Полный текст (6 131 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.
стр. 5216
[الْمَوْت] ، وَلَو قتل لسعيه فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ لم يجز الْعَفو عَنهُ (أَي) وَقد قَالَ عَلّي: «إِن شِئْت (أَن) أعفو عَنهُ» . كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي (تذنيبه) : عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي، كَانَ من الْخَوَارِج المارقين، وَذكر أَن رَسُول الله ﷺ شهد (عَلَيْهِ) بالشقاوة.
قلت: وَهَذَا الحَدِيث سَيَأْتِي فِي أثْنَاء الْأَثر الْحَادِي عشر، وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب «التَّنْوِير» : لَا أعلم أحدا توقف فِي لعن ابْن ملجم، إِلَّا مَا كَانَ من عمرَان بن حِطّان أصلاه الله النيرَان. وَأما الْقِصَّة الَّتِي ذكرهَا الرَّافِعِيّ فرواها بِنَحْوِ ذَلِك الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» فِي تَرْجَمَة عَليّ ﵁ بِإِسْنَادِهِ إِلَى إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن قَالَ: «كَانَ عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي عشق امْرَأَة من الْخَوَارِج من تيم الربَاب يُقَال لَهَا: قطام فنكحها وَأصْدقهَا ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم، وَقتل عَلّي ﵁» وَفِي ذَلِك قَالَ الفرزدق؛ فَلم أر مهْرا ... الْبَيْت. كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ إِلَّا أَنه قَالَ: «بيّن غير مُعْجم» بدل: «من فصيح وأعجم» وَالْبَيْت الثَّانِي: كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء وَزَاد بَيْتا. ثَالِثا:
وَلَا فتك إِلَّا دون فتك ابْن ملجم
فَلَا مهر أغلا من عَلّي وَإِن غلا
الْأَثر الثَّامِن: «أَن أَبَا بكر ﵁ قَالَ للَّذين قَاتلهم بعد مَا تَابُوا: تدون قَتْلَانَا وَلَا ندي قَتْلَاكُمْ» . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي
стр. 5217
إِسْحَاق، عَن عَاصِم بن [ضَمرَة] ، قَالَ: «ارْتَدَّ عَلْقَمَة بن علاثة عَن دينه بعد النَّبِي ﷺ فَأَبَى أَن يجنح للسَّلم، فَقَالَ أَبُو بكر ﵁: لَا نقبل مِنْك إِلَّا بسلم مخزية أَو حَرْب مجلية، فَقَالَ: مَا سلم مخزية؟ قَالَ: تَشْهَدُون عَلَى قَتْلَانَا أَنهم فِي الْجنَّة وَأَن قَتْلَاكُمْ فِي النَّار وَلَا ندي قَتْلَاكُمْ. فَاخْتَارُوا سلما مخزية» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وروينا فِي هَذِه الْقِصَّة: «أَن عمر بن الْخطاب رَأَى أَن لَا يدوا قَتْلَانَا، وَقَالَ: قَتْلَانَا قتلوا عَلَى أَمر الله فَلَا ديات لَهُم» . وَفِي رِوَايَة لَهُ فِي بَاب قتال أهل الرِّدَّة وَمَا أُصِيب فِي أَيْديهم من مَتَاع الْمُسلمين، عَن طَارق بن شهَاب قَالَ: «جَاءَ (وَفد) بزاخة - أَسد وغَطَفَان - إِلَى أبي بكر ﵁ يسألونه الصُّلْح، فَخَيرهمْ أَبُو بكر ﵁ بَين الْحَرْب المجلية، أَو السّلم المخزية، (قَالَ: فَقَالُوا) : هَذَا الْحَرْب المجلية وَقد عَرفْنَاهُ، فَمَا السّلم المخزية؟ قَالَ أَبُو بكر ﵁: تؤدون الْحلقَة والكراع، وتتركون أَقْوَامًا يتبعُون أَذْنَاب الْإِبِل حَتَّى يرَى خَليفَة نبيه وَالْمُسْلِمين أمرا يعذرونكم بِهِ، وتدون قَتْلَانَا وَلَا ندي قَتْلَاكُمْ، وقتلانا فِي الْجنَّة وَقَتلَاكُمْ فِي النَّار، وتردون مَا أصبْتُم منا ونغنم مَا أصبْنَا مِنْكُم. فَقَالَ عمر ﵁: قد رَأَيْت أمرا وسنشير عَلَيْك، أما أَن [يؤدوا] الحلقةوالكراع (فَنعما) رَأَيْت، وَأما أَن تتركوا أَقْوَامًا يتبعُون أَذْنَاب الْإِبِل حَتَّى يري الله خَليفَة نبيه وَالْمُسْلِمين [أمرا] يعذرونهم بِهِ (فَنعما)
стр. 5218
رَأَيْت (وَأما) أَن قتلاهم فِي النَّار وقتلانا فِي الْجنَّة (فَنعما) رَأَيْت وَأما أَن يدوا قَتْلَانَا فَلَا، (قَتْلَانَا) قتلوا عَلَى أَمر الله فَلَا ديات لَهُم. فَبَايع النَّاس عَلَى ذَلِك» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: (و) قَول عمر ﵁ فِي الْأَمْوَال لَا يُخَالف قَوْله فِي الدِّمَاء، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ وَالله أعلم مَا أُصِيب فِي أَيْديهم من أَعْيَان (أَمْوَال) الْمُسلمين لَا تضمن مَا أتلفوه.
فَائِدَة: «بُزَاخة» : الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْأَثر هِيَ - بِضَم الْبَاء، وَفتح الزَّاي وَالْخَاء الْمُعْجَمَة - مَوضِع، قَالَ صَاحب «الْمطَالع» : بِالْبَحْرَيْنِ قَالَ: وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ مَاء (لِطَيِّئٍ) وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَاء لبني أَسد.
الْأَثر التَّاسِع: «أَن عليًّا ﵁ نَادَى من وجد (مَاله) فليأخذه. قَالَ الرَّاوِي: فَمر بِنَا رجل فَعرف قدرا نطبخ فِيهَا فَسَأَلْنَاهُ أَن يصبر حَتَّى نطبخ فَلم يفعل» . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» بِنَحْوِهِ من رِوَايَة عرْفجَة، عَن أَبِيه: (أَن عليًّا ﵁ لما قتل أهل النهروان جال فِي عَسْكَرهمْ فَمن كَانَ يعرف شَيْئا أَخذه، حَتَّى بقيت قدر، ثمَّ رَأَيْتهَا أخذت بعد» وَفِي رِوَايَة لَهُ: «أَن عليًّا ﵁ أُتِي برثة أهل النَّهر فعرفها، فَكَانَ من عرف شَيْئا أَخذه، حَتَّى بقيت قدر لم تعرف» .
الْأَثر الْعَاشِر: «أُتِي عليا ﵁ قَاتل أهل الْبَصْرَة، وَلم يتتبع بعد
стр. 5219
الِاسْتِيلَاء مَا أَخَذُوهُ من الْحُقُوق» . وَهَذَا لَا يحضرني. وَفِي الْبَيْهَقِيّ: «بَاب أهل الْبَغي إِذا غلبوا عَلَى بلد وَأخذُوا صدقَات أَهلهَا، وَأَقَامُوا عَلَيْهِم الْحُدُود لم تعد عَلَيْهِم» اسْتِدْلَالا بِحَدِيث أبي ذَر: «أَمرنِي رَسُول الله ﷺ أَن أسمع (وأطع) وَلَو لعبد حبشِي مجدع الْأَطْرَاف» . أخرجه مُسلم.
الْأَثر الْحَادِي عشر: عَن الشَّافِعِي ﵁: «أَن عليًّا أَمر بِحَبْس ابْن ملجم وَقَالَ: إِن قَتَلْتُمُوهُ فَلَا تمثلوا بِهِ، وَرَأَى عَلَيْهِ الْقَتْل، فَقتله الْحسن ﵁» . وَهَذَا الْأَثر (صَحِيح) رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الْأُم» ، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد (عَن) جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه «أَن عليًّا ﵁ قَالَ فِي (أَمر) ابْن ملجم بعد مَا ضربه: أطعموه واسقوه وأحسنوا إساره، فَإِن عِشْت فَأَنا ولي دمي أعفو إِن شِئْت، وَإِن شِئْت استقدت، وَإِن قَتَلْتُمُوهُ فَلَا تمثلوا بِهِ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَنهُ، وَرَوَى فِي «مَنَاقِب الشَّافِعِي» تأليفه فِي بَاب مَا جَاءَ فِي حسن مناظرة الشَّافِعِي بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي ثَوْر قَالَ: سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول: ناظرت، بشر بن غياث المريسي فِي الْمَقْتُول لَهُ (وَرَثَة) صغَار [وكبار] يقتل الْقَاتِل دون بُلُوغ
стр. 5220
الصغار؟ قَالَ: لَا. فَقلت لَهُ: فَإِن الْحسن بن عَلّي قتل ابْن ملجم، وَفِي الْوَرَثَة صغَار لم يبلغُوا. فَقَالَ: أَخطَأ الْحسن. فَقلت: مَا كَانَ عنْدك جَوَاب أحسن من هَذَا وهجرته يَوْمئِذٍ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَكَانَ الشَّافِعِي يذهب أَيْضا إِلَى أَنه لَا يقتل قصاصا قبل بُلُوغ الصغار، وَيُشبه أَن يكون حمل قتل الْحسن بن عَلّي ابنَ ملجم عَلَى أَنه من الساعين فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ، فَرَأَى قَتله بِالْولَايَةِ الْعَامَّة دون ولَايَة الْقصاص. وَقَالَ فِي «سنَنه» نقلا عَن بعض أَصْحَابنَا إِنَّمَا استبد بقتْله قبل بُلُوغ الصغار من (ولد) عَلّي؛ لِأَنَّهُ فعله حدًّا لكفره لَا قصاصا. وَقَالَ فِي «الْمعرفَة» يشبه أَن يكون الْحسن وقف عَلَى استحلال عبد الرَّحْمَن بن ملجم قتل أَبِيه فَقتله لأجل ذَلِك. وَاسْتدلَّ بعض من قَالَ ذَلِك. من أَصْحَابنَا بِمَا روينَا عَن أبي سِنَان الدؤَلِي «أَنه عَاد عليًّا فِي شكوى لَهُ قَالَ: فَقلت (لَهُ: لقد) تخوفنا عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: لكني وَالله مَا تخوفت؛ لِأَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ الصَّادِق (المصدوق) يَقُول: «إِنَّك ستضرب ضَرْبَة هَاهُنَا، وضربة هَاهُنَا - وَأَشَارَ إِلَى صدغيه - فيسيل دَمهَا حَتَّى تختضب لحيتك، وَيكون صَاحبهَا أشقاها كَمَا كَانَ عَاقِر النَّاقة أَشْقَى ثَمُود» وَفِي «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي يَحْيَى، قَالَ: «لما جَاءُوا بِابْن ملجم إِلَى عَليّ، قَالَ: اصنعوا بِهِ مَا صنع رَسُول الله ﷺ بِرَجُل جُعِلَ لَهُ عَلَى أَن يقْتله، فَأمر أَن يُقتل ويُحرق بالنَّار» وَفِيه أَيْضا عَن أبي إِسْحَاق
стр. 5221
الْهَمدَانِي قَالَ: «رَأَيْت قَاتل عَلّي بن أبي طَالب يحرق بالنَّار فِي أَصْحَاب الرماح» وَفِيه أَيْضا عَن الشّعبِيّ قَالَ: «لما ضرب ابْن ملجم عليًّا تِلْكَ الضَّرْبَة أَوْصَى فَقَالَ: قد ضَرَبَنِي، فَأحْسنُوا إِلَيْهِ وألينوا (لَهُ) فرَاشه، فَإِن أعش فعفو أَو قصاص، وَإِن أمت فعاجلوه فَإِنِّي مخاصمه عِنْد رَبِّي » .
الْأَثر الثَّانِي عشر: «أَن عليًّا ﵁ بعث ابْن عَبَّاس إِلَى أهل النهروان للْحَاجة والنصيحة فَرجع بَعضهم إِلَى الطَّاعَة بذلك» وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» فِي حَدِيث طَوِيل، فِيهِ ذكر قصَّة الخارجين عَلَى عَلّي: «فَإِنَّهُ بعث إِلَيْهِم عبد الله بن عَبَّاس فناظرهم فَرجع مِنْهُم أَرْبَعَة آلَاف، وَكَانُوا ثَمَانِيَة آلَاف» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا كَذَلِك. «وَأَنه بَعثه (إِلَيْهِم وَأَنه رَجَعَ) مِنْهُم أَرْبَعَة آلَاف» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» «أَنه بَعثه إِلَى الحروراء فَرجع مِنْهُم عشرُون ألفا، وَبَقِي مِنْهُم أَرْبَعَة آلَاف قتلوا» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي زُميل الْحَنَفِيّ عَنهُ «أَن ابْن عَبَّاس (خرج) إِلَى الحرورية وَأَنَّهُمْ سِتَّة آلَاف (فحاجهم) فَرجع مِنْهُم أَلفَانِ، وَقتل الْبَاقِي» ، وَلَيْسَ فِيهَا أَنه بَعثه. وَفِي
стр. 5222
الْبَيْهَقِيّ أَيْضا: «أَن عليًّا بعث الْبَراء بن عَازِب إِلَى أهل النَّهر إِلَى الْخَوَارِج فَدَعَاهُمْ ثَلَاثًا قبل أَن يقاتلهم» .
الْأَثر الثَّالِث عشر: «أَنه نَادَى مُنَادِي عليّ ﵁ يَوْم الْجمل أَلا لَا يتبع مدبرهم، وَلَا يذفف عَلَى جريحهم» وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، وَسَعِيد بن مَنْصُور وَالْحَاكِم، وَالْبَيْهَقِيّ. قَالَ الْحَاكِم: هُوَ صَحِيح، قَالَ: وَصَحَّ مثله فِي وقْعَة صفّين.
فَائِدَة: قَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه «مرج الْبَحْرين» : كَانَت وقْعَة الْجمل فِي نصف جُمَادَى الْآخِرَة، وَقيل: كَانَت فِي يَوْم الْخَمِيس لعشر ليالٍ خلت مِنْهُ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ، أفرجت عَن ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ ألفا. قَالَه ابْن شبة، وَقيل: سَبْعَة عشر ألفا من أَصْحَاب عَائِشَة، وَمن أَصْحَاب عَلّي نَحْو من ألف رجل، وَقيل: أقل من ذَلِك، وَكَانَت إِقَامَة عليّ، وَمُعَاوِيَة بصفين تِسْعَة أشهر، وَقيل: سَبْعَة. وَقيل: ثَلَاثًا. وَكَانَ بَينهمَا قبل (الْقِتَال) نَحْو من سبعين زحفًا. وَقيل: فِي ثَلَاثَة أَيَّام من أَيَّام الْبيض سَبْعُونَ ألفا من الْفَرِيقَيْنِ. وَفِي «المعجم الْكَبِير» للطبراني من حَدِيث ابْن شهَاب «أَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن العَاصِي شهد الْقِتَال يَوْم صفّين، وَكَانَ أهل الشَّام يَوْم صفّين خَمْسَة وَثَلَاثِينَ وَمِائَة ألف، وَكَانَ (أهل) الْعرَاق عشْرين أَو ثَلَاثِينَ وَمِائَة ألف، وَقطع عَلَى خطام (جمل) عَائِشَة
стр. 5223
(واسْمه عَسْكَر) سَبْعُونَ يدا من بني ضبة، كلما قطعت يَد رجل أَخذ الزِّمَام آخر، وهم ينشدون:
تبَارك الْمَوْت إِذْ الْمَوْت نزل
بني ضبة أَصْحَاب الْجمل
وَالْمَوْت أشهى عندنَا من الْعَسَل
الْأَثر الرَّابِع عشر
«أَن عليًّا ﵁ قتل لَيْلَة الهرير ألفا وَخَمْسمِائة» . وَهَذَا قد سلف فِي صَلَاة الْخَوْف.
стр. 5224
كتاب الرِّدَّة
стр. 5225
كتاب الرِّدَّة
ذكر فِيهِ ﵀ من الْأَحَادِيث تِسْعَة أَحَادِيث.
الحَدِيث الأول
أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا يحل دم (امْرِئ) مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث ... » الحَدِيث.
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَقد سلف بَيَانه فِي أَوَائِل «بَاب الْجراح» .
الحَدِيث الثَّانِي
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من بدّل دينه فَاقْتُلُوهُ» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» من حَدِيث عِكْرِمَة (قَالَ) : «أُتِي عَليٌّ بزنادقة فأحرقهم. فَلَمَّا بلغ ذَلِك ابْن عَبَّاس قَالَ: لَو كنت أَنا لم أحرقهم؛ لنهي رَسُول الله ﷺ : لَا تعذبوا بِعَذَاب الله. ولقتلتهم؛ لقَوْل رَسُول الله ﷺ : من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ» . وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي «أكبر معاجمه» «من ترك» بدل «من بدل» وَرَوَاهُ
стр. 5226
مَالك وَالشَّافِعِيّ عَنهُ من حَدِيث زيد بن أسلم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من غيرّ دينه فاضربوا عُنُقه» . قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحَدِيث مُنْقَطع. أَي: لِأَن زيد بن أسلم إِنَّمَا يروي عَن الصَّحَابَة، عَن أَبِيه. وَقد رَوَاهُ البُخَارِيّ مَوْصُولا كَمَا تقدم. وَوَصله الْحَاكِم أَيْضا فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَلَفظه فِيهِ: «من يُخَالف دينه من الْمُسلمين فَاقْتُلُوهُ» . ثمَّ صَححهُ؛ لَكِن فِي إِسْنَاده حَفْص بن عمر الْعَدنِي وَقد ضَعَّفُوهُ. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» بِدُونِهِ وَقَالَ فِي آخِره: «فاضربوا عُنُقه» وَقَالَ: «إِذا شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَلَا سَبِيل عَلَيْهِ إِلَّا أَن يَأْتِي شَيْئا فيقام عَلَيْهِ حَده» .
الحَدِيث الثَّالِث
أنَّه ﷺ قَالَ: «من قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِر فقد بَاء بهَا أَحدهمَا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث عبد الله بن عمر، مَرْفُوعا بِهَذَا اللَّفْظ. وَزِيَادَة: «فَإِن كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رجعت عَلَيْهِ» . وَأَخْرَجَا مثله من حَدِيث أبي ذرٍ أَيْضا.
стр. 5227
الحَدِيث الرَّابِع
«أنَّه ﷺ (كَانَ إِذا أكل) لحس أَصَابِعه الثَّلَاث» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث كَعْب بن مَالك ﵁ قَالَ: «رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَأْكُل بِثَلَاث أَصَابِع فَإِذا فرغ لعقها» . وَله مثله: من حَدِيث أنس ﵁ وَقد جَاءَ الْأَمر بذلك فِي عدَّة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» ، وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَجَابِر، أخرجهُمَا مُسلم وَمِنْهَا حَدِيث أم عَاصِم، أخرجه التِّرْمِذِيّ.
الحَدِيث الْخَامِس
أنَّه ﷺ قَالَ: «مَا بَين قَبْرِي ومنبري رَوْضَة من رياض الجنَّة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح وَقد سلف بَيَانه فِي اللّعان.
الحَدِيث السَّادِس
عَن جَابر ﵁: «أَن امْرَأَة يُقَال لَهَا: أم رُومَان ارْتَدَّت، فَأمر النَّبِي ﷺ بِأَن يعرض عَلَيْهَا الْإِسْلَام، فَإِن تابت وَإِلَّا قتلت» .
стр. 5228
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ (الْبَيْهَقِيّ و) الدارقطني فِي «سنَنه» من طَرِيقين، هَذَا لَفظه (فِي) أَحدهمَا، وَلَفظه فِي الثَّانِي: «ارْتَدَّت امْرَأَة عَن الْإِسْلَام، فَأمر النَّبِي ﷺ أَن (يعرضُوا) عَلَيْهَا الْإِسْلَام، فَإِن أسلمت وَإِلَّا قتلت، فَعرض عَلَيْهَا الْإِسْلَام فَأَبت أَن تسلم فقتلت» . وإسنادهما غير ثَابت، فِي الأول: معمر بن بكار، قَالَ الْعقيلِيّ: فِي حَدِيثه وهم. وَذكره (ابْن أبي حَاتِم) وَسكت عَنهُ. وَالطَّرِيق الثَّانِي: مظلم، وَفِيه عبد الله بن عُطَارِد بن أذينة، وهاه ابْن حبّان (وَلما ذكره عبد الْحق بِاللَّفْظِ الأول نقل عَن ابْن عدي أَنه يرويهِ عبد الله هَذَا، وَأَنه لَا يُتَابع عَلَيْهِ، وَأَنه مُنكر الحَدِيث، قَالَ: وَلم أر للْمُتَقَدِّمين فِيهِ كلَاما) . وَلما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِهَذَا اللَّفْظ، قَالَ: فِي إِسْنَاده بعض من يجهل. ثمَّ رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الأول إِلَّا أَنه قَالَ: «مَرْوَان» بدل «رُومَان» وَكَأَنَّهُ من تَحْرِيف النَّاسِخ قَالَ: وَرُوِيَ من وَجه آخر ضَعِيف، عَن الزُّهْرِيّ،
стр. 5229
عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة ﵂: «أَن امْرَأَة ارْتَدَّت يَوْم أحد فَأمر النَّبِي ﷺ أَن تستتاب فَإِن تابت وَإِلَّا قتلت» . وَخَالف ابْن الْجَوْزِيّ فَذكره فِي «تَحْقِيقه» من هَذِه الطّرق محتجًّا بهَا، وَضعف حَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَرْفُوع: «لَا تقتل الْمَرْأَة إِذا ارْتَدَّت» ثمَّ نقل عَن الدَّارَقُطْنِيّ أَنه لَا يَصح، وَذكره فِي «مَوْضُوعَاته» وَمذهب الزُّهْرِيّ أَنَّهَا تقتل إِذا لم تتب، وَهُوَ صَحِيح عَنهُ.
فَائِدَة: «أم رُومَان» . بِضَم الرَّاء، كَذَا ضَبطه ابْن [معن] فِي «تنقيبه» وَحَكَى فِي «أم رَوْمَان أم عَائِشَة الصديقة (فتح) الرَّاء» .
الحَدِيث السَّابِع
أنَّه ﷺ قَالَ: «أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله ... » الحَدِيث.
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث ابْن عمر ﵁ وَقد سلف (بِطُولِهِ) فِي «كتاب الدِّيات» .
الحَدِيث الثَّامِن
«أَنه اشْتَدَّ نَكِير النَّبِي ﷺ عَلَى أُسَامَة حِين قتل من تكلم بِكَلِمَة الْإِسْلَام، وَقَالَ: إِنَّمَا قَالَهَا فرقا مني. فَقَالَ: هلا شققت عَن قلبه» .
стр. 5230
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث أُسَامَة ﵁ قَالَ: «بعثنَا رَسُول الله ﷺ سَرِيَّة إِلَى الحُرُقات فنذروا (فَهَرَبُوا) فَأَدْرَكنَا رجلا فَلَمَّا غشيناه قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله. فضربناه حَتَّى قَتَلْنَاهُ، فَعرض فِي نَفسِي شَيْء من ذَلِك فَذَكرته للنّبي (فَقَالَ: من لَك بِلَا إِلَه إِلَّا الله يَوْم الْقِيَامَة. فَقلت: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا قَالَهَا مَخَافَة السِّلَاح وَالْقَتْل. قَالَ: أَفلا شققت عَن قلبه حَتَّى تعلم (أقالها) من أجل ذَلِك أم لَا، من لَك بِلَا إِلَه إِلَّا الله يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ: فَمَا زَالَ يَقُول حَتَّى وددت أَنِّي لم أسلم إِلَّا يَوْمئِذٍ» .
فَائِدَة: «الحرقات» : اسْم قَبيلَة من جُهَيْنَة، وَجَمعهَا عَلَى لفظ «الحرقات» إِشَارَة إِلَى بطُون تِلْكَ الْقَبِيلَة، وهما فِي الأَصْل حرقان ابْنا قيس بن (تغلب) تَمِيم وَسعد.
فَائِدَة أُخْرَى: ذكر الْخَطِيب فِي «مبهماته» من طَرِيق حميد بن هِلَال قَالَ: حَدثنِي من كَانَ فِي السّريَّة قَالَ: «حمل رجل من أَصْحَابنَا عَلَى رجل من الْمُشْركين، فَلَمَّا غشيه قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا الله فَقتله، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: أقتلته وَهُوَ يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله؟ ! ... » الحَدِيث. قَالَ الْخَطِيب: اخْتلف فِي الْقَاتِل، قيل: أُسَامَة بن زيد وَقيل: الْمِقْدَاد بن عَمْرو. وَأما الْمَقْتُول فمرداس بن نهيك، وَقد علمت التَّصْرِيح بِأَنَّهُ
стр. 5231
أُسَامَة إِن كَانَت الْقِصَّة وَاحِدَة، وَأما الْمِقْدَاد، فَفِي «صَحِيح مُسلم» ، أَنه قَالَ: «يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت إِن لقِيت رجلا من الكفَّار يقاتلني ... » الحَدِيث. و (قد) قيل إِن قَوْله (وَلَا تَقولُوا لمن ألْقَى إِلَيْكُم السَّلم) نزلت فِي هَذَا الْمَقْتُول، أَعنِي: مرداس بن نهيك.
الحَدِيث التَّاسِع
«رُوِيَ أنَّه ﷺ استتاب رجلا أَربع مَرَّات» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الله بن وهب، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ، عَن رجل، عَن عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر: «أَن رَسُول الله ﷺ استتاب نَبهَان أَربع مَرَّات، وَكَانَ نَبهَان ارْتَدَّ» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِسْنَاده مُرْسل، قَالَ: وَظَاهر الْأَخْبَار الصَّحِيحَة فِيمَا يحقن بِهِ الدَّم يشْهد لهَذَا. قلت: (و) قد وصل هَذَا الْمُرْسل بإسْنادٍ واهٍ، أخرجه إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا، عَن (الْمُعَلَّى) ، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل، عَن جَابر: «أَن رَسُول الله ﷺ استتاب رجلا ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام أَربع مَرَّات» . والمعلى هَذَا هُوَ ابْن هِلَال بن [سُوَيْد] الطَّحَّان، وَهُوَ هَالك هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب.
وَأما آثاره فَأَرْبَعَة:
стр. 5232
أَحدهَا: «أَن أَبَا بكر ﵁ استتاب امْرَأَة من بني فَزَارَة ارْتَدَّت» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث اللَّيْث بن سعد، عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز التنوخي: «أَن امْرَأَة يُقَال لَهَا: أم قرفة كفرت بعد إسْلَامهَا، فاستتابها أَبُو بكر الصّديق ﵁ فَلم تتب فَقَتلهَا» . قَالَ اللَّيْث: وَذَلِكَ الَّذِي سمعنَا وَهُوَ رَأْي. قَالَ عبد الله بن وهب: وَقَالَ لي مَالك مثل ذَلِك. قَالَ الشَّافِعِي: وَرَوَى بَعضهم عَن أبي بكر ﵁ «أَنه قتل نسْوَة ارتددن عَن الْإِسْلَام» وَمَا كَانَ لنا أَن نحتج بِهِ (إِذا) كَانَ ضَعِيفا عِنْد أهل الحَدِيث. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ضعفه فِي انْقِطَاعه. قَالَ: وَقد رَوَيْنَاهُ من وَجْهَيْن مرسلين.
تَنْبِيه: وَقع فِيمَا تقدم أَن الَّذِي قَتلهَا الصّديق هِيَ أم قرفة، وَكَذَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا وَلَفظه: «أَن أَبَا بكر قتل أم قرفة الفزارية فِي ردتها (قتلة) مثلَة، شدّ رِجْلَيْهَا (بَين فرسين) ثمَّ صَاح بهما (فضرباها) فشقاها» . وَذكر الْوَاقِدِيّ أَنَّهَا قتلت يَوْم (بزاخة) (وَذكر) أَبُو عمر فِي «الاستذكار» : «أَن رَسُول الله ﷺ قتل يَوْم قُرَيْظَة وَالْخَنْدَق أم قرفة» فلعلها أُخْرَى. وَفِي «الْإِكْمَال» لِابْنِ مَاكُولَا، فِي حرف الْمِيم فِي تَرْجَمَة «مُجَشِّر ومُحَسَّر» : قيس بن المحسر كَانَ خرج
стр. 5233
مَعَ زيد بن حَارِثَة فِي السّريَّة إِلَى أم قرفة (فَأَخذهَا) ، وَهُوَ الَّذِي تولى قَتلهَا» وَالله أعلم.
الْأَثر الثَّانِي: «أَن رجلا وَفد عَلَى عمر ﵁ (من قبل أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ ، فَقَالَ لَهُ عمر: هَل من مغربة خبر؟ فَأخْبرهُ أَن رجلا كفر بعد إِسْلَامه، فَقَالَ: مَا فَعلْتُمْ بِهِ؟ فَقَالَ: قربناه، وضربنا عُنُقه. فَقَالَ: هلا حبستموه ثَلَاثًا وأطعمتموه كل يَوْم رغيفًا، واستتبتموه لَعَلَّه يَتُوب، اللهمَّ إِنِّي لم أحضر، وَلم آمُر، وَلم أَرض إِذْ بَلغنِي» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الْأُم» عَن مَالك، عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبدٍ الْقَارِي، عَن أَبِيه، أَنه قَالَ: «قدم عَلَى عمر بن الْخطاب ... » الحَدِيث بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور. قَالَ الشَّافِعِي: (من) قَالَ لَا يتأنى بالمرتد (زَعَمُوا) أَن هَذَا الْأَثر الْمَرْوِيّ عَن عمر: «لَو حبستموه ثَلَاثًا» لَيْسَ بِثَابِت؛ لِأَنَّهُ لَا (يُعلمهُ) مُتَّصِلا، وَإِن كَانَ ثَابتا كَانَ لم يَجْعَل عَلَى من قَتله قبل ثَلَاث شَيْئا. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قد رُوِيَ فِي التأني بالمرتد حَدِيث آخر عَن عمر بإسنادٍ متصلٍ، فَذكره عَن أنس بن مَالك قَالَ: «لما نزلنَا عَلَى تستر ... » فَذكر الحَدِيث فِي (الصَّحِيح) وَفِي قدومه عَلَى عمر بن الْخطاب «قَالَ عمر: يَا أنس، مَا فعل بالرهط السِّتَّة من بكر بن وَائِل الَّذين ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام فَلَحقُوا بالمشركين
стр. 5234
(قَالَ: فَأخذت بِهِ فِي حَدِيث آخر يشْغلهُ عَنْهُم، قَالَ: مَا فعل الرَّهْط الَّذين ارْتَدُّوا عَن الْإِسْلَام فَلَحقُوا بالمشركين) من بكر بن وَائِل؟ قَالَ: (يَا) أَمِير الْمُؤمنِينَ، قتلوا فِي المعركة. قَالَ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون. قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَهل كَانَ سبيلهم إِلَّا الْقَتْل؟ قَالَ: نعم، كنت (أعرض) عَلَيْهِم أَن يدخلُوا (فِي) الْإِسْلَام؛ فَإِن أَبَوا استودعتهم السجْن» .
فَائِدَة: قَوْله: «هَل من مُغَرِّبة حبر» يُقَال بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا (مَعَ) الْإِضَافَة فيهمَا، وَأَصله من الغرب وَهُوَ الْبعد، يُقَال: دَار غربَة أَي: بعيدَة، الْمَعْنى: هَل من خبر جَدِيد جَاءَ من بلادٍ بعيدَة. قَالَه ابْن الْأَثِير فِي «شرح الْمسند» . وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي «شرح الْمسند» : شُيُوخ «الْمُوَطَّأ» فتحُوا الْغَيْن وكسروا الرَّاء وشددوها (وأضافوها) . قَالَ: وَقد تفتح الرَّاء وَقد تسكَّن الْغَيْن. قَالَ: ويجوّز بَعضهم نصب الْخَبَر عَلَى الْمَفْعُول من مَعْنَى الْفِعْل فِي مغربة. قَالَ: وَهَذَا مثل يُقَال: هَل من مغربة خبر؟ أَي: هَل عنْدكُمْ خبر عَن حَادِثَة تستغرب؟ وَقيل: هَل من خبر جَدِيد جَاءَ من بلدٍ بعيد؟ يُقَال: غرب الرجل (إِذا بعد) وَغرب أَيْضا بِالتَّخْفِيفِ وَسَار مغرب، ومغرب أَيْضا أَي: بعيد.
الْأَثر الثَّالِث: «أَن أم مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة كَانَت مرتدة فاسترقها عليّ ﵁ (واستولدها) » .
стр. 5235
وَهَذَا ذكره الْوَاقِدِيّ فِي «كتاب الرِّدَّة» من حَدِيث خَالِد بن الْوَلِيد «أَنه قسم سهم بني حنيفَة خَمْسَة أَجزَاء؛ فقسم عَلَى النَّاس أَرْبَعَة، وعزل الْخمس حَتَّى قدم بِهِ عَلَى أبي بكر» ثمَّ ذكر من عدّة طرق أَن أم مُحَمَّد بن عَلّي الْمَعْرُوف بِابْن الْحَنَفِيَّة كَانَت من ذَلِك السَّبي. قَالَ الرَّافِعِيّ: وقاس الْأَصْحَاب الْمَرْأَة عَلَى الرجل وَرووا أَن الْحَنَفِيَّة كَانَت أمة لبَعْضهِم، فَلَمَّا قُتِلَ علَى الرِّدَّة كَانَت من الْفَيْء.
فَائِدَة: اسْم أم مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة: خَوْلَة بنت جَعْفَر بن قيس بن سَارِيَة بن مسلمة بن عبيد بن ثَعْلَبَة بن يَرْبُوع. كَذَا حَكَاهُ ابْن مَاكُولَا فِي «إكماله» فِي «بَاب سَارِيَة من حرف السِّين» عَن ابْن الْكَلْبِيّ.
قَالَ ابْن خلكان: (وَيُقَال) كَانَت من سبي الْيَمَامَة، وَصَارَت إِلَى عليّ. وَقيل: بل كَانَت سندية سَوْدَاء، وَكَانَت أمة لبني حنيفَة وَلم تكن مِنْهُم، وَإِنَّمَا صَالحهمْ خَالِد بن الْوَلِيد عَلَى الرَّقِيق وَلم يصالحهم عَلَى أنفسهم.
الْأَثر الرَّابِع: عَن أبي بكر ﵁ «أَنه قَالَ لقوم من أهل الرِّدَّة جَاءُوا تَائِبين: تدون قَتْلَانَا، وَلَا ندي قَتْلَاكُمْ. فَقَالَ عمر ﵁: لَا نَأْخُذ لقتلانا دِيَة» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ بِنَحْوِهِ الْبَيْهَقِيّ، وَقد سلف فِي الْبَاب قبله بِطُولِهِ.
стр. 5236
قَالَ الرَّافِعِيّ - نقلا عَن الْأَئِمَّة -: (قَول) عمر ذَهَابًا إِلَى أَنهم لَا يضمنُون. (قلت) : وَيجوز أَن يكون الْغَرَض استمالتهم، أَي: لَا نَأْخُذ شَيْئا، وَإِن وَجب.
стр. 5237
كتاب حد الزِّنَا
стр. 5238
كتاب حد الزِّنَا
ذكر فِيهِ أَحَادِيث وآثارًا، أما الْأَحَادِيث فَثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا.
الحَدِيث الأول
عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: «قلت يَا رَسُول الله ﷺ أَي الذَّنب أعظم عِنْد الله؟ قَالَ: أَن تجْعَل لله ندًّا وَهُوَ (خلقك) . قلت: ثمَّ أَي؟ قَالَ: أَن تقتل ولدك خشيَة أَن يَأْكُل مَعَك. قلت: ثمَّ أَي؟ قَالَ: أَن تَزني بحليلة جَارك. فَأنْزل الله تَعَالَى تصديقها: (وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون» ) .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَقد سلف بِطُولِهِ فِي أول «بَاب الْخراج» فَرَاجعه.
الحَدِيث الثَّانِي
قَالَ الرَّافِعِيّ: أجمع أهل الْملَل عَلَى تَحْرِيم الزِّنَا وَيتَعَلَّق بِهِ الْحَد، وَكَانَ الْوَاجِب فِي صدر الْإِسْلَام الْحَبْس والإيذاء عَلَى مَا قَالَ (تَعَالَى) : (واللاتي يَأْتِين الْفَاحِشَة من نِسَائِكُم (إِلَى قَوْله: (فآذوهما) . وَذهب عَامَّة الْأَصْحَاب إِلَى أَن الْحَبْس كَانَ فِي حق
стр. 5239
الثّيّب، والإيذاء (كَانَ) فِي حق الْبكر، وحملوا الْإِيذَاء عَلَى الثّيّب وَالتَّعْزِير بالْكلَام. وَعَن أبي الطّيب (بن) سَلمَة: أَن المُرَاد بالآيتين الْأَبْكَار، وَأَن الْحَبْس كَانَ فِي حق النِّسَاء، والإيذاء (بالْكلَام) فِي حق الرِّجَال، ثمَّ اسْتَقر الْأَمر عَلَى أَن الْبكر يجلد ويغرب، وَالثَّيِّب يرْجم، وَهل نسخ مَا كَانَ؟ قيل: لَا، بل بَان (بِمَا) اسْتَقر عَلَيْهِ الْأَمر آخرا السَّبِيل والإيذاء المطلقان فِي الِاثْنَيْنِ عَلَى مَا رُوِيَ عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «خُذُوا عني، خُذُوا عني، قد جعل الله لهنَّ سَبِيلا الْبكر بالبكر جلد مائَة وتغريب عَام، (و) الثّيّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة وَالرَّجم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» كَذَلِك سَوَاء.
الحَدِيث الثَّالِث
ثمَّ قَالَ الرَّافِعِيّ: وَقيل: نسخ مَا كَانَ، ثمَّ عَلَى قَول ابْن سَلمَة: الْحَبْس والإيذاء منسوخان بقوله - تعالي -: (الزَّانِيَة وَالزَّانِي
стр. 5240
فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة) وَأما عَلَى قَول الْجُمْهُور، فَمن جوَّز نسخ الْكتاب بِالسنةِ قَالَ: نسخت عُقُوبَة الْبكر (بِآيَة الْجلد) و (عُقُوبَة (الثّيّب) بالأخبار الْوَارِدَة فِي الرَّجْم - (أَي) وَسَيَأْتِي - وَمن منع ذَلِك قَالَ) : عُقُوبَة الثّيّب نسخت بِالْقُرْآنِ أَيْضا إِلَّا أَنه لم يبْق متلوًا (رُوِيَ) عَن عمر أَنه قَالَ فِي خطبَته: «إِن الله - تَعَالَى - بعث مُحَمَّدًا (نبيًّا، وَأنزل عَلَيْهِ كتابا وَكَانَ فِيمَا أنزل عَلَيْهِ آيَة الرَّجْم فتلوناها ووعيناها (الشيخُ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نكالاً من الله وَالله عَزِيز حَكِيم (. وَقد رجم النَّبِي ﷺ ورجمنا بعده، وَإِنِّي أخْشَى أَن يطول بِالنَّاسِ زمَان فَيَقُول قَائِل: لَا رجم فِي كتاب الله، الرَّجْم حق عَلَى كل من زنَى من رجل أَو امْرَأَة إِذا أحصنا، وَلَوْلَا أَنِّي أخْشَى أَن يَقُول النَّاس زَاد (عمر) فِي كتاب الله لأثبته عَلَى حَاشِيَة الْمُصحف» وَكَانَ ذَلِك بمشهد من الصَّحَابَة فَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد، وَحَكَى ابْن كج وَجها أَنه لَو قَرَأَ قَارِئ آيَة الرَّجْم فِي صلَاته لم تفْسد.
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من
стр. 5241
حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ «أَنه جلس عَلَى الْمِنْبَر، فَلَمَّا سكت الْمُؤَذّن قَامَ فَأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهله، ثمَّ قَالَ: أما بعد، فَإِنِّي قَائِل لكم مقَالَة قد قدر أَن أقولها، لَا أَدْرِي فلعلها بَين يَدي أَجلي، فَمن عقلهَا ووعاها (فليحدث) بهَا حَيْثُ انْتَهَت بِهِ رَاحِلَته، وَمن خشِي أَن لَا يَعْقِلهَا فَلَا أحل لأحدٍ أَن يكذب عليّ، إِن الله بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ وَأنزل عَلَيْهِ الْكتاب، فَكَانَ مِمَّا أنزل عَلَيْهِ آيَة الرَّجْم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، ورجم رَسُول الله ﷺ ورجمنا بعده، وأخشى إِن طَال بِالنَّاسِ زمَان أَن يَقُول قَائِل: وَالله مَا نجد آيَة الرَّجْم فِي كتاب الله، فيضلوا بترك فَرِيضَة أنزلهَا الله، وَالرَّجم فِي كتاب الله حق عَلَى من زنَى إِذا أحصن من الرِّجَال وَالنِّسَاء إِذا قَامَت الْبَيِّنَة، وَكَانَ الْحَبل أَو الِاعْتِرَاف» . وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: «وَلَوْلَا أَنِّي أكره أَن أَزِيد فِي كتاب الله لكتبته فِي الْمُصحف؛ فَإِنِّي قد خشيت أَن يَجِيء أَقوام فَلَا يجدونه فِي كتاب الله فيكفرون بِهِ» . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: «وَايْم الله، لَوْلَا أَن يَقُول النَّاس: زَاد فِي كتاب الله لكتبتها» . وَفِي رِوَايَة للبيهقي «أَن الْآيَة: (الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ) » . وَعَزاهَا إِلَى البُخَارِيّ وَمُسلم، وَمرَاده أصل الحَدِيث. وَفِي رِوَايَة لَهُ: «الشَّيْخ وَالشَّيْخَة) إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نكالاً من الله وَالله عَزِيز حَكِيم (. وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي «أكبر معاجمه» من
стр. 5242
حَدِيث أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف، عَن خَالَته العجماء، قَالَت: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ (بِمَا) قضيا من اللَّذَّة» . أخرجه من ثَلَاث طرق (كَذَلِك، وَفِي «مُسْند أَحْمد» و «صَحِيح الْحَاكِم» ) وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد و (فِي) «صَحِيح ابْن حبَان» من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة، عَن عَاصِم، عَن زر، عَن أُبيٍّ أَنه قَالَ: «كَانَت سُورَة الْأَحْزَاب توازي سُورَة الْبَقَرَة، وَكَانَ فِيهَا آيَة الرَّجْم (الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نكالاً من الله وَالله عَزِيز حَكِيم (. وَفِي هَذِه الرِّوَايَة تعْيين مَحل هَذِه الْآيَة من الْقُرْآن.
الحَدِيث الرَّابِع إِلَى التَّاسِع
ثمَّ قَالَ الرَّافِعِيّ: وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّا لَا ننسخ الْكتاب بِالسنةِ إِذا لم تتواتر، وَالرَّجم مِمَّا اشْتهر عَن رَسُول الله ﷺ فِي قصَّة مَاعِز والغامدية واليهوديين، وَعَلَى ذَلِك جَرَى الْخُلَفَاء بعده وَبلغ حد التَّوَاتُر، فَعَن أبي هُرَيْرَة، وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ ﵄ «أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ أَحدهمَا: يَا رَسُول الله، اقْضِ بَيْننَا بِكِتَاب الله ... »
стр. 5243
الحَدِيث الَّذِي تقدم فِي «اللّعان» ، وَفِي آخِره: «فَأمر أنيسًا الْأَسْلَمِيّ (أَن يَغْدُو) عَلَى امْرَأَة الآخر؛ فَإِن اعْترفت فارجمها، فَأَتَاهَا فَاعْترفت فرجمها» وَرُوِيَ: «أَن مَاعِز بن مَالك الْأَسْلَمِيّ اعْترف بِالزِّنَا عِنْد رَسُول الله ﷺ فرجمه» . وَعَن بُرَيْدَة «أَن امْرَأَة من غامد اعْترفت بِالزِّنَا، فَأمر رَسُول الله ﷺ (برجمها) » . وَعَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ مثل ذَلِك فِي امْرَأَة من جُهَيْنَة.
هَذَا آخر مَا ذكره الرَّافِعِيّ، وَهُوَ مُشْتَمل عَلَى خَمْسَة أَحَادِيث، أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَزيد بن خَالِد فَتقدم بيانهما مَبْسُوطا فِي اللّعان، وَأما حَدِيث الْيَهُودِيين فَسَيَأْتِي حَيْثُ ذكره المُصَنّف، وَأما حَدِيث مَاعِز فَأخْرجهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث بُرَيْدَة ﵁ قَالَ: «جَاءَ مَاعِز بن مَالك إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، طهرني. فَقَالَ: وَيحك، ارْجع واستغفر الله وَتب إِلَيْهِ. قَالَ: فَرجع غير بعيد، ثمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، طهرني. فَأَعَادَ القَوْل عَلَيْهِ، فَأَعَادَ هُوَ حَتَّى إِذا كَانَت الرَّابِعَة قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : مِم أطهرك؟ قَالَ: من الزِّنَا. فَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ : أبه جُنُون؟ فَأخْبر أَنه لَيْسَ بمجنون، فَقَالَ: أشربت خمرًا؟ فَقَامَ رجل فاستنكهه فَلم يجد مِنْهُ ريح خمر، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : أزنيت؟ قَالَ: نعم. فَأمر بِهِ فرجم، (وَكَانَ) النَّاس فِيهِ فرْقَتَيْن: (فَقَائِل) يَقُول: قد هلك، لقد أحاطت بِهِ خطيئته. (وَقَائِل) يَقُول: مَا تَوْبَة أفضل من تَوْبَة مَاعِز، إِنَّه جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَوضع يَده فِي يَده (فَقَالَ) : اقتلني بِالْحِجَارَةِ.
стр. 5244
(قَالَ) : فلبثوا بذلك يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَة، ثمَّ جَاءَ النَّبِي ﷺ وهم جُلُوس فَسلم ثمَّ جلس فَقَالَ: اسْتَغْفرُوا لماعز بن مَالك. فَقَالُوا: غفر الله لماعز بن مَالك. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لقد تَابَ تَوْبَة لَو قسمت بَين أمة لوسعتهم» . هَذَا لفظ مُسلم فِي إحدي روايتيه. وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» : «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، إِنَّه الْآن لفي أَنهَار الْجنَّة ينغمس فِيهَا» . وَرَوَى قصَّة مَاعِز الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَابْن عَبَّاس وَمُسلم من حَدِيث جَابر بن سَمُرَة، وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث جَابر: «أَن رَسُول الله ﷺ لما رجم مَاعِز بن مَالك قَالَ: لقد رَأَيْته يتخضخض فِي أَنهَار الْجنَّة» . وَرَوَاهُ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة «أَنه ﵇ أَمر بِهِ فطرد فِي الثَّلَاث مَرَّات الأول» .
فَائِدَة: مَاعِز هَذَا هُوَ ابْن مَالك، وَهُوَ أسلمي قَالَ ابْن عبد الْبر: هُوَ مَعْدُود فِي الْمَدَنِيين، كتب لَهُ النَّبِي ﷺ كتابا بِإِسْلَام قومه، رَوَى عَنهُ ابْنه عبد الله حَدِيثا وَاحِدًا. وَحَكَى الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم خلف بن عبد الْملك الْقُرْطُبِيّ، عَن أبي (عَلّي) بن السّكن، وَأبي الْوَلِيد
стр. 5245
بن الفرضي: أَن ماعزًا لقب لَهُ، وَأَن اسْمه غَرِيب بن مَالك.
وَأما حَدِيث الغامدية: فَأخْرجهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» عقب (حَدِيث) مَاعِز من رِوَايَة بُرَيْدَة قَالَ: «ثمَّ جَاءَت امْرَأَة من غامد من الأزد، فَقَالَت: يَا رَسُول الله، طهرني. قَالَ: وَيحك، ارجعي فاستغفري الله وتوبي إِلَيْهِ. فَقَالَت: أَرَاك تُرِيدُ أَن ترددني كَمَا رددت مَاعِز بن مَالك. قَالَ: وَمَا ذَاك؟ قَالَت: إِنَّهَا حُبلى من الزِّنَا، فَقَالَ: آنت؟ قَالَت: نعم. فَقَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنك. قَالَ: فكفلها رجل من الْأَنْصَار حَتَّى وضعت، قَالَ: (فَأتي) النَّبِي ﷺ حِين وضعت، (فَقَالَ) : وضعت الغامدية يَا رَسُول الله، قَالَ: إِذا لَا نرجمها وَنَدع وَلَدهَا صَغِيرا، لَيْسَ (لَهُ) من يرضعه. فَقَامَ رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ: إليَّ رضاعه يَا رَسُول الله. فرجمها» هَذَا لفظ إِحْدَى روايتي مُسلم، وَقد سلف فِي «بَاب السُّكْنَى للمعتدة» الِاخْتِلَاف فِي اسْمهَا. وَفِي «علل (ابْن) أبي حَاتِم» : سُئِلَ أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَذكره وَفِيه: أَنَّهَا قَالَت: «أقِم عليَّ الْحَد، فَقَالَ: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنك. فَلَمَّا وضعت جَاءَت فَقَالَت: قد (وضعت)
стр. 5246
قَالَ: فاذهبي فأرضعيه حَتَّى تفطميه. فَذَهَبت فأرضعته حَتَّى فَطَمته، ثمَّ جَاءَت فَقَالَ: قد فَطَمته. قَالَ: اذهبي فاكفليه. فَذَهَبت، ثمَّ جَاءَت هِيَ وَأُخْت لَهَا تماشيان، فَقَالَت: هَذِه أُخْتِي تكفله. فَجعل رَسُول الله ﷺ [يعجب] مِنْهَا، وَمن أُخْتهَا، ثمَّ أَمر بهَا أَن ترْجم، ثمَّ قَالَ: إِذا وضعتموها فِي حفرتها فليذهب رجل (مِنْكُم) من بَين يَديهَا كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يرميها حَتَّى إِذا (شغلها) فليذهب (بِرَجُل) مِنْكُم (من) خلفهَا بِحجر عَظِيم فليرم [بِهِ] رَأسهَا» . قَالَ ابْن أبي حَاتِم: قَالَ أبي: هَذَا حَدِيث مُنكر.
وَأما حَدِيث عمرَان: فَأخْرجهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» أَيْضا عَنهُ: «أَن امْرَأَة من جُهَيْنَة أَتَت النَّبِي ﷺ ، وَهِي حُبلى من الزِّنَا، فَقَالَت: يَا نَبِي الله، أصبت حدًّا فأقمه عليّ. قَالَ: فَدَعَا نَبِي الله ﷺ وَليهَا، فَقَالَ: أحسن إِلَيْهَا، فَإِذا وضعت فائتني بهَا. فَفعل، فَأمر بهَا النَّبِي ﷺ فشكت عَلَيْهَا ثِيَابهَا، ثمَّ أَمر بهَا فرجمت، ثمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عمر: تصلي عَلَيْهَا يَا نَبِي الله وَقد زنت؟ ! فَقَالَ (لي) : يَا عمر، لقد تابت تَوْبَة لَو قسمت بَين سبعين من أهل الْمَدِينَة لوسعتهم، وَهل وجدت تَوْبَة أفضل من أَن
стр. 5247
جَادَتْ بِنَفسِهَا إِلَى الله ؟» . وَفِي النَّسَائِيّ: «حضر رَسُول الله ﷺ رَجمهَا ورماها بِحجر قدر الحمصة، وَهُوَ رَاكب عَلَى بغلته، ثمَّ قَالَ للنَّاس: ارموا، وَإِيَّاكُم وَجههَا» . وَفِي الطَّبَرَانِيّ: «لقد تابت تَوْبَة لَو قَامَ بهَا أهل الْمَدِينَة لقبل مِنْهُم» .
الحَدِيث التَّاسِع (إِلَى الثَّالِث عشر)
قَالَ الرَّافِعِيّ: حد المحصنين الرَّجْم، رجلا كَانَ أَو امْرَأَة، وَلَا يجلد مَعَ الرَّجْم، خلافًا لِأَحْمَد حَيْثُ قَالَ: يجلد ثمَّ يرْجم. وَبِه قَالَ ابْن الْمُنْذر لما سبق من حَدِيث عبَادَة وَيروَى: «أَن عليًّا - كرم الله وَجهه - جلد شراحة الهمدانية ثمَّ رَجمهَا، (وَقَالَ) : جلدتها بِكِتَاب الله، ورجمتها بسُنة رَسُول الله ﷺ » . وَوجه ظَاهر الْمَذْهَب مَا رُوِيَ عَن جَابر: «أَن النَّبِي ﷺ رجم ماعزًا وَلم يجلده، ورجم الغامدية وَلم يرد أَنه جلدهَا» . قَالَ الْأَصْحَاب: وَحَدِيث عبَادَة فِي الْجلد مَنْسُوخ بِفعل رَسُول الله ﷺ ، وَمَا نقل عَن عَليّ فَعَن عمر خِلَافه.
هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ، وَهُوَ (يشْتَمل) عَلَى أَرْبَعَة أَحَادِيث: (أَحدهَا) حَدِيث عبَادَة (بن الصَّامِت) : وَقد سلف قَرِيبا.
ثَانِيهَا: حَدِيث عليّ: رَوَاهُ كَذَلِك أَحْمد فِي «مُسْنده» ، وَالنَّسَائِيّ
стр. 5248
فِي «سنَنه» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» قَالَ: وَإِسْنَاده صَحِيح وَلم يخرجَاهُ، قَالَ: وَكَانَ الشّعبِيّ يذكر أَنه شهد رجم شراحة، وَيَقُول: إِنَّه لَا يحفظ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ غير ذَلِك. وَعَزاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «جَامع الْأَسَانِيد» والمزي فِي «أَطْرَافه» إِلَى البُخَارِيّ أَيْضا. وَلما ذكره الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين الْمَقْدِسِي فِي «أَحْكَامه» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور قَالَ: هَكَذَا ذكره (أَبُو) مَسْعُود فِي) «الْأَطْرَاف» ، والْحميدِي فِي «جمعه بَين الصَّحِيحَيْنِ» وَقَالا: رَوَاهُ البُخَارِيّ، قَالَ: وَلم أره فِي البُخَارِيّ إِلَّا عَن الشّعبِيّ، عَن عَلّي حِين رجم الْمَرْأَة يَوْم الْجُمُعَة قَالَ: «رجمتها بِسنة رَسُول الله ﷺ » . قَالَ: وَيحْتَمل أَن (يكون) فِي بعض النّسخ كَمَا ذكرا.
فَائِدَة: «شراحة» هَذِه بالشين الْمُعْجَمَة والحاء الْمُهْملَة؛ فاعلمه فَإِنَّهُ يلتبس ب «شراجة» بِالْجِيم، وَهُوَ زيد بن شراجة شيخ لعوف الْأَعرَابِي، وَإِن كَانَ حُكيَ فِي هَذَا أَيْضا بِالْحَاء الْمُهْملَة لَكِن الإعجام أصح كَمَا قَالَه يَحْيَى بن معِين. وتَنْبِيه لأمر آخر وَرَاء هَذَا كُله، وَهُوَ أَن شراحة بِالْحَاء أَو بِالْجِيم بِضَم (أَوله) إِذْ لَا يفتح كَمَا يجْرِي عَلَى الْأَلْسِنَة، كَذَا ضَبطه
стр. 5249
ابْن نقطة بِخَطِّهِ فِي كتاب «الْإِكْمَال» فِي موضِعين؛ فاعلمه.
ثَالِثهَا: حَدِيث جَابر - وَهُوَ ابْن سَمُرَة - رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» ، عَنهُ: «أَن رَسُول الله ﷺ رجم مَاعِز بن مَالك» . وَلم يذكر (جلدا) هَذَا لَفظه. وَكَذَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» .
رَابِعهَا: حَدِيث رجم الغامدية دون جلدهَا: وَهُوَ مَشْهُور فِي طرقه، قَالَ الشَّافِعِي: قَوْله ﵇: «خُذُوا عني قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا» ، أول مَا انْزِلْ فنسخ بِهِ الْحَبْس والأذى عَن (الزَّانِيَيْنِ) فَلَمَّا رجم ﵇ ماعزًا (وَلم يجلده) وَأمر أنيسًا أَن (يغدوا) عَلَى امْرَأَة الآخر «فَإِن اعْترفت (فارجمها) » . دلّ عَلَى نسخ الْجلد عَن الزَّانِيَيْنِ الحرين الثيبين. (قُلْنَا) وَقَول الرَّافِعِيّ: وَمَا نقل عَن عليّ فَعَن عمر خِلَافه هُوَ حَدِيث عمر السالف، فَإِنَّهُ لم يذكر فِيهِ إِلَّا الرَّجْم.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
حَدِيث هِنْد فِي الْبيعَة: «أوتزني الْحرَّة؟ !» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو يعْلى الْموصِلِي فِي «مُسْنده» ، عَن نصر بن عَلّي (حَدَّثتنِي غِبْطَة) أم عَمْرو - عَجُوز من بني مجاشع -
стр. 5250
(قَالَت) حَدَّثتنِي عَمَّتي، عَن جدتي، عَن عَائِشَة قَالَت: «جَاءَت هِنْد بنت عتبَة إِلَى رَسُول الله ﷺ لتبايعه، فَنظر إِلَى (يَديهَا) فَقَالَ لَهَا: اذهبي فغيري يَديك. قَالَت: فَذَهَبت فغيرتها بحناء، ثمَّ جَاءَت إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: أُبَايِعك عَلَى أَلا تشركي بِاللَّه شَيْئا، وَلَا تسرقي، وَلَا تَزني. قَالَت: أوتزني الْحرَّة؟ ! قَالَ: وَلَا (تقتلي أولادك) خشيَة إملاق. قَالَت: وَهل تركت لنا أَوْلَادًا (فنقتلهم) ؟ ! قَالَت: فَبَايَعته ثمَّ قَالَت لَهُ - وَعَلَيْهَا (سواران) من ذهب -: مَا تَقول فِي هذَيْن السوارين؟ قَالَ: (جمرتين) من جمر جَهَنَّم» . وَقد وَقع لنا هَذَا الحَدِيث بعلو أنبأنيه المزيّ وَغَيره، أبنا أَحْمد بن هبة الله، أبنا (عبد الْمعز) بن مُحَمَّد الْهَرَوِيّ، أَنا تَمِيم بن أبي سعيد الْجِرْجَانِيّ، أَنا أَبُو سعيد الكنجروذي، أَنا أَبُو عَمْرو بن حمدَان، أبنا أَبُو يعْلى ... فَذكره، وَفِي إِسْنَاده نسْوَة (و) لَا يعرفن. وَرَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (كِتَابه) «معرفَة الصَّحَابَة» من
стр. 5251
حَدِيث (كرْدُوس بن مُحَمَّد بن خلف) ، ثَنَا يَعْقُوب بن مُحَمَّد الزُّهْرِيّ، ثَنَا عبد الله بن مُحَمَّد، (عَن) هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، قَالَ: «قَالَت هِنْد لأبي سُفْيَان: إِنِّي أُرِيد أَن أبايع (مُحَمَّدًا) ، قَالَ: قد رَأَيْتُك (تَكْفِي) من هَذَا الحَدِيث أمس. فَقَالَت: إِنِّي وَالله (مَا رَأَيْت) الله عبد حق عِبَادَته فِي هَذَا الْمَسْجِد قبل اللَّيْلَة، وَالله إنْ باتوا إِلَّا مصلين قيَاما وركوعًا وسجودًا. قَالَ: فَإنَّك قد فعلت (فاذهبي) بِرَجُل من قَوْمك مَعَك، قَالَ: (فَذَهَبت) إِلَى عُثْمَان فَذهب مَعهَا، فَدخلت وَهِي (منتقبة) فَقَالَ: تبايعي عَلَى أَن أَلا تشركي بِاللَّه شَيْئا، وَلَا تسرقي، وَلَا تَزني. فَقلت: أَو (هَل) تَزني الْحرَّة؟ ! قَالَ: وَلَا تقتلي (ولدك) فَقَالَت: إِنَّا رَبَّيْنَاهُمْ صغَارًا و (قَتلتهمْ) كبارًا. قَالَ: قَتلهمْ الله يَا هِنْد. فَلَمَّا فرغ من الْآيَة بايعته قَالَت: يَا رَسُول الله، إِنِّي بَايَعْتُك عَلَى أَن لَا أسرق وَلَا أزني، وإنَّ أَبَا سُفْيَان رجل بخيل وَلَا يعطيني مَا يَكْفِينِي إِلَّا مَا أخذت مِنْهُ من غير علمه. قَالَ: مَا تَقول يَا أَبَا سُفْيَان؟ فَقَالَ (أَبُو)
стр. 5252
سُفْيَان: أما يَابسا فَلَا، وَأما رطبا فأحله. قَالَ: فحدثتني عَائِشَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهَا: خذي مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ» قَالَ أَبُو نعيم: لَا نعلم أحدا سَاقه هَذَا السِّيَاق إِلَّا عبد الله. وَاقْتصر سُفْيَان عَلَى قَوْله: «إِن أَبَا سُفْيَان رجل شحيح» قلت: وَيَعْقُوب هَذَا ضعفه أَبُو زرْعَة. وَقَالَ أَحْمد: لَيْسَ بِشَيْء.
وَعبد الله بن مُحَمَّد بن (عُرْوَة) الظَّاهِر أَنه عبد الله بن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن عُرْوَة وَهُوَ واهٍ. قَالَ ابْن حبَّان: يروي الموضوعات عَن الثِّقَات. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث. وسَاق ابْن عدي لَهُ أَحَادِيث فَقَالَ: عامتها مِمَّا لَا يُتَابع عَلَيْهِ الثِّقَات. وَفِي «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» فِي تَرْجَمَة فَاطِمَة بنت عتبَة أُخْت هِنْد بِإِسْنَادِهِ إِلَى فَاطِمَة بنت عتبَة «أَن أَبَا حُذَيْفَة ذهب بهَا وبأختها هِنْد تبايعان رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا اشْترط عَلَيْهِنَّ قَالَت هِنْد: أوتعلم فِي نسَاء قَوْمك من هَذِه الهنات والعاهات (شَيْئا) . فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَة لَهَا: الْآن فبايعيه، فَإِنَّهُ هَكَذَا يشْتَرط» وَفِيه فِي سُورَة الامتحان بِإِسْنَادِهِ إِلَى فَاطِمَة فَذكره، وَزَاد: « (فَقَالَت) هِنْد: لَا أُبَايِعك عَلَى السّرقَة، إِنِّي أسرق من زَوجي. فَكف رَسُول الله ﷺ يَده وكفت يَدهَا، حَتَّى أرسل إِلَى أبي سُفْيَان يتَحَلَّل لَهَا مِنْهُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: أما الرطب فَنعم وَأما الْيَابِس فَلَا، وَلَا نعْمَة. قَالَت: فَبَايَعْنَاهُ ... » الحَدِيث ثمَّ قَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد. وَرَوَاهُ الْحَازِمِي فِي
стр. 5253
«ناسخه ومنسوخه» من حَدِيث حُصَيْن، عَن عَامر الشّعبِيّ، وَفِيه: «فَلَمَّا قَالَ رَسُول الله ﷺ : (وَلَا يَزْنِين) . قَالَت: أوتزني الْحرَّة؟ ! لقد كُنَّا نستحي من ذَلِك فِي الْجَاهِلِيَّة فَكيف فِي الْإِسْلَام» . ثمَّ قَالَ الْحَازِمِي: هَذَا مُنْقَطع. قلت: وَذكره السُّهيْلي أَيْضا قَالَ: «كَانَ من حَدِيث هِنْد يَوْم الْفَتْح أَنَّهَا بَايَعت النَّبِي ﷺ ، وَهُوَ عَلَى الصَّفا وَعمر دونه بِأَعْلَى الْعقبَة، فَجَاءَت فِي نسْوَة من قُرَيْش يبايعن عَلَى الْإِسْلَام وَعمر يكلمهن عَن رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا أَخذ عَلَيْهِنَّ أَن لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّه شَيْئا، قَالَت هِنْد: قد علمنَا أَنه لَو كَانَ مَعَ الله غَيره لأغنى عَنَّا. فَلَمَّا قَالَ: (وَلَا يَسْرِقن) . قَالَت: وَهل تسرق الْحرَّة؟ ! وَلَكِن يَا رَسُول الله أَبُو سُفْيَان رجل مِسِّيك (و) رُبمَا أخذت من مَاله بِغَيْر علمه مَا يصلح وَلَدي. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : خذي مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ. ثمَّ قَالَ: لِأَنَّك لأَنْت هِنْد؟ قَالَت: نعم يَا رَسُول الله، اعْفُ عني عَفا اللهُ عَنْك. وَكَانَ أَبُو سُفْيَان حَاضرا، فَقَالَ: أَنْت فِي حل مِمَّا أخذت. فَلَمَّا قَالَ: (وَلَا يَزْنِين) قَالَت: وَهل تَزني الْحرَّة يَا رَسُول الله؟ ! فَلَمَّا قَالَ: (وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف) قَالَت: بِأبي أَنْت وَأمي مَا أكرمك وَأحسن مَا دَعَوْت إِلَيْهِ. فَلَمَّا سَمِعت: (وَلَا يقتلن أَوْلَادهنَّ) قَالَت: وَالله قد رَبَّيْنَاهُمْ صغَارًا حَتَّى قَتلتهمْ أَنْت وَأَصْحَابك ببدر كبارًا. قَالَ: فَضَحِك عمر من قَوْلهَا حَتَّى مَال» .
стр. 5254
الحَدِيث الرَّابِع
أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا تُسَافِر الْمَرْأَة إِلَّا وَمَعَهَا زَوجهَا أَو محرم لَهَا» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁: «أَن النَّبِي ﷺ نهَى أَن تُسَافِر الْمَرْأَة مسيرَة يَوْمَيْنِ أَو لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَمَعَهَا زَوجهَا أَو ذُو محرم» . وَذكر الْمحرم ثَابت فيهمَا، من حَدِيث ابْن عَبَّاس: «لَا تُسَافِر الْمَرْأَة إِلَّا مَعَ ذِي محرم» . وَمن حَدِيث ابْن عمر: «لَا تُسَافِر الْمَرْأَة إِلَّا وَمَعَهَا ذُو محرم» . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «فَوق ثَلَاث» . وَفِي أُخْرَى: «ثَلَاثَة إِلَّا وَمَعَهَا ذُو محرم» وَفِي أُخْرَى لَهُ: «لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر تُسَافِر مسيرَة ثَلَاثًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو محرم» . وَفِي أُخْرَى لَهُ: «لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تُسَافِر سفرا يكون ثَلَاثَة أَيَّام فَصَاعِدا إِلَّا وَمَعَهَا أَبوهَا أَو ابْنهَا أَو زَوجهَا أَو أَخُوهَا أَو ذُو محرم مِنْهَا» . وَفِي أُخْرَى لَهُ: «لَا تُسَافِر الْمَرْأَة يَوْمَيْنِ من الدَّهْر إِلَّا وَمَعَهَا ذُو محرم مِنْهَا أَو زَوجهَا» .
стр. 5255
وثابت فيهمَا أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁: «لَا يحل لامْرَأَة تُسَافِر مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة إِلَّا مَعَ ذِي محرم عَلَيْهَا» . وَفِي رِوَايَة لمُسلم أُخْرَى: «لَيْلَة» وَأغْرب الْحَاكِم فاستدركها عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّهَا عَلَى شَرطه. وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «لَا تُسَافِر امْرَأَة مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا مَعَ ذِي محرم» . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَابْن حبَان: «بريدًا» وَفِي الطَّبَرَانِيّ «الْكَبِير» ، من حَدِيث أبي مَالك الْجَنبي، عَن جُوَيْبِر، عَن الضَّحَّاك، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: «لَا تُسَافِر الْمَرْأَة ثَلَاثَة أَمْيَال إِلَّا مَعَ زوج أَو (مَعَ ذِي) محرم» . فَقيل لِابْنِ عَبَّاس: النَّاس يَقُولُونَ: ثَلَاثَة أَيَّام. قَالَ: إِنَّمَا هُوَ وهم. قلت: وَهَذَا سَنَد واهٍ، وَاخْتِلَاف هَذِه الْأَلْفَاظ لاخْتِلَاف السَّائِلين والمواطن، وَلَيْسَ فِي النَّهْي عَن الثَّلَاثَة تَصْرِيح بِإِبَاحَة الْيَوْم أَو اللَّيْلَة أَو الْبَرِيد، وَالْحَاصِل أَن كل مَا يُسمى سفرا ينْهَى عَنهُ بِغَيْر زوج أَو محرم.
الحَدِيث الْخَامِس عشر
«أَن رَسُول الله ﷺ رجم يهوديين زَنَيَا وَكَانَا قد أحصنا» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من
следующие страницы →