Полный текст (6 131 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
عَلَى أَن لَا ينْكح العَبْد أَكثر من اثْنَتَيْنِ» .
وَهَذَا الْأَثر سَاقه ابْن الْجَوْزِيّ بِإِسْنَادِهِ كَذَلِك، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث لَيْث، عَن الحكم، قَالَ: «اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ عَلَى أَن الْمَمْلُوك لَا يجمع من النِّسَاء فَوق اثْنَتَيْنِ» وَلَيْث هَذَا هُوَ ابْن أبي سليم، وَقد سلف الْكَلَام عَلَيْهِ.
وَرَوَى الشَّافِعِي بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح، عَن عمر أَنه قَالَ: «ينْكح العَبْد امْرَأتَيْنِ» ثمَّ رَوَاهُ عَن عَلّي وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف، ثمَّ قَالَ: وَلَا يعرف لَهُم من الصَّحَابَة مُخَالف. وَهُوَ قَول الْأَكْثَر من (الْمُفَسّرين) بالبلدان.
الْأَثر الثَّانِي: عَن عَلّي ﵁ أَنه قَالَ: «من وطئ إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ فَلَا يطَأ الْأُخْرَى حَتَّى تخرج الْمَوْطُوءَة عَن ملكه» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة عَن عَمه عَن عَلّي «أَنه سَأَلَهُ رجل (لَهُ) أمتان أختَان وطئ إِحْدَاهمَا ثمَّ أَرَادَ أَن يطَأ الْأُخْرَى، قَالَ: لَا؛ حَتَّى يُخرجهَا من ملكه» .
الْأَثر الثَّالِث: عَن ابْن عَبَّاس ﵁ «أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى (وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات) (أَن المُرَاد بالطول: الْفضل وَالسعَة وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث عَلّي
стр. 4622
بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس «أَنه قَالَ فِي قَوْله: (وَمن لم يسْتَطع مِنْكُم طولا أَن ينْكح الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات فَمن مَا ملكت أَيْمَانكُم من فَتَيَاتكُم الْمُؤْمِنَات) يَقُول: من لم يكن لَهُ سَعَة أَن ينْكح الْحَرَائِر فَلْيَنْكِح من إِمَاء الْمُؤمنِينَ و (ذَلِك لمن خشِي الْعَنَت) وَهُوَ الْفُجُور، فَلَيْسَ لأحدٍ من الْأَحْرَار أَن ينْكح أمة إِلَّا أَن لَا يقدر عَلَى حرّة وَهُوَ يخْشَى الْعَنَت (وَأَن تصبروا) عَن نِكَاح الْأمة فَهُوَ (خير لكم) وَعلي بن أبي طَلْحَة هَذَا (قَالَ أَحْمد) لَهُ أَشْيَاء مُنكرَات. قَالَ أَبُو حَاتِم: عَلّي بن أبي طَلْحَة، عَن ابْن عَبَّاس مُرْسل؛ إِنَّمَا يروي عَن مُجَاهِد وَالقَاسِم.
الْأَثر الرَّابِع: «أَن الصَّحَابَة ﵃ تزوجوا الكتابيات وَلم يبحثوا» .
هَذَا صَحِيح؛ فَفِي الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح عَن عُثْمَان «أَنه نكح ابْنة الفرافصة الْكَلْبِيَّة - وَهِي نَصْرَانِيَّة - عَلَى نِسَائِهِ، ثمَّ أسلمت عَلَى يَدَيْهِ» .
وَرَوَى أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الرَّحْمَن - شيخ من بني الْأَشْهَل « (أَن حُذَيْفَة نكح يَهُودِيَّة» و) فِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث أبي وَائِل: «فَكتب إِلَيْهِ عمر أَن يفارقها، قَالَ: إِنِّي أخْشَى أَن تدعوا المسلمات
стр. 4623
وتنكحوا المومسات!» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا من عمر عَلَى طَرِيق التَّنَزُّه وَالْكَرَاهَة؛ فَفِي رِوَايَة أُخْرَى «أَن حُذَيْفَة كتب إِلَيْهِ: أحرام هِيَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَخَاف أَن تعاطوا المومسات مِنْهُنَّ» .
وَقَالَ الشَّافِعِي: أبنا (عبد الْمجِيد) بن عبد الْعَزِيز، عَن ابْن جريج (عَن أبي الزبير) «أَنه سمع جَابر بن عبد الله يسْأَل عَن نِكَاح الْمُسلم الْيَهُودِيَّة والنصرانية، فَقَالَ: تزوجناهن فِي زمن الْفَتْح بِالْكُوفَةِ مَعَ سعد بن أبي وَقاص وَنحن لَا نجد المسلمات كثيرا، فَلَمَّا رَجعْنَا طلقناهن. وَقَالَ: لَا يرثن مُسلما وَلَا يرثهن، وَنِسَاؤُهُمْ لنا حلّ وَنِسَاؤُنَا عَلَيْهِم حرَام» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ «أَن حُذَيْفَة تزوج مَجُوسِيَّة» وَهُوَ غير ثَابت (عَنهُ) يُقَال لَهَا: شاه بردخت، قَالَه عبد الْحق، قَالَ: وَالْمَحْفُوظ عَنهُ أَنه تزوج يَهُودِيَّة.
قلت: وَفِي «الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير» أَنَّهَا نَصْرَانِيَّة. وَفِي الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث (هُبَيْرَة) عَن عَلّي قَالَ: «تزوج طَلْحَة يَهُودِيَّة» وَفِيه أَيْضا من حَدِيث عَمْرو مولَى الْمطلب، عَن أبي الْحُوَيْرِث «أَن طَلْحَة نكح امْرَأَة من
стр. 4624
كلب نَصْرَانِيَّة (حَتَّى (وجهت) حِين قدمت عَلَيْهِ» ) وَأما حَدِيث عَلّي بن أبي طَلْحَة، عَن كَعْب بن مَالك «أَنه أَرَادَ أَن يتَزَوَّج يَهُودِيَّة، فَقَالَ لَهُ ﵇: لَا تتزوجها؛ فَإِنَّهَا لَا تحصنك» . فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «مراسليه» وَمَعَ إرْسَاله فَهُوَ مُنْقَطع - فِيمَا بَين عَلّي وَكَعب - وَضَعِيف؛ لِأَنَّهُ يرويهِ عَن عَلّي أَبُو سبأ عتبَة بن تَمِيم، وَلَا يعرف حَاله كَمَا قَالَ ابْن الْقطَّان، وَرَوَاهُ عَنهُ بَقِيَّة، وَهُوَ مِمَّن قد علم حَاله.
الْأَثر الْخَامِس: عَن عَلّي ﵁ «أَنه كَانَ للمجوس كتاب فَأَصْبحُوا وَقد أسرِي بِهِ» .
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي، عَن سُفْيَان، عَن سعيد بن الْمَرْزُبَان، عَن نصر بن عَاصِم، قَالَ: قَالَ فَرْوَة بن نَوْفَل: «علام تُؤْخَذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس وَلَيْسوا بِأَهْل كتاب؟ ! فَقَامَ إِلَيْهِ (الْمُسْتَوْرد) فَأخذ بلبته فَقَالَ: يَا عَدو الله، تطعن عَلَى أبي بكر وَعمر وَعلي أَمِير الْمُؤمنِينَ - يَعْنِي: عليًّا - وَقد أخذُوا مِنْهُم الْجِزْيَة؟ ! فَذهب بِهِ إِلَى الْقصر، فَخرج (عَلَيْهِمَا) عَلّي فَقَالَ: ألبدا. فَجَلَسْنَا فِي ظلّ الْقصر، فَقَالَ عَلّي: أَنا أعلم النَّاس بالمجوس كَانَ لَهُم علم يعلمونه وَكتاب يدرسونه، وَإِن ملكهم سكر فَوَقع عَلَى ابْنَته أَو أُخْته فَاطلع عَلَيْهِ بعض أهل مَمْلَكَته، فَلَمَّا (صَحا) جَاءُوا يُقِيمُونَ عَلَيْهِ الْحَد فَامْتنعَ مِنْهُم، فَدَعَا أهل مَمْلَكَته، فَقَالَ: تعلمُونَ دينا
стр. 4625
خيرا من دين آدم؟ وَقد كَانَ آدم ينْكح بنِيه من بَنَاته، وَأَنا عَلَى دين آدم، وَمَا يرغب بكم عَن دينه؟ فتابعوه وقاتلوا الَّذين خالفوه حَتَّى قتلوهم وَأَصْبحُوا وَقد أسرِي عَلَى كِتَابهمْ، فَرفع من بَين أظهرهم وَذهب الْعلم الَّذِي فِي صدروهم وهم أهل كتاب، وَقد أَخذ رَسُول الله ﷺ (وَأَبُو بكر وَعمر) مِنْهُم الْجِزْيَة.
وفروة مُخْتَلف فِيهِ وَهُوَ من الْخَوَارِج.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ الْحَاكِم: قَالَ العاصمي: قَالَ ابْن خُزَيْمَة: وهم ابْن عُيَيْنَة [فِي] هَذَا الْإِسْنَاد، رَوَاهُ عَن أبي سعيد الْبَقَّال فَقَالَ: عَن نصر بن عَاصِم (وَنصر بن عَاصِم) هُوَ اللَّيْثِيّ. وَإِنَّمَا هُوَ عِيسَى بن عَاصِم الْأَسدي كُوفِي.
قَالَ ابْن خُزَيْمَة: والغلط فِيهِ من ابْن عُيَيْنَة لَا من الشَّافِعِي، فقد رَوَاهُ عَن ابْن عُيَيْنَة غير الشَّافِعِي، فَقَالَ: عَن نصر بن عَاصِم، قَالَ الشَّافِعِي: وَحَدِيث نصْر بن عَاصِم هَذَا عَن عَلّي، عَن النَّبِي ﷺ مُتَّصِل وَبِه نَأْخُذ.
قلت: لَكِن الْبَقَّال الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ الْأَعْوَر الْمَجْرُوح، قَالَ يَحْيَى بن (سعيد) : لَا أستحل أروي عَنهُ. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: لَيْسَ
стр. 4626
بِشَيْء وَلَا يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن حبَان: كثير الْوَهم فَاحش الْخَطَأ. فَلَعَلَّ الشَّافِعِي كَانَ يرَاهُ ثِقَة، كَمَا قَالَ فِيهِ أَبُو أُسَامَة إِنَّه كَانَ ثِقَة. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: صَدُوق مُدَلّس. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا يحْتَج بِهِ. وَأعله الْعقيلِيّ من وَجه آخر، وَقَالَ: نصْر بن عَاصِم هَذَا لَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه. وَقَالَ أَبُو عبيد: لَا أَحسب هَذَا الْأَثر مَحْفُوظًا. (قَالَ) ابْن عبد الْبر فِي «تمهيده» : فِي قَوْله ﵇ فِي الْمَجُوس «سنوا بهم سنة أهل الْكتاب» يَعْنِي فِي الْجِزْيَة. دَلِيله عَلَيْهِ: أَنهم لَيْسُوا أهل الْكتاب، وَعَلَى ذَلِك جُمْهُور الْفُقَهَاء.
وَقد رُوِيَ عَن الشَّافِعِي «أَنهم كَانُوا أهل كتاب فبدلوا» وَأَظنهُ ذهب فِي ذَلِك إِلَى شَيْء رُوِيَ عَن عَلّي من وَجه فِيهِ ضعف يَدُور عَلَى أبي سعيد الْبَقَّال، ثمَّ ذكر هَذَا الْأَثر، ثمَّ قَالَ: وَأكْثر أهل الْعلم يأبون ذَلِك وَلَا يصححون هَذَا الحَدِيث، فالحجة لَهُم قَوْله تَعَالَى: (أَن تَقول إِنَّمَا أنزل الْكتاب عَلَى طائفتين من قبلنَا) وَغير ذَلِك.
الْأَثر السَّادِس: «أَن الصَّحَابَة ﵃ أخذُوا الْجِزْيَة من نَصَارَى الْعَرَب، وهم: تنوخ، وبَهراء، و (تغلب) » . هَذَا صَحِيح عَنْهُم، وَقد ذكره الشَّافِعِي، وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي بَابه.
فَائِدَة: تنوخ - بمثناة (من) فَوق ثمَّ نون ثمَّ وَاو ثمَّ خاء مُعْجمَة -:
стр. 4627
قَبيلَة مَعْرُوفَة. وبَهراء - بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة (ثمَّ) هَاء سَاكِنة (و) بِالْمدِّ -: قَبيلَة مَعْرُوفَة من (قضاعة) وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا: بهراني، كصنعاني عَلَى غير قِيَاس، وَبَنُو (تغلب) بِكَسْر اللَّام قَبيلَة مَعْرُوفَة.
стр. 4628
بَاب نِكَاح الْمُشرك
ذكر فِيهِ ﵀ سَبْعَة أَحَادِيث:
أَحدهَا
«أَن صَفْوَان بن أُميَّة وَعِكْرِمَة بن أبي جهل هربا كَافِرين إِلَى السَّاحِل حِين (فتحت) مَكَّة وَأسْلمت امرأتاهما بِمَكَّة، وأخذتا بالأمان لزوجيهما، فَقدما وأسلما فَرد النَّبِي ﷺ امرأتيهما» .
هَذَا رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن ابْن شهَاب «أَنه بلغه أَن [نسَاء كن] فِي عهد رَسُول الله ﷺ يسلمن بِغَيْر أرضهن وَهن غير مهاجرات وأزواجهن حِين أسلمن كفار، مِنْهُنَّ: بنت الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَكَانَت تَحت صَفْوَان بن أُميَّة، فَأسْلمت يَوْم الْفَتْح وهرب صَفْوَان بن أُميَّة من الْإِسْلَام، فَبعث النَّبِي ﷺ إِلَيْهِ ابْن عَمه وهب بن عُمَيْر برداء النَّبِي ﷺ أَمَانًا لِصَفْوَان بن أُميَّة، وَدعَاهُ النَّبِي ﷺ إِلَى الْإِسْلَام وَأَن يقدم عَلَيْهِ، فَإِن رَضِي أمرا قبله وَإِلَّا سيره شَهْرَيْن، فَلَمَّا قدم صَفْوَان عَلَى رَسُول الله ﷺ بردائه ناداه عَلَى رُءُوس النَّاس فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، إِن هَذَا وهب بن عُمَيْر جَاءَنِي بردائك وَزعم أَنَّك دعوتني إِلَى الْقدوم عَلَيْك، فَإِن رضيت أمرا قبلته وَإِلَّا سيرتني شَهْرَيْن، فَقَالَ ﵇، انْزِلْ أَبَا وهب. فَقَالَ: لَا وَالله لَا أنزل حَتَّى تبين لي، فَقَالَ ﵇: بل لَك تسير أَرْبَعَة أشهر. فَخرج النَّبِي ﷺ -
стр. 4629
قبل هوَازن وحنين، فَأرْسل إِلَى صَفْوَان يستعير أَدَاة وسلاحًا عِنْده، فَقَالَ صَفْوَان: أطوعًا أم كرها؟ فَقَالَ: بل طَوْعًا. فأعاره الأداة والسِّلَاح الَّذِي عِنْده، ثمَّ خرج مَعَ النَّبِي ﷺ وَهُوَ كَافِر فَشهد حنينًا والطائف وَهُوَ كَافِر وَامْرَأَته مسلمة، وَلم يفرق النَّبِي ﷺ بَينه وَبَين امْرَأَته حَتَّى أسلم صَفْوَان واستقرت عِنْده امْرَأَته» . فَقَالَ ابْن شهَاب: كَانَ بَين إِسْلَام صَفْوَان وَإِسْلَام امْرَأَته نَحوا من شهر.
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم وَفِيه: «أَن إِسْلَام زَوجته كَانَ يَوْم الْفَتْح، وَأَن صَفْوَان شهد مَعَ رَسُول الله ﷺ الطَّائِف وحنينًا وَهُوَ كَافِر» .
وَرَوَى مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» أَيْضا عَن ابْن شهَاب أَن أم حَكِيم بنت الْحَارِث بن هِشَام، وَكَانَت تَحت عِكْرِمَة بن أبي جهل، فَأسْلمت يَوْم الْفَتْح فهرب زَوجهَا عِكْرِمَة من الْإِسْلَام حَتَّى قدم الْيمن، فارتحلت أم حَكِيم حَتَّى قدمت عَلَيْهِ الْيمن فدعته إِلَى الْإِسْلَام، فَأسلم وَقدم عَلَى رَسُول الله ﷺ عَام الْفَتْح، فَلَمَّا رَآهُ رَسُول الله ﷺ وثب إِلَيْهِ فَرحا (وَمَا) عَلَيْهِ رِدَاء حَتَّى بَايعه (فَثَبت) عَلَى نِكَاحهمَا ذَلِك.
قَالَ ابْن شهَاب: وَلم يبلغنَا أَن امْرَأَة هَاجَرت إِلَى الله وَرَسُوله وَزوجهَا كَافِر مُقيم بدار الْحَرْب إِلَّا فرقت هجرتهَا بَينهَا وَبَين زَوجهَا إِلَّا أَن يقدم زَوجهَا بهَا مُهَاجرا قبل أَن تَنْقَضِي عدتهَا.
الحَدِيث الثَّانِي
«أَن أَبَا سُفْيَان وَحَكِيم بن حزَام أسلما بمرّ الظهْرَان - وَهُوَ معسكر
стр. 4630
الْمُسلمين - و (امرأتاهما) بِمَكَّة وَهِي يَوْمئِذٍ دَار حَرْب ثمَّ أسلما بعد وَأقر النِّكَاح» . هَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الشَّافِعِي، أبنا جمَاعَة من (أهل) الْعلم من قُرَيْش وَأهل الْمَغَازِي وَغَيرهم عَن عدد مثلهم «أَن (أَبَا) سُفْيَان بن حَرْب أسلم بمر الظهْرَان وَرَسُول الله ﷺ ظَاهر عَلَيْهَا، فَكَانَت بظهوره وَإِسْلَام أَهلهَا دَار إِسْلَام وَامْرَأَته هِنْد بنت عتبَة كَافِرَة بِمَكَّة، وَمَكَّة يؤمئذ دَار حَرْب، ثمَّ قدم عَلَيْهَا يدعوها إِلَى الْإِسْلَام، فَأخذت بلحيته وَقَالَت: اقْتُلُوا الشَّيْخ (الضال) وأقامت أَيَّامًا قبل أَن تسلم، ثمَّ أسلمت وبايعت النَّبِي ﷺ فثبتا عَلَى النِّكَاح؛ لِأَن عدتهَا لم تنقض حَتَّى أسلمت، وَكَانَ كَذَلِك حَكِيم بن حزَام وإسلامه - يَعْنِي كَانَ إِسْلَامه بمر الظهْرَان - وَامْرَأَته بِمَكَّة ثمَّ أسلمت فِي عدتهَا» .
ذكر ذَلِك الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» وَذكره فِي «الْأُم» بِغَيْر إِسْنَاد قَالَ: وَهُوَ مَعْرُوف عِنْد أهل الْعلم بالمغازي، وَذكره فِي «سير الْوَاقِدِيّ» و «الْأُم» أَيْضا وَقَالَ: فأقامت عَلَى الشّرك حَتَّى أسلمت بعد الْفَتْح بأيام فأقرها رَسُول الله ﷺ عَلَى النِّكَاح، وَذَلِكَ أَن عدتهَا لم تنقض، وَفِي السّنَن الْمَجْمُوعَة من أَحَادِيث الشَّافِعِي: أبنا جمَاعَة فِي عدد «أَن أَبَا سُفْيَان أسلم وَامْرَأَته هِنْد كَافِرَة ثمَّ أسلمت وثبتا عَلَى النِّكَاح، وَأسْلمت امْرَأَة عِكْرِمَة بن أبي جهل وامرأةُ صَفْوَان بن أُميَّة، ثمَّ أسلما، وكل ذَلِك وَنِسَاؤُهُمْ مَدْخُول بِهن لم تنقض عددهن.
стр. 4631
الحَدِيث الثَّالِث
«أَنه ﵊ قَالَ لفيروز الديلمي - وَقد أسلم عَلَى أُخْتَيْنِ -: اختر أَحدهمَا» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي وَأحمد [وَأَبُو دَاوُد] وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة أبي وهب (دَيْلَم بن الهوشع كَمَا قَالَه (خَ، ت) أَو عَكسه، أَو عبيد بن شُرَحْبِيل، وَهُوَ مَا صَوبه ابْن يُونُس) - الجيشاني (من جيشان الْيمن) عَن الضَّحَّاك بن فَيْرُوز عَن أَبِيه قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، إِنِّي أسلمت وتحتي أختَان؛ فَقَالَ: طلق أَيهمَا شِئْت» (هَذَا لفظ أبي دَاوُد، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: «اختر أَيَّتهمَا شِئْت» ) زَاد ابْن الْأَثِير فِي «جَامعه» : «وطلق الْأُخْرَى» .
وَلم أر هَذِه الزِّيَادَة فِيهِ، وَلَفظ ابْن مَاجَه: «إِذا رجعتَ فَطَلِّق إِحْدَاهُمَا» .
وَفِي رِوَايَة لَهُ كَلَفْظِ أبي دَاوُد، وَلَفظ الشَّافِعِي «فَأمرنِي أَن أمسك
стр. 4632
أَيهمَا شِئْت وأفارق الْأُخْرَى» .
وَلَفظ أَحْمد كَلَفْظِ أبي دَاوُد، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن غَرِيب، وَفِي سَنَده: ابْن لَهِيعَة.
قلت: وَأخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» أَيْضا بِلَفْظ أبي دَاوُد، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده صَحِيح.
قلت: ومداره عَلَى أبي وهب السالف، عداده فِي الْبَصرِيين، وَذكر الْعقيلِيّ لَهُ فِي «الضُّعَفَاء» هَذَا الحَدِيث وَقَالَ: لَا يحفظ إِلَّا عَنهُ. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: إِنَّه مَجْهُول.
قلت: قد وَثَّقَهُ ابْن حبَان، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» : تفرد بِهِ (جرير) بن حَازِم، عَن يَحْيَى بن أَيُّوب، عَن يزِيد بن أبي حبيب عَنهُ.
قلت: لَا فقد أخرجه الشَّافِعِي، عَن ابْن أبي يَحْيَى، عَن إِسْحَاق عَنهُ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث عبد السَّلَام بن حَرْب، عَن إِسْحَاق عَنهُ، وَمن حَدِيث ابْن وهب، عَن ابْن لَهِيعَة، عَنهُ (وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث جرير
стр. 4633
وَمن حَدِيث قُتَيْبَة، عَن ابْن لَهِيعَة عَنهُ) وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن يَحْيَى، عَن ابْن لَهِيعَة عَنهُ. وَقَالَ البُخَارِيّ: دَيْلَم بن فَيْرُوز الْحِمْيَرِي، رَوَى عَنهُ ابْنه عبد الله فِي إِسْنَاده نظر، وَهَذَا مَعْدُود فِي أَوْهَام البُخَارِيّ كَمَا نبه عَلَيْهِ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي؛ فَإِن ذَاك عبد الله بن فَيْرُوز الدَّيْلَمِي وَثَّقَهُ ابْن معِين وَالْعجلِي، وَأعله ابْن الْقطَّان بأمرين (آخَرين، فَقَالَ: هَذَا حَدِيث ضَعِيف الْإِسْنَاد؛ لِأَن حَالَة الضَّحَّاك مَجْهُول، وَيَحْيَى بن أَيُّوب) الغافقي لَا يحْتَج بِهِ لسوء حفظه.
قلت: أما الضَّحَّاك فقد رَوَى عَن أَبِيه وَله صُحْبَة، وَرَوَى عَنهُ جمَاعَة: أَبُو وهب الْمَذْكُور، وَعُرْوَة بن غزيَّة، وَكثير الصَّنْعَانِيّ. وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» وَأما يَحْيَى بن أَيُّوب فَهُوَ من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين، وَبَعض هَذَا كافٍ، وَإِن قَالَ النَّسَائِيّ فِي حَقه: لَيْسَ بِذَاكَ الْقوي. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَحَله الصدْق وَلَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ أَحْمد: سيئ الْحِفْظ وَهُوَ دون حَيْوَة.
قلت: وَهُوَ أحد عُلَمَاء مصر.
فَائِدَة: فَيْرُوز هَذَا مَاتَ فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، وَهُوَ قَاتل الْأسود الْعَنسِي الْكذَّاب.
стр. 4634
الحَدِيث الرَّابِع
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «ولدت من نِكَاح لَا من سفاح» . هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق:
أَحدهَا: من طَرِيق ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث عَلّي (بن) عبد الْعَزِيز، ثَنَا مُحَمَّد بن أبي نعيم، ثَنَا هشيم، حَدثنِي الْمَدِينِيّ، عَن أبي الْحُوَيْرِث، عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: مَا « (ولدني) من سفاح أهل الْجَاهِلِيَّة شَيْء مَا (ولدني) إِلَّا نِكَاح كَنِكَاح الْإِسْلَام» .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «مُعْجَمه الْكَبِير» عَن (عَلّي) بن عبد الْعَزِيز ثمَّ قَالَ: الْمَدِينِيّ هُوَ عِنْدِي فليح بن سُلَيْمَان. كَذَا قَالَ، وَيحْتَمل أَن يكون إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى الضَّعِيف، أَو عبد الله بن أبي جَعْفَر (وَالِد) عَلّي بن الْمَدِينِيّ، وَهُوَ ضَعِيف أَيْضا، وَأبي الْحُوَيْرِث (اسْمه:) عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة، مُخْتَلف فِيهِ، قَالَ مَالك، وَالنَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة.
стр. 4635
وَقَالَ يَحْيَى والرازي: لَا [يحْتَج] بحَديثه (وَقَالَ مرّة: ثِقَة) وَقَالَ (أَحْمد) : رَوَى عَنهُ: سُفْيَان، وَشعْبَة، وَأنكر قَول مَالك.
قلت: وَلم ينفردا بذلك، قَالَ أَبُو نعيم: ثَنَا هَارُون بن مُوسَى الْأَخْفَش الدِّمَشْقِي، ثَنَا سَلام بن [سُلَيْمَان] الْمَدَائِنِي، أبنا وَرْقَاء بن عمر، عَن ابْن أبي نجيح، عَن عَطاء وَمُجاهد، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه: «لم يلتق أبواي عَلَى سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطّيبَة إِلَى الْأَرْحَام الطاهرة مصفى مهذبًا، وَلَا يتشعب شعبتان إِلَّا كنت فِي خيرهما» .
قَالَ: وثنا [مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي، ثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد الْمروزِي، ثَنَا] مُحَمَّد بن عبد الله، حَدَّثَني أنس بن مُحَمَّد، ثَنَا مُوسَى بن عِيسَى، ثَنَا يزِيد بن أبي حَكِيم عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه: «لم يلتق أبواي عَلَى سفاح، لم يزل الله ينقلني من أصلاب طيبَة إِلَى أَرْحَام طَاهِرَة صافيًا مهذبًا، لَا تتشعب شعبتان إِلَّا كنت فِي خيرهما» ) .
стр. 4636
ثَانِيهَا: من طَرِيق عَائِشَة ﵂ رَوَاهُ ابْن سعد والْحَارث بن أبي أُسَامَة من (هَذَا) الْوَجْه الْمَذْكُور بِلَفْظ: «خرجت من نِكَاح لَا من سفاح» أسْندهُ عَنهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» وَلم يعله، وَفِيه الْوَاقِدِيّ! .
ثَالِثهَا: من طَرِيق عَلّي ﵁ رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق، عَن ابْن عُيَيْنَة، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه أبي جَعْفَر الباقر «فِي قَوْله تَعَالَى: (لَقَدْ جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم) قَالَ: لم يصبهُ شَيْء من ولادَة الْجَاهِلِيَّة. قَالَ: وَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِنِّي خرجت من نِكَاح وَلم أخرج من سفاح» .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الْغفار بن الْقَاسِم، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: (لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيصٌ عليْكم بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيم) قَالَ: لم يصبهُ شَيْء من ولادَة الْجَاهِلِيَّة. قَالَ: وَقَالَ النَّبِي ﷺ : «خرجت من نِكَاح غير سفاح» .
قَالَ أَبُو نعيم: وَرَوَاهُ أَبُو حَمْزَة، عَن جَعْفَر، عَن أَبِيه مُرْسلا.
стр. 4637
قلت: وَهَذَا الْمُرْسل قد وَصله ابْن عدي من حَدِيث مُحَمَّد بن أبي عمر الْعَدنِي الْمَكِّيّ، ثَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر بن عَلّي بن الْحُسَيْن قَالَ: أشهد عَلَى أبي حَدثنِي عَن أَبِيه، عَن جده عَلّي بن أبي طَالب أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «خرجت من نِكَاح وَلم أخرج من سفاح، من لدن آدم إِلَى أَن ولدني أبي وَأمي، وَلم يُصِبْنِي من سفاح الْجَاهِلِيَّة شَيْء» .
رَابِعهَا: من طَرِيق أبي هُرَيْرَة ﵁ رَوَاهُ ابْن عَسَاكِر، وَفِي إِسْنَاده ضعف.
خَامِسهَا: من طَرِيق أنس ﵁ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «دَلَائِل النُّبُوَّة» ثمَّ قَالَ: تفرد بِهِ عبد الله (بن [مُحَمَّد] بن ربيعَة المصِّيصِي) وَله عَن مَالك وَغَيره أَفْرَاد، وَلم يُتَابع عَلَيْهَا. وَذكره ابْن دحْيَة فِي «تنويره» من هَذَا الْوَجْه، وَفِيه انتساب النَّبِي ﷺ إِلَى نزار، وَلَفظه: «خرجت من نِكَاح وَلم أخرج من سفاح» ثمَّ أعله بِعَبْد الله هَذَا، وَقَالَ: خرجه ابْن عدي وَابْن حبَان. ثمَّ ذكر عَن ابْن الْكَلْبِيّ أَنه قَالَ: «كتبت للنَّبِي (خَمْسمِائَة أمٍّ، فَمَا وجدت فِيهِنَّ سِفَاحًا وَلَا شَيْئا مِمَّا كَانَت عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة» .
стр. 4638
الحَدِيث الْخَامِس
«أَن غيلَان [أسلم] عَلَى عشر نسْوَة، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أمسك أَرْبعا مِنْهُنَّ وَفَارق سائرهن» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي الْبَاب قبله فَرَاجعه مِنْهُ.
تَنْبِيه: (هَذَا الحَدِيث) احْتَجُّوا بِهِ كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ أَنه إِذا قَالَ لوَاحِدَة مِنْهُنَّ: فارقتك، يكون فسخا، وَلَا دلَالَة فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ: «اختر أَرْبعا فَإِذا (اخْتَار) اسْتَغنَى فِي المفارقات عَن لفظ فَتعين أَن يكون المُرَاد الْفِرَاق بِالْفِعْلِ لَا بالْقَوْل وَالْكَلَام، إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذا لم يتَقَدَّم اخْتِيَار المنكوحات، وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ بِهَذَا اللَّفْظ.
الحَدِيث السَّادِس
«أَن نَوْفَل بن مُعَاوِيَة أسلم وَعِنْده خمس نسْوَة، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : فَارق وَاحِدَة مِنْهُنَّ وَأمْسك أَرْبعا. قَالَ: فَقدمت إِلَى أقدمهن ففارقتها» .
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه أَيْضا فِي الْبَاب قبله.
الحَدِيث السَّابِع
رُوِيَ فِي قصَّة فَيْرُوز الديملي «أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ: طلق (أَيَّتهمَا) شِئْت» .
стр. 4639
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه أَيْضا فِي الْبَاب الْمَذْكُور، وَذكر الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الْبَاب أَنه أسلم خلق كثير وَلم يسألهم النَّبِي ﷺ عَن شُرُوط أنكحتهم، وأقرهم عَلَيْهَا، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَعَن إِجْمَاع الصَّحَابَة أَنهم علمُوا من حَال الْمَجُوس أَنهم ينْكحُونَ الْمَحَارِم، وَمَا تعرضوا لَهُم.
стр. 4640
بَاب مثبتات الْخِيَار
ذكر فِيهِ ﵀ من الْأَحَادِيث أَرْبَعَة.
أَحدهَا
«أنَّه ﷺ تزوج بِامْرَأَة، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ رَأَى بكشحها (وضحًا) فَردهَا إِلَى أَهلهَا وَقَالَ: دلستم عليّ!» .
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه فِي الخصائص وَاضحا.
الحَدِيث الثَّانِي
«أَن بَرِيرَة أُعتقت، فَخَيرهَا النَّبِي ﷺ (بَين الْمقَام مَعَه وَبَين أَن تُفَارِقهُ» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم من حَدِيث عُرْوَة وَالقَاسِم عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «كَانَ زوج بَرِيرَة عبدا، فَخَيرهَا رَسُول الله ﷺ . فَاخْتَارَتْ نَفسهَا. وَلَو كَانَ حرًّا لم يخيرها» .
وَذكر ابْن حزم أَنه رُوِيَ عَن عُرْوَة خلاف هَذَا، فأسند من حَدِيث جرير، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة قَالَت: «كَانَ زوج بَرِيرَة حرًّا» قَالَ ابْن حزم: وَلَو كَانَ حرًّا لم يخيرها، يحْتَمل أَن يكون من كَلَام من دون عَائِشَة. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام عُرْوَة.
стр. 4641
قلت: وَكَذَلِكَ أخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من كَلَامه، وَالنَّسَائِيّ فِي «سنَنه» أَيْضا.
قلت: والتخيير ثَابت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا، قَالَت: «كَانَ فِي بَرِيرَة ثَلَاث سنَن: خيرت عَلَى زَوجهَا حِين عتقت ... » الحَدِيث بِطُولِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَكَانَ زَوجهَا عَلَى مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَابْن عمر، وَابْن عَبَّاس ﵃ عبدا.
قلت: هُوَ كَمَا قَالَ، أما رِوَايَة عَائِشَة فسلفت وَفِي «صَحِيح مُسلم» أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة، قَالَ عبد الرَّحْمَن: وَزوجهَا حر. قَالَ شُعْبَة: ثمَّ سَأَلت عبد الرَّحْمَن عَن زَوجهَا، فَقَالَ: لَا أَدْرِي أحر أم عبد.
وَفِي بعض طرق الحَدِيث الصَّحِيح: «فَخَيرهَا رَسُول الله ﷺ من زَوجهَا فَقَالَت: لَو أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا ثَبت عِنْده! قَالَ - يَعْنِي الْأسود بن يزِيد -: كَانَ زَوجهَا حرًّا» .
وَأما ابْن عمر فأخرجها الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي حَفْص الْأَبَّار،
стр. 4642
عَن ابْن أبي لَيْلَى، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، قَالَ: كَانَ زوج بَرِيرَة عبدا.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا (من الْوَجْه الْمَذْكُور) وَأما رِوَايَة ابْن عَبَّاس فأخرجها البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» بِإِسْنَادِهِ عَنهُ «أَن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا يُقَال لَهُ: مغيث كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ يطوف خلفهَا يبكي، ودموعه تسيل عَلَى لحيته، فَقَالَ النَّبِي ﷺ للْعَبَّاس: يَا عَبَّاس، أَلا تتعجب من حب مغيث بَرِيرَة وَمن بغض بَرِيرَة مغيثًا؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لَو راجعتيه؟ قَالَت: يَا رَسُول الله، تَأْمُرنِي قَالَ: إِنَّمَا أَنا أشفع. قَالَت: لَا حَاجَة لي فِيهِ» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ «إِن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا أسود لبني الْمُغيرَة يَوْم أعتقت بَرِيرَة، وَالله لكَأَنِّي بِهِ فِي طرق الْمَدِينَة ونواحيها، وَإِن دُمُوعه لتسيل عَلَى لحيته يَتَرَضَّاهَا لتختاره فَلم تفعل» قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح. زَاد أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ: «وأمرها أَن تَعْتَد» . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة نَافِع، عَن صفيَّة بنت أبي عبيد «أَن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده صَحِيح.
وَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ السالفة صَرِيحَة فِي بَقَاء عبوديته يَوْم الْعتْق، وَأما رِوَايَة الْأسود عَن عَائِشَة قَالَ: «كَانَ زوج بَرِيرَة حرًّا، فَلَمَّا أعتقت خَيرهَا ﵇ فَاخْتَارَتْ نَفسهَا» فَقَالَ البُخَارِيّ: إِنَّه مُنْقَطع وَقَول ابْن عَبَّاس:
стр. 4643
كَانَ عبدا أصح. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَوْله «وَكَانَ حرًّا» هُوَ (من) قَول الْأسود لَا من قَول عَائِشَة، ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ مَا يدل لذَلِك، قَالَ: وَقد رَوَيْنَاهُ عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد، وَعُرْوَة بن الزبير وَمُجاهد، وَعمرَة بنت عبد الرَّحْمَن كلهم عَن عَائِشَة «أَنه كَانَ عبدا» ثمَّ ذكر (عَن) شُعْبَة، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة «أَنه حر» ثمَّ قَالَ شُعْبَة: ثمَّ سَأَلته بعد فَقَالَ: لَا أَدْرِي أحر هُوَ أم عبد، ثمَّ قَالَ: وَقد رَوَاهُ سماك بن حَرْب، عَن عبد الرَّحْمَن فَأثْبت كَونه عبدا.
قلت: شُعْبَة إِمَام جليل حَافظ، وَقد رَوَى عَن عبد الرَّحْمَن (أَنه كَانَ حرًّا، فَلَا يضرّهُ نِسْيَان عبد الرَّحْمَن) وتوقفه عَلَى مَا تفرد فِي مَحَله، وَكَيف يُعَارض شُعْبَة سماك مَعَ كَونه متكلمًا فِيهِ، لَكِن قَالَ الْبَيْهَقِيّ: يُؤَكد رِوَايَة سماك: حَدِيث أُسَامَة بن زيد، عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة «أَنه ﵇ قَالَ لَهَا: إِن شِئْت أَن تقري تَحت هَذَا العَبْد» . قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَقد رُوِيَ عَن الْأسود، عَن عَائِشَة «أَن زَوجهَا كَانَ عبدا» فاختلفت الرِّوَايَة عَن الْأسود، وَلم تخْتَلف عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره مِمَّن قَالَ: «كَانَ عبدا» وَقد جَاءَ عَن بَعضهم أَنه من قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَعَن بَعضهم أَنه من قَول الحكم بن عتيبة، وَقَالَ البُخَارِيّ: قَول الحكم (مُرْسل) .
قلت: فِي تَسْمِيَة هَذَا مُرْسلا (و) فِي (الْمُقدم) مُنْقَطِعًا نظر إِذْ
стр. 4644
الْكَلَام الْمَوْقُوف عَلَى بعض الروَاة المدرج فِي الحَدِيث لَا يُسمى مُنْقَطِعًا وَلَا مُرْسلا.
قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَرَوَى الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَغَيره وَعمرَة وَغَيرهَا، عَن عَائِشَة «أَنه كَانَ عبدا وَالقَاسِم هُوَ ابْن أخي عَائِشَة، وَعُرْوَة هُوَ ابْن أُخْتهَا، وَكَانَا يدخلَانِ عَلَيْهَا بِلَا (خلاف) وَعمرَة كَانَت فِي حجر عَائِشَة، وَهَؤُلَاء أخص النَّاس بهَا، وَأَيْضًا فَإِن عَائِشَة كَانَت تذْهب إِلَى خلاف مَا رُوِيَ عَنْهَا، وَكَانَ رأيها أَنه لَا يثبت لَهَا الْخِيَار تَحت الْحر، قَالَ إِبْرَاهِيم، عَن أبي طَالب خَالف الْأسود بن يزِيد النَّاس فِي زوج بَرِيرَة، فَقَالَ (إِنَّه) حر. وَقَالَ النَّاس إِنَّه عبد.
قلت: قَوْله خَالف النَّاس أَي جمهورهم فقد وَافقه عَلَى ذَلِك الْقَاسِم، وَعُرْوَة - فِي رِوَايَة - وَابْن الْمسيب كَمَا ذكره عبد الرَّزَّاق عَنهُ، قَالَ الدَّارمِيّ: سَمِعت عَلّي بن الْمَدِينِيّ يَقُول لنا: أَيهمَا ترَوْنَ أثبت، عُرْوَة أَو إِبْرَاهِيم عَن الْأسود؟ ثمَّ قَالَ عَلّي: أهل الْحجاز أثبت. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: يُرِيد عَلّي، رِوَايَة عُرْوَة وَأَمْثَاله من أهل الْحجاز أصح من رِوَايَة أهل الْكُوفَة. وَقَالَ ابْن الطلاع فِي «أَحْكَامه» : الْأَكْثَر فِي الرِّوَايَة
стр. 4645
وَالأَصَح أَنه كَانَ عبدا. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ - مَا ملخصه، لمَّا اخْتلفت الْآثَار -: وَجب التَّوْفِيق بَينهمَا وَالْحريَّة نعت الْحرَّة، وَلَا ينعكس فَيحمل عَلَى أَنه إِذا كَانَ حرًّا عِنْدَمَا خيرت عبدا قبله، وَلَو ثَبت أَنه عبد لَا يمْنَع كَون الْحر، كَذَلِك إِذْ لَيْسَ فِي شَيْء من الْآثَار أَنه إِنَّمَا خَيرهَا لكَونه عبدا.
الحَدِيث الثَّالِث
«أَن زوج بَرِيرَة كَانَ يطوف خلفهَا ويبكي خوفًا من أَن (تُفَارِقهُ) وَطلب من النَّبِي ﷺ أَن يشفع إِلَيْهَا، فَلم تقبل وفارقته» .
وَهَذَا الحَدِيث قد سلف حكمه عَن رِوَايَة البُخَارِيّ، وَرَوَاهُ أَحْمد عَن هشيم، أبنا خَالِد، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «لما خيرت بَرِيرَة رَأَيْت زَوجهَا فِي سِكَك الْمَدِينَة ودموعه تسيل عَلَى لحيته (فَكلم) الْعَبَّاس ليكلم فِيهِ رَسُول الله ﷺ (فَقَالَ رَسُول الله ﷺ :) إِنَّه زَوجك. فَقَالَت: تَأْمُرنِي بِهِ يَا رَسُول الله؟ (فَقَالَ) إِنَّمَا (أَنا) شَافِع. فَخَيرهَا فَاخْتَارَتْ نَفسهَا، وَكَانَ عبدا لآل الْمُغيرَة يُقَال لَهُ: مغيث» .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من هَذَا الْوَجْه أَيْضا بِلَفْظ «أَن مغيثًا كَانَ عبدا، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، اشفع إِلَيْهَا. فَقَالَ ﵇: يَا بَرِيرَة اتقِي الله فَإِنَّهُ زَوجك
стр. 4646
وَأَبُو ولدك. فَقَالَت: يَا رَسُول الله، أَنْت تَأْمُرنِي بذلك ... » الحَدِيث.
الحَدِيث الرَّابِع
«أنَّه ﷺ قَالَ لبريرة: إِن كَانَ قَرُبَكِ فَلَا خِيَار لَك» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة ﵂ مِرفوعًا كَذَلِك سَوَاء، وَفِي إِسْنَاده (عنعنة) ابْن إِسْحَاق، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِلَفْظ «إِن وطئك فَلَا خِيَار لَك» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَعَن حَفْصَة ﵂ مثل ذَلِك.
قلت: رَوَاهُ مَالك عَن ابْن شهَاب، عَن عُرْوَة بن الزبير «أَن مولاة لبني عدي بن كَعْب يُقَال لَهَا: زَبْرَاء، أخْبرته أَنَّهَا كَانَت تَحت عبد وَهِي أمة (نوبية) فأعتقت، قَالَت: فَأرْسلت إِلَى حَفْصَة زوج النَّبِي ﷺ فدعتني، فَقَالَت: إِنِّي مخبرتك خَبرا وَلَا أحب أَن تصنعي شَيْئا، إِن أَمرك بِيَدِك مَا لم يَمسك زَوجك. قَالَت: ففارقته ثَلَاثًا» .
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي وَقَالَ: لَا أعلم فِي تَوْقِيت الْخِيَار شَيْئا يسمع إِلَّا قَول حَفْصَة ﵂ مِا لم يصبهَا كَذَا فِي «الْمُخْتَصر» . وَحَكَى الْبَيْهَقِيّ ذَلِك من رِوَايَة الرّبيع فِي أمالي النِّكَاح وَفِيه «مَا لم يَمَسهَا» .
فَائِدَة: سلف أَن زوج بَرِيرَة اسْمه: مغيث، وَهُوَ بالغين الْمُعْجَمَة، وَقيل: بِالْمُهْمَلَةِ ثمَّ تَاء مثناة فَوق، وَقيل: اسْمه مقسم، وَالْأول أشهر،
стр. 4647
وَقد أسلفنا أَنه كَانَ (عبدا) لبني الْمُغيرَة أَو لآل بني (أَحْمد، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: إِنَّه كَانَ عبدا لبَعض بني مُطِيع وبريرة كَانَت مولاة لبَعض بني) هِلَال وكاتبوها وباعوها.
وَذكر فِيهِ من الْآثَار عَن عمر أَنه قَالَ: «أَيّمَا رجل تزوج امْرَأَة وَبهَا جُنُون أَو جذام أَو برص ومسها فلهَا صَدَاقهَا كَامِلا، و (ذَلِك) لزَوجهَا غرم عَلَى وَليهَا» وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَالشَّافِعِيّ فِي «الْأُم» عَنهُ، عَن يَحْيَى بن سعيد، (عَن سعيد) بن الْمسيب، عَن عمر بِهِ، وَذكر مَالك أَن ابْن الْمسيب ولد بِنَحْوِ ثَلَاث سِنِين مَضَت من خلَافَة عمر وَأنكر سَمَاعه مِنْهُ، وَقَالَ ابْن معِين: لم يثبت سَمَاعه مِنْهُ.
وَذكر فِيهِ أَيْضا عَن عمر ﵁ «أَنه أجل الْعنين سنة» . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سعيد بن الْمسيب ﵁ «أَنه كَانَ يُؤَجل سنة» وَقَالَ فِيهِ: «لَا أعلمهُ إِلَّا من يَوْم يرفع إِلَى السُّلْطَان» وَفِي رِوَايَة عَنهُ «أَنه قَالَ فِي الْعنين: يُؤَجل سنة؛ فَإِن قدر عَلَيْهَا وَإِلَّا فرق بَينهمَا، وَلها الْمهْر وَعَلَيْهَا الْعدة» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَتَابعه الْعلمَاء عَلَيْهِ.
قلت: رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن عَلّي والمغيرة (بن) شُعْبَة، لَكِن عَن
стр. 4648
عُثْمَان وَمُعَاوِيَة «أَنه لَا يُؤَجل» وَعَن النَّخعِيّ: أَنه يُؤَجل. وَلم (يحد) حدًّا. وَعَن الْحَارِث بن عبد الله بن أبي ربيعَة «أَنه أجل (رجلا) لم يسْتَطع أَن يَأْتِي (امْرَأَته) عشرَة أشهر» .
стр. 4649
بَاب فِيمَا يملك الزَّوْج من الاستمتاعات
ذكر فِيهِ ﵀ سَبْعَة أَحَادِيث:
أَحدهَا
«أَنه ﵊ سُئِلَ عَن الْوَطْء فِي الدبر، فَقَالَ: فِي أَي الخربتين؟ أَمن دبرهَا فِي قبلهَا فَنعم. أَو من دبرهَا فِي دبرهَا فَلَا، إِن الله لَا يستحيي من الْحق؛ لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أدبارهن» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي أَنا عمي مُحَمَّد (بن عَلّي) بن شَافِع، أَخْبرنِي عبد الله بن عَلّي بن السَّائِب، عَن عَمْرو بن أحيحة بن الجلاح - أَو عَن عَمْرو بن فلَان بن أحيحة بن الجلاح، قَالَ الشَّافِعِي: أَنا شَككت - عَن خُزَيْمَة بن ثَابت «أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن - أَو إتْيَان الرجل امْرَأَته فِي دبرهَا - فَقَالَ النَّبِي ﷺ : حَلَال. فَلَمَّا ولَّى الرجل دَعَاهُ - أَو أَمر بِهِ - فدعي، فَقَالَ: كَيفَ قلتَ؟ فِي أَي الخربتين - أَو فِي الخرزتين، أَو فِي أَي الخصفتين - أَمن دبرهَا فِي قبلهَا فَنعم، أم من دبرهَا فِي دبرهَا فَلَا، إِن الله لَا يستحيي من الْحق؛ لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أدبارهن» .
قَالَ الشَّافِعِي: عمي ثِقَة، وَعبد الله بن عَلّي ثِقَة، وَقد أَخْبرنِي مُحَمَّد عَن الْأنْصَارِيّ الْمُحدث بهَا: أَنه أَثْنَى عَلَيْهِ خيرا، وَخُزَيْمَة مِمَّن لَا يشك عَالم فِي ثقته (فلست) أرخص فِيهِ؛ بل أنهَى عَنهُ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد
стр. 4650
تَابعه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الشَّافِعِي، عَن مُحَمَّد بن عَلّي، وَقَالَ عَمْرو بن أحيحة بن الجلاح. لم يشك.
فَائِدَة: الخربتان تَثْنِيَة خربة، قَالَ الرَّافِعِيّ: وَهِي الثقبة. وَهُوَ كَمَا قَالَ (قَالَ) الْجَوْهَرِي: الخربة كل ثقب مستدير. قَالَ: والخربة أَيْضا ثقب الورك، والخرب مثله، وَكَذَلِكَ الخرابة - بِالتَّخْفِيفِ - وَقد تشدد.
قَالَ الْأَزْهَرِي: أَرَادَ ﵇ بخربتيها: مسلكيها، وأصل الخربة (عُرْوَة المزادة) فنشبه الثقب بهَا. قَالَ ابْن دَاوُد: وَخرب الفأس ثقبه الَّذِي فِيهِ النّصاب، قَالَ الْخطابِيّ: كل ثقب مستدير خربة، وَأما الخرزتين فَهِيَ الثقبة الَّذِي يثقبه الخراز بسراده ليحوزه، كنى بِهِ عَن المأتى، وَكَذَلِكَ الخصفتان من قَوْلك خصفت الْجلد عَلَى الْجلد إِذا خرزته مطابقًا، والسراد المخصف.
فَائِدَة ثَانِيَة: قَوْله: «لَا يستحيي من الْحق» قَالَ الرَّافِعِيّ: أَي لَا يتْرك شَيْئا مِنْهُ؛ لِأَن من استحيا من شَيْء تَركه، قَالَ: وَقيل: لَا يستبقي شَيْئا مِنْهُ، من قَوْله تَعَالَى: (ويستحيون نساءكم) أَي: يستبقونهن.
الحَدِيث الثَّانِي
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مَلْعُون من أَتَى الْمَرْأَة فِي دبرهَا» .
стр. 4651
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه بأسانيد مُخْتَلفَة، وَهَذَا لفظ أبي دَاوُد. وَلَفظ أَحْمد - فِي إِحْدَى رواياته -: «الَّذِي يَأْتِي امْرَأَته فِي دبرهَا (لَا ينظر الله إِلَيْهِ» وَفِي لفظ لَهُ كَلَفْظِ أبي دَاوُد، وَلَفظ ابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ فِي إِحْدَى روايتيه «لَا ينظر الله إِلَى رجل يَأْتِي امْرَأَته فِي دبرهَا) ، (و) لَفظه فِي الْأُخْرَى «اسْتَحْيوا من الله حق الْحيَاء، لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أدبارهن» وَلَفظ التِّرْمِذِيّ وَأحمد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى «من أَتَى حَائِضًا أَو امْرَأَة فِي دبرهَا أَو كَاهِنًا فَصدقهُ؛ فقد كفر بِمَا أنزل الله عَلَى مُحَمَّد» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث حَكِيم الْأَثْرَم، عَن أبي تَمِيمَة، عَن أبي هُرَيْرَة.
قلت: وَحَكِيم هَذَا لَا يُعرف لَهُ غير هَذَا الحَدِيث إِلَّا الْيَسِير (قَالَه) أَبُو أَحْمد، قَالَ البُخَارِيّ: لَا يُتَابع عَلَيْهِ. قَالَ: وَلَا يُعرف لأبي تَمِيمَة سَماع من أبي هُرَيْرَة. وسُئل ابْن الْمَدِينِيّ عَن حَكِيم فَقَالَ: أعيانا هَذَا، وَأعله ابْن الْقطَّان من وَجه آخر مَوْجُود فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه وَإِحْدَى رِوَايَات النَّسَائِيّ فَقَالَ: هُوَ من رِوَايَة سُهَيْل بن أبي
стр. 4652
صَالح، عَن الْحَارِث بن مخلد، عَن أبي هُرَيْرَة، والْحَارث هَذَا رَوَى عَنهُ سُهَيْل وَبشر بن سعيد وَلم يعرف حَاله وأعل رِوَايَة النَّسَائِيّ الثَّانِيَة بِعَبْد الْملك بن مُحَمَّد الصَّنْعَانِيّ، فَإنَّ البستي: قَالَ إِنَّه تفرد بِهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه. وَسليمَان بن عبد الرَّحْمَن بن شُرَحْبِيل، قَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِهِ بَأْس. و [قَالَ أَبُو حَاتِم:] هُوَ صَدُوق وَلكنه أروى النَّاس عَن الضُّعَفَاء والمجهولين. قَالَ: وَكَانَ فِي حد لَو أَن رجلا وضع لَهُ حَدِيثا لم يفهم وَلم يُمَيّز. قَالَ ابْن الْقطَّان: فَحق هَذَا الحَدِيث أَن يكون حسنا.
وَفِي رِوَايَة للبيهقي: «من أَتَى شَيْئا من الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي الأدبار فقد كفر» وَفِي رِوَايَة لأبي نعيم الْحَافِظ «من نكح امْرَأَة فِي دبرهَا حشره الله يَوْم الْقِيَامَة أنتن من الجيفة» وَفِي رِوَايَة لِلْحَارِثِ بن أبي أُسَامَة: «من نكح امْرَأَة فِي دبرهَا أَو رجلا أَو صبيًّا حشر يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ أنتن من الجيفة يتَأَذَّى بِهِ النَّاس حَتَّى يدْخل نَار جَهَنَّم، وأحبط الله أجره، وَلَا يقبل مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا، وَيدخل فِي تَابُوت من نَار وتشد عَلَيْهِ مسامير من حَدِيد حَتَّى تشبك تِلْكَ المسامير فِي جَوْفه، فَلَو وضع عرق من عروقه عَلَى أَرْبَعمِائَة أمَّة لماتوا وَهُوَ (من) أَشد النَّاس عذَابا» (و) فِي إِسْنَاد هَذِه الرِّوَايَة دَاوُد بن المحبر، وَهُوَ مَعْرُوف الْحَال وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (قَالَ أَبُو هُرَيْرَة) هَذَا لم يثبت.
стр. 4653
قلت: وَرُوِيَ النَّهْي عَن ذَلِك أَيْضا من حَدِيث جماعات من الصَّحَابَة خُزَيْمَة بن ثَابت، وَعمر، وَعلي، وَعلي بن طلق، وطلق بن عَلّي، وَابْن مَسْعُود، وَجَابِر، وَابْن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَابْن عَبَّاس، والبراء بن عَازِب، وَعقبَة بن عَامر، وَأنس، وَأبي ذَر.
أما حَدِيث خُزَيْمَة فسلف مطولا وَأخرجه أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» عَنهُ مُخْتَصرا بِلَفْظ: «إِن الله لَا يستحيي من الْحق؛ لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أدبارهن» هَذَا لَفظهمْ إِلَّا أَحْمد فِي إحدي روايتيه؛ فَإِن لَفظه «لَا يستحيي الله من الْحق - ثَلَاثًا - لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أعجازهن» وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان كَالْأولِ إِلَّا أَنه قَالَ: «أعجازهن» بدل «أدبارهن» وَهُوَ سَوَاء وَأخرج هَذِه الرِّوَايَة الْحَاكِم فِي كِتَابه «عُلُوم الحَدِيث» .
وَأما حَدِيث عمر؛ فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» من حَدِيث عبد الله بن شَدَّاد وَعبد الله بن يزِيد عَنهُ مَرْفُوعا «إِن الله لَا يستحيي من الْحق؛ لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أعجازهن» وَفِي إِسْنَاده: زَمعَة بن صَالح، وَفِيه مقَال، أخرج لَهُ مُسلم مَقْرُونا بآخر، وَقَالَ يَحْيَى بن معِين مرّة: صُوَيْلِح
стр. 4654
الحَدِيث. وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده، وَأخرجه الْبَزَّار فِي «مُسْنده» قَالَ: لَا نعلمهُ يروي عَن عمر إِلَّا من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَاد.
وَأما حَدِيث عَلّي؛ فَأخْرجهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث عبد الْملك بن مُسلم الْحَنَفِيّ، عَن أَبِيه، عَنهُ مَرْفُوعا «لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أعجازهن» . وَقَالَ مرّة: «فِي أدبارهن» وَأخرجه الْخَطِيب أَيْضا بِهَذَا اللَّفْظ وَزِيَادَة: «فَإِن الله لَا يستحيي من الْحق» .
وَأما حَدِيث عَلّي بن طلق؛ فَأخْرجهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عِيسَى بن حطَّان [عَن مُسلم بن سَلام] عَنهُ مَرْفُوعا: «لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أعجازهن؛ فَإِن الله لَا يستحيي من الْحق» حسنه التِّرْمِذِيّ، وَصَححهُ ابْن حبَان من حَدِيث (مُسلم) بن سَلام عَنهُ.
وَأما حَدِيث طلق بن عَلّي؛ فَأخْرجهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث
стр. 4655
عيسي بن حطَّان، عَن مُسلم الْمَذْكُور، عَن طلق مَرْفُوعا بِمثل الَّذِي قبله سَوَاء.
وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود؛ فَأخْرجهُ ابْن عدي من حَدِيث أبي عُبَيْدَة عَنهُ مَرْفُوعا: «لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أعجازهن» .
وَأما حَدِيث جَابر؛ فَأخْرجهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَنهُ مَرْفُوعا «اسْتَحْيوا؛ فَإِن الله لَا يستحيي من الْحق، لَا يحل لَك مأتاك النِّسَاء فِي حشوشهن» وَفِي رِوَايَة ابْن شاهين: «اسْتَحْيوا؛ فَإِن الله لَا يستحيي من الْحق، لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي حشوشهن» وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عدي لَا يحل مأتى النِّسَاء فِي حشوشهن» وَفِي رِوَايَة (لَهُ) : «اتَّقوا محاش النِّسَاء» .
فَائِدَة: الحشوش جمع حش، وَجمع الحش بِالْفَتْح وَالضَّم عَلَى حشائش، وَهُوَ الكنيف والموضع الَّذِي يُقضى فِيهِ الْحَاجة، فشبَّه أدبار النِّسَاء بِهن؛ لِأَنَّهُنَّ فِي معناهن، وَرُوِيَ فِي محاشهن وَلم يذكر صَاحب «ضِيَاء الحلوم» غَيره وَقَالَ: هِيَ جمع محشة، وَهِي الدبر. قَالَ
стр. 4656
الْأَزْهَرِي: وَيُقَال أَيْضا بِالسِّين الْمُهْملَة كنى عَن المحاش بالأدبار كَمَا كنى بالحشوش عَن مَوَاضِع الْغَائِط.
وَأما حَدِيث عبد الله بن عَمْرو؛ فَأخْرجهُ أَحْمد من حَدِيث قَتَادَة عَن عَمْرو شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده مَرْفُوعا: «الَّذِي يَأْتِي امْرَأَته فِي دبرهَا هِيَ اللوطية الصُّغْرَى» وَذكره ابْن السكن فِي «صحاحه» وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا، وَلَفظه: «سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن الَّذِي يَأْتِي امْرَأَته فِي دبرهَا، فَقَالَ: تِلْكَ اللوطية الصُّغْرَى» قَالَ الْخطابِيّ: هَكَذَا صَوَابه عَلَى التَّشْبِيه بِعَمَل قوم لوط، وَرَوَاهُ بعض أَصْحَابنَا بِلَفْظ «الْوَطْأَة الصُّغْرَى» وَهُوَ خطأ فَاحش، وَفِيه مَا يُوهم إِبَاحَة ذَلِك الْفِعْل.
وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس؛ فَأخْرجهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث حَنش عَنهُ قَالَ: «أنزلت هَذِه الْآيَة: (نِسَاؤُكُمْ حرث لكم) فِي أنَاس من الْأَنْصَار أَتَوا رَسُول الله ﷺ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لَهُم: يَأْتِيهَا عَلَى كل حَال إِذا كَانَ فِي الْفرج» .
وَرَوَاهُ من حَدِيث سعيد بن جُبَير (عَنهُ) قَالَ: «جَاءَ عمر بن الْخطاب إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، هَلَكت! قَالَ: وَمَا الَّذِي أهْلكك؟ قَالَ: حولت رحلي البارحة! قَالَ: فَلم يرد عَلَيْهِ شَيْئا. قَالَ: فَأَوْحَى الله إِلَى رَسُول الله ﷺ الْآيَة فِيمَا ذكر: (نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم) أقبل وَأدبر وَاتَّقِ الدبر والحيضة» وَرَوَاهُ
стр. 4657
التِّرْمِذِيّ من حَدِيث كريب عَنهُ مَرْفُوعا: «لَا ينظر الله إِلَى رجل أَتَى رجلا أَو امْرَأَة فِي الدبر» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. وَقَالَ الْبَزَّار: لَا نعلمهُ يرْوَى عَن ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد أحسن من هَذَا الْإِسْنَاد. وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» بلفظين: أَحدهمَا هَذَا.
وَثَانِيهمَا: بِلَفْظ: «لَا ينظر الله إِلَى رجل أَتَى امْرَأَة فِي دبرهَا» ثمَّ قَالَ رَفعه وَكِيع، عَن الضَّحَّاك بن عُثْمَان. وَعَزاهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الْإِلْمَام» إِلَى النَّسَائِيّ وَقَالَ: رِجَاله رجال الصَّحِيح.
وَأما حَدِيث الْبَراء؛ فَأخْرجهُ ابْن الْجَوْزِيّ من حَدِيث حَنْظَلَة بن أبي (سُفْيَان) عَن أَبِيه، عَنهُ مَرْفُوعا: «كفر بِاللَّه الْعَظِيم عشرَة من هَذِه الْأمة: الْقَاتِل، والساحر، والديوث، وناكح الْمَرْأَة فِي دبرهَا، ومانع الزَّكَاة، وَمن وجد سَعَة وَمَات وَلم يحجّ، وشارب الْخمر، والساعي فِي الْفِتَن، وبائع السِّلَاح من أهل الْحَرْب، وَمن نكح ذَات محرم مِنْهُ» .
وأمَا حَدِيث عقبَة بن عَامر؛ فَأخْرجهُ ابْن عدي من حَدِيث مشرح بن هاعان عَنهُ مَرْفُوعا «مَلْعُون من يَأْتِي النِّسَاء فِي محاشهن - يَعْنِي أدبارهن» .
стр. 4658
وَفِي رِوَايَة للعقيلي: «لعن الله الَّذين يأْتونَ النِّسَاء فِي محاشهن» قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : فَسَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: حَدِيث مُنكر.
وَأما حَدِيث أنس؛ فَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي «مُعْجَمه» من حَدِيث ابْن عَرَفَة، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة، عَن الْأَعْمَش، عَن (يزِيد) الرقاشِي، عَن أنس مَرْفُوعا «إِن الله لَا يستحيي من الْحق لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي أدبارهن ائتوهنّ من حَيْثُ أَمركُم الله» .
وَأخرجه شُعْبَة من حَدِيث عِيسَى بن حطَّان، عَن مُسلم بن سَلام، عَن طلق بن يزِيد - أَو يزِيد بن طلق - أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِن الله لَا يستحيي من الْحق؛ لَا تَأْتُوا النِّسَاء فِي استاههن» .
وَأما حَدِيث أبي ذَر؛ فَأخْرجهُ ابْن الْجَوْزِيّ من حَدِيث مُجَاهِد عَنهُ مَرْفُوعا «من أَتَى الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي أدبارهنّ فقد كفر» . وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ: رَوَاهُ أَبُو حنيفَة (عَن حميد) الْأَعْرَج، عَن رجل، عَن أبي ذَر مَرْفُوعا: «حرَام أَن تُؤْتَى النِّسَاء، فِي (أعجازهن) » قَالَ:
стр. 4659
وَلم يُتَابع أَبُو حنيفَة (عَلَى هَذَا) .
فَهَذِهِ ثَلَاثَة عشر حَدِيثا يعضد بَعْضهَا بَعْضًا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم قَالَ: سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول: لَيْسَ فِيهِ عَن رَسُول الله ﷺ فِي التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم حَدِيث ثَابت وَالْقِيَاس (أَنه حَلَال) يُرِيد غلط سُفْيَان فِي حَدِيث ابْن الْهَاد - يَعْنِي حَدِيث خُزَيْمَة السالف - وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: هَذَا قَالَه مُحَمَّد حِين انْتقل عَن مذْهبه إِلَى مَذْهَب مَالك نُصرةً لمذهبه. قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب: وَغَيره؛ وَقد نَص عَلَى ذَلِك مَالك فِي كتاب السّير يروي ذَلِك عَنهُ أهل مصر وَالْمغْرب.
وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: رَوَى أصبغ، عَن ابْن الْقَاسِم، عَن مَالك أَنه قَالَ: مَا رَأَيْت أحدا أقتدي بِهِ فِي دين يَشك فِيهِ أَنه حَلَال، لَكِن المتبعين لَهُ الْآن يُنكرُونَ هَذَا الْمَذْهَب (بل قَالَ الإِمَام: قد راجعت فِي ذَلِك مَشَايِخ من مَذْهَب مَالك) يوثق بهم، فَلم يرو هَذَا مذهبا لمَالِك.
قلت: وَرَوَى الْخَطِيب فِي «كتاب الروَاة» عَن مَالك بِإِسْنَادِهِ إِلَى
стр. 4660
إِسْرَائِيل بن روح، قَالَ: «سَأَلت مَالِكًا، قلت: يَا أَبَا عبد الله، مَا تَقول فِي إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن؟ قَالَ: مَا أَنْتُم قوم عرب هَل يكون الْحَرْث إلاّ مَوضِع الزَّرْع، أما تَسْمَعُونَ الله يَقُول: (نِسَاؤُكُمْ حرث لكم فَأتوا حَرْثكُمْ أنّى شِئْتُم) قَائِمَة وَقَاعِدَة وَعَلَى جنب، وَلَا تعدوا الْفرج. قلت: يَا أَبَا عبد الله، إِنَّهُم يَقُولُونَ: أَنَّك تَقول ذَلِك! قَالَ: يكذبُون عليّ يكذبُون عليّ، يكذبُون عليّ!» .
الحَدِيث الثَّالِث
أنَّه ﷺ قَالَ لفاطمة بنت قيس: « (لَا، حَتَّى) تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَقد تقدم (بَيَانه) مَبْسُوطا فِي بَاب النَّهْي عَن أَن يخْطب الرجل عَلَى خطْبَة أَخِيه.
الحَدِيث الرَّابِع
«أنَّه ﷺ قَالَ فيْ الْعَزْل: إِنَّه الوأد الْخَفي» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» من رِوَايَة جدامة بنت وهب قَالَ: «حضرت النَّبِي ﷺ فِي أنَاس وَهُوَ يَقُول: لقد هَمَمْت أَن أنهَى عَن الغيلة. فَنَظَرت فِي الرّوم وَفَارِس، فَإِذا هم يغيلون أَوْلَادهم فَلَا
следующие страницы →