Полный текст (6 131 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.
стр. 4411
فنعمَّا هِيَ) . ويغني عَنهُ حَدِيث صَحِيح ثَابت أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «سَبْعَة يُظِلهُّم الله فى ظله، يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظلُّه: إِمَام عَادل، وَرجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه» .
الحَدِيث الْخَامِس
عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: «يَا رَسُول الله: إِن لي جارين، فَإلَى أَيهمَا أُهدي؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : إِلَى أقربهما مِنْك بَابا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور عَن ابْن منهال، عَن شُعْبَة، عَن طَلْحَة، [عَن أبي عمرَان] ، عَن عَائِشَة، كَذَا أخرجه فِي الْأَدَب، وَأخرجه فِي الشُّفْعَة عَن [عَلّي بن عبد الله عَن شَبابَة] ، وَفِي الْهِبَة عَن مُحَمَّد بن بشار عَن طَلْحَة
стр. 4412
بن [عبد الله] عَن عَائِشَة، فنسبه البُخَارِيّ فِي هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ، وَوَقع فِي الْبَيْهَقِيّ عَن طَلْحَة (عَن) رجل من قُرَيْش، عَن عَائِشَة، ثمَّ عزاهُ إِلَى البُخَارِيّ، وَالَّذِي فِيهِ مَا قدَّمْتُهُ، وَوَقع فِيهِ أَيْضا من طَرِيق آخر عَن طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف، عَن عَائِشَة، وَذكره الْمزي فِي «أَطْرَافه» فِي تَرْجَمَة طَلْحَة بن عبد الله بن عُثْمَان التَّيْمِيّ عَن عَائِشَة، وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن طَلْحَة وَلم ينْسبهُ، ثمَّ قَالَ: قَالَ شُعْبَة فِي هَذَا الحَدِيث: طَلْحَة رجل من قُرَيْش. فَإِذا الْوَاقِع فِي «الْبَيْهَقِيّ» أَن جدِّ طلحةَ عوفٌ، غريبٌ.
الحَدِيث (السَّادِس)
أنَّه ﷺ قَالَ: «الصَّدَقَة عَلَى الْمِسْكِين صَدَقَة، وَعَلَى ذِي الرَّحِم ثِنْتَانِ؛ صَدَقَة وصلَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور الأئمةُ: أحمدُ فِي «مُسْنده» ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» وَالنَّسَائِيّ
стр. 4413
وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» وَالتِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» . وَابْن حبَان فِي «صَحِيحه» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من رِوَايَة (سلمَان) بن عَامر الضَّبِّيّ ﵁.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن. وَقَالَ الْحَاكِم: (صَحِيح) . وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي «تَخْرِيج أَحَادِيث الشهَاب» . إِنَّمَا لم يخرَّج فِي «الصَّحِيح» لأجْل اختلافٍ فِي إِسْنَاده. وَوَقع فِي «الْأَحْكَام الْوُسْطَى» لعبد الْحق: « (الصَّدَقَة عَلَى الْمِسْكِين صلَة» . وَهُوَ خطأ، وَصَوَابه: «صَدَقَة» وَقد سبقنَا بذلك ابْن الْقطَّان.
وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من هَذِه الطَّرِيق، وَمن طَرِيقين آخَرين:
أَحدهمَا: عَن أبي طَلْحَة مَرْفُوعا: «الصَّدَقَة عَلَى الْمِسْكِين صَدَقَة، وَعَلَى ذِي الرَّحِم صَدَقَة وصلَة» .
فِي سَنَده مَنْ لَا أعرفهُ.
стр. 4414
الثَّانِي: عَن (عبيد الله) بن زحر، عَن علىّ بن يزِيد، عَن الْقَاسِم، عَن أَبَى أُمَامَة مَرْفُوعا «إِن الصَّدَقَة عَلَى ذِي قرَابَة يُضَعَّفُ أجرهَا) مرَّتَيْنِ» وَهَذَا سندٌ واهٍ.
الحَدِيث السَّابِع
«كَانَ (أَجود مَا يكون فِي رَمَضَان» .
(هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَقد سلف فِي كتاب الصّيام.
الحَدِيث الثَّامِن
«أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ تصدق بِجَمِيعِ مَاله وَقَبله النَّبِي ﷺ مِنْهُ» ) .
هَذَا الحَدِيث وَقع فِي «صَحِيح البُخَارِيّ» فِي بَاب لَا صَدَقَة إِلَّا عَن ظَهْر غِنىً، فَقَالَ: لَيْسَ لَهُ أَن يتْلف أَمْوَال النَّاس قَالَ النَّبِي ﷺ : «من أَخذ أَمْوَال النَّاس يُرِيد إتلافها أتْلفه الله، إِلَّا أَن يكون مَعْرُوفا بِالصبرِ، فيؤثر عَلَى نَفسه وَلَو كَانَ بِهِ خصَاصَة كفعْل أَبَى بكر حِين تصدَّق بِمَالِه كُله» .
(وَهُوَ حَدِيث) صحيحٌ، أخرجه أَبُو دَاوُد فِي كتاب الزَّكَاة،
стр. 4415
وَالتِّرْمِذِيّ فِي المناقب، وَالْبَزَّار فِي «مُسْنده» من رِوَايَة عمر ﵁ قَالَ: «أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نتصدَّق، فَوَافَقَ ذَلِك منيِّ مَالا، فَقلت: الْيَوْم أسبقُ أَبَا بكر إِن سبقته، قَالَ: فجئتُ بنصْف مَالِي، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا أبقيتَ لأهْلك؟ فَقلت: مثله. فَأَتَى (أَبُو) بكر بكلِّ مَاله فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : مَا أبقيت لأهْلك؟ قَالَ: أبقيتُ لَهُم الله وَرَسُوله. قلت: لَا أسبقه إِلَى شَيْء أبدا» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَالَ الْبَزَّار: هَذَا الحَدِيث لَا نعلم رَوَاهُ عَن هِشَام بن سعد، عَن زيد، عَن أَبِيه، عَن عمر إِلَّا أَبُو نعيم وَهِشَام بن سعد حدَّث عَنهُ [عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَاللَّيْث بن سعد وَعبد الله بن وهب والوليد بن مُسلم و] جمَاعَة كَثِيرَة من أهل الْعلم، وَلم أر أحدا (توقف) عَن حَدِيثه بعلة توجب التَّوَقُّف عَنهُ.
قلت: لَا جرم أَن التِّرْمِذِيّ صَححهُ كَمَا سلف، وَكَذَا الْحَاكِم فَإِنَّهُ أخرجه فِي «مُسْتَدْركه» فِي كتاب الزَّكَاة، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَأما أَبُو مُحَمَّد بن حزم، فَخَالف. فَقَالَ فِي «محلاه» : فَإِن ذكرُوا صَدَقَة أبي بكر بِمَالِه كلِّه قُلْنَا: (هَذَا لَا يَصح؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة هِشَام بن سعد وَهُوَ ضَعِيف. ثمَّ سَاقه كَمَا تقدم، وَهِشَام)
стр. 4416
قد احْتج بِهِ مُسلم، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ.
تَنْبِيهَانِ:
الأول: زَاد رُزين فِي «كِتَابه» فِي هَذَا الحَدِيث زِيَادَة غَرِيبَة، وَهِي: «فَأَتَى أَبُو بكر بكلِّ مَاله وَقد تخَلّل العباءة» . وَلم يعزها ابْن الْأَثِير فِي «جَامعه» .
الثَّانِي: وَقع فِي «وسيط الْغَزالِيّ» زِيَادَة غَرِيبَة أَيْضا، وَهِي: أنَّه ﷺ قَالَ فِي آخِرِه: « (بَيْنكُمَا كَمَا بَين كلمتيكما) » .
قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : وَهِي غَرِيبَة لَا تعرف.
الحَدِيث التَّاسِع
«أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ بصدقةٍ، بِمثل الْبَيْضَة من الذَّهَب، فَقَالَ للنَّبِي (: خُذْهَا؛ فَهِيَ صَدَقَة، وَمَا أملك غَيرهَا. فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله ﷺ ، إِلَى أَن أعَاد عَلَيْهِ القَوْل ثَلَاث مراتٍ، ثمَّ أَخذهَا و (رَمَاه) بهَا رميةً، لَو أَصَابَته لَأَوْجَعَتْهُ ثمَّ قَالَ: يَأْتِي أحدكُم بِمَا يملك، فَيَقُول: هَذِه صَدَقَة، ثمَّ يقْعد يَتَكَفَّف وُجُوه النَّاس، خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غِنَىً» .
هَذَا الحَدِيث حسن، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فى «سنَنه» من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة، عَن مَحْمُود بن لبيد، عَن جَابر
стр. 4417
بن عبد الله الْأنْصَارِيّ ﵁ قَالَ: كُنَّا عِنْد رَسُول الله ﷺ إِذْ جَاءَ رجل بِمثل بَيْضَة من ذهب، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، أصبتُ هَذِه من مَعْدن، فَخذهَا فَهِيَ صَدَقَة، مَا أملك غَيرهَا. فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله ﷺ ثمَّ أَتَاهُ من قِبَل رُكْنه الْأَيْمن؛ فَقَالَ مثل ذَلِك؛ فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله. (ثمَّ أَتَاهُ) من قِبَل رُكْنه الْأَيْسَر، فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله ﷺ ثمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلفه؛ أَخذهَا النَّبِي ﷺ فَحَذَفه بهَا، فَلَو أَصَابَته لَأَوْجَعَتْهُ أَو لَعَقَرته، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : يَأْتِي أحدكُم بِمَا يملك، فَيَقُول: هَذِه صدقتي، ثمَّ يقْعد (يَسْتَكِف) النَّاس، خير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهرْ غِنىً» .
وَإِسْنَاده جيد، لَوْلَا عنعنة ابْن إِسْحَاق.
وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من طَرِيقه، لِأَنَّهُ ذكر ابْن إِسْحَاق فِي «ثقاته» وانتصر لنَفسِهِ، كَمَا أسلفناه عَنهُ فِي الصَّلَاة، وَلَفظه فِي إِيرَاده عَن جَابر قَالَ: « (إِنِّي لعِنْد) رَسُول الله ﷺ ، إذْ جَاءَهُ رجل بِمثل الْبَيْضَة من (ذِهب) قد أَصَابَهَا من بعض الْمَغَازِي، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، خُذ هَذِه منِّي صَدَقَة، فواللَّهِ مَا أصبح لي مَال غَيرهَا. قَالَ: فَأَعْرض عَنهُ رَسُول الله ﷺ فَجَاءَهُ مِنْ شِقِّه الآخر [فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك] فَأَعْرض عَنهُ، ثمَّ جَاءَهُ من قِبَل وَجهه، فَأَخذهَا مِنْهُ فَحَذفهُ بهَا حَذْفَةً (لَو أَصَابَهُ
стр. 4418
عقره) أَو أوجعهُ) ثمَّ قَالَ: يَأْتِي أحدكُم إِلَى جَمِيع مَا يملك فَيتَصَدَّق بِهِ، ثمَّ يقْعد يَتَكَفَّف الناسَ، إِنَّمَا الصَّدَقَة عَن ظهر غِنَىً، خُذْ عَنَّا مَالك؛ لَا حَاجَة لنا بِهِ» .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» أَيْضا من جِهَته ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَمرَاده فِي المتابعات لَا فِي الْأُصُول، لَا جرم قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي «تَخْرِيجه لأحاديث المهذَّب» : إِنَّه حَدِيث حسنٌ وَحَدِيث جَابر الْآتِي فِي كتاب الْعتْق «ابدأ بِنَفْسِك فتصدَّق عَلَيْهَا» . فِي قصةٍ مَعَ الْمُدبر شاهدٌ لَهُ.
فَائِدَة: قَوْله: «حذفه» : اخْتُلِفَ فِي ضَبطه؛ هَل هُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة أَو بِالْمُعْجَمَةِ، فقيده النَّوَوِيّ فِي «شرح المهذَّب» فِي هَذَا الْبَاب بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَكَذَا ابْن [معن] فِي «تنقيبه» قَالَ: وَهُوَ الْإِلْقَاء بباطن الْكَفّ، قَالَ: ويُرْوى بِالْخَاءِ - يَعْنِي بِالْمُعْجَمَةِ - قَالَ: (وَهُوَ الْإِلْقَاء بأطرف الْأَصَابِع. وَقَالَ صَاحب (المستعذب عَلَى الْمُهَذّب) : حذفه: رَمَاه بهَا) وأصل الْحَذف الرَّمْي بالعصا والخذف: الرَّمْي بالحصا. وَكَذَا قَالَ القلعي: «حذفه» بِالْحَاء الْمُهْملَة، قَالَ: وَلَو رُوي: «فقذفه بهَا قذفة» لَكَانَ أصوب؛ لِأَن الْقَذْف بِالْحجرِ، والحذف بالعصا، وَأما الْخذف - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة -: فَلَا مَعْنَى لَهُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون بالحصاة وَنَحْوهَا، وتُجعل بَين السبَّابتين ويرمى بهَا. وَقَالَ الْحَافِظ محب الدَّين فِي «أَحْكَامه» : إِنَّه لَا
стр. 4419
يبعد أَن تكون الرِّوَايَة بِالْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ الظَّاهِر. وَفِي «حَوَاشِي السّنَن» لِلْمُنْذِرِيِّ فِي بَاب عَطِيَّة من سَأَلَ بِاللَّه من كتاب الزَّكَاة الْخذف - بِالْخَاءِ والذال المعجمتين - الرَّمْي بالحصا، والحذف - بِالْحَاء الْمُهْملَة - الرمى بالعصا، و «الْعقر» : الْجرْح هَاهُنَا، وَيسْتَعْمل أَيْضا فِي الْقَتْل والهلاك، و «رُكْنه» جَانِبه وَفِي «يَتَكَفَّف» تأويلات: أَحدهَا: (يمد) كَفه للسؤال، (أَي: يتَعَرَّض لَهَا وَيَأْخُذ الصَّدَقَة بكفه) ، ثَانِيهَا: يَأْتِيهم من (كففهم أَي) من جوانبهم ونواحيهم. ثَالِثهَا: أَن يسألهم كفًّا من طَعَام. رَابِعهَا: يطْلب مَا يكف بِهِ الجوعة. حكاهن صَاحب «المستعذب عَلَى المهذَّب» وَمن الْأَخير: «يَتَكَفَّفُونَ النَّاس» ووقعَ فِي بعض كتب الْفُقَهَاء: «يَتَكَفَّف» بدل «يَسْتَكِف» ، وَهُوَ مَا فِي «صَحِيح ابْن حبَان» كَمَا أسلفته، (وهما صَحِيحَانِ، قَالَ أهل اللُّغَة: يُقَال فِيهِ: تكفف واستكف) وَقَوله: «عَن ظهر غِنىً» : قَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَاهُ: عَن غِنىً [يعتمده] ويستظهر بِهِ عَلَى النوائب. وَذكر الْمَاوَرْدِيّ - من أَصْحَابنَا - لَهُ مَعْنيين، أَحدهمَا: هَذَا، وَثَانِيهمَا: أَن مَعْنَاهُ: الِاسْتِغْنَاء عَن أَدَاء الْوَاجِبَات. قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح المهذَّب» : وَالأَصَح مَا قَالَه غَيرهمَا: أَن المُرَاد غِنى النَّفس، أَي: إِنَّمَا تَصلح الصَّدَقَة لمن قويت نَفسه واستغنت بِاللَّه، وثبَّت نَفسه وصبر عَلَى الْفقر.
стр. 4420
وَالْقَاضِي حُسَيْن قَالَ: مَعْنَى قَوْله: «عَن ظهْر غِنىً» أَي: (وَرَاء) الغِنى، قَالَ (ابْن) دَاوُد - من أَصْحَابنَا -: قيل: لم يسْبق الرَّسُول ﷺ إِلَى هَذِه اللَّفْظَة.
وَذكر الرافعيُّ فِي الْبَاب أثرا وَاحِدًا، وَهُوَ: عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه: «أَنه كَانَ يشرب من سقايات بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، فَقيل (لَهُ) : أتشرب من الصَّدَقَة؟ فَقَالَ: إِنَّمَا حرم (الله) علينا الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة» .
وَهَذَا الْأَثر بَيَّض لَهُ المنذريُّ ثمَّ النوويُّ، وَهُوَ فِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» و «الْمعرفَة» ، قبل اللّقطَة: قَالَ الشافعيُّ: أَنا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه: «أَنه كَانَ يشرب من سقايات كَانَ يَضَعهَا النَّاس بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، فَقلت لَهُ - أَو: قيل لَهُ -: (أتشرب من الصَّدَقَة؟) فَقَالَ: إِنَّمَا حرمت علينا الصَّدَقَة الْمَفْرُوضَة» .
وَقَالَ فِي «الْمعرفَة» قبيل النِّكَاح: رُوي عَن أبي جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عليّ، وَهُوَ فِي «الْأُم» أَيْضا، قَالَ ابْن دَاوُد: وَقَول جَعْفَر بن مُحَمَّد ذَلِك (لين) لِأَن المَاء الْمَوْضُوع عَلَى الطَّرِيق صَدَقَة تطوع، بل طَرِيقه طَرِيق الْإِبَاحَة، إِذْ الصَّدَقَة يملكهَا المتصدَّق عَلَيْهِ ملكا مُفِيدا
стр. 4421
للتَّصَرُّف، وَلَكِن اسْتعْمل جَعْفَر فِي الْجَواب مَا هُوَ أظهر وَأبين، هَذَا كَلَامه، لَكِن سُؤال السَّائِل لَهُ عَن ذَلِك لأجل الْخَبَر يدل عَلَى أَنه من الصَّدَقَة، وَإِلَّا لما كَانَ للسؤال عَن ذَلِك مَعْنَى.
أخِرُ رُبْع الْمُعَامَلَات.
стр. 4422
كتاب النِّكَاح
стр. 4423
كتاب النِّكَاح
بَاب مَا جَاءَ فِي فَضله
ذكر فِيهِ ﵀ حديثين:
أَحدهمَا
قَوْله ﵇: «تنكاحوا تكثروا» .
وَهُوَ حَدِيث ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» عَن الشَّافِعِي بلاغًا، فَقَالَ: قَالَ الشَّافِعِي: وبلغنا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «تنكاحوا تكثروا؛ فَإِنِّي أُبَاهي بكم الأُمم، حَتَّى بِالسقطِ» .
وَكَذَا هُوَ فِي «الْأُم» و «الْمُخْتَصر» وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» مُسْندًا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «انْكَحُوا؛ فَإِنِّي مكاثرٌ بكم» .
وَفِي إِسْنَاده: طَلْحَة بن عَمرو، وَقد ضَعَّفُوهُ، ويغني عَنهُ حديثُ أنسٍ الْآتِي، وأحاديثُ أُخر صَحِيحَة فِي مَعْنَاهُ:
مِنْهَا: حَدِيث معقل بن يسَار - رَفعه: - «تزوَّجوا الْوَلُود الْوَدُود؛ فَإِنِّي مكاثرٌ بكم الْأُمَم» .
стр. 4424
أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، وسيأتى فِي صفة المخطوبة - إِن شَاءَ الله.
وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» من حَدِيث أبي أُمَامَة - رَفعه -: «تزوجوا؛ فَإِنِّي مُكَاثِر بكم الْأُمَم، وَلَا تَكُونُوا كرهبانية النَّصَارَى» .
وَفِي إِسْنَاده: مُحَمَّد بن ثَابت الْعَبْدي، وَقد وثَّقه (لوين) وَضَعفه غَيره.
وَفِي «سنَنه» أَيْضا من حَدِيث أنس - رَفعه -: «تزوجوا الْوَلُود الْوَدُود؛ فَإِنِّي مكاثرٌ بكم الْأَنْبِيَاء يَوْم الْقِيَامَة» .
وَفِي إِسْنَاده: ابْن إِسْحَاق، وَقد صرَّح بِالتَّحْدِيثِ، وَسَيَأْتِي أَيْضا فِي الْبَاب الْمَذْكُور.
وَفِي «مُعْجم الصَّحَابَة» لِابْنِ قَانِع من حَدِيث عَاصِم بن عَلّي، ثَنَا مُحَمَّد بن الْفضل، ثَنَا مُحَمَّد بن سوقة، عَن مَيْمُون (بن) أبي شبيب، عَن حَرْمَلَة بن النُّعْمَان - رَفعه -: «امْرَأَة ولود أحب إِلَى الله من امْرَأَة حسناء لَا تَلد؛ إِنِّي مكاثرٌ بكم الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة» .
стр. 4425
الحَدِيث الثَّانِي
عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «النِّكَاح سُنَّتي؛ فَمَنْ رغب عَن سنتي فَلَيْسَ منيِّ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» من حَدِيث عِيسَى بن مَيْمُون، عَن الْقَاسِم، عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «النِّكَاح من سُنَّتي؛ فَمَنْ لم يعْمل بسُنَّتي فَلَيْسَ منيِّ، وَتَزَوَّجُوا؛ فَإِنِّي مكاثرٌ بكم الْأُمَم، ومَنْ (كَانَ) ذَا طول فَلْيَنْكِح، ومَنْ لم يجد فَعَلَيهِ بالصيام؛ فَإِن الصَّوْم وجاءٌ لَهُ» .
وَعِيسَى هَذَا ضَعِيف.
ويغني عَنهُ حديثِ أنسٍ الثابتُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» : «أَن نَفرا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ قَالَ بَعضهم: لَا أتزوجُ، وَقَالَ بَعضهم: أصلِّي وَلَا أَنَام، وَقَالَ بَعضهم: أصومُ وَلَا أفطر، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: مَا بَال أَقوام قَالُوا كَذَا وَكَذَا! لكني أَصوم وَأفْطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النِّسَاء؛ فَمَنْ رغب عَن سُنَّتي فَلَيْسَ منيِّ» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَورد فِيهِ غير ذَلِك من الْأَخْبَار، وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فلنذكَر عشرَة مِنْهَا:
стр. 4426
أَحدهَا: حَدِيث عبد الله بن عَمرو بن العَاصِي رَفعه -: «الدُّنْيَا مَتَاع، وَخير متاعها الْمَرْأَة الصَّالِحَة» .
رَوَاهُ مُسلم.
وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي «أكبر معاجمه» :
«الدُّنْيَا مَتَاع، وَخير متاعها الزَّوْج الصَّالح» .
ثَانِيهَا: حَدِيث سعيد بن جُبَير قَالَ: «قَالَ لي ابْن عَبَّاس: تزوَّجت؟ قلت: لَا، قَالَ: تزوَّجْ؛ فَإِن خير هَذِه الأُمة كَانَ أَكْثَرهم نسَاء - يَعْنِي: رَسُول الله ﷺ » .
رَوَاهُ البُخَارِيّ.
ثَالِثهَا: حَدِيث الْحسن، عَن سَمُرَة ﵁: «أَن رَسُول الله ﷺ نهَى عَن التبتل، وَقَرَأَ قَتَادَة (وَلَقَد أرسلنَا رسلًا من قبلك وَجَعَلنَا لَهُم أزاوجًا وذرية) رَوَاهُ ابْن مَاجَه، وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن غَرِيب. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عَائِشَة، قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَيُقَال أَنه حَدِيث صَحِيح. وَقَالَ (النَّسَائِيّ) : إِنَّه أشبه بِالصَّوَابِ من حَدِيث سَمُرَة.
стр. 4427
رَابِعهَا: حَدِيث أبي أَيُّوب ﵁ رَفعه -: «أَربع من سنَن الْمُرْسلين: الْحيَاء، والتعطر، والسواك، وَالنِّكَاح» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن غَرِيب. وَقد أسلفنا الكلامَ عَلَيْهِ وَاضحا فِي الْكَلَام عَلَى السِّوَاك فِي أول الْكتاب.
خَامِسهَا: حَدِيث ابْن جريج، عَن [عمر بن] عَطاء، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا صرورة فِي الْإِسْلَام» . رَوَاهُ أَحْمد (وَأَبُو دَاوُد، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: رِجَاله كلهم ثِقَات. وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» ) . وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَقَالَ: إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ (وَلم يخرجَاهُ وَقَالَ النَّوَوِيّ: بعضه عَلَى شَرط مُسلم، وَبَاقِيه عَلَى شَرط البُخَارِيّ) قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين فِي (الإِمَام) : وَهَذَا بِنَاء عَلَى أَن عُمرَ بن عَطاء هُوَ ابْن أبي الخوار، وَلَو كَانَ (الْأَمر) كَذَلِك لَكَانَ الْأَمر عَلَى مَا قَالَه الْحَاكِم وَالْمُنْذِرِي -
стр. 4428
أَي: وَالنَّوَوِيّ - وَلَكِن ابْن عدي ذكر لعمر بن عَطاء بن وراز تَرْجَمَة أورد لَهُ فِيهَا (هَذَا الحَدِيث من جِهَة عِيسَى بن يُونُس، عَن ابْن جريج، وَمن جِهَة أبي خَالِد الْأَحْمَر) عَن ابْن جريج وَقَالَ فِي آخر التَّرْجَمَة: ولعُمر بن عَطاء غير مَا ذكرتُ من الحَدِيث، وَهُوَ قَلِيل الحَدِيث، وَلَا أعلم رَوَى عَنهُ غير ابْن جريج، وَذكر عَن عَبَّاس الدوري، عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ: عمر بن عَطاء الَّذِي يروي عَنهُ ابْن جريج، يحدِّث عَن عِكْرِمَة؛ لَيْسَ (هُوَ) بِشَيْء، وَهُوَ ابْن وراز، وهُمْ يضعّفونه [فِي] كلَّ شَيْء عَن عِكْرِمَة، هُوَ (عمر) بن عَطاء بن وراز، وَعمر بن عَطاء بن أبي الخوار ثِقَة (و) هُوَ الَّذِي يحدِّث عَنهُ أَيْضا ابْن جريج. وَقَالَ النَّسَائِيّ: عمر بن عَطاء بن وراز ضَعِيف. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ أَحْمد: لَيْسَ بالقويّ فِي الحَدِيث.
قلت: وَكَذَا فهم مَا فهمه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين، الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي، وَذكر فِي «أَطْرَافه» عقب هَذَا الحَدِيث قولة يَحْيَى بن معِين السالفة، و (غلَّط) ابْن طَاهِر، الْحَاكِم فِي دَعْوَاهُ السالفة فِي «تَخْرِيجه لأحاديث الشهَاب» ثمَّ تبيَّن - بِفضل الله ومَنِّه - أَن مَا (قَالَه) الْحَاكِم هُوَ الصَّوَاب.
стр. 4429
قَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» : ثَنَا أَبُو يزِيد (القراطيسي) ، ثَنَا حجاج بن إِبْرَاهِيم الْأَزْرَق - وَهُوَ من الثِّقَات - ثَنَا عِيسَى بن يُونُس، عَن ابْن جريج، عَن عمر بن عَطاء بن (أبي) الخوار، عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لَا صرورة فِي الْإِسْلَام» .
فَثَبت بِهَذَا أَن عمر بن عَطاء بن أبي الخوار يرويهِ أَيْضا - وَللَّه الْحَمد - وَهُوَ لم يَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالْحَاكِم مَنْسُوبا.
(فَائِدَة) : الصرورة - بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة -: الَّذِي لم يتَزَوَّج، وَالَّذِي لم يحجّ أَيْضا، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الصرورة فِي الْجَاهِلِيَّة: مَنْ لم يتزوَّج، وَفِي الْإِسْلَام: مَنْ لم يحجّ، حَكَاهُ الْمُطَرز.
سادسها: حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لم يُر (للمتحابين) مِثْلَ (التَّزَوُّج) » .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَقَالَ: صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم، وَلم يخرجَاهُ؛ لِأَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَمعمر بن رَاشد (أوقفاه) عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة، عَن ابْن عَبَّاس. وَرَوَاهُ
стр. 4430
الْبَيْهَقِيّ مُرْسلا، وَقَالَ الْعقيلِيّ: وقْفه أوْلى.
قلت: وَفِي إِسْنَاده: مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي، وَفِيه مقَال، وَمُسلم أخرج لَهُ؛ فَصَحَّ قَول الْحَاكِم أَنه عَلَى شَرطه.
سابعها: حَدِيث عَائِشَة ﵂:
أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «تزوَّجوا النِّسَاء؛ فَإِنَّهُنَّ يأتيَنكم بِالْمَالِ» .
(رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي «كِتَابه» وتلميذه الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «مُسْتَدْركه» وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم، وَلم يخرجَاهُ؛ لِتَفَرُّد [سلم] بن جُنَادَة بِسَنَدِهِ، و [سلم] ثِقَة مَأْمُون.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» عَن [الرّبيع بن نَافِع] عَن حَمَّاد،
стр. 4431
عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه عُرْوَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «انْكَحُوا النِّسَاء؛ فَإِنَّهُنَّ يَأْتينكُمْ بِالْمَالِ) » .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : وَهُوَ أصح من الْمسند.
ثامنها: من حَدِيث ابْن جريج، عَن مَيْمُون [أبي] الْمُغلس، عَن أبي نجيح و (هُوَ) أَبُو عبد الله بن أبي نجيح قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «مَنْ كَانَ مُوسِرًا لِأَن ينْكح فَلم ينْكح؛ فَلَيْسَ منا» .
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ: هُوَ مُرْسل. وَكَذَا قَالَ الدولابي فِي «كُنَاه» أَنه مُرْسل. وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي «مُعْجَمه» : يُشك فِي صحبته.
ثمَّ رَوَى لَهُ مَعَ هَذَا الحَدِيث حَدِيثا آخر، وَذكره ابْن عبد الْبر فِي
стр. 4432
«استيعابه» فِي جملَة الصَّحَابَة وَقَالَ: (لَهُ) حَدِيث وَاحِد فِي النِّكَاح، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» وَهُوَ يُقَوي مَا تقدم عَن الْبَيْهَقِيّ ومَنْ وَافقه.
تاسعها: حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «ثَلَاثَة حق عَلَى الله [أَن] يعينهم: الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله، والناكح يُرِيد أَن يستعفف، وَالْمكَاتب يُرِيد الْأَدَاء» .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن. وَالْحَاكِم فِي موضِعين من «مُسْتَدْركه» فِي هَذَا الْبَاب، وَبَاب الْكِتَابَة، وَقَالَ فيهمَا: إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَرَوَاهُ (ابْن) حبَان فِي «صَحِيحه» أَيْضا. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : اخْتلف فِي رفْعِهِ وَوَقفه، ورفْعُهُ صَحِيح.
عَاشرهَا: حَدِيث أنس بن مَالك ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ رزقه الله امْرَأَة صَالِحَة فقد أَعَانَهُ عَلَى شطر دينه، فليَتَّق الله فِي الشّطْر الثَّانِي» .
رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» عَن الْأَصَم، ثَنَا أَحْمد بن عِيسَى اللَّخْمِيّ، ثَنَا عمر بن أبي سَلمَة التنيسِي، ثَنَا زُهَيْر (بن) مُحَمَّد،
стр. 4433
أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن زيد، عَن أنس بِهِ، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. قَالَ: وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن عقبَة الْأَزْدِيّ مدنِي ثِقَة مَأْمُون.
وَفِي «تَلْخِيص (الْمُتَشَابه) » من حَدِيث أنس أَيْضا مَرْفُوعا: «مَنْ تزوج امْرَأَة فقد أُعْطِي نصف الْعِبَادَة» وَفِي إِسْنَاده: زيد العمِّي، وَهُوَ ضَعِيف.
وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» و «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «لمَّا نزلت هَذِه الْآيَة: (وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة) كَبُر ذَلِك عَلَى الْمُسلمين، قَالَ عمر ﵁: أَنا أُفَرِّج عَنْكُم؛ فَانْطَلقُوا، فَقَالَ: يَا نَبِي الله؛ إِنَّه كبُر عَلَى أَصْحَابك هَذِه الْآيَة! فَقَالَ: إِنَّه مَا فرض الزَّكَاة إِلَّا ليطيب مَا بَقِي من أَمْوَالكُم، وَإِنَّمَا فُرِضَتْ الْمَوَارِيث لتَكون لمن بعدكم. قَالَ: فَكبر عُمرُ ﵁ وَقَالَ: أَلا أخْبركُم بِخَير مَا يكنز: الْمَرْأَة الصَّالِحَة؛ إِذا نظر إِلَيْهَا سرَّته، وَإِذا أمرهَا أَطَاعَته، وَإِذا غَابَ عَنْهَا حفظته» .
قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح عَلَى شَرط (الشَّيْخَيْنِ) وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ
стр. 4434
الشَّيْخ تَقِيّ الدِّيْن فِي (الإِمَام) فِي كتاب الزَّكَاة: اخْتلف فِي إِسْنَاده. ثمَّ ذكره مُبينًا (وَالْحَمْد لله حق حَمده) .
стр. 4435
بَاب فِي خَصَائِص رَسُول الله ﷺ -
ذكر فِيهِ ﵀ تِسْعَة وَثَلَاثِينَ حَدِيثا:
الحَدِيث الأول
رُوي أنَّه ﷺ قَالَ: «كُتِب عليَّ رَكعَتَا الضُّحَى، وهما لَكمَا سُنَّة» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث (ابْن عَبَّاس) ﵁ وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف بمرَّة، تقدم بَيَانه فِي صَلَاة النَّفْل وَاضحا بِكَلَام الْأَئِمَّة فِيهِ.
وَفِي «مُسْند أَحْمد» من حَدِيث جَابر الْجعْفِيّ، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس - رَفعه -: «أُمرت بركعتي الضُّحَى، وَلم تُؤمروا بهَا، وأُمرت بالأضحى وَلم يُكتب عَلَيْكُم» .
وَفِي لفظ لَهُ: «كُتب عليَّ النَّحْر، وَلم يُكتب عَلَيْكُم، وَأمرت بركعتي الضُّحَى، وَلم تؤمروا بهَا» .
وَجَابِر عرفتَ حالَه فِي غير مَا موضعٍ، وَقد سلف فِي الْموضع الْمشَار إِلَيْهِ أَيْضا.
стр. 4436
الحَدِيث الثَّانِي
رُوي: أنَّه ﷺ قَالَ: «ثَلَاث كُتبت عليَّ وَلم تُكتب عَلَيْكُم: السِّوَاك، وَالْوتر وَالْأُضْحِيَّة» .
هَذَا الحَدِيث هُوَ الَّذِي قبله، وَإِن غاير الرَّافِعِيّ بَينهمَا، وَلم أر فِيهِ السِّوَاك. وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» من حَدِيث أم سَلمَة مَرْفُوعا: «مازال جِبْرِيل يوصيني بِالسِّوَاكِ، حَتَّى خشيتُ (أَن يدردرني) .
قَالَ البُخَارِيّ: هَذَا حَدِيث حسن، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رَوَى عبد الله بن حَنْظَلَة بن أبي عَامر: «أَن رَسُول الله ﷺ أُمِرَ بِالْوضُوءِ لكل صلاةٍ، طَاهِرا وَغير طَاهِر، فلمَّا شَقَّ ذَلِك عَلَيْهِ: أُمِرَ بِالسِّوَاكِ لكلِّ صلاةٍ» .
قلت: وَهُوَ حَدِيث صَحِيح، كَمَا سلف فِي بَاب السِّوَاك.
الحَدِيث الثَّالِث
عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «ثلاثٌ هِيَ عليَّ فَرِيضَة، وَهِي لكم سُنَّة: الْوتر، والسواك، وَقيام اللَّيْل» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ البيهقيُّ فِي «خلافياته» و «سنَنه» من حَدِيث مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن الصَّنْعَانِيّ، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «ثَلَاثَة عليَّ فَرِيضَة، وَهِي لكم سُنَّة ... » الحَدِيث.
стр. 4437
ثمَّ قَالَ: مُوسَى هَذَا: ضَعِيف جدًّا، وَلم يثبت فِي هَذَا إِسْنَاد. وَقَالَ ابْن حبَان: (مُوسَى بن) عبد الرَّحْمَن هَذَا: دجَّالٌ (وضع) عَلَى ابْن جريج، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس كتابا فِي التَّفْسِير، وَقَالَ ابْن عدي: مُنكر الحَدِيث.
الحَدِيث الرَّابِع
«أنَّه ﷺ خيرَّ نِسَاءَهُ» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن «أَن عَائِشَة أخْبرته أَن رَسُول الله ﷺ ) جاءها حِين أمره الله تَعَالَى [أَن يُخَيّر أَزوَاجه] قَالَت: فَبَدَأَ بِي فَقَالَ: إِنِّي ذاكرٌ لكِ أمْرًا؛ فَلَا عليكِ أَن (لَا) تَسْتَعْجِلي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك، وَقد عَلِمَ أَن أَبَوي لم يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، ثمَّ قَالَ: إِن الله قَالَ: (يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك) إِلَى تَمام الْآيَتَيْنِ، فَقلت لَهُ: فِي هَذَا أَستَأْمر أَبَوي؟ فَإِنِّي أُرِيد اللَّهَ ورسولَهُ والدارَ الْآخِرَة» .
وَفِي رِوَايَة لَهما: «وفَعَلَ أَزوَاج النَّبِي ﷺ مثل مَا فعلت» .
وَفِي رِوَايَة لَهما: «خيَّرنا رَسُول الله ﷺ فَلم يعدهَا شَيْئا» .
стр. 4438
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَالْمعْنَى فِي إِيجَاب الله عَلَى رسولِهِ تَخْيِير نِسَائِهِ بَين مُفَارقَته وَاخْتِيَار زِينَة الدُّنْيَا وَبَين اخْتِيَاره، فَقَالَ: (يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك) الْآيَة، أَنه ﵇: آثَرَ لنَفسِهِ الْفقر وَالصَّبْر (عَلَيْهِ فَأمر بتخييرهن لِئَلَّا يكون مكْرها لَهُنَّ عَلَى الْفقر وَالصَّبْر) .
قلت: فِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: حَدثنِي عُمرُ بْنُ الْخطاب، وَذكر الحديثَ فِي اعتزال النَّبِي ﷺ نِسَاءَهُ، قَالَ: «فدخلتُ عَلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ مُضْطَجع عَلَى حَصِير قد أثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فجلستُ فبكيتُ، فَقَالَ: مَا يبكيك يَا عمر؟ ! فَقلت: يَا رَسُول الله - (- إِن كسْرَى وَقَيْصَر فِيمَا هما فِيهِ وَأَنت رَسُول الله! فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : أما ترْضَى أَن تكون لَهُم الدُّنْيَا، وَلنَا الْآخِرَة؟» .
مختصرٌ مِنْهُمَا.
وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث أَبَى هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «اللَّهُمَّ اجْعَل رزْقَ آل محمدٍ قُوتًا» .
الحَدِيث الْخَامِس
«أنَّه ﷺ كَانَ يجب عَلَيْهِ إِذا رَأَى مُنْكرا أَن يُنكر عَلَيْهِ ويغيِّره» .
стр. 4439
هَذَا صَحِيح، فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت: «مَا خُيرِّ رَسُول الله ﷺ بَين أَمريْن إِلَّا أَخذ أيْسَرَهما مَا لم يكن إِثْمًا، فَإِذا كَانَ إِثْمًا كَانَ أبْعَدَ النَّاس مِنْهُ، وَمَا انتقم رَسُول الله ﷺ لنَفسِهِ إِلَّا أَن تُنْتَهَكَ حُرْمَة الله؛ فينتقم للَّهِ» .
الحَدِيث السَّادِس
«أنَّه ﷺ كَانَ يجب عَلَيْهِ مصابرة العدوِّ وإنْ كَثُرَ عَدَدُهم» .
هَذَا مَشْهُور فِي كتب أَصْحَابنَا، وَلم يُبَوِّب لَهُ الْبَيْهَقِيّ بَابا، وَقد بوَّب لخصائص رَسُول الله ﷺ .
الحَدِيث السَّابِع
«أنَّه ﷺ كَانَ يجب عَلَيْهِ قَضَاء دَيْنِ مَنْ مَاتَ مُعسرا من الْمُسلمين» .
هَذَا صَحِيح، وَقد سلف حَدِيث أبي هُرَيْرَة الشَّاهِد بذلك فِي آخِرِ بَاب الضَّمَان.
الحَدِيث الثَّامِن
قيل: «كَانَ يجب عَلَيْهِ (إِذا رَأَى شَيْئا يُعجبهُ (أَن) يَقُول: لبيْك، إِن الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة» .
هَذَا مرويٌ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» بعد أَن بوَّب عَلَى وفْق ذَلِك،
стр. 4440
فَقَالَ: بابٌ: كَانَ إِذا رَأَى شَيْئا يُعجبهُ قَالَ: لبيْك إِن الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة.
هَذِه كلمة صدرت من رَسُول الله ﷺ فِي أنعم حَاله يَوْم حِجة (الْوَدَاع) بِعَرَفَة، كَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي، عَن سعيد (عَن) ابْن جريج، عَن حميد الْأَعْرَج، عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: «كَانَ النَّبِي ﷺ يُظْهِرُ من التَّلْبِيَة: لبيْك ... » الحَدِيث.
وَقد سلف فِي الْحَج بِطُولِهِ، فِي بَاب سنَن الْإِحْرَام فِي الحَدِيث الثَّامِن عشر مِنْهُ قَالَ: وصدرتْ هَذِه الْكَلِمَة أَيْضا مِنْهُ فِي أَشد حَاله وَهُوَ يَوْم الخَنْدَق، وَهُوَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» من حَدِيث سهل بن سعد قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ بالخندق وَهُوَ يحْفر وَنحن ننقل [التُّرَاب] فَبَصُرَ بِنَا، فَقَالَ:
اللَّهُمَّ لَا عَيْش إِلَّا عَيْش الْآخِرَة
فَاغْفِر للْأَنْصَار والمهاجرة» .
الحَدِيث التَّاسِع
عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «مَا مَاتَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى أُحلَّ لَهُ النِّسَاء - تَعْنِي: اللَّاتِي (حُظِرْنَ) عليهِ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الْأُم» عَن سُفْيَان، عَن عَمرو، عَن عَطاء، عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: «مَا مَاتَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاء» .
стр. 4441
قَالَ الشَّافِعِي: كَأَنَّهَا تَعْنِي اللَّاتِي (حُظِرْنَ) عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى: (لَا يحل لَك النِّسَاء) .
وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» عَن سُفْيَان إِلَى قَوْله (النِّسَاء) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور أَيْضا.
وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» وَلَفظه: «حَتَّى أُحِلَّ لَهُ من النِّسَاء مَا شَاءَ» . وَفِي رِوَايَة للنسائي: «حَتَّى أُحِلَّ لَهُ أَن يتزوَّج من النِّسَاء مَا شَاءَ» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» بِلَفْظ: «حَتَّى أحَلَّ الله لَهُ أَن يتزوَّج» . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ التِّرْمِذِيّ، ومَنْ وَافقه، ثمَّ ذكر كَلَام الشَّافِعِي السالف، قَالَ: وأحسبُ قَوْل عَائِشَة: «أُحِلَّ لَهُ النِّسَاء» بقول الله تَعَالَى: (يَا أَيهَا النَّبِي إِنَّا أَحللنَا لَك أَزوَاجك اللاتى آتيت أُجُورهنَّ (إِلَى قَوْله: (خَالِصَة لَك من دون الْمُؤمنِينَ) . وَبِهَذَا الْجَواب أجَاب ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» حَيْثُ قَالَ: يشبه أَن يكون الْمُصْطَفَى ﵇ حُرِّم
стр. 4442
عَلَيْهِ النِّسَاء مُدَّة ثمَّ أُحِلَّ لَهُ (من) النِّسَاء قَبْل مَوته تفضُّلاً تُفُضِّل عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يكون بَين الْخَبَر وَالْكتاب تضادٌ وَلَا تهاترٌ، قَالَ: وَالَّذِي يدل عَلَى هَذَا قولُ عَائِشَة: «مَا مَاتَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ من النِّسَاء» أرادتْ بذلك إِبَاحَة بعد حَظْرٍ متقدِم عَلَى ذَلِك.
الحَدِيث الْعَاشِر
«أَن النَّبِي ﷺ لمَّا نزلتْ آيةُ التَّخْيِير بَدَأَ بعائشة ﵂. وَقَالَ: إنى ذاكرٌ لكِ أمرا؛ فَلَا تبادريني بِالْجَوَابِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك» .
هَذَا الحَدِيث تقدم فِي الحَدِيث الرَّابِع، وَهَذَا مِنْهُ ﵇ عَلَى وَجه الْإِرْشَاد لَهَا؛ فَإِنَّهُ خشِي عَلَيْهَا لحداثة سِنِّهَا أَن تخْتَار زينةَ الدُّنْيَا فتتأذَّى هِيَ و [أبواها] .
الحَدِيث الْحَادِي عشر
قَالَ الرافعيُّ: وَمِنْهَا: «أنَّه ﷺ كَانَ لَا يَأْكُل البصلَ والثومَ والكُرَّاث» وَهل كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَان، أشبههما: لَا، وَلكنه كَانَ يمْتَنع كَيْلا يتأذَّى المَلَكُ بِهِ. وروُي: «أنَّه ﷺ أُتي بِقِدْرٍ فِيهَا بُقُولٌ، فَوَجَدَ لَهَا ريحًا، فَقَرَّبها إِلَى بعض أَصْحَابه وَقَالَ: كُلْ؛ فَإِنِّي أُناجي مَنْ لَا تُناجي» .
وَهَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من
стр. 4443
حَدِيث جَابر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ ثومًا أَو بصلاً فليتركْ مَسْجِدنَا (وليقعد) فِي بَيته، وأُتي بِقِدْرٍ فِيهِ خضراتٌ من الْبُقُول؛ فَوَجَدَ لَهَا ريحًا، فَسَأَلَ فأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُول، فَقَالَ: قرِّبوها - إِلَى بعض أَصْحَابه - فلمّا رَآهُ كَرِهَ أكْلَهَا، فَقَالَ: كُلْ، فَإِنِّي أُناجي مَنْ لَا تُناجي» .
فَائِدَة: رَوَى أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث: بَقِيَّة، عَن (بحير بن سعد) عَن خَالِد بن معدان، عَن أبي زيادٍ خِيَار بن سَلمَة قَالَ: «سألتُ عَائِشَة عَن أكْلِ البصل (فَقَالَت) : آخِرُ طعامٍ أَكَلَهُ رَسُول الله ﷺ وَفِيه بصل» .
هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَإِسْنَاده صَالح، وَأخرجه كَذَلِك أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» .
الحَدِيث الثَّانِي عشر
«أنَّه ﷺ كَانَ لَا يَأْكُل مُتكئا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَفِي «البُخَارِيّ» من حَدِيث أبي جُحَيْفَة ﵁ قَالَ: «كنتُ عِنْد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لرجلٍ عِنْده: أَنا لَا آكُلُ وَأَنا مُتَّكِئٌ» .
стр. 4444
وَرَوَاهُ أَيْضا أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» و «شمائله» وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه.
فَائِدَة: قَالَ الْخطابِيّ: المُتَّكِئُ - هُنَا - هُوَ الْجَالِس مُعْتَمدًا عَلَى وِطَاءٍ تَحْتَهُ. قَالَ: وَأَرَادَ أَنه لَا يقْعد عَلَى الوطاء والوسائد كفعْل مَنْ يُرِيد الْإِكْثَار من الطَّعَام؛ بل (يقْعد) مستوفزًا لَا مستوطنًا، وَيَأْكُل بُلْغَة. هَذَا كَلَام الْخطابِيّ، وَنَقله عَنهُ البيهقيُّ فِي «سنَنه» فِي بَاب الْأكل متكِئًا، وَأقرهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: فِيهِ بُعْدٌ. وَالْمَشْهُور أَن المُرَاد بالاتكاء فِي هَذَا الحَدِيث هُوَ الِاعْتِمَاد عَلَى أحد الْجَانِبَيْنِ، وَهَذِه الْهَيْئَة هِيَ الَّتِي نفاها النَّبِي ﷺ عَن نَفْسه؛ وَلِأَنَّهَا فِعْلُ المتكبرين والجبارين، وَيدل عَلَيْهِ الحَدِيث الْآتِي بعد ذَلِك: «أَنا عَبْدٌ، آكُلُ كَمَا (يَأْكُل العَبْد) » .
وَقَوله: «إِن الله جعلني عَبدًا كَرِيمًا، وَلم يَجْعَلنِي جبارًا عصيًّا» . وَجَاء فِي «صَحِيح مُسلم» عَن أنس قَالَ: «رأيتُ رَسُول الله ﷺ جَالِسا
стр. 4445
مُقْعِيًا يَأْكُل تَمرا» . والمُقْعِي هُوَ: الَّذِي يُلصق أليتيه بِالْأَرْضِ وَينصب سَاقيه.
وَأما حَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع: «أَن رَسُول الله ﷺ يَوْم خَيْبَر أكل مُتكئا» . فضعيفٌ جدًّا، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : قَالَ أبي: هَذَا حَدِيث بَاطِل.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
رُوِيَ: أنَّه ﷺ قَالَ: «أَنا آكلُ كَمَا يَأْكُل العبْد، وأجلس كَمَا يجلس العبْد» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «شعب الْإِيمَان» مُرْسلا عَن يَحْيَى بن أبي كثير: أَنه ﵊ قَالَ: «آكُلُ كَمَا يَأْكُل العَبْد، وأجلس كَمَا يجلس العَبْد،؛ فَإِنَّمَا أَنا عَبْدٌ» .
وَرَوَاهُ فِي «سنَنه» بِغَيْر إِسْنَاد فَقَالَ: رُوي: «أنَّه ﷺ كَانَ يَأْكُل مُقْعِيًا، وَيَقُول: أَنا عبد، آكل كَمَا تَأْكُل العبيد» .
وَذكره ابْن السكن فِي «صحاحه» بِغَيْر إسنادٍ، فَقَالَ: رُوِيَ: «أَنه ﵇ قَالَ: إِنَّمَا أَنا عَبْدٌ، أكُلُ كَمَا يَأْكُل العَبْد» .
وأسنده ابْن شاهين فِي «ناسخه ومنسوخه» (من) حَدِيث أنس: «بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ مُتكئا عَلَى طُعَيم لَهُ يَأْكُل إِذْ جَاءَهُ جِبْرِيل ﵇ -
стр. 4446
فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، أَلا إِن الاتكاء من النِّعْمَة، قَالَ: فَاسْتَوَى ﵊ قَاعِدا عِنْدهَا، ثمَّ قَالَ إِنَّمَا أَنا عبد، آكل كَمَا يَأْكُل العَبْد، وأشرب كَمَا يشرب العَبْد. قَالَ أنس: فَمَا رأيتُه مُتكئا بَعْدُ» .
وَرَوَاهُ أَيْضا فِي «ناسخه ومنسوخه» من حَدِيث عَطاء بن يسَار: «أَن جِبْرِيل نظر إِلَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّة يَأْكُل مُتكئا، فَقَالَ: أكْلُ الْمُلُوك! فَجَلَسَ» .
وَله طَرِيق آخر من حَدِيث عَائِشَة ﵂ رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه (الْوَفَاء» من طريقها قَالَت: «يَا رَسُول الله، كُلْ، جعلني الله فدَاك (مُتكئا) فَإِنَّهُ أَهْون عليكَ، قَالَ: آكل كَمَا يأكلُ العَبْد، وأجلس كَمَا يجلس العبْد» .
وَفِي سَنَده (عبيد الله بن الْوَلِيد الْوَصَّافِي) وَهُوَ مَتْرُوك.
وَأخرجه أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ فِي كِتَابه «أَخْلَاق النَّبِي ﷺ » من حَدِيث أبي معشر، عَن سعيد المَقْبُري، عَن عَائِشَة أَيْضا بِلَفْظ: «آكل كَمَا يَأْكُل العَبْد، وأجلس كَمَا يجلس العبْد» . و (أَبُو معشر) هَذَا هُوَ: نجيح السندي، وَهُوَ مُنكر الحَدِيث. وَله طَرِيق آخر من حَدِيث جَابر، أخرجه أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ من حَدِيث حَمَّاد بن زيد، عَن سعيد بن أبي صَدَقَة، عَن يَعْلى بن (حَكِيم) عَن جَابر - رَفعه -: «إِنَّمَا أَنا عبْد، آكل كَمَا يَأْكُل
стр. 4447
العَبْد، وأجلس كَمَا يجلس العَبْد» . وَهَذَا إِسْنَاد لَا أعلم بِهِ بَأْسا، و «يعْلى» الظَّاهِر أَنه النُّفَيْلِي وَهُوَ يروي عَن التَّابِعين، وَعنهُ حمادُ بْنُ زيد.
وَفِي « (سنَن) الْبَيْهَقِيّ» و «دَلَائِل النُّبُوَّة» (لَهُ) من حَدِيث بَقِيَّة بن الْوَلِيد، عَن الزبيدِيّ، عَن الزُّهْرِيّ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَبَّاس (قَالَ كَانَ ابْن عَبَّاس) يحدث: «أَن الله أرسل إِلَى نبيه ﵇ ملكا من الْمَلَائِكَة، مَعَه جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ المَلَكُ لرَسُول الله ﷺ : إِن الله يُخَيِّرك بَين أَن تكون عَبْدًا نبيًّا وَبَين أَن تكون مَلِكًا نَبِيًّا، فالتفتَ نَبِي الله ﷺ إِلَى جِبْرِيل ﵇ كالمستشير لَهُ؛ فَأَشَارَ جبريلُ إِلَى رَسُول الله ﷺ أنْ تواضع، فَقَالَ ﵇: بل أكون عبدا نبيًّا. قَالَ: فَمَا أَكَلَ بعد تِلْكَ الْكَلِمَة طَعَاما مُتكئا حَتَّى لَقِي (اللَّهَ) تَعَالَى» .
وَفِي «مُسْند أَحْمد» من حَدِيث أبي زرْعَة قَالَ: وَلَا أعلمهُ إِلَّا عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: «جلس جبريلُ إِلَى رَسُول الله ﷺ : فَنظر إِلَى السَّمَاء فَإِذا ملك ينزل فَقَالَ جِبْرِيل: إِن هَذَا الْملك مَا نزل مُنْذُ (يَوْم) خُلِقَ قَبْل السَّاعَة، فَلِمَ أنْزِلَ؟ ، قَالَ: يَا مُحَمَّد، أرْسَلني إِلَيْك ربُّك: أفَمَلَكًا نبيًّا يجعلك أَمْ عَبْدًا رَسُولا، قَالَ جِبْرِيل: تواضع لِرَبِّك يَا مُحَمَّد، قَالَ: بل عبدا رَسُولا» .
стр. 4448
الحَدِيث الرَّابِع عشر
«أنَّه ﷺ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إِذا لبس لأمته أَن يَنْزِعهَا، حَتَّى يَلْقَى العدوَّ ويقاتِلُ» .
هَذَا الحَدِيث ذكره البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» فِي بَاب قَول الله تَعَالَى (وشاورهم فِي الْأَمر) بِغَيْر إِسْنَاد، فَقَالَ: «وشاور النَّبِي ﷺ أَصْحَابه يَوْم أحد فِي الْمقَام وَالْخُرُوج، فَرَأَوْا لَهُ الْخُرُوج، فَلَمَّا لبس لأمته وعزم قَالُوا: أقِم. فَلم يمل إِلَيْهِم بعد الْعَزْم وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لنَبِيّ يلبس لأْمَتَهُ فَيَضَعهَا حَتَّى يحكم الله» .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من رِوَايَة أبي الْأسود، عَن عُرْوَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لنَبِيّ إِذا (أَخذ) لأمة الْحَرْب وَأذن فِي النَّاس بِالْخرُوجِ إِلَى الْعَدو أَن يرجع حَتَّى يُقَاتل» . وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل، ذكره ثمَّ قَالَ: هَكَذَا رَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة عَن الزُّهْرِيّ، وَكَذَلِكَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب «الْمَغَازِي» عَن شُيُوخه من أهل الْمَغَازِي وَهُوَ عَام فِي أهل الْمَغَازِي وَإِن كَانَ مُنْقَطِعًا.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد كتبناه مَوْصُولا بِإِسْنَاد حسن ... فَذكره من رِوَايَة ابْن عَبَّاس.
قلت: وَوَصله أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث جَابر أَيْضا قَالَ: حَدثنَا عَفَّان، ثَنَا حَمَّاد، أبنا أَبُو الزبير، عَن جَابر بن عبد الله أَن رَسُول
стр. 4449
الله (قَالَ: «رَأَيْت كَأَنِّي فِي درع حَصِينَة وَرَأَيْت بقرًا منحرة، فأولت أَن الدرْع الحصينة الْمَدِينَة، وَأَن الْبَقر نفر، وَالله خير. فَقَالَ (أَصْحَابه) : لَو أَنا أَقَمْنَا بِالْمَدِينَةِ؛ فَإِن دخلُوا علينا قاتلناهم. (فَقَالُوا) : يَا رَسُول الله ﷺ مَا دخل علينا فِيهَا (فِي) الْجَاهِلِيَّة، فَكيف يدْخل (علينا) فِيهَا فِي الْإِسْلَام؟ فَقَالَ: شَأْنكُمْ إِذا. فَلبس لأمته فَقَالَ الْأَنْصَار: رددنا عَلَى رَسُول الله ﷺ رَأْيه! (فَجَاءُوا) فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، شَأْنك إِذا. فَقَالَ: إِنَّه لَيْسَ لنَبِيّ إِذا لبس لأمته أَن يَضَعهَا حَتَّى يُقَاتل» .
فَائِدَة: اللأمة مَهْمُوزَة كَذَا قيدها القَاضِي عِيَاض فِي «مشارقه» وَكَذَا نَص عَلَيْهِ ابْن فَارس، وفسرها بالدرع (وَكَذَا قيدها بِهِ صَاحب «منَّة اللُّغَة» إِلَّا أَنه جعلهَا الدرْع التَّامَّة) وَكَذَا قيدها (بِهِ) الأجدابي فِي كِتَابه «كِفَايَة المتحفظ» .
الحَدِيث الْخَامِس عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «مَا يَنْبَغِي لنَبِيّ خَائِنَة الْأَعْين» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم فِي
стр. 4450
«مُسْتَدْركه» وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة سعد بن أبي وَقاص قَالَ: «لما كَانَ يَوْم فتح مَكَّة أمَّنَ رَسُول الله ﷺ النَّاس إِلَّا أَرْبَعَة نفر وَامْرَأَتَيْنِ سماهم وَابْن أبي سرح ... » فَذكر الحَدِيث، قَالَ: «وَأما ابْن أبي سرح فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْد عُثْمَان، فَلَمَّا دَعَا رَسُول الله ﷺ النَّاس إِلَى الْبيعَة جَاءَ بِهِ حَتَّى أوقفهُ عَلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِي الله، بَايع عبد الله. فَرفع رَأسه فَنظر إِلَيْهِ ثَلَاثًا كل ذَلِك يَأْبَى، فَبَايعهُ بعد ثَلَاث، ثمَّ أقبل عَلَى أَصْحَابه فَقَالَ: أما كَانَ مِنْكُم رجل رشيد يقوم إِلَى هَذَا حِين رَآنِي كَفَفْت يَدي عَن مبايعته فيقتله. فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا رَسُول الله مَا فِي نَفسك (أَلا أَوْمَأت إِلَيْنَا بِعَيْنِك) . قَالَ: إِنَّه لَا يَنْبَغِي لنَبِيّ أَن تكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين» قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط (مُسلم) .
فَائِدَة: «خَائِنَة الْأَعْين» كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ: هِيَ الْإِيمَاء إِلَى مُبَاح من ضرب أَو قتل عَلَى خلاف مَا يظْهر ويشعر بِهِ الْحَال. قَالَ: وَإِنَّمَا قيل لَهُ خَائِنَة الْأَعْين؛ لِأَنَّهُ يشبه الْخِيَانَة من (حَيْثُ) أَنه يخْفَى. وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي «مشكله» : اخْتلف فِي المُرَاد بخائنة الْأَعْين؛ فَقيل فِي تَفْسِيرهَا هُنَا: هِيَ الْإِيمَاء بِالنّظرِ، وَقيل: مسارقة النّظر.
الحَدِيث السَّادِس عشر
«اشْتهر عَنهُ (أَنه كَانَ (إِذا) أَرَادَ سفرا وَرى بغَيْرهَا» .
следующие страницы →