← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 5922

البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير

ابن الملقن

Полный текст (6 131 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

وَلَفظ ابْن مَاجَه كَلَفْظِ أبي دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ: «مَا إخالك سرقت - مرَّتَيْنِ» وَقَالَ فِي آخِره «اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ - مرَّتَيْنِ» وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَقَالَ فِي آخِره: «اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ» وَلم يذكر غير ذَلِك، وَذكر الْخطابِيّ أَن فِي إِسْنَاده مقَالا، والْحَدِيث إِذا رَوَاهُ رجل مَجْهُول لم يكن حجَّة وَلم يجب الحكم بِهِ، وَقَالَ عبد الْحق: أَبُو الْمُنْذر الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده لَا أعلم رَوَى عَنهُ إِلَّا إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة. وَله طَرِيق آخر من حَدِيث أبي هُرَيْرَة يَأْتِي فِي الْبَاب، وَهُوَ الحَدِيث الثَّامِن عشر، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان «أَن النَّبِي ﷺ أُتِي بسارق قد سرق شملة، قَالَ: مَا إخالك سرقت. قَالَ: بلَى قد فعلت. قَالَ: فاذهبوا بِهِ فاقطعوه، ثمَّ احسموه، ثمَّ ائْتُونِي بِهِ. فَذَهَبُوا بِهِ فقطعوه ثمَّ حسموه ثمَّ أَتَوا بِهِ، قَالَ: تب إِلَى الله. قَالَ: تبت إِلَى الله. قَالَ: اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ» . فَائِدَة: مَعْنَى «مَا إخالك» (مَا أُعْطِيك) ، وإخال بِكَسْر الْهمزَة أفْصح من فتحهَا وَأكْثر اسْتِعْمَالا، وَالْفَتْح هُوَ الْقيَاس قَالَ الْجَوْهَرِي: إخال بِكَسْر الْألف هُوَ الْأَفْصَح، وَبَنُو أَسد يَقُولُونَ: أخال، بِالْفَتْح وَهُوَ الْقيَاس.

стр. 5322

الحَدِيث الْحَادِي عشر أنَّه ﷺ قَالَ: «من ستر مُسلما ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» بِهَذَا اللَّفْظ من رِوَايَة أَحْمد بن حَنْبَل، ثَنَا مُحَمَّد بن بكر، أبنا ابْن جريج، عَن ابْن الْمُنْكَدر، عَن أبي أَيُّوب، عَن [مسلمة] بن مخلد مَرْفُوعا: «من ستر مُسلما فِي الدُّنْيَا ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة بِزِيَادَة فِيهِ، وَهَذَا لَفظه: «من نَفْس عَن (مُسلم) كربَة من كرب الدُّنْيَا نَفْس الله عَنهُ كربَة من كرب الْآخِرَة، وَمن ستر عَلَى مُسلم ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَالله فِي عون العَبْد (مَا دَامَ) العَبْد فِي عون أَخِيه» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ غير وَاحِد عَن الْأَعْمَش [عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النَّبِي ﷺ نَحْو رِوَايَة أبي عوَانَة، وَرَوَى أَسْبَاط بن مُحَمَّد عَن الْأَعْمَش] قَالَ: حدثت عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة. وَكَأن هَذَا أصح من الحَدِيث الأول، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا من رِوَايَة ابْن عمر مَرْفُوعا: «الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يُسلمهُ، وَمن كَانَ فِي حَاجَة أَخِيه كَانَ الله فِي حَاجته، وَمن فرج عَن مُسلم كربَة فرج الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم الْقِيَامَة، وَمن ستر مُسلما

стр. 5323

ستره الله يَوْم الْقِيَامَة» . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح [غَرِيب] وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث مُحَمَّد بن وَاسع، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من ستر أَخَاهُ الْمُسلم فِي الدُّنْيَا ستره الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة» وَالْبَاقِي بِمثل لفظ التِّرْمِذِيّ، قَالَ الْحَاكِم: إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. وَرَوَى الْحَاكِم بِإِسْنَادِهِ عَن سُهَيْل، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ مَرْفُوعا: «لَا يستر عبدٌ عبدا فِي الدُّنْيَا إِلَّا ستره الله يَوْم الْقِيَامَة» وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. قَالَ: وَهَذَا يصحح حَدِيث الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة، (وَحَدِيث مُحَمَّد بن وَاسع، عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة) ، وَذَلِكَ أَن ابْن أَسْبَاط الْقرشِي رَوَاهُ عَن الْأَعْمَش، عَن بعض أَصْحَابه، عَن أبي صَالح، وَرَوَاهُ حَمَّاد بن زيد عَن مُحَمَّد بن وَاسع، عَن رجل، عَن أبي صَالح. الحَدِيث الثَّانِي عشر «أنَّه ﷺ قَالَ لماعز: لَعَلَّك قبلت أَو غمزت أَو نظرت» . هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي «بَاب حد الزِّنَا» فَرَاجعه.

стр. 5324

الحَدِيث الثَّالِث عشر رُوِيَ «أنَّه ﷺ قَالَ للسارق: أسرقت؟ قل لَا» . هَذَا الحَدِيث تبع فِي إِيرَاده الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَوله: «أسرقت؟ قل لَا» لم يُصَحِّحهُ الْأَئِمَّة. وَتَبعهُ الرَّافِعِيّ فِي ذَلِك حَيْثُ قَالَ: لم يصححوا هَذَا الحَدِيث، وتبعا فِي ذَلِك الإِمَام فَإِنَّهُ قَالَ فِي «نهايته» : إِن صَحَّ أَنه ﵇ قَالَ لِلْمَرْفُوعِ بتهمة السّرقَة إِلَيْهِ: «مَا إخالك سرقت، أسرقت أم لَا» وَسمعت بعض أَئِمَّة الحَدِيث لَا يصحح هَذَا اللَّفْظ وَهُوَ: «قل» فيبقي الْمُتَّفق عَلَى صِحَّته، وَهُوَ قَوْله: «مَا إخالك سرقت» وَقَالَ فِي بَاب الشَّهَادَة عَلَى الْحُدُود: سَيَأْتِي الحَدِيث أَنه ﵇ قَالَ لِلْمَرْفُوعِ إِلَيْهِ بتهمة السّرقَة: «مَا إخالك سرقت» ، وَفِي بعض الْأَلْفَاظ: «أسرقت؟ قل: لَا. قَالَ ذَلِك سرًّا» . قَالَ: وغالب ظَنِّي أَن هَذِه الزِّيَادَة لم تصح عِنْد أَئِمَّة الحَدِيث. قَالَ: وَحَدِيث «مَا إخالك سرقت» إِمَّا يقدم فِيهِ الْحَث عَلَى الرُّجُوع لَا عَلَى الإيجاز فَإِنَّهُ اعْترف عِنْده مرّة، ثمَّ قَالَ لَهُ ذَلِك مرّة أُخْرَى. قلت: وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء ﵁ مَوْقُوفا «أَنه أُتِي بِجَارِيَة سرقت، فَقَالَ لَهَا: سرقت. قولي: لَا. قَالَت: لَا. فخلى سَبِيلهَا» . الحَدِيث الرَّابِع عشر «أَن ماعزًا لما ذكر لهزال أَنه زنَى قَالَ لَهُ: بَادر إِلَى النَّبِي ﷺ قبل أَن

стр. 5325

ينزل الله فِيك قُرْآنًا. فَذكر ذَلِك للنَّبِي (فَقَالَ: هلا سترته بثوبك يَا هزال» . هَذَا الحَدِيث تقدم فِي بَابه. الحَدِيث الْخَامِس عشر «أنَّه ﷺ أُتِي بسارق فَقطع يَمِينه» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي «مُعْجَمه» بِزِيَادَة فِي أَوله فِي تَرْجَمَة حَارِث بن عبد الله بن أبي ربيعَة فَقَالَ: ثَنَا هَارُون بن عبد الله، ثَنَا حَمَّاد بن مسْعدَة، عَن ابْن جريج، عَن عبد الْكَرِيم أبي أُميَّة، عَن حَارِث بن عبد الله بن أبي ربيعَة «أَن النَّبِي ﷺ أُتِي بسارق فَقيل: يَا رَسُول الله، إِنَّه لناس من الْأَنْصَار مَا لَهُم مَال غَيره فَتَركه، ثمَّ أُتِي بِهِ الثَّانِيَة فَتَركه، ثمَّ أُتِي بِهِ الثَّالِثَة فَتَركه، ثمَّ أُتِي بِهِ الرَّابِعَة فَتَركه، ثمَّ أُتِي بِهِ الْخَامِسَة فَقطع يَمِينه، ثمَّ أُتِي بِهِ السَّادِسَة فَقطع رجله، ثمَّ أُتِي بِهِ السَّابِعَة فَقطع يَده، ثمَّ أُتِي بِهِ الثَّامِنَة فَقطع رجله، ثمَّ قَالَ: أَربع بِأَرْبَع» . ثمَّ قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث أخرجه هَارُون فِي الْمسند وَلَا أَحسب لِلْحَارِثِ بن عبد الله صُحْبَة. قلت: وَذكره أَبُو نعيم فِي «الصَّحَابَة» ثمَّ سَاق لَهُ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق الْبَغَوِيّ، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ ابْن جريج عَن عبد الْكَرِيم أبي أُميَّة، عَن الْحَارِث بن عبد الله بن عَيَّاش بن أبي ربيعَة، عَن أَبِيه [عَن] عمر. وَعبد الْكَرِيم هَذَا كذبه أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَضرب أَحْمد عَلَى حَدِيثه،

стр. 5326

قَالَ: وَهُوَ يشبه الْمَتْرُوك. وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ: مَتْرُوك. الحَدِيث السَّادِس عشر عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي السَّارِق: إِن سرق فَاقْطَعُوا يَده، ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا رجله، ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا يَده، ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا رجله» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من حَدِيث أَحْمد بن الْعَبَّاس، ثَنَا إِسْمَاعِيل بن سعد، أبنا الْوَاقِدِيّ، عَن ابْن أبي ذِئْب، عَن خَالِد بن سَلمَة، أرَاهُ عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة. والواقدي حَالَته مَعْلُومَة، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فَقَالَ: أبنا بعض أَصْحَابنَا عَن ابْن [أبي] ذِئْب، عَن الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن، عَن أبي سَلمَة، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا «السَّارِق إِذا سرق فَاقْطَعُوا يَده، [ثمَّ] إِن سرق فَاقْطَعُوا رجله، ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا يَده، ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا رجله» .

стр. 5327

الحَدِيث السَّابِع عشر عَن جَابر بن عبد الله ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ أُتِي بسارق فَقطع يَده، ثمَّ أُتِي بِهِ ثَانِيًا فَقطع رجله، ثمَّ أُتِي بِهِ ثَالِثا فَقطع يَده، ثمَّ أُتِي بِهِ رَابِعا فَقطع رجله؛ ثمَّ أُتِي بِهِ خَامِسًا فَقتله» . هَذَا الحَدِيث ضَعِيف أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ كَذَلِك، وَقَالَ فِي آخِره «فَأمر بقتْله» وَهُوَ هُوَ، وَسبب ضعفه مُحَمَّد بن يزِيد بن سِنَان الرهاوي الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ ضَعِيف، وَأخرجه أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من حَدِيث جَابر أَيْضا قَالَ: «جِيءَ بسارق إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ. فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا [سرق] قَالَ: اقطعوه. فَقطع ثمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَة فَقَالَ: اقْتُلُوهُ. فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا سرق. قَالَ: اقطعوه [ثمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَة فَقَالَ: اقْتُلُوهُ. فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا سرق. فَقَالَ: اقطعوه] ثمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَة فَقَالَ: اقْتُلُوهُ. قَالُوا: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا سرق. قَالَ اقطعوه. فَأتي بِهِ الْخَامِسَة فَقَالَ: اقْتُلُوهُ. قَالَ جَابر: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى مربد النعم فاستلقى عَلَى ظَهره فقتلناه، ثمَّ اجتررناه فألقيناه فِي بِئْر، ورمينا عَلَيْهِ الْحِجَارَة» . وَفِي إِسْنَاده مُصعب بن ثَابت وَقد ضَعَّفُوهُ.

стр. 5328

قَالَ النَّسَائِيّ فِي «سنَنه» : هَذَا حَدِيث مُنكر، وَمصْعَب بن ثَابت قد ضَعَّفُوهُ. قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَلَا يَصح هَذَا الحَدِيث، وَلَا أعلم فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثا صَحِيحا. وَقَالَ ابْن الصّلاح: هَذِه الرِّوَايَة شَاذَّة وَإِن أخرجهَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وَقَالَ صَاحب «الاستذكار» : قَالَ النَّسَائِيّ: مُصعب لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَإِن كَانَ الْقطَّان رَوَى عَنهُ، وَهَذَا الحَدِيث غير صَحِيح، وَلَا أعلم فِي الْبَاب حَدِيثا صَحِيحا عَنهُ ﵇ قَالَ فِيهِ الْقَتْل فِي الْخَامِسَة، وَلَا أعلم أحدا من أهل الْعلم قَالَ بِهِ، إِلَّا مَا ذكره أَبُو مُصعب صَاحب مَالك فِي «مُخْتَصره» عَن أهل الْمَدِينَة - مَالك وَغَيره - قَالَ: فَإِن سرق الْخَامِسَة قتل كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ وَعُثْمَان وَعمر بن عبد الْعَزِيز. قَالَ: وَكَانَ مَالك يَقُول: لَا يقتل. قَالَ أَبُو عمر: حَدِيث الْقَتْل (مُنكر) لَا أصل لَهُ، وَقد ثَبت عَنهُ أَنه «لَا يحل دم امْرِئ مُسلم إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث» وَلم يذكر السَّارِق فِيهَا، وَقَالَ ﵇ فِي السّرقَة: «فَاحِشَة وفيهَا عُقُوبَة» وَلم يذكر قتلا، وَعَلَى هَذَا جُمْهُور الْعلمَاء. قَالَ الشَّافِعِي: هَذَا الحَدِيث مَنْسُوخ لَا خلاف فِيهِ عِنْد أحدٍ من أهل الْعلم عَلَيْهِ. قَالَ الْمُنْذِرِيّ عقب هَذِه: السّنة مصرحة بالناسخ وَالْإِجْمَاع من الْأَئِمَّة عَلَى أَنه لَا يقتل. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: الْقَتْل مَنْسُوخ؛ لِأَنَّهُ وَقع إِلَيْهِ سَارِق فِي الْخَامِسَة فَلم يقْتله. وَأجَاب الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب عَنهُ

стр. 5329

بجوابين: أَحدهمَا: مَا قدمْنَاهُ من الشَّيْخ، وَثَانِيهمَا: أَنه مَجْهُول عَلَى أَنه قَتله بزنا أَو استحلال. وَأجَاب ابْن الصّباغ بخصوصيته ذَلِك السَّارِق وَمَا سلف من الْإِجْمَاع حَكَاهُ أَيْضا لَكِن حَكَى الرَّوْيَانِيّ عَن عُثْمَان وَعبد الله بن عَمْرو بن العاصِ وَعمر بن عبد الْعَزِيز أَنه يقتل. الحَدِيث الثَّامِن عشر «أنَّه ﷺ قَالَ فِي سَارِق سرق شملة: اذْهَبُوا بِهِ فاقطعوه ثمَّ احسموه» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن الدَّرَاورْدِي، عَن يزِيد بن خصيفَة، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان، عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ [أُتِي بسارق قد سرق شملة، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، إِن هَذَا سرق، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ] مَا إخَاله سرق. قَالَ السَّارِق: بلَى يَا رَسُول الله. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : اذْهَبُوا بِهِ فاقطعوه، ثمَّ احسموه، ثمَّ ائْتُونِي بِهِ. فَقطع فَأتي بِهِ، فَقَالَ: تب إِلَى الله . فَقَالَ: تبت إِلَى الله . قَالَ: تَابَ الله عَلَيْك» قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد عَلَى شَرط مُسلم. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث وَصله يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن الدَّرَاورْدِي، وَتَابعه عَلَيْهِ غَيره، وأرسله عَنهُ عَلّي بن الْمَدِينِيّ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسْندهُ وَاحِد مِنْهُم فَوق ابْن ثَوْبَان إِلَى أحد، وَبَلغنِي أَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق رَوَاهُ عَن

стр. 5330

يزِيد بن خصيفَة عَن ابْن ثَوْبَان عَن أبي هُرَيْرَة، وَلَا أرَاهُ حفظه. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ عَنهُ فِيهِ أَيْضا مُرْسلا. قلت: رَجحه ابْن الْمَدِينِيّ وَابْن خُزَيْمَة، وَقَالَ ابْن الْقطَّان: إِسْنَاد مُتَّصِل لَا بَأْس بِهِ. قَالَ: وَيزِيد بن خصيفَة لَا بَأْس بِهِ يَقع هَكَذَا فِي الْأَكْثَر مَنْسُوبا إِلَى جده، وَهُوَ يزِيد بن عبد الله بن خصيفَة ثِقَة بِلَا خلاف. الحَدِيث التَّاسِع عشر قَالَ الرَّافِعِيّ: وَالسّنة أَن تعلق الْيَد المقطوعة فِي رقبته؛ لما رُوِيَ عَن فضَالة بن عبيد ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ أُتِي بسارق فَأمر بِهِ فَقطعت يَده، ثمَّ علقت فِي رقبته» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه «أَصْحَاب [السّنَن] الْأَرْبَعَة» من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن [محيريز] قَالَ: «سَأَلنَا فضَالة بن عبيد عَن تَعْلِيق الْيَد فِي الْعُنُق للسارق أَمن السّنة؟ قَالَ: أُتِي رَسُول الله ﷺ بسارق فَقطعت يَده، ثمَّ أَمر بهَا فعلقت فِي عُنُقه» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث عمر بن عَلّي، عَن الْحجَّاج بن أَرْطَاة، وَعبد الرَّحْمَن أَخُو عبد الله

стр. 5331

بن [محيريز] وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: هَذَا خطأ إِنَّمَا هُوَ عبد الله بن محيريز قَالَ: سَأَلت فضَالة. وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي «علله» : لم يعرف التِّرْمِذِيّ بِشَيْء من حَال عبد الرَّحْمَن، وَهِي لَا تعرف، وَلم يذكرهُ البُخَارِيّ وَلَا ابْن أبي حَاتِم. وَقَالَ النَّسَائِيّ: الْحجَّاج بن أَرْطَاة ضَعِيف، وَلَا يحْتَج بِخَبَرِهِ. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَذكر الإِمَام ثَلَاثَة أُمُور مستغربة مِنْهَا: أَن من الْأَصْحَاب من لم ير التَّعْلِيق وَلم يصحح الْخَبَر فِيهِ، انْتَهَى. وَقد علمت ضعف الْخَبَر غَرِيبا دَلِيلا وَإِن كَانَ غَرِيبا. هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله ومنّه. وَأما آثاره فَثَلَاثَة عشر أثرا: أَحدهَا: «أَن رجلا سرق من بَيت المَال، فَكتب بعض عُمَّال عمر إِلَيْهِ بذلك فَقَالَ: لَا قطع عَلَيْهِ، مَا من أحدٍ إِلَّا وَله فِيهِ حق» . وَهَذَا الْأَثر غَرِيب عَن عمر، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عَلّي ﵁ أَنه كَانَ يَقُول: «لَيْسَ عَلَى من سرق من بَيت المَال قطع» وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن ابْن عبيد بن الأبرص قَالَ: «شهِدت عليا ﵁ فِي الرحبة وَهُوَ يقسم خمْسا

стр. 5332

بَين النَّاس، فَسرق رجل من حَضرمَوْت مغفر حَدِيد من الْمَتَاع، فَأتي بِهِ عَلّي ﵁ فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ قطع هُوَ خائن وَله نصيب» . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الشَّافِعِي قَالَ: قَالَ أَبُو يُوسُف: أخبرنَا بعض أشياخنا، عَن مَيْمُون بن مهْرَان، عَن النَّبِي ﷺ «أَن عبدا من رَقِيق الْخمس [سرق من الْخمس] فَلم يقطعهُ، وَقَالَ: مَال الله بعضه فِي بعض» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوِيَ مَوْصُولا بِذكر ابْن عَبَّاس فِيهِ، وَفِي إِسْنَاده ضعف. قلت: سَببه حجاج بن أَرْطَاة، وجبارة بن الْمُغلس. الْأَثر الثَّانِي: «أَن عُثْمَان ﵁ سُرقَ فِي عَهده ثوب من مِنْبَر رَسُول الله ﷺ فَقطع السَّارِق (وَمَا) يُنكر عَلَيْهِ أحد» . وَهَذَا الْأَثر غَرِيب لَا يحضرني من خرجه. الْأَثر الثَّالِث: «أَن عمر ﵁ أُتِي بِعَبْد لرجل سرق مرْآة لزوجة الرجل قيمتهَا سِتُّونَ درهما فَلم يقطعهُ، وَقَالَ: خادمكم أَخذ مَتَاعكُمْ» . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَالشَّافِعِيّ فِي «مُسْنده» عَنهُ، عَن ابْن شهَاب، عَن السَّائِب بن يزِيد «أَن عبد الله بن عَمْرو الْحَضْرَمِيّ جَاءَ بِغُلَام إِلَى عمر بن الْخطاب فَقَالَ لَهُ: اقْطَعْ يَد هَذَا فَإِنَّهُ سرق. فَقَالَ لَهُ عمر: فَمَاذَا سرق؟ قَالَ: سرق مرْآة لامرأتي ثمنهَا سِتُّونَ درهما. فَقَالَ عمر: أرْسلهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قطع، خادمكم سرق مَتَاعكُمْ» .

стр. 5333

الْأَثر الرَّابِع: عَن عُثْمَان «أَنه قطع سَارِقا فِي أترجة قومت بِثَلَاثَة دَرَاهِم» (وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث سُفْيَان، عَن الزُّهْرِيّ، عَن السَّائِب بن يزِيد، عَن عبد الله بن عَمْرو الْحَضْرَمِيّ قَالَ: «أتيت عمر بن الْخطاب بِغُلَام لي ... » فَذكره) . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَالشَّافِعِيّ عَنهُ فِي «مُسْنده» عَن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عَن أَبِيه، عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن «أَن سَارِقا سرق أتْرُجة فِي عهد عُثْمَان ﵁ فَأمر بهَا عُثْمَان فقومت ثَلَاثَة دَرَاهِم من صرف اثْنَي عشر [درهما] بِدِينَار فَقطع يَده» . وَهِي الأترجة الَّتِي يأكلها النَّاس إِذْ لَو كَانَت من ذهب قدر الحمصة لم يقوم. قَالَ صَاحب الْمطَالع: قَالَ ابْن كنَانَة: كَانَت من ذهب قدر الحمصة يَجْعَل فِيهَا الطّيب. قَالَ صَاحب الْمطَالع: وَلَا يبعد قَول مَالك، فقد يُبَاع فِي كثير من الْبِلَاد بِثَلَاثَة دَرَاهِم فَكيف بِالْمَدِينَةِ، وَحين كثرت الدَّرَاهِم. قَالَ: وَهِي بِضَم الْهمزَة، وَتَشْديد الْجِيم، وَيُقَال أَيْضا: أترجة. قَالَ: وبالوجهين رُوِيَ فِي «الْمُوَطَّأ» . قَالَ: وَحَكَى أَبُو زيد «ترنجة» لُغَة ثَالِثَة، وَالْأول أفْصح. الْأَثر الْخَامِس: عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: «سَارِق مَوتَانا كسارق أحيائنا» .

стр. 5334

وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» من حَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ: حَدثنَا مَرْوَان بن عبد الْعَزِيز، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن عمْرَة، عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: «سَارِق أمواتنا كسارق أحياءنا فِي المجاعة» . الْأَثر السَّادِس: عَن عمر ﵁ «أَنه لَا قطع [فِي] عَام [المجاعة] » . وَهَذَا الْأَثر لم أره فِي كتب السّنَن المسانيد، وَرَأَيْت من عزاهُ إِلَى السَّعْدِيّ والراوي عَن الإِمَام أَحْمد فَقَالَ: ثَنَا هَارُون بن إِسْمَاعِيل الخزاز، ثَنَا عَلّي بن الْمُبَارك، ثَنَا يَحْيَى بن أبي كثير، حَدثنِي حسان بن زَاهِر أَن ابْن حدير حَدثهُ عَن عمر قَالَ: «لَا تقطع الْيَد فِي عذق وَلَا عَام سنة» قَالَ [السَّعْدِيّ] : سَأَلت أَحْمد بن حَنْبَل عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: العذق: النَّخْلَة، وعام: سنة المجاعة. فَقلت لِأَحْمَد: تَقول بِهِ؟ قَالَ: إِي لعمري. قلت: إِن سرق فِي مجاعَة لَا تقطعه. قَالَ: لَا إِذا حَملته الْحَاجة إِلَى ذَلِك، وَالنَّاس فِي مجاعَة وَشدَّة. الْأَثر السَّابِع: عَن جَابر ﵁ «أَن رجلا أنزل ضيفًا فِي مشربَة لَهُ فَوجدَ

стр. 5335

مَتَاعا قد أخفاه فَأتي بِهِ [أَبَا] بكر ﵁ فَقَالَ: خل عَنهُ فَلَيْسَ بسارق، وَإِنَّمَا هِيَ أَمَانَة أخفاها» . وَهَذَا الْأَثر غَرِيب لَا يحضرني من خرجه، وَرَأَيْت بِخَط بَعضهم أَن أَبَا الزبير قَالَ: «أضَاف رجل رجلا فِي مشربَة لَهُ، فَوجدَ مَتَاعا لَهُ قد أخبأه، فَأتي بِهِ أَبَا بكر فَقَالَ: خل عَنهُ فَلَيْسَ بسارق، وَإِنَّمَا هِيَ أَمَانَة أخبأها» . الْأَثر الثَّامِن: «أَن رجلا مَقْطُوع الْيَد وَالرجل قدم الْمَدِينَة فَنزل بِأبي بكر ﵁ وَكَانَ يكثر الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ أَبُو بكر: مَا ليلك بلَيْل سَارِق. فلبثوا مَا شَاءَ الله ففقدوا حليًّا لَهُم، فَجعل ذَلِك الرجل [يَدْعُو] عَلَى من سرق من أهل هَذَا الْبَيْت الصَّالح، فَمر رجل بصائغ من أهل الْمَدِينَة فَرَأَى عِنْده حليًّا فَقَالَ: مَا أشبه هَذَا بحلي آل أبي بكر. فَقَالَ للصائغ: مِمَّن أشتريته؟ فَقَالَ: من ضيف أبي بكر. فَأخذ ذَلِك الرجل فَأقر، فَبَكَى أَبُو بكر وَقَالَ: أبْكِي لغرته بِاللَّه. ثمَّ أَمر بِهِ فَقطعت يَده» . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي «موطئِهِ» ، وَالشَّافِعِيّ عَنهُ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، عَن أَبِيه «أَن رجلا من أهل الْيمن أقطع الْيَد وَالرجل قدم عَلَى أبي بكر الصّديق، فَشَكا إِلَيْهِ أَن عَامل الْيمن ظلمه، وَكَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل فَيَقُول أَبُو بكر: وَأَبِيك مَا ليلك بلَيْل سَارِق. ثمَّ أَنهم افتقدوا

стр. 5336

حليًّا لأسماء بنت عُمَيْس امْرَأَة أبي بكر، فَجعل الرجل يطوف مَعَهم وَيَقُول: اللَّهُمَّ عَلَيْك بِمن بيَّتَ أهل هَذَا الْبَيْت الصَّالح. فوجدوا الحُليَّ عِنْد الصَّائِغ وَأَن الأقَطع جَاءَ بِهِ، فاعترف الأقطع - أَو شهد عَلَيْهِ - فَأمر بِهِ أَبُو بكر فَقطعت يَده الْيُسْرَى، فَقَالَ أَبُو بكر: وَالله لدعاؤه عَلَى نَفسه أَشد عِنْدِي من سَرقته» . قَالَ الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين الْمَقْدِسِي فِي «أَحْكَامه» : الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق لَا أرَاهُ أدْرك زمَان جده، وَإِنَّمَا يروي من الصَّحِيح عَن عمته عَائِشَة وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس. وَقد رُوِيَ هَذَا عَن عبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن صَفِيَّة بنت أبي عبيد، عَن أبي بكر مثله، وَرُوِيَ عَن مُوسَى بن عقبَة، عَن نَافِع، عَن صَفِيَّة بنت أبي عبيد فِي هَذِه الْقِصَّة قَالَت: «فَأَرَادَ أَبُو بكر أَن يقطع رجله ويدع يَده ليستطيب بهَا، فَقَالَ عمر: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لتقطعن يَده الْأُخْرَى. فَأمر بِهِ أَبُو بكر فَقطعت» وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْحسن بن عَرَفَة، ثَنَا إِسْمَاعِيل بن علية، عَن أَيُّوب، عَن نَافِع «أَن رجلا أقطع الْيَد وَالرجل نزل عَلَى أبي بكر الصّديق فَكَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل، فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر: مَا ليلك بلَيْل سَارِق، من قَطعك؟ قَالَ: يعْلى بن أُميَّة ظلما. فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر: لأكتبن إِلَيْهِ وتوعده، فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ فقدوا حليًّا لأسماء بنت عُمَيْس قَالَ: فَجعل يَقُول: اللَّهُمَّ أظهر عَلَى صَاحبه. قَالَ:

стр. 5337

فَوجدَ عِنْد صائغ فألجئ حَتَّى ألجئ إِلَى الأقطع. قَالَ: فَقَالَ أَبُو بكر: وَالله لغرته بِاللَّه كَانَ أَشد مِمَّا صنع، اقْطَعُوا رجله. فَقَالَ عمر: بل تقطع يَده. كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فَقَالَ: دُونك» . وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر، عَن أَيُّوب، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر ... فَذكره، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق ... أَيْضا عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: «كَانَ رجل أسود يَأْتِي أَبَا بكر فيدنيه ويقرئه الْقُرْآن حَتَّى بعث ساعيًا - أَو قَالَ: سَرِيَّة - فَقَالَ: أَرْسلنِي مَعَه. قَالَ: بل تمكث عندنَا. فَأَبَى فَأرْسلهُ مَعَه واستوصى بِهِ خيرا، فَلم يغب عَنهُ إِلَّا قَلِيلا حَتَّى جَاءَ قد قُطعت يَده، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بكر فاضت عَيناهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنك؟ قَالَ: مَا زِدْت عَلَى أَنه كَانَ يوليني شَيْئا من عمله فخنت فَرِيضَة وَاحِدَة فَقطع يَدي. فَقَالَ أَبُو بكر: تَجِدُونَ الَّذِي قطع هَذَا يخون أَكثر من عشْرين فَرِيضَة، وَالله لَئِن كنت صَادِقا لأقيدنك مِنْهُ. قَالَ: ثمَّ أدناه وَلم يحول مَنْزِلَته الَّتِي كَانَت لَهُ مِنْهُ. قَالَ: فَكَانَ الرجل يقوم بِاللَّيْلِ فَيقْرَأ، فَإِذا سمع أَبُو بكر صَوته قَالَ: تالله لرجل قطع هَذَا لقد اجترأ عَلَى الله. قَالَ: فَلم يصبر إِلَّا قَلِيلا حَتَّى فقد آل أبي بكر حليًّا لَهُم ومتاعًا، فَقَالَ أَبُو بكر: طرق الْحَيّ اللَّيْلَة. فَقَامَ الأقطع فَاسْتقْبل الْقبْلَة وَرفع يَده الصَّحِيحَة وَالْأُخْرَى الَّتِي قطعت فَقَالَ: اللَّهُمَّ أظهر عَلَى من سرقهم - أَو [نَحْو هَذَا] ؛ وَكَانَ [معمر رُبمَا] قَالَ: اللَّهُمَّ أظهر من سرق أهل هَذَا الْبَيْت الصَّالِحين - قَالَ: فَمَا انتصف النَّهَار حَتَّى

стр. 5338

(عثروا) عَلَى الْمَتَاع عِنْده، فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر: وَيلك إِنَّك لقَلِيل الْعلم بِاللَّه: فَأمر بِهِ فَقطعت يَده» . فَائِدَتَانِ: الأولَى: قَالَ صَاحب «الاستذكار» : اخْتلف فِي هَذَا الحَدِيث فَروِيَ «أَنه إِنَّمَا قطع رجله، وَكَانَ مَقْطُوع الْيَد الْيُمْنَى فَقَط» ذكره عبد الرَّزَّاق عَن معمر، عَن الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة، فساقه كَمَا قدمْنَاهُ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «بَاب مَا جَاءَ فِي قتل الإِمَام» وخرَّجه كُله سَوَاء سندًا ومتنًا. الثَّانِيَة: مَعْنَى «بيَّت الْأَمر» : أَتَاهُ لَيْلًا. وَقَوله: «لدعاؤه عَلَى نَفسه» كَذَا وَقع فِي رِوَايَة «الْمُوَطَّأ» وَالشَّافِعِيّ، وَوَقع فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة «لغرته بِاللَّه» أَي لجرءته عَلَى الله، وَوَقع فِي تَعْلِيق القَاضِي حُسَيْن أَن الْحلِيّ كَانَ لعَائِشَة وَأَنه كَانَ عبدا لَهَا، وَذكره القَاضِي أَبُو الطّيب فِي «تَعْلِيقه» عَلَى الصَّوَاب فَقَالَ: إِن الْمَسْرُوق كَانَ لأسماء بنت عُمَيْس زوج الصّديق كَمَا سلف. الْأَثر التَّاسِع: «أَن أَبَا بكر ﵁ قَالَ لسارق [أقرّ عِنْده] : أسرقت؟ قل: لَا» . وَهَذَا الْأَثر عزاهُ الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب إِلَى تَعْلِيق الشَّيْخ أبي حَامِد، وَهُوَ غَرِيب عَنهُ لَا أعلم من خرجه عَنهُ، وَالْمَعْرُوف أَنه عَن أبي الدَّرْدَاء وَأبي مَسْعُود، كَذَلِك رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ فِي «سنَنه» .

стр. 5339

الْأَثر الْعَاشِر: «أَن عمر ﵁ عرض لزياد بالتوقف فِي الشَّهَادَة عَلَى الْمُغيرَة بن شُعْبَة قَالَ: أرَى وَجه رجل لَا يفضح رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ » . وَهَذَا تقدم فِي الْبَاب قبله مَعْنَاهُ قَالَ الرَّافِعِيّ: وَتَكَلَّمُوا فِي أَنه كَيفَ جَازَ لعمر هَذَا التَّعْرِيض لدفع الْحَد عَن الْمُغيرَة، وَفِيه إِثْبَات الْحَد عَلَى الثَّلَاثَة الَّذين شهدُوا صَرِيحًا عَلَى الْمُغيرَة، وَأَجَابُوا عَنهُ بِوُجُوه مِنْهَا: أَن الْحَد الَّذِي تعرض لَهُ الْمُغيرَة الرَّجْم، وحدهم حد الْقَذْف، وَهُوَ أَهْون من الرَّجْم، وَمِنْهَا: أَنهم كَانُوا مندوبين إِلَى السّتْر أَلا ترَى أَن ماعزًا لما ذكر لهزال أَنه زنا قَالَ لَهُ: «بَادر إِلَى النَّبِي ﷺ قبل أَن ينزل الله فِيك قُرْآنًا. فَذكر ذَلِك للنَّبِي (فَقَالَ: هلا سترته [بثوبك] يَا هزال» . فَلَمَّا تركُوا الْمَنْدُوب استحقوا التَّغْلِيظ. الْأَثر الْحَادِي عشر: «أَن أَبَا مَسْعُود قَرَأَ: وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أيمانهما» . وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من رِوَايَة مُسلم ابْن خَالِد الزنْجِي، عَن ابْن أبي نجيح، عَن مُجَاهِد «فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود «وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أيمانهما» ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن ابْن أبي نجيح، وَهَذَا مُنْقَطع، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ إِلَّا أَنه قَالَ: فِي قراءتنا «والسارقون والسارقات تقطع أَيْمَانهم» قَالَ الرَّافِعِيّ: وَالْقِرَاءَة الشاذة تنزل منزلَة أَخْبَار الْآحَاد.

стр. 5340

قلت: وَنقل الْحَاكِم عَن البُخَارِيّ وَمُسلم أَن تَفْسِير الصَّحَابِيّ فِي حكم الْمَرْفُوع، فيحتج بِهَذَا، و [مَا] ذكره الرَّافِعِيّ من تنزيلها منزلَة الْأَخْبَار صَحِيح، نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ فِي بَاب الرَّضَاع، وَجزم بِهِ الشَّيْخ أَبُو حَامِد فِي الصّيام وَالرّضَاع، وَالْمَاوَرْدِيّ فيهمَا، وَالْقَاضِي أَبُو الطّيب فِي الصّيام، وَوُجُوب الْعمرَة، وَالْقَاضِي حُسَيْن فِي الصّيام، والمحاملي فِي الْأَيْمَان فِي عدَّة الْمُسَافِر، وَابْن يُونُس فِي شَرحه فِي الْفَرَائِض فِي الْكَلَام عَلَى مِيرَاث الْأَخ للْأُم، وَذكر إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي «الْبُرْهَان» أَن الظَّاهِر من مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه لَا يحْتَج بهَا، وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فَجزم بِهِ فِي «شرح مُسلم» فِي حَدِيث صَلَاة الْوُسْطَى، وَغَيره فَتنبه لذَلِك. الْأَثر الثَّانِي عشر وَالثَّالِث عشر: عَن أبي بكر وَعمر ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا: «إِذا سرق السَّارِق فَاقْطَعُوا يَده من الْكُوع» وَهَذَا غَرِيب عَنْهُمَا، نعم فِي الْبَيْهَقِيّ عَن عمر «أَنه كَانَ يقطع السَّارِق من الْمفصل» وَقد سلف مَرْفُوعا فِي الدِّيات وَأَنه ضَعِيف.

стр. 5341

كتاب قطاع الطَّرِيق

стр. 5342

كتاب قطاع الطَّرِيق ذكر فِيهِ ﵀ حَدِيث «لَا يقطع إِلَّا فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا» . وَقد سلف بَيَانه فِي الْبَاب قبله. وَحَدِيث «نهَى رَسُول الله ﷺ عَن تَعْذِيب الْحَيَوَان» . وَهُوَ حَدِيث صَحِيح فَفِي «صَحِيح البُخَارِيّ» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: «بعثنَا رَسُول الله ﷺ فِي بعث فَقَالَ: إِن وجدْتُم فلَانا وَفُلَانًا - لِرجلَيْنِ من قُرَيْش سماهما - فأحرقوهما بالنَّار. ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ حِين أردنَا الْخُرُوج: إِنِّي كنت أَمرتكُم أَن تحرقوا فلَانا وَفُلَانًا، وَإِن النَّار لَا يعذب بهَا إِلَّا الله، فَإِن وجدتموهما فاقتلوهما» . فَائِدَة: الرّجلَانِ هَبَّار بن الْأسود، وَنَافِع بن عبد عَمْرو، وَذكره الْبَزَّار فِي «مُسْنده» وَفِي سيرة ابْن إِسْحَاق: نَافِع بن عبد [قيس] الفِهري، وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» بِإِسْنَاد صَحِيح من حَدِيث ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر فَانْطَلق لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حمَّرة مَعهَا فرخان فأخذنا فرخيها، فَجَاءَت الحمَّرة فَجعلت تغرِّس، فجَاء النَّبِي ﷺ -

стр. 5343

فَقَالَ: من فجع هَذِه فِي وَلَدهَا؟ ردوا وَلَدهَا إِلَيْهَا [وَرَأَى] قَرْيَة نمل قد أحرقناها فَقَالَ: من حرق هَذِه؟ قُلْنَا: نَحن. قَالَ: إِنَّه لَا يَنْبَغِي أَن يعذّب بالنَّار إِلَّا رب النَّار» . وَأخرجه الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ، وَقَالَ: «فَجعلت تصيح» وانتهت رِوَايَته إِلَى عِنْد قَوْله: «ردوا وَلَدهَا إِلَيْهَا. قَالَ: فردوهما» ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. فَائِدَة: قَرْيَة النَّمْل مَعْنَاهُ مَوضِع النَّمْل مَعَ النَّمْل. وَذكر الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب من الْآثَار أثر ابْن عَبَّاس ﵄ «أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى (إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا أَن يقتلُوا أَو يصلبوا أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف أَو ينفوا من الأَرْض) أَنَّهَا [وَارِدَة] فِي حق قطاع الطَّرِيق من الْمُسلمين دون أهل الْكفْر والمرتدين، وَكَذَلِكَ هِيَ عِنْد أَكثر الْعلمَاء، وَاحْتَجُّوا لذَلِك بقوله تَعَالَى: (إِلَّا الَّذين تَابُوا من قبل أَن تقدروا عَلَيْهِم) الْآيَة، وتوبة الْكَافِر فِي (أَنَّهَا) تسْقط الْعقُوبَة عَنهُ لَا يخْتَلف بَين أَن يُوجد قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِ أَو بعْدهَا، وَلم يقيموا وزنا لقَوْل من قَالَ: إِن الْمُؤمن لَا يحارب الله وَرَسُوله. فَقَالُوا: لفظ الْمُحَاربَة يَنْتَظِم عِنْد الجرأة بالمخالفة والعصيان، أَلا ترَى أَن الله - تَعَالَى - يَقُول (للْمُؤْمِنين) (فَإِن لم تَفعلُوا فأذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله) . قَالَ

стр. 5344

الرَّافِعِيّ: وَفسّر ابْن عَبَّاس ﵁، فِيمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي - الْآيَة عَلَى مَرَاتِب وَالْمعْنَى أَن يُقتلوا إنَ قتلوا، أَو يصلبوا إِن أخذُوا المَال وَقتلُوا، أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف إِن اقتصروا عَلَى أَخذ المَال، وَكلمَة «أَو» للتنويع لَا للتَّخْيِير، كَمَا يُقَال: الزَّانِي يجلد أَو يرْجم. قَالَ ابْن عَبَّاس: وَمَعْنى نفيهم من الأَرْض أَنهم إِذا هربوا من حبس الإِمَام يتبعُون ليرُدوا ويتفرق جمعهم، وَتبطل شوكتهم، (من) ظفر نابه نُقِيم عَلَيْهِ مَا تُؤَدِّيه جِنَايَته من الْحَد أَو التَّعْزِير. هَذَا آخر مَا ذكره الرَّافِعِيّ وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَأما الْآيَة فلأهل التَّفْسِير فِي سَبَب نُزُولهَا خلاف كَبِير لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره، وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» و «النَّسَائِيّ» : أَنَّهَا نزلت فِي الْمُشْركين فَمن تَابَ مِنْهُم قبل أَن يقدر عَلَيْهِ لم يمنعهُ ذَلِك أَن يُقَام فِيهِ الْحَد الَّذِي أَصَابَهُ. وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» أَنَّهَا نزلت فِي العرنيين. وَأما الْأَثر فَرَوَاهُ الشَّافِعِي كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّافِعِيّ فَقَالَ: أبنا إِبْرَاهِيم - هُوَ ابْن أبي يَحْيَى - عَن صَالح مولَى التوءمة، عَن ابْن عَبَّاس «فِي قطاع الطَّرِيق: إِذا قتلوا وَأخذُوا المَال [قتلوا وصلبوا، وَإِذا قتلوا وَلم

стр. 5345

يَأْخُذُوا المَال قتلوا وَلم يصلبوا، وَإِذا أخذُوا المَال] وَلم يقتلُوا قطعت أَيْديهم وأرجلهم من خلاف، وَإِذا أخافوا السَّبِيل وَلم يَأْخُذُوا مَالا نفوا من الأَرْض» . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الشَّافِعِي قَالَ: وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم عَن دَاوُد، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «نزلت هَذِه الْآيَة فِي الْمُحَارب (إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله) إِذا عدى فَقطع الطَّرِيق فَقتل وَأخذ المَال صلب، فَإِن قتل [وَلم يَأْخُذ] مَالا قتل، فَإِن أَخذ المَال وَلم يقتل قطع من خلاف، فَإِن هرب وأعجزهم فَذَلِك نَفْيه» ثمَّ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن سعد (بن مُحَمَّد) بن الْحسن بن عَطِيَّة، ثَنَا أبي، حَدثنِي عمي، حَدثنِي أبي، عَن أَبِيه، عَن ابْن عَبَّاس «فِي قَوْله تَعَالَى (إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله) الْآيَة، قَالَ: إِذا حَارب فَقتل فَعَلَيهِ الْقَتْل إِذا ظهر عَلَيْهِ قبل تَوْبَته، وَإِذا حَارب وَأخذ المَال وَقتل فَعَلَيهِ الصلب [وَإِن ظهر عَلَيْهِ قبل تَوْبَته، وَإِذا حَارب وَأخذ المَال] وَلم يقتل فَعَلَيهِ قطع الْيَد وَالرجل من خلاف إِن ظهر عَلَيْهِ قبل تَوْبَته، وَإِذا حَارب وأخاف السَّبِيل فَإِنَّمَا عَلَيْهِ النَّفْي، ونفيه أَن يطْلب» . قَالَ الشَّافِعِي: وَاخْتِلَاف حدودهم باخْتلَاف أفعالهم عَلَى مَا قَالَ ابْن عَبَّاس إِن شَاءَ الله.

стр. 5346

قلت: وَرَوَاهُ ابْن الْمُغلس عَن عبد الله بن أَحْمد، عَن أَبِيه، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة، ثَنَا حجاج، عَن عَطِيَّة الْعَوْفِيّ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «إِذا خرج الرجل مُحَاربًا فَأَخَاف الطَّرِيق وَأخذ المَال قطعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ من خلاف، وَإِذا أَخذ المَال وَقتل قطعت يَده وَرجله وصلب، وَإِذا قتل وَلم يَأْخُذ المَال قتل، وَإِذا أَخَاف الطَّرِيق وَلم يَأْخُذ مَالا وَلم يقتل نفي» . ثمَّ اعْلَم أَن الْغَزالِيّ فِي «وسيطه» جعل التَّفْسِير الْمَذْكُور عَن ابْن عَبَّاس من قَوْله مَرْفُوعا، وَهُوَ غَرِيب، وَقد أنكر عَلَيْهِ ابْن الصّلاح فِي «مشكله» فَقَالَ: إِنَّمَا يعرف ذَلِك من تَفْسِير ابْن عَبَّاس. كَذَلِك ذكره الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ وَالنَّاس، وَكَذَلِكَ ذكره شَيْخه، وَجعله إِيَّاه مَرْفُوعا قَالَ: وَتَفْسِير ابْن عَبَّاس أرجح من تَفْسِير غَيره؛ لِأَنَّهُ ترجمان الْقُرْآن، وَالْمعْنَى يعضده.

стр. 5347

كتاب حد شَارِب الْخمر

стр. 5348

كتاب حد شَارِب الْخمر ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث وآثارًا. أما الْأَحَادِيث فستة عشر حَدِيثا: أَحدهَا عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «كل مُسكر خمر، وكل خمر حرَام» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم فِي [صَحِيحه] كَذَلِك. وَفِي رِوَايَة لَهُ «كل مُسكر حرَام، وكل مُسكر خمر، وَمن شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يدمنها لم يتب مِنْهَا، لم يشْربهَا فِي الْآخِرَة» . الحَدِيث الثَّانِي عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لعن الله الْخمر وشاربها وساقيها، وبائعها ومبتاعها، ومعتصرها وحاملها والمحمولة إِلَيْهِ» .

стр. 5349

هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من الطَّرِيق الْمَذْكُور، وَفِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الغافقي، وَسُئِلَ عَنهُ يَحْيَى بن معِين فَقَالَ: لَا أعرفهُ. وَذكره ابْن يُونُس فِي «تَارِيخه» وأوضح أَنه مَعْرُوف. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا من الْوَجْه الْمَذْكُور، وَهَذَا لَفظه قَالَ (: «لعنت الْخمر بِعَينهَا، وعاصرها، ومعتصرها ... » بِمثل لفظ أبي دَاوُد، وَزَاد أَحْمد فِي «مُسْنده» أَيْضا بِهِ سَوَاء إِلَّا أَنه قَالَ: «لعنت الْخمر عَلَى عشرَة وُجُوه: لعنت الْخمْرَة بِعَينهَا ... » إِلَى آخِره. وَفِي إسنادهما أَبُو طعمة مَوْلَاهُم، وَقد رَمَاه مَكْحُول الْهُذلِيّ بِالْكَذِبِ، وَوَقع فِي «سنَن أبي دَاوُد» من طَرِيق [اللؤْلُؤِي] «أَبُو عَلْقَمَة» بدل

стр. 5350

«طعمة» وَالَّذِي وَقع فِي رِوَايَة أبي الْحسن بن العَبْد، وَغير وَاحِد «أبي طعمة» قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي «الْأَطْرَاف» : وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره، وَذكره ابْن السكن فِي «سنَنه الصِّحَاح» بلفظين: أَحدهمَا: «أَنه ﵇ لعن الْخمر، وعاصرها وجالبها، وبائعها ومشتريها، وَحرم ثمنهَا» وَفِي رِوَايَة لَهُ «وشاربها» . ثَانِيهَا: أَنه ﵇ قَالَ: «إِن الله لعن الْخمر وعاصرها والمعتصر لَهُ، والجالب والمجلوب إِلَيْهِ، وَالْبَائِع وَالْمُشْتَرِي، والساقي، وَحرم ثمنهَا عَلَى الْمُسلمين» . وَله طَرِيق ثَانِي من حَدِيث أنس بن مَالك قَالَ: «لعن رَسُول الله ﷺ فِي الْخمر عشرَة: عاصرها ومعتصرها، وشاربها، وحاملها والمحمولة إِلَيْهِ، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنهَا، وَالْمُشْتَرِي لَهَا [والمشتراة] لَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَاللَّفْظ لَهُ، وَابْن مَاجَه بِنَحْوِهِ، قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَإِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ؛ لِأَن فِي إِسْنَاده شبيب بن بشر وَلم تثبت عَدَالَته، وَقَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم: لين الحَدِيث.

стр. 5351

قلت: لَكِن وَثَّقَهُ ابْن معِين فَيَنْبَغِي إِذن تَصْحِيحه. قَالَ: وَقد رُوِيَ نَحْو هَذَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَابْن عمر. قلت: أما حَدِيث ابْن عمر فقد سلف من أخرجه، وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَأخْرجهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» عَنهُ أَنه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول: «أَتَانِي جِبْرِيل فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، إِن الله لعن الْخمر وعاصرها، ومعتصرها وشاربها، وحاملها والمحمولة إِلَيْهِ، وبائعها ومبتاعها، وساقيها ومستقيها» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. قَالَ: وَشَاهده حَدِيث فليح بن سُلَيْمَان، عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن وَائِل، عَن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عَن أَبِيه أَن رَسُول (قَالَ: «لعن الله الْخمْرَة، وَلعن سَاقيهَا وشاربها، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إِلَيْهِ، وبائعها ومبتاعها، وآكل ثمنهَا» . قلت: وَرُوِيَ من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود أَيْضا، ذكره ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» من حَدِيث عِيسَى بن أبي عِيسَى الحناط، عَن

стр. 5352

الشّعبِيّ، عَن عَلْقَمَة، عَن عبد الله، عَن النَّبِي ﷺ «أَنه لعن عشرَة: الْخمر وعاصرها ومعتصرها» قَالَ أَبُو حَاتِم: رَوَاهُ حسن بن صَالح، عَن عِيسَى الحناط، عَن الشّعبِيّ، عَمَّن حَدثهُ عَن النَّبِي ﷺ . قَالَ: لَا أبعد عِيسَى أَن يكون قَالَ مرّة كَذَا وَمرَّة كَذَا، هَذَا من عِيسَى. قلت: وَهُوَ بِغَيْر ألف كَمَا سلف فِي بَاب الِاسْتِنْجَاء. الحَدِيث الثَّالِث عَن جَابر ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «مَا أسكر كَثِيره فَالْفرق مِنْهُ حرَام» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه لَكِن لَفظهمْ: «مَا أسكر كَثِيره فقليله حرَام» قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب من حَدِيث جَابر انْتَهَى. وَفِي إِسْنَاده دَاوُد [بن] بكر بن أبي الْفُرَات الْأَشْجَعِيّ، وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا بَأْس بِهِ، لَيْسَ بالمتين. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَلِهَذَا السَّبَب لم يُصَحِّحهُ التِّرْمِذِيّ. قلت: وَلم يتفرد بِهِ دَاوُد، فقد تَابعه مُوسَى بن عقبَة.

стр. 5353

قلت: وَله شَاهد من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا بِلَفْظ الرَّافِعِيّ سَوَاء، رَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث زَكَرِيَّا بن مَنْظُور، عَن سَلمَة بن دِينَار الْأَعْرَج، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِهِ، وَفِيه عِلَّتَانِ: ضعف ابْن مَنْظُور وانقطاعه، فَإِن سَلمَة لم يسمع من ابْن عمر، وَشَاهد آخر من حَدِيث عَائِشَة وَسَيَأْتِي، قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي «مُخْتَصر السّنَن» : وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة عَلّي ابْن أبي طَالب، وَسعد بن أبي وَقاص، وَعبد الله بن عمر، وَعَائِشَة، وخوات بن جُبَير، وَحَدِيث سعد بن أبي وَقاص أَجودهَا إِسْنَادًا؛ فَإِن النَّسَائِيّ رَوَاهُ فِي «سنَنه» عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عمار الْموصِلِي - وَهُوَ أحد الثِّقَات - عَن الْوَلِيد بن كثير - وَقد احْتج [بِهِ] الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» - عَن الضَّحَّاك بن عُثْمَان - وَقد احْتج بِهِ مُسلم فِي «صَحِيحه» - عَن بكير بن عبد الله بن [الْأَشَج] عَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص، وَقد احْتج بهما الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» . وَقَالَ أَبُو بكر الْبَزَّار: هَذَا الحَدِيث لَا نعلمهُ يرْوَى [عَن سعد] إِلَّا

стр. 5354

من هَذَا الْوَجْه، وَرَوَاهُ عَن الضَّحَّاك، وأسنده جمَاعَة [عَنهُ] ٢٣٣) مِنْهُم الدَّرَاورْدِي، والوليد بن كثير وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي كثير الْمَدِينِيّ. قلت: وَأخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث الدَّرَاورْدِي، فَقَالَ: أبنا عبد الله بن قَحْطَبَةَ، ثَنَا أَحْمد بن أبان الْقرشِي، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد، أَخْبرنِي الضَّحَّاك بن عُثْمَان، عَن بكير بن عبد الله بن [الْأَشَج] ، عَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص، عَن أَبِيه «أَن رَسُول الله ﷺ نهَى عَن قَلِيل مَا أسكر كَثِيره» . الحَدِيث الرَّابِع عَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «مَا أسكر مِنْهُ الْفرق فملء الْكَفّ مِنْهُ حرَام» . هَذَا الحَدِيث وجدته فِي بعض النّسخ الْمُعْتَمدَة من الرَّافِعِيّ، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيث حسن. وَرَوَاهُ أَحْمد فِي كتاب «الْأَشْرِبَة» لَهُ وَلَفظه: «مَا أسكر الْفرق مِنْهُ فالوقية حرَام» قَالَ

стр. 5355

الْمُنْذِرِيّ: وَالْأَمر كَمَا ذكره التِّرْمِذِيّ فَإِن رُوَاته [جَمِيعهم] مُحْتَج بهم فِي «الصَّحِيحَيْنِ» سُوَى أبي عُثْمَان عَمْرو - وَيُقَال: عمر - ابْن سَالم الْأنْصَارِيّ مَوْلَاهُم الْمدنِي ثمَّ الْخُرَاسَانِي، وَهُوَ مَشْهُور ولي الْقَضَاء بِمَكَّة، وَرَأَى عبد الله بن عمر، وَعبد الله بن عَبَّاس، وَسمع من الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، وَعنهُ رَوَى هَذَا الحَدِيث، رَوَى عَنهُ غير وَاحِد، وَلم أر لأحد فِيهِ كلَاما. قلت: وَكَذَا قَالَ ابْن الْقطَّان: أَبُو عُثْمَان هَذَا لَا نَعْرِف حَاله، وَكَانَ قَاضِيا بمرو، وَلم أجد ذكره فِي مظان وجوده فِي مصنفات الرِّجَال الروَاة. قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا الحَدِيث [بِصَحِيح] . كَذَا قَالَ، وَأَبُو عُثْمَان هَذَا، قَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد: هُوَ مَعْرُوف بكنيته، وَلَا أَحَق فِي اسْمه وَاسم أَبِيه شَيْئا، وَقد أحسن مهْدي بن مَيْمُون الثَّنَاء عَلَى أبي عُثْمَان وَوَثَّقَهُ أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَة أبي عبيد الْآجُرِيّ عَنهُ، وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» ، وَأخرج الحَدِيث فِي «صَحِيحه» من جِهَته، وَأما الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ: رَفَعُوهُ وَخَالف خلف بن الْوَلِيد فَوَقفهُ عَلَى عَائِشَة وَالْقَوْل قَوْله.

стр. 5356

قلت: وَرَوَاهُ الْخَطِيب من طَرِيق آخر إِلَى عَائِشَة بِلَفْظ: «مَا أسكر كَثِيره فالقطرة مِنْهُ حرَام» وَفِيه عمر بن صهْبَان الْمَتْرُوك كَمَا قَالَه النَّسَائِيّ وَغَيره، ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق آخر عَنْهَا مَرْفُوعا: «من شرب نبيذًا فاقشعر مِنْهُ مفرق رَأسه فالحسوة مِنْهُ حرَام» وَإِسْنَاده غير ثَابت والعمدة عَلَى مَا سلف. الحَدِيث الْخَامِس عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ فِي خطبَته: «نزل تَحْرِيم الْخمر، وَهِي من خَمْسَة أَشْيَاء: الْعِنَب، وَالتَّمْر، وَالْحِنْطَة، وَالشعِير، وَالْعَسَل» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث ابْن عمر، عَن أَبِيه «أَنه قَالَ عَلَى مِنْبَر رَسُول الله ﷺ : أما بعد أَيهَا النَّاس، إِنَّه نزل تَحْرِيم الْخمر، وَهِي من خَمْسَة: من الْعِنَب وَالتَّمْر وَالْعَسَل وَالْحِنْطَة وَالشعِير، وَالْخمر مَا خامر الْعقل» . قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: فِيهِ دلَالَة عَلَى أَن قَوْله «وَالْخمر مَا خامر الْعقل» من قَول رَسُول الله ﷺ ، وَفِي «مُسْند أَحْمد» من حَدِيث ابْن عمر أنَّه ﷺ قَالَ: «من الْحِنْطَة خمر، وَمن الشّعير خمر، وَمن التَّمْر خمر، وَمن الزَّبِيب خمر، وَمن الْعَسَل خمر» ، وَفِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث

стр. 5357

أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «الْخمر من هَاتين الشجرتين: النَّخْلَة وَالْعِنَب» وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» و «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» و «صَحِيح ابْن حبَان» بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيح عَن النُّعْمَان بن بشير قَالَ: سَمِعت رَسُول (يَقُول: «إِن الْخمر من الْعصير، وَالزَّبِيب، وَالتَّمْر، وَالْحِنْطَة، وَالشعِير، والذرة، وَإِنِّي أنهاكم عَن كل مُسكر» قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. تَنْبِيه: إِنَّمَا ذكرت حَدِيث [عمر] هَذَا فِي الْأَحَادِيث دون الْآثَار؛ لِأَن الظَّاهِر أَن عمر ﵁ لَا يَقُوله إِلَّا عَن تَوْقِيف، وَقد صرح بِرَفْعِهِ فِي «مُسْند أَحْمد» كَمَا أسلفناه عَنهُ. الحَدِيث السَّادِس قَالَ الرَّافِعِيّ: وَمَا لَا يسكر من الأنبذة لَا يحرم، لَكِن يكره شرب المنَصَّف والخليطين لوُرُود النَّهْي عَنْهُمَا فِي الحَدِيث. كَمَا قَالَ فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث جَابر ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ نهَى أَن ينْبذ التَّمْر وَالزَّبِيب جَمِيعًا، وَنَهَى أَن ينْبذ الرطب والبسر جَمِيعًا» وَفِي لفظ «أَن يخلط الزَّبِيب وَالتَّمْر، والبسر، وَالتَّمْر» وَفِي مُسلم

стр. 5358

من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَابْن عمر، وَأبي سعيد، وَابْن عَبَّاس مثله، وَفِي «سنَن النَّسَائِيّ» من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ: «نهَى رَسُول الله ﷺ أَن يجمع شَيْئَيْنِ فينبذا [يَبْغِي] أَحدهمَا عَلَى صَاحبه، قَالَ: وَسَأَلته عَن الفضيخ فنهاني عَنهُ. قَالَ: وَكَانَ يكره المذنب من الْبُسْر مَخَافَة أَن يَكُونَا شيئيين (فَكُنَّا) نقطعه» وَرَوَى الْبَزَّار من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: «نهَى عَن المُزَّاء - قَالَ: يَعْنِي: خلط الْبُسْر وَالتَّمْر» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ «نهَى رَسُول الله ﷺ عبد الْقَيْس عَن المُزَّاء» رَوَاهُ بِإِسْنَاد صَحِيح وَفِيه زِيَادَة، قَالَ صَاحب «الاقتراح» : عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير، عَن أبي سَلمَة، عَن عَائِشَة «أَنه ﵇ نهَى عَن الخليطين» . قَالَ ابْن حزم فِي «محلاه» : [لم يسمعهُ يَحْيَى بن أبي كثير من

стр. 5359

أبي سَلمَة عَن عَائِشَة إِنَّمَا سَمعه من أبي سَلمَة عَن] أبي قَتَادَة - أَي: كَمَا هُوَ فِي «صَحِيح مُسلم» وَغَيره - وَقد رَوَاهُ أَحْمد بن شُعَيْب - يَعْنِي: النَّسَائِيّ - من بَينهمَا كلاب بن عَلّي، وَمرَّة ثُمَامَة بن كلاب، وَلَا يُدْرَى من مِنْهُمَا فَسقط. قَالَ ابْن حزم: وَلَو صَحَّ لما كَانَ فِيهِ حجَّة؛ لِأَن الخليطين هَكَذَا مُطلقًا لَا نَدْرِي مَا هما، أَهما الخليطان فِي الزَّكَاة أم فِي مَاذَا، وَأَيْضًا فَإِن ثريد اللَّحْم وَالْخبْز خليطان، وَاللَّبن وَالْمَاء خليطان، فلابد من بَيَان مُرَاده ﵇ بذلك، وَلَا يُؤْخَذ بَيَان مُرَاده إِلَّا من لَفظه، فَبَطل تعلقهم بِهَذَا الْأَثر. قلت: قد رُوِيَ هَذَا أَولا من حَدِيث جَابر «أَنه ﵇ نهَى عَن الخليطين أَن يشربا، قُلْنَا: يَا رَسُول الله، وَمَا (الخليطين) ؟ قَالَ: التَّمْر وَالزَّبِيب» . فَائِدَة: الفضيخ شراب يتَّخذ من التَّمْر وَحده من غير أَن تمسه النَّار، فَإِن كَانَ مَعَه زبيب فَهُوَ الخليط. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَالْمنصف مَا عمل من تمر وَرطب، وشراب الخليطين مَا عمل من (نَبِيذ) وَرطب، وَقيل: مَا عمل من التَّمْر وَالزَّبِيب، وَسبب النَّهْي أَن الشدَّة والإسكار تتسارع إِلَيْهِ بِسَبَب الْخَلْط قبل أَن يتَغَيَّر الطّعْم، فيظن الشَّارِب أَنه لَيْسَ بمسكر [وَهُوَ مُسكر] (قَالَ: وَهَذَا كالنهي) عَن الظروف الَّتِي كَانُوا ينتبذون فِيهَا كالدَّباء: وَهُوَ

стр. 5360

القرع، والحنتم: وَهُوَ الجرار الْخضر، والنقير: وَهُوَ أصل الْجذع ينقر ويتخذ مِنْهُ الْإِنَاء، والمزفت: وَهُوَ المطلي بالزفت وَهُوَ القار، وَيُقَال لَهُ: المُقَيّْر أَيْضا. قَالَ: هَذِه الظروف أَيْضا لَا تَعَلُّق وَلَا يضْربهَا [الْهَوَاء، فقد يشْتَد مَا فِيهَا وَلَا يطلع عَلَيْهِ، بِخِلَاف الأسقية الَّتِي يضْربهَا] الْهَوَاء، وَتعلق. هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ، وَالنَّهْي الْمَذْكُور ثَابت، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس ﵁ «نهَى رَسُول الله ﷺ عَن الدُبَّاء والمزفَّت أَن ينْبذ فِيهِ» وَمن حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَفعه: «لَا تنتبذوا فِيهَا» وَعنهُ ﵇ «نهَى عَن المزفت والحنتم والنقير» . (وَأخرجه البُخَارِيّ مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث ابْن أبي أَوْفَى «نهَى رَسُول الله ﷺ ) عَن الْجَرّ الْأَخْضَر» قلت: أخرجه مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة «أَنه ﵇ قَالَ لوفد عبد الْقَيْس: أنهاكم عَن الدُّبَّاء والحنتم والنقير والمقيرَّ» وَأخرجه البُخَارِيّ بِمثلِهِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَله غير ذَلِك من الطّرق، فَادَّعَى ابْن حزم فِي «محلاه» فِي هَذَا الحَدِيث دَعْوَى فِيهَا وَقْفَة فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِن قَالُوا: قد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ نسخ النَّهْي عَن نَبِيذ الْجَرّ قُلْنَا: النَّهْي وَالله عَن خليط
следующие страницы →