← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 5922

البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير

ابن الملقن

Полный текст (6 131 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، أَلا إِن الاتكاء من النِّعْمَة، قَالَ: فَاسْتَوَى ﵊ قَاعِدا عِنْدهَا، ثمَّ قَالَ إِنَّمَا أَنا عبد، آكل كَمَا يَأْكُل العَبْد، وأشرب كَمَا يشرب العَبْد. قَالَ أنس: فَمَا رأيتُه مُتكئا بَعْدُ» . وَرَوَاهُ أَيْضا فِي «ناسخه ومنسوخه» من حَدِيث عَطاء بن يسَار: «أَن جِبْرِيل نظر إِلَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّة يَأْكُل مُتكئا، فَقَالَ: أكْلُ الْمُلُوك! فَجَلَسَ» . وَله طَرِيق آخر من حَدِيث عَائِشَة ﵂ رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه (الْوَفَاء» من طريقها قَالَت: «يَا رَسُول الله، كُلْ، جعلني الله فدَاك (مُتكئا) فَإِنَّهُ أَهْون عليكَ، قَالَ: آكل كَمَا يأكلُ العَبْد، وأجلس كَمَا يجلس العبْد» . وَفِي سَنَده (عبيد الله بن الْوَلِيد الْوَصَّافِي) وَهُوَ مَتْرُوك. وَأخرجه أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ فِي كِتَابه «أَخْلَاق النَّبِي ﷺ » من حَدِيث أبي معشر، عَن سعيد المَقْبُري، عَن عَائِشَة أَيْضا بِلَفْظ: «آكل كَمَا يَأْكُل العَبْد، وأجلس كَمَا يجلس العبْد» . و (أَبُو معشر) هَذَا هُوَ: نجيح السندي، وَهُوَ مُنكر الحَدِيث. وَله طَرِيق آخر من حَدِيث جَابر، أخرجه أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ من حَدِيث حَمَّاد بن زيد، عَن سعيد بن أبي صَدَقَة، عَن يَعْلى بن (حَكِيم) عَن جَابر - رَفعه -: «إِنَّمَا أَنا عبْد، آكل كَمَا يَأْكُل

стр. 4447

العَبْد، وأجلس كَمَا يجلس العَبْد» . وَهَذَا إِسْنَاد لَا أعلم بِهِ بَأْسا، و «يعْلى» الظَّاهِر أَنه النُّفَيْلِي وَهُوَ يروي عَن التَّابِعين، وَعنهُ حمادُ بْنُ زيد. وَفِي « (سنَن) الْبَيْهَقِيّ» و «دَلَائِل النُّبُوَّة» (لَهُ) من حَدِيث بَقِيَّة بن الْوَلِيد، عَن الزبيدِيّ، عَن الزُّهْرِيّ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عَبَّاس (قَالَ كَانَ ابْن عَبَّاس) يحدث: «أَن الله أرسل إِلَى نبيه ﵇ ملكا من الْمَلَائِكَة، مَعَه جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ المَلَكُ لرَسُول الله ﷺ : إِن الله يُخَيِّرك بَين أَن تكون عَبْدًا نبيًّا وَبَين أَن تكون مَلِكًا نَبِيًّا، فالتفتَ نَبِي الله ﷺ إِلَى جِبْرِيل ﵇ كالمستشير لَهُ؛ فَأَشَارَ جبريلُ إِلَى رَسُول الله ﷺ أنْ تواضع، فَقَالَ ﵇: بل أكون عبدا نبيًّا. قَالَ: فَمَا أَكَلَ بعد تِلْكَ الْكَلِمَة طَعَاما مُتكئا حَتَّى لَقِي (اللَّهَ) تَعَالَى» . وَفِي «مُسْند أَحْمد» من حَدِيث أبي زرْعَة قَالَ: وَلَا أعلمهُ إِلَّا عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: «جلس جبريلُ إِلَى رَسُول الله ﷺ : فَنظر إِلَى السَّمَاء فَإِذا ملك ينزل فَقَالَ جِبْرِيل: إِن هَذَا الْملك مَا نزل مُنْذُ (يَوْم) خُلِقَ قَبْل السَّاعَة، فَلِمَ أنْزِلَ؟ ، قَالَ: يَا مُحَمَّد، أرْسَلني إِلَيْك ربُّك: أفَمَلَكًا نبيًّا يجعلك أَمْ عَبْدًا رَسُولا، قَالَ جِبْرِيل: تواضع لِرَبِّك يَا مُحَمَّد، قَالَ: بل عبدا رَسُولا» .

стр. 4448

الحَدِيث الرَّابِع عشر «أنَّه ﷺ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إِذا لبس لأمته أَن يَنْزِعهَا، حَتَّى يَلْقَى العدوَّ ويقاتِلُ» . هَذَا الحَدِيث ذكره البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» فِي بَاب قَول الله تَعَالَى (وشاورهم فِي الْأَمر) بِغَيْر إِسْنَاد، فَقَالَ: «وشاور النَّبِي ﷺ أَصْحَابه يَوْم أحد فِي الْمقَام وَالْخُرُوج، فَرَأَوْا لَهُ الْخُرُوج، فَلَمَّا لبس لأمته وعزم قَالُوا: أقِم. فَلم يمل إِلَيْهِم بعد الْعَزْم وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لنَبِيّ يلبس لأْمَتَهُ فَيَضَعهَا حَتَّى يحكم الله» . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من رِوَايَة أبي الْأسود، عَن عُرْوَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا يَنْبَغِي لنَبِيّ إِذا (أَخذ) لأمة الْحَرْب وَأذن فِي النَّاس بِالْخرُوجِ إِلَى الْعَدو أَن يرجع حَتَّى يُقَاتل» . وَهُوَ بعض من حَدِيث طَوِيل، ذكره ثمَّ قَالَ: هَكَذَا رَوَاهُ مُوسَى بن عقبَة عَن الزُّهْرِيّ، وَكَذَلِكَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب «الْمَغَازِي» عَن شُيُوخه من أهل الْمَغَازِي وَهُوَ عَام فِي أهل الْمَغَازِي وَإِن كَانَ مُنْقَطِعًا. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد كتبناه مَوْصُولا بِإِسْنَاد حسن ... فَذكره من رِوَايَة ابْن عَبَّاس. قلت: وَوَصله أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث جَابر أَيْضا قَالَ: حَدثنَا عَفَّان، ثَنَا حَمَّاد، أبنا أَبُو الزبير، عَن جَابر بن عبد الله أَن رَسُول

стр. 4449

الله (قَالَ: «رَأَيْت كَأَنِّي فِي درع حَصِينَة وَرَأَيْت بقرًا منحرة، فأولت أَن الدرْع الحصينة الْمَدِينَة، وَأَن الْبَقر نفر، وَالله خير. فَقَالَ (أَصْحَابه) : لَو أَنا أَقَمْنَا بِالْمَدِينَةِ؛ فَإِن دخلُوا علينا قاتلناهم. (فَقَالُوا) : يَا رَسُول الله ﷺ مَا دخل علينا فِيهَا (فِي) الْجَاهِلِيَّة، فَكيف يدْخل (علينا) فِيهَا فِي الْإِسْلَام؟ فَقَالَ: شَأْنكُمْ إِذا. فَلبس لأمته فَقَالَ الْأَنْصَار: رددنا عَلَى رَسُول الله ﷺ رَأْيه! (فَجَاءُوا) فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، شَأْنك إِذا. فَقَالَ: إِنَّه لَيْسَ لنَبِيّ إِذا لبس لأمته أَن يَضَعهَا حَتَّى يُقَاتل» . فَائِدَة: اللأمة مَهْمُوزَة كَذَا قيدها القَاضِي عِيَاض فِي «مشارقه» وَكَذَا نَص عَلَيْهِ ابْن فَارس، وفسرها بالدرع (وَكَذَا قيدها بِهِ صَاحب «منَّة اللُّغَة» إِلَّا أَنه جعلهَا الدرْع التَّامَّة) وَكَذَا قيدها (بِهِ) الأجدابي فِي كِتَابه «كِفَايَة المتحفظ» . الحَدِيث الْخَامِس عشر أنَّه ﷺ قَالَ: «مَا يَنْبَغِي لنَبِيّ خَائِنَة الْأَعْين» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم فِي

стр. 4450

«مُسْتَدْركه» وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة سعد بن أبي وَقاص قَالَ: «لما كَانَ يَوْم فتح مَكَّة أمَّنَ رَسُول الله ﷺ النَّاس إِلَّا أَرْبَعَة نفر وَامْرَأَتَيْنِ سماهم وَابْن أبي سرح ... » فَذكر الحَدِيث، قَالَ: «وَأما ابْن أبي سرح فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْد عُثْمَان، فَلَمَّا دَعَا رَسُول الله ﷺ النَّاس إِلَى الْبيعَة جَاءَ بِهِ حَتَّى أوقفهُ عَلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِي الله، بَايع عبد الله. فَرفع رَأسه فَنظر إِلَيْهِ ثَلَاثًا كل ذَلِك يَأْبَى، فَبَايعهُ بعد ثَلَاث، ثمَّ أقبل عَلَى أَصْحَابه فَقَالَ: أما كَانَ مِنْكُم رجل رشيد يقوم إِلَى هَذَا حِين رَآنِي كَفَفْت يَدي عَن مبايعته فيقتله. فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا رَسُول الله مَا فِي نَفسك (أَلا أَوْمَأت إِلَيْنَا بِعَيْنِك) . قَالَ: إِنَّه لَا يَنْبَغِي لنَبِيّ أَن تكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين» قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط (مُسلم) . فَائِدَة: «خَائِنَة الْأَعْين» كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ: هِيَ الْإِيمَاء إِلَى مُبَاح من ضرب أَو قتل عَلَى خلاف مَا يظْهر ويشعر بِهِ الْحَال. قَالَ: وَإِنَّمَا قيل لَهُ خَائِنَة الْأَعْين؛ لِأَنَّهُ يشبه الْخِيَانَة من (حَيْثُ) أَنه يخْفَى. وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي «مشكله» : اخْتلف فِي المُرَاد بخائنة الْأَعْين؛ فَقيل فِي تَفْسِيرهَا هُنَا: هِيَ الْإِيمَاء بِالنّظرِ، وَقيل: مسارقة النّظر. الحَدِيث السَّادِس عشر «اشْتهر عَنهُ (أَنه كَانَ (إِذا) أَرَادَ سفرا وَرى بغَيْرهَا» .

стр. 4451

هَذَا (حَدِيث) صَحِيح فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن [عبد الله بن كَعْب] بن مَالك أَن عبد الله بن كَعْب قَالَ: سَمِعت كَعْب بن مَالك يحدث حِين تخلف عَن رَسُول الله ﷺ ... فَذكر الحَدِيث قَالَ: «وَلم يكن رَسُول الله ﷺ يُرِيد غَزْوَة يغزوها إِلَّا (وَرى) بغَيْرهَا» . الحَدِيث السَّابِع عشر «أنَّه ﷺ نكح امْرَأَة ذَات جمال، فلقنت أَن تَقول لرَسُول (: أعوذ بِاللَّه مِنْك، وَقيل لَهَا: إِن هَذَا كَلَام يُعجبهُ، فَلَمَّا قَالَت ذَلِك قَالَ (: لقد استعذت بمعاذ، الحقي بأهلك» . هَذَا صَحِيح عَلَى غير هَذِه الصُّورَة الَّتِي ذكرهَا الرَّافِعِيّ، فَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث عَائِشَة ﵂ «أَن ابْنة الجون لما دخلت عَلَى رَسُول الله ﷺ ودنا مِنْهَا قَالَت: أعوذ بِاللَّه مِنْك! فَقَالَ لَهَا: لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك» وَفِيه وَفِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث الزُّهْرِيّ أَنه سُئِلَ: أَي أَزوَاج النَّبِي ﷺ استعاذت

стр. 4452

مِنْهُ؟ فَقَالَ: أَخْبرنِي عُرْوَة عَن عَائِشَة «أَن ابْنة الجون لما دخلت عَلَى رَسُول الله ﷺ ودنا مِنْهَا قَالَت: أعوذ (بِاللَّه) مِنْك!» عزاهُ الْمزي إِلَيْهِمَا فِي كتاب الطَّلَاق، وَفِي النَّسَائِيّ أَن هَذِه الْمَرْأَة كلابية - يَعْنِي: من بني كلاب - وَفِي «سنَن ابْن مَاجَه» من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة: «أَن عمْرَة بنت الجون تعوذت من رَسُول الله ﷺ حِين أدخلت عَلَيْهِ فَقَالَ: لقد عذت بمعاذ. وَطَلقهَا (وَأمر) أُسَامَة أَو أنسا فيمتعها بِثَلَاثَة أَثوَاب رازقية» وَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» (وَهُوَ من أَفْرَاده) عَن أبي أسيد قَالَ: «خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى انطلقنا إِلَى حَائِط يُقَال لَهُ: (الشوط) حَتَّى انتهيا إِلَى حائطين جلسنا بَينهمَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : اجلسوا هَاهُنَا. وَقد أُتِي (بالجونية) فأنزلت فِي نخل فِي بَيت وَمَعَهَا دابتها - حاضنة - فَلَمَّا دخل عَلَيْهَا النَّبِي ﷺ قَالَ: هبي نَفسك لي. فَقَالَت: وَهل تهب الملكة نَفسهَا للسوقة؟ ! قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ يضع يَده عَلَيْهَا لتسكن فَقَالَت: أعوذ بِاللَّه مِنْك! قَالَ: قد عذت بمعاذ. ثمَّ خرج علينا فَقَالَ: يَا أَبَا أسيد، اكسها رازقتين وألحقها بِأَهْلِهَا» وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أبي أسيد وَسَهل بن سعد قَالَا: «تزوج النَّبِي ﷺ أُمَيْمَة بنت

стр. 4453

شرَاحِيل، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ بسط يَده عَلَيْهَا فَكَأَنَّهَا كرهت ذَلِك، فَأمر أَبَا أسيد أَن (يجهزها) ويكسوها ثَوْبَيْنِ رازقين» . وَرَوَاهُ مُسلم فِي الْأَشْرِبَة من حَدِيث سهل، وَحَدِيث البُخَارِيّ أتم كَمَا قَالَه عبد الْحق فِي «جمعه» وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد عَن أبي أسيد وَسَهل [قَالَا] : «مر بِنَا رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَاب لَهُ فخرجنا مَعَه حَتَّى انطلقنا إِلَى حَائِط يُقَال لَهُ: الشوط حَتَّى انتهينا إِلَى حائطين مِنْهَا جلسنا بَينهمَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : اجلسوا. وَدخل هُوَ وَأتي بالجونية أُمَيْمَة بنت [النُّعْمَان] بن شرَاحِيل فَنزلت فِي بَيت فِي النّخل وَمَعَهَا دَابَّة لَهَا، فَدخل عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ قَالَ: هبي لي نَفسك. قَالَت: وَهل تهب الملكة نَفسهَا للسوقة، إِنِّي أعوذ بِاللَّه مِنْك! . قَالَ: (لقد) عذت بمعاذ. ثمَّ خرج علينا فَقَالَ: يَا أَبَا [أسيد] اكسها فارسيتين وألحقها بِأَهْلِهَا» وَفِي لفظ لَهُ «اكسها رازقتين» وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم «أَنه ﵇ قَالَ لَهَا: لقد عذت بمعاذ - ثَلَاثًا» . وَأما الحَدِيث بالصورة الَّتِي ذكرهَا الرَّافِعِيّ فتبع فِيهِ الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي «مشكله» : هَذِه اللَّفْظَة - يَعْنِي: «أَن نِسَاءَهُ

стр. 4454

علمنها ذَلِك» لم أجد لَهَا أصلا (ثَابتا) ، قَالَ: والْحَدِيث فِي « (صَحِيح) البُخَارِيّ» بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة (الْبَعِيدَة وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «تهذيبه» : هَذِه الزِّيَادَة) بَاطِلَة لَيست بصحيحة. قَالَ: وَقد رَوَاهَا مُحَمَّد بن سعد فِي «طبقاته» لَكِن بِإِسْنَاد ضَعِيف. قلت: وأخرجها أَيْضا الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث الْوَاقِدِيّ، قَالَ: ذكر هِشَام بن مُحَمَّد أَن ابْن الغسيل حَدثهُ، عَن حَمْزَة بن أبي أسيد السَّاعِدِيّ، عَن أَبِيه - وَكَانَ بدريًّا - قَالَ: «تزوج رَسُول الله ﷺ أَسمَاء بنت النُّعْمَان الْجَوْنِية فَأرْسل إِلَيّ، فَجِئْته بهَا فَقَالَت حَفْصَة لعَائِشَة: اخضبيها أَنْت وَأَنا أمشطها. فَفَعَلَتَا، ثمَّ قَالَت لَهَا إِحْدَاهمَا: إِن رَسُول الله ﷺ يُعجبهُ من الْمَرْأَة إِذا دخلت عَلَيْهِ أَن تَقول: أعوذ بِاللَّه مِنْك. فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ أغلق الْبَاب وأرخى السّتْر وَمد يَده إِلَيْهَا قَالَت: أعوذ بِاللَّه مِنْك! فَقَالَ النَّبِي ﷺ بكمه عَلَى وَجهه فاستتر بِهِ وَقَالَ: عذت بمعاذ - ثَلَاث مَرَّات. قَالَ أَبُو أسيد: ثمَّ خرج عليَّ فَقَالَ: يَا أَبَا أسيد، ألحقها بِأَهْلِهَا ومتعها برازقين - يَعْنِي: كرباسين - فَكَانَت تَقول: ادْعُونِي: الشقية!» ثمَّ رَوَى عَن الْوَاقِدِيّ بِسَنَدِهِ «أَنه دخل عَلَيْهَا دَاخل من النِّسَاء لما بلغهن من جمَالهَا - وَكَانَت من أجمل النِّسَاء - فَقَالَت: إِنَّك من

стр. 4455

الْمُلُوك؛ فَإِن كنت تريدين أَن تحظين عِنْد رَسُول الله ﷺ فاستعيذي مِنْهُ؛ فَإنَّك تحظين عِنْده ويرغب (فِيك) » . واستبعد بَعضهم صُدُور هَذَا القَوْل من نسَاء رَسُول الله ﷺ مَعَ شرفهن بِصُحْبَتِهِ، وَهَذَا لَيْسَ بالقوى؛ فَإِن الْغيرَة وَالْحب لرَسُول الله ﷺ والحرص عَلَى عدم مشاركتهن فِيهِ قد تحملهن عَلَى قريبٍ من ذَلِك؛ إِذْ جَاءَ فِي «الصَّحِيح» تواطؤ عَائِشَة وَصفِيَّة وَسَوْدَة عَلَى أَن رَسُول الله ﷺ إِذا دخل عَلَيْهِنَّ يَقُلْنَ لَهُ: «أكلتَ مَغَافِير ... » الحديثَ. فَائِدَة: اخْتلف فِي اسْم هَذِه المستعيذة، فَفِي «صَحِيح البخاريِّ» و «مُسْند أَحْمد» أَن اسْمهَا: أُمَيْمَة. وَقَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي «مبهماته» أَن اسْمهَا: أَسمَاء. قَالَ الْكَلْبِيّ هِيَ: أَسمَاء بنت النُّعْمَان بن الْحَارِث بن شرَاحِيل بن عبيد بن الجون. وَبِه جزم أَبُو نعيم فِي «الْمعرفَة» فَذكر بِسَنَدِهِ إِلَى قَتَادَة أَن بَعضهم زعم أَنَّهَا قَالَت: «أعوذ باللَّهِ مِنْكَ قَالَ: لقد عُذْتِ بِمَعَاذٍ منيِّ، وَقد أعاذكِ اللَّهُ مِنِّي. فَطلقهَا» قَالَ قَتَادَة: وَهَذَا بَاطِل. كَذَا قَالَ: «هَذِه امْرَأَة مِنْ بِلْعَنْبَر، مِنْ سَبْي ذَات الشقوق، وَكَانَت جميلَة، فَقُلْنَ لَهَا: إِنَّه يُعجبهُ أَن [تقولي] : أعوذ بِاللَّه مِنْكَ ... » الحديثَ.

стр. 4456

وَجزم بِهِ أَيْضا ابْن الصّلاح فِي «مشكله» ، (وَحَكَى الْقَوْلَيْنِ) مَعًا الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» ثمَّ ابْنُ الْأَثِير فِي «جَامع الْأُصُول» وقدَّم الثَّانِي، قَالَا: وَقيل: هِيَ مليكَة بنت كَعْب اللَّيْثِيّ وَحَكَى الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» قولا آخر أَن اسْمهَا: عمْرَة بنت زيد بن عبيد بن روس بن كلاب (بن عَامر) ، وقولاً آخر: أَنَّهَا (الْعَالِيَة بنت ظبْيَان بن عَمْرو بن عَوْف بن كَعْب بن عبيد بن بكر بن كلاب، وقولًا آخر أَنَّهَا) سناء بنت سُفْيَان بن عَوْف بن كَعْب بن عبيد بن بكر بن كلاب. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي آخر «دَلَائِل النُّبُوَّة» : وروينا فِي حَدِيث أبي أسيد السَّاعِدِيّ فِي قصَّة الْجَوْنِية الَّتِي استعاذت فألْحَقَهَا بِأَهْلِهَا؛ أَن اسْمهَا: أُمَيْمَة بنت النُّعْمَان بن شرَاحِيل. قَالَ: وَذكر ابْن مَنْدَه فِي كتاب «الْمعرفَة» أَنَّهَا أُمَيْمَة بنت النُّعْمَان، وَأَنه يُقَال لَهَا: فَاطِمَة بنت الضَّحَّاك، وَيُقَال: إِنَّهَا مليكَة الليثية، قَالَ: وَالصَّحِيح أَنَّهَا: أُمَيْمَة (قلت: فتحصلنا من هَذَا الِاخْتِلَاف فِي أَنَّهَا عَلَى سَبْعَة أَقْوَال؛ أَصَحهَا: أُمَيْمَة) وَثَانِيها: أَسمَاء، وَثَالِثهَا: عمْرَة، وَرَابِعهَا: فَاطِمَة، وخامسها: مليكَة، وسادسها: سناء، وسابعها: الْعَالِيَة.

стр. 4457

الحَدِيث الثَّامِن عشر أنَّه ﷺ قَالَ: «زوجاتي فِي الدُّنْيَا: زوجاتي فِي الْآخِرَة» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» فِي تَرْجَمَة عليّ ﵁ من رِوَايَة ابْن أبي أَوْفَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «سَأَلت رَبِّي أَن لَا أُزوج أحدا من أُمَّتي، وَلَا أتزوَّج إِلَّا كَانَ معي فِي الْجنَّة؛ فَأَعْطَانِي» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» من حَدِيث حُذَيْفَة ﵁ «أَنه قَالَ لامْرَأَته: إِن سرَّكِ أَن تَكُونِي زَوْجَتي فِي الْجنَّة؛ فَلَا تزوَّجي بَعْدي؛ فَإِن الْمَرْأَة فِي الْجنَّة لآخِرِ أزواجها فِي الدُّنْيَا، فَلذَلِك حَرُم عَلَى أزاوج النَّبِي ﷺ أَن ينكحن بعده؛ لِأَنَّهُنَّ أَزوَاجه فِي الْجنَّة» . الحَدِيث التَّاسِع عشر «أنَّه ﷺ اصْطَفَى صَفِيَّة بِنْتَ حُيَيٍّ، وأعتقها، وتزوَّجها» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من رِوَايَة أنس ﵁: «أنَّه ﷺ صلَّى الصُّبْحَ (بِغَلَس) ثمَّ ركب، فَقَالَ: الله أكبر، خربتْ خَيْبَر، إِنَّا إِذا نزلنَا بِسَاحَة قوم فساءَ صباحُ المُنْذَرِيْنَ فَخَرجُوا يسعون فِي السِّكَك وَيَقُولُونَ: مُحَمَّد وَالْخَمِيس! قَالَ:

стр. 4458

وَالْخَمِيس: الْجَيْش، فَظهر رَسُول الله ﷺ عَلَيْهِم، فَقتل (المَقَاتلة) وسَبَى الذَّرَارِي، فَصَارَت صَفِيَّة لدحية الْكَلْبِيّ، وَصَارَت لرَسُول الله ﷺ ثمَّ تزَوجهَا، وَجعل عتقهَا صَدَاقَهَا» لفظ إِحْدَى رواياتهم. وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «كَانَت صَفِيَّة من الصَّفِيِّ» . فَيُحْتَاج إِذا إِلَى تَأْوِيل رِوَايَة «الصَّحِيح» : أَنَّهَا وَقعت فِي سَهْم دحْيَة الْكَلْبِيّ، فَأعْطَاهُ بهَا مَا أرادَ، أَو اشْتَرَاهَا بِسَبْعَة أرؤس. الحَدِيث الْعشْرُونَ «أنَّه ﷺ اصْطَفَى سَيْفَهُ ذَا الفقار» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَالتِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» وَابْن مَاجَه فِي «سنَنه» وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من رِوَايَة ابْن عَبَّاس ﵄: «أَن النَّبِي ﷺ (تنفل) سَيْفه ذَا الفقار يَوْم بدر، وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْم أُحُد» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن غَرِيب. قَالَ ابْن الْقطَّان وَإِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ؛ لِأَن فِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد، وَلم يبال الحاكمُ

стр. 4459

بِهَذَا وَأخرجه فِي «مُسْتَدْركه» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. قَالَ: وَإِنَّمَا أخرجته فِي هَذَا الْموضع لأخبارٍ واهية: «إِن ذَا الفقار من خَيْبَر» . قلت: وَمِنْهَا: مَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان أبي شيبَة، عَن الحكم، عَن مقسم، عَن ابْن عَبَّاس: «أَن الْحجَّاج بن علاط السّلمِيّ أهْدَى لرَسُول الله ﷺ سَيْفه ذَا الفقار، ودحية الْكَلْبِيّ أهْدَى لَهُ بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاء» . آفَتُهُ إِبْرَاهِيم هَذَا؛ فَإِنَّهُ واهٍ، وَأَيْضًا الحكم لم يسمع من مقسم إِلَّا خَمْسَة أَحَادِيث أَو أَرْبَعَة، كَمَا عددتُها فِي أثْنَاء بَاب الْجُمُعَة (وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا) . فَائِدَة: فِي «الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير» من حَدِيث ابْن عَبَّاس - بِإِسْنَاد ضَعِيف - قَالَ: «كَانَ لرَسُول الله ﷺ سيف، قائمته من فضَّة وقبعته من فضَّة، وَكَانَ يُسَمَّى ذَا الفقار» . وَفِي «معرفَة الصَّحَابَة» لأبي نعيم فِي تَرْجَمَة مَرْزُوق: «أَنه صقل

стр. 4460

سيف رَسُول الله ﷺ ذَا الفقار، وَكَانَت لَهُ قبيعة من فضَّة، وحِلَق فِي قَيده، وبكرة فِي وَسطه من فضَّة» . فَائِدَة: قَالَ الْخطابِيّ فِي كِتَابه «تصاحيف الروَاة» : الفقار: مَفْتُوح الْفَاء، والعامة تكسرها. قَالَ الْأَصْمَعِي - فِيمَا حَكَاهُ ابْن بري عَنهُ -: «رأيتُ ذَا الفقار عَلَى الرشيد فِيهِ ثَمَانِي عشرَة فقارة» ويُرْوى: «أَنه كَانَ مَعَ مُحَمَّد بن عبد الله بن حسن، فَأعْطَاهُ رجلا لَهُ عَلَيْهِ أَرْبَعمِائَة دِينَار، وَقَالَ: ائْتِ بِهَذَا السَّيْف أعْطِيه مَنْ شِئْتَ ويعطيك مَالك. فَبَقيَ عِنْد الرجل (حَتَّى أَخذه مِنْهُ جَعْفَر) بن سُلَيْمَان، وَأَعْطَاهُ المَال، ثمَّ أَخذه الْمهْدي من جَعْفَر، ثمَّ صَار إِلَى مُوسَى (الرِّضَى) فَضرب بِهِ كَلْبا فَانْقَطع» . الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين «أنَّه ﷺ كَانَ لَهُ الاستبداد بخُمْس الخُمْس» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَقد نطق بِهِ الكتابُ الْعَزِيز، مَعَ أَحَادِيث شهيرةٍ فِيهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ لَهُ أَرْبَعَة أَخْمَاس الْفَيْء، كَمَا سلف فِي بَابه. الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين «أنَّه ﷺ كَانَ لَهُ دُخُول مَكَّة بِغَيْر إِحْرَام» .

стр. 4461

هَذَا صَحِيح، فَفِي « (صَحِيح) مُسلم» من حَدِيث جَابر ﵁: «أَن رَسُول الله ﷺ دخل يَوْم فتح مَكَّة وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء بِغَيْر إحرامٍ» . وَفِيه وَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» أَيْضا من حَدِيث أنس ﵁: «أَن رَسُول (دخل عَام فتح مَكَّة، وَعَلَى رَأسه المِغْفَر، فلمَّا نَزَعَةُ جَاءَهُ رجلٌ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِن ابْن خطل متعلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة! فَقَالَ: اقْتُلُوه» . الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين أنَّه ﷺ قَالَ: «إِنَّا معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورَّث، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة» . هَذَا الحَدِيث سلف الْكَلَام عَلَيْهِ فِي بَاب: قَسْم الْفَيْء وَالْغنيمَة. الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين «أنَّه ﷺ كَانَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ» . هَذَا اسْتدلَّ لَهُ البيهقيُّ بِحَدِيث عَائِشَة ﵂ «أَن هِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة قَالَت: يَا رَسُول الله، إِن أَبَا سُفْيَان رجل شحيح، وَلَيْسَ يعطيني مَا يَكْفِينِي وَوَلَدي، إِلَّا مَا أخذتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يعلم؟ فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيك وولدكِ بِالْمَعْرُوفِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا»

стр. 4462

وَفِي كَون هَذَا قَضَاء نظر، فضلا عَن كَونه قَضَاء بِعِلْم، سَتَعْلَمُهُ فِي بَاب الْقَضَاء عَلَى الْغَائِب. الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين «أنَّه ﷺ لَهُ أَن يَقْبَلَ شَهَادَة من يشهدُ لَهُ» هَذَا صَحِيح، وَيشْهد لَهُ حَدِيث خُزَيْمَة فِي قصَّة الْفرس الَّذِي بَاعه لرَسُول الله ﷺ ذَلِك الْأَعرَابِي ثمَّ أنكرهُ، وَأَرَادَ أَن يَبِيعهُ لغيره بأزيد مِمَّا باعهِ لَهُ وَقَالَ: « (هَلُمَّ) شَهِيدا يشْهد أَنِّي بَايَعْتُك؟ ، فَقَالَ خُزَيْمَة: أشهد أَنَّك قد بايَعْتَه، فأقبَلَ رَسُول الله ﷺ عَلَى خُزَيْمَة وقَال: بِمَ تشهد؟ قَالَ بتصديقك يَا رَسُول الله، فَجعل ﵇ شَهَادَة خُزَيْمَة بِشَهَادَة رجلَيْنِ» . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح، أخرجه أَبُو دَاوُد، وصححها الْحَاكِم، وَخَالف ابْنُ حزم فأعله. الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين «أنَّه ﷺ كَانَ لَا ينْتَقض وضوءه بِالنَّوْمِ» . هَذَا صَحِيح؛ فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث عَائِشَة ﵂ ... فِي الْوتر: «إِن عَيْني تنامان، وَلَا ينَام قلبِي» .

стр. 4463

وَمثله أَيْضا: حَدِيث ابْن عَبَّاس الثَّابِت فِي «الصَّحِيح» (فِي) مبيته عِنْد رَسُول الله ﷺ و «أنَّه ﷺ نَام بعد أَن صلَّى حَتَّى نفخ، ثمَّ قَامَ وصلَّى وَلم يتَوَضَّأ» . الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين قَالَ الرَّافِعِيّ: وَفِيمَا حَكَى صَاحب «التَّلْخِيص» : «أَنه كَانَ يجوز أَن يَدْخل الْمَسْجِد جُنُبًا» . وَلم يقبله الْقفال وَقَالَ: لَا إخَاله صَحِيحا. قلت: سلف فِي الغُسْل حديثُ أُمِّ سَلمَة فِي ذَلِك. وَفِي «جَامع التِّرْمِذِيّ» من حَدِيث عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لعليّ: «لَا يحل لجُنُبٍ فِي هَذَا الْمَسْجِد: غَيْرِي وغيرُكَ» . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، قَالَ: وَسمع منِّي البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث؛ وَاسْتَغْرَبَهُ. قلت: سَببه أَن مَدَاره عَلَى سَالم بْنِ أبي حفصةُ، وعطية الْعَوْفِيّ، وهما ضعيفان جدا (شيعيان) متَّهمان فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث، وَقد أَجمعُوا عَلَى تَضْعِيف سَالم، وعلَّلوه بالتشيُّع، وَالْجُمْهُور عَلَى تَضْعِيف عَطِيَّة، فيُعْترض إِذًا عَلَى الترمذيِّ فِي تحسينه لَهُ، لَا جرم

стр. 4464

اعْترض عَلَيْهِ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه «مرج الْبَحْرين» لَكِن قد يُقَال: لَعَلَّه اعتضد عِنْده بشاهدٍ آخر أَو متابع فَصَارَ حَسَنًا بِهِ، وَقد ذكره البغويُّ فِي «مصابيحه» عَلَى اصْطِلَاحه وَنقل بَعضهم عَن ابْن الْجَوْزِيّ أَنه نسبه إِلَى الْوَضع. قلت: وَرَوَاهُ الْبَزَّار فِي «مُسْنده» من حَدِيث الْحسن بن زيد، عَن خَارِجَة بن سعد، عَن أَبِيه سعد بن أبي وَقاص قَالَ: «قَالَ رَسُول الله ﷺ لعليِّ: لَا يحل لأحدٍ أَن يَجْنُبَ فِي هَذَا الْمَسْجِد: غَيْرِي وغيرُكَ» . قَالَ الْبَزَّار: وَهَذَا الْكَلَام لَا نعلمهُ يُرْوى عَن سعد إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَلَا نَعْلم رَوَى عَن خَارِجَة بن سعد إِلَّا الحَسَنَ هَذَا. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث عَمْرة بنت أَفْعَى، عَن أُمِّ سَلمَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لَا يَنْبَغِي لأحدٍ يَجْنُبُ فِي هَذَا الْمَسْجِد إِلَّا أَنا وعليٌّ» فِيهِ عبد الْجَبَّار بن الْعَبَّاس، أَظُنهُ (الشبامي) وَفِيه خلف، قَالَ ابْن معِين وَأَبُو دَاوُد: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: ثِقَة. وَقَالَ الْجوزجَاني: غال فِي سوء مذْهبه - يَعْنِي: التَّشَيُّع. وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتَابع (عَلَى) حَدِيثه، وَكَانَ يتشيع. وَقَالَ

стр. 4465

أَحْمد: أَرْجُو أَن لَا يكون بِهِ بَأْس ثَنَا عَنهُ وَكِيع وَأَبُو نعيم، لكنه كَانَ يتشيع، وأسرف أَبُو نعيم فَقَالَ: لم يكن بِالْكُوفَةِ أكذب مِنْهُ. فَائِدَة: مُقْتَضَى هَذَا الحَدِيث اشْتِرَاك عَلّي مَعَه فِي ذَلِك، وَلم يَقُلْ بِهِ أحدٌ من الْعلمَاء، وَذكر التِّرْمِذِيّ (عقب) إِيرَاده الحَدِيث السالف عَن ضرار بن صرد أَن مَعْنَى الحَدِيث لَا يَسْتَطْرِقهُ جُنُبا غَيْرِي وغيركَ. وَهَذَا التَّفْسِير فِيهِ نظر؛ فَإِن هَذَا الحُكْم لَا يخْتَص بِهِ؛ بل أُمَّته كَذَلِك بِنَصِّ الْقُرْآن. الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي اتخذتُ عنْدك عهدا لن تُخْلِفَنيهُ، وَإِنَّمَا أَنا بَشَرٌ، فأيُّ الْمُؤمنِينَ آذيتُه أَو شَتَمْتُه أَو لَعَنْتُه فاجعلها زَكَاة وَصَلَاة وقُربةً [تُقَرِّبُهُ بهَا] إِلَيْك يَوْم الْقِيَامَة» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَفِي رِوَايَة لَهما: «إِنَّمَا أَنا بشر، أغضب كَمَا يغْضب البَشَرُ،

стр. 4466

فإيما رجل من الْمُسلمين سَبَبْتُهُ أَو لَعَنْتُهُ أَو جَلَدْتُه؛ فاجعلها لَهُ صَلَاة وَزَكَاة وقُرْبَهً تقرِّبه بهَا إِلَيْك يَوْم الْقِيَامَة، واجعلْ ذَلِك كَفَّارَة لَهُ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة» . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «أَو جَلَدُّهُ» . قَالَ أَبُو الزِّنَاد: وَهِي لُغَة أبي هُرَيْرَة، وَإِنَّمَا هِيَ: «جَلَدْتُه» . وَرَوَى مُسلم نَحوه من حَدِيث (أنس و) جَابر وَعَائِشَة ﵃. وَلَفظ أَحْمد فِي حَدِيث أنسٍ: «أَيّمَا إِنْسَان من أُمَّتي دعوتُ الله عَلَيْهِ أَن يَجْعَلهَا لَهُ مغْفرَة» . وَفِيه قصتُهُ مَعَ حَفْصَة، وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث أَبَى سعيدٍ الْخُدْرِيّ أَيْضا. الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين «أنَّه ﷺ مَاتَ عَن تِسْعِ نِسْوةٍ» . هَذَا صَحِيح مَشْهُور، لَا يحْتَاج إِلَى عَزْوٍ، وَفَى «الْأَحَادِيث المختارة» للضياء الْمَقْدِسِي من حَدِيث أنس ﵁: «أنَّه ﷺ تزوَّج خَمْسَ عشرَة، وَدخل مِنْهُنَّ بِإِحْدَى عشرَة، وَمَات عَن تِسْعٍ» .

стр. 4467

وَقد ذكرتُ عَدَدَهُن مَعَ الْخلاف فِيهِ مُسْتَوفى فِي كتابي: «غَايَة السُّول فِي خَصَائِص الرَّسُول» فليراجعْ مِنْهُ. الحَدِيث الثَّلَاثُونَ «قصَّة النَّبِي ﷺ مَعَ زيدٍ حِين طلَّق زيدٌ زَوْجَتَه، وَتَزَوجهَا النَّبِي ﷺ » . هَذِه الْقِصَّة صَحِيحَة مَشْهُورَة، وَمِمَّنْ رَوَاهَا: البخاريُّ فِي «صَحِيحه» من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ: «جَاءَ زيد بن حَارِثَة يشكو، فَجعل النَّبِي ﷺ يَقُول: اتّقِ الله وأمسكْ عَلَيْك زَوْجَكَ. قَالَ أنس: لَو كَانَ رَسُول الله ﷺ كَاتِما شَيْئا لكَتم هَذِه الْآيَة. قَالَ: وَكَانَت تفتخر عَلَى نسَاء رَسُول الله ﷺ تَقول: زوّجكنَّ أهالِيكُن، وزوَّجني اللَّه مِنْ فَوق سبع سموات!» . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن ثَابت: (وتخفي فِي نَفسك مَا الله مبديه) : نزلتْ فِي شَأْن زَيْنَب بنت جحش وَزيد بن حَارِثَة» . وَرَوَى مُسلم فِي كتاب الْإِيمَان من حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: «لَو كَانَ مُحَمَّد كَاتِما شَيْئا مِمَّا أُنزل عَلَيْهِ لكَتم هَذِه الْآيَة: (وَإِذ تَقول (الآيةَ» .

стр. 4468

وَرَوَى التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» من حَدِيث أنس أَيْضا قَالَ: (لمَّا نزلت هَذِه الْآيَة: (وتخفي فِي نَفسك مَا الله مبديه (فِي شَأْن زَيْنَب بنت جحش، جَاءَ زيدٌ يشكو، فهمَّ بِطَلَاقِهَا، فاستأمر النَّبِي ﷺ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أمسكْ عَلَيْك زَوجك واتَّقِ الله» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا. وَفِي «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» فِي ترجمتها، من حَدِيث الْوَاقِدِيّ عَن عُمر بن عُثْمَان، عَن أَبِيه قَالَ: «قَدِمَ النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة، وَكَانَت زَيْنَب بنت جحش ممَّن هَاجَرت مَعَ رَسُول الله ﷺ وَكَانَت امْرَأَة جميلَة، فَخَطَبَهَا رَسُول الله ﷺ عَلَى زيْدِ بْنِ حَارِثَة، فَقَالَت: يَا رَسُول الله، لَا أرضاه لنَفْسي وَأَنا أيم قُرَيْش! قَالَ: فَإِنِّي قد رضيتُ لكِ. فتزوَّجها زيد بن حَارِثَة» . قَالَ [ابْن] عمر - وَهُوَ الواقديُّ -: فحدَّثني عبد الله بن عَامر الْأَسْلَمِيّ، عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حبَان قَالَ: «جَاءَ رَسُول الله ﷺ بَيْتَ زيدِ بْنِ حَارِثَة فَطَلَبه، وَكَانَ زيد إِنَّمَا يُقَال لَهُ: زيد بن مُحَمَّد، فَرُبمَا فَقَدَهُ رَسُول الله ﷺ الساعةَ فَيَقُول: أَيْن زيد؟ ! فجاءَ منزله يَطْلُبهُ فَلم يجده، فتقوم إِلَيْهِ زَيْنَب فَتَقول: هَاهُنَا يَا رَسُول الله. فَوَلى يهمهم؛ لَا تَكَادُ تفْهم عَنهُ إِلَّا سُبْحَانَ الله الْعَظِيم، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيم مصرِّف الْقُلُوب! فجَاء زيدٌ

стр. 4469

إِلَى منزله؛ فأخبرتْه امرأتُه أَن ر سَوَّلَ الله (أَتَى منزله، فَقَالَ زيدٌ: أَلا قُلْتِ لَهُ: يدخلُ؟ ! قَالَت: قد عَرَضْتُ ذَلِك عَلَيْهِ (فَأَبَى) قَالَ سَمِعْتِيْه يَقُول شَيْئا؟ قَالَت: سمعتُه يَقُول حِين وَلى يتَكَلَّم بِكَلَام لَا أفهمهُ، وسمعتُه يَقُول: سُبْحَانَ الله الْعَظِيم، سُبْحَانَ الله الْعَظِيم، سُبْحَانَ مصرِّف الْقُلُوب قَالَ: فَخرج زيد حَتَّى أَتَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، بَلغنِي أَنَّك جِئْتَ منزلي؛ فهلاَّ دخلتَ؟ بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله؛ لَعَلَّ زَيْنَب أعجبتك! أُفارقُها؟ فَيَقُول رَسُول الله ﷺ أمسكْ عَلَيْك زَوجك. فَيَقُول: يَا رَسُول الله، أفارقُها؟ فَيَقُول رَسُول الله ﷺ : (أمسك عَلَيْك زَوجك. فَمَا اسْتَطَاعَ زيد إِلَيْهَا سَبِيلا بعد ذَلِك، وَيَأْتِي رَسُول (فيخبره، فَيَقُول: أمسك عَلَيْك زَوجك. فَيَقُول: يَا رَسُول الله، أفارقها؟ فَيَقُول:) احْبِسْ عَلَيْك. ففارقها زيد واعتزلها وحلت، قَالَ: فَبَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ جَالس يتحدث مَعَ عَائِشَة إِذْ أخذت رَسُول الله ﷺ غمية ثمَّ سري عَنهُ وَهُوَ يبتسم وَيَقُول: مَنْ يذهب إِلَى زَيْنَب يبشرها أَن الله زَوَّجْنيِهَا من السَّمَاء؛ وتلا: (وإذْ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت عَلَيْهِ (الْقِصَّة كلهَا، قَالَت عَائِشَة: فأخذني مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ، لِمَا كَانَ بَلغنِي مِنْ جمَالهَا، وَأُخْرَى هِيَ أعظم الْأُمُور وَأَشْرَفهَا: مَا صنع اللَّهُ لَهَا، زوَّجها الله من السَّمَاء، وَقَالَت عَائِشَة: هِيَ تفتخر علينا بِهَذَا، قَالَت عَائِشَة: فَخرجت سلْمَى خَادِم رَسُول الله ﷺ تشتد فحدثتها بذلك، فأعْطَتْهَا أَوْضَاحًا لَهَا» . وَفِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ: «لمَّا انْقَضتْ عدَّة زَيْنَب قَالَ رَسُول الله ﷺ لزيدٍ: اذْهبْ إِلَيْهَا فاذكرها (عَلّي. قَالَ زيد:

стр. 4470

فَانْطَلَقت فَلَمَّا رَأَيْتهَا تخمر عَجِينهَا فَلم استطع أَن أنظر إِلَيْهَا من عظمها فِي صَدْرِي حِين عرفت أَن رَسُول الله ﷺ يذكرهَا، فَقلت: إِن رَسُول الله ﷺ يذكرك. قَالَت: مَا أَنا بِصَانِعَةٍ) شَيْئا حَتَّى أؤامر رَبِّي! فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدهَا وَنزل الْقُرْآن، وَجَاء رَسُول الله ﷺ حَتَّى دخل عَلَيْهَا بِغَيْر إِذن ... . .» الحديثَ، وَذكر فِيهِ قصَّة الْحجاب. وَرَوَى (قَتَادَة) وغيرُه فِي قَوْله تَعَالَى: (أمسك عَلَيْك زَوجك) الْآيَة، قَالَ: كَانَ يُخْفي فِي نَفسه ودَّ أَنه طَلقهَا» . وَعَن ابْن زيد: «كَانَ النَّبِي ﷺ قد زوَّج زَيْدَ بْنَ حَارِثَة زَيْنَبَ بِنْتَ جحش ابْنَة عَمَّتِهِ، فَخرج رَسُول الله ﷺ يَوْمًا يُريدهُ، وَعَلَى الْبَاب ستْر من شعر، فرفعتِ الستْرَ الريحُ؛ فانكشف وَهِي فِي حُجْرَتهَا حَاسِرَة، فَوَقع إعجابُها فِي قلب رَسُول الله ﷺ فلمَّا وَقع ذَلِك كرهت ... .» إِلَى آخِره، قَالَ «فجَاء فَقَالَ: يَا رَسُول الله: إِنِّي أُرِيد أَن أُفَارِق (صَاحِبَتي) قَالَ: مَا لكَ؟ ! أرابكَ مِنْهَا شيءٌ، فَقَالَ: لَا وَالله يَا رَسُول الله مَا رَابَنِي مِنْهَا شَيْء وَمَا رأيتُ إِلَّا خيرا. فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ أمسكْ عَلَيْك زَوجك وَاتَّقِ الله [فَذَلِك قَول الله - تَعَالَى -: (وَإِذ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت عَلَيْهِ أمسك عَلَيْك زَوجك وَاتَّقِ الله] وتُخفي فِي نَفسك مَا الله مبديه وتخشى الناسَ وَالله أَحَق أَن تخشاه (إِن (فارقَها تزوجْتها) .

стр. 4471

قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: الله - تَعَالَى - يَقُول: (وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم) وَأعظم مَا يُمتع بِهِ النِّسَاء، وَهُوَ يخبر عَن نَفسه وجنسه الْكِرَام «مَا كَانَ لنَبِيّ أَن تكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين» وَهِي الْإِظْهَار خلاف الْإِضْمَار، هَذَا فِي الْأَمر المكشوف، فَكيف تكون لَهُ خَائِنَة فِي قلب فِي تعلق أصل تزَوجه أحد؟ ! والحسد المذموم، هُوَ تمني زَوَال النِّعْمَة من العَبْد إِلَيْك، وَهِي مَعْصِيّة عَظِيمَة، فَكيف يستجيز مُسلم ظَنَّ ذَلِك بكبار الصَّحَابَة؟ ! فَكيف بسيِّد الْمُرْسلين؟ ! وَإِنَّمَا الْجَائِز فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ عليّ بن الْحُسَيْن: «كَانَ الله قد أعلمَ نَبِيَّه أَن زَيْنَب سَتَكُون من أَزوَاجه، فَلَمَّا أَتَاهُ زيدٌ يشكوها قَالَ: اتَّقِ الله وأمسكْ عَلَيْك زَوجك» . قَالَ الله (وَتُخفي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبدِيه (وَهُوَ الَّذِي أبدى الله زواجها خَاصَّة، فَهُوَ الَّذِي أخفاه رَسُوله» وَعَامة مَا فِي قَوْله: (أمسك عَلَيْك زَوجك (أَمر النَّبِي ﷺ لَهُ بالتمسك بزوجه، مَعَ مَعْرفَته بِأَنَّهُ لابد لَهُ من فراقها، وَلَا مندوحة لَهُ عَن طَلاقهَا بِمَا أخبرهُ الله من ذَلِك، وصدور الْأَمر من الْآمِر مَعَ علمه من الْمَأْمُور بنقيضه، ومعرفته بِأَنَّهُ لَا يكون لَا يقْدَح فِي تَوْجِيه الْأَمر، فَإِن الله أَمر الْكفَّار بِالْإِيمَان مَعَ علمه بِأَنَّهُم لَا يُؤمنُونَ، فَإِن قيل: فَمَا حكمته؟ قُلْنَا: أعْلَمَ اللَّهُ رسولهُ بِأَنَّهَا زوجه، وَأَن زيدا يفارقها، وَلم يُعْلمه بِحَال زيد

стр. 4472

بعد فِرَاقه، هَل يكون مطمئن الْقلب بذلك أم قلق النَّفس؟ فَقَالَ: «أمسك عَلَيْك زَوجك» متثبتًا مِنْهُ، حَال ضَمِيره فِيهَا ومستكشفًا تعلق قلبه بهَا. ثمَّ قَالَ: فَأَما حَدِيث (ابْن) زيد وَقَتَادَة (فطريق) مشحونة وأوضح ذَلِك أَيْضا ابْن دحْيَة فِي كِتَابه «نِهَايَة السول فِي خَصَائِص الرَّسُول» فَقَالَ: علق الحوفي فِي «تَفْسِيره» عَن ابْن زيد وَقَتَادَة: وَهَذَا سَنَد لَا يُسَاوِي نواة لَيْسَ لَهُ خطام وَلَا أزمة، وَقَالا: «خرج رَسُول الله ﷺ يَوْمًا يُريدهُ - يَعْنِي: زيدا - وَعَلَى الْبَاب ستر من شعر. .» فَذكره كَمَا تقدم أَولا، ثمَّ قَالَ ابْن دحْيَة: حَكَى ذَلِك الحوفي وَجَمَاعَة من الْمُفَسّرين - كمقاتل بن سُلَيْمَان الوضَّاع، والنقاش الْكذَّاب - وَأما الحوفي فحاطب ليل، كَلَامه كالحبة فِي حميل السَّيْل، وَإِنَّمَا عُمْدته النَّحْو واللغة وَكِلَاهُمَا حَلقَة مفرغة، وَهِي غير صَحِيحَة عِنْد الْعلمَاء الراسخين، وإسنادها عَن قَتَادَة مُنْقَطع، وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم لَا يُرْوَى عَنهُ لضَعْفه ونكارة حَدِيثه، ضعفه الْأَئِمَّة، وَهَذَا مُخَالف لِلْقُرْآنِ مُفسد للْإيمَان، فقد نهَى اللَّهُ سَيِّدَ الْمُرْسلين، فَقَالَ فِي كِتَابه الْمُبين: (وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك) الْآيَة. وَهَذَا إقدام عَظِيم وَقلة معرفَة بِحَق هَذَا النَّبِي الْكَرِيم، وَكَيف يُقَال: رَآهَا فَأَعْجَبتهُ؟ وَهَذَا نَفْس الْحَسَد المذموم وَمَا (أقرب) قَائِله من نَار جَهَنَّم، ألم تكن بنت عمته، وَلم يزل يَرَاهَا مُنْذُ وُلدِتْ إِلَى أَن كَبرُت،

стр. 4473

فزوَّجها من زيد مَوْلَاهُ، فَمَا أَجْسَر رَاوِي هَذَا الْخَبَر عَلَى اللَّهِ، وَمَا أجْرَأَه! وجميعُ النسوان لم (يكن يحتجبن) من رَسُول الله ﷺ وَكَذَلِكَ أَزوَاجه، إِلَى أَن نزل آيَة الْحجاب فحجبن وجوههن عَن عُيُون النَّاس أَجْمَعِينَ. وَالَّذِي رُوي عَن عَلّي زين العابدين، وَالزهْرِيّ - سيدِّ المحدِّثين -: «أَن الله كَانَ أعلمَ نبيَّه أَن زَيْنَب سَتَكُون من أَزوَاجه، فلمَّا شكاها إِلَيْهِ زيدٌ قَالَ لَهُ: أمسكْ عَلَيْك زَوجك، وَاتَّقِ الله (وأخفى مِنْهُ) فِي نَفسه مَا أَعْلَمَهُ الله (بِهِ) (عَن) (جِبْرِيل من أَنه سيزوجها مِمَّا الله مبديه ومظهره» هَذَا رَوَاهُ زين العابدين، وَرِوَايَة الزُّهْرِيّ قَالَ: «نزل) جِبْرِيل عَلَى رَسُوله يُعلمهُ أَن الله يُزوجه زَيْنَب بنت جحش، فَذَلِك الَّذِي أَخْفَى فِي نَفسه» وَكَانَ فِي زواج رَسُول الله ﷺ زَيْنَب بعد مَوْلَاهُ زيد ثَلَاث فَوَائِد: أَحدهَا: لتستن أمته بذلك، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (لكيلا يكون عَلَى الْمُؤمنِينَ حرج) الْآيَة، وأصل الْحَرج: الضِّيْق. ثَانِيهَا: أَن الله قد أحلَّ ذَلِك لمن كَانَ قبله من الرُّسُل، ومثْلُ ذَلِك قَوْله تَعَالَى: (سُنَّة الله فِي الَّذين خلوا من قبل) الْآيَة، والسُّنَّة هِيَ

стр. 4474

الطَّرِيقَة الَّتِي سَنَّهَا الله فِي الَّذين خلوا من قبل، أَي: من السّنَن فِيمَا أحل لَهُم. قَالَه أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ. ثَالِثهَا: وَهِي أعظمها -: أَن الله - تَعَالَى - أَرَادَ أَن يقطع البنوَّة بَين مُحَمَّد (وَزيد بن حَارِثَة، إِذْ لم يكن مُحَمَّد أَبَا أَحَدٍ من رجالكم، وَكَانَ ﵇ قد تَبَنَّاه، فَكَانَ يُدْعى: زيد بن مُحَمَّد، حَتَّى نزل: (ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ) كَمَا أخرجه الشَّيْخَانِ. وَقَوله تَعَالَى: (وتخشى الناسَ وَالله أَحَق أَن تخشاه) أَي: وَتخَاف أَن يَقُول النَّاس: تَّزَوَّجَ زَوْجَة (ابْنه) فَلَا تلْتَفت إِلَيْهِم. تَنْبِيه: اعْلَم أَن الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» اسْتدلَّ بِقصَّة زيد هَذِه عَلَى أَنه ﵇ إِذا رغب فِي نِكَاح امرأةٍ وَكَانَت مزوَّجة يجب عَلَى زَوجهَا طَلاقهَا لينكحها (كَمَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب عَنهُ، وَقد يُقَال: لَو كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ لأَمره الشَّارِع بِهِ) بل أمره بالإمساك الْمنَافِي لذَلِك؛ فليُتَأملْ. (الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل» . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق أَصَحهَا مَا رَوَاهُ أَبُو حَاتِم ابْن حبَان

стр. 4475

فِي «صَحِيحه» من حَدِيث ابْن جريج، عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى الأشرق، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدي عدل، وَمَا كَانَ من نِكَاح عَلَى غير ذَلِك فَهُوَ بَاطِل؛ فَإِن تشاجروا فالسلطان ولي من لَا ولي لَهُ» ثمَّ قَالَ: لم يقل أحد فِي خبر ابْن جريج هَذَا، عَن سُلَيْمَان بن مُوسَى، عَن الزُّهْرِيّ «وشاهدي عدل» إِلَّا ثَلَاثَة أنفس: سعيد بن يَحْيَى الْأمَوِي، عَن حَفْص بن غياث، وَعبد الله بن عبد الْوَهَّاب الحَجبي، عَن خَالِد بن الْحَارِث وَعبد الرَّحْمَن بن يُونُس الرقي عَن عِيسَى بن يُونُس (قَالَ) : وَلَا يَصح فِي ذكر الشَّاهِدين غير هَذَا الحَدِيث) . الحَدِيث (الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ) «أنَّه ﷺ تزوَّج مَيْمُونَة وَهُوَ مُحْرِم» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ زَاد البُخَارِيّ فِي روايةٍ من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق، لم يصل بهَا سَنَده: «أَنه تزَوجهَا فِي عُمْرة الْقَضَاء» . وَهَذِه أسندها ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من جِهَته، وصرَّح فِيهَا

стр. 4476

بِالتَّحْدِيثِ، ثمَّ اعلمْ أَن رِوَايَة تَزْوِيجه ﵇ مَيْمُونَة فِي حَال إِحْرَامه هُوَ من رِوَايَة ابْن عَبَّاس، كَمَا ذكرتُه لكَ، وَهُوَ (مِمَّن) انْفَرد بذلك، وَرِوَايَة الجَمِّ الْغَفِير: «أَنه تزوَّجها حَلَالا» . كَذَا رَوَاهُ أَكثر الصَّحَابَة، ونبَّه عَلَى ذَلِك الرافعيُّ أَيْضا، حَيْثُ قَالَ: أَكثر الرِّوَايَات عَلَى أَنه جَرَى وَهُوَ حَلَال. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض وغيرُه: لم يَرْوِ أَنه تزوَّجها محرما إِلَّا ابْن عَبَّاس (وَحده، وروت مَيْمُونَة وَأَبُو رَافع وَغَيرهمَا: «أَنه تزَوجهَا حَلَالا» . وهُم أعرف بالقصة من ابْن عَبَّاس؛ لتعلقهم بهَا، وَلِأَنَّهُم (أضبط) من ابْن عَبَّاس) وَأكْثر. قلت: وَحَاصِل التَّرْجِيح تِسْعَة أوجه: أَحدهَا: بُلُوغ أبي رَافع إِذْ ذَاك، وصِغَر ابْنِ عَبَّاس؛ فَإِنَّهُ لم يبلغ الحُلُم إِذْ ذَاك. ثَانِيهَا: أَنه كَانَ الرَّسُول بَينهمَا، كَمَا صرَّح بِهِ فِي الحَدِيث. ثَالِثهَا: أَن ابْن عَبَّاس لم يكن مَعَه فِي تِلْكَ الْعمرَة؛ بل كَانَ فِي الولْدَان بِالْمَدِينَةِ. رَابِعهَا: أَن الصَّحَابَة (غلطوا ابْن عَبَّاس فِي ذَلِك وصوبوا رِوَايَة غَيره. قَالَ ابْن الْمسيب: وهم ابْن عَبَّاس فِي ذَلِك) رَوَاهُ عَنهُ

стр. 4477

أَبُو دَاوُد وَابْن عدي. خَامِسهَا: أَن قَول أبي رَافع مُوَافق لنَهْيه ﵇ عَن نِكَاح المُحْرِم، وَقَول ابْن عَبَّاس مُخَالف (مُسْتَلْزم) لأحد أَمريْن إِمَّا نسخ النَّهْي، أَو تَخْصِيصه عَلَيْهِ بِجَوَازِهِ، وَكِلَاهُمَا مُخَالف للْأَصْل، وَأَيْضًا: فَالصَّحِيح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ تَرْجِيح (القَوْل) عِنْد تعارضه مَعَ الْفِعْل؛ لِأَنَّهُ يتَعَدَّى إِلَى الْغَيْر، وَالْفِعْل قد يكون مَقْصُورا عَلَيْهِ. سادسها: أَن ابْن أُخْتهَا يزِيد بن الْأَصَم شهد: «أَنه ﵇ تزوَّجَها حَلَالا، وَكَانَت خَالَتِي وَخَالَة ابْن عَبَّاس» . رَوَاهُ مُسلم. سابعها: أَن مَيْمُونَة نَفسهَا رَوَت «أَنه تزَوجهَا حَلَالا» وَهِي أعلم بمسألتها. ثامنها: أَن ابْن عَبَّاس اخْتلف عَلَيْهِ، خلاف غَيره، فَفِي «الدَّارَقُطْنِيّ» من حَدِيث ابْن عَبَّاس: «أَنه ﵇ تزوَّجَهَا حَلَالا» لكنه استغربه بعد أَن رَوَاهُ. تاسعها: قَول ابْن عَبَّاس: «تزَوجهَا وَهُوَ مُحْرِم» . يحْتَمل التَّأْوِيل، وَيكون مَعْنَى قَوْله: «محرم» أَي: بِالْحرم وَهُوَ حَلَال، وَهِي لُغَة سَائِغَة مَعْرُوفَة، كَمَا تَجِد إِذْ أشام: إِذا دخل الشَّام، وأَتْهَمَ: إِذا دخل تهَامَة، وأمصر: إِذا دخل مِصْر، قَالَ الشَّاعِر: (قتلوا)

стр. 4478

ابْن عَفَّان الْخَلِيفَة محرما. أَي: فِي حرم الْمَدِينَة. وَرَوَى الْخَطِيب بِإِسْنَادِهِ إِلَى حَمَّاد بن إِسْحَاق الْموصِلِي، عَن أَبِيه إِسْحَاق قَالَ: سَأَلَ الرشيد عَن هَذَا الْبَيْت: مَا مَعْنَى «محرما» ؟ فَقَالَ الْكسَائي: أحرم بِالْحَجِّ. فَقَالَ الْأَصْمَعِي: مَا كَانَ أحرم بِالْحَجِّ، وَلَا أَرَادَ الشاعرُ أَنه أَيْضا فِي شهرٍ حرَام، فَقَالَ: «أحرم» : إِذا دخل فِيهِ، كَمَا يُقَال: أشهر: إِذا دخل فِي الشَّهْر، [وأعام إِذا دخل فِي الْعَام] فَقَالَ الْكسَائي: مَا هُوَ غير هَذَا، وَإِلَّا فَمَا أَرَادَ؟ قَالَ الْأَصْمَعِي: فَمَا أَرَادَ عديُّ بْنُ زيد بقوله: قتلوا كسْرَى بلَيْل محرما وأيُّ إِحْرَام لكسرى؟ ! فَقَالَ الرشيد: فَمَا الْمَعْنى؟ ، قَالَ: كلُّ من لم يأتِ شَيْئا يُوجب عَلَيْهِ عُقُوبَة: فَهُوَ محرم، لَا يحل شَيْء مِنْهُ، فَقَالَ الرشيد: مَا تُطاق فِي الشِّعْر يَا أصمعي، ثمَّ قَالَ: لَا تعرضوا للأصمعي فِي الشِّعْر. الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ «أَنه ﵇ كَانَ يُطاف بِهِ فِي الْمَرَض عَلَى نِسَائِهِ» . هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي فِي «الْمُخْتَصر» بلاغًا، فَقَالَ: وبلغنا: «أَنه كَانَ يُطاف بِهِ مَحْمُولا فِي مَرضه عَلَى نِسَائِهِ، حَتَّى حللنه» . (وأسنده) ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب «الوفا» من حَدِيث: الْحَارِث بن أبي أُسَامَة، ثَنَا مُحَمَّد بن (سعد) ثَنَا أنس بن عِيَاض، عَن جَعْفَر

стр. 4479

بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه: «أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُحْمل فِي ثوبٍ، يطوف بِهِ عَلَى نِسَائِهِ وَهُوَ مَرِيض، يُقَسِّم بَينهُنَّ» . وَهَذَا إِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات، لكنه لَيْسَ بِمُتَّصِل. لَكِن فِي «صَحِيح البُخَارِيّ» فِي كتاب الْهِبَة من حَدِيث عَائِشَة: «لمَّا ثقل رَسُول الله ﷺ فَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذن أزواجَهُ أَن يُمرَّض فِي بَيْتِي، فأذِنَّ لَهُ» . وَفِي «صَحِيح مُسلم» فِي كتاب الصَّلَاة عَنْهَا: «أول مَا اشْتَكَى رَسُول الله ﷺ فِي بَيت مَيْمُونَة، فَاسْتَأْذن أزواجَهُ أَن يُمرَّض فِي بَيْتِي، فأذِنَّ لَهُ» . وَفِيهِمَا عَنْهَا: «إنْ كَانَ رَسُول الله ﷺ ليتفقد: أيْن أَنا الْيَوْم؟ أَيْن أَنا غَدا؟ استبطاءً ليَوْم عَائِشَة [قَالَت] : فلمَّا كَانَ يومي قَبضه الله بَين سَحْري ونَحْري» . زَاد البُخَارِيّ: «وَدفن فِي بَيْتِي» . وَفِي روايةٍ لَهُ: «أَنه ﵇ لمَّا كَانَ فِي مَرضه جعل يَدُور فِي نِسَائِهِ وَيَقُول (أَيْن) أَنا غَدا؟ أَيْن أَنا غَدا؟ حرصًا عَلَى بَيت عَائِشَة، قَالَت عَائِشَة: فلمَّا كَانَ يومي سَكَنَ» . وَفِي رِوَايَة: «فَمَاتَ فِي الْيَوْم الَّذِي كَانَ يَدُور عليَّ فِيهِ» .

стр. 4480

وَفِي رِوَايَة للبيهقي عَنْهَا: «أَنه كَانَ يسْأَل فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ: أَيْن أَنا غَدا؟ أَيْن أَنا غَدا؟ يُرِيد يَوْم عَائِشَة، فأذِنَّ لَهُ أزواجُه أَن يكون حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيت عَائِشَة، حَتَّى مَاتَ (عِنْدهَا) (قَالَت عَائِشَة: فَمَاتَ فِي الْيَوْم (الَّذِي﴾ ٥٩) كَانَ يَدُور عَلَى بَيْتِي» . وَفِي «صَحِيح ابْن حبَان» عَن عَائِشَة: «اشْتَكَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ نساؤه: انْظُر حَيْثُ تحب أَن تكون بِهِ فَنحْن نَأْتِيك. فَقَالَ ﵇: أوَ (كلكن) عَلى ذَلِك؟ (قَالَت) : نعم. فانتقل إِلَى بَيت عَائِشَة (فَمَاتَ فِيهِ» . وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» من حَدِيث أبي عمرَان الْجونِي، عَن يزِيد بن بابنوس، عَن عَائِشَة) «أَنه ﵇ بعث إِلَى النِّسَاء - يَعْنِي: فِي مَرضه - فاجتمعن، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيع أَن أدور بينكن؛ فَإِن رأيتن أَن تأذنَّ لي فَأَكُون عِنْد عَائِشَة (فعلتن) فأذِنَّ لَهُ» . وَيزِيد هَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد: كَانَ شِيْعِيًّا. وَقَالَ البُخَارِيّ: وَكَانَ

стр. 4481

من الشِّيعَة الَّذين قَاتلُوا عليًّا. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَلَا يُعْرف حَاله فِي الحَدِيث، وَلَا رَوَى عَنهُ غير أبي عمرَان. قلت: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي حَقِّه: لَا بَأْس بِهِ. فَائِدَة: نقل ابْن دحْيَة فِي «الخصائص» عَن القَاضِي أَبَى بكر أَحْمد بن كَامِل بن شَجَرَة فِي كتاب «الْبُرْهَان» : «أَن أوَّل مَرَضِ رَسُول الله ﷺ كَانَ فِي بَيت رَيْحَانَة بِنْتِ شَمْعُون سَرِيَّتِهِ. ﵇» . الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ «أنَّه ﷺ كَانَ يَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا قَسَمِي فِيمَا أَمْلُك؛ فَلَا تلمني فِيمَا تَمْلُك وَلَا أَمْلُك» . هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي فِي «الْمُخْتَصر» بلاغًا، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَحْمد والدارمي فِي «مسنديهما» وأصحابُ «السّنَن» الْأَرْبَعَة، وَالْحَاكِم وَابْن حبَان فِي «صَحِيحهمَا» من حَدِيث عَائِشَة ﵂. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ أَبُو دَاوُد: يَعْنِي: القلبَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: إِنَّمَا

стр. 4482

يَعْنِي بِهِ: الحُبَّ والمودة، كَذَا فسره بعض أهل الْعلم - قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَذكر التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَنه رُوي مُرْسلا وَقَالَ التِّرْمِذِيّ أَنه أصح. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : إِنَّه أقرب إِلَى الصَّوَاب. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: لَا أعلم أحدا تَابع حَمَّاد بن سَلمَة عَلَى رفْعه. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم رَوَاهُ ابْن (عُلَيَّة) عَن أَيُّوب، عَن أبي قلَابَة مُرْسلا. قلت: قد عُلم مَا فِي تعَارض الْوَصْل والإرسال. الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ «أنَّه ﷺ أعتق صَفِيَّة، وَجعل عِتْقَهَا صَدَاقها» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس ﵁. نَعَمْ فِي «البخاريِّ» من حَدِيث أبي مُوسَى: «أَنه ﵇ أعْتقهَا، ثمَّ أصْدَقَهَا» .

стр. 4483

ذكره فِي بَاب: اتِّخَاذ السراري، من كتاب: النِّكَاح من «صَحِيحه» وَذَلِكَ يدل عَلَى تَجْدِيد العقد بِصَدَاق غير الْعتْق، وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِي مَعْنَى الرِّوَايَة الأولَى عَلَى أَرْبَعَة أوجه، أوضحتها فِي «الخصائص» : أَصَحهَا: أَن مَعْنَاهُ: أعْتقهَا بِلَا عوض، وتزوَّجها بِلَا مهر، لَا فِي الْحَال وَلَا فِي الْمَآل، وَلم يحكه الرَّافِعِيّ؛ بل حَكَى وَجْهَيْن آخَرين عَن ابْن قُتَيْبَة كَذَلِك. الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ رُوِيَ «أنَّه ﷺ تزوَّج امْرَأَة، فَرَأَى بكشحها بَيَاضًا، فَقَالَ: الْحِقَى بأهلكِ» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من رِوَايَة جميل بن زيد الطَّائِي، عَن [زيد بن] كَعْب بن عجْرَة، عَن أَبِيه قَالَ: «تزوَّج رَسُول الله ﷺ العاليةَ، امْرَأَة مِنْ بني غِفَار، فلمَّا دخلتْ عَلَيْهِ ووضعتْ ثِيَابهَا رَأَى بكشحها بَيَاضًا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : البسى ثِيَابك، والْحَقِي بأهلك. وَأمر لَهَا بِالصَّدَاقِ» . ذكر هَذَا فِي ترجمتها من «مُسْتَدْركه» . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» أَيْضا من حَدِيث ابْن عُمر: «أَنه عَلَيْهِ

стр. 4484

الصَّلَاة وَالسَّلَام تزوَّج امْرَأَة من بني غفار، فلمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ رَأَى بكشحها وَضْحًا، فردَّها إِلَى أَهلهَا وَقَالَ: دلستم عليَّ!» . وَفِي إسنادها أَيْضا: جميل بن زيد الْمَذْكُور، وَهُوَ ضَعِيف، قَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِثِقَة. قَالَ ابْن عدي: تفرد بِهِ، واضطربت (رُوَاته) عَنهُ. وَذكر الْبَيْهَقِيّ اخْتِلَافا فِيهِ، وَهُوَ أَنه رَوَاهُ جميل عَن سعيد بن زيد الْأنْصَارِيّ مرَّةً، ومرَّةَ (عَن زيد) بن كَعْب أَو كَعْب. ومرَّةً عَن جميل، عَن ابْن عمر كَمَا تقدم، ثمَّ قَالَ: مُخْتَلف فِيهِ كَمَا ترَى. وَقَالَ البُخَارِيّ: لم يَصح حَدِيثه. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بالقويّ. وَقَالَ ابْن حبَان: رَحل إِلَى الْمَدِينَة؛ فَسمع أَحَادِيث ابْن عمر بعد مَوته، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَصْرَة فرواها. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: كَانَ يَقُول: مَا سمعتُ من ابْن عُمر شَيْئا. وَفِي «تَارِيخ البُخَارِيّ» : قَالَ أَحْمد عَن أبي بكر بن عَيَّاش، عَن جميل: مَا سمعتُ من ابْن عُمر شَيْئا. وَإِنَّمَا (قَالَ) : أكتب أَحَادِيثه، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَة؛ فكتبها. وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث جميل الْمَذْكُور عَن زيد بن كَعْب - أَو

стр. 4485

كَعْب بن زيد: «أَن رَسُول الله ﷺ تزوَّج امْرَأَة من غِفَار، فلمَّا دخل عَلَيْهَا وَوضع ثَوْبه وَقعد عَلَى الِفَراش أبْصَرَ بكشحها بَيَاضًا، (فامتار) عَن الْفراش، ثمَّ قَالَ: خذي عَلَيْك ثِيَابك! وَلم يأخذْ مِمَّا أَتَاهَا شَيْئا» . تَنْبِيه: وَقع هَذَا الحَدِيث فِي «الْخُلَاصَة عَلَى مَذْهَب أبي حنيفَة» ونفاه بعضُ مَنْ تكلم عَلَيْهَا وَعَلَى «الْهِدَايَة» فِي جزءٍ لطيفٍ وَقَالَ: لَا مدْخل لكعب بن عجْرَة فِي هَذَا الحَدِيث. قَالَ: وَالظَّاهِر أَنه كَعْب بن زيد، كَمَا وَقع فِي بعض الرِّوَايَات، وَهُوَ غَرِيب، فَهُوَ فِي «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» كَمَا عَزَيْنَاهُ إِلَيْهِ آنِفا (فاستفده) . فَائِدَة: قَالَ الْحَاكِم: هَذِه - يَعْنِي: المُفَارَقة - لَيست بالكلابية؛ إِنَّمَا هِيَ أَسمَاء بنت النُّعْمَان الغِفَارية، ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ، عَن سعيد بن أبي عرُوبَة، عَن قَتَادَة قَالَ: «ثمَّ تزوَّج رَسُول الله ﷺ من أهل الْيمن أَسمَاء بنت النُّعْمَان الغفارية، وَهِي ابْنة النُّعْمَان بن الْحَارِث بن شرَاحِيل بن النُّعْمَان، فَلَمَّا دخل بهَا دَعَاهَا؛ فَقَالَت: تعال أَنْت! فَطَلَّقَهَا» . فَائِدَة أُخْرَى: الكشح - بِإِسْكَان الشين الْمُعْجَمَة -: بَين الخاصرة إِلَى الضلع؟ الحقب - كَذَا بِالتَّحْرِيكِ - دَاء يُصِيب الْإِنْسَان فِي كَشْحِهِ، فَيُكْوى، وَالْبَيَاض فِي الْخَبَر يجوز أَن يكون بَهَقًا أَو برصًا، قَالَ الْجَوْهَرِي: الوضح: الضَّوْء وَالْبَيَاض، يُقَال: بالفَرَسِ وضح، إِذا كَانَ بِهِ (شِيَة) وَقد يُكَنَّى بِهِ عَن البرص، وَمِنْه قيل [لجذيمة الأبرش] : الوضاح.
следующие страницы →