Полный текст (6 131 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.
стр. 5286
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» كَذَلِك، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: «فليحدها وَلَا يعيِّرها ثَلَاث (مرار) فَإِن عَادَتْ فِي الرَّابِعَة فليجلدها وليبعها بضفير أَو بِحَبل من شعر» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «قَالَ فِي كل مرّة فليضربها، كتاب الله، وَلَا تَثْرِيب عَلَيْهَا. وَقَالَ فِي الرَّابِعَة: فَإِن عَادَتْ فليضربها، كتاب الله، ثمَّ ليبعها وَلَو بِحَبل من شعر» . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم، من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَزيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ قَالَ: «سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْأمة إِذا زنت، وَلم تحصن. قَالَ: إِن زنت فاجلدوها، وَإِن زنت فاجلدوها، ثمَّ إِن زنت فاجلدوها، ثمَّ [بيعوها] وَلَو بضفير (قَالَ [ابْن شهَاب] : لَا أَدْرِي أبعد الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة. قَالَ [ابْن شهَاب] : والضفير) الْحَبل» .
فَائِدَة: «التثريب» : بالثاء الْمُثَلَّثَة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: (لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم) ، أَي: لَا توبيخ، وَلَا لوم. قَالَ الْخطابِيّ: وَمَعْنى لَا يثرب: لَا يقْتَصر عَلَى التثريب. وَحَكَى الرَّافِعِيّ قَوْلَيْنِ فِيهِ، أَحدهمَا:
стр. 5287
أَنه لَا يوبخها وَلَا يعيرها وَهَذَا مَا رَجحه غَيره. ثَانِيهمَا: لَا يُبَالغ فِي جلدهَا حَتَّى يدميها. وَهَذَا مَأْخُوذ من الثريب - بالثاء الْمُثَلَّثَة - وَهُوَ يتحتم يَعْنِي (الْإِيذَاء) أَي لَا تبالغ فِي الضَّرْب (بِحَيْثُ) يَنْتَهِي (إِلَى التثريب) قَالَ الرَّافِعِيّ: وَلم يتَعَرَّض ﵊ فِي حَقّهَا للتغريب بل قَالَ: فليجلدها الْحَد» وَلم يتَعَرَّض) لغيره، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ
«أنَّه ﷺ أَمر بالغامدية فرجمت، وصلَّى عَلَيْهَا، ودفنت» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» ، من حَدِيث بُرَيْدَة ﵁ وَهَذَا لَفظه: «ثمَّ أَمر بهَا فَصَلى عَلَيْهَا، ودفنت» .
فَائِدَة: قَوْله: «فَصَلى عَلَيْهَا» (قَالَ القَاضِي عِيَاض) : هُوَ بِفَتْح الصَّاد وَاللَّام عِنْد جَمَاهِير رُوَاة مُسلم. قَالَ: وَعند الطَّبَرَانِيّ بِالضَّمِّ، قَالَ: وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة ابْن أبي شيبَة، وَأبي دَاوُد. قَالَ: وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: «فَأَمرهمْ أَن يصلوا عَلَيْهَا» قَالَ الرَّافِعِيّ: وَأمر النَّبِي ﷺ أَصْحَابه أَن يصلوا عَلَى الجهنيَّة.
стр. 5288
قلت: الَّذِي جَاءَ فِي قصَّتهَا «أَنه ﷺ َ صَلَّى (عَلَيْهَا) أَيْضا صَرِيحًا لَا يحْتَمل التَّأْوِيل، وَهَذَا لفظ مُسلم من حَدِيث عمرَان بن الْحصين ﵁: «ثمَّ أَمر بهَا فرجمت ثمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، قَالَ عمر: أَتُصَلِّي عَلَيْهَا وَقد زنت؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لقد تابت تَوْبَة لَو قسمت بَين سبعين من أهل الْمَدِينَة لوسعتهم» . وَلَو ذكر الرَّافِعِيّ هَذَا عَلَى الْعَكْس لَكَانَ (الْعَكْس) أصوب لما تقدم من الِاخْتِلَاف فِي الأول. هَذَا آخر مَا ذكره الرَّافِعِيّ من الْأَحَادِيث فِي الْبَاب، وَذكر الرَّافِعِيّ بعد الحَدِيث الثَّالِث عشر أَن الْخَبَر ورد بِنَفْي المخنثين، قَالَ: وَهُوَ تَعْزِير. وَهُوَ كَمَا قَالَ ( ... بِكَسْر النُّون عَلَى الْأَفْصَح وَيجوز فتحهَا) وَهَذَا الْخَبَر أخرجه البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» ، من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: «لعن رَسُول الله ﷺ المتشبهين من الرِّجَال بِالنسَاء، والمتشبهات (من النِّسَاء بِالرِّجَالِ) » . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «لعن النَّبِي ﷺ المخنثين من الرِّجَال، (والمترجلات) من النِّسَاء، وَقَالَ: (أخرجوهن) من بُيُوتكُمْ. (قَالَ) : فَأخْرج النَّبِي ﷺ فلَانا، وَأخرج (عمر) (فُلَانَة) » . وَفِي
стр. 5289
رِوَايَة (لَهُ) : « (أخرجوهنَّ) من بُيُوتكُمْ. وَأخرج فلَانا، وَأخرج (فلَانا) » وَأخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث أم سَلمَة: «لَا يدخلن هَؤُلَاءِ عَلَيْكُم» وَمن حَدِيث عَائِشَة: «لَا يدخلن عليكن. قَالَت: فحجبوه» . وَفِي البُخَارِيّ أَن اسْمه «هيت» وَأخرجه أَبُو دَاوُد، من حَدِيث أبي يسَار الْقرشِي، عَن أبي هَاشم، عَن أبي هُرَيْرَة «أَن رَسُول الله ﷺ أُتي بمخنثٍ قد خضب يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : مَا بَال هَذَا؟ فَقيل: يَا رَسُول الله، يتشبه بِالنسَاء. فَأمر بِهِ فنفي إِلَى النقيع. قَالُوا: يَا رَسُول الله، أَلا نَقْتُلهُ. قَالَ: إِنِّي نهيت عَن قتل الْمُصَلِّين» . قَالَ أَبُو أُسَامَة: و «النقيع» بالنُّون: نَاحيَة عَن الْمَدِينَة، وَلَيْسَ بِالبَقِيعِ.
قلت: وَأَبُو يسَار هَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم: مَجْهُول. وَاعْتَرضهُ صَاحب «الْمِيزَان» فَقَالَ: رَوَى عَنهُ الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث، وَهَذَا شيخ لَيْسَ بضعيف، وَقد أخرجه أَبُو دَاوُد من طَرِيق مفضَّل بن يُونُس، عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَنهُ، والمفضَّل هَذَا كُوفِي مَاتَ شابًّا، تفرد بِهَذَا، وَقد وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم. قلت: لَكِن أَبُو هَاشم الرَّاوِي عَن أبي هُرَيْرَة نكرَة لَا يعرف كَمَا نصَّ عَلَيْهِ هُوَ. وَقيل: إِنَّه ابْن عمّ أبي هُرَيْرَة وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» ، (من
стр. 5290
حَدِيث) ابْن إِسْحَاق، عَن يزِيد، عَن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن بن عَيَّاش بن أبي ربيعَة قَالَ: «كَانَ المخنثون عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة: ماتع، وَهدم، وهيت، وَكَانَ ماتع لفاختة بنت عَمْرو بن عَائِذ خَالَة رَسُول الله ﷺ ، فَمَنعه ﵇ من الدُّخُول عَلَى نِسَائِهِ وَلَا الْمَدِينَة، ثمَّ اسْتثْنى لَهُ يَوْمًا فِي الْجُمُعَة يسْأَل ثمَّ يذهب، فَلم يزل كَذَلِك عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ و (أبي) بكر، وَعَلَى عهد عمر، وَنفي رَسُول الله ﷺ صَاحبه هدم، وَالْآخر هيت» . وفيهَا أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن يَحْيَى بن أبي كثير، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: أخرجُوا المخنثين من بُيُوتكُمْ فَأخْرج رَسُول الله ﷺ مخنثًا، وَأخرج عمر مخنثًا» . قَالَ: وأبنا معمر، عَن أَيُّوب، عَن عِكْرِمَة قَالَ: «أَمر رَسُول الله ﷺ بِرَجُل من المخنثين فَأخْرج من الْمَدِينَة، وَأمر أَبُو بكر بِرَجُل مِنْهُم فَأخْرج أَيْضا» .
فَائِدَة: الْأَشْهر كَمَا قَالَ القَاضِي أَن اسْم المخنث السالف هيت بِالتَّاءِ فِي آخِره وَقبلهَا مثناة تَحت، وَقيل: صَوَابه بنُون ثمَّ بَاء مُوَحدَة. قَالَه ابْن درسْتوَيْه، وَقَالَ: إِن مَا سواهُ تَصْحِيف. قَالَ: والهنب: الأحمق. وَقيل: ماتع بِالْمُثَنَّاةِ فَوق، وَجَاء فِي حَدِيث أَنه غربه مَعَ هيت إِلَى الْحمى، ذكره الْوَاقِدِيّ، وَذكره أَبُو مَنْصُور الرَّمَادِي بِنَحْوِ هَذِه الْحِكَايَة عَن مخنث كَانَ بِالْمَدِينَةِ يُقَال لَهُ: أنّه، وَذكر أنَّه ﷺ نَفَاهُ إِلَى حَمْرَاء
стр. 5291
الْأسد، وَحَكَى الْمُنْذِرِيّ عَن بَعضهم أَن هيتًا وماتعًا وأنّه أَسمَاء لثَلَاثَة من المخنثين كَانُوا عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ ، وَلم يَكُونُوا يرْمونَ بالفاحشة الْكُبْرَى، وَإِنَّمَا (كَانَ) بهم لين فِي القَوْل، وخضاب فِي الْأَيْدِي والأرجل. قلت: وَفِي الطَّبَرَانِيّ أَيْضا أَنه نَفَى الخنِّثية، رَوَاهُ من حَدِيث عَنْبَسَة بن سعيد - وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ، ضعفه ابْن معِين، وَأَبُو حَاتِم، وَوَثَّقَهُ أَبُو دَاوُد - عَن حَمَّاد مولَى بني أُميَّة - وَقد تَركه الْأَزْدِيّ - عَن جنَاح مولَى الْوَلِيد، عَن وَاثِلَة قَالَ: «لعن رَسُول الله ﷺ المخنثين من الرِّجَال، والمترجلات من النِّسَاء، وَقَالَ: أخروجهم من بُيُوتكُمْ. فَأخْرج النَّبِي ﷺ الخنثية، وَأخرج (عمر) فلَانا» .
وَذكر فِيهِ من الْآثَار عشرَة آثَار:
أَحدهَا: سُئِلَ عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة عَن الْأمة هَل تحصن الْحر؟ قَالَ: نعم، قيل: عَمَّن؟ قَالَ: أدركنا أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يَقُولُونَ ذَلِك» .
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيقين: أَحدهمَا: من طَرِيق عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة قَالَ: «سَأَلَ عبد الْملك بن مَرْوَان عبد الله بن عتبَة عَن الْأمة هَل تحصن الْحر؟ قَالَ: نعم. قَالَ: (عمَّن) تروي هَذَا؟ قَالَ: أدركنا أَصْحَاب
стр. 5292
النَّبِي ﷺ يَقُولُونَ ذَلِك» .
الثَّانِي: من طَرِيق ابْن وهب، عَن يُونُس، عَن ابْن شهَاب «أَنه سمع عبد الْملك يسْأَل عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة ... » فَذكره (مثل) الأول سَوَاء. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: بَلغنِي عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى أَنه قَالَ: وجدت الْأَوْزَاعِيّ قد تَابع يُونُس فهما إِذا أولَى.
الْأَثر الثَّانِي: «أَن أمة لِابْنِ عمر زنت فجلدها وغربها إِلَى فدك» .
وَهَذَا الْأَثر ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» فَقَالَ: رَوَى ابْن الْمُنْذر صَاحب «الخلافيات» عَن (عبد الله) بن عمر «أَنه حد مَمْلُوكَة لَهُ فِي الزِّنَا ونفاها إِلَى فدك» .
فَائِدَة: فَدَك بِفَتْح الْفَاء وَالدَّال الْمُهْملَة، قَرْيَة بِنَاحِيَة الْحجاز قَالَه المطرزي فِي «الْمغرب» قَالَ الْبكْرِيّ فِي «مُعْجَمه» : وَبَينهَا وَبَين الْمَدِينَة يَوْمَانِ. وَأطَال فِي تَعْرِيفهَا بِمَا هُوَ لَائِق بمحله، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «تهذيبه» : هِيَ مَدِينَة بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة مرحلتان، وَقيل: ثَلَاث.
الْأَثر الثَّالِث: «أَن عمر رضى الله عَنهُ غرب إِلَى الشَّام» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِنَحْوِهِ، وَهَذَا لَفظه: «وَكَانَ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه
стр. 5293
يَنْفِي من الْمَدِينَة إِلَى الْبَصْرَة» وأصل تغريبه ثَابت فِي «جَامع التِّرْمِذِيّ» ، و «سنَن النَّسَائِيّ» و «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» من رِوَايَة ابْن عمر ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ ضرب وَغرب، وَأَن أَبَا بكر ضرب وَغرب، وَأَن عمر ﵁ ضرب وَغرب» هَذَا لفظ إِحْدَى روايتي التِّرْمِذِيّ، وَلم يذكر الْحَاكِم أَبَا بكر، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. قَالَ ابْن الْقطَّان: إِسْنَاده مَا فِيهِ من يسْأَل عَنهُ لثقتهم وشهرتهم، وَعِنْدِي أَنه صَحِيح. قَالَ ذَلِك بعد قَول الدَّارَقُطْنِيّ: الصَّوَاب عَن ابْن عمر فِي هَذَا الحَدِيث أَن أَبَا بكر وَلَيْسَ فِيهِ ذكر النَّبِي ﷺ .
الْأَثر الرَّابِع: «أَن عُثْمَان ﵁ غرب إِلَى مصر» .
وَهَذَا غَرِيب لَا يحضرني من خرجه عَنهُ.
الْأَثر الْخَامِس: أَن عليًّا ﵁ قَالَ: «يرْجم اللوطي» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن فعل عَلّي ﵁ من طرق «أَنه رجم لوطيًّا» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «أَنه كَانَ مُحصنا» . قَالَ ابْن الطلاع: وَيروَى «أَنه هدم عَلَيْهِمَا حَائِطا» .
الْأَثر السَّادِس: «أَن رجلا قَالَ: إِنِّي زَنَيْت البارحة فَسئلَ، فَقَالَ: مَا علمنَا أَن الله حرمه. فَكتب بذلك إِلَى عمر ﵁ فَكتب عمر: إِن كَانَ علم أَن الله حرمه فحدوه، فَإِن لم يعلم فأعلموه، فَإِن عَاد فارجموه» .
стр. 5294
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ عبد الْوَهَّاب بن عبد الرَّحِيم [الجوبري] فِي «فَوَائده» عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ: سمع عَمْرو - يَعْنِي ابْن دِينَار - سعيد بن الْمسيب يَقُول: «ذكر الزِّنَا بِالشَّام فَقَالَ رجل: قد زَنَيْت البارحة. فَقَالُوا: مَا تَقول؟ فَقَالَ: أَو حرمه الله! مَا علمت أنَّ اللَّه حرَّمَه. فَكتب إِلَى عمر (فَكتب) : إِن كَانَ علم أَن الله حرمه فحدوه، وَإِن لم يكن علم فعلِّموه، فَإِن عَاد فحدوه» وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح إِلَيْهِ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِنَحْوِهِ من رِوَايَة بكر بن عبد الله عَن عمر بن الْخطاب ﵁ «أَنه كتب إِلَيْهِ فِي رجل قيل لَهُ: مَتى عَهْدك بِالنسَاء؟ فَقَالَ: البارحة. قيل: بِمن؟ قَالَ: أم مثواي. فَقيل لَهُ: قد هَلَكت. قَالَ: مَا علمت (أَن الله) حرم الزِّنَا. (فَكتب عمر ﵁ أَن يسُتحلف مَا علم أَن الله حرم الزِّنَا) ثمَّ يُخلى سَبيله» . (و) قَوْله: أم مثواي يَعْنِي ربة الْمنزل.
الْأَثر السَّابِع: «أَن عمر ﵁ قطع عبدا لَهُ سرق» .
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور، ثَنَا هشيم، أبنا ابْن (أبي لَيْلَى) عَن نَافِع «أَن غُلَاما لِابْنِ عمر أبق فَسرق
стр. 5295
فِي إباقه فَأتي بِهِ ابْن عمر، فَقَالَ لَهُ ابْن عمر: (لن ينجيك) إباقك من حد من حُدُود الله. قَالَ: فَقَطعه» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن الشَّافِعِي، عَن مَالك، عَن نَافِع «أَن عبدا لِابْنِ عمر سرق وَهُوَ آبق، فَأرْسل بِهِ عبد الله إِلَى سعيد بن الْعَاصِ - وَهُوَ أَمِير الْمَدِينَة - لتقطع يَده، فَأَبَى سعيد أَن تقطع يَده، وَقَالَ: لَا تقطع يَد (الْآبِق) إِذا سرق. فَقَالَ لَهُ ابْن عمر: فِي أَي كتاب الله وجدت هَذَا؟ ! فَأمر بِهِ ابْن عمر فَقطعت يَده» . وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي «مُصَنفه» عَن معمر، عَن أَيُّوب (السّخْتِيَانِيّ) عَن نَافِع «أَن عمر قطع يَد غُلَام لَهُ سرق، وَجلد عبدا لَهُ زنا من غير أَن يرفعهما» . قَالَ: وثنا (عبيد الله) بن عمر بن (حَفْص) بن عَاصِم، عَن نَافِع قَالَ: «أبق غُلَام لِابْنِ عمر، فَمر عَلَى غلمة لعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، فَسرق مِنْهُم جرابًا فِيهِ تمر وَركب حمارا لَهُم فَأتي بِهِ ابْن عمر، فَبعث بِهِ إِلَى ابْن الْعَاصِ - وَهُوَ أَمِير عَلَى الْمَدِينَة - فَقَالَ سعيد: لَا تقطع (يَد) آبق. فَأرْسلت إِلَيْهِ عَائِشَة: إِن غلمتي غلمتك، وَإِنَّمَا جَاع وَركب الْحمار ليتبلغ عَلَيْهِ فَلَا تقطعه. فَقَطعه ابْن عمر» .
الْأَثر الثَّامِن: «أَن عَائِشَة ﵂ قطعت أمة لَهَا سرقت» .
стр. 5296
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» ، وَالشَّافِعِيّ عَنهُ لكنهما قَالَا: «غُلَاما لبني عبد الله بن أبي بكر الصّديق ﵁» بدل «أمة» وَهَذَا لَفْظهمَا: عَن عبد الله بن أبي بكر، عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن أَنَّهَا قَالَت: «خرجت عَائِشَة ﵂ إِلَى مَكَّة وَمَعَهَا مولاتان، وَمَعَهَا غُلَام لبني عبد الله بن أبي بكر الصّديق [فَبعثت] مَعَ المولاتين ببردٍ مراجل قد خيط عَلَيْهِ (خرقَة خضراء) قَالَت: فَأخذ الْغُلَام الْبرد (ففتق) عَنهُ واستخرجه وَجعل مَكَانَهُ لبدًا أَو فَرْوَة وخاط عَلَيْهِ، فَلَمَّا قدمنَا الْمَدِينَة رفعنَا ذَلِك إِلَى أَهله (فَلَمَّا) فتقوا عَنهُ وجدوا فِيهِ اللبد وَلم يَجدوا الْبرد، فَكَلَّمُوا المولاتين فكلمتا عَائِشَة - أَو كتب إِلَيْهَا - واتهما العَبْد، فَسئلَ العَبْد عَن ذَلِك فاعترف، فَأمرت بِهِ عَائِشَة فَقطعت يَده، وَقَالَت عَائِشَة: الْقطع فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا» .
الْأَثر التَّاسِع: «أَن حَفْصَة ﵂ قتلت أمة لَهَا سحرتها» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سعد بن زُرَارَة أَنه بلغه «أَن حَفْصَة زوج النَّبِي ﷺ قتلت جَارِيَة لَهَا سحرتها - وَكَانَت قد دبرتها - (فَأمرت) بهَا فقتلت» . وَرَوَاهُ عبد
стр. 5297
الرَّزَّاق عَن عبد الله [أَو] عبيد الله بن عمر [عَن] (نَافِع) عَن ابْن عمر قَالَ: «إِن جَارِيَة لحفصة سحرتها فَاعْترفت بذلك فَأمرت بهَا عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب فَقَتلهَا، فَأنْكر ذَلِك (عَلَيْهَا) عُثْمَان بن عَفَّان، فَقَالَ لَهُ ابْن عمر: مَا تنكر عَلَى أم الْمُؤمنِينَ؟ امْرَأَة سحرت وَاعْتَرَفت» .
الْأَثر الْعَاشِر: «أَن فَاطِمَة ﵂ جلدت أمة لَهَا زنت» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الشَّافِعِي، عَن سُفْيَان، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن الْحسن بن مُحَمَّد بن عَلّي «أَن فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ حدت جَارِيَة لَهَا زنت» وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج، عَن عَمْرو بِهِ. وَرَوَاهُ ابْن وهب، عَن ابْن جريج، أَن عَمْرو بن دِينَار أخبرهُ «أَن فَاطِمَة بنت رَسُول الله كَانَت تجلد وليدتها خمسين إِذا زنت» .
стр. 5298
كتاب حد الْقَذْف
стр. 5299
كتاب حد الْقَذْف
ذكر فِيهِ ﵀ حَدِيثا وأثرين:
أما الحَدِيث: فَهُوَ مَا أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: «اجتنبوا السَّبع الموبقات. قيل: وَمَا هن يَا رَسُول الله؟ قَالَ: الشّرك بِاللَّه، وَالسحر، وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأكل مَال الْيَتِيم، وَالزِّنَا، والتولي يَوْم الزَّحْف، وَقذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات» . قَالَ الرَّافِعِيّ: وَيروَى أَنه ﵇ قَالَ: «من أَقَامَ (الصَّلَوَات) الْخمس، واجتنب السَّبع الْكَبَائِر نُودي يَوْم الْقِيَامَة، ليدْخل من أَي أَبْوَاب الْجنَّة شَاءَ» وَذكر من السَّبع قذف الْمُحْصنَات.
قلت: هَذِه الرِّوَايَة قد أخرجهَا بِنَحْوِ ذَلِك الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» عَن أَحْمد بن دَاوُد الْمَكِّيّ، ثَنَا الْعَبَّاس بن الْفضل الْأَزْرَق، ثَنَا حَرْب بن شَدَّاد، عَن يَحْيَى بن (أبي) كثير، عَن عبد الحميد بن سِنَان أَنه حَدثهُ (عبيد) بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ، عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع: «إِن أَوْلِيَاء الله المصلون، وَمن يقم الصَّلَوَات الْخمس الَّتِي كتبهن الله عَلَى عباده، ويصوم رَمَضَان، ويحتسب صَوْمه،
стр. 5300
ويؤتي الزَّكَاة طيبَة بهَا نَفسه محتسبًا، ويجتنب الْكَبَائِر الَّتِي نهَى الله عَنْهَا، فَقَالَ رجل من أَصْحَابه: وَكم الْكَبَائِر يَا رَسُول الله؟ (قَالَ) : هِيَ (سَبْعَة) ، أعظمهن الْإِشْرَاك بِاللَّه، وَقتل الْمُؤمن بِغَيْر حق، والفرار (من) الزَّحْف، وَقذف (الْمُحْصنَات) ، وَالسحر، وَأكل مَال الْيَتِيم، وَأكل الرِّبَا، وعقوق الْوَالِدين الْمُسلمين، وَاسْتِحْلَال الْبَيْت الْحَرَام قبلتكم أَحيَاء وأمواتًا، لَا يَمُوت رجل لم يعْمل هَؤُلَاءِ الْكَبَائِر، وَيُقِيم الصَّلَاة، ويؤتي الزَّكَاة إِلَّا رافق مُحَمَّدًا (فِي بحبوحة جنَّة أَبْوَابهَا مصاريع الذَّهَب» .
وَالْعَبَّاس بن الْفضل الْمُتَقَدّم قَالَ البُخَارِيّ: ذهب حَدِيثه، وَفِي «سنَن النَّسَائِيّ» نَحوه أَيْضا إِلَّا أَنه لم يذكر فِيهِ «قذف الْمُحْصنَات» وَلَا «أَن الْكَبَائِر سبعا» هَذَا لَفظه عَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قَالَ: «من جَاءَ يعبد الله (لَا) يُشْرك بِهِ شَيْئا، وَيُقِيم الصَّلَاة، ويؤتي الزَّكَاة، ويجتنب الْكَبَائِر كَانَ لَهُ الْجنَّة. فَسَأَلُوهُ عَن الْكَبَائِر، فَقَالَ: الْإِشْرَاك بِاللَّه، وَقتل النَّفس الْمسلمَة، والفرار يَوْم الزَّحْف» .
وَأما الْأَثر الأول فَهُوَ: عَن عبد الله بن عَامر بن ربيعَة قَالَ: «أدْركْت أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان، وَمن بعدهمْ من الْخُلَفَاء، فَلم أرهم يضْربُونَ الْمَمْلُوك إِذا قذف إِلَّا أَرْبَعِينَ سَوْطًا» .
стр. 5301
وَهُوَ أثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور لكنه لم يذكر أَبَا بكر، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق آخر كَمَا ذكره المُصَنّف، وَرُوِيَ عَن عَلّي مثل ذَلِك بِإِسْنَادِهِ.
وَأما الْأَثر الثَّانِي فَهُوَ: أَنه رُوِيَ «أَنه شهد عِنْد عمر عَلَى الْمُغيرَة بن شُعْبَة بِالزِّنَا، أَبُو بكرَة وَنَافِع ونفيع وَلم يُصَرح بِهِ زِيَاد - وَكَانَ رابعهم - فجلد عمر الثَّلَاثَة، وَكَانَ بِمحضر من الصَّحَابَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد» .
هَذَا الْأَثر إِيرَاده هَكَذَا غَرِيب؛ فَإِن نفيعًا هُوَ اسْم أبي بكرَة، وَصَوَابه مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق (قسَامَة) بن زُهَيْر قَالَ: «لما كَانَ من شَأْن أبي بكرَة والمغيرة مَا كَانَ ... » وَذكر الحَدِيث قَالَ: «فَدَعَا الشُّهُود فَشهد أَبُو بكرَة وشبل بن معبد وَأَبُو عبد الله نَافِع، فَقَالَ عمر ﵁ حِين شهد هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة، شقّ عَلَى عمر شَأْنه، فَلَمَّا (قَامَ) زِيَاد قَالَ: إِن تشهد إِن شَاءَ الله إِلَّا بِحَق. قَالَ زِيَاد: أما الزِّنَا فَلَا أشهد بِهِ، وَلَكِن رَأَيْت أمرا قبيحًا. فَقَالَ عمر: الله أكبر، حدوهم (فجلدهم) قَالَ: فَقَالَ أَبُو بكرَة بَعْدَمَا ضربه: أشهد أَنه زَان. فهم عمر ﵁ أَن يُعِيد عَلَيْهِ الْحَد، فَنَهَاهُ عَلّي
стр. 5302
رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَقَالَ: إِن جلدت فارجم صَاحبك. فَتَركه وَمَا جلده» . وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن سعيد (عَن) قَتَادَة «أَن أَبَا بكرَة وَنَافِع بن الْحَارِث بن كلدة وشبل بن معبد شهدُوا عَلَى الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَنهم رَأَوْهُ يولجه ويخرجه، وَكَانَ زِيَاد رابعهم وَهُوَ الَّذِي أفسد (عَلَيْهِم) وَأما الثَّلَاثَة فَشَهِدُوا بذلك، فَقَالَ أَبُو (بكرَة) وَالله لكَأَنِّي ثَائِر فِي فَخذهَا. فَقَالَ عمر حِين رَأَى زيادًا: إِنِّي لأرَى غُلَاما كيسًا لَا يَقُول إِلَّا (جدًّا) وَلم يكن ليكتمني شَيْئا. فَقَالَ زِيَاد: لم أر مَا قَالَ هَؤُلَاءِ، وَلَكِنِّي رَأَيْت رِيبَة وَسمعت نفسا عَالِيا. قَالَ: فجلدهم عمر ﵁ وخلى عَن زِيَاد» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رَوَيْنَاهُ من وَجه آخر مَوْصُولا. قَالَ: وَفِي رِوَايَة (ابْن) زيد عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكرَة «أَن أَبَا بكرَة وزيادًا ونافعًا وشبل بن معبد كَانُوا فِي غرفَة والمغيرة فِي أَسْفَل الدَّار (فَهبت) ريح ففتحت الْبَاب وَرفعت السّتْر، فَإِذا الْمُغيرَة بَين رِجْلَيْهَا، فَقَالَ بَعضهم: قد ابتلينا ... » فَذكر الْقِصَّة، قَالَ: «فَشهد أَبُو بكرَة وَنَافِع وشبل، وَقَالَ (زِيَاد) : لَا أَدْرِي نَكَحَهَا أم لَا. فجلدهم عمر ﵁ إِلَّا زيدا، فَقَالَ أَبُو بكرَة: أَلَيْسَ (قد)
стр. 5303
(جلدتموني) قَالَ: (بلَى. قَالَ) : فَأَنا أشهد بِاللَّه لقد فعل. فَأَرَادَ عمر أَن يجلده أَيْضا. فَقَالَ عَلّي: إِن كَانَت شَهَادَة أبي بكرَة بِشَهَادَة رجلَيْنِ فارجم صَاحبك، وَإِلَّا فقد جلدتموه - يَعْنِي لَا يجلد ثَانِيًا بِإِعَادَة الْقَذْف» . وَفِي رِوَايَة لِلْحَافِظِ أبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ قَالَ: «شهد أَبُو بكرَة وَنَافِع - يَعْنِي ابْن عَلْقَمَة - وشبل بن معبد عَلَى الْمُغيرَة أَنهم نظرُوا كَمَا ينظرُونَ المرود فِي المكحلة، فجَاء زِيَاد، فَقَالَ عمر: رجل لَا يشْهد إِلَّا بِالْحَقِّ. فَقَالَ: رَأَيْت مَجْلِسا قبيحًا وابتهارًا فجلدهم عمر الْحَد» . قَالَ الْحَافِظ أَبُو نعيم: [هم] الْأَرْبَعَة الَّذين شهدُوا عَلَى الْمُغيرَة إخْوَة لأم اسْمهَا [سميَّة] وَرَأَيْت ذَلِك فِي «مَعْرفَته» فِي تَرْجَمَة شبْل بن معبد أَنهم أَرْبَعَة إخْوَة لأم، وَذكر الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» قصَّة الْمُغيرَة مستوفاة من طَرِيق عبد الْعَزِيز بن أبي بكرَة وَذكر فِيهِ أَن الشُّهُود شبْل بن معبد ونافعًا وَأَبا بكرَة وزيادًا، كَمَا سلف فِي رِوَايَات الْبَيْهَقِيّ، وَزَاد: «أَن الْمَرْأَة يُقَال لَهَا: أم جميل» . وَفِي البُخَارِيّ طَرِيق من هَذِه الْقِصَّة فِي الشَّهَادَات فَقَالَ:
стр. 5304
«وَجلد عمر أَبَا بكرَة وشبل بن معبد ونافعًا» . كَمَا سلف فِي رِوَايَات الْبَيْهَقِيّ، وَزَاد: «أَن الْمَرْأَة يُقَال لَهَا: أم جميل. فقذف الْمُغيرَة ثمَّ استتابهم، وَقَالَ: من تَابَ قبلت شَهَادَته» .
تَنْبِيه: الصَّحَابَة كلهم عدُول أَي مجردها كَافِيَة عَن عدالتهم إِنَّهَا من تحقق قيام الْمَانِع، والمغيرة كَانَ يرَى نِكَاح السِّرّ وَفعله فِي هَذِه الْقِصَّة بعد شَهَادَتهم قيل: وَمَا تفعل؟ قَالَ: أقيم الْبَيِّنَة أَنَّهَا زَوْجَتي.
стр. 5305
كتاب حد السّرقَة
стр. 5306
كتاب حد السّرقَة
ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث وآثارًا أما الْأَحَادِيث فسبعة عشر حَدِيثا.
الحَدِيث الأول
عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «تقطع الْيَد فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا» . وَيروَى: «لاتقطع إِلَّا فِي ربع دِينَار» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» فَفِي لفظ: «لَا تقطع يَد السَّارِق إِلَّا فِي ربع دِينَار» وَفِي لفظ آخر « (كَانَ رَسُول الله ﷺ ) لم تقطع يَد السَّارِق عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ فِي أدنَى من ثمن المجنّ - تُرس أَو حجفة - وَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا ذُو ثمن» وَفِي لفظ لمُسلم أَنه ﵇ قَالَ: «لَا تقطع الْيَد إِلَّا فِي ربع دِينَار فَمَا فَوْقه» وَفِي لفظ النَّسَائِيّ أَنه ﵇ قَالَ: «لَا تقطع الْيَد إِلَّا فِي ثمن الْمِجَن، ثلث دِينَار أَو نصف دِينَار فَصَاعِدا» وَأما حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه رَفعه: «لَا تقطع الْيَد إِلَّا فِي عشرَة دَرَاهِم» فضعيف جدًّا، وَمِمَّنْ بَين وهنه: ابْن الْجَوْزِيّ فِي «إِعْلَامه» .
стр. 5307
الحَدِيث الثَّانِي
«أَن صَفْوَان بن أُميَّة نَام فِي الْمَسْجِد فتوسد رِدَاءَهُ فجَاء سَارِق فَأَخذه من تَحت رَأسه، فَأخذ صَفْوَان السَّارِق وَجَاء بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَأمر بِقطع يَده، فَقَالَ صَفْوَان: إِنِّي لم أرد هَذَا يَا رَسُول الله، وَهُوَ عَلَيْهِ صَدَقَة. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : هلا كَانَ قبل أَن تَأتِينِي بِهِ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَالشَّافِعِيّ عَنهُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» بِأَلْفَاظ مُتَغَايِرَة، وَاللَّفْظ الْمَذْكُور هُوَ رِوَايَة الشَّافِعِي سَوَاء وَنَحْوه رِوَايَة مَالك وَابْن مَاجَه، وَفِي رِوَايَة «أَن الرِّدَاء يُسَاوِي ثَلَاثِينَ [درهما] » رَوَاهُ كَذَلِك أَبُو داو وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم، وَفِي روايتهم فَقَالَ: «أتقطعه من أجل ثَلَاثِينَ [درهما] إِنَّمَا أبيعه وأنسئه ثمنهَا. قَالَ: فَهَلا كَانَ هَذَا قبل أَن تَأتِينِي بِهِ» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَقَالَ عبد الْحق: لَا نعلم يتَّصل من وَجه يحْتَج بِهِ. قَالَ ابْن الْقطَّان: سَببه أَن فِي بعض أسانيده حميد ابْن أُخْت
стр. 5308
صَفْوَان وَلَا يعرف فِي غير هَذَا، وَفِي بعض طرقه عَن عبد الْملك بن أبي بشير، عَن عِكْرِمَة، عَن صَفْوَان، وَلَا نَعْرِف أَن عِكْرِمَة سَمعه من صَفْوَان، وَإِنَّمَا يرويهِ عَن ابْن عَبَّاس، وَفِي بَعْضهَا عَن طَاوس، عَن صَفْوَان، وَقد قَالَ الْبَزَّار: إِن طاوسًا رَوَاهُ مُرْسلا. لَكِن قَالَ ابْن عبد الْبر: إِن سَماع طَاوس من صَفْوَان مُمكن؛ لِأَنَّهُ أدْرك زمَان عُثْمَان وَقَالَ طَاوس: أدْركْت سبعين شَيخا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ .
وَلما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق مَالك ثمَّ من طَرِيق الشَّافِعِي، عَن سُفْيَان، عَن عَمْرو، عَن طَاوس، عَن النَّبِي ﷺ بِمثل حَدِيث مَالك، قَالَ: هَذَا الْمُرْسل يُقَوي الأول. قَالَ: وَرُوِيَ من وَجه آخر عَن سُفْيَان بِإِسْنَاد مَوْصُول فِيهِ عَن ابْن عَبَّاس، وَلَيْسَ بِصَحِيح.
قلت: فِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده «أَنه ﵇ أَمر بِقطع هَذَا السَّارِق من الْمفصل» لَكِن إِسْنَاده ضَعِيف فِيهِ الْعَرْزَمِي الْمَتْرُوك، وَغَيره.
الحَدِيث الثَّالِث
«أنَّه ﷺ سُئِلَ عَن التَّمْر الْمُعَلق فَقَالَ: من سرق مِنْهُ شَيْئا بعد أَن يئويه الجرين فَبلغ ثمن الْمِجَن فَعَلَيهِ الْقطع» .
هَذَا الحَدِيث حسن رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث عبد
стр. 5309
الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ «أَن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ عَن التَّمْر الْمُعَلق فَقَالَ: مَا أصَاب بِفِيهِ من ذِي حَاجَة غير متخذ خبنة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَمن خرج مِنْهُ بِشَيْء فَعَلَيهِ غَرَامَة مثلَيْهِ والعقوبة، وَمن سرق مِنْهُ شَيْئا بعد أَن يئويه الجرين فَبلغ ثمن الْمِجَن فَعَلَيهِ الْقطع، وَمن سرق دون ذَلِك فَعَلَيهِ غَرَامَة [مثلَيْهِ] والعقوبة» وَأخرج التِّرْمِذِيّ الْقطعَة الأولَى ثمَّ قَالَ: حَدِيث حسن. وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ «فِي كم تقطع الْيَد؟ قَالَ: لَا تقطع فِي ثَمَر مُعَلّق، فَإِذا ضمه الجرين قطعت فِي ثمن الْمِجَن، وَلَا تقطع فِي حريسة الْجَبَل، فَإِذا (ضمهَا) المراح قطعت فِي ثمن الْمِجَن» وَفِي رِوَايَة لَهُ «أَن رجلا من مزينة أَتَى الرَّسُول الله ﷺ فَقَالَ: [يَا] رَسُول الله، كَيفَ ترَى فِي حريسة الْجَبَل؟ قَالَ: هِيَ وَمثلهَا والنكال، وَلَيْسَ فِي شَيْء من الْمَاشِيَة قطع إِلَّا فِيمَا آواه المراح فَبلغ ثمن الْمِجَن فَفِيهِ قطع الْيَد، وَمَا لم يبلغ ثمن الْمِجَن فَفِيهِ غَرَامَة مثلَيْهِ وجلدات النكال. قَالَ: يَا رَسُول الله، كَيفَ ترَى فِي الثَّمر الْمُعَلق؟ قَالَ: هُوَ وَمثله مَعَه والنكال، وَلَيْسَ فِي شَيْء من التَّمْر الْمُعَلق قطع إِلَّا فِيمَا آواه الجرين، فَمَا أَخذ من الجرين فَبلغ ثمن الْمِجَن فَفِيهِ الْقطع، وَمَا لم يبلغ ثمن الْمِجَن فَفِيهِ غَرَامَة [مثلَيْهِ] » ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا بِلَفْظ: «أَن رجلا من مزينة سَأَلَ رَسُول الله ﷺ -
стр. 5310
عَن الثِّمَار، فَقَالَ: مَا أَخذ فِي أكمامه فَاحْتمل (قِيمَته) وَمثله مَعَه، وَمَا كَانَ فِي الجران فَفِيهِ الْقطع إِذا بلغ ذَلِك ثمن الْمِجَن، وَإِن أكل وَلم يَأْخُذ فَلَيْسَ عَلَيْهِ. قَالَ: الشَّاة الحريسة مِنْهُنَّ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: ثمنهَا وَمثله مَعَه والنَّكال، وَمَا كَانَ فِي المراح فَفِيهِ الْقطع إِذا كَانَ مَا يَأْخُذ من ذَلِك ثمن الْمِجَن» . وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» بِلَفْظ النَّسَائِيّ السالف الطَّوِيل، ثمَّ قَالَ: هَذِه سنة تفرد بهَا عَمْرو بن شُعَيْب بن مُحَمَّد عَن جده عبد الله بن عَمْرو، وَقد رويت عَن إمامنا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي أَنه قَالَ: إِذا كَانَ الرَّاوِي عَن عَمْرو بن شُعَيْب ثِقَة، فَهُوَ كأيوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر.
تَنْبِيهَات: أَحدهَا: قَالَ ابْن عبد الْبر فِي قَول «غَرَامَة مثلَيْهِ» : إِنَّه مَنْسُوخ لَا نعلم أحدا من الْفُقَهَاء قَالَ بِهِ، إِلَّا مَا جَاءَ عَن عمر فِي رَقِيق حَاطِب بن أبي بلتعة [حِين انتحروا نَاقَة رجل من مزينة] وَرِوَايَة عَن الإِمَام أَحْمد، وَيحمل هَذَا عَلَى الْعقُوبَة وَالتَّشْدِيد، وَالَّذِي عَلَيْهِ النَّاس الْعقُوبَة فِي الْغرم بِالْمثلِ؛ لقَوْله تَعَالَى: (فَمن اعْتَدَى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم) ، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: هَذَا الحَدِيث لَا يحْتَج الْعلمَاء بِهِ، ويطعنون فِي إِسْنَاده، وَلَا سِيمَا مَا فِيهِ مِمَّا يَدْفَعهُ الْإِجْمَاع من غرم المثلين.
ثَانِيهَا: قَالَ الرَّافِعِيّ: كَانَ ثمن الْمِجَن عِنْدهم ربع دِينَار ثَلَاثَة
стр. 5311
دَرَاهِم. وَهُوَ كَمَا قَالَ: فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث ابْن عمر «أَنه ﵇ قطع فِي مجن قِيمَته ربع دِينَار» وَفِي لفظ «ثمنه ثَلَاثَة دَرَاهِم» وَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَن الْقدر كَانَ ربع دِينَار، وَمَا رُوِيَ «أَن ثمنه عشرَة أَو خَمْسَة» فواه.
ثَالِثهَا: الخبنة - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة -: مَا تحمله فِي حضنك. وَقيل: هُوَ أَن تَأْخُذ فِي جيب ثَوْبك وَهُوَ ذيله وأسفله. و «الجرين» مَوضِع التَّمْر الَّذِي يجفف فِيهِ. و «حريسة الْجَبَل» مِنْهُم من جعلهَا السّرقَة نَفسهَا، قَالَ: حرس يحرس حرسًا إِذا سرق، وَمِنْهُم [من] جعلهَا المحروسة يَعْنِي فِيمَا يحرس بِالْجَبَلِ، إِذا سرق قطع؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِموضع حرز، وحريسة الْجَبَل (أَيْضا السَّائِمَة الَّتِي يُدْرِكهَا اللَّيْل قبل أَن تصل إِلَى مأواها، وَبِهَذَا جزم الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب حَيْثُ قَالَ: حريسة الْجَبَل) مَا يسرق من الْجَبَل من الْمَوَاشِي، وَيُقَال: إِن سارقها يُسمى حارسًا. وصحفه بعض شُيُوخنَا فَذكر لفظ الحَدِيث بِلَفْظ «وَلَا فِي خريسة جبل ثمَّ قَالَ: والخريسة - بخاء مُعْجمَة -: المسروقة يَعْنِي المخروسة، ثمَّ ذكر مَادَّة خرس فاحذر ذَلِك. و «المُراح» بِضَم الْمِيم -: الْموضع الَّذِي تأوي إِلَيْهِ الْمَاشِيَة لَيْلًا.
الحَدِيث الرَّابِع
стр. 5312
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا قطع فِي ثَمَر وَلَا كثر» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» ، وَأحمد فِي «الْمسند» ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث رَافع بن خديج ﵁. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم: إِنَّه مُرْسل، وَحدث بِهِ أَيْضا مَوْصُولا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: رَوَى هَذَا الحَدِيث بَعضهم عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حبَان، عَن رَافع بن خديج مَرْفُوعا، وَلم يذكرُوا فِيهِ وَاسِعًا.
قلت: رَوَاهُ مَالك خَارج «موطئِهِ» فَذكر وَاسِعًا كَمَا أَفَادَهُ الْخَطِيب فِي كتاب «من رَوَى عَن مَالك» . وَقَالَ عبد الْحق: رَوَى هَذَا الحَدِيث النَّسَائِيّ عَن سُفْيَان، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى بن حبَان، عَن عَمه وَاسع، عَن رَافع، يَعْنِي أَنه وَصله بِزِيَادَة وَاسع وَكَذَا هُوَ فِي «صَحِيح أبي حَاتِم بن حبَان» ، قَالَ: وَرَوَاهُ غَيره، وَلم يذكر وَاسِعًا، وَلم يُتَابع سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَلَى هَذِه الرِّوَايَة إِلَّا حَمَّاد بن دَلِيل، فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن شُعْبَة، عَن يَحْيَى بن سعيد بِمثل رِوَايَة سُفْيَان، وَأما غير
стр. 5313
حَمَّاد فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن شُعْبَة، عَن يَحْيَى، وَلم يذكر وَاسِعًا، وَمُحَمّد بن يَحْيَى بن حبَان لم يسمع من رَافع. قَالَ ابْن الْقطَّان: هَذَا من عبد الْحق تَرْجِيح رِوَايَة من أرسل عَلَى رِوَايَة [من] وصل، وَإِن كَانَ ثِقَة، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: هَذَا الحَدِيث تلقت الْعلمَاء مَتنه بِالْقبُولِ، وَاحْتَجُّوا بِهِ.
قلت: وَله شَاهد لَكِن يقوى من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ أَحْمد، وَابْن مَاجَه من حَدِيث سعد بن سعيد المَقْبُري، عَن أَخِيه عبد الله بن سعيد المَقْبُري، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ السالف، وَضعف هَذَا الطَّرِيق الضياء الْمَقْدِسِي لأجل سعد الْمَذْكُور، وَنقل كَلَام ابْن عدي وَابْن حبَان فِيهِ.
فَائِدَة: قَالَ الرَّافِعِيّ: الكثر جمار النّخل وَهُوَ لَحْمه. وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَعِنْدَ النَّسَائِيّ: والكثر الْجمار. قَالَ الْجَوْهَرِي: وَيُقَال: الكثر هُوَ الطّلع. قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَمَعْنى الثَّمر فِي الحَدِيث مَا كَانَ مُعَلّقا فِي النّخل قبل أَن يجد ويحوز، وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَه الشَّافِعِي، وَقَالَ: حَوَائِط الْمَدِينَة لَيست بحرز، وأكثرها يدْخل من جوانبها، وَمن سرق من حوائطها من ثَمَر مُعَلّق لم يقطع، فَإِذا آواه الجرين قطع. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الخلافيات» : قَالَ الشَّافِعِي: احْتج بِهَذَا الحَدِيث بعض النَّاس
стр. 5314
فَقَالَ: من هَاهُنَا قُلْنَا: لَا يقطع فِي التَّمْر الرطب. قَالَ الشَّافِعِي: وَالتَّمْر اسْم جَامع للرطب من التَّمْر واليابس من التَّمْر، وَالزَّبِيب. وَغَيره، أفنسقط الْقطع عَمَّن سرق تَمرا فِي بَيت، وَإِنَّمَا أجَاب النَّبِي ﷺ حِين قَالَ: «لَا قطع فِي تمر وَلَا كثر» عَلَى مثل مَا سُئِلَ عَنهُ، وَكَانَ حيطان الْمَدِينَة لَيْسَ عَلَيْهَا حيطان؛ لِأَنَّهُ يَقُول: «وَإِذا آواه الجرين والمراح فَفِيهِ الْقطع» وَاحْتج بِحَدِيث عُثْمَان فِي الأترجة وَسَيَأْتِي.
الحَدِيث الْخَامِس
عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا قطع فِي تمر مُعَلّق وَلَا فِي حريسة جبل، فَإِذا آواه المراح أَو الجرين فالقطع فِيمَا بلغ ثمن الْمِجَن» .
هَذَا الحَدِيث هُوَ الحَدِيث الثَّالِث من أَحَادِيث الْبَاب، وَقد سلف وَاضحا، وَرَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» أَيْضا من حَدِيث عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي حُسَيْن الْمَكِّيّ عَن رَسُول الله ﷺ .
الحَدِيث السَّادِس
عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «من نبش قطعناه» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه «الْمعرفَة» من حَدِيث بشر بن حَازِم، عَن عمرَان بن يزِيد بن الْبَراء، عَن أَبِيه، عَن جده فِي حَدِيث
стр. 5315
ذكره أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «وَمن نبش قطعناه» وَفِي رِوَايَة: «وَمن حرق حرقناه» وَفِي أُخْرَى لَهُ «وَمن غرق غرقناه» ثمَّ قَالَ: وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد بعض من يجهل حَاله. وَرَوَاهُ فِي «خلافياته» بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور كَمَا ذكره فِي «الْمعرفَة» أَولا، وَلم يتَكَلَّم عَلَى إِسْنَاده بِشَيْء بل ذكره فِي معرض الِاحْتِجَاج بِهِ.
وَرَوَى الْأَثْرَم عَن الْحسن وَابْن سِيرِين أَنَّهُمَا قَالَا: «يقطع النباش» . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: «هُوَ سَارِق» وَفِي رِوَايَة عَنهُ: «نقطع فِي أمواتنا كَمَا نقطع فِي أحيائنا» وَعَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ: «سَارِق الْأَمْوَات يُعَاقب بِمَا يُعَاقب بِهِ سَارِق الْأَحْيَاء» وَقَالَ البُخَارِيّ فِي «التَّارِيخ» : قَالَ هشيم: ثَنَا [سُهَيْل] قَالَ: « [شهِدت] ابْن الزبير قطع نباشًا» . وعزى ابْن الْجَوْزِيّ إِلَى رِوَايَة أَصْحَابهم «أَنه ﵇ قطع نباشًا» .
الحَدِيث السَّابِع
أنَّه ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المختلس والمنتَهب والخائن قطع» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَصْحَاب السّنَن
стр. 5316
الْأَرْبَعَة، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث ابْن جريج، عَن أبي الزبير، عَن جَابر ﵁. قَالَ التِّرْمِذِيّ: [هَذَا] حَدِيث حسن صَحِيح. وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: «من انتهب نهبة مَشْهُورَة فَلَيْسَ منَّا» وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان من حَدِيث ابْن جريج عَن أبي الزبير، وَعَمْرو بن دِينَار، عَن جَابر رَفعه: «لَيْسَ عَلَى منتهب قطع، وَمن انتهب نهبة فَلَيْسَ منا» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا الحَدِيث لم يسمعهُ ابْن جريج من [أبي الزبير، بَلغنِي عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ: إِنَّمَا سَمعه ابْن جريج من] ياسين الزيات. قَالَ أَبُو دَاوُد: رَوَاهُ الْمُغيرَة بن مُسلم، عَن أبي الزبير، عَن جَابر مَرْفُوعا، وَأخرجه النَّسَائِيّ من هَذَا الْوَجْه، وَقَالَ النَّسَائِيّ أَيْضا: رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن ابْن جريج عِيسَى بن يُونُس وَالْفضل بن مُوسَى وَابْن وهب وَابْن ربيعَة ومخلد بن يزِيد وَسَلَمَة بن سعيد الْبَصْرِيّ، وَلم يقل أحد مِنْهُم حَدثنِي أَبُو الزبير وَلَا أَحْسبهُ سَمعه من أبي الزبير. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي، وَأَبا زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَا: لم
стр. 5317
يسمع ابْن جريج هَذَا الحَدِيث من أبي الزبير، إِنَّمَا سَمعه من ياسين عَنهُ، قلت لَهما: مَا حَال ياسين؟ فَقَالَا: لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
قلت: وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ يَحْيَى: لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء. وَقَالَ الْخَطِيب فِيمَا نَقله ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» : لَا أعلم رَوَى هَذَا الحَدِيث عَن ابْن جريج مجودًا هَكَذَا غير مكي بن إِبْرَاهِيم، إِن كَانَ أَحْمد بن الْحباب حفظه، وَأَن الثَّوْريّ وَعِيسَى بن يُونُس وَغَيرهمَا رَوَوْهُ عَن ابْن جريج عَن أبي الزبير، وَلم يذكرُوا فِيهِ «الخائن» وَكَانَ أهل الْعلم يَقُولُونَ: لم يسمع ابْن جريج هَذَا الحَدِيث من أبي الزبير، وَإِنَّمَا سَمعه من ياسين الزيات عَنهُ فدلسه فِي رِوَايَته عَن أبي الزبير. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: هُوَ أَيْضا من مُعَنْعَن أبي الزبير.
قلت: قد تبين فِي غير طَرِيق سَمَاعه لهَذَا الحَدِيث مِنْهُ رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي «مُصَنفه» عَن ابْن جريج قَالَ: قَالَ أَبُو الزبير: قَالَ جَابر ... الحَدِيث، وَهَذَا صَرِيح فِي سَمَاعه لَهُ فِيهِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن حَاتِم، ثَنَا سُوَيْد - هُوَ ابْن نصر - ثَنَا عبد الله - هُوَ ابْن الْمُبَارك -[عَن] ابْن جريج قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو الزبير ... فَذكره، وَهَذَا سَنَد صَحِيح
стр. 5318
[وَبِهَذَا اللَّفْظ أخرجه الطَّحَاوِيّ فَقَالَ: ثَنَا يَحْيَى بن عُثْمَان، ثَنَا نعيم - هُوَ ابْن حَمَّاد - ثَنَا ابْن الْمُبَارك فَذكره، وَهَذَا سَنَد صَحِيح] أَيْضا. يَحْيَى أخرجه لَهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم فِي «صَحِيحَيْهِمَا» ، ونعيم من رجال البُخَارِيّ [وَقد صرح فِيهِ أَيْضا بِالسَّمَاعِ] ، فَيحمل عَلَى أَنه مرّة بِوَاسِطَة ياسين وَمرَّة بغَيْرهَا، وَقد أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن جريج عَن أبي الزبير ثمَّ قَالَ: حسن صَحِيح. كَمَا تقدم فَدلَّ عَلَى سَمَاعه لَهُ مِنْهُ، وَمن نَفَاهُ فَهَذَا مقدم عَلَيْهِ، وَقد سلف قرن عَمْرو بن دِينَار بِابْن جريج من طَرِيق ابْن حبَان، والمغيرة عَن أبي الزبير كَمَا سلف عَن النَّسَائِيّ، وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا فِي «صَحِيحه» من حَدِيث سُفْيَان، عَن أبي الزبير، عَن جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لَيْسَ عَلَى المختلس وَلَا عَلَى الخائن قطع» فَهَذَا متابع ثَان لِابْنِ جريج، وَأخرج النَّسَائِيّ هَذَا، قَالَ: لم يسمعهُ سُفْيَان من أبي الزبير. لَكِن قد أخرجه ابْن حبَان وَمن شَرطه الِاتِّصَال.
وَله شَاهد أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، قَالَ:
стр. 5319
[سَمِعت] رَسُول الله ﷺ يَقُول: «لَيْسَ عَلَى المختلس قطع» . رَوَاهُ [ابْن] مَاجَه من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، عَن أَبِيه بِهِ، وَرِجَاله رجال الصَّحِيح إِلَّا شيخ ابْن مَاجَه مُحَمَّد بن عَاصِم الْمعَافِرِي الْمصْرِيّ؛ فَإِن ابْن مَاجَه انْفَرد بِإِخْرَاج حَدِيثه لكنه ثِقَة، وَثَّقَهُ يُونُس وَلَا نعلم فِيهِ جرحا، وَله شَاهد ثَان من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا «لَيْسَ عَلَى الخائن قطع» لكنه ضَعِيف كَمَا بَينه ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» .
الحَدِيث الثَّامِن
رُوِيَ «أنَّه ﷺ أُتِي بِجَارِيَة سرقت فَوَجَدَهَا لم تَحض فَلم يقطعهَا» .
هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده صَاحب «الْمُهَذّب» ، وَعَزاهُ إِلَى رِوَايَة ابْن مَسْعُود، وَهُوَ غَرِيب كَذَلِك، وَالَّذِي أعرفهُ «أَن ابْن مَسْعُود أُتِي بِجَارِيَة قد سرقت فَوَجَدَهَا لم تَحض فَلم يقطعهَا» كَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث مسعر عَن الْقَاسِم قَالَ: «أُتِي عبد الله بِجَارِيَة قد سَرقت فَوَجَدَهَا لم ... » فَذكره، وَترْجم عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ «بَاب السن الَّذِي إِذا
стр. 5320
بلغه الرجل وَالْمَرْأَة أُقِيمَت عَلَيْهِمَا الْحُدُود» وَذكر فِيهِ حَدِيث ابْن عمر فِي عرضه عَلَى رَسُول الله ﷺ يَوْم أحد، الحَدِيث الْمَشْهُور، وَأَن عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ: «إِن هَذَا حد بَين الْكَبِير وَالصَّغِير» .
الحَدِيث التَّاسِع
أنَّه ﷺ قَالَ: «من أبدى لنا صفحته أَقَمْنَا عَلَيْهِ حد الله» .
هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب، وَقد سلف الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْبَاب قبله وَاضحا.
الحَدِيث الْعَاشِر
«أنَّه ﷺ أُتِي بسارق فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا إخالك سرقت. قَالَ: بلَى سرقت. فَأمر بِهِ فَقطع» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمْ» من حَدِيث أبي أُميَّة المَخْزُومِي ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ أُتِي بلص قد اعْترف اعترافًا وَلم يُوجد مَعَه مَتَاع، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : مَا إخَالُك سرقت. فَقَالَ: بلَى. فَأَعَادَ عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا كل ذَلِك يعْتَرف، فَأمر بِهِ فَقطع، وَجِيء بِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : أسْتَغْفر الله وَتب. فَقَالَ: اسْتغْفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ ثَلَاثًا» هَذَا لفظ أبي دَاوُد، وَلَفظ النَّسَائِيّ مثله إِلَّا أَنه لم يقل «فَأَعَادَ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا» وَقَالَ فِي آخِره: «ثَلَاثًا»
стр. 5321
وَلَفظ ابْن مَاجَه كَلَفْظِ أبي دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ: «مَا إخالك سرقت - مرَّتَيْنِ» وَقَالَ فِي آخِره «اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ - مرَّتَيْنِ» وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَقَالَ فِي آخِره: «اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ» وَلم يذكر غير ذَلِك، وَذكر الْخطابِيّ أَن فِي إِسْنَاده مقَالا، والْحَدِيث إِذا رَوَاهُ رجل مَجْهُول لم يكن حجَّة وَلم يجب الحكم بِهِ، وَقَالَ عبد الْحق: أَبُو الْمُنْذر الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده لَا أعلم رَوَى عَنهُ إِلَّا إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة.
وَله طَرِيق آخر من حَدِيث أبي هُرَيْرَة يَأْتِي فِي الْبَاب، وَهُوَ الحَدِيث الثَّامِن عشر، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان «أَن النَّبِي ﷺ أُتِي بسارق قد سرق شملة، قَالَ: مَا إخالك سرقت. قَالَ: بلَى قد فعلت. قَالَ: فاذهبوا بِهِ فاقطعوه، ثمَّ احسموه، ثمَّ ائْتُونِي بِهِ. فَذَهَبُوا بِهِ فقطعوه ثمَّ حسموه ثمَّ أَتَوا بِهِ، قَالَ: تب إِلَى الله. قَالَ: تبت إِلَى الله. قَالَ: اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ» .
فَائِدَة: مَعْنَى «مَا إخالك» (مَا أُعْطِيك) ، وإخال بِكَسْر الْهمزَة أفْصح من فتحهَا وَأكْثر اسْتِعْمَالا، وَالْفَتْح هُوَ الْقيَاس قَالَ الْجَوْهَرِي: إخال بِكَسْر الْألف هُوَ الْأَفْصَح، وَبَنُو أَسد يَقُولُونَ: أخال، بِالْفَتْح وَهُوَ الْقيَاس.
стр. 5322
الحَدِيث الْحَادِي عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «من ستر مُسلما ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» بِهَذَا اللَّفْظ من رِوَايَة أَحْمد بن حَنْبَل، ثَنَا مُحَمَّد بن بكر، أبنا ابْن جريج، عَن ابْن الْمُنْكَدر، عَن أبي أَيُّوب، عَن [مسلمة] بن مخلد مَرْفُوعا: «من ستر مُسلما فِي الدُّنْيَا ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة بِزِيَادَة فِيهِ، وَهَذَا لَفظه: «من نَفْس عَن (مُسلم) كربَة من كرب الدُّنْيَا نَفْس الله عَنهُ كربَة من كرب الْآخِرَة، وَمن ستر عَلَى مُسلم ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَالله فِي عون العَبْد (مَا دَامَ) العَبْد فِي عون أَخِيه» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ غير وَاحِد عَن الْأَعْمَش [عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي ﷺ نَحْو رِوَايَة أبي عوَانَة، وَرَوَى أَسْبَاط بن مُحَمَّد عَن الْأَعْمَش] قَالَ: حدثت عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة. وَكَأن هَذَا أصح من الحَدِيث الأول، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا من رِوَايَة ابْن عمر مَرْفُوعا: «الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يُسلمهُ، وَمن كَانَ فِي حَاجَة أَخِيه كَانَ الله فِي حَاجته، وَمن فرج عَن مُسلم كربَة فرج الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة، وَمن ستر مُسلما
стр. 5323
ستره الله يَوْم الْقِيَامَة» .
ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح [غَرِيب] وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث مُحَمَّد بن وَاسع، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من ستر أَخَاهُ الْمُسلم فِي الدُّنْيَا ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة» وَالْبَاقِي بِمثل لفظ التِّرْمِذِيّ، قَالَ الْحَاكِم: إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. وَرَوَى الْحَاكِم بِإِسْنَادِهِ عَن سُهَيْل، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا: «لَا يستر عبدٌ عبدا فِي الدُّنْيَا إِلَّا ستره الله يَوْم الْقِيَامَة» وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. قَالَ: وَهَذَا يصحح حَدِيث الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة، (وَحَدِيث مُحَمَّد بن وَاسع، عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة) ، وَذَلِكَ أَن ابْن أَسْبَاط الْقرشِي رَوَاهُ عَن الْأَعْمَش، عَن بعض أَصْحَابه، عَن أبي صَالح، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن زيد عَن مُحَمَّد بن وَاسع، عَن رجل، عَن أبي صَالح.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
«أنَّه ﷺ قَالَ لماعز: لَعَلَّك قبلت أَو غمزت أَو نظرت» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي «بَاب حد الزِّنَا» فَرَاجعه.
стр. 5324
الحَدِيث الثَّالِث عشر
رُوِيَ «أنَّه ﷺ قَالَ للسارق: أسرقت؟ قل لَا» .
هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَوله: «أسرقت؟ قل لَا» لم يُصَحِّحهُ الْأَئِمَّة. وَتَبعهُ الرَّافِعِيّ فِي ذَلِك حَيْثُ قَالَ: لم يصححوا هَذَا الحَدِيث، وتبعا فِي ذَلِك الإِمَام فَإِنَّهُ قَالَ فِي «نهايته» : إِن صَحَّ أَنه ﵇ قَالَ لِلْمَرْفُوعِ بتهمة السّرقَة إِلَيْهِ: «مَا إخالك سرقت، أسرقت أم لَا» وَسمعت بعض أَئِمَّة الحَدِيث لَا يصحح هَذَا اللَّفْظ وَهُوَ: «قل» فيبقي الْمُتَّفق عَلَى صِحَّته، وَهُوَ قَوْله: «مَا إخالك سرقت» وَقَالَ فِي بَاب الشَّهَادَة عَلَى الْحُدُود: سَيَأْتِي الحَدِيث أَنه ﵇ قَالَ لِلْمَرْفُوعِ إِلَيْهِ بتهمة السّرقَة: «مَا إخالك سرقت» ، وَفِي بعض الْأَلْفَاظ: «أسرقت؟ قل: لَا. قَالَ ذَلِك سرًّا» .
قَالَ: وغالب ظَنِّي أَن هَذِه الزِّيَادَة لم تصح عِنْد أَئِمَّة الحَدِيث. قَالَ: وَحَدِيث «مَا إخالك سرقت» إِمَّا يقدم فِيهِ الْحَث عَلَى الرُّجُوع لَا عَلَى الإيجاز فَإِنَّهُ اعْترف عِنْده مرّة، ثمَّ قَالَ لَهُ ذَلِك مرّة أُخْرَى.
قلت: وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء ﵁ مَوْقُوفا «أَنه أُتِي بِجَارِيَة سرقت، فَقَالَ لَهَا: سرقت. قولي: لَا. قَالَت: لَا. فخلى سَبِيلهَا» .
الحَدِيث الرَّابِع عشر
«أَن ماعزًا لما ذكر لهزال أَنه زنَى قَالَ لَهُ: بَادر إِلَى النَّبِي ﷺ قبل أَن
стр. 5325
ينزل الله فِيك قُرْآنًا. فَذكر ذَلِك للنَّبِي (فَقَالَ: هلا سترته بثوبك يَا هزال» .
هَذَا الحَدِيث تقدم فِي بَابه.
الحَدِيث الْخَامِس عشر
«أنَّه ﷺ أُتِي بسارق فَقطع يَمِينه» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي «مُعْجَمه» بِزِيَادَة فِي أَوله فِي تَرْجَمَة حَارِث بن عبد الله بن أبي ربيعَة فَقَالَ: ثَنَا هَارُون بن عبد الله، ثَنَا حَمَّاد بن مسْعدَة، عَن ابْن جريج، عَن عبد الْكَرِيم أبي أُميَّة، عَن حَارِث بن عبد الله بن أبي ربيعَة «أَن النَّبِي ﷺ أُتِي بسارق فَقيل: يَا رَسُول الله، إِنَّه لناس من الْأَنْصَار مَا لَهُم مَال غَيره فَتَركه، ثمَّ أُتِي بِهِ الثَّانِيَة فَتَركه، ثمَّ أُتِي بِهِ الثَّالِثَة فَتَركه، ثمَّ أُتِي بِهِ الرَّابِعَة فَتَركه، ثمَّ أُتِي بِهِ الْخَامِسَة فَقطع يَمِينه، ثمَّ أُتِي بِهِ السَّادِسَة فَقطع رجله، ثمَّ أُتِي بِهِ السَّابِعَة فَقطع يَده، ثمَّ أُتِي بِهِ الثَّامِنَة فَقطع رجله، ثمَّ قَالَ: أَربع بِأَرْبَع» . ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث أخرجه هَارُون فِي الْمسند وَلَا أَحسب لِلْحَارِثِ بن عبد الله صُحْبَة.
قلت: وَذكره أَبُو نعيم فِي «الصَّحَابَة» ثمَّ سَاق لَهُ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق الْبَغَوِيّ، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ ابْن جريج عَن عبد الْكَرِيم أبي أُميَّة، عَن الْحَارِث بن عبد الله بن عَيَّاش بن أبي ربيعَة، عَن أَبِيه [عَن] عمر. وَعبد الْكَرِيم هَذَا كذبه أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَضرب أَحْمد عَلَى حَدِيثه،
следующие страницы →