه
стр. 4381
فِي كتاب «السّير» حَيْثُ قَالَ: شهد صَفْوَان حَرْبَ حنين مَعَ النَّبِي ﷺ وَهُوَ مُشْرك وَسَبقه بذلك الشَّافِعِي فَقَالَ فِي «الْمُخْتَصر» : وَأعْطَى صَفْوَان بن أُميَّة، وَلم يعلم، وَلكنه أَعَارَهُ أداته، فَقَالَ فِيهِ [عِنْد] الْهَزِيمَة أحسن [مِمَّا] قَالَ بعض من أسلم من أهل مَكَّة عَام الْفَتْح؛ وَذَلِكَ أَن الْهَزِيمَة كَانَت فِي أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يَوْم حنين أول النَّهَار، فَقَالَ لَهُ رجل: غلبت هوَازن، أَو قتل مُحَمَّد. فَقَالَ صَفْوَان: بفيك الْحجر، فواللهِ لرب من قُرَيْش أحب إليَّ من رب هوَازن. وَأسلم قومُه من قُرَيْش، وَكَأَنَّهُ لَا يشك فِي إِسْلَامه.
هَذَا لَفظه بِرُمَّتِهِ، وَهَذَا الرجل الْقَائِل عِنْد الْهَزِيمَة مَا تقدم هُوَ: أَبُو سُفْيَان كَمَا نبَّه الْمَاوَرْدِيّ وَابْن الصّباغ وَغَيرهمَا قَالُوا: وَكَانَ صَفْوَان داهية فِي الْإِسْلَام، واستعار مِنْهُ ﵇ فأعاره مائَة درع، وَحضر مَعَه حُنينًا، فلمّا انجلت الْوَقْعَة أعطَاهُ رَسُول الله ﷺ مِنْهَا مائَة بعير، فألفَّه بهَا، فلمَّا رَآهَا وَقد امْتَلَأَ بهَا الْوَادي قَالَ: واللهِ هَذَا عَطاء مَنْ لَا يخَاف الْفقر. قَالَ: ثمَّ أسلم بعد ذَلِك. وَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِي فِي «الأمُ» عَلَى أَنه أعطَاهُ قَبْل أَن يسلم.
وَكَذَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» أَيْضا، فَقَالَ: أعْطى صفوانَ قبل أَن يسلم) وَكَانَ (كَأَنَّهُ) لَا يشك فِي إِسْلَامه.
стр. 4382
قلت: لأجْل نِيَّته فِي الْإِسْلَام، وَلِهَذَا «لمَّا ضَاعَ بعض أدراعه عرض عَلَيْهِ رَسُول (أَن يضمنهَا لَهُ، فَقَالَ: أَنا الْيَوْم فِي الْإِسْلَام أرغبُ يَا رَسُول الله» .
رَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ.
وَفِي (أبي) دَاوُد: «لَا يَا رَسُول الله؛ لِأَن فِي قلبِي الْيَوْم مَا لم يكن يَوْمئِذٍ» .
وَقد ذكر هَذَا الموضعَ الغزاليُّ فِي «وسيطه» عَلَى الصَّوَاب، فَقَالَ: وَقد أعْطى صَفْوَان بن (أُميَّة) فِي حَال كفره ارتقابًا لإسلامه.
وَخط النَّوَوِيّ عَلَيْهِ، فَقَالَ فِي «الأغاليط المنسوبة إِلَيْهِ» : هَذَا غلط صَرِيح بالِاتِّفَاقِ من أَئِمَّة النَّقْل وَالْفِقْه، بل إِنَّمَا أعطَاهُ بعد إِسْلَامه؛ لِأَن نيَّته كَانَت ضَعِيفَة فى الْإِسْلَام ... انْتَهَى.
وَهَذَا عجبٌ من النَّوَوِيّ؛ كَيفَ جعل الصَّوَاب غَلطا صَرِيحًا؟ ! ثمَّ ادَّعى الِاتِّفَاق عَلَيْهِ؟ ! وَقد سبق بالاستدراك عَلَيْهِ صَاحب «الْمطلب» فَقَالَ: عجيبٌ من النَّوَوِيّ، كَيفَ قَالَ ذَلِك؟ ! نَعَمْ الرافعيُّ وطائفةٌ - مِنْهُم: ابْن أبي الدَّم - قَالُوا: مَا ذكره، ثمَّ قَالَ: وَالله أعلم بِالصَّوَابِ. وَذكر فِي حَدِيث سعيد بن الْمسيب السالف عَن مُسلم، وَلكنه عزاهُ إِلَى التِّرْمِذِيّ وَحده، فِي قَول صَفْوَان بن أُميَّة السالف «أَعْطَانِي ... » إِلَى آخِره
стр. 4383
احْتِمَالَيْنِ: أَحدهمَا: أَن يكون أعطَاهُ قبل أَن يسلم، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ الْأَقْوَى. وَثَانِيهمَا: أَن يكون بعد إِسْلَامه.
قلت: وَهَذَا عجيبٌ، فقد (رَوَى) ابْن الْأَثِير فِي كِتَابه «أُسْد الغابة» : أَن الْإِعْطَاء قَبْل الْإِسْلَام، وَأَنه شهد حنينًا كَافِرًا؛ فارتفع الْخلاف، وَللَّه الْحَمد.
وَأما عدي بن حَاتِم، والزبرقان بن بدر؛ فَلم أر أحدا غَيرهمَا من الْمُؤَلّفَة، وَقد جمع ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تلقيحه» الْمُؤَلّفَة من كَلَام ابْن عَبَّاس وَابْن إِسْحَاق وَمُقَاتِل، وَمُحَمّد بن حبيب فِي « (محبره) » ، وَابْن قُتَيْبَة، فَلم يذكرهما فيهم.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا تحل الصَّدَقَة إِلَّا لخمسةٍ ... » وَذكر مِنْهُم «الْغَارِم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فى «سنَنه» مِنْ طَرِيقين:
أَحدهمَا: عَن عَطاء بن يسَار أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا تحل الصَّدَقَة لغنيٍّ، إِلَّا لخمسة: لغاز فِي سَبِيل الله، أَو لعامل عَلَيْهَا، أَو لغارم، أَو لرجل اشْتَرَاهَا بِمَالِه، أَو لرجلٍ كَانَ لَهُ جَاره مِسْكين فَتصدق عَلَى المسكينِ؛ (فأهدى) المسكينُ للغني» .
стр. 4384
وَكَذَلِكَ أخرجه مَالك فِي «موطئِهِ» مُرْسلا.
ثَانِيهَا: عَن عَطاء عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ بِمَعْنَاهُ، كَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه مُتَّصِلا، كَمَا ذكره أَبُو دَاوُد بِاللَّفْظِ الأول (مَعَ) تقديمٌ وتأخيرٌ، وَقَالَ: «أَو غنيّ اشْتَرَاهَا بِمَالِه، أَو فَقير تصدق عَلَيْهِ فأهداها لَغَنِيّ» يدل عَلَى مَا تقدم.
وَرَوَاهُ الْبَزَّار مُتَّصِلا من طَرِيقين إِلَى أبي سعيد مَرْفُوعا، وَرَوَاهُ أَحْمد مُتَّصِلا أَيْضا، وَاخْتلف الْحفاظ (أَيهمَا) أصح: طَريقَة الْوَصْل أَو طَريقَة الْإِرْسَال؟ فصحح الثَّانِي طائفةٌ؛ فَفِي «علل ابْن أبي حَاتِم» : أَن الثَّوْريّ أرْسلهُ، وَنقل عَن أَبِيه أَن الْإِرْسَال أشبه. كَذَا نَقله عَن الثَّوْريّ، وَسَيَأْتِي عَن الْبَيْهَقِيّ مَا يُخَالِفهُ، وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِي «علله» : هَذَا الحَدِيث حدَّث بِهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر، وَالثَّوْري عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي سعيدٍ، قَالَه ابْن عَسْكَر، وَقَالَ غيرُه: عَن عد الرَّزَّاق عَن معمر وَحده، وَهُوَ أصح. قَالَ: وَرَوَاهُ ابْن مهْدي، عَن الثَّوْريّ، عَن زيد بن أسلم قَالَ: حَدثنِي الثبْتُ عَن رَسُول الله ﷺ ، وَلم يسم رجلا، وَهُوَ الصَّحِيح.
وَصحح طَائِفَة الأول، قَالَ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» بعد أَن أخرجه
стр. 4385
فِيهِ من حَدِيث (عَطاء عَن أبي سعيد مَرْفُوعا بِلَفْظ أبي دَاوُد الْمُرْسل: هَذَا حَدِيث) صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، قَالَ: وَإِنَّمَا لم يخرجَاهُ لإرسال مَالك بن أنس إِيَّاه، عَن زيد بن أسلم، عَن عَطاء. قَالَ: وَهَذَا من شرطي أَنه صَحِيح، فقد يُرْسل مالكٌ (الحديثَ أَو يصله أَو يَقِفُهُ) فَالْقَوْل قَول الثِّقَة الَّذِي يصله ويسنده. وَقَالَ الْبَزَّار فِي «مُسْنده» : هَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ غيرُ واحدٍ، عَن زيد، عَن عَطاء مُرْسلا، وأسنده عبد الرَّزَّاق عَن: معمر، وَالثَّوْري قَالَ: (وَإِذا) حدَّث بِالْحَدِيثِ ثقةٌ كَانَ عِنْدِي الصَّوَاب، وَعبد الرَّزَّاق عِنْدِي ثِقَة، وَمعمر ثِقَة، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: هَذَا الحَدِيث وَصله جمَاعَة من رِوَايَة زيد بن أسلم. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» : إِسْنَاده ثِقَات. وَجمع الْبَيْهَقِيّ طُرُقَهُ، وفيهَا: أَن مَالِكًا، وَابْن عُيَيْنَة (أرسلا) وَأَن معمرًا، وَالثَّوْري (وصلا) وهما من جُلَّة الْحفاظ المعتمدين، وَالصَّحِيح إِذن أَن الحُكم للمتصل كَمَا صرَّح بِهِ أهل هَذَا الْفَنّ والأصوليون.
تَنْبِيه: هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ هُنَا مُخْتَصرا، وَذكره بَعْدُ مطولا بِلَفْظ أبي دَاوُد، وَجُمْهُور المصنفين عَلَى جَوَاز تقطيع الحَدِيث إِذا لم (يخل) بِالْمَعْنَى، وَهَذَا مِنْهُ، ومِنْ أَكْثَرهم اسْتِعْمَالا لهَذَا البخاريُّ
стр. 4386
فِي «صَحِيحه» وناهيك بِهِ قُدْوَة.
الحَدِيث الرَّابِع عشر
قَالَ الرَّافِعِيّ: لَا يُصْرَف شيءٌ من الصَّدقَات إِلَى المرتزقة كَمَا لَا يُصْرف شيٌ (من الْفَيْء) إِلَى المتطوعة، وَعَلَى ذَلِك جَرَى الْأَمر فِي عهد رَسُول الله ﷺ .
هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد سبق بعض ذَلِك فِي الْبَاب قبله أنَّه ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا هَذِه الصَّدقَات أوساخ النَّاس، وَإِنَّهَا لَا تحل لمحمدٍ وَلَا لآل مُحَمَّد» .
هَذَا الحَدِيث بعض من حَدِيث طَوِيل، وَقد ذكر الرَّافِعِيّ مِنْهُ قطعا، فلنذكره هُنَا بِكَمَالِهِ، ونُحيل مَا (نذكرهُ) بعده عَلَيْهِ، فَنَقُول: رَوَى مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث عبد الْمطلب (بن ربيعَة بن الْحَارِث قَالَ: «اجْتمع ربيعَة بن الْحَارِث وَالْعَبَّاس بن عبد الْمطلب) فَقَالَا: لَو بعثنَا هذَيْن الغلامين - (قَالَ) لي وللفضل بن الْعَبَّاس - إِلَى رَسُول الله ﷺ فكلَّماه، فأمَّرَهما عَلَى هَذِه الصَّدقَات، فأدَّيَا مَا يُؤدِّي النَّاس، وأصابا مَا يُصِيب النَّاس، فَبَيْنَمَا هما فِي ذَلِك إِذْ جَاءَ عَلّي بن أبي طَالب فَوقف عَلَيْهِمَا، فَذكر لَهُ ذَلِك، فَقَالَ عَلّي: لَا تفعلا، فواللهِ مَا هُوَ بفاعلٍ. فانْتَحَاهُ ربيعةُ بن الْحَارِث فَقَالَ: واللهِ مَا
стр. 4387
تصنع هَذَا إِلَّا نفاسة مِنْك علينا، (فوَاللَّه) لقد كنت صِهْرَ رَسُول الله ﷺ فَمَا نفسناه عَلَيْك. قَالَ عَلّي: أرسلوهما. (فَانْطَلقَا) ، واضطجع عَلّي، قَالَ: فلمَّا صَلَّى رَسُول الله ﷺ الظُّهْرَ سبقناه إِلَى الْحُجْرَة، فقمنا عِنْدهَا حَتَّى جَاءَ فَأخذ بآذاننا، ثمَّ قَالَ: أخرجَا مَا تُصرران، ثمَّ دخل ودخلنا (مَعَه) وَهُوَ يَوْمئِذٍ عِنْد زَيْنَب بنت جحش، قَالَ: فتواكلنا الكلامَ، ثمَّ تكلم أحدُنا فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَنْت أبرُّ الناسِ وأوصلُ الناسِ، وَقد بلغْنَا النكاحَ؛ فَجِئْنَا لتؤمِّرنا عَلَى بعض هَذِه الصَّدقَات، فنؤدّي إِلَيْك كَمَا يُؤَدِّي الناسُ، وَنصِيب كَمَا يصبون. قَالَ: فَسكت طَويلا حَتَّى أردنَا أَن نكلمه، قَالَ: وجعلتْ زينبُ تُلمع إِلَيْنَا من وَرَاء الْحجاب: أَن لَا تكلماه ثمَّ قَالَ: إِن الصَّدَقَة لَا تنبغي لآل محمدٍ، إِنَّمَا هِيَ أوساخ النَّاس، ادْعُوا لي محمية - وَكَانَ عَلَى الخُمس - وَنَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب. قَالَ: فجاءاه، فَقَالَ لمحمية: أنكح هَذَا الْغُلَام ابْنَتك - للفضل بن عَبَّاس - فأنكحه، وَقَالَ لنوفل بن الْحَارِث: أنكح هَذَا الْغُلَام ابْنَتك [لي] فأنكحني، وَقَالَ (لمحمية) : أصدق عَنْهُمَا من الخُمس كَذَا وَكَذَا» .
وَفِي رِوَايَة لَهُ: «إِن هَذِه الصَّدقَات إِنَّمَا هِيَ أوساخ النَّاس، وَإِنَّهَا لَا تحل لمحمدٍ وَلَا لآلِ مُحَمَّد» وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد مسلمٍ، بل لم يخرّج البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» عَن عبد الْمطلب بن ربيعَة شَيْئا.
فَائِدَة: مَعْنَى «انتحاه» : عرض لَهُ، وَقَوله: مَا تُصَرِّران: أَي: مَا
стр. 4388
جَمعْتُمَا فِي صدوركما وعزمتما عَلَى إِظْهَاره، وكلُّ شَيْء جمعته فقد صررته. والنفاسة: الْبُخْل، أَي بخلا مِنْك علينا. والتواكل: أَن يكل وَاحِد أمره إِلَى صَاحبه ويتكل عَلَيْهِ فِيهِ، يُرِيد: أنْ يَبْتَدِئ صَاحبه بالْكلَام دونه، وَقَوله: [أَنا أَبُو حسن] الْقَوْم» : قَالَ الْخطابِيّ: أَكثر الرِّوَايَات «الْقَوْم» بِالْوَاو، وَلَا مَعْنَى لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ «القرم» بالراء، يُرِيد بِهِ: المقدَّم فِي الرَّأْي والمعرفة بالأمور والتجارب.
الحَدِيث (السَّادِس) عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «نَحن وَبَنُو الْمطلب شيءٌ وَاحِد، وَشَبك بَين أَصَابِعه» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» من حَدِيث جُبَير بن مطعم، كَمَا سلف فِي الْبَاب قَبْله وَاضحا.
الحَدِيث السَّابِع عشر
«أَن الْفضل بن الْعَبَّاس، وَعبد الْمطلب بن ربيعَة سَأَلَا رَسُول الله ﷺ أَن يؤمِّرُهما عَلَى بَعْض الصَّدَقَة، فَقَالَ: إِن الصَّدَقَة لَا تحل لآل مُحَمَّد؛ إِنَّمَا هِيَ أوساخ النَّاس» . هَذَا الحَدِيث سلف بِطُولِهِ قَرِيبا.
стр. 4389
الحَدِيث الثَّامِن عشر
«أنَّه ﷺ بعث عَاملا، فَقَالَ لأبي رَافع مولَى رَسُول الله ﷺ : اصحبني كَيْمَا نصيب من الصَّدَقَة، فَسَأَلَ أَبُو رَافع النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِن الصَّدَقَة لَا تحل لنا، وَإِن مولَى الْقَوْم من أنفسهم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي «سُنَنهمْ» ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» بإسنادٍ عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ من حَدِيث أبي رَافع قَالَ: «بعث رَسُول الله ﷺ رجلا عَلَى الصَّدَقَة من بني مَخْزُوم، قَالَ أَبُو رَافع: فَقَالَ لي: اصحبني؛ فإنَّكَ تُصيبُ مِنْهَا معي. قلت: حَتَّى أسأَل رَسُول الله ﷺ . فَانْطَلق إِلَى رَسُول الله ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: مولَى الْقَوْم من أنفسهم، وَإِنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة» .
هَذَا لَفظهمْ خلا النَّسَائِيّ، وَلَفظه: «إِن رَسُول الله ﷺ اسْتعْمل رجلا من بني مَخْزُوم عَلَى الصَّدَقَة، فَأَرَادَ أَبُو رَافع أَن يتبعهُ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن الصَّدَقَة لَا تحل لنا، وَإِن مولَى الْقَوْم مِنْهُم» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» بِلَفْظ الْجَمَاعَة ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط
стр. 4390
الشَّيْخَيْنِ. وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِي «علله» : يرويهِ الحكم، وَاخْتلف عَنهُ؛ فَرَوَاهُ شُعْبَة عَن (الحكم) ، عَن ابْن أبي رَافع عَن أَبِيه، وَقَالَ: عَمْرو بن مَرْزُوق عَن شُعْبَة مثله، وَكَذَلِكَ قَالَ: أُسَامَة عَن شُعْبَة، وَقَالَ الْحجَّاج بن أَرْطَاة: عَن الحكم «أَن أَبَا رَافع سَأَلَ النَّبِي ﷺ شَيْئا من الصَّدَقَة، فَقَالَ: لَا تحل للنَّبِي) . وَلَا لأحدٍ من أَهله ومولاهم» . فَيكون مُرْسلا.
فَائِدَة: اسْم أبي رَافع: إِبْرَاهِيم، عَلَى أحدِ الْأَقْوَال، ثَانِيهَا: أسلم، ثَالِثهَا: ثَابت، رَابِعهَا: هُرْمُز، خَامِسهَا: صَالح ... حَكَاهُ ابْن [معن] فِي «تنقيبه» ، وَهُوَ قبْطِي.
فَائِدَة ثَانِيَة: اسْم هَذَا الرجل الْمَبْعُوث: الأرقم بن أبي الأرقم المخزوميّ الْقرشِي، كَمَا صرَّح بِهِ النَّسَائِيّ والخطيب وَغَيرهمَا، وكنيته: أَبُو عبد الله، وَهُوَ الَّذِي استخفى رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة فِي أَسْفَل الصَّفَا حَتَّى كملوا أَرْبَعِينَ رجلا آخِرهم الْفَارُوق، وَهِي الَّتِي تعرف بدار الخيزران.
الحَدِيث (التَّاسِع) عشر
قَالَ الرَّافِعِيّ لمَّا حَكَى عَن الْإِصْطَخْرِي: أَن آلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة
стр. 4391
وَالسَّلَام إِذا انْقَطع خُمس الخُمس عَنْهُم يجوز صرف الزَّكَاة إِلَيْهِم - عللَّه بِأَن الخُمْس عِوَض عَنْهَا عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الحَدِيث: «أَلَيْسَ فِي خُمْس الخُمْس مَا (يكفيكم) عَن أوساخ النَّاس؟»
هَذَا الحَدِيث سبق أَصله بِطُولِهِ بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة، وَقد أخرجه مَعَ مُسلم أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فَلم يذكراها، و (بيض) لَهَا الْمُنْذِرِيّ فِي «تَخْرِيجه لأحاديث المهذَّب» . ( ... .) ورأيتُها فِي كتاب «معرفَة الصَّحَابَة» لِلْحَافِظِ أبي نعيم فِي تَرْجَمَة نَوْفَل بن الحارِث بن عبد الْمطلب الْهَاشِمِي، فَقَالَ أَنا حبيب بن الْحسن، ثَنَا يُوسُف القَاضِي، ثَنَا مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي، ثَنَا (مُعْتَمر) بن سُلَيْمَان، عَن أَبِيه، عَن حَنش، عَن عِكْرِمَة: «أَن نوفلاً قَالَ لابْنَيْهِ: انْطَلقَا إِلَى رَسُول الله ﷺ لَعَلَّه يستعملكما عَلَى الصَّدقَات. فَقَالَ لَهما النَّبِي ﷺ : لَا أُحل لكم أهل الْبَيْت من الصَّدقَات شَيْئا وَلَا غسالة الْأَيْدِي، إِن لكم فِي خُمْس الخُمْس مَا يكفيكم أَو يغنيكم» .
قَالَ أَبُو نعيم: وَرَوَاهُ عَلّي بن عَاصِم، عَن حَنش نَحوه وَرَوَاهُ
стр. 4392
الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» عَن معَاذ بن الْمثنى، ثَنَا مُسَدّد، حَدثنَا [مُعْتَمر] (بن سُلَيْمَان) قَالَ: سَمِعت أبي يحدِّث، عَن حَنش، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس؛ فساقه بأطول مِمَّا تقدم، إِلَّا أَن اللَّفْظ وَقَالَ: «لما يكفيكم» بِاللَّامِ بدل «مَا يكفيكم» . وحنش هَذَا إِن كَانَ ابْن الْمُعْتَمِر فَهُوَ (لين الحَدِيث) وَإِن كَانَ الرَّحبِي فقد ضَعَّفُوهُ.
تَنْبِيه: رَوَى الْعقيلِيّ رِوَايَة غَرِيبَة فِي «تَارِيخ الضُّعَفَاء» وَهِي بعد قَوْله: «إِن الصَّدَقَة لَا تحل لمُحَمد وَلَا لآل مُحَمَّد» : و «لَكِن انْظُرُوا إِذا أخذتُ بِحَلقَة بَاب الْجنَّة هَل أُوثر عَلَيْكُم أحدا» .
قَالَ الْعقيلِيّ: أما أوَّل الحَدِيث فقد رُوي بإسنادٍ جيدٍ، وَآخره لَا يُحْفظ إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث.
الحَدِيث الْعشْرُونَ
«أَن رجلَيْنِ سَأَلَا رَسُول الله ﷺ الصَّدَقَة، فَقَالَ: إِن شئتُما (أعطيتُكما) ولاحظ فِيهَا لغنيِّ وَلَا لذِي قوةٍ مكتسب» .
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه أوَّل الْبَاب وَاضحا.
стр. 4393
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين
قَوْله ﵇ فِي حَدِيث قبيصَة بن الْمخَارِق: «حَتَّى يشْهد أَو يتَكَلَّم ثَلَاثَة من ذَوي الحجى من قومه» . وَذَلِكَ أَن قبيصَة قَالَ: «تحملتُ حمالَة؛ فأتيتُ رَسُول الله ﷺ فَسَأَلته فَقَالَ: نؤدِّيها عَنْك، أَو نخرجها عَنْك إِذا قَدِمتَ، نِعْمَ الصَّدَقَة يَا قبيصَة، إِن (الْمَسْأَلَة) حرمتْ إِلَّا فِي ثَلَاث: رجل تحمَّل حمالَة فَحلت لَهُ الْمَسْأَلَة حَتَّى يُؤَدِّيهَا ثمَّ يمسك، وَرجل أَصَابَته فاقةٌ أَو حَاجَة حَتَّى يشْهد أَو يتَكَلَّم ثلاثةٌ مِنْ ذَوي الحجى مِنْ قومه أَن بِهِ فاقة أَو حَاجَة، فَحلت لَهُ الْمَسْأَلَة حَتَّى يُصِيب سدادًا من عيشٍ أَو قِوَامًا من عيشٍ ثمَّ يمسك، (أَو [رجل] أَصَابَته جَائِحَة فاجتاحت مَاله، فَحُلَّتْ لَهُ الصَّدَقَة حَتَّى يُصِيب سدادًا من عيشٍ أَو قوامًا من عيشٍ ثمَّ يمسك) » .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي كَذَلِك سَوَاء، بِزِيَادَة: «وَمَا سُوَى ذَلِك من الْمَسْأَلَة (فسحت) » . قَالَ الشَّافِعِي فِي «الْأُم» : وَبِهَذَا نَأْخُذ.
وَرَوَاهُ مُسلم (فِي) «صَحِيحه» بلفظٍ آخَر قدَّمْتُه فِي بَاب التَّفْلِيس، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» بِلَفْظ (أقِم) حَتَّى تَأْتِينَا الصَّدَقَة، فإمَّا أَن
стр. 4394
(نحملها) أَو نعينك بهَا» . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» كَذَلِك، وَزَاد: «عَنْك» بعد «نحملها» .
فَائِدَة: «أَو» فِي «أَو نُخْرجها» وَفِي «أَو حَاجَة» وَفِي «أَو يتَكَلَّم» وَفِي «أَو قوامًا» : كُله شكّ من الرَّاوِي، كَمَا نبَّه عَلَيْهِ الرافعيُّ.
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين
«أنَّه ﷺ بَعَثَ معَاذًا إِلَى الْيمن فَقَالَ: أعلمهم أَن عَلَيْهِم صَدَقَة، تُؤْخَذ من أغنيائهم فتردُّ عَلَى فقرائهم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَقد تقدم فِي الْبَاب أَيْضا.
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين
عَن أنس ﵁ قَالَ: «غدوتُ إِلَى رَسُول الله ﷺ بعَبْد الله بن أبي طَلْحَة ليحنكه، فوافيتُ فِي يَده الميسم يسم إبل الصَّدَقَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من هَذَا الْوَجْه كَذَلِك؛ قَالَ شُعْبَة: وَأكْثر عِلْمِي أَنه قَالَ: «فِي آذانها» وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد، وَابْن مَاجَه: «يسم غنما فِي آذانها» .
стр. 4395
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيكرهُ الوسم فِي الْوَجْه، وَقد ورد النَّهْي عَنهُ فِي رِوَايَة جَابر ﵁.
هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد أخرجه مُسلم مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر ﵁: «أَن النَّبِي ﷺ مَرَّ عَلَيْهِ حمارٌ وَقد وُسِمَ فِي وَجهه، فَقَالَ: لعن الله الَّذِي وسمه» .
وَله فِي لفظٍ آخرٍ: قَالَ: «رَأَى رَسُول الله ﷺ حمارا قد وُسِمَ فِي وَجهه يدخن مَنْخرَيْهِ، فَقَالَ: لعن الله من فعل هَذَا، ألم أَنْه أَنَّه لَا يسم أحدٌ الْوَجْه، وَلَا يضْرب أحدٌ الْوَجْه» .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظ: «أَنه مُرَّ عَلَيْهِ بحمارٍ وَقد وسم فِي وَجهه، فَقَالَ أما بَلغَكُمْ أَنِّي لعنتُ مَنْ وسم الْبَهِيمَة فِي وَجههَا، أَو ضربهَا فِي وَجههَا. فَنَهَى عَن ذَلِك» .
إِذا علمتَ ذَلِك، فَلَا يَنْبَغِي التَّعْبِير عَن مثل هَذَا الحَدِيث بلفظٍ ورد، وَإِن كَانَ فِي عنعنة (أبي) الزبير عَن جَابر وَقْفَة لبَعض الْحفاظ، عَلَى أَنه قد رُوي من حَدِيث جمَاعَة من الصَّحَابَة، أحدهم: ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: «رَأَى رَسُول الله ﷺ حمارا مَوْسُوم الْوَجْه، فَأنْكر ذَلِك قَالَ: فوَاللَّه لَا أُسَمِّهِ إِلَّا [فِي أقْصَى] شَيْء من الْوَجْه، فَأمر بحمارٍ لَهُ فكوي فِي
стр. 4396
جَاعِرَتَيْهِ، فَهُوَ أوّل من كوى الْجَاعِرَتَيْنِ» . رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ أَيْضا.
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» بِلَفْظ: «أَنه ﵇ لعن من يسم فِي الْوَجْه» .
ثانيهم: طَلْحَة بن عبيد الله: «أَن النَّبِي ﷺ (نهَى عَن الوسم أَن يوسم فِي الْوَجْه، قَالَ: ومُرَّ عَلَى رَسُول الله ﷺ ) بِبَعِير قد وُسِمَ فى وَجهه، فَقَالَ نحّوا النَّار عَن وَجه هَذِه الدَّابَّة، فَقلت: لأَسَمِنَّ فِي أبعد مَكَان، فوسمت فِي عجب الذَّنب» .
رَوَاهُ الْبَزَّار فِي «مُسْنده» ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث لَا نعلمهُ يُروى عَن طَلْحَة إِلَّا من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَاد.
ثالثهم ورابعهم وخامسهم: الْعَبَّاس، وجنادة بن [جَراد] ، ونقادة، رواهن الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» قَالَ ابْن مَنْدَه فِي «مستخرجه» ورُوي أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي هُرَيْرَة وَأنس وَعبادَة.
فَائِدَتَانِ: الأولَى: الْمَحْفُوظ فى الوسم الإهمال، وَبَعْضهمْ حَكَى الإعجام أَيْضا، وَبَعْضهمْ فرَّق فَقَالَ: هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ فِي الْوَجْه وبالمعجمة
стр. 4397
فِي سَائِر الْجَسَد ... ذكره كلَّه القَاضِي عِيَاض وَغَيره. والجاعرتان هما حرفا الورك المشرفان مِمَّا يلى الدبر.
الثَّانِيَة: الْقَائِل فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: «فواللَّهِ لَا أُسَمِّهِ إِلَّا [فِي أقْصَى] شَيْء من الْوَجْه» هُوَ: الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، كَذَا ذكره أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» وصرَّح بِهِ البُخَارِيّ فِي «تَارِيخه» . وَكَذَا صرَّح بِهِ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» قَالَ القاضى عِيَاض: وَهُوَ فِي رِوَايَة مُسلم مُشكل يُوهم أَنه من قَول رَسُول الله ﷺ ، وَالصَّوَاب أَنه العبَّاس. وَاعْترض عَلَيْهِ النووى فَقَالَ فِي «شَرحه» : قَوْله «يُوهم» : ذَلِك لَيْسَ بِظَاهِر (بل ظَاهِرَة) أَنه من كَلَام ابْن عَبَّاس، وَحِينَئِذٍ يجوز أَن يكون جرت الْقِصَّة للْعَبَّاس ولابنه.
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب.
وَأما آثاره فخمسة:
أَحدهَا: «أَن عمر ﵁ شرب لَبَنًا فأعجبه، فأُخْبِرَ أَنه من نعم الصَّدَقَة، فَأدْخل إصبعه واستقاءه» .
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح، رَوَاهُ مَالك، وَالشَّافِعِيّ عَنهُ عَن زيد بْنِ أسلم أَنه قَالَ: «شرب عمر بن الْخطاب لَبَنًا فأعجبه، فَسَأَلَ الَّذِي سقَاهُ: مِنْ أَيْن لَك هَذَا اللَّبن؟ فَأخْبر أَنه ورد عَلَى مَاء قد سَمَّاهُ، فَإِذا بنعم
стр. 4398
من نعم الصَّدَقَة وهم يسقون، فحلبوا لنا من أَلْبَانهَا، فَجَعَلته فِي سقائي هَذَا، فَأدْخل عُمر إصبعه فاستقاء» . زَاد الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» : «وَغرم قِيمَته من الْمصَالح» .
وَهُوَ مَا فِي بعض الشُّرُوح، كَمَا عزاهُ إِلَيْهِ صاحبُ «الْمطلب» وَفِي «النِّهَايَة» : «أَنه غرم قِيمَته من الصَّدقَات» .
وَقد أوضحتُ الْكَلَام عَلَى هَذَا الْأَثر فِي «تخريجي لأحاديث الْوَسِيط» فَرَاجعه مِنْهُ.
الْأَثر الثَّانِي: عَن أبي بكر ﵁: «أَنه أعْطى عدي بن حَاتِم، كَمَا أعْطى النَّبِي ﷺ » .
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن (الْحَاكِم عَن) الْأَصَم، عَن الرّبيع قَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: للمؤلفة قُلُوبهم فِي قسم الصَّدقَات سَهْمٌ، قَالَ: وَالَّذِي أحفظُ فِيهِ من مُتقدم الْأَخْبَار: «أَن عدي بن حَاتِم جَاءَ إِلَى أبي بكر ﵁ أَحْسبهُ قَالَ: بثلاثمائة من الْإِبِل من صدقَات قومه (فَأعْطَاهُ أَبُو بكر مِنْهَا ثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وَأمره أَن يلْحق خَالِد بن الْوَلِيد بِمن أطاعه من قومه) فَجَاءَهُ بزهاء ألف رجلٍ (وأبلى بلَاء) حسنا» قَالَ: وَلَيْسَ فِي
стр. 4399
الْخَبَر: فِي (إِعْطَائِهِ إِيَّاهَا) مِنْ أَيْن أعطَاهُ إِيَّاهَا غير أَن الَّذِي يكَاد أَن يعرف الْقلب بالاستدلال بالأخبار - وَالله أعلم -: أَنه أعطَاهُ إِيَّاهَا من سهم الْمُؤَلّفَة (قُلُوبهم) ، (فَإِنَّمَا) زَاده ليرغِّبه فِيمَا صنع، (وَإِنَّمَا) أعطَاهُ ليتألفَّ بِهِ غَيره من قومه مِمَّن لَا يَثِق (مِنْهُ) بِمثل مَا يَثِق بِهِ من عدي بن حَاتِم، فَأرَى أَن يُعْطَى من سهم الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم فِي مثل هَذَا إِن نزلت بِالْمُسْلِمين نازلة، وَلنْ تنزل - إِن شَاءَ الله - هَذَا لَفظه برمتِهِ.
وَذكر الشَّافِعِي أَيْضا فِي «الْمُخْتَصر» أَن الْمُعْطِي لَهُ هُوَ الصدِّيق، وَذكره أَيْضا فِي «الْأُم» فِي بَاب: جماع تَفْرِيق السِّهْمان، فَقَالَ: وَقد رُوي: «أَن عدي بن حَاتِم أَتَى أَبَا بكر بِنَحْوِ ثَلَاثمِائَة بعير صَدَقَة [قومه] فَأعْطَاهُ مِنْهَا ثَلَاثِينَ بَعِيرًا [وَأمره بِالْجِهَادِ مَعَ خَالِد] فَجَاهد مَعَه بِنَحْوِ من أَلْفِ رجلٍ، وَلَعَلَّ أَبَا بكر أعطَاهُ من سهم الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم» .
فَإِن كَانَ هَذَا ثَابتا فَإِنِّي (لَا) أعرفهُ من وَجه يُثبتهُ أهلُ الحَدِيث، وَهُوَ [من] حَدِيث من [ينْسب] إِلَى بعض أهل الْعلم بِالرّدَّةِ. هَذَا لَفظه.
وَنقل الرَّافِعِيّ عَن الْأَئِمَّة أَن الظَّاهِر أَن عدَّيًا كَانَ من الْمُؤَلّفَة
стр. 4400
(قُلُوبهم) ، واستبعد بعض شُيُوخنَا الْحفاظ عدَّه مِنْهُم، فَإِنَّهُ قد ثَبت فِي «صَحِيح مُسلم» : «أَن عديًّا قَالَ لعمر: أتعرفني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فَقَالَ: إِنِّي واللَّهِ لأعرفك ... » إِلَى آخر مَا أسلفناه فِي الْأَحَادِيث وَلما عزمت طَيء عَلَى حبس الصَّدَقَة فِي أوَّل خلَافَة أبي بكر ردَّ عَلَيْهِم عدي بكلامٍ كثيرٍ، ذكره ابْن إِسْحَاق، فَكيف إِذن [يُعطى] من (سهمهم) ، وَأَيْضًا فَإِن سهمهم سقط فِي زمن الصدِّيق؛ فإمَّا أَن يكون أعطَاهُ من سهم العاملين، بِدَلِيل مَا رَوَاهُ ابْن إِسْحَاق: «أَنه ﵇ بَعثه عَلَى صدقَات طَيء» . وَإِمَّا أَن يكون أعطَاهُ مُكَافَأَة؛ فَإِنَّهُ لمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُول الله ﷺ نَصْرَانِيّا فَأسلم وَأَرَادَ الرُّجُوع إِلَى بِلَاده، أرسل إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ يعْتَذر إِلَيْهِ من الزَّاد وَيَقُول واللَّهِ مَا أصبح عِنْد آل مُحَمَّد سَعَة من الطَّعَام، وَلَكِن ترجع فَيكون خير» فَلذَلِك أعطَاهُ أَبُو بكر ثَلَاثِينَ من إبل الصَّدَقَة. ذكره ابْن سَالم فِي «الِاكْتِفَاء» .
الْأَثر الثَّالِث: «أَن مُشْركًا جَاءَ إِلَى عُمر ﵁ يلْتَمس مَالا، فَلم يُعْطه، وَقَالَ: مَنْ شَاءَ فليؤمن، وَمن شَاءَ فليكفر» .
وَهَذَا الْأَثر ذكره الرافعيُّ تبعا للغزالي، فَإِنَّهُ أوردهُ فِي «وسيطه» بِلَفْظ: «إِنَّا لَا نُعطي عَلَى الْإِسْلَام شَيْئا؛ فَمَنْ شَاءَ فليؤمن، وَمن شَاءَ فليكفر» .
стр. 4401
وَكَذَا ذكره القَاضِي حُسَيْن، وَعبارَة بَعضهم: أَن عمر قَالَ: «إِن الله أعَزَّ الْإِسْلَام وَأَهله، إِنَّا لَا نُعطي عَلَى الْإِسْلَام شَيْئا» إِلَى آخرِهِ، وَذكره صَاحب «الْمُهَذّب» بِلَفْظ «إِنَّا لَا نُعطي عَلَى الْإِسْلَام شَيْئا، فَمَنْ شَاءَ فليؤمن، ومَنْ شَاءَ فليكفر» .
وَلم يعزه المنذريُّ فِي «تَخْرِيجه لأحاديثه» وَعَزاهُ النَّوَوِيّ إِلَى الْبَيْهَقِيّ، (قلت) وَهَذَا لم أره فِي «مَعْرفَته» لَهُ وَإِنَّمَا فِي «السّنَن» : «أَن عمر قَالَ للأقرع وعيينة: إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يتألفكما وَالْإِسْلَام يَوْمئِذٍ ذليل، وَإِن الله قد أعز الْإِسْلَام، فاذهبا فاجهدا، كَمَا لَا أرعى الله عَلَيْكُمَا أَن رعيتما» .
وَرَوَاهُ العسكري فِي «الصَّحَابَة» وَقَالَ: «أرغبتما» وَقَالَ «قَلِيل» بدل «ذليل» .
الْأَثر الرَّابِع: قَالَ الرَّافِعِيّ: وَقَوله - يَعْنِي: الْغَزالِيّ - «لمَذْهَب معَاذ» (لم يرد بِهِ حَدِيث بَعثه إِلَى الْيمن؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي «الْوَسِيط» : لمَذْهَب معَاذ و) . لقَوْله ﵇: «أنبئهم أَن عَلَيْهِم صَدَقَة، تُؤْخَذ من أغنيائهم ... » الْخَبَر وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن معَاذًا صَار إِلَى منع النَّقْل، لما رُوي: (أَنه) قَالَ: «مَنِ انْتقل من مخلاف عشيرته إِلَى غير مخلاف عشيرته فصدقته وعشره فِي مخلاف عشيرته» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَن الْحَاكِم، عَن الْأَصَم،
стр. 4402
عَن الرّبيع، عَن الشَّافِعِي، عَن مطرف بن مَازِن، عَن معمر، عَن عبد الله بن طَاوس، عَن أَبِيه: «أَن معَاذ بن جبل قَضَى: أَيّمَا رجل انْتقل من مخلاف عشيرته إِلَى غير مخلاف عشيرته فَعشره وصدقَتُهُ فِي مخلاف عشيرته» .
وَأخرجه الشَّافِعِي فِي «الْأُم» كَذَلِك، وَهَذَا أثر ضَعِيف ومنقطع، مطرف ضَعِيف، وَطَاوُس لم يدْرك معَاذًا لَا جرم، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : إِنَّه مُنْقَطع كالآتي.
وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور، عَن سُفْيَان (عَن) معمر، عَن ابْن طَاوس، عَن أَبِيه قَالَ: «فِي كتاب معَاذ بن جبل: من أخرج من مخلاف إِلَى مخلاف، فَإِن صدقته وعُشره يرد إِلَى مخلافه» .
الْأَثر الْخَامِس: عَن معَاذ بن جبل ﵁ «أَنه قَالَ لأهل الْيمن: ائْتُونِي بكلِّ خَمِيس أَو لبيس (آخذه) مِنْكُم مَكَان الصَّدَقَة؛ فَإِنَّهُ أرْفق بكم، وأنْفَعُ للمهاجرين وَالْأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ» .
وَهَذَا الْأَثر ذكره البُخَارِيّ فِي أَبْوَاب الزَّكَاة، فَقَالَ: قَالَ طَاوس قَالَ معَاذ: «ائْتُونِي (بِعرْض) ثِيَاب خَمِيس أَو لبيس فِي الصَّدَقَة مَكَان الشّعير والذرة (أَهْون عَلَيْكُم) وَخير لأَصْحَاب رَسُول (بِالْمَدِينَةِ» .
стр. 4403
وَذكره أَبُو عبيد فِي «غَرِيبه» بِغَيْر إسنادٍ أَيْضا، وَلَفظه: ائْتُونِي بخميس أَو لبيس آخذه مِنْكُم فِي الصَّدَقَة؛ فَإِنَّهُ أيسر عَلَيْكُم وأنفع للمهاجرين بِالْمَدِينَةِ» .
ثمَّ ذكر اخْتِلَافا فِي أَن المُرَاد بالخميس الَّذِي طوله خَمْسَة أَذْرع؛ فَإِنَّهُ يَعْنِي: الصَّغِير من الثِّيَاب، أَو لِأَن من عمله مَلكٌ بِالْيمن يُقَال لَهُ: الْخَمِيس؛ فنسب إِلَيْهِ.
قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: وَجَاء «خميص» بالصَّاد، قَالَ: فَإِن صَحَّ فَهُوَ تذكير خميصة، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن ميسرَة، عَن طَاوس، عَن معَاذ أَنه قَالَ بِالْيمن: «ائْتُونِي بخميس أَو لبيس آخذه (مِنْكُم) مَكَان الصَّدَقَة؛ فَإِنَّهُ أَهْون عَلَيْكُم، وَخير للمهاجرين بِالْمَدِينَةِ» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: خَالف إبراهيمُ مَنْ هُوَ أدين مِنْهُ؛ عَمرو بن دِينَار عَن طَاوس قَالَ: قَالَ معَاذ بِالْيمن: «ائْتُونِي بِعرْض ثِيَاب آخذه مِنْكُم مَكَان الذّرة وَالشعِير» .
قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: حَدِيث طَاوس، عَن معَاذ بن جبل إنْ كَانَ مُرْسلا فَلَا حجَّة فِيهِ، وَقد قَالَ فِيهِ بَعضهم: «من الْجِزْيَة» مَكَان «الصَّدَقَة» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا هُوَ الْأَلْيَق بمعاذ وَالْأَشْبَه بِمَا أمره النَّبِي ﷺ بِهِ مِنْ أخْذ الْخَمِيس فِي الصَّدقَات، وأخْذ الدِّينَار أَو عدله (معافر) ثِيَاب بِالْيمن فِي
стр. 4404
الْجِزْيَة، وَأَن ترد الصَّدقَات عَلَى فقرائهم، لَا أَن ينقلها إِلَى الْمُهَاجِرين بِالْمَدِينَةِ الَّذين أَكْثَرهم أهل فَيْء لَا أهل صَدَقَة. قَالَ: وَقَوله «مَكَان الصَّدَقَة» لم يحفظه ابْن ميسرَة، وَخَالفهُ مَنْ هُوَ أحفظ مِنْهُ، قَالَ: وَإِن ثَبت فَمَحْمُول عَلَى مَعْنَى مَا كَانَ يُؤخذ مِنْهُم باسْم الصَّدَقَة لبني تغلب.
стр. 4405
بَاب: صَدَقَة التَّطَوُّع
ذكر فِيهِ ﵀ تِسْعَة أَحَادِيث:
الحَدِيث الأول
أنَّه ﷺ قَالَ: «ليتصدَّق الرجل من ديناره، وليتصدَّق من درهمه، وليتصدَّق من صَاع بُرِّه» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه مُسلم فِي (صَحِيحه من) حَدِيث (جرير) بن عبد الله قَالَ: «كُنَّا عِنْد رَسُول الله ﷺ فِي صدر النَّهَار، فَجَاءَهُ قومٌ حفاء مجتابي النمار أَو العباء (متقلدي) السيوف، عامتهم من مُضَر، بل كلهم من مُضَر؛ فتمعَّر وَجه رَسُول الله ﷺ لما رَأَى بهم من الْفَاقَة، فَدخل ثمَّ خرج، فَأمر بِلَالًا فأذَّن وَأقَام، فَصَلى (بهم) ثمَّ خطب. فَقَالَ: (يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم من نَفْس وَاحِدَة) إِلَى آخر الْآيَة: (إِن الله كَانَ عَلَيْكُم رقيبًا) ، وَالْآيَة الَّتِي فِي الْحَشْر: (اتَّقوا الله ولتنظر نفسٌ مَا قدَّمت لغدٍ) إِلَى آخر الْآيَة، تصدق الرجل مِنْ ديناره، مِنْ درهمه، مِنْ ثَوْبه، مِنْ صَاع بُرِّه، من صَاع تَمْره، حَتَّى
стр. 4406
قَالَ: وَلَو بِشِقِّ تَمْرَة، قَالَ: فجَاء رجل من الْأَنْصَار بُصرَّةٍ كَادَت كفّه تعجز عَنْهَا، بل قد عجزت، ثمَّ تتَابع النَّاس، حَتَّى رأيتُ كَوْمَيْن من طَعَام وَثيَاب، حَتَّى رأيتُ وَجه رَسُول الله ﷺ يَتَهَلَّل كَأَنَّهُ مُذْهَبَة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّةً حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر مَنْ عمل بهَا (مِنْ) بعده، مِنْ غير أَن (ينقص) من أُجُورهم شَيْء ومَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّةُ سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزِرْها وَوِزْر مَنْ عمل بهَا مِنْ بعده من غير أَن (ينقص) مِنْ أوزارهم شَيْء» .
فَائِدَة: قَوْله «مجتابي النمار» : يُقَال: (اجتاب) فلَان ثوبا إِذا لبسه، - وتَمَعَّرَ: تغيَّر من الْغَضَب، والكومة من الطَّعَام: الصُّبْرَة، وأصل الكوم مَا ارْتَفع من الطَّعَام وأشرف، ومذهبه - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة - قَالَ ابْن الْأَثِير: هُوَ من الشَّيْء الْمَذْهَب، أَي: المموه بِالذَّهَب، أَو من قَوْلهم: فرس مَذْهَب؛ إِذا عْلَتْ حُمرَتَه صُفْرَةٌ. وَفَسرهُ الْحميدِي فِي «غَرِيبه» بِأَن قَالَ: المدهن - يعْنى بالنُّون -: نقرة فِي الْجَبَل يُستنقع فِيهَا المَاء من الْمَطَر، والمدهن أَيْضا: مَا جُعل فِيهِ الدّهن، والمدهنة كَذَلِك؛ شبه صفاء وَجهه (لإشراق السرُور (بصفاء هَذَا) المَاء الْمُجْتَمع، أَو بصفاء الدّهن.
стр. 4407
الحَدِيث الثَّانِي
«أنَّه ﷺ كَانَ يمْتَنع من قبُول الصَّدَقَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، فقد اتّفق الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاج حَدِيث أَبَى هُرَيْرَة ﵁: «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا أُتي بطعامٍ سَأَلَ عَنهُ، فَإِن قيل: هَدِيَّة أكل مِنْهَا، وَإِن قيل: صَدَقَة. لم يَأْكُل مِنْهَا. وَقَالَ لأَصْحَابه: كُلوُا» .
وَأخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث بهز بن حَكِيم، عَن أَبِيه، عَن جده: «أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا أُتي بِشَيْء سَأَلَ أصدقة أم هديةٌ؟ فَإِن قَالُوا: صَدَقَة؛ لم يَأْكُل، وَإِن قَالُوا: هَدِيَّة؛ أكل» .
وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا وَقَالَ: «فَإِن قيل: صَدَقَة؛ لم يَأْكُل، وَإِن قيل: هَدِيَّة؛ بسط يَده» .
الحَدِيث الثَّالِث
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِنَّا أهل بيتٍ لَا تحل لنا الصَّدَقَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: «أَخذ الْحسن بن عَلّي تَمْرَة من تمر الصَّدَقَة،
стр. 4408
فَجَعلهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : كخ كخ؛ ارمِ بهَا، أما علمت أنَّا لَا نَأْكُل الصَّدَقَة» .
وَفِي رِوَايَة لَهما: «إنَّا لَا تحل لنا الصدقةَ» .
وَفِي رِوَايَة لَهما: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِنِّي لأنقلب إِلَى أَهلِي، فأجد التمرة سَاقِطَة عَلَى فِراشي أَو فِي بَيْتِي، فأرفعها لآكلها، ثمَّ أخْشَى أَن تكون صَدَقَة (فألقيها) » .
فَائِدَة: (قَوْله) «كخ كخ» : يُقَال بِفَتْح الْكَاف وَكسرهَا، وَسُكُون الْخَاء والتنوين مَعَ الْكسر، بِغَيْر تَنْوِين قَالَه ابْن دحْيَة فِي كِتَابه «الْآيَات الْبَينَات» .
الحَدِيث الرَّابِع
عَن رَسُول الله ﷺ «إِن صَدَقَة السِّرِّ تُطفئ غَضَبَ الرَّبِّ» .
هَذَا الحَدِيث يُروى من طرقٍ:
أَحدهَا: من طَرِيق مُحَمَّد بن عَلّي بن الْحُسَيْن قَالَ: قُلْنَا لعبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب: حدِّثنا مَا سَمِعت من رَسُول الله ﷺ وَرَأَيْت مِنْهُ، وَلَا تحدِّثنا عَن غَيره وَإِن كَانَ ثِقَة. فَذكر أَحَادِيث؛ وَمِنْهَا: أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: «الصَّدَقَة فِي السِّرِّ تُطْفِئ غَضَبَ الرَّبِّ» .
رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» فِي كتاب الْفَضَائِل مِنْهُ، فى تَرْجَمَة
стр. 4409
عبد الله بن جَعْفَر، وَإِسْنَاده مُنكر جدًّا، كَمَا أوضحتُه فِي (بَاب) شُرُوط الصَّلَاة، فِي الحَدِيث التَّاسِع عشر مِنْهُ.
الطَّرِيق الثَّانِي: من حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «صلَة الرَّحِم تُزيد فِي الْعُمر، وَصدقَة السِّرّ تُطْفِئ غضب الرب» .
رَوَاهُ صَاحب «الشهَاب» فِي مُسْنده من هَذَا الْوَجْه، وَفِي إِسْنَاده من لَا أعرفهُ.
الطَّرِيق الثَّالِث: من حَدِيث عَمرو بن أبي سَلمَة عَن صَدَقَة بن عبد الله، عَن الْأَصْبَغ (عَن) بهز بن حَكِيم، عَن أَبِيه، عَن جدِّه مَرْفُوعا: «إِن صَدَقَة السِّرّ تُطْفِئ غضب الرب» .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» و «صَدَقَة» هَذَا هُوَ: السمين، وَبِه صرح ابْن طَاهِر، وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ كَمَا سبق فِي أوّل الْكتاب.
الطَّرِيق الرَّابِع: من حَدِيث أبي أُمَامَة مَرْفُوعا: «صَدَقَة السِّرّ تُطْفِئ غضب الرب» .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» أَيْضا، فِي جملَة حَدِيث طويلٍ، وَفِي إِسْنَاده يزِيد بن عبد الرَّحْمَن، وَالظَّاهِر أَنه الدالاني، وَفِيه خلف، كَمَا سلف فِي الْأَحْدَاث أَيْضا.
الطَّرِيق الْخَامِس: من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «شعب الْإِيمَان» وَفِيه الْوَاقِدِيّ، وحالته مَعْلُومَة.
стр. 4410
الطَّرِيق السَّادِس: من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «شعبه» أَيْضا فِي أثْنَاء حديثٍ طويلٍ، ثمَّ قَالَ: الحَمْل فِيهِ عَلَى إِسْمَاعِيل بن بَحر العسكري أَو إِسْحَاق بن مُحَمَّد العميِّ.
وَفِي «جَامع التِّرْمِذِيّ» من حَدِيث أنس رَفعه: «إِن الصَّدَقَة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتَة السوء» . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غريبٌ من هَذَا الْوَجْه.
قلت: وَفِي إِسْنَاده عبد الله بن عِيسَى الخزاز - بخاء مُعْجمَة، ثمَّ زَاي مكررة -: يُعْرف ب «صَاحب الْحَرِير» سُئِلَ عَنهُ أَبُو زرْعَة فَقَالَ: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن طَاهِر: وصف بِأَنَّهُ يروي عَن الثِّقَات مَا لَا يُتَابع عَلَيْهِ. وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتابع عَلَى أَكثر حَدِيثه. وَقَالَ أَبُو أَحْمد: يروي عَن يُونُس بن عبيد وَدَاوُد بن أبي هِنْد مَا لَا يُوَافقهُ عَلَيْهِ الثِّقَات، وَلَيْسَ هُوَ ممَنْ يُحْتج بحَديثه. وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي «علله» : هُوَ مُنكر الحَدِيث عِنْدهم، لَا أعلم لَهُ [موثقًا] . فَالْحَدِيث عَلَى هَذَا ضَعِيف لَا حسن.
قلت: وَأما ابْن حبَان فَإِنَّهُ أخرجه فِي «صَحِيحه» من الطَّرِيق الْمَذْكُور، وَفِيه النّظر الْمَذْكُور.
ثمَّ اعلمْ: أَن الرَّافِعِيّ ﵀ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَن صرف الصَّدَقَة سرًّا أفضل بعد قَوْله - تَعَالَى -: (إِن تبدوا الصَّدقَات
стр. 4411
فنعمَّا هِيَ) . ويغني عَنهُ حَدِيث صَحِيح ثَابت أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «سَبْعَة يُظِلهُّم الله فى ظله، يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظلُّه: إِمَام عَادل، وَرجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه» .
الحَدِيث الْخَامِس
عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: «يَا رَسُول الله: إِن لي جارين، فَإلَى أَيهمَا أُهدي؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : إِلَى أقربهما مِنْك بَابا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور عَن ابْن منهال، عَن شُعْبَة، عَن طَلْحَة، [عَن أبي عمرَان] ، عَن عَائِشَة، كَذَا أخرجه فِي الْأَدَب، وَأخرجه فِي الشُّفْعَة عَن [عَلّي بن عبد الله عَن شَبابَة] ، وَفِي الْهِبَة عَن مُحَمَّد بن بشار عَن طَلْحَة
стр. 4412
بن [عبد الله] عَن عَائِشَة، فنسبه البُخَارِيّ فِي هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ، وَوَقع فِي الْبَيْهَقِيّ عَن طَلْحَة (عَن) رجل من قُرَيْش، عَن عَائِشَة، ثمَّ عزاهُ إِلَى البُخَارِيّ، وَالَّذِي فِيهِ مَا قدَّمْتُهُ، وَوَقع فِيهِ أَيْضا من طَرِيق آخر عَن طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف، عَن عَائِشَة، وَذكره الْمزي فِي «أَطْرَافه» فِي تَرْجَمَة طَلْحَة بن عبد الله بن عُثْمَان التَّيْمِيّ عَن عَائِشَة، وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن طَلْحَة وَلم ينْسبهُ، ثمَّ قَالَ: قَالَ شُعْبَة فِي هَذَا الحَدِيث: طَلْحَة رجل من قُرَيْش. فَإِذا الْوَاقِع فِي «الْبَيْهَقِيّ» أَن جدِّ طلحةَ عوفٌ، غريبٌ.
الحَدِيث (السَّادِس)
أنَّه ﷺ قَالَ: «الصَّدَقَة عَلَى الْمِسْكِين صَدَقَة، وَعَلَى ذِي الرَّحِم ثِنْتَانِ؛ صَدَقَة وصلَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور الأئمةُ: أحمدُ فِي «مُسْنده» ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» وَالنَّسَائِيّ
стр. 4413
وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» وَالتِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» . وَابْن حبَان فِي «صَحِيحه» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من رِوَايَة (سلمَان) بن عَامر الضَّبِّيّ ﵁.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن. وَقَالَ الْحَاكِم: (صَحِيح) . وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي «تَخْرِيج أَحَادِيث الشهَاب» . إِنَّمَا لم يخرَّج فِي «الصَّحِيح» لأجْل اختلافٍ فِي إِسْنَاده. وَوَقع فِي «الْأَحْكَام الْوُسْطَى» لعبد الْحق: « (الصَّدَقَة عَلَى الْمِسْكِين صلَة» . وَهُوَ خطأ، وَصَوَابه: «صَدَقَة» وَقد سبقنَا بذلك ابْن الْقطَّان.
وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من هَذِه الطَّرِيق، وَمن طَرِيقين آخَرين:
أَحدهمَا: عَن أبي طَلْحَة مَرْفُوعا: «الصَّدَقَة عَلَى الْمِسْكِين صَدَقَة، وَعَلَى ذِي الرَّحِم صَدَقَة وصلَة» .
فِي سَنَده مَنْ لَا أعرفهُ.
стр. 4414
الثَّانِي: عَن (عبيد الله) بن زحر، عَن علىّ بن يزِيد، عَن الْقَاسِم، عَن أَبَى أُمَامَة مَرْفُوعا «إِن الصَّدَقَة عَلَى ذِي قرَابَة يُضَعَّفُ أجرهَا) مرَّتَيْنِ» وَهَذَا سندٌ واهٍ.
الحَدِيث السَّابِع
«كَانَ (أَجود مَا يكون فِي رَمَضَان» .
(هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَقد سلف فِي كتاب الصّيام.
الحَدِيث الثَّامِن
«أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ تصدق بِجَمِيعِ مَاله وَقَبله النَّبِي ﷺ مِنْهُ» ) .
هَذَا الحَدِيث وَقع فِي «صَحِيح البُخَارِيّ» فِي بَاب لَا صَدَقَة إِلَّا عَن ظَهْر غِنىً، فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ أَن يتْلف أَمْوَال النَّاس قَالَ النَّبِي ﷺ : «من أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد إتلافها أتْلفه الله، إِلَّا أَن يكون مَعْرُوفا بِالصبرِ، فيؤثر عَلَى نَفسه وَلَو كَانَ بِهِ خصَاصَة كفعْل أَبَى بكر حِين تصدَّق بِمَالِه كُله» .
(وَهُوَ حَدِيث) صحيحٌ، أخرجه أَبُو دَاوُد فِي كتاب الزَّكَاة،
стр. 4415
وَالتِّرْمِذِيّ فِي المناقب، وَالْبَزَّار فِي «مُسْنده» من رِوَايَة عمر ﵁ قَالَ: «أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نتصدَّق، فَوَافَقَ ذَلِك منيِّ مَالا، فَقلت: الْيَوْم أسبقُ أَبَا بكر إِن سبقته، قَالَ: فجئتُ بنصْف مَالِي، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا أبقيتَ لأهْلك؟ فَقلت: مثله. فَأَتَى (أَبُو) بكر بكلِّ مَاله فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : مَا أبقيت لأهْلك؟ قَالَ: أبقيتُ لَهُم الله وَرَسُوله. قلت: لَا أسبقه إِلَى شَيْء أبدا» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَالَ الْبَزَّار: هَذَا الحَدِيث لَا نعلم رَوَاهُ عَن هِشَام بن سعد، عَن زيد، عَن أَبِيه، عَن عمر إِلَّا أَبُو نعيم وَهِشَام بن سعد حدَّث عَنهُ [عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَاللَّيْث بن سعد وَعبد الله بن وهب والوليد بن مُسلم و] جمَاعَة كَثِيرَة من أهل الْعلم، وَلم أر أحدا (توقف) عَن حَدِيثه بعلة توجب التَّوَقُّف عَنهُ.
قلت: لَا جرم أَن التِّرْمِذِيّ صَححهُ كَمَا سلف، وَكَذَا الْحَاكِم فَإِنَّهُ أخرجه فِي «مُسْتَدْركه» فِي كتاب الزَّكَاة، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَأما أَبُو مُحَمَّد بن حزم، فَخَالف. فَقَالَ فِي «محلاه» : فَإِن ذكرُوا صَدَقَة أبي بكر بِمَالِه كلِّه قُلْنَا: (هَذَا لَا يَصح؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة هِشَام بن سعد وَهُوَ ضَعِيف. ثمَّ سَاقه كَمَا تقدم، وَهِشَام)
следующие страницы →