Полный текст (6 131 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.
стр. 5041
ثَالِثهَا: من حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَفعه: «لَا تُقَام الْحُدُود فِي الْمَسَاجِد، وَلَا يقتل الْوَالِد بِالْوَلَدِ» . رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن مُسلم الْمَكِّيّ، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس، مَرْفُوعا بِهِ، ثمَّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث لَا نعرفه بِهَذَا الْإِسْنَاد مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن مُسلم، وَقد تكلم فِيهِ بعض أهل الْعلم من قبل حفظه.
قلت: وَقد تَابعه عَلَى رِوَايَته الْحسن بن عبيد الله الْعَنْبَري، عَن عَمْرو بن دِينَار، أَفَادَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» ، و «مَعْرفَته» قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أهل الْعلم أَن الْأَب إِذا قتل ابْنه لَا يقتل بِهِ، وَإِذا قذفه لَا يُحد. وَقَالَ عبد الْحق فِي «أَحْكَامه) : هَذِه الْأَحَادِيث كلهَا معلولة لَا يَصح مِنْهَا شَيْء. وبيَّن ذَلِك ابْن الْقطَّان كَمَا بَيناهُ.
رَابِعهَا: (من) حَدِيث ابْن لَهِيعَة، ثَنَا عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده مَرْفُوعا: «لَا يُقَاد وَالِد من وَلَده، وَيَرِث المَال من يَرث الْوَلَاء» . رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده) من هَذَا الْوَجْه عَن ابْن لَهِيعَة بِالتَّحْدِيثِ، وَقد قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: لم يسمع ابْن لَهِيعَة من عَمْرو بن شُعَيْب شَيْئا.
стр. 5042
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «الْأَفْرَاد» من حَدِيث مُحَمَّد بن جَابر (اليمامي) ، عَن يَعْقُوب بن عَطاء بن أبي رَبَاح، عَن (عَمْرو) . وَمُحَمّد وَيَعْقُوب لَا يحْتَج بهما.
قلت: وَلِحَدِيث (عمر) السالف طَرِيق آخر، رَوَاهُ أَحْمد، عَن أسود بن عَامر، أَنا جَعْفَر الْأَحْمَر، عَن مطرف، عَن الحكم، عَن مُجَاهِد قَالَ: «حذف رجل ابْنا لَهُ بِسيف فَقتله فرُفع إِلَى عمر فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: لَا يُقَاد الْوَالِد من وَلَده. لقتلتك قبل أَن تَبْرَح» . وَطَرِيق آخر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مطرف بن طريف، عَن الحكم بن عتيبة، عَن رجل يُقَال لَهُ: عرْفجَة، عَن عمر بن الْخطاب ﵁، قَالَ: سَمِعت رَسُول (يَقُول: «لَيْسَ عَلَى (الْوَالِد) قَود من وَلَده» . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من طَرِيق الشَّافِعِي، عَن مَالك، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن عَمْرو بن شُعَيْب «أَن رجلا من بني (مُدْلِج) يُقَال لَهُ: قَتَادَة، حذف ابْنه بِسيف فَأصَاب سَاقه، فنزا فِي جرحه فَمَاتَ، فَقدم سراقَة بن جعْشم عَلَى عمر بن الْخطاب ﵁ فَذكر ذَلِك لَهُ، فَقَالَ عمر: أعدد لي عَلَى قديد عشْرين وَمِائَة بعير حَتَّى أقدم عَلَيْهِ. فَلَمَّا قدم عمر أَخذ
стр. 5043
من تِلْكَ الْإِبِل ثَلَاثِينَ حقة وَثَلَاثِينَ جَذَعَة وَأَرْبَعين خلفة، ثمَّ قَالَ: أَيْن أَخ الْمَقْتُول؟ قَالَ: هَا أَنا ذَا. قَالَ: خُذْهَا فَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ: لَيْسَ لقَاتل شَيْء» . قَالَ الشَّافِعِي: وَقد حفظته عَن عدد من أهل الْعلم لقيتهم أَن لَا يقتل الْوَالِد بِالْوَلَدِ، وَبِذَلِك أَقُول. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث مُنْقَطع، فأكده الشَّافِعِي بِأَن عددا من أهل الْعلم يَقُول بِهِ. (قَالَ) : وَقد رُوِيَ مَوْصُولا فساقه من حَدِيث مُحَمَّد بن عجلَان، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ: «نحلت لرجل من بني مُدْلِج جَارِيَة فَأصَاب مِنْهَا ابْنا، فَكَانَ يستخدمها، فَلَمَّا شب الْغُلَام دَعَاهَا يَوْمًا فَقَالَ: اصنعي كَذَا وَكَذَا. (فَقَالَ) : لَا تَأْتِيك حَتَّى مَتى (تستأمي) أُمِّي. قَالَ: فَغَضب فَحَذفهُ بِسيف فَأصَاب رجله، فنزف الْغُلَام فَمَاتَ، فَانْطَلق فِي رهطٍ من قومه إِلَى عمر ﵁، فَقَالَ: يَا عَدو نَفسه، أَنْت الَّذِي قتلت ابْنك، لَوْلَا أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: لَا يُقَاد الْأَب من ابْنه. لقتلتك، هَلُمَّ دِيَته. فَأَتَاهُ بِعشْرين أَو ثَلَاثِينَ وَمِائَة بعير، فَخير مِنْهَا مائَة فَدَفعهَا إِلَى ورثته وَترك أَبَاهُ» . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة) (إِسْنَاده) صَحِيح. وَنقل هَذِه القولة عَن الْبَيْهَقِيّ أَيْضا صَاحب «الْإِلْمَام» وَأقرهُ عَلَيْهَا.
стр. 5044
قلت: وَهَذِه الطَّرِيق هِيَ الْعُمْدَة وَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمهَا، وَالْأول شَاهد لَهَا.
الحَدِيث التَّاسِع
يرْوَى عَن (عَمْرو) بن حزم ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ كتب فِي كِتَابه إِلَى أهل الْيمن: أَن الذّكر يقتل بِالْأُنْثَى» .
هَذَا الحَدِيث عُمْدَة الدِّيات، وَقد فرقه الرَّافِعِيّ فِي مَوَاضِع من الْكتاب، وَأَنا أذكرهُ هُنَا مجموعًا وأحيل (عَلَيْهِ) مَا يَقع (بعده) عَلَيْهِ، وَهُوَ (مُشْتَمل) أَيْضا عَلَى غير الدِّيات من الْفَرَائِض وَالسّنَن وَالصَّدقَات، وَهُوَ حَدِيث متداول (من) الْأُمَّهَات، رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَالشَّافِعِيّ عَنهُ، عَن عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، عَن أَبِيه: «أَن فِي الْكتاب الَّذِي كتبه رَسُول الله ﷺ لعَمْرو بن حزم فِي الْعُقُول: أَن فِي النَّفس مائَة من الْإِبِل، وَفِي الْأنف إِذا أوعب (جدعه) مائَة من الْإِبِل، وَفِي المأمومة ثلث الدِّيَة، وَفِي الْجَائِفَة مثلهَا، وَفِي الْعين خَمْسُونَ، وَفِي الْيَد خَمْسُونَ، وَفِي الرجل خَمْسُونَ، وَفِي كل أصْبع مِمَّا هُنَالك عشر من الْإِبِل، وَفِي السن خمس، وَفِي الْمُوَضّحَة خمس» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله) ، عَن ابْن شهَاب،
стр. 5045
قَالَ: «قَرَأت فِي كتاب رَسُول الله ﷺ لعَمْرو بن حزم حِين بَعثه إِلَى نَجْرَان، وَكَانَ الْكتاب عِنْد أبي بكر بن حزم، فَكتب رَسُول الله ﷺ (فِيهِ) : هَذَا (بَيَان) من الله وَرَسُوله (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ) وَكتب الْآيَات حَتَّى بلغ (إِلَى) (إِن الله سريع الْحساب) ثمَّ كتب: هَذَا (كتاب) الْجراح: فِي النَّفس مائَة من الْإِبِل، وَفِي الْأنف إِذا (أوعى) جدعه مائَة من الْإِبِل، وَفِي الْعين خَمْسُونَ من الْإِبِل وَفِي الْيَد خَمْسُونَ من الْإِبِل، وَفِي الرجل خَمْسُونَ من الْإِبِل، وَفِي كل إِصْبَع (فَمَا) هُنَالك عشر من الْإِبِل، وَفِي المأمولة ثلث الدِّيَة، وَفِي المنقلة خمس عشرَة، وَفِي الْمُوَضّحَة خمس (من) الْإِبِل، وَفِي السّنَن خمس من الْإِبِل» . قَالَ ابْن شهَاب: فَهَذَا الَّذِي قَرَأت فِي الْكتاب الَّذِي كتبه رَسُول الله ﷺ عِنْد أبي بكر
стр. 5046
بن حزم. وَهُوَ فِي رِوَايَة (لَهُ) من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق، عَن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، قَالَ: «كَانَ فِي كتاب رَسُول الله ﷺ يَعْنِي هَذَا - (و) فِي الذّكر الدِّيَة، وَفِي اللِّسَان الدِّيَة» . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي «سنَنه» عَن عَمْرو بن مَنْصُور الْحَافِظ عَن الحكم بن مُوسَى، عَن يَحْيَى بن حَمْزَة، عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد حَدثنِي الزُّهري، عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، عَن أَبِيه، عَن جده «أَن رَسُول الله ﷺ (كتب إِلَى أهل الْيمن كتابا فِيهِ السُنن والفرائض والديات، وَبعث بِهِ مَعَ عَمْرو بن حزم فَقُرئت عَلَى أهل الْيمن وَهَذِه نسختها: من مُحَمَّد النَّبي إِلَى شُرَحْبِيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قَيْل ذِي رعين ومعافر وهمدان أما بعد - وَكَانَ فِي كِتَابه -: إِن من اعتبط مُؤمنا قتلا عَن بَيِّنَة فَإِنَّهُ قَود إِلَّا أَن يرْضَى أَوْلِيَاء الْمَقْتُول، وَإِن فِي النَّفس الدِّيَة مائَة من الْإِبِل، وَفِي الْأنف إِذا أُوعبَ جَدْعه الدِّيَة، وَفِي اللِّسَان الدِّيَة، وَفِي الشفتين الدِّيَة، وَفِي البيضتين الدِّيَة، وَفِي الذّكر الدِّيَة، وَفِي الصلب الدِّيَة، وَفِي الْعَينَيْنِ الدِّيَة، وَفِي الرجل الْوَاحِدَة نصف الدِّيَة، وَفِي المأمومة ثلث الدِّيَة، وَفِي الْجَائِفَة ثلث الدِّيَة، وَفِي المنقلة خمس عشرَة من الْإِبِل، وَفِي كل أصْبع من أَصَابِع الْيَد وَالرجل عشر من الْإِبِل، وَفِي
стр. 5047
السن خمس من الْإِبِل، وَفِي الْمُوَضّحَة خمس من الْإِبِل، وَأَن الرجل يقتل بِالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أهل الذَّهَب ألف دِينَار» وَفِي رِوَايَة لَهُ مثله، وَقَالَ فِيهَا: «وَفِي الْعين الْقَائِمَة نصف الدِّيَة، وَفِي الْيَد الْوَاحِدَة نصف الدِّيَة، وَفِي الرجل الْوَاحِدَة نصف الدِّيَة» .
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث الحكم بن مُوسَى، عَن يَحْيَى بن حَمْزَة، عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد، قَالَ: حَدثنِي الزُّهْرِيّ، عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، عَن أَبِيه، عَن جده «أَن رَسُول الله ﷺ كتب إِلَى أهل الْيمن بِكِتَاب فِيهِ الْفَرَائِض وَالسّنَن والديات وَبعث بِهِ مَعَ عَمْرو بن حزم وَقُرِئَ عَلَى أهل الْيمن وَهَذِه نسختها: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، من مُحَمَّد النَّبِي إِلَى شُرَحْبِيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والْحَارث بن عبد كلال قَيْل ذِي رعين ومعافر وهمدان، أما بعد: فقد رَجَعَ رَسُولكُم وأعطيتم من المعافر خمس الله، وَمَا كتب الله عَلَى الْمُؤمنِينَ من الْعشْر فِي الْعقار، وَمَا سقت السَّمَاء أَو كَانَ سيحًا أَو بعلاً الْعشْر إِذا بلغ خَمْسَة أوسق، وَمَا سقِِي بالرشاء والدالية فَفِيهِ نصف الْعشْر إِذا بلغ خَمْسَة أوسق» ثمَّ ذكر نصيب الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم ومتعلقاتها - وَقد ذكرت ذَلِك بِطُولِهِ فِي «تحفة الْمُحْتَاج إِلَى أَدِلَّة الْمِنْهَاج» فَرَاجعه مِنْهُ - إِلَى أَن قَالَ: «وَكَانَ فِي الْكتاب أَن أكبر الْكَبَائِر عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة إشراك بِاللَّه، وَقتل
стр. 5048
النَّفس المؤمنة بِغَيْر حق، والفرار يَوْم الزَّحْف، وعقوق الْوَالِدين، وَرمي المحصنة، وَتعلم السحر، وَأكل الرِّبَا، وَأكل مَال الْيَتِيم، وَأَن الْعمرَة الْحَج الْأَصْغَر، وَلَا يمس الْقُرْآن إِلَّا طَاهِر، وَلَا طَلَاق قبل إملاك، وَلَا عتاق [حَتَّى] يبْتَاع، وَلَا يصلين مِنْكُم وَاحِد لَيْسَ عَلَى مَنْكِبَيْه شَيْء، وَلَا يحتبين فِي ثوب وَاحِد لَيْسَ بَين فرجه وَبَين السَّمَاء شَيْء، وَلَا يصلين أحدكُم فِي ثوب وَاحِد وَشقه بَادِي، وَلَا يصلين أحد مِنْكُم عاقص شعره» . وَكَانَ فِي الْكتاب: «أَن من اعتبط مُؤمنا قتلا عَن بَيِّنَة فَإِنَّهُ قَود إِلَّا أَن يرْضَى أَوْلِيَاء الْمَقْتُول، وَأَن فِي النَّفس مائَة من الْإِبِل، وَفِي [الْأنف] إِذا أوعب جدعه الدِّيَة، وَفِي اللِّسَان الدِّيَة، وَفِي البيضتين الدِّيَة، وَفِي الشفتين الدِّيَة، وَفِي الذّكر الدِّيَة، وَفِي الصلب الدِّيَة، وَفِي الْعَينَيْنِ الدِّيَة، وَفِي الرجل الْوَاحِدَة نصف الدِّيَة، وَفِي المأمومة ثلث الدِّيَة، وَفِي الْجَائِفَة ثلث الدِّيَة، وَفِي المنقلة خمس عشرَة من الْإِبِل، وَفِي كل إِصْبَع من الْأَصَابِع من الْيَد وَالرجل عشر من الْإِبِل، وَفِي السن خمس من الْإِبِل، وَفِي الْمُوَضّحَة خمس من الْإِبِل، وَأَن الرجل يقتل بِالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أهل الذَّهَب ألف دِينَار» .
وَرَوَاهُ أَيْضا الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» مَعَ تفَاوت يسير، قَالَ النَّسَائِيّ بعد أَن رَوَاهُ عَن الْهَيْثَم بن مَرْوَان، عَن مُحَمَّد بن بكار، عَن
стр. 5049
يَحْيَى بن حَمْزَة، عَن سُلَيْمَان بن أَرقم، عَن الزُّهْرِيّ، عَن أبي بكر: وَهَذَا أشبه بِالصَّوَابِ من حَدِيث عَمْرو بن مَنْصُور - يَعْنِي السالف - قَالَ: وَسليمَان بن أَرقم مَتْرُوك الحَدِيث. قَالَ: وَقد يروي هَذَا الحَدِيث يُونُس عَن الزُّهْرِيّ مُرْسلا. وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» : قد أسْند هَذَا الحَدِيث وَلَا يَصح. قَالَ: وَالَّذِي فِي إِسْنَاده سُلَيْمَان بن دَاوُد وهم إِنَّمَا هُوَ سُلَيْمَان بن أَرقم. وَقَالَ فِي غَيرهَا: هَذَا الحَدِيث لَا أحدث بِهِ، وَقد وهم فِيهِ الحكم بن مُوسَى فِي قَوْله: «عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد» وَقد حَدثنِي هَذَا الحَدِيث أَبُو هُبَيْرَة مُحَمَّد بن الْوَلِيد الدِّمَشْقِي أَنه قَرَأَهُ فِي أصل يَحْيَى بن حَمْزَة: «سُلَيْمَان بن أَرقم» . وَهَكَذَا قَالَ أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي: إِنَّه الصَّوَاب. وَصَالح بن أَحْمد جزرة وَأَبُو الْحسن الْهَرَوِيّ، وَقَالَ غَيره: غلط. وَقَالَ ابْن مَنْدَه: كَذَلِك قرأته فِي أصل يَحْيَى بن حَمْزَة وَإنَّهُ الصَّوَاب. وَقَالَ صَالح جزرة: حَدثنَا دُحَيْم قَالَ: نظرت فِي كتاب يَحْيَى حَدِيث عَمْرو بن حزم فِي الصَّدقَات فَإِذا هُوَ عَن سُلَيْمَان بن أَرقم. قَالَ: وَيُقَال: إِنَّه وجد كَذَلِك بالعراق، وَمِنْهُم من يَقُول: سُلَيْمَان بن دَاوُد الدِّمَشْقِي. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: قد رُوِيَ عَن سُلَيْمَان حَدِيث عَن الزُّهْرِيّ، عَن أبي بكر بن حزم، الحَدِيث الطَّوِيل؛ لَا يكْتب عَنهُ. وَقَالَ ابْن حزم فِي «محلاه» : صحيفَة عَمْرو بن حزم مُنْقَطِعَة لَا تقوم بهَا حجَّة، وَسليمَان
стр. 5050
بن دَاوُد الْجَزرِي الَّذِي رَوَاهَا مُتَّفق عَلَى تَركه، وَأَنه لَا يحْتَج بِهِ. كَذَا فِي «كتاب الزَّكَاة» من «محلاه» وَقَالَ فِي «الدِّمَاء وَالْقصاص مِنْهُ» وَقد أورد بعضه: سُلَيْمَان بن دَاوُد ضَعِيف مَجْهُول الْحَال. وَهَذِه عبارَة غَرِيبَة مِنْهُ مَعَ الأول. وَقَالَ عبد الْحق: سُلَيْمَان بن دَاوُد، هَذَا الَّذِي يروي هَذِه النُّسْخَة) عَن الزُّهْرِيّ هُوَ ضَعِيف، وَيُقَال: إِنَّه سُلَيْمَان بن أَرقم. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» : ترجح أَنه ابْن أَرقم. فَالْحَدِيث إِذا ضَعِيف الْإِسْنَاد.
وَخَالفهُم فِي ذَلِك الْحَافِظ أَبُو أَحْمد بن عدي فَقَالَ: هَذَا خطأ، وَالْحكم بن مُوسَى فقد ضبط ذَلِك، وَسليمَان بن دَاوُد صَحِيح كَمَا ذكره (الحكم) ، وَقد رَوَاهُ عَنهُ يَحْيَى بن حَمْزَة إِلَّا أَنه مَجْهُول. وَقَالَ أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي: عرضت هَذَا الحَدِيث عَلَى أَحْمد بن حَنْبَل فَقَالَ: هَذَا حَدِيث رجل من أهل الجزيرة يُقَال لَهُ: سُلَيْمَان بن أبي دَاوُد، لَيْسَ بِشَيْء. قَالَ ابْن عدي: وَهَذَا أَيْضا خطأ، وَسليمَان بن دَاوُد صَحِيح كَمَا (ذكره) الحكم بن مُوسَى. قَالَ ابْن عدي: وَحَدِيث سُلَيْمَان بن دَاوُد مجود الْإِسْنَاد.
قلت: وَقد تكلم (الْحفاظ) عَلَى كل من سُلَيْمَان بن أَرقم
стр. 5051
وَسليمَان بن دَاوُد قَالَ يَحْيَى فِي سُلَيْمَان بن أَرقم: لَيْسَ بِشَيْء، لَا يُسَاوِي فلسًا. وَقَالَ البُخَارِيّ: (تَرَكُوهُ) . وَقَالَ يَحْيَى فِي سُلَيْمَان بن دَاوُد: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ مرّة: شَامي ضَعِيف. وَقَالَ مرّة: لَا يعرف، والْحَدِيث لَا يَصح. وَقَالَ ابْن حبَان: صَدُوق. وَقَالَ (ابْن أبي حَاتِم) وَأَبُو زرْعَة: لَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا بَأْس بِهِ. قَالَ: وَلَا يثبت عَنهُ هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: هُوَ ضَعِيف، مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: سَمِعت ابْن أبي دَاوُد (يَقُول) : سُلَيْمَان بن دَاوُد هَذَا وَسليمَان بن أبي دَاوُد الْحَرَّانِي ضعيفان جَمِيعًا. وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: لَا يحْتَج بحَديثه إِذا انْفَرد.
وأعل هَذَا الحَدِيث بِوَجْه آخر وَهُوَ الْإِرْسَال، فقد رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مَالك، عَن عبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم، عَن أَبِيه. وَرَوَاهُ أَيْضا عَن الزنْجِي، عَن ابْن جريج، عَن عبد الله بن أبي بكر مُرْسلا. قَالَ ابْن جريج: فَقلت لعبد الله بن أبي بكر: أَفِي شكّ أَنْت أَنه كتاب رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: لَا. وَرَوَاهُ يُونُس بن يزِيد وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز، عَن الزُّهْرِيّ مُرْسلا. وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي كِتَابه «الرَّد عَلَى بشر» ، عَن نعيم بن حَمَّاد، عَن ابْن الْمُبَارك، عَن معمر، عَن عبد الله بن أبي بكر
стр. 5052
بن حزم، عَن أَبِيه، عَن جده ... الحَدِيث، وَهَذَا اخْتِلَاف آخر. وجماعات صححوا الحَدِيث مِنْهُم: أَبُو حَاتِم بن حبَان فَأخْرجهُ فِي «صَحِيحه» كَمَا سلف، ثمَّ قَالَ: سُلَيْمَان بن دَاوُد هُوَ الْخَولَانِيّ من أهل دمشق فَقِيه مَأْمُون. قَالَ: وَسليمَان بن أَرقم لَا شَيْء، وجميعًا يرويان عَن الزُّهْرِيّ. وَمِنْهُم الْحَاكِم فَأخْرجهُ فِي «مُسْتَدْركه» كَمَا سلف، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث كَبِير مُفَسّر فِي هَذَا الْبَاب شهد لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن عبد الْعَزِيز، وَإِمَام الْعلمَاء فِي عصره مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ بِالصِّحَّةِ. ثمَّ سَاق ذَلِك عَنْهُمَا بِإِسْنَادِهِ، قَالَ: وَإسْنَاد هَذَا الحَدِيث من شَرط هَذَا الْكتاب. قَالَ: وَسليمَان بن دَاوُد الدِّمَشْقِي الْخَولَانِيّ مَعْرُوف بالزهري، وَإِن كَانَ يَحْيَى بن معِين غمزه فقد عدله غَيره، كَمَا (أخبرنيه) أَبُو أَحْمد الْحُسَيْن بن عَلّي عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم، ثمَّ قَالَ: سَمِعت أبي (و) سُئِلَ عَن حَدِيث عَمْرو بن حزم فِي كتاب رَسُول الله ﷺ الَّذِي كتبه فِي الصَّدقَات، فَقَالَ: سُلَيْمَان بن دَاوُد عندنَا مِمَّن لَا بَأْس بِهِ. قَالَ [أَبُو] مُحَمَّد بن أبي حَاتِم: وَسمعت أَبَا زرْعَة يَقُول ذَلِك. وَمِنْهُم الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فَإِنَّهُ لما أخرجه فِي «سنَنه» مطولا رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه سُئِلَ عَن (حَدِيث) عَمْرو بن حزم هَذَا، فَقَالَ: أَرْجُو أَن يكون صَحِيحا. (قَالَ) البيهقى: قَالَ عبد الله بن مُحَمَّد الْبَغَوِيّ: حَدِيث سُلَيْمَان بن دَاوُد هَذَا مجود الْإِسْنَاد.
стр. 5053
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد أَثْنَى عَلَى سُلَيْمَان بن دَاوُد الْخَولَانِيّ هَذَا: أَبُو زرْعَة، وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، وَعُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ، وَجَمَاعَة من الْحفاظ، (وَرَأَوا) هَذَا الحَدِيث مَوْصُولا حسنا. وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان الْحَافِظ: لَا أعلم فِي جَمِيع الْكتب المنقولة كتابا أصح من كتاب عَمْرو بن حزم هَذَا فَإِن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ والتابعون (ترجع) إِلَيْهِ وَيدعونَ آراءهم. وَقَالَ الإِمَام الشَّافِعِي فِي «رسَالَته» لم يقبلُوا هَذَا الحَدِيث حَتَّى (يثبت) عِنْدهم أَنه كتاب رَسُول الله ﷺ . (و) قَالَ ابْن عبد الْبر: كتاب عَمْرو بن حزم هَذَا (كتاب) مَشْهُور عِنْد أهل السّير، مَعْرُوف مَا فِيهِ عِنْد أهل الْعلم (معرفَة) يُستغنى بشهرتها عَن الْإِسْنَاد؛ لِأَنَّهُ أشبه التَّوَاتُر فِي مَجِيئه لتلقي النَّاس لَهُ بِالْقبُولِ (والمعرفة) .
قَالَ: وَمِمَّا يدلك عَلَى شهرة كتاب (عَمْرو) بن حزم، وَصِحَّته مَا ذكره ابْن وهب، عَن مَالك وَاللَّيْث بن سعد، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: وجد كتاب عِنْد آل حزم يذكرُونَ أَنه من رَسُول
стр. 5054
الله (فِيهِ: «وَفِيمَا هُنَالك من الْأَصَابِع عشر عشر» فَصَارَ الْقَضَاء فِي الْأَصَابِع إِلَى عشر عشر. وَقَالَ الْعقيلِيّ فِي «تَارِيخه» : هَذَا حَدِيث (ثَابت) مَحْفُوظ إِن شَاءَ الله - تَعَالَى - إِلَّا أَنا نرَى أَنه كتاب غير مسموع عَمَّن فَوق الزُّهري.
الحَدِيث الْعَاشِر
أنَّه ﷺ . قَالَ: «فِي كل إِصْبَع عشر من الْإِبِل» .
هَذَا الحَدِيث بعض من الحَدِيث الَّذِي فَرغْنَا (آنِفا) مِنْهُ، وَذكره صَاحب «الْمُهَذّب» من هَذَا الْوَجْه، وَمن حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب أَيْضا، وَقد عزيته فِي تخريجي لأحاديثه، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأبي مُوسَى أَيْضا.
الحَدِيث الْحَادِي عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا قتلتم فَأحْسنُوا القتلة، وَإِذا ذبحتم فَأحْسنُوا الذبْحَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» (وَهُوَ من أَفْرَاده) من حَدِيث أبي يعْلى شَدَّاد بن أَوْس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ:
стр. 5055
«إِن الله كتب الْإِحْسَان عَلَى كل شَيْء، فَإِذا قتلتم فَأحْسنُوا القتلة، وَإِذا ذبحتم فَأحْسنُوا الذبْحَة، وليحد أحدكُم شفرته وليرح ذَبِيحَته» . وَرَوَاهُ (أَحْمد و) أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه بِلَفْظ: «الذّبْح» وَهُوَ بِفَتْح الذَّال بدل: «الذبْحَة» ، كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ وَهُوَ فِي كثير من نسخ مُسلم، (وللنسائي) رِوَايَة (أُخْرَى) كالأولى.
فَائِدَة: القِتلة والذِّبحة - بِكَسْر الْقَاف والذال - أَي: هَيْئَة الْقَتْل وَالذّبْح. وَقَوله «وليُحِد» هُوَ بِضَم الْيَاء وَكسر الْحَاء، يُقَال: أحد السكين وحددها واستحدها، كل ذَلِك بِمَعْنى.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
«أَن الغامدية أَتَت رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: زَنَيْت فطهرني، وَالله إِنِّي لحُبلى. قَالَ: اذهبي حَتَّى تلدي. فَلَمَّا ولدت أَتَت بِالصَّبِيِّ فِي خرقَة فَقَالَت: هَذَا قد وَلدته. قَالَ: اذهبي فأرضعيه. فَلَمَّا (فَطَمته) أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَده كسرة خبز فَقَالَت: قد فَطَمته، فَدفع الصَّبِي إِلَى رجل من الْمُسلمين (وَأمر) برجمها» .
стр. 5056
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» وَهُوَ حَدِيث طَوِيل (يشْتَمل) عَلَى قصَّتهَا وقصة مَاعِز الْأَسْلَمِيّ، وَسَيَأْتِي بِطُولِهِ فِي «حد الزِّنَا» إِن شَاءَ الله، وَجَاء فِي «صَحِيح مُسلم» أَيْضا مَا ظَاهره: أَنه رَجمهَا عقب الْولادَة فتأول.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
عَن رَسُول الله ﷺ أَنه (قَالَ) : «من حرَّق حرقناه، وَمن غرق غرقناه» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» و «خلافياته» من حَدِيث بشر بن حَازِم، عَن عمرَان (بن نَوْفَل) بن يزِيد بن الْبَراء، عَن أَبِيه، عَن جده، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من عرض (عرضنَا) لَهُ، وَمن حرق حرقناه، وَمن غرق غرقناه» . رَوَاهُ هَكَذَا وَسكت عَلَيْهِ، وَذكره فِي «الْمعرفَة» وَقَالَ: فِي هَذَا الْإِسْنَاد بعض من يجهل. ذكر فِي أثْنَاء السّرقَة (وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فَقَالَ فِي «تَحْقِيقه» : إِنَّه لَا يثبت عَن رَسُول الله ﷺ ) وَإِنَّمَا قَالَه زِيَاد فِي خطبَته.
стр. 5057
الحَدِيث الرَّابِع عشر
ورد أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا قَود إِلَّا بِالسَّيْفِ» .
هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق كلهَا (ضَعِيفَة) :
أَحدهَا: من طَرِيق النُّعْمَان بن بشير ﵁ مَرْفُوعا رَوَاهُ ابْن مَاجَه كَذَلِك وَالطَّبَرَانِيّ فِي « (أكبر) معاجمه» (وَلَفظه: «لَا عمد إِلَّا بِالسَّيْفِ» . وَالْبَيْهَقِيّ وَلَفظه: «لَا قَود إِلَّا بحديدة» وَالْبَزَّار فِي «مُسْنده» وَلَفظه) : «الْقود بِالسَّيْفِ، وَلكُل خطأ أرش» وعلته جَابر الْجعْفِيّ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: مطعون فِيهِ. وَقَالَ فِي «الْمعرفَة» : ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ وَاخْتلف عَلَيْهِ فِي لَفظه. وَوَقع فِي «تَحْقِيق ابْن الْجَوْزِيّ» هُنَا أَنهم اتَّفقُوا عَلَى تَكْذِيبه، وَهُوَ غَرِيب مِنْهُ، وَقد قَالَ هُوَ فِي مَوضِع آخر: اعْترض عَلَيْهِ بِتَضْعِيف جَابر أما جَابر فقد وَثَّقَهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة، وناهيك (بهما) . فَكيف يَقُول هَذَا ثمَّ يَحْكِي الِاتِّفَاق! وَفِي « (سنَن) الْبَيْهَقِيّ» : قيس بن الرّبيع وَقد ضَعَّفُوهُ. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا بِلَفْظ: «كل شَيْء خطأ إِلَّا السَّيْف، وَفِي كل خطأ أرش» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «كل شَيْء خطأ إِلَّا
стр. 5058
مَا كَانَ بحديدة، وَلكُل خطأ أرش» . وَرَوَاهُ (أَحْمد) فِي «مُسْنده» بِلَفْظ: «لكل شَيْء خطأ إِلَّا بِالسَّيْفِ، وَلكُل خطأ أرش» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ بِلَفْظ: «لَا قَود إِلَّا بحديدة» وَفِي سَنَده قيس السالف. وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِلَفْظ: «لَا قَود إِلَّا بِالسَّيْفِ» وَفِيه مَكَان «قيس» هَذَا «سُفْيَان الثَّوْريّ» كَمَا فِي إِحْدَى روايتي الدَّارَقُطْنِيّ، وَأَبُو عَازِب الْمَذْكُور فِي رواياتهم لَيْسَ بِمَعْرُوف، واسْمه مُسلم بن عَمْرو، كَمَا قَالَه أَبُو حَاتِم وَغير وَاحِد، وَقَالَ غَيره: اسْمه مُسلم بن أَرَاك. وَوَقع كَذَلِك فِي إِحْدَى روايتي الدَّارَقُطْنِيّ.
ثَانِيهَا: من حَدِيث أبي [بكرَة] ﵁ مَرْفُوعا كَذَلِك رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ قَالَ الْبَزَّار: لَا نعلم أحدا أسْنده بِأَحْسَن من هَذَا الْإِسْنَاد وَلَا نعلم أحدا قَالَ: «عَن أبي (بكرَة) » إِلَّا (الْحر) بن مَالك وَلم يكن بِهِ بَأْس، وَأَحْسبهُ أَخطَأ فِي هَذَا
стр. 5059
الحَدِيث؛ لِأَن النَّاس يَرْوُونَهُ عَن الْحسن مُرْسلا. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَالْبَزَّار يرويهِ عَن شيخ (لَهُ) يُقَال لَهُ: أَبُو زيد الأبلي، عَن (الْحر) بن مَالك الْمَذْكُور وَلَا أعرف حَال (أبي) زيد هَذَا. وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم فِي (الْحر) بن مَالك: لَا بَأْس بِهِ. قلت: فِيهِ مَعَ ذَلِك مبارك بن فضَالة وَثَّقَهُ قوم، وَضَعفه آخَرُونَ، أخرج لَهُ البُخَارِيّ مُتَابعَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم فِي «صَحِيحَيْهِمَا» ووثقاه. وَقَالَ (عَفَّان) : كَانَ ثِقَة (وَكَانَ وَكَانَ) . وَاخْتلف قَول يَحْيَى فِيهِ، وَكَانَ ابْن عدي لَا يروي عَنهُ، أنكر أَحْمد قَوْله فِي غير حَدِيث عَن الْحسن، ثَنَا عمرَان. وَأَصْحَاب الْحسن لَا يَقُولُونَ ذَلِك وَكَانَ يُدَلس، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: كَانَ يُدَلس كثيرا فَإِذا قَالَ «حَدثنَا» فَهُوَ ثِقَة. وَقَالَ [يَحْيَى] الْقطَّان: لم أقبل مِنْهُ شَيْئا قطّ إِلَّا شَيْئا يَقُول فِيهِ «حَدثنَا» ، وَحَدِيثه هَذَا لم يقل فِيهِ «حَدثنَا» وَإِنَّمَا رَوَاهُ بِلَفْظ «عَن» . وَقَالَ النَّسَائِيّ: ضَعِيف الحَدِيث. وَقَالَ السَّعْدِيّ: يضعف. وَقَالَ أَحْمد لرجل سَأَلَهُ عَنهُ: دَعه، وَلم يعبأ بِهِ. وَقَالَ عبد
стр. 5060
الْحق: أسْند (الْحر) بن مَالك (هَذَا) لَا بَأْس بِهِ، وَالنَّاس يرسلونه عَن الْحسن. وَفِي «خلافيات» الْبَيْهَقِيّ أَن هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِالْقَوِيّ، ومبارك غير مُحْتَج بِهِ تَركه ابْن مهْدي وَابْن سعيد فَمن بعدهمَا؟ ! قَالَ ابْن أبي حَاتِم (فِي «علله» ) : سَأَلت أبي عَنهُ؟ فَقَالَ: حَدِيث مُنكر. وَقَول الْبَزَّار: لَا (نعلم) أحدا قَالَ فِيهِ عَن مبارك، عَن الْحسن، عَن أبي بكرَة غير (الْحر) بن مَالك. غَرِيب، فَإِنَّهُ قد قَالَ ذَلِك غير مبارك، الوليدُ بن صَالح، ذكره الدَّارَقُطْنِيّ كَمَا أَفَادَهُ ابْن الْقطَّان. قلت: وَفِي الْبَيْهَقِيّ «الْوَلِيد بن مُسلم» بدل «ابْن صَالح» .
ثَالِثهَا: من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا كَذَلِك. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» وعلته أَبُو معَاذ سُلَيْمَان بن أَرقم، وَهُوَ مَتْرُوك، (وَنقل) ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» (أَنهم) أَجمعُوا عَلَى تَركه،
стр. 5061
وَقَالَ فِي «علله» : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح.
رَابِعهَا: من حَدِيث عَلّي ﵁ مَرْفُوعا: «لَا قَود فِي النَّفس وَغَيرهَا إِلَّا بحديدة» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ كَذَلِك وعلته مُعلى بن هِلَال (وَهُوَ) كَذَّاب وَضاع، قَالَ أَحْمد: مَتْرُوك الحَدِيث، حَدِيثه مَوْضُوع كذب.
خَامِسهَا: من حَدِيث ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا (إِلَّا بِسَيْفِهِ) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» كَذَلِك وَالْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ: «لَا قَود إِلَّا بسلاح» وعلته عنعنة بَقِيَّة وَأَبُو معَاذ سُلَيْمَان بن أَرقم (الْمَتْرُوك) السالف.
(سادسها: من حَدِيث جَابر الْجعْفِيّ وَأَبُو عَازِب عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ مَرْفُوعا: «لَا قَود إِلَّا بِالسَّيْفِ وَالْخَطَأ عَلَى الْعَاقِلَة» ذكره الْمزي فِي «أَطْرَافه» وعلته جَابر الْجعْفِيّ وَأَبُو عَازِب السالف،) وَفِيه أَيْضا أَبُو شيبَة وَهُوَ غير مُحْتَج بِهِ.
فتلخص من هَذَا كُله ضعف الحَدِيث من جَمِيع طرقه الْمَذْكُورَة، وَقد صرح بضعفه جماعات من الْحفاظ مِنْهُم: الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ، فَإِنَّهُ لما أخرجه من طَرِيق ابْن مَسْعُود والنعمان وَأبي بكرَة قَالَ: هَذَا الحَدِيث لم يثبت لَهُ إِسْنَاد، مُعلى مَتْرُوك، وَسليمَان ضَعِيف،
стр. 5062
ومبارك لَا يحْتَج بِهِ، وَجَابِر مطعون فِيهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي «خلافياته» ، وَقَالَ فِي «الْمعرفَة» مَا ملخصه: (أوجهه) كلهَا ضَعِيفَة. وَمِنْهُم: عبد الْحق، فَإِنَّهُ ذكره فِي «أَحْكَامه» من طَرِيق أبي بكرَة والنعمان، وَضعفهمَا، ثمَّ قَالَ: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث أَيْضا عَن عَلّي وَأبي هُرَيْرَة وَابْن مَسْعُود، وَكلهَا ضَعِيفَة وَمِنْهُم: ابْن الْجَوْزِيّ، فَإِنَّهُ ذكره فِي «تَحْقِيقه» من طَرِيق عَلّي، وَأبي هُرَيْرَة، وَابْن مَسْعُود، وضعفها كلهَا، وَلَعَلَّ الرَّافِعِيّ (لما) استشعر ضعف هَذَا الحَدِيث قَالَ: ورد. وَلم يجْزم بِرَفْعِهِ، هَذَا آخر (الْكَلَام عَلَى) أَحَادِيث الْبَاب.
وَأما آثاره فثمانية:
أَحدهَا:
«أَن رجلَيْنِ شَهدا عِنْد عَلي ﵁ (عَلَى رجل) بِسَرِقَة فَقَطعه، ثمَّ رجعا عَن شَهَادَتهمَا. فَقَالَ: لَو أعلم أنكما تعمدتما لَقطعت أيديكما» .
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ البُخَارِيّ (فِي تَرْجَمَة بَاب) وَهَذَا لَفظه: وَقَالَ مطرف، عَن الشّعبِيّ «فِي رجلَيْنِ شَهدا عَلَى رجل أَنه سرق فَقَطعه عَلّي، ثمَّ جَاءَا بآخر فَقَالَا: أَخْطَأنَا. فَأبْطل شَهَادَتهمَا فَأخذ بدية الأول، وَقَالَ: لَو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما» . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق
стр. 5063
الشَّافِعِي، عَن سُفْيَان، عَن مطرف، عَن الشّعبِيّ «أَن رجلَيْنِ (شَهدا) عِنْد عَليّ بِالسَّرقَةِ فَقطع عَليّ يَده، ثمَّ جَاءَا بآخر، فَقَالَا: هَذَا هُوَ السَّارِق وأخطأنا عَلَى الأول» . وَفِي رِوَايَة لَهُ « (لَا الأول) فأغرم عَلَى الشَّاهِدين (دِيَة الْمَقْطُوع) الأول وَقَالَ: لَو أعلم أنكما تعمدتما لَقطعت أيديكما. وَلم يقطع الثَّانِي» . قَالَ الشَّافِعِي: بِهَذَا نقُول. قلت: وَإِسْنَاده صَحِيح، عَلَى رَأْيه.
الْأَثر الثَّانِي:
«أَن رجلا قتل آخر فِي عهد عمر، فطالب أولياءه بالقود، ثمَّ قَالَت أُخْت الْقَتِيل - وَكَانَت زَوْجَة الْقَاتِل -: قد عَفَوْت عَن حَقي. فَقَالَ عمر: عتق الرجل» .
هَذَا الْأَثر رَأَيْت من عزاهُ إِلَى رِوَايَة عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن الْأَعْمَش، عَن زيد بن وهب: «أَن عمر بن الْخطاب رفع إِلَيْهِ رجل فَقَالَت امْرَأَة الْقَاتِل: قد عَفَوْت عَن حَقي من زَوجي. فَقَالَ عمر: عتق الرجل من الْقَتْل» . وَترْجم الْبَيْهَقِيّ فِي «بَاب عَفْو بعض الْأَوْلِيَاء عَن الْقصاص دون بعض» ثمَّ صَدره بِحَدِيث عَائِشَة الْمَرْفُوع «عَلَى المقتتلين أَن ينحجزوا الأول فَالْأول، وَإِن كَانَت امْرَأَة» . وَإِسْنَاده صَحِيح. قَالَ أَبُو عبيد: مَعْنَاهُ أَن يقتل الْقَتِيل وَله وَرَثَة رجال وَنسَاء، يَقُول: فَأَيهمْ عَفا
стр. 5064
عَن دَمه من الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب من رجل أَو امْرَأَة فعفوه جَائِز؛ لِأَن قَوْله: «ينحجزوا» يَعْنِي يكفوا عَن الْقود. ثمَّ ذكر الْبَيْهَقِيّ بعده بِإِسْنَاد صَحِيح، عَن زيد بن وهب أَنه قَالَ: «وجد رجل عِنْد (امْرَأَته) رجلا فَقَتلهَا، فَرفع ذَلِك إِلَى عمر ﵁ (فَوجدَ عَلَيْهَا بعض إخوتها فَتصدق [عَلَيْهِ] بِنَصِيبِهِ فَأمر عمر ﵁ لسائرهم بِالدِّيَةِ» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «أَن رجلا قتل (امْرَأَته) استعدى ثَلَاثَة إخْوَة لَهَا عَلَيْهِ، فَرفع ذَلِك إِلَى عمر ﵁ فَعَفَا أحدهم، فَقَالَ عمر للباقين: خذا ثُلثي الدِّيَة فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى قَتله» . وَرَوَى الشَّافِعِي، عَن مُحَمَّد بن الْحسن، عَن أبي حنيفَة، عَن حَمَّاد، عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: «أَن عمر بن الْخطاب أُتِي بِرَجُل قد قتل عمدا فَأمر بقتْله، فَعَفَا بعض الْأَوْلِيَاء فَأمر بقتْله، فَقَالَ ابْن مَسْعُود: كَانَت النَّفس لَهُم جَمِيعًا، فَلَمَّا عَفا هَذَا أَحْيَا النَّفس فَلَا يَسْتَطِيع (أَن) يَأْخُذ حَقه حَتَّى يَأْخُذ غَيره فَمَا ترَى؟ قَالَ: أرَى أَن تجْعَل الدِّيَة عَلَيْهِ فِي مَاله وترفع حِصَّته الَّتِي عَفا. فَقَالَ عمر ﵁ وَأَنا أرَى ذَلِك» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا مُنْقَطع - أَي بَين إِبْرَاهِيم وَعمر - والموصول (قبله) يؤكده.
الْأَثر الثَّالِث:
« (أَن عمر) ﵁ أَوْصَى وَهُوَ مَجْرُوح: لَا يعِيش مثله» .
стр. 5065
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَلَو أصَاب الحشوة خرق وَقطع وَكَانَ يتقين مَوته بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ فَهُوَ الَّذِي يجب الْقصاص (بقتْله) وَعمر ﵁ كَذَلِك عَلَى مَا رُوِيَ «أَن الطَّبِيب سقَاهُ لَبَنًا فَخرج من (جروحه) لما أصَاب أمعاءه من الْخرق، فَقَالَ الطَّبِيب: اعهد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ» .
هَذَا هُوَ الْأَثر الْوَارِد فِي وَفَاة عمر ﵁ وَقد أخرجه البُخَارِيّ ﵁ فِي «صَحِيحه» مطولا من حَدِيث عَمْرو بن مَيْمُون الْأَزْدِيّ قَالَ: (رَأَيْت عمر بن الْخطاب ﵁ قبل أَن يصاب بأيام بِالْمَدِينَةِ (وَقد وَفد عَلَيْهِ) حُذَيْفَة بن الْيَمَان وَعُثْمَان بن حنيف، قَالَ: كَيفَ فعلتما؟ (تخافان) أَن تَكُونَا قد حملتما الأَرْض مَا لَا تطِيق؟ قَالَا: حملناها أمرا هِيَ لَهُ مطيقة وَمَا فِيهَا كَبِير فضل. فَقَالَ: (انظرا) أَن تَكُونَا حملتما الأَرْض مَا لَا تطِيق. فَقَالَا: لَا. فَقَالَ عمر: لَئِن سلمني الله لأدعنَّ أرامل (أهل) الْعرَاق لَا يحتجن إِلَى أحد بعدِي أبدا. (فَقَالَ) : فَمَا أَتَت إِلَّا رَابِعَة حَتَّى أُصِيب. قَالَ عَمْرو بن مَيْمُون: وَإِنِّي لقائم مَا بيني وَبَينه إِلَّا عبد الله بن عَبَّاس غَدَاة أُصِيب - وَكَانَ إِذا مرَّ بَين الصفين قَامَ بَينهمَا، فَإِذا رَأَى
стр. 5066
خللاً قَالَ: اسْتَووا. حَتَّى إِذا لم ير فيهم خللاً تقدم فَكبر، وَرُبمَا قَرَأَ سُورَة يُوسُف أَو النَّحْل أَو نَحْو ذَلِك فِي الرَّكْعَة الأولَى حَتَّى يجْتَمع النَّاس - فَمَا هُوَ إِلَّا أَن كبر فَسَمعته يَقُول: قتلني - أَو أكلني - الْكَلْب. (حِين طعنه) فطار العلج بسكين ذَات طرفين لَا يمر عَلَى أحد يَمِينا وَلَا شمالاً إِلَّا طعنه، حَتَّى إِذا طعن ثَلَاثَة عشر رجلا مَاتَ مِنْهُم تِسْعَة - وَفِي رِوَايَة: سَبْعَة - فَلَمَّا رَأَى ذَلِك رجل من الْمُسلمين طرح عَلَيْهِ برنسًا فَلَمَّا ظن العلج أَنه مَأْخُوذ (نحر) نَفسه، فَتَنَاول عمر يَد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فقدمه، فَأَما من كَانَ يَلِي عمر فقد رَأَى الَّذِي رَأَيْت، وَأما نواحي الْمَسْجِد فَإِنَّهُم لَا يَدْرُونَ مَا الْأَمر غير أَنهم فقدوا صَوت عمر وهم يَقُولُونَ: سُبْحَانَ الله، سُبْحَانَ الله. فَصَلى بهم عبد الرَّحْمَن صَلَاة خَفِيفَة فَلَمَّا انصرفوا، قَالَ: يَا ابْن عَبَّاس، انْظُر من قتلني. فجال سَاعَة ثمَّ جَاءَ فَقَالَ: غُلَام الْمُغيرَة. فَقَالَ: الصَّنَع؟ (قَالَ) : نعم. قَالَ: قَاتله الله لقد كنت أمرت بِهِ مَعْرُوفا، الْحَمد لله الَّذِي لم يَجْعَل ميتتي بيد رجل مُسلم، قد كنت (أَنْت) وَأَبُوك تحبان (أَن) تكْثر العلوج بِالْمَدِينَةِ. وَكَانَ الْعَبَّاس أَكْثَرهم رَقِيقا، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِن شِئْت فعلت - أَي إِن شِئْت قتلنَا - قَالَ: بَعْدَمَا تكلمُوا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا (حَجكُمْ) ؟ ! فَاحْتمل إِلَى بَيته فَانْطَلَقْنَا مَعَه، وَكَأن النَّاس لم تصبهم مُصِيبَة قبل يَوْمئِذٍ،
стр. 5067
فَقَائِل يَقُول: أَخَاف عَلَيْهِ. وَقَائِل يَقُول: (لَا بَأْس. فَأتي بنبيذ) (فشربه) فَخرج من جَوْفه، ثمَّ أُتِي بِلَبن (فشربه) فَخرج من جَوْفه، فعملوا أَنه ميت، قَالَ: (فَدَخَلْنَا) عَلَيْهِ وَجَاء النَّاس يثنون عَلَيْهِ، وَجَاء رجل شَاب (فَقَالَ: أبشر) يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ببشرى الله قد كَانَ لَك من صُحْبَة رَسُول الله ﷺ وَقدم فِي الْإِسْلَام مَا قد عَلمته، ثمَّ وليت فعدلت، ثمَّ شَهَادَة. قَالَ: وددت أَن ذَلِك كَانَ كفافًا لَا عَلّي وَلَا لي. فَلَمَّا أدبر الرجل إِذا إزَاره يمس الأَرْض، فَقَالَ: ردوا عليَّ الْغُلَام. فَقَالَ: يَا ابْن أخي، ارْفَعْ ثَوْبك؛ فَإِنَّهُ أنقى لثوبك وَأَتْقَى لربِّك، يَا عبد الله بن عمر، انْظُر مَا عَلّي من الدَّين. فحسبوه فوجدوه سِتَّة وَثَمَانِينَ ألفا أَو نَحوه، فَقَالَ: إِن وَفَى بِهِ مَال عمر فأده من أَمْوَالهم، وَإِلَّا فسل فِي بني عدي بن كَعْب، فَإِن لم تف أَمْوَالهم فسل فِي قُرَيْش وَلَا تعدهم إِلَى غَيرهم، وأدِّ عني هَذَا المَال، انْطلق إِلَى أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، فَقل: يقْرَأ عَلَيْك عمر السَّلَام، وَلَا تقل أَمِير الْمُؤمنِينَ (فَإِنِّي) لست للْمُؤْمِنين (أَمِيرا) ويستأذن أَن يدْفن مَعَ صَاحِبيهِ. فَسلم وَاسْتَأْذَنَ، ثمَّ دخل عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا (قَاعِدَة تبْكي) فَقَالَ: يقْرَأ عَلَيْك عمر السَّلَام ويستأذن أَن يدْفن مَعَ صَاحِبيهِ. فَقَالَت: كنت أريده لنَفْسي، ولأوثرنه بِهِ الْيَوْم عَلَى نَفسِي.
стр. 5068
فَلَمَّا أقبل (قيل) : هَذَا عبد الله بن عمر قد جَاءَ. فَقَالَ: ارفعوني. فأسنده رجل إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لديك؟ (قَالَ) : الَّذِي تحب (يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَذِنت) . فَقَالَ: الْحَمد لله، (مَا كَانَ عليَّ مَا كَانَ شَيْء أهمُّ) إليَّ من ذَلِك، فَإِذا أَنا قبضت فاحملوني، ثمَّ سلِّم [فَقل] يسْتَأْذن عمر بن الْخطاب فَإِن (أَذِنت) (فأدخلوني) ، وَإِن ردتني فردوني إِلَى مَقَابِر الْمُسلمين. وَجَاءَت أم الْمُؤمنِينَ حَفْصَة وَالنِّسَاء (تسترنها) ، فَلَمَّا رَأَيْتهَا قمنا، فولجت عَلَيْهِ فَبَكَتْ عِنْده سَاعَة، وَاسْتَأْذَنَ [الرِّجَال] فولجتُ دَاخِلا لَهُم فسمعنا بكاءها من الدَّاخِل، فَقَالُوا: أوص يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، اسْتخْلف. قَالَ: مَا أرَى أحدا أَحَق بِهَذَا الْأَمر من هَؤُلَاءِ النَّفر - (أَو) الرَّهْط - (الَّذين) توفّي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَنْهُم رَاض، فَسَمَّى عليًّا وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزبير وسعدًا وَعبد الرَّحْمَن، وَقَالَ: يشهدكم عبد الله وَلَيْسَ لَهُ من الْأَمر شَيْء - كَهَيئَةِ التَّعْزِيَة لَهُ - فَإِن أَصَابَت الإمرة سَعْدا فَهُوَ ذَاك، وَإِلَّا فليستعن بِهِ أَيّكُم مَا أُمِّر، (فَإِنِّي) لم أعزله من عجز وَلَا خِيَانَة. وَقَالَ: أوصِي الْخَلِيفَة بعدِي بالمهاجرين الْأَوَّلين،
стр. 5069
أَن يعرف لَهُم حَقهم ويحفظ لَهُم حرمتهم، (وأوصيه) بالأنصار خيرا، الَّذين تبوءوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم، أَن يقبل من محسنهم وَيَعْفُو عَن مسيئهم، وأُوصيه بِأَهْل الْأَمْصَار خيرا، فَإِنَّهُم ردءُ الْإِسْلَام وجباة المَال وغيظ الْعَدو، وَأَن لَا يُؤْخَذ مِنْهُم إِلَّا فَضلهمْ عَن رضى مِنْهُم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فَإِنَّهُم أصل الْعَرَب، ومادة الْإِسْلَام، أَن يُؤْخَذ من حَوَاشِي أَمْوَالهم ويُرد عَلَى فقرائهم، وأُوصيه بذمةِ الله وذمةِ رَسُوله ﷺ ، أَن يُوفي لَهُم (بعهدهم) ، وَأَن يُقَاتل من ورائهم، وَلَا يُكلفوا إِلَّا طاقتهم. (قَالَ) : فَلَمَّا قبض خرجنَا بِهِ فَانْطَلَقْنَا نمشي فَسلم عبدُ الله بن عُمر وَقَالَ: يستأذنُ عمر بن الْخطاب. قَالَت: (أدخلوه) . فَأدْخل وَوضع هُنَالك مَعَ صَاحِبيهِ، فَلَمَّا فرغ من دَفنه اجْتمع هَؤُلَاءِ الرهطُ، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: اجعلوا أَمركُم إِلَى ثلاثةٍ مِنْكُم. فَقَالَ الزبير: قد جعلت أَمْرِي إِلَى عَليّ. وَقَالَ طَلْحَة: قد جعلت أَمْرِي إِلَى عُثْمَان. وَقَالَ سعد: قد جعلتُ أَمْرِي إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف: أيكما يبرأ من هَذَا الْأَمر فنجعله إِلَيْهِ، وَالله عَلَيْهِ وَالْإِسْلَام لينظرنَّ أفضلهم فِي نَفسه. فأسكت الشَّيْخَانِ، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن: أفتجعلونه إليَّ، وَالله عليَّ أَن لَا آلو عَن أفضلكم؟ قَالَا: نعم. فَأخذ بيد أَحدهمَا فَقَالَ: لَك من قرَابَة رَسُول الله ﷺ والقدم فِي الْإِسْلَام مَا قد علمت، فَالله عَلَيْك لَئِن أمَّرْتُك لتعدِلنَّ، وَلَئِن أمَّرت عُثْمَان لتسمعنَّ (ولتطيعن) . ثمَّ خلا بِالْآخرِ فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك، فَلَمَّا أَخذ الْمِيثَاق قَالَ:
стр. 5070
ارْفَعْ يدك يَا عُثْمَان. فَبَايعهُ (فَبَايع) لَهُ عَلّي، وولج أهل الدَّار فَبَايعُوهُ» . رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» بِكُل هَذَا اللَّفْظ، وَفِيه بعض أَلْفَاظ غَرِيبَة يَنْبَغِي أَن تضبط مِنْهَا: قَوْله: «الصَّنَع» : هُوَ بِفَتْح الصَّاد وَالنُّون، وَهُوَ الصَّانِع الْمجِيد المتقن وَالْمَرْأَة صناع. وَقَوله: «أَي (لاَتَعْدُهم) » : أَي لَا تجاوزهم، يُقَال: عداهُ يعدوه إِذا جاوزه إِلَى غَيره. و «الرَّقِيق» اسْم لجَمِيع العبيد وَالْإِمَاء. و «الْبُرْنُس» : قلنسوة طَوِيلَة كَانَ يلبسهَا الزهاد فِي صدر الْإِسْلَام. و «النَّبِيذ» : شراب هُوَ تمر أَو زبيب منبوذ فِي ماءٍ، وَالْمرَاد بِهِ الْحَلَال الْمُبَاح الَّذِي لَا يسكر.
وَقَوله: «فَإِنَّهُم ردءُ الْإِسْلَام» أَي عونه. وَقَاتل عمر هُوَ أَبُو لؤلؤة فَيْرُوز غُلَام الْمُغيرَة بن شُعْبَة عَدو الله، قيل: ضربه سِتّ ضربات.
الْأَثر الرَّابِع
لما ذكر الرَّافِعِيّ عَن عَطاء وَالْحسن الْبَصْرِيّ أَنَّهُمَا قَالَا: «إِذا قتل الرجل الْمَرْأَة يُخَيّر وَليهَا بَين أَن يَأْخُذ دِيَتهَا وَبَين أَن يقْتله ويبذل نصف دِيَته، (و) إِذا قتلت الْمَرْأَة الرجل يُخَيّر وليه بَين أَن (يَأْخُذ) جَمِيع دِيَته من مَالهَا وَبَين أَن يَقْتُلهَا وَيَأْخُذ نصف دِيَته» . قَالَ: وَيروَى مثله عَن عليّ - كرم الله وَجهه - فِي رِوَايَة.
وَهَذَا (الْأَثر) لَا أعلم من خرجه عَنهُ، وَرَأَيْت بِخَط بَعضهم أَنه مُنْقَطع؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة الشّعبِيّ عَنهُ (فليتتبع) .
стр. 5071
الْأَثر الْخَامِس:
أَن عمر ﵁: «قتل خَمْسَة أَو سَبْعَة بِرَجُل قَتَلُوهُ غيلَة، وَقَالَ: لَو تمالأ عَلَيْهِ أهل صنعاء لقتلتهم جَمِيعًا» .
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح، رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن يَحْيَى بن سعيد [عَن] سعيد بن الْمسيب: «أَن عمر بن الْخطاب قتل (نَفرا) خَمْسَة أَو سَبْعَة بِرَجُل قَتَلُوهُ قتل غيلَة، وَقَالَ: لَو تمالأ عَلَيْهِ أهل صنعاء لقتلتهم جَمِيعًا» . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الْأُم» عَن مَالك كَذَلِك، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي تَرْجَمَة بَاب قَالَ: (قَالَ) لي ابْن بشار: حَدثنَا يَحْيَى، عَن عبيد الله، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر «أَن غُلَاما قُتل غيلَة، فَقَالَ عمر: لَو اشْترك فِيهِ أهل صنعاء لقتلتهم» . قَالَ البُخَارِيّ: وَقَالَ مُغيرَة بن حَكِيم، عَن أَبِيه: «إِن أَرْبَعَة قتلوا صبيًّا فَقَالَ عمر ... » مثله. وَفِي رِوَايَة (للدارقطني) وَالْبَيْهَقِيّ الْجَزْم «بِأَن عمر قتل سَبْعَة فِي دم غُلَام اشْتَركُوا فِي قَتله، (وَقَالَ) : لَو تمالأ عَلَيْهِ أهل صنعاء لقتلتهم جَمِيعًا» .
стр. 5072
وَفِي رِوَايَة (للبيهقي) بإسنادٍ جيد عَن جرير بن حَازِم، أَن الْمُغيرَة بن حَكِيم الصَّنْعَانِيّ حَدثهُ، عَن [أَبِيه] : «أَن امْرَأَة من (صنعاء) غَابَ عَنْهَا زَوجهَا وَترك فِي حجرها ابْنا لَهُ من غَيرهَا، غُلَام يُقَال لَهُ: أصيل، فاتخذت الْمَرْأَة بعد زَوجهَا خَلِيلًا، فَقَالَت لخليلها: إِن هَذَا الْغُلَام يفضحنا فاقتله. فَأَبَى فامتنعت مِنْهُ، فطاوعها (فَاجْتمع) عَلَى قَتله الرجل [وَرجل آخر] وَالْمَرْأَة وخادمها فَقَتَلُوهُ، ثمَّ قطعوه أَعْضَاء وجعلوه فِي عَيْبةٍ من أَدَم وطرحوه فِي ركية فِي نَاحيَة الْقرْيَة وَلَيْسَ فِيهَا مَاء، ثمَّ صاحت الْمَرْأَة، فَاجْتمع النَّاس فَخَرجُوا يطْلبُونَ الْغُلَام، قَالَ: فَمر رجل بالركية الَّتِي فِيهَا الْغُلَام فَخرج مِنْهَا الذُّبَاب الْأَخْضَر (فَقلت) وَالله إِن فِي هَذِه لجيفة (وَمَعِي) خليلها فَأَخَذته رعدة، فذهبنا بِهِ فحبسناه وَأَرْسَلْنَا رجلا فَأخْرج الْغُلَام، فأخذنا الرجل فاعترف فَأخْبرنَا (الْخَبَر) فَاعْترفت الْمَرْأَة وَالرجل الآخر وخادمها، وَكتب (لعَلي) - وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَمِير - بشأنهم فَكتب إِلَيْهِ عمر بِقَتْلِهِم جَمِيعًا، وَقَالَ: وَالله لَو أَن أهل صنعاء اشْتَركُوا (فِي) قَتله لقتلتهم أَجْمَعِينَ» .
стр. 5073
فَائِدَة: «صَنْعاء» : بِفَتْح الصَّاد وَإِسْكَان النُّون وبالمد فِيهِ وَهِي صنعاء الْيمن، وَهِي قَاعِدَة الْيمن، وَهِي من عجائب الدُّنْيَا كَمَا قَالَه الشَّافِعِي، وينسب إِلَيْهَا صنعاني عَلَى غير قِيَاس. وَذكر الْحَازِمِي فِي «مؤتلفه» : أَن صنعاء الْيمن يُقَال لَهَا: أَزَال، بِفَتْح الْهمزَة وَالزَّاي، ثمَّ ألف، ثمَّ لَام، وَيجوز كسرهَا وَضمّهَا، ذكره فِي بَاب الْهمزَة. وَذكر فِي حرف الضَّاد الْمُعْجَمَة أَن ضنعان لُغَة قَليلَة فِي صنعاء.
فَائِدَة (ثَانِيَة) : لَهُم صنعاء دمشق قَرْيَة كَانَت فِي جَانبهَا الغربي فِي نَاحيَة الربوة، وَصَنْعَاء الرّوم.
فَائِدَة أُخْرَى: «الغِيْلة» : بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة، ثمَّ يَاء مثناة تَحت سَاكِنة بنقطتين.
(تَنْبِيهُ) : الْحِيلَة والغيلة عَلَى أَنْوَاع:
أَحدهَا: (الحنكة وَالْقَتْل) هَذَا وَهُوَ أَن يحتال فِي قَتله. ثَانِيهَا: قتل (الفتك) وَهُوَ أَن يكون آمنا فيراقب حَتَّى يجد مِنْهُ غَفلَة (فيقتله) . ثَالِثهَا: قتل الصَّبْر وَهُوَ الْقَتْل مجاهرة. رَابِعهَا: قتل الْغدر وَهُوَ الْقَتْل بعد الْأمان وَقَوله: «تمالأ» هُوَ مَهْمُوز أَي: تعاون، قَالَ عليّ ﵁: «وَالله مَا قتلت عُثْمَان وَلَا مالأت فِي قَتله» أَي عاونت. قَالَ الْخطابِيّ فِي «تصاحيف الروَاة» : هُوَ مَهْمُوز من الْمَلأ، أَي صَارُوا كلهم مَلأ وَاحِدًا فِي قَتله،
стр. 5074
قَالَ: و (المحدثون) يَقُولُونَهُ بِغَيْر همز، وَالصَّوَاب الْهَمْز؛ لِأَن الْمَلأ مَهْمُوز غير مَقْصُور الْعَصَا.
الْأَثر السَّادِس:
قَالَ الرَّافِعِيّ عَن أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ: «عِنْدِي أَنه لَا يقْتَصّ باللطمة، كَمَا لَا يقْتَصّ بالهاشمة؛ لِأَن لَا قصاص فِي اللَّطْمَة لَو انْفَرَدت كالهاشمة، وَاحْتج لَهُ (بأثر) عليّ - كرم الله وَجهه - وَهَذَا حسن.
هَذَا الْأَثر غَرِيب كَذَلِك، وَقَالَ البُخَارِيّ عَكسه، فَقَالَ فِي أثْنَاء الدِّيات: وأقاد أَبُو بكر (وَابْن الزبير) وعليّ وسُويد بن مقرن من لطمة.
الْأَثر (السَّابِع وَالثَّامِن) :
عَن عمر وعليّ ﵄ (أَنَّهُمَا) قَالَا: «من مَاتَ من حدٍّ أَو قصاص فَلَا دِيَة لَهُ، (الْحق) قَتله» .
وَهَذَا رَوَاهُ عَنْهُمَا الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث عَطاء عَن عبيد بن عُمَيْر، عَن عمر بن الْخطاب وَعلي أَنَّهُمَا قَالَا: « (فِي) الَّذِي يَمُوت فِي الْقصاص: لَا دِيَة لَهُ» . ثمَّ رَوَى من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة، عَن أبي يَحْيَى، عَن عَلّي، قَالَ: «من مَاتَ فِي حد فَإِنَّمَا قَتله الْحَد فَلَا
стр. 5075
عقل لَهُ (مَاتَ) فِي حد من حُدُود الله» . قَالَ ابْن الْمُنْذر: (ورويناه) عَن أبي بكر أَيْضا.
تَنْبِيه:
لما ذكر الرَّافِعِيّ، عَن أبي إِسْحَاق: «أَن الشلاء لَا تقطع مُطلقًا» علله بِأَن الشَّرْع لم يرد بِالْقصاصِ فِيهَا، ثمَّ ذكر أَن الْمَشْهُور أَنه يُرَاجع أهل الْخِبْرَة ... إِلَى آخِره. وَيُؤَيّد مَا ذكره مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن عمر أَنه قَالَ: «فِي الْيَد الشلاء ثلث دِيَتهَا» . قَالَ: (و) روينَا عَن مَسْرُوق أَنه قَالَ: «فِي الْيَد الشلاء حكم» وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه قَالَ: «فِي الْيَد الشلاء حُكُومَة عدلٍ» .
стр. 5076
بَاب الْعَفو عَن الْقصاص
ذكر فِيهِ حديثين وأثرين:
الحَدِيث الأول
أنَّه ﷺ قَالَ: « [فِي] الْعمد الْقود» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار، عَن طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس، رَفعه إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من قتل فِي عمية أَو عصبية بِحجر أَو سَوط أَو عَصا، فَعَلَيهِ عقل الْخَطَأ، وَمن قتل عمدا فَهُوَ قَود، وَمن حَال بَينه وَبَينه فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ، (لَا يقبل مِنْهُ صرف وَلَا عدل) » . وَإسْنَاد رِوَايَة ابْن مَاجَه عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ (وَوَصله) الْحسن بن عمادة وَالْحسن بن مُسلم أَيْضا. أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من طريقهما، وَرَوَاهُ عَمْرو بن دِينَار، عَن طَاوس مُرْسلا. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِي، وَفِي رِوَايَة للدارقطني من حَدِيث
стр. 5077
ابْن عَبَّاس، مَرْفُوعا: «الْعمد قَود إِلَّا أَن يعْفُو ولي الْمَقْتُول» . وَفِي إِسْنَاده إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، قَالَ - أَعنِي الدَّارَقُطْنِيّ - فِي «علله» : وَهَذَا الحَدِيث يرويهِ طَاوس، عَن أبي هُرَيْرَة (أَيْضا) مَرْفُوعا. وَرَوَاهُ أَيْضا طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا. قَالَ: وَالصَّحِيح عَن طَاوس مُرْسلا.
الحَدِيث الثَّانِي
عَن أبي شُرَيْح الكعبي ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «ثمَّ أَنْتُم يَا خُزَاعَة قتلتم هَذَا الْقَتِيل من هُذَيْل، وَأَنا وَالله عاقله، فَمن قتل بعده قَتِيلا فأهله بَين خيرتين (إِن أَحبُّوا قتلوا وَإِن أَحبُّوا أخذُوا الْعقل» .
هَذَا الحَدِيث أخرجه الْأَئِمَّة: الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» كَذَلِك، وَأَبُو دَاوُد بِلَفْظ: «أَلا إِنَّكُم معشر خُزَاعَة قتلتم هَذَا الْقَتِيل من هُذَيْل وَإِنِّي عاقله، فَمن قتل لَهُ بعد مَقَالَتي هَذِه قَتِيل فأهله بَين خيرتين بَين أَن يَأْخُذُوا الْعقل، وَبَين أَن يقتلُوا» وَالتِّرْمِذِيّ بِلَفْظ: «ثمَّ إِنَّكُم معشر خُزَاعَة قتلتم هَذَا الرجل من هُذَيْل، وَإِنِّي عاقله، فَمن قتل لَهُ قَتِيل بعد الْيَوْم، فأهله بَين خيرتين) إِمَّا أَن يقتلُوا أَو يَأْخُذُوا (الْعقل) » . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. قَالَ: وَرُوِيَ عَن أبي شُرَيْح الْخُزَاعِيّ، عَن النَّبِي ﷺ «من
стр. 5078
قتل لَهُ قَتِيل فَلهُ أَن يقتل أَو يعْفُو أَو يَأْخُذ الدِّيَة» (فَظَاهر) كَلَام التِّرْمِذِيّ هَذَا يُعْطي أَن أَبَا شُرَيْح هَذَا غير الأول، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل هُوَ إِيَّاه، وَهُوَ كعبي خزاعي؛ لِأَن كَعْبًا بطن من خُزَاعَة. وأصل هَذَا الحَدِيث فِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ - لما فتح الله عَلَى رَسُوله مَكَّة -: مَن قُتل لَهُ قَتِيل فَهُوَ بِخَير النظرين إِمَّا أَن يقتل، وَإِمَّا أَن يفدى» .
وَأما الأثران فهما:
مَا رُوِيَ عَن عمر وَابْن مَسْعُود ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا: «إِذا عَفا بعض الْمُسْتَحقّين للْقصَاص أَن الْقصاص يسْقط، وَإِن لم يرض الْآخرُونَ» . وَلَا مُخَالف لَهما من الصَّحَابَة (وَكَانَ كالإجماع) ، وَقد (أخرجهُمَا «الْبَيْهَقِيّ» ) كَمَا سلف فِي الْأَثر الثَّانِي فِي الْبَاب قبله.
стр. 5079
كتاب الدِّيات
стр. 5080
كتاب الدِّيات
ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث وآثارًا، أما الْأَحَادِيث فستة وَسِتُّونَ:
الحَدِيث الأول
عَن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم، عَن أَبِيه، عَن جده «أَن رَسُول الله ﷺ كتب إِلَى أهل الْيمن (بِكِتَاب) - ذكر فِيهِ الْفَرَائِض وَالسّنَن والديات - وَفِيه: أَن فِي النَّفس المؤمنة مائَة من الْإِبِل» .
هَذَا الحَدِيث سلف بِطُولِهِ فِي «بَاب مَا يجب بِهِ الْقصاص» فَرَاجعه مِنْهُ.
الحَدِيث الثَّانِي
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَهَذِه الْمِائَة تجب إِذا كَانَ الْقَتْل خطأ، (مخمسة) : عشرُون مِنْهَا بنت مَخَاض، وَعِشْرُونَ بنت لبون، وَعِشْرُونَ ابْن لبون، وَعِشْرُونَ حقة، وَعِشْرُونَ جَذَعَة. وَبِه قَالَ مَالك، وَبدل أَبُو حنيفَة «ابْنا لبون» ب «ابْنا الْمَخَاض» وَبِه قَالَ أَحْمد، وَعَن ابْن الْمُنْذر مثله، وَاحْتج الْأَصْحَاب بِمَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ قَضَى فِي دِيَة الْخَطَأ بِمِائَة من الْإِبِل» وفصلها عَلَى مَا ذكرنَا.
следующие страницы →