← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 5922

البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير

ابن الملقن

Полный текст (6 131 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

الحَدِيث الْحَادِي عشر «أَن النَّبِي ﷺ خيَّر نساءَه بَين المُقَام مَعَه وَبَين مُفَارقَته، لمَّا نزل قَوْله تَعَالَى: (يَا أَيهَا النبى قل لِأَزْوَاجِك) الْآيَة وَالَّتِي بعْدهَا» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة عَائِشَة، كَمَا تقدَّم فى الخصائص، فراجِعْه مِنْهُ. وَفَى «مُسْند أَحْمد» من حَدِيث عليّ بإسنادٍ ضَعِيف: «أَنه ﵇ خيَّر نِسَاءَهُ بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَلم يخيِّرهن الطَّلَاق» . الحَدِيث الثَّانِي عشر «أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لعَائِشَة لمَّا أَرَادَ تَخْيِير نِسَائِهِ: إِنِّي ذاكرٌ لَك أمرا، فَلَا تبادريني بِالْجَوَابِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك» . هَذَا الحَدِيث بعضٌ مِنَ الذى قبْله، وَقد أَشَرنَا إِلَى موضِعين، ثمَّ اعلمْ: أَن الرافعى نقل عَن الْأَصْحَاب: أَن الأَصْل فِي تَجْوِيز تَفْوِيض الطَّلَاق إِلَى زَوجته تخييره ﵇ نِسَائِهِ، كَمَا تقدم، ثمَّ ذكر هَذَا الحديثَ وَقَالَ: إِنَّه احْتُجَّ بِهِ عَلَى جَوَاز تَأْخِير التَّطْلِيق وَالْحَالة هَذِه، وَلَا يشْتَرط فِيهِ التورية. وَفِيه نظر؛ فَإِن ظَاهر الْآيَة يَقْتَضِي أَنه لم يكن الْقَصْد تَفْوِيض الطَّلَاق إِلَيْهَا وَلَا توكيلها، فندب إعلامها بذلك، حَتَّى إِذا أجازتِ الفراقَ أنشأ رسولُ الله فراقَهَا بعد ذَلِك.

стр. 4762

الحَدِيث الثَّالِث عشر أنَّه ﷺ قَالَ: «رفع الْقَلَم عَن ثلاثٍ: عَن الصَّبِي حَتَّى يبلغ ... » الحديثَ. هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي كتاب: الصَّلَاة، فراجِعْه. الحَدِيث الرَّابِع عشر أنَّه ﷺ قَالَ: «ثَلَاث جَدُّهن جَدٌّ وهزلهُنَّ جَدٌّ: الطَّلَاق، وَالنِّكَاح، وَالْعتاق» . هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده الغزاليّ فِي «الوسيطِ» ، و «الوسيطُ» تبع «النهايةَ» . والوارد فِي كتب الحَدِيث الْمَشْهُورَة: «الرُّجْعة» بدل «الْعتاق» . رَوَاهُ هَكَذَا: أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه، وَالْحَاكِم، وَالدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة: عَطاء بن أبي

стр. 4763

رَبَاح، عَن يُوسُف بن مَاهك الْمَكِّيّ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا. وَقد ذكره الرافعيُّ بَعْدُ عَلَى الصَّوَاب؛ حَيْثُ قَالَ: ويُرْوَى بدل «الْعتاق» : «الرّجْعَة» . وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يُورِدهُ عَلَى الْعَكْس، فيذكره أَولا بِلَفْظ: «الرّجْعَة» ، ثمَّ يَقُول: ويُرْوى بدل «الرّجْعَة» : «الْعتاق» . فَإِنَّهُ مرويٌّ أَيْضا بِهِ. إِسْنَاده ضَعِيف، كَمَا ستعلمه، قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، قَالَ ابْن الْقطَّان: لم يُصَحِّحهُ، لِأَنَّهُ من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن [بن] حبيب بن أردك مولَى بني مَخْزُوم، وَإِن كَانَ قد رَوَى عَنهُ جماعةٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يعرف حَاله. قلت: قد عرفت. قَالَ النَّسَائِيّ: مُنكر الحَدِيث، وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» ، قَالَ [الْحَاكِم] : إِنَّه من ثِقَات الْمَدَنِيين، وَإنَّهُ حَدِيث صَحِيح. وَأقرهُ عَلَى ذَلِك صاحبُ «الْإِلْمَام» ، وَخَالف ابْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ: رُوي فِيهِ أَيْضا: «وَالْعِتْق» ، وَلَا يَصح مِنْهُ شَيْء. وَأنكر عَلَيْهِ الْمُنْذِرِيّ الْحَافِظ بتحسين التِّرْمِذِيّ لَهُ، وَقَالَ: إِن أَرَادَ لَيْسَ مِنْهُ شَيْء عَلَى شَرط الصَّحِيح؛ فَلَا كَلَام، وَإِن أَرَادَ أَنه ضَعِيف؛ فَفِيهِ نظر، فَإِنَّهُ

стр. 4764

حسنٌ كَمَا قَالَه التِّرْمِذِيّ. قلت: وصحيحٌ كَمَا قَالَه الْحَاكِم، وَلَعَلَّ ابْن الْعَرَبِيّ أَرَادَ بِهَذِهِ الرِّوَايَة مَا أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث ابْن لَهِيعَة، حَدثنِي عبد الله بن أبي جَعْفَر، عَن حَنش بن عبد الله السبائي، عَن فضَالة بن [عبيد] الْأنْصَارِيّ، عَن رَسُول الله ﷺ : «ثَلَاث لَا يجوز اللّعب فِيهِنَّ: الطَّلَاق، وَالنِّكَاح، وَالْعِتْق» (مِمَّن عرف) . وَعبد الله هَذَا فِيهِ خلاف، وثَّقه أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم، وَقَالَ مُحَمَّد بن حميد: كَانَ فَاسِقًا. قَالَ ابْن عدي: فِي بعض حَدِيثه مَا لَا يتُابع عَلَيْهِ. ثمَّ تنبه بعد ذَلِك لوهن فَاحش وَقع لِابْنِ الْجَوْزِيّ فِي هَذَا الحَدِيث؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابه «التَّحْقِيق» بعد أَن أخرجه من طَرِيق التِّرْمِذِيّ: فِي إِسْنَاده عَطاء، وَهُوَ ابْن عجلَان، مَتْرُوك الحَدِيث. وَهَذَا عَجِيب مِنْهُ، فعطاء هَذَا ابْن أبي رَبَاح كَمَا وَقع مُبَيَّنًا فِي «سنَن أبي دَاوُد» ، و «ابْن مَاجَه» ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، و «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» ، وَكَذَا الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من ثَلَاث طرق، وَكَذَا بيَّنه الحافظان ابْن طَاهِر، والمزي فِي «أطرافهما» وَسبب هَذِه الْمقَالة مِنْهُ أَنه وَقع فِي رِوَايَة

стр. 4765

التِّرْمِذِيّ غير مَنْسُوب، وَهِي الَّتِي سَاقهَا، وَكَذَا فِي إِحْدَى رِوَايَات الدَّارَقُطْنِيّ. الحَدِيث الْخَامِس عشر أنَّه ﷺ قَالَ: «رُفع عَن أُمتي الْخَطَأ، وَالنِّسْيَان، وَمَا اسْتُكْرهوا عَلَيْهِ» . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي بَاب شُرُوط الصَّلَاة فراجِعْه مِنْ ثَمَّ. الحَدِيث السَّادِس عشر أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا طَلَاق فِي إغلاق» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد من رِوَايَة عَائِشَة ﵂ [قَالَت] : سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «لَا طَلَاق فِي إغلاق» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد كَذَلِك بِزِيَادَة: «وَلَا إِعْتَاق» . وَفِي إسنادهما مُحَمَّد بن عبيد بن أبي صَالح، وَقد ضعفه أَبُو حَاتِم، ووثَّقه ابْن حبَان. وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» من هَذَا الطَّرِيق بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم - أَي فِي ابْن إِسْحَاق -

стр. 4766

لَكِن لم يحْتَج بِهِ مُسلم، وَوَقع فِي رِوَايَة الْحَاكِم: مُحَمَّد بن عبيد بن صَالح، بِإِسْقَاط «أبي» ، وَكَأن الصَّوَاب الأوَّل. قَالَ الْحَاكِم بعد أَن أخرجه من طَرِيقه: قد تَابع أَبُو صَفْوَان الْأمَوِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَلَى رِوَايَته عَن ثَوْر بن يزِيد، فأسقط من الْإِسْنَاد مُحَمَّد بن عبيد، فَرَوَاهُ عَن [ثَوْر] بن يزِيد، عَن صَفِيَّة، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا. قلت: لَكِن فِيهِ نعيم بن حَمَّاد، وَهُوَ صَاحب مَنَاكِير، وَضعف هَذَا الحَدِيث عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» بِسَبَب مُحَمَّد بن عبيد الْمَذْكُور، وَقَالَ: إِنَّه ضعيفٌ. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» عَنهُ، وَلَكِن فِي إِسْنَاده عبيد بن أبي صَالح، بِإِسْقَاط مُحَمَّد. وَرَوَاهُ أَبُو يعْلى من رِوَايَة ثَوْر، عَن (عُبَيْدَة بن سُفْيَان) عَن صَفِيَّة بنت شيبَة، عَن عَائِشَة، قَالَ الْمزي فِي «تهذيبه» : وَرِوَايَة أبي دَاوُد هَذَا الحَدِيث عَن ثَوْر، عَن مُحَمَّد بن عبيد بن أبي صَالح أصوب من رِوَايَة ابْن مَاجَه، قَالَ: وَكَذَا قَالَه ابْن أبي حَاتِم وَغَيره.

стр. 4767

وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من طَرِيق آخر لَيْسَ فِيهَا مُحَمَّد بن عبيد الْمَذْكُور، وَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق، وَمُحَمّد بن عُثْمَان جَمِيعًا، عَن صَفِيَّة بنت شيبَة، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا طَلَاق وَلَا إِعْتَاق فِي إغلاق» . وسَاق ابْن الْجَوْزِيّ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق الإِمَام أَحْمد محتجًا بِهِ، وَلم يضعِّف محمدَ بن عبيد هَذَا، وَلَا ذكره فِي «ضُعَفَائِهِ» ، وَلَيْسَ بجيِّدٍ مِنْهُ. تَنْبِيه: قَالَ الرَّافِعِيّ: فَسَّرَ علماءُ الْعَرَبيَّة الإغلاق بِالْإِكْرَاهِ وَهُوَ كَمَا قَالَ، فقد [قَالَه] الإِمَام أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ عَلَى مَا نَقله ابْنه فِي «علله» عَنهُ، وَكَذَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة وَغَيره: إِنَّه الْإِكْرَاه عَلَى الطَّلَاق وَالْعتاق، وَهُوَ مِنْ أغلقت الْبَاب، كَأَن الْمَكْرُوه أُغْلق عَلَيْهِ حَتَّى يفعل، قَالَ المطرزي فِي (الْمغرب) : ومَنْ أوَّله بالجنون، وَأَن الْجُنُون هُوَ المغلق عَلَيْهِ، فقد أبْعَدَ. قَالَ: وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» الإغلاق: أَظُنهُ الْغَضَب. وَمِنْه: إياك والمغلق، أَي الضجر والغلق، وَمَعْنَاهُ: لَا تغلق التطليقات كلهَا دفْعَة حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْء، لَكِن تُطَلِّق طَلَاق السّنة.

стр. 4768

الحَدِيث السَّابِع عشر ورد الْخَبَر بِأَن «مَنْ أعتق شِقْصا من عبد أعتق كُله إِن كَانَ لَهُ مَال، وَإِلَّا يستسعى غير مشقوق عَلَيْهِ» . وَفَى «سنَن أبي دَاوُد» من حَدِيث همام، عَن قَتَادَة، عَن أبي [الْمليح] عَن أَبِيه: أَن رجلا أعتق شِقْصا من غُلَام، فَذكر ذَلِك للنبيِ (، فَقَالَ: لَيْسَ لله شريك) . قَالَ أَبُو دَاوُد: زَاد ابْن كثير فِي حَدِيثه: «فَأجَاز ﵇ عِتْقه» . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من هَذَا الْوَجْه، وَمن حَدِيث سعيد بن أبي عرُوبَة، وَهِشَام، عَن قَتَادَة، عَن أبي الْمليح بِدُونِ ذكر أَبِيه، ثمَّ قَالَ: هِشَام، وَسَعِيد أثبت [فِي] قَتَادَة [من] همام، وحديثهما أَوْلى بِالصَّوَابِ.

стр. 4769

قلت: قد رَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عبد الله بن بكر السَّهْمِي: ثَنَا سعيد، عَن قَتَادَة، عَن أبي الْمليح عَن أَبِيه: «أَن رجلا من قومه أعتق شِقْصا لَهُ [من] مَمْلُوك، فَرفع ذَلِك [إِلَى] النَّبِي ﷺ ، فَجعل عَلَيْهِ خُلَاصَة فِي مَاله [و] قَالَ: لَيْسَ لله شريك» . فَهَذَا عبد الله بن بكر رَوَاهُ عَن سعيد، وَقَالَ فِيهِ عَن أَبِيه: «أَن رجلا من هُذَيْل أعتق سقصًا لَهُ من مَمْلُوك، فَقَالَ ﵇: هُوَ حر كُله، لَيْسَ لله شريك» . الحَدِيث الثَّامِن عشر أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا طَلَاق إِلَّا بعد نِكَاح، وَلَا عِتْق إِلَّا بعد مِلْك» . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من عدَّة طرق: مِنْهَا: طَرِيق جَابر ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا طَلَاق لمَنْ لَا يملك، وَلَا عتاق لمَنْ لَا يملك» . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من هَذَا الْوَجْه، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، قَالَ: وَشَاهده الْمَشْهُور فِي الْبَاب: عَن عَمرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لَا طَلَاق قَبْل نِكَاح» . وَفِي حَدِيث هشيم: «لَا نَذْرَ لابْنِ آدم فِيمَا لَا يملك، وَلَا طَلَاق فِيمَا لَا يملك، وَلَا عتاق فِيمَا لَا يملك» .

стр. 4770

ثمَّ أسْند الحاكمُ من طَرِيق ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: «مَا قَالَهَا ابْن مَسْعُود، وَإِن يكن قَالَهَا [فَزَلّةٌٌ] من عالمٍ، فِي الرجل يَقُول: إِن تزوجتُ فُلَانَة فَهِيَ طالقٌ، فَقَالَ تَعَالَى: (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن) وَلم يقل: إِذا طلّقْتُم الْمُؤْمِنَات ثمَّ نكحتموهن» . ثمَّ قَالَ - أَعنِي: الْحَاكِم -: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، هَذَا آخر مَا ذكره هِشَام، ثمَّ أعَاد قَول ابْن عَبَّاس فِي أثْنَاء كتاب التَّفْسِير، فِي سُورَة الْأَحْزَاب لَكِن بِلَفْظ آخر وَهُوَ: «أَن ابْن عَبَّاس تلى قَوْله تَعَالَى: (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ) : فَلَا يكون طَلَاق حَتَّى يكون نِكَاح» . ثمَّ قَالَ: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ، قَالَ الْحَاكِم: أَنا متعجبٌ من الشَّيْخَيْنِ والإمامين - يعْنى: البُخَارِيّ وَمُسلمًا -، كَيفَ أهملا هَذَا الحَدِيث وَلم يخرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ؟ ! ، فقد صَحَّ عَلَى شَرطهمَا: حديثُ ابْنِ عُمر، وعائشةَ، وعَبْدِ الله بن عَبَّاس، ومعاذِ بن جبل، وجابرِ بْنِ عبد الله. أما حَدِيث ابْن عمر: فَرَوَاهُ نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: «لَا [طَلَاق إِلَّا] بعد نِكَاح» . قلت: وَنقل الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» عَن صاعد أَنه قَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، لَا أعرف لَهُ عِلّة.

стр. 4771

وَأما حَدِيث عَائِشَة: فَرَوَاهُ عُرْوَة عَنْهَا مَرْفُوعا بِهِ وَزِيَادَة: «وَلَا عتق إِلَّا بَعْدَ مِلْك» . قلت: قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَنهُ، فَقَالَ: حَدِيث مُنكر، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: «لَا طَلَاق قبل نِكَاح، وَلَا عتق قَبْل مِلْك» . ثمَّ قَالَ: إِنَّه لَا يَصح، فِيهِ بشر بن السّري. قَالَ الحميدى: لَا يحل أَن يكْتب عَنهُ. وَأما حَدِيث عبد الله بن عَبَّاس: فَرَوَاهُ عَطاء بن أبي رَبَاح عَنهُ مَرْفُوعا: «لَا طَلَاق لمَنْ لَا يملك» . وَأما حَدِيث معَاذ: فَرَوَاهُ طَاوس عَنهُ مَرْفُوعا: «لَا طَلَاق إِلَّا بعد نِكَاح، وَلَا عتق إِلَّا بعد مِلْك» . وَأما حَدِيث جَابر بن عبد الله فَرَوَاهُ مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَنهُ مَرْفُوعا «لَا طَلَاق لما لَا يملك، وَلَا عتق لما لَا يملك» . وَفَى رِوَايَة عَنهُ: «لَا طَلَاق وَلَا نِكَاح» . قلت: وَرَوَاهُ أَبُو الزبير عَنهُ، كَذَا أخرجه أَبُو يَعْلى الْموصِلِي فِي «مُسْنده» عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سهم الْأَنْطَاكِي، ثَنَا بَقِيَّة بن الْوَلِيد، ثَنَا مُبشر بن عبيد، عَن أبي الزبير عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله

стр. 4772

(: «لَا تنْكح النِّسَاء إِلَّا من الْأَكفاء، وَلَا يُزَوِّجُهُنَّ إِلَّا الْأَوْلِيَاء، وَلَا مهر دون عدَّة دَرَاهِم» . وَعَن جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لَا طَلَاق قَبْلَ نِكَاح، وَلَا عتق قَبْلَ ملك، وَلَا نِكَاح إِلَّا بوليٍّ» . قَالَ الْحَافِظ مُحَمَّد الْمَقْدِسِي: رجال إِسْنَاده ثِقَات، كَذَا نَقله عَنهُ الْحَافِظ شرف الدِّين الدمياطي وَأقرهُ، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ، ف [مُبشر] بن عبيد: وضَّاع، هَالك. وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي (علله) من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا «لَا طَلَاق قَبْلَ نِكَاح، وَلَا عتق لمن لَا يملك، وَلَا صمت يَوْم إِلَى اللَّيْل، وَلَا وصال فِي صِيَام، وَلَا رضَاع بعد فِطَام، وَلَا يُتْمَ بعد حُلُم، وَلَا رَهْبَانِيَّة [فِينَا] » . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يَصح، لأجْلِ سعيد بن المزبان الْبَقَّال: مَتْرُوك. قَالَ الْحَاكِم: مدَار سَنَد هَذَا الحَدِيث، يَعْنِي: أصل حَدِيث: «لَا طَلَاق قبل نِكَاح، وَلَا عتق قبل ملك» : عَلَى إسنادين ذاهبَيْن؛ جُوَيْبِر، عَن الضَّحَّاك، عَن النزال بن سُبْرَة، عَن عَلّي، وَعَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده، فَلذَلِك لم يَقع الِاسْتِقْصَاء من الشَّيْخَيْنِ فِي [طلب] هَذِه

стр. 4773

الْأَسَانِيد الصَّحِيحَة. قلت: وَطَرِيق جُوَيْبِر: أخرجهَا ابْن مَاجَه بِلَفْظ: «لَا طَلَاق قبل النِّكَاح» . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» من وَجه آخر عَن عليِّ مَرْفُوعا بِلَفْظ: «لَا طَلَاق إِلَّا بعد ملك، وَلَا عتاق إِلَّا بعد ملك» . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يَصح، لأجْل عبد الله بن زِيَاد بن [سمْعَان] الكذَّاب، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث، وَإِنَّمَا رَوَاهُ ابْن الْمُنْكَدر مُرْسلا عَن النَّبِي ﷺ وَهُوَ الصَّوَاب. قَالَ: وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْكَدر، عَن جَابر، وَلَا يَصح، عَن جَابر، وَنقل بَعْد عَن الدَّارَقُطْنِيّ: أَن الْمَحْفُوظ فِيهِ وَقفه عَلَى جُوَيْبِر، بعد أَن أردفه بِلَفْظ: «لَا يُتْمَ بعد حُلُم، وَلَا طَلَاق إِلَّا بعد نِكَاح، وَلَا عتق إِلَّا بعد ملك، وَلَا وصال فِي صِيَام، وَلَا صَمْت يَوْم إِلَى اللَّيْل» . ثمَّ ذكر الْحَاكِم حَدِيث عَمرو بن شُعَيْب فِي كتاب: الْأَيْمَان وَالنُّذُور، فَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث، عَن عَمرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن عبد الله بن عَمرو: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ طلق مَا لَا يملك فَلَا طَلَاق لَهُ، ومَنْ أعتق مَنْ لَا يملك فَلَا عتاق لَهُ، ومَنْ نذر فِيمَا لَا يملك فَلَا نذر لَهُ، ومَنْ حلف عَلَى معصيةٍ فَلَا يَمِين لَهُ،

стр. 4774

ومَنْ حلف عَلَى قطيعة رحم: فَلَا يَمِين لَهُ» . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَلم يخرجَاهُ. قلت: وَعبد الرَّحْمَن هَذَا قَالَ فِيهِ أَحْمد: مَتْرُوك. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: شيخ. قَالَ الْحَاكِم: و [عِنْد] عَمْرو بن شُعَيْب فِيهِ إسنادٌ آخر، فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ، عَن سعيد بن الْمسيب: « [أَن أَخَوَيْنِ] من الْأَنْصَار كَانَ بَينهمَا مِيرَاث، فَسَأَلَ أحدُهُما صَاحبه الْقِسْمَة، فَقَالَ: لَئِن عُدَّتَ سَأَلتنِي الْقِسْمَة: لم أكلِّمك أبدا، وكل ماليِ فِي رتاج الْكَعْبَة، فَقَالَ عمر بن الْخطاب: إِن الْكَعْبَة لغَنِيَّة عَن مَالك، كفر [عَن يَمِينك] وكلِّمْ أَخَاك، فَإِنِّي سمعتُ رَسُول الله ﷺ يَقُول: لَا يَمِين عَلَيْك، وَلَا نذر فِي مَعْصِيّة الرب، وَلَا فِي قطيعة الرَّحِم، وَلَا فِيمَا لَا يملكهُ ابْن آدم» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، وَلم يخرجَاهُ. قلت: وَحَدِيث عَمرو بن شُعَيْب هَذَا أخرجه أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث مطر الْوراق عَنهُ بِلَفْظ «د» : «لَا

стр. 4775

طَلَاق إِلَّا فِيمَا تملك، وَلَا عتق إِلَّا فِيمَا تملك، وَلَا بيع إِلَّا فِيمَا تملك، وَلَا وَفَاء نذر فِيمَا لَا تملك» . وَلَفظ النَّسَائِيّ: «لَيْسَ عَلَى رجلٍ بيعٌ فِيمَا لَا يملك» . وَلَفظ أَحْمد: «لَيْسَ عَلَى رجلٍ طَلَاق فِيمَا لَا يملك وَلَا عتاق فِيمَا لَا يملك، وَلَا بيع فِيمَا لَا يملك» . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْأَحول عَنهُ مَرْفُوعا: «لَا نذر لِابْنِ آدم فِيمَا لَا يملك، وَلَا عتق لَهُ فِيمَا لَا يملك، وَلَا طَلَاق لَهُ فِيمَا لَا يملك» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، قَالَ: وَهُوَ أحسن شَيْء رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ [البُخَارِيّ أَنه] : أصح شَيْء فِي الطَّلَاق قَبْل النِّكَاح. وَقَالَ الْخطابِيّ: أسعد النَّاس بِهَذَا الحَدِيث مَنْ قَالَ بِظَاهِرِهِ وأجْرَاه عَلَى عُمُومه، إذْ لَا حُجَّة مَعَ مَنْ فرق بَين حالٍ وحالٍِ، والْحَدِيث حسن. قلت: وَفَى الْبَاب أَيْضا عَن الْمسور [بن] مخرمَة، رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيثه مَرْفُوعا: «لَا طَلَاق قبل نِكَاح، وَلَا عتق قبل ملك» .

стр. 4776

وَفَى إِسْنَاده عليّ بن حُسَيْن بن وَاقد: ضعَّفه أَبُو حَاتِم، وقوَّاه (عُرْوَة) ، وَهِشَام بن سعد المَخْزُومِي: وَهُوَ من رجال مُسلم فِي الشواهد، وَقد ضَعَّفُوهُ، وَاقْتصر عَلَى هَذِه الطَّرِيقَة صَاحب «الْإِلْمَام» ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو بكر الصدِّيق، وعليُّ بن أَبَى طَالب، وَابْن عَبَّاس، ومعاذ، وَزيد، وَأَبُو سعيد، وَعمْرَان، وَأَبُو مُوسَى، وَأَبُو هُرَيْرَة، والمسور، وَعَائِشَة ﵂، قَالَ: وَأَصَح حَدِيث فِيهِ وأشْهَرُه: حديثُ عَمرو بن شُعَيْب المتقدِّم، وحديثُ الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة ... . قَالَه البُخَارِيّ. قَالَ: وروُي مِثْلُ ذَلِك عَن جماعات من التَّابِعين فَذكرهمْ، وَفَى «علل ابْن أَبَى حَاتِم» : سَمِعت أبي يَقُول: سَمِعت مُحَمَّد بن خلف الْعَسْقَلَانِي يَقُول قَالَ ليِ يَحْيَى بْنُ معِين: لَا يَصح عَن النَّبِي ﷺ : «لَا طَلَاق قبل نِكَاح» ، وَأَصَح شَيْء فِيهِ: حديثُ [الثَّوْريّ] عَن ابْن الْمُنْكَدر عَمَّنْ سمع طاوسًا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لَا طَلَاق قبل نِكَاح» . وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي « [استذكاره] » : إِن هَذَا الحَدِيث قد رُوي من وُجُوه، إِلَّا أَنَّهَا عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ، معلولة. قلت: وَقد عرفتَ صِحَة بَعْضهَا من كَلَام التِّرْمِذِيّ، وَالْحَاكِم

стр. 4777

، وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم، وَلَا يقْدَح فِيهَا بعض طرقها الضعيفة. الحَدِيث التَّاسِع عشر عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ﵁ قَالَ: «دَعَتْنِى أُمِّي إِلَى قريبٍ لَهَا، فراودني فِي الْمهْر، فَقلت: إِن نكحتها فَهِيَ طالقٌ ثَلَاثًا، ثمَّ سَأَلت النَّبِي ﷺ فَقَالَ: انْكحْهَا؛ فَإِنَّهُ لَا طَلَاق قَبْل نِكَاح» . هَذَا الحَدِيث غريبٌ من هَذَا الْوَجْه. وَهُوَ فِي «الدَّارَقُطْنِيّ» من حَدِيث زيد بن عَلّي عَن آبَائه: «أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله: إِن أُمِّي عَرَضَتْ عليَّ قرَابَة لَهَا أَتَزَوَّجُهَا، فَقلت: (هى طالقٌ ثَلَاثًا إنْ تزوجْتُهَا) ؟ ، فَقَالَ النبى (: هَل كَانَ قبل ذَلِك مِنْ مِلْكٍ؟ ، قَالَ: لَا. قَالَ: لَا بَأْس، تزوَّجْهَا» . وَفِيه أَيْضا من حَدِيث: عَلّي بن قرين - الْكذَّاب -، ثَنَا بَقِيَّة بن الْوَلِيد، عَن ثَوْر بن يزِيد، عَن خَالِد بن معدان، عَن أَبَى ثَعْلَبَة الْخُشَنِي قَالَ: «قَالَ عَمٌّ لي: اعملْ لي عملا حَتَّى أُزوِّجَكَ ابْنَتي، فَقلت: إنْ تزوجْتُهَا فَهِيَ طَالِق ثَلَاثًا، ثمَّ بَدَا لي أنْ أتزوَّجَهَا، فأتيتُ النَّبِي ﷺ فَسَأَلته. فَقَالَ لي: تَزَوَّجْهَا فَإِنَّهُ لَا طَلَاق إِلَّا بعد نكاحٍ، فتزوجْتُهَا، فولدتْ لي سَعْدًا وسعيدًا» . وَفِيه أَيْضا من حَدِيث معَاذ بن جبل مَرْفُوعا: «لَا طَلَاق إِلَّا بعد نِكَاح وإنْ سَمَّيْتَ المرأةَ بِعَيْنِهَا» . وَإِسْنَاده واهٍ.

стр. 4778

الحَدِيث الْعشْرُونَ رُوي أنَّه ﷺ قَالَ: «الطَّلَاق بِالرِّجَالِ، وَالْعدة بِالنسَاء» . [سُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ] فَقَالَ: يرويهِ أَشْعَث بن سوار، وَاخْتلف عَنهُ، فَرَوَاهُ عبد الله بن الأحلج، عَن أَشْعَث، عَن الشّعبِيّ، عَن عبد الله [بن عتبَة، عَن ابْن مَسْعُود] كَذَلِك رَفعه وَخَالفهُ شعبةُ فَرَوَاهُ عَن أَشْعَث [عَن الشّعبِيّ] عَن مَسْرُوق [عَن عبد الله قَالَ: (السّنة فِي الطَّلَاق وَالْعدة بِالنسَاء) . وَرَوَاهُ الْحسن بن صَالح، عَن أَشْعَث، عَن الشّعبِيّ] عَن عبد الله مثله، لم يذكر [بَينهمَا] أحدا. قَالَ: وَيُشبه أَن يكون هَذَا من أَشْعَث، وَالله أعلم. وَكَذَلِكَ قَالَ الثَّوْريّ، وَابْن [فُضَيْل] وأسباط كلُّهم، عَن أَشْعَث، عَن الشّعبِيّ [عَن عبد الله، وَقَالَ يزِيد بن هَارُون: عَن أَشْعَث، عَن الشّعبِيّ] ، عَن مَسْرُوق، عَن عبد الله مثل [قَول] شُعْبَة. هَذَا آخر مَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» .

стр. 4779

وَحَال «أَشْعَث» مَعْرُوف، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» مَوْقُوفا عَلَى ابْنِ مَسْعُود وَابْن عَبَّاس، وَقَالَ بعض مَنْ تَبَصَّرَ هَذِه الْمَسْأَلَة: رَوَاهُ عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا. قلت: وَفِي «علل أَحْمد» : ثَنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر [غنْدر] ، ثَنَا همام، عَن قَتَادَة، عَن سعيد بن المسيَّب: «أَن عليًَّا قَالَ: السُّنَّة بِالنسَاء - يعْنى: الطَّلَاق -، وَالْعدة» . قَالَ مُحَمَّد: قلت لهمام: مَا يرويهِ أحدٌ غَيْرك عَن سعيد؟ ، قَالَ: مَا أَشك فِيهِ وَمَا أَمْتَري. وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» عَن عليّ: أَنه قَالَ: «السُّنَّة بِالنسَاء - يَعْنِي: الطَّلَاق -، وَالْعدة» . وَكَذَا حَكَاهُ فِي «الاستذكار» عَنهُ. . انْتَهَى. الحَدِيث الحادى بعد الْعشْرين رُوي عَن ابْن عمر مَرْفُوعا وموقوفًا: «العَبْد يطلَّق تَطْلِيقَتَيْنِ» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» مَوْقُوفا عَلَى ابْن عُمر (بِاللَّفْظِ) الْمَذْكُور، وَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الأُمِّ» .

стр. 4780

وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» لَكِن بِلَفْظ: «يَنْكِحُ العبدُ اثْنَتَيْنِ، ويطلِّق اثْنَتَيْنِ، وعدة الْأمة حيضتين، فَإِن لم تحضْ فشهرين» . وَالْمَاوَرْدِيّ أخرجه من حَدِيث (عَطِيَّة) عَنهُ مَرْفُوعا: «يطلِّق العَبْد تَطْلِيقَتَيْنِ، وَتعْتَد الأَمة حيضتين» . ثمَّ قَالَ: وَهَذَا أثبت من حَدِيث عَائِشَة، [لِأَن فِي حَدِيث مظَاهر]- يَعْنِي: الَّذِي. فِي إِسْنَاد حَدِيثهَا - من (الالتواء) . قلت: وَالْآخر قد قيل: إِنَّه مُنْقَطع، وَمن الْعجب أَن الْغَزالِيّ فِي «بسيطه» تبعا للْإِمَام قَالَ: وَقد صَحَّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «تَعْتَد الأَمَةُ بحيضتين» . قلت: وَقد رُوي من حَدِيث ابْن عُمر مَرْفُوعا بلفظٍ آخر، رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» بإسنادهم إِلَيْهِ: أَنه ﵇ قَالَ: «طَلَاق الأَمة اثْنَتَانِ، وعدتها حيضتان» . وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف أَيْضا بِسَبَب عُمر بن شبيب الْكُوفِي الواهي، وعَطِيَّة الْعَوْفِيّ الواهي أَيْضا، الْمَذْكُورين فِي إِسْنَاده.

стр. 4781

قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا الحَدِيث مُنكر غير ثَابت، من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن عَطِيَّة ضَعِيف، وَسَالم وَنَافِع أثبت مِنْهُ وَأَصَح رِوَايَة، وَالْوَجْه الآخر: أَن عمر بن شبيب ضَعِيف، لَا يحْتَج بروايته. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: تفرد بِهِ عُمَرُ بْنُ شبيب مَرْفُوعا، وَكَانَ ضَعِيفا، وَالصَّحِيح: مَا رَوَاهُ سَالم وَنَافِع، عَن ابْن عمر مَوْقُوفا أَنه قَالَ: «إِذا طلَّق العبدُ امْرَأَته طَلْقَتَيْنِ: فقد حَرُمَتْ عَلَيْهِ، حَتَّى تنْكح زوجا غَيره، حُرَّةً كَانَت أَو أَمَة، وعدة الْحرَّة ثلاثُ حِيَض، وعدة الْأمة حيضتان» . هَكَذَا رَوَاهُ فِي «الْمُوَطَّأ» . قلت: وَحَدِيث عَائِشَة السالف فِي كَلَام الْمَاوَرْدِيّ: أخرجه أَبُو دَاوُد، وَابْن مَاجَه، وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة مظَاهر بن أسلم، عَن الْقَاسِم، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا بِلَفْظ الْجَمَاعَة الْمَذْكُورين أَولا، وَالْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ: «طَلَاق العَبْد اثْنَتَانِ» . قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا حَدِيث مَجْهُول، وَكَذَا نقل ابْن الْأَعرَابِي عَنهُ أَنه قَالَ فِيهِ: إِنَّه لَيْسَ بِمَعْرُوف، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث مظَاهر بن أسلم، وَمظَاهر: لَا نَعْرِف [لَهُ] فِي الْعلم غَيْرَ

стр. 4782

هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ الْعقيلِيّ: هَذَا حَدِيث لَا يُحفظ إِلَّا عَن مظَاهر، وَقَالَ أَبُو عَاصِم النَّبِيل: لَيْسَ بِالْبَصْرَةِ حَدِيث أنكر من هَذَا، وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا حَدِيث تفرد بِهِ مظَاهر بن أسلم، وَهُوَ رجل مَجْهُول، يُعْرف بِهَذَا الحَدِيث، وَالصَّحِيح عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد: «أَنه سُئِلَ عَن عدَّة الأَمة، فَقَالَ: النَّاس يَقُولُونَ: حيضتان» . وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ عبد الْحق: ذُكر عَن ابْن الْقَاسِم أَنه قيل لَهُ: أَبَلَغَكَ من هَذَا عَن النَّبِي ﷺ شَيْء؟ ، قَالَ: لَا. وَنَقله الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» أَيْضا، وَقَالَ [الْمزي] فِي «أَطْرَافه» : رفْعه غير مَحْفُوظ. قلت: وَأما الْحَاكِم فَرَوَاهُ من هَذَا الْوَجْه، ثمَّ قَالَ «مظَاهر بن أسلم» : شيخ من أهل الْبَصْرَة، لم يذكرهُ أحدٌ مِنْ مُتَقَدِّمي مَشَايِخنَا بِجرح فَإِذا الحَدِيث. [صَحِيح وَلم يخرجَاهُ] . قلت: عجيبٌ مِنْهُ، فقد ضعفه أَبُو حَاتِم، وَقَالَ فِيهِ يَحْيَى بن معِين: لَيْسَ بِشَيْء. مَعَ أَنه لَا يُعْرف، ووَهَِمَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه»

стр. 4783

فَعَزاهُ إِلَى يَحْيَى بن سعيد، فاجْتَنِبْهُ، وَقَالَ فِيهِ الرزاي: مُنكر الحَدِيث. فَأَما ابْن حبَان: فَذكره فِي «الثِّقَات» من أَتبَاع التَّابِعين، رَوَى عَنهُ: ابْنُ جريج والثوريُّ وعاصمُ النَّبِيل. الحَدِيث الثَّانِي و [الْعشْرُونَ] «أَن ركَانَة بن عَبْد يزِيد أَتَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِنِّي طلقت امْرَأَتي سهيمة الْبَتَّةَ، وواللَّهِ مَا أردتُ إِلَّا وَاحِدَة؟ ، فَقَالَ [رَسُول الله ﷺ : وَالله مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة؟ فَقَالَ:] واللَّهِ مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة؛ فردَّها عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ » . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمْ» . رَوَاهُ الشَّافِعِي من رِوَايَة عبد الله بن عليّ بن السَّائِب، عَن نَافِع بن عجير بن عَبْد يزِيد (أَن ركَانَة بن عَبْد يزِيد طلَّق امْرَأَته سهيمة الْبَتَّةَ، ثمَّ أَتَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِنِّي طلقتُ امْرَأَتي سهمية الْبَتَّةَ؛ [و] واللَّهِ مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة [فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لركانة: وَالله مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة؟ فَقَالَ ركَانَة: وَالله مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة] ، فردَّها إِلَيْهِ، وَطَلقهَا

стр. 4784

الثانيةَ فِي زمن عمر، وَالثَّالِثَة فِي زمن عُثْمَان) . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة عبد الله بن يزِيد بن ركَانَة، عَن أَبِيه، عَن جده قَالَ: «أتيتُ النَّبِي ﷺ ، فقلتُ: يَا رَسُول الله إِنِّي طلقت امْرَأَتي الْبَتَّةَ، فَقَالَ: مَا أردتَ [بهَا] ؟ قلت: وَاحِدَة، قَالَ: واللَّهِ؟ ، قلت: واللًَّهِ، قَالَ: فَهُوَ مَا أردتَ» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة نَافِع بن عجير بن عَبْد يزِيد بن ركَانَة «أَن ركَانَة بن عَبْد يزِيد طلق امْرَأَته سهيمة الْبَتَّةَ فَأخْبر النَّبِي ﷺ بذلك وَقَالَ: واللَّهِ مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة [فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : وَالله مَا أردْت إِلَّا وَاحِدَة؟] فَقَالَ ركَانَة: واللَّهِ مَا أردتُ إِلَّا وَاحِدَة، فردَّها إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ، فَطلقهَا الثَّانِيَة فِي زمَان عمر، وَالثَّالِثَة فِي زمَان عُثْمَان» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا من رِوَايَة عبد الله بن عَلّي بن يزِيد بن ركَانَة، عَن أَبِيه، عَن جده: «أَنه طلق امْرَأَته الْبَتَّةَ، فَأَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: مَا أردتَ؟ قَالَ: وَاحِدَة. قَالَ: اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ. قَالَ: هُوَ عَلَى مَا أردتَ» . قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا أصح من حَدِيث ابْن جريج: «أَن ركَانَة طلق امْرَأَته ثَلَاثًا» ؛ لأَنهم أهل بَيته وهُمْ أعلم بِهِ، وَحَدِيث ابْن جريج [رَوَاهُ] عَن بعض بني [أبي] رَافع، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الله بن عَلّي بن يزِيد بن ركَانَة،

стр. 4785

عَن أَبِيه، عَن جده: «أَنه طلق امْرَأَته الْبَتَّةَ، فَأَتَى النَّبِي ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَا أردْت بهَا؟ ، قَالَ: وَاحِدَة. قَالَ: آللَّهِ مَا أردتَ بهَا إِلَّا وَاحِدَة. قَالَ: اللَّهِ مَا أردتُ بهَا إِلَّا وَاحِدَة. قَالَ: فردَّها عَلَيْهِ» . قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا حَدِيث صَحِيح. وَقَالَ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» : سمعتُ أَبَا الْحسن عَلّي بن مُحَمَّد الطنافسي يَقُول: مَا أشرف هَذَا الحَدِيث! . وَأخرجه ابْن [حبَان] فِي «صَحِيحه» من رِوَايَة عبد الله [بن عَلّي] بن يزِيد بن ركَانَة، كَمَا سَاقه أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَته الثَّانِيَة. وَأخرجه الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» كَمَا سَاقه ابْنُ حبَان سندًا ومتنًا، ثمَّ قَالَ: قد انحرف الشَّيْخَانِ - يَعْنِي: البخاريَّ وَمُسلمًا - عنِ الزبير بن سعيد الْهَاشِمِي - يَعْنِي: الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده -، غير أَن لهَذَا الحَدِيث مُتَابَعًا من بنت رُكانة بن [عبد] يزِيد المطلبي، فَيصح بِهِ الحَدِيث، ثمَّ رَوَاهُ عَن الْأَصَم، عَن الرّبيع، عَن الشَّافِعِي، عَن عَمه مُحَمَّد بن عَلّي بن شَافِع، عَن نَافِع بن عجير بن عَبْد يزِيد «أَن ركَانَة بن عَبْد يزِيد طلَّق امْرَأَته سهيمة الْبَتَّةَ» . ثمَّ سَاقه بِلَفْظ أبي دَاوُد فِي الرِّوَايَة الأولَى، ثمَّ قَالَ الْحَاكِم: قد صَحَّ الحَدِيث بِهَذِهِ الرِّوَايَة، فَإِن الإِمَام الشَّافِعِي قد أتقنه وَحفظه عَن أهل بَيته، والسائب بن عَبْد [يزِيد أَب الشافع بن السَّائِب وَهُوَ أَخ ركَانَة

стр. 4786

بن عبد يزِيد] وَمُحَمّد بن عَلّي بن شَافِع عَم الشَّافِعِي: شيخُ قُرَيْش فِي عصره. وَأخرجه الْحَاكِم أَيْضا فِي كتاب «عُلُوم الحَدِيث» بِلَفْظ أبي دَاوُد الثَّانِي، ثمَّ قَالَ: رُوَاة هَذَا الحَدِيث عَن آخِرهم قرشيون، وَأما التِّرْمِذِيّ فَقَالَ: هَذَا حَدِيث لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَسَأَلت مُحَمَّدًا - يَعْنِي: البخاريَّ - عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: إِنَّه مُضْطَرب؛ (حَيْثُ رُوي تَارَة أَنه طَلقهَا ثَلَاثًا، وَتارَة وَاحِدَة، وَتارَة الْبَتَّةَ وَهُوَ أصحُّها، والثلاثُ ذكرت فِيهِ عَلَى الْمَعْنى) ، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد كَمَا نَقله ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» ، وَعلله: [حَدِيث] ركَانَة لَيْسَ بِشَيْء، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: طرقه ضَعِيفَة، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِيه» : فِي تَصْحِيح أبي دَاوُد لهَذَا الحَدِيث نَظَرٌ؛ فقد ضعفه الإِمَام أَحْمد، وَهُوَ مُضْطَرب إِسْنَادًا ومتنًا؛ لِأَن فِي إِسْنَاده الزبير بن سعيد الْهَاشِمِي الْمدنِي: وَقد ضعفه غيرُ واحدٍ. قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ مَرَّةً: ضَعِيف. وَكَذَلِكَ قَالَ عَلّي

стр. 4787

بن الْمَدِينِيّ وزَكَرِيا [السَّاجِي] وَالنَّسَائِيّ. وَقَالَ يَحْيَى مَرَّةً: ثِقَة. وَقَالَ الْعقيلِيّ الْحَافِظ: هَذَا حَدِيث لَا يُتابع عَلَيْهِ وَلَا يُعرف إِلَّا بِهِ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَة عبد الله بن عَلّي بن يزِيد بن ركَانَة: إِسْنَاده مُضْطَرب وَلَا يُتابع عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ: إِسْنَاده مُخْتَلف فِيهِ. وَقَالَ عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» : فِي إِسْنَاده عبد الله بن عَلّي بن السَّائِب، عَن نَافِع بن عجير، عَن ركَانَة، وَالزبير بن سعيد، عَن عبد الله بن عَلّي بن عَبْد يزِيد بن ركَانَة، عَن أَبِيه، عَن جده، قَالَ: وَكلهمْ ضَعِيف، الزبير أَضْعَفُهُمْ. قَالَ البُخَارِيّ: عَلّي بن يزِيد بن ركَانَة، عَن أَبِيه: لم يَصح حَدِيثه، وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي «تمهيده» : هَذَا الحَدِيث ضعَّفوه. قلت: وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر، رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» فِي أَوَاخِر كتاب التَّفْسِير مِنْهُ، من حَدِيث ابْن عَبَّاس: [قَالَ: طلق عبد يزِيد أَبُو ركَانَة أم ركَانَة ثمَّ نكح امْرَأَة من مزينة فَجَاءَت إِلَى رَسُول الله ﷺ ] فَقَالَت: يَا رَسُول الله: مَا تغني عني هَذِه الشعرة، لشعرةٍ أَخَذتهَا من رَأسهَا، فَأخذ رَسُول الله ﷺ حَمِيَّةٌ عِنْد ذَلِك، فَدَعَا ركَانَة وإخوتَه، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لعَبْدِ يزِيد: طلِّقْها، فَفعل، فَقَالَ لأبي ركَانَة:

стр. 4788

ارتجِعْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُول الله: إِنِّي طَلقتهَا، قَالَ: قد علمتُ ذَلِك، فارتجِعْهَا، فَنزلت (يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء فطلقوهن لعدتهن) . ثمَّ قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح. قلت: فِيهِ نظر، لأجْل مُحَمَّد بن [عبيد الله] بن أبي رَافع الواهي، قَالَ الذَّهَبِيّ: فَالْخَبَر خطأ، عَبْدُ يزِيد لم يدْرك الْإِسْلَام. قلت: وَرُوِيَ من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا عَلَى نمطٍ آخر، رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث: ابْن إِسْحَاق، ثَنَا دَاوُد بن الْحصين، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «طلق ركانةُ بْنُ [عبد] يزِيد امْرَأَته ثَلَاثًا فِي مجْلِس وَاحِد، فَحزن عَلَيْهَا حزنا شَدِيدا، فَسَأَلَهُ رَسُول الله ﷺ كَيفَ طلقْتَها؟ قَالَ: طلقتُهَا ثَلَاثًا. قَالَ: فِي مجلسٍ واحدٍ؟ قَالَ: نعم. قَالَ: [فَإِنَّمَا تِلْكَ] وَاحِدَة؛ فارتجِعْهَا إِن شئتَ، فرجعها» . قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : هَذَا حَدِيث لَا يَصح، ابْن إِسْحَاق مَجْرُوح، وَدَاوُد أشدُّ مِنْهُ ضعفا، قَالَ: والْحَدِيث الأوَّل أقرب، وَكَأن هَذَا من غلط الروَاة. فَائِدَة: رُكَانة بِضَم الرَّاء الْمُهْملَة، وبالنون بعد الإلِف، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْوَقار بِمَعْنى السَّكِيْنَة، يُقَال مِنْهُ رُكن - بِالضَّمِّ - ركَانَة فَهُوَ ركينٌ، و

стр. 4789

«ركَانَة» هَذَا هُوَ ابْن عبد يزِيد بن هَاشم بن الْمطلب بن عبد منَاف بن قصي الْقرشِي المطلبي الْحِجَازِي، ثمَّ الْمَكِّيّ، ثمَّ الْمدنِي، الصَّحَابِيّ، وَهُوَ بِضَم الرَّاء وَتَخْفِيف الْكَاف، وبالنون، وَلَيْسَ فِي الْأَسْمَاء ركَانَة غَيره ... هَكَذَا قَالَه البُخَارِيّ، وَابْن أَبَى حَاتِم وغيرُهما، أَسْلَمَ يَوْم الْفَتْح، وَكَانَ من أَشد النَّاس، وَهُوَ الَّذِي صارعه النَّبِي ﷺ ، فَصَرَعَهُ النَّبِي ﷺ ، تُوفِّي بِالْمَدِينَةِ فِي خلَافَة مُعَاوِيَة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين، وَقيل: تُوفِّي فِي خلَافَة عُثْمَان. فَائِدَة ثَانِيَة: اخْتُلِف فِي اسْم امْرَأَة ركَانَة، فروَى الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي «معرفَة الصَّحَابَة» : أَن اسْمهَا هشيمة، ثمَّ قَالَ: وَالْأَشْهر سهيمة، قَالَ: وَقيل سهيمة، وسفيحة، وَفَى «ابْن الْأَثِير» : الْجَزْم بِأَنَّهَا سهيمة المزنية ... انْتَهَى. زَاد غَيره: وَقيل: بنت عُمَيْر. الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «مَنْ طلَّقَ أَو أعْتَقَ وَاسْتَثْنَى فَلهُ ثنياه» . هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده كَذَلِك إِمَام الْحَرَمَيْنِ حَيْثُ قَالَ فِي «نهايته» : رَوَى أَبُو الْوَلِيد فِي «مجرده» عَن معدي كرب مَرْفُوعا فَذكره، وَهَذَا قد رَوَاهُ من الطَّرِيق الْمَذْكُور بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب «معرفَة الصَّحَابَة» إِلَّا أَنه قَالَ «ثُمَّ» بدل «الْوَاو» . وَفَى «كَامِل ابْن عدي» و «سنَن الْبَيْهَقِيّ» من حَدِيث ابْن عَبَّاس

стр. 4790

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ لامْرَأَته: أَنْت طَالِق - إِن شَاءَ الله -، أَو غُلَامه: أَنْت حُرٌّ - إِن شَاءَ الله -، أَو عَلَيْهِ الْمَشْي إِلَى بَيت الله - إِن شَاءَ الله - فَلَا شَيْء عَلَيْهِ» . وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف، ثمَّ قَالَ ابْن عدي: هَذَا الحَدِيث إِسْنَاده مُنكر، لَا يرويهِ إِلَّا إسحاقُ بن أبي يَحْيَى الكعبي، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا حَدِيث ضَعِيف، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِمثلِهِ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : هَذَا حَدِيث لَا يَصح، لَا يرويهِ بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَّا إِسْحَاق بن أبي يَحْيَى، وَقَالَ فِي «تَحْقِيقه» : لَا يروي هَذَا الحَدِيث إِلَّا إسحاقُ هَذَا. وَقَالَ فِيهِ ابْن عدي: إِنَّه حدَّث عَن الثِّقَات بِالْمَنَاكِيرِ. وَقَالَ ابْن حبَان: لَا (يحل) الِاحْتِجَاج بِهِ وَلَا الرِّوَايَة عَنهُ إِلَّا عَلَى سَبِيل الِاعْتِبَار، زَاد فِي كِتَابه «الضُّعَفَاء» عَن الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف الحَدِيث. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: (وَرُوِيَ) عَن الْجَارُود بن يزِيد، عَن بهز بن حَكِيم، عَن أَبِيه، عَن جده مَرْفُوعا فِي الطَّلَاق وَحده، وَهُوَ أَيْضا ضَعِيف. وَفِي حَدِيث ابْن عمر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِذا حلف الرجلُ فَقَالَ: إِن شَاءَ الله، فقد اسْتثْنى» . وَفَى رِوَايَة: «مَنْ حلف عَلَى يمينٍ فَقَالَ: إِن شَاءَ الله، فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إِن شَاءَ فعل، وَإِن شَاءَ لم يفعل» .

стр. 4791

قلت: وَحَدِيث ابْن عمر هَذَا أخرجه أَصْحَاب «السّنَن» الْأَرْبَعَة، وَصَححهُ ابْن حبَان، وسيأتى وَاضحا فِي كتاب: الْأَيْمَان - إِن شَاءَ الله وَقدره -. الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين قَالَ الرَّافِعِيّ: الِاسْتِثْنَاء مَعْهُود، وَفَى الْقُرْآن وَالسّنة مَوْجُود. هُوَ كَمَا قَالَ، وَهُوَ كثير فِي السّنة، كَحَدِيث: «لَا صَلَاة إِلَّا بِفَاتِحَة الْكتاب» . وغَيرِه. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَكَثِيرًا مَا وَقع فِي كَلَام رَسُول الله ﷺ أَنه كرر اللفظَ الواحِدَ. هُوَ كَمَا قَالَ، وَمن ذَلِك: الحَدِيث السالف: «أَيُّمَا امْرَأَة نكحتْ نَفسهَا بِغَيْر إِذن وَليهَا، فنكاحها بَاطِل - وكرَّرَ ذَلِك ثَلَاثًا» . وَمِنْهَا: «أَنه إِذا تكلَّم بكلمةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا، وَإِذا سلَّم سَلَّمَ ثَلَاثًا» . أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث أنس. وَمِنْهَا: أَنه ﵇ قَالَ: «واللَّهِ لأغزونَّ قُريْشًا - ثَلَاثًا» وَسَيَأْتِي فِي: الْأَيْمَان.

стр. 4792

وَفِي «صَحِيح مُسلم» عَن ابْن مَسْعُود: «كَانَ ﵇ إِذا دَعَا: دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا» . وَفَى «مُسْند أَحْمد» و «صَحِيح ابْن حبَان» عَنهُ: «كَانَ ﵇ يُعجبهُ أَن يَدْعُو ثَلَاثًا، ويستغفر ثَلَاثًا» . الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين «أَن جَعْفَر بن أبي طَالب ﵁ أُعطي جناحين يطير بهما» . هَذَا صَحِيح، (فَفِي) البُخَارِيّ عَن الشّعبِيّ: «أَن ابْن عمر كَانَ إِذا سلَّم عَلَى ابْنِ جَعْفَر قَالَ: السَّلَام عَلَيْك يَا ابْنَ ذِي الجناحين» . جَاءَ مُبَيَّنًا فِي غير «البُخَارِيّ» : «أَنه قُطِعَتْ يَدَاهُ (فى) غَزْوَة مُؤْتَة، فَجعل الله لَهُ جناحين يطير بهما» . وَرَوَاهُ الْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَبَّاس. وَفِيه - أَعنِي: «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» - و «صَحِيح ابْن حبَان» و «جَامع التِّرْمِذِيّ» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «رأيتُ جعفرًا يطير فِي الْجنَّة مَعَ الْمَلَائِكَة» .

стр. 4793

هَذَا (لفظ) التِّرْمِذِيّ. وَلَفظ الْحَاكِم وَابْن حبَان: «رَأَيْت جَعْفَر بن أبي طَالب مَلَكًا يطير مَعَ الْمَلَائِكَة» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث غَرِيب، وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح. قلت: لَا، بل واهٍ؛ فَإِن فِي إِسْنَاد الْحَاكِم: الْمَدِينِيّ، وَهُوَ واهٍ. وَفِيه أَيْضا - أَعنِي: «الْمُسْتَدْرك» - من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب ﵁ قَالَ: «لمَّا أَتَى رَسُول الله ﷺ قَتْلُ جَعْفَر: دَاخله من ذَلِك، فَأَتَاهُ جبريلُ فَقَالَ: إِن الله جعل لجعفرٍ جناحين مسرَّجين بِالدَّمِ؛ يطيرُ بهما مَعَ الْمَلَائِكَة» . قَالَ الْحَاكِم: لَهُ طرق عَن الْبَراء، قَالَ الذَّهَبِيّ فِي «اختصاره للمستدرك» : طرقه كلهَا ضَعِيفَة عَن الْبَراء. وَفِيه أَيْضا من حَدِيث ابْن عَبَّاس: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «دخلتُ الجنةَ فَإِذا جَعْفَر يطير مَعَ الْمَلَائِكَة» . صَححهُ أَيْضا، وَلَا يَصح، فَفِي إِسْنَاده «سَلمَة بن وهرام» : وَقد ضَعَّفُوهُ. قلت: ورُوي أَيْضا من حَدِيث عليّ بن أبي طَالب - كرَّم الله وَجهه -،

стр. 4794

وَهُوَ واهٍ، قَالَ ابْن عدي: هُوَ بَاطِل عَن الثَّوْريّ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث (عليّ بن عَلّي الْهِلَالِي) ، عَن أَبِيه [و] من حَدِيث أبي الْيُسْر: أَنه ﵇ قَالَ: «رَأَيْت جعفرًا ذَا جناحين مضرجًا بالدماء، وَزيد مُقَابِله، وَابْن رَوَاحَة مَعَهم كَأَنَّهُ معرض عَنْهُم، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَن ذَلِك: (إِن) جعفرًا حِين تقدم، فَرَأَى الْقَتْلَى لم يصرف وَجهه، وَزيد كَذَلِك، وَابْن رَوَاحَة صرف وَجهه» . الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين أنَّه ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم» . هَذَا الحَدِيث سلف الْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا فى: الْبيُوع، وَكَذَا حَدِيث: «صُومُوا لرُؤْيَته» . سلف فِي: الصَّوْم.

стр. 4795

هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب - بِحَمْد الله ومنِّه -. وَأما آثاره: فستة عشر: أَحدهَا: «أَن رجلا عَلَى عهد عُمر ﵁ قَالَ لامْرَأَته: حَبْلُكِ عَلَى غاربك، (فَلَقِيَهُ عمر ﵁ فَقَالَ: أنْشدك الله وبهذه البنية هَل أردْت بِقَوْلِك حبلك عَلَى غاربك الطَّلَاق) . فَقَالَ الرجل: أردْت الْفِرَاق؟ ، فَقَالَ: هُوَ مَا أردتَ» . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي، عَن مَالك، وَهُوَ فِي «الْمُوَطَّأ» : أَنه بلغه «أَنه كُتِبَ إِلَى عمر بن الْخطاب من الْعرَاق: أَن رجلا قَالَ لامْرَأَته: حَبْلُك عَلَى غاربك، فَكتب عَمرُ إِلَى عَامله: أَن مُرْهُ فليوافيني فِي الْمَوْسِم، فَبَيْنَمَا عمرُ بن الْخطاب يطوف بِالْبَيْتِ إذْ لقِيه الرجلُ فسلَّم عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْت.؟ ، قَالَ: أَنا الذى أَمَرْتَ أَن يجلب عَلَيْك. (قَالَ) : أُنْشِدُكَ بربِّ هَذِه البِنْيَة؛ هَل (أردْت بِقَوْلِك) حبلك عَلَى غاربك الطلاقَ؟ ، فَقَالَ (الرجل) : لَو اسْتَحْلَفْتِنَي فِي غير هَذَا الْمَكَان مَا صَدَقْتُكَ؛ أردتُ الفراقَ، فَقَالَ عمر ﵁: هُوَ مَا أردتَ» . وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ: «جَاءَ رجل إِلَى عمر بن الْخطاب فَقَالَ: إِنَّه قَالَ لامْرَأَته: حبْلك عَلَى غاربك، فَقَالَ عمر ﵁: وافِ مَعنا الْمَوْسِم، فَأَتَاهُ الرجلُ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّة، فَقَالَ: أَتَرَى ذَلِك الأصلع يطوف بِالْبَيْتِ، اذهبْ إِلَيْهِ، فَسَلْهُ ثمَّ ارجعْ فَأَخْبرنِي بِمَا رَجَعَ

стр. 4796

إِلَيْك، قَالَ: فذهبتُ إِلَيْهِ، فَإِذا هُوَ عليّ ﵁، فَقَالَ: مَنْ بَعثك إليَّ؟ ، فَقَالَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ، قَالَ: إِنَّه قَالَ لامْرَأَته: حبْلُك عَلَى غاربك، فَقَالَ: اسْتَقْبِلِِ الْبَيْت واحلف بِاللَّه مَا أردتَ طَلَاقا، فَقَالَ الرجل: وَأَنا أَحْلف باللَّه مَا أردتُ إِلَّا الطَّلَاق؟ فَقَالَ: بَانَتْ مِنْك امْرَأَتك» . وَفَى رِوَايَة لَهُ أَيْضا: من حَدِيث سعيد بن [مَنْصُور، نَا هشيم، أَنا] مَنْصُور، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح: «أَن رجلا قَالَ لامْرَأَته: حبلك عَلَى غاربك - قَالَ ذَلِك مرَارًا - فَأَتَى عُمرَ بْنَ الْخطاب ﵁، فاستحلفه بَين [الرُّكْن] وَالْمقَام مَا الذى أردتَ بِقَوْلِك؟ ، قَالَ: أردتُ الطلاقَ؛ ففرَّق بَينهمَا» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا استحلفه عَلَى إِرَادَة التَّأْكِيد بالتكرير دون الِاسْتِئْنَاف، وَكَأَنَّهُ أقرَّ فَقَالَ: أردتُ بِكُل مَرَّةٍ إِحْدَاث طلاقٍ ففرَّق بَينهمَا. قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم: وَذكر ابْن جريج، عَن عَطاء: «أَن عمر بن الْخطاب رُفِعَ إِلَيْهِ رجلٌ قَالَ لامْرَأَته: حَبْلُك عَلَى غاربك، فَقَالَ لعليّ ﵁: انْظُرْ بَينهمَا» فَذكر مَعْنَى مَا روينَا، إِلَّا أَنه قَالَ: «فأمضاه عليٌّ ثَلَاثًا» . قَالَ: وذُكِرَ عَن سعيد، عَن قَتَادَة، عَن الْحسن عَن عليّ ﵁، مِثْلَهُ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا لَا يُخَالف رِوَايَة مَالك، وَكَأن عمر ﵁ جعلهَا وَاحِدَة كَمَا قَالَ فِي الْبَتَّةَ، وعليّ ﵁ جعلهَا ثَلَاثًا، وَيحْتَمل أَنَّهُمَا جعلاه ثَلَاثًا لتكريره اللَّفْظ - فِي الْمَدْخُول بهَا - ثَلَاثًا، وإرادته بِكُل مرّة إِحْدَاث طلاقٍ، كَمَا قُلْنَا فِي رِوَايَة [مَنْصُور] عَن عَطاء.

стр. 4797

الْأَثر الثَّانِي: «أَن رجلا أَتَى ابْنَ عَبَّاس ﵁ فَقَالَ: إِنِّي جعلتُ امْرَأَتي عليَّ حَرَامًا؟ ، قَالَ: كذبتَ؛ لَيست عليكَ بحرامٍ، ثمَّ تلى: (يَا أَيهَا النَّبِي لم تحرم مَا أحل الله لَك) الْآيَة» . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي «سنَنه» بِهَذَا اللَّفْظ، وَزَاد فِي آخِره: «عَلَيْك أَغْلَظُ الْكَفَّارَة: عِتْقُ رَقَبَة» . الْأَثر الثَّالِث إِلَى الْعَاشِر: قَالَ الرَّافِعِيّ: اخْتلفت الصَّحَابَة فِي لفظ «الْحَرَام» ، فَذهب أَبُو بكر، وَعَائِشَة إِلَى: أَنه يَمِين، وكفارته كَفَّارَة يَمِين. وَذهب عمر إِلَى أَنه صَرِيح فِي (طَلْقَة رَجْعِيَّة وَعُثْمَان إِلَى أَنه ظِهَار وَعلي إِلَى أَنه صَرِيح فِي) الطلقات [الثَّلَاث] وَبِه قَالَ زيدٌ وَأَبُو هُرَيْرَة، وَذهب ابْن مَسْعُود إِلَى: أَنه لَيْسَ بِيَمِين، وَفِيه كَفَّارَة يَمِين. وَهَذِه الْآثَار ذكرهَا البيهقيُّ فِي «سنَنه» . مِنْهَا: أثر عَائِشَة ﵂. ورُوي عَن ابْن مَسْعُود: أَنه قَالَ فِيهِ: «إِن نَوى يَمِينا فيمينٌ، وَإِن نَوى طَلَاقا فطلاقٌ، وَهُوَ مَا نَوى من ذَلِك» . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَنهُ: «نِيَّته فِي الْحَرَام مَا نَوى، إِن لم يكن نَوى طَلَاقا فَهِيَ يمينٌ» . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى لَهُ عَنهُ: «إِن نَوى طَلَاقا فَهِيَ تَطْلِيقَة وَاحِدَة،

стр. 4798

وَهُوَ أملك بالرجعة، وَإِن لم يَنْوِ طَلَاقا فيمينٌ يُكَفِّرُهَا» . وَهَذِه الرِّوَايَات الثَّلَاث مُخَالفَة لما نَقله الرَّافِعِيّ عَنهُ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: واختلفتِ الروايةُ عَن عُمر ﵁ فِي ذَلِك، فَرُوي عَنهُ أَنه قَالَ فِيهِ «هُوَ يَمِين يكفرهَا» . ورُوي عَنهُ: «أَنه أَتَاهُ رجل قد [طلق] امْرَأَته [تَطْلِيقَتَيْنِ] فَقَالَ: أنْتِ عليَّ حرَام، فَقَالَ عمر ﵁: لَا أَرُدُّهَا إِلَيْك» . قَالَ: وروينا عَن عليّ وزيدٍ بن ثَابت: «أَن فِي البَرِيَّة والبتة وَالْحرَام أَنَّهَا ثلاثٌ ثلاثٌ» . قَالَ: وَرَوَى مطرف عَن عَامر - هُوَ: الشّعبِيّ -: «فى الرجل يَجْعَل امْرَأَته عَلَيْهِ حَرَامًا، قَالَ: يَقُولُونَ: إِن عليًّا ﵁ (جعلهَا ثَلَاثًا قَالَ عَامر: مَا قَالَ عَلّي ﵁ هَذَا إِنَّمَا قَالَ: لَا أُحِلُّهَا وَلَا أُحرِّمُهَا» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَالرِّوَايَة الْمَاضِيَة عَن عَلّي: «أَنَّهَا ثَلَاث إِذا نَوى» . إِلَّا أَنَّهَا رِوَايَة ضَعِيفَة. الْأَثر الْحَادِي عشر: عَن (قدامَة) بن إِبْرَاهِيم: «أَن رجلا عَلَى عَهْدِ عمر بن الْخطاب تدلىَّ (بِحَبْلٍ) ليشتار عسلًا، فأقبلتْ امرأتُه فجلستْ عَلَى الحَبْلِ وَقَالَت: تُطَلِّقنِي ثَلَاثًا وَإِلَّا قطعتُ الْحَبل، فذكَّرَها (الله) وَالْإِسْلَام، فأبتْ، فَطلقهَا ثَلَاثًا، ثمَّ خرج إِلَى عمر، فَذكر ذَلِك

стр. 4799

لَهُ، فَقَالَ: ارجعْ إِلَى أهلك؛ فَلَيْسَ بطلاقٍ» . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث عبد الْملك بن قدامَة [بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد] بن حَاطِب الجُمَحِي، عَن أَبِيه: «أَن رجلا تدلىَّ» فَذكره. ثمَّ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَن عُمر. قَالَ: ورُوي: «أَن عمر أَبَانهَا مِنْهُ» . وَالرِّوَايَة الأولَى أشبه. قلت: مَعَ انقطاعها، فَإِن قدامَة لم يدْرك عُمَرَ، إِنَّمَا يروي، عَن ابْنه عبد الله بن عمر، وَسَهل بن سعد، وَغَيرهمَا من الْمُتَأَخِّرين. لَا جرم قَالَ الْبَيْهَقِيّ مَرَّةً: إِن رِوَايَة: «أَبَانَهَا مِنْهُ» خطأ، والْحَدِيث مُنْقَطع. قلت: وَأما حَدِيث صَفْوَان بن (عمرَان) : «أَن رجلا كَانَ نَائِما مَعَ امْرَأَته، فقامتْ وَأخذت سكينًا وجلستْ عَلَى صَدره، ووضعتْ السكين عَلَى حَلْقِهِ وَقَالَت: طلقْنِي ثَلَاثًا، وَإِلَّا ذبَحْتُك، فطلَّقَهَا، فَذكر ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ: لَا قيلولة فِي الطَّلَاق» . فضعيفٌ، ذكره ابْن أَبَى حَاتِم فِي «علله» عَن أبي زُرْعة: أَنه رُوي من حَدِيث صَفْوَان هَذَا، ثمَّ قَالَ أَبُو زرْعَة: هَذَا حَدِيث واهٍ جدا. وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتَابع عَلَيْهِ صَفْوَان، ومداره عَلَيْهِ.

стр. 4800

فَائِدَة: قَوْله: (يشتار) : هُوَ بالشين الْمُعْجَمَة وبالراء الْمُهْملَة، يُقَال: شِرْتُ الْعَسَل أشور، عَلَى وزن: قلت أَقُول، واشْتَرْتُ عَلَى وزن: اخْتَرْت، إِذا جَنَيْتَه من مَكَان النَّحْل فِي الْجبَال أَو غَيرهَا، وأشرت لُغَة فِيهِ، ذكره الْجَوْهَرِي فِي الْكَلَام عَلَى: «شور» . الْأَثر الثَّانِي عشر: «أَن عمر (بن الْخطاب) ﵁ سُئِلَ عَمَّنْ طلَّق طَلْقَتَيْنِ، فانقضتْ عدتهَا، فتزوَّجَها غيرُه وفارقها، ثمَّ تزوَّجها الأَوَّلُ، فَقَالَ: (هِيَ) عِنْده عَلَى مَا بَقِي من الطَّلَاق» . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث: الْحميدِي، ثَنَا سُفْيَان، عَن الزُّهْرِيّ، عَن حميدِ بْنِ عبد الرَّحْمَن، وعبيدِ الله - هُوَ ابْن عبد الله بن عتبَة -، وسليمانَ بْنِ يسَار، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: «سَأَلت عُمرَ عَن رجلٍ من أهل الْبَحْرين طلق امْرَأَته تَطْلِيقَة [أَو اثْنَتَيْنِ] ، فنكحتْ زوجا، ثمَّ مَاتَ عَنْهَا أَو طلَّقَهَا، فرجعتْ إِلَى الزوْج الأول، عَلَى كم هِيَ عِنْده؟ ، قَالَ: هِيَ عِنْده عَلَى مَا بَقِي» . قَالَ الْحميدِي: وَكَانَ سُفْيَان قيل لَهُ: فيهم سعيد بن المسيَّب؟ ، فَقَالَ: ثَنَا الزُّهْرِيّ. هَكَذَا، لم [يزدنا] عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، فلمَّا فرغ مِنْهُ قَالَ: لَا أحفظ فِيهِ عَن الزُّهْرِيّ سعيدًا، وَلَكِن يَحْيَى بن سعيد حدَّثْنَاه،
следующие страницы →