Полный текст (6 131 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
قلت: وَرَوَاهُ الْخَطِيب من طَرِيق آخر إِلَى عَائِشَة بِلَفْظ: «مَا أسكر كَثِيره فالقطرة مِنْهُ حرَام» وَفِيه عمر بن صهْبَان الْمَتْرُوك كَمَا قَالَه النَّسَائِيّ وَغَيره، ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق آخر عَنْهَا مَرْفُوعا: «من شرب نبيذًا فاقشعر مِنْهُ مفرق رَأسه فالحسوة مِنْهُ حرَام» وَإِسْنَاده غير ثَابت والعمدة عَلَى مَا سلف.
الحَدِيث الْخَامِس
عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ فِي خطبَته: «نزل تَحْرِيم الْخمر، وَهِي من خَمْسَة أَشْيَاء: الْعِنَب، وَالتَّمْر، وَالْحِنْطَة، وَالشعِير، وَالْعَسَل» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث ابْن عمر، عَن أَبِيه «أَنه قَالَ عَلَى مِنْبَر رَسُول الله ﷺ : أما بعد أَيهَا النَّاس، إِنَّه نزل تَحْرِيم الْخمر، وَهِي من خَمْسَة: من الْعِنَب وَالتَّمْر وَالْعَسَل وَالْحِنْطَة وَالشعِير، وَالْخمر مَا خامر الْعقل» .
قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: فِيهِ دلَالَة عَلَى أَن قَوْله «وَالْخمر مَا خامر الْعقل» من قَول رَسُول الله ﷺ ، وَفِي «مُسْند أَحْمد» من حَدِيث ابْن عمر أنَّه ﷺ قَالَ: «من الْحِنْطَة خمر، وَمن الشّعير خمر، وَمن التَّمْر خمر، وَمن الزَّبِيب خمر، وَمن الْعَسَل خمر» ، وَفِي «صَحِيح مُسلم» من حَدِيث
стр. 5357
أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «الْخمر من هَاتين الشجرتين: النَّخْلَة وَالْعِنَب» وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» و «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» و «صَحِيح ابْن حبَان» بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيح عَن النُّعْمَان بن بشير قَالَ: سَمِعت رَسُول (يَقُول: «إِن الْخمر من الْعصير، وَالزَّبِيب، وَالتَّمْر، وَالْحِنْطَة، وَالشعِير، والذرة، وَإِنِّي أنهاكم عَن كل مُسكر» قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
تَنْبِيه: إِنَّمَا ذكرت حَدِيث [عمر] هَذَا فِي الْأَحَادِيث دون الْآثَار؛ لِأَن الظَّاهِر أَن عمر ﵁ لَا يَقُوله إِلَّا عَن تَوْقِيف، وَقد صرح بِرَفْعِهِ فِي «مُسْند أَحْمد» كَمَا أسلفناه عَنهُ.
الحَدِيث السَّادِس
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَمَا لَا يسكر من الأنبذة لَا يحرم، لَكِن يكره شرب المنَصَّف والخليطين لوُرُود النَّهْي عَنْهُمَا فِي الحَدِيث.
كَمَا قَالَ فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث جَابر ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ نهَى أَن ينْبذ التَّمْر وَالزَّبِيب جَمِيعًا، وَنَهَى أَن ينْبذ الرطب والبسر جَمِيعًا» وَفِي لفظ «أَن يخلط الزَّبِيب وَالتَّمْر، والبسر، وَالتَّمْر» وَفِي مُسلم
стр. 5358
من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَابْن عمر، وَأبي سعيد، وَابْن عَبَّاس مثله، وَفِي «سنَن النَّسَائِيّ» من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ: «نهَى رَسُول الله ﷺ أَن يجمع شَيْئَيْنِ فينبذا [يَبْغِي] أَحدهمَا عَلَى صَاحبه، قَالَ: وَسَأَلته عَن الفضيخ فنهاني عَنهُ. قَالَ: وَكَانَ يكره المذنب من الْبُسْر مَخَافَة أَن يَكُونَا شيئيين (فَكُنَّا) نقطعه» وَرَوَى الْبَزَّار من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: «نهَى عَن المُزَّاء - قَالَ: يَعْنِي: خلط الْبُسْر وَالتَّمْر» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ «نهَى رَسُول الله ﷺ عبد الْقَيْس عَن المُزَّاء» رَوَاهُ بِإِسْنَاد صَحِيح وَفِيه زِيَادَة، قَالَ صَاحب «الاقتراح» : عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير، عَن أبي سَلمَة، عَن عَائِشَة «أَنه ﵇ نهَى عَن الخليطين» .
قَالَ ابْن حزم فِي «محلاه» : [لم يسمعهُ يَحْيَى بن أبي كثير من
стр. 5359
أبي سَلمَة عَن عَائِشَة إِنَّمَا سَمعه من أبي سَلمَة عَن] أبي قَتَادَة - أَي: كَمَا هُوَ فِي «صَحِيح مُسلم» وَغَيره - وَقد رَوَاهُ أَحْمد بن شُعَيْب - يَعْنِي: النَّسَائِيّ - من بَينهمَا كلاب بن عَلّي، وَمرَّة ثُمَامَة بن كلاب، وَلَا يُدْرَى من مِنْهُمَا فَسقط. قَالَ ابْن حزم: وَلَو صَحَّ لما كَانَ فِيهِ حجَّة؛ لِأَن الخليطين هَكَذَا مُطلقًا لَا نَدْرِي مَا هما، أَهما الخليطان فِي الزَّكَاة أم فِي مَاذَا، وَأَيْضًا فَإِن ثريد اللَّحْم وَالْخبْز خليطان، وَاللَّبن وَالْمَاء خليطان، فلابد من بَيَان مُرَاده ﵇ بذلك، وَلَا يُؤْخَذ بَيَان مُرَاده إِلَّا من لَفظه، فَبَطل تعلقهم بِهَذَا الْأَثر.
قلت: قد رُوِيَ هَذَا أَولا من حَدِيث جَابر «أَنه ﵇ نهَى عَن الخليطين أَن يشربا، قُلْنَا: يَا رَسُول الله، وَمَا (الخليطين) ؟ قَالَ: التَّمْر وَالزَّبِيب» .
فَائِدَة: الفضيخ شراب يتَّخذ من التَّمْر وَحده من غير أَن تمسه النَّار، فَإِن كَانَ مَعَه زبيب فَهُوَ الخليط.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَالْمنصف مَا عمل من تمر وَرطب، وشراب الخليطين مَا عمل من (نَبِيذ) وَرطب، وَقيل: مَا عمل من التَّمْر وَالزَّبِيب، وَسبب النَّهْي أَن الشدَّة والإسكار تتسارع إِلَيْهِ بِسَبَب الْخَلْط قبل أَن يتَغَيَّر الطّعْم، فيظن الشَّارِب أَنه لَيْسَ بمسكر [وَهُوَ مُسكر] (قَالَ: وَهَذَا كالنهي) عَن الظروف الَّتِي كَانُوا ينتبذون فِيهَا كالدَّباء: وَهُوَ
стр. 5360
القرع، والحنتم: وَهُوَ الجرار الْخضر، والنقير: وَهُوَ أصل الْجذع ينقر ويتخذ مِنْهُ الْإِنَاء، والمزفت: وَهُوَ المطلي بالزفت وَهُوَ القار، وَيُقَال لَهُ: المُقَيّْر أَيْضا. قَالَ: هَذِه الظروف أَيْضا لَا تَعَلُّق وَلَا يضْربهَا [الْهَوَاء، فقد يشْتَد مَا فِيهَا وَلَا يطلع عَلَيْهِ، بِخِلَاف الأسقية الَّتِي يضْربهَا] الْهَوَاء، وَتعلق. هَذَا آخر كَلَام الرَّافِعِيّ، وَالنَّهْي الْمَذْكُور ثَابت، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس ﵁ «نهَى رَسُول الله ﷺ عَن الدُبَّاء والمزفَّت أَن ينْبذ فِيهِ» وَمن حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَفعه: «لَا تنتبذوا فِيهَا» وَعنهُ ﵇ «نهَى عَن المزفت والحنتم والنقير» . (وَأخرجه البُخَارِيّ مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث ابْن أبي أَوْفَى «نهَى رَسُول الله ﷺ ) عَن الْجَرّ الْأَخْضَر» قلت: أخرجه مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة «أَنه ﵇ قَالَ لوفد عبد الْقَيْس: أنهاكم عَن الدُّبَّاء والحنتم والنقير والمقيرَّ» وَأخرجه البُخَارِيّ بِمثلِهِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَله غير ذَلِك من الطّرق، فَادَّعَى ابْن حزم فِي «محلاه» فِي هَذَا الحَدِيث دَعْوَى فِيهَا وَقْفَة فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِن قَالُوا: قد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ نسخ النَّهْي عَن نَبِيذ الْجَرّ قُلْنَا: النَّهْي وَالله عَن خليط
стр. 5361
الزَّبِيب وَالتَّمْر أصح عَن رَسُول الله ﷺ [من نسخ] النَّهْي [عَن نَبِيذ الْجَرّ] فَكَانَ النَّهْي فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نسخ بِحَدِيث بُرَيْدَة الثَّابِت فِي الصَّحِيح أَنه ﵇ قَالَ: «كنت نَهَيْتُكُمْ عَن الانتباذ فِي الأسقية أَلا فانتبذوا فِي كل وعَاء وَلَا تشْربُوا مُسكرا» قَالَ الجبائي: وَالْقَوْل بالنسخ هُوَ أصح الْأَقَاوِيل. قَالَ: وَقَالَ قوم: التَّحْرِيم بَاقٍ وكرهوا الانتباذ فِي هَذِه الأوعية وَإِلَيْهِ ذهب مَالك، وَأحمد، وَإِسْحَاق، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عمر، وَابْن عَبَّاس.
فَائِدَة: الدُبَّاء - بدال مُهْملَة مَضْمُومَة، وهمزة آخِره - مفرده دباءة، وَوزن الدُّبَّاء فُعَّال، ولامه همزَة لَازِمَة؛ لِأَنَّهُ لم يعرف هَل انقلبت همزته عَن وَاو أَو يَاء. كَذَا قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، وَأخرجه الْجَوْهَرِي فِي المعتل فَإِنَّهُ جعله من مَادَّة «دبي» فَيكون وَزنه فعالاً أَيْضا إِلَّا أَن همزته منقلبة، قَالَ ابْن الْأَثِير: وَهَذَا أشبه. وَقَالَ الْهَرَوِيّ: همزته زَائِدَة، ووزنه فعلا.
الحَدِيث السَّابِع
حَدِيث «كل مُسكر حرَام» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث عَائِشَة، وَابْن عمر، وَبُرَيْدَة ﵃ وَلَا يقبل مَا نقل عَن ابْن معِين فِيهِ.
стр. 5362
الحَدِيث الثَّامِن
«أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن التَّدَاوِي بِالْخمرِ فَقَالَ: إِن الله لم يَجْعَل شفاءكم فِيمَا حرم عَلَيْكُم» وَيروَى أَنه قَالَ: «إِنَّمَا ذَلِك دَاء وَلَيْسَ بشفاء» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِنَحْوِ اللَّفْظ الثَّانِي مُسلم فِي «صَحِيحه» مُنْفَردا بِهِ من رِوَايَة وَائِل بن حجر «أَن طَارق بن سُوَيْد الْجعْفِيّ سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْخمر فَنَهَاهُ عَنْهَا، [أَو كره أَن يصنعها] فَقَالَ: إِنَّمَا أصنعها [للدواء] فَقَالَ: إِنَّه لَيْسَ بدواء، وَلكنه دَاء» وَرَوَاهُ بِهِ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَابْن مَاجَه من حَدِيث طَارق أَيْضا قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، إِن بأرضنا أعنابًا نعتصرها فنشرب مِنْهَا؟ قَالَ: لَا. فراجعته فَقلت: إِنَّا نستشفي بِهِ للْمَرِيض. فَقَالَ: إِن ذَلِك لَيْسَ بشفاء، وَلكنه دَاء» قَالَ ابْن عبد الْبر: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ أَيْضا فِي «مُسْنده» من حَدِيث سماك قَالَ: سَمِعت عَلْقَمَة بن وَائِل، يحدث عَن أَبِيه وَائِل «أَن سُوَيْد بن طَارق - وَهُوَ طَارق ابْن سُوَيْد - سَأَلَ رَسُول
стр. 5363
الله ( [عَن الْخمر، فَنَهَاهُ عَنْهَا أَن يصنعها، فَقَالَ: إِنَّهَا دَوَاء. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ ] : أَنَّهَا لَيست دَوَاء، وَلكنهَا دَاء» .
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث وَائِل أَيْضا «أَن سُوَيْد بن طَارق سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْخمر، وَقَالَ: إِنَّمَا نصنعها. فَنَهَى رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنَّهَا دَوَاء. فَقَالَ ﵇: إِنَّهَا لَيست بدواء، وَلكنهَا دَاء» وَرَوَاهُ ابْن حبَان أَيْضا من حَدِيث عَلْقَمَة بن وَائِل، عَن طَارق بن سُوَيْد الْحَضْرَمِيّ قَالَ: «قلت: يَا رَسُول الله، إِن بأرضنا أعنابًا نعتصرها، وَنَشْرَب مِنْهَا. فَقَالَ: لَا تشرب. قلت: أنشفي بهَا الْمَرْضَى؟ فَقَالَ ﵇: إِنَّمَا ذَلِك دَاء، وَلَيْسَ بشفاء» وَرَوَاهُ بِاللَّفْظِ الأول أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث أم سَلمَة ﵂: «نبذت نبيذًا فِي كوز (فَدخل النَّبِي ﷺ ) وَهُوَ يغلي فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قلت: اشتكت ابْنة لي فنُعت لَهَا هَذَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : إنَّ الله لم يَجْعَل شفاءكم فِيمَا حرم عَلَيْكُم» هَذَا لفظ الْبَيْهَقِيّ، وَلَفظ ابْن حبَان: «اشتكت ابْنة لي فنبذت لَهَا فِي كوز، فَدخل النَّبِي ﷺ وَهُوَ يغلي، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَت: أَن ابْنَتي اشتكت فنبذنا لَهَا هَذَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : إِن الله لم يَجْعَل شفاءكم فِي حرامٍ» وَوهم ابْن حزم فِي إعلاله هَذَا الحَدِيث حَيْثُ قَالَ: رَوَاهُ
стр. 5364
سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ، وَهُوَ مَجْهُول. وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ فَالَّذِي فِي إِسْنَاده إِنَّمَا هُوَ سُلَيْمَان [بن أبي سُلَيْمَان] ، وَهُوَ أحد الثِّقَات التَّابِعين الْمجمع عَلَيْهِ عَلَى توثيقهم، أَكثر عَنهُ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَأخرجه البُخَارِيّ مَوْقُوفا عَلَى ابْن مَسْعُود، أخرجه الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كتاب «الملتمس فِي إِيضَاح الملتبس» من حَدِيث مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة رَفعه: «إِن الله أنزل الدَّاء، وَأنزل الشِّفَاء فَمن تداوى بحلال الله كَانَ لَهُ شِفَاء، وَمن تداوى بِحرَام الله لم يكن لَهُ فِيهِ شِفَاء» وَقد أوضحت هَذَا الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب فَرَاجعه مِنْهُ.
الحَدِيث التَّاسِع
ورد فِي الْخَبَر «العينان تزنيان، وَالْيَدَانِ تزنيان» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح كَمَا سلف بَيَانه فِي كتاب اللّعان.
الحَدِيث الْعَاشِر
رَوَى الشَّافِعِي بِإِسْنَادِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر ﵁ قَالَ: «أُتِي رَسُول الله ﷺ بشارب فَقَالَ: اضْرِبُوهُ. فضربوه بِالْأَيْدِي وَالنعال وأطراف الثِّيَاب، وحثوا عَلَيْهِ التُّرَاب، ثمَّ قَالَ: بكّتُوه. فبكتوه، ثمَّ أرْسلهُ، فَلَمَّا كَانَ أَبُو بكر ﵁ سَأَلَ من حضر ذَلِك الضَّرْب فقومه أَرْبَعِينَ - وَيروَى فقدره
стр. 5365
- فَضرب أَبُو بكر ﵁ أَرْبَعِينَ فِي الْخمر (حقّا لله) ثمَّ عمر ﵁ ثمَّ تتايع النَّاس فِي الْخمر فَاسْتَشَارَ فَضَربهُ ثَمَانِينَ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي كَمَا ترَى، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ فِي «سنَنه» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» بِنَحْوِهِ عَن عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر أَيْضا من طَرِيقين أَحدهمَا: «أَن رَسُول الله ﷺ أُتِي بشارب خمر وَهُوَ بحنين فَحَثَا فِي وَجهه التُّرَاب، ثمَّ أَمر أَصْحَابه فضربوه بنعالهم وَمَا كَانَ فِي أَيْديهم، حَتَّى قَالَ لَهُم: ارْفَعُوا [فَرفعُوا، فَتوفي رَسُول الله ﷺ ] ثمَّ جلد أَبُو بكر فِي الْخمر أَرْبَعِينَ، ثمَّ جلد عمر صَدرا من إمارته أَرْبَعِينَ، ثمَّ جلد ثَمَانِينَ فِي آخر خِلَافَته، وَجلد عُثْمَان الحدين كليهمَا ثَمَانِينَ وَأَرْبَعين، ثمَّ أثبت مُعَاوِيَة الْحَد ثَمَانِينَ» .
الثَّانِي: «قَالَ ابْن أَزْهَر: كَأَنِّي أنظر إِلَى رَسُول الله ﷺ الْآن وَهُوَ فِي الرّحال يلْتَمس رَحل خَالِد بن الْوَلِيد، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ أُتِي بِرَجُل قد شرب الْخمر، فَقَالَ للنَّاس: [أَلا] اضْرِبُوهُ. فَمنهمْ من ضربه بالنعال، وَمِنْهُم من ضربه بالعصى، وَمِنْهُم من ضربه بالمَيْتَخَة - قَالَ ابْن وهب: الجريدة الرّطبَة - ثمَّ أَخذ رَسُول الله ﷺ تُرَابا من الأَرْض
стр. 5366
(فَرَمَى بِهِ وَجهه) » وَأخرجه الْحَاكِم بِنَحْوِ من هَذَا اللَّفْظ، وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد. قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَنهُ، وَأَبا زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: لم يسمع الزُّهْرِيّ هَذَا الحَدِيث من عبد الرَّحْمَن بن أَزْهَر، إِنَّمَا هُوَ عَن عقيل بن خَالِد عَنهُ. وَأخرج الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث أنس ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ ضرب فِي الْخمر بِالْجَرِيدِ وَالنعال، وَجلد أَبُو بكر أَرْبَعِينَ» وَفِي رِوَايَة لَهما «أَنه ﵇ أُتي بِرَجُل قد شرب الْخمر فجلده بجريد نَحْو أَرْبَعِينَ، قَالَ: وَفعله أَبُو بكر، فَلَمَّا كَانَ عمر اسْتَشَارَ النَّاس فَقَالَ عبد الرَّحْمَن: أخف الْحُدُود ثَمَانُون. فَأمر بِهِ عمر» وَأخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» بِلَفْظ آخر عَن أنس قَالَ: «أَتَى رجل رَسُول الله ﷺ وَقد شرب الْخمر، (فَأمر بِهِ فَضرب بنعلين أَرْبَعِينَ، ثمَّ أُتِي أَبُو بكر بِرَجُل قد شرب الْخمر فَصنعَ بِهِ مثل ذَلِك،
стр. 5367
ثمَّ أُتِي عمر بِرَجُل قد شرب الْخمر) فَاسْتَشَارَ النَّاس، فَقَالَ ابْن عَوْف: أخف الْحَد ثَمَانِينَ. فَضرب عمر ثَمَانِينَ» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ «أَن عمر اسْتَشَارَ فَقَالَ عَلّي ﵁: أرَى أَن يجلد ثَمَانِينَ؛ لِأَنَّهُ إِذا شرب سكر، وَإِذا سكر هذى، وَإِذا هذى افتَرَى - أَو كَمَا قَالَ - فجلده عمر ثَمَانِينَ» .
قلت: رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» من رِوَايَة ثَوْر بن [زيد] الديلِي «أَن عمر اسْتَشَارَ ... » فَذكر الحَدِيث، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مَالك بِهِ، وَهُوَ مُرْسل ثَوْر بن [زيد] لم يدْرك عمر. قَالَه عبد الْعَزِيز النحشبي، وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه «وهج الْجَمْر فِي تَحْرِيم الْخمر» : لم يلْحق عمر، فروايته عَنهُ مُنْقَطِعَة. وَكَذَا جزم بِهِ الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِيه» وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا من طَرِيقين ثمَّ قَالَ فِي كل مِنْهُمَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
فَائِدَة: قَوْله «بكتوه» وَهُوَ بباء مُوَحدَة ثمَّ كَاف مُشَدّدَة ثمَّ مثناة فَوق، قَالَ ابْن الْأَثِير: التبكيت: التقريع والتوبيخ، بِأَن يُقَال لَهُ: يَا فَاسق أما
стр. 5368
اتَّقَيْت الله أما استحيت مِنْهُ. قَالَ الْهَرَوِيّ: وَيكون أَيْضا بِالْيَدِ والعصى وَنَحْوهمَا. وَقد جزم المارودي فِي «الْإِقْنَاع» بحث التُّرَاب والتبكيت كَمَا ورد فِي الحَدِيث، وَاقْتَضَى كَلَامه وُجُوبه. وَقَوله: «ثمَّ تتايع» هُوَ بمثناة تَحت قبل الْعين، وَهُوَ عبارَة عَن أَن يفعل من أَفعَال الْقبْح مَا يفعل غَيره من غير فِكْرة وَلَا رَويَّة.
فَائِدَة ثَانِيَة: من الغرائب المهمة «أَنه ﵇ جلد فِي الْخمر ثَمَانِينَ» حَكَاهُ ابْن الطلاع عَن «مُصَنف عبد الرَّزَّاق» لَكِن قَالَ ابْن حزم فِي رسَالَته فِي إبِْطَال الْقيَاس: إِن النَّص الْجَلِيّ صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ «أَنه جلد فِي الْخمر أَرْبَعِينَ» وَأَنه ورد من طَرِيق لَا يَصح «ثَمَانِينَ» وَوَقع فِي «كِفَايَة ابْن الرّفْعَة» أَنَّهَا مُرْسلَة، وَرَأَيْت بِخَط بعض الْحفاظ العصريين أَن ابْن دحْيَة رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى عمر ﵁ أَنه قَالَ: «لقد هَمَمْت أَن أكتب فِي الْمُصحف أَن رَسُول الله ﷺ جلد فِي الْخمر ثَمَانِينَ» ثمَّ قَالَ - أَعنِي ابْن دحْيَة -: هَذَا إِسْنَاد صَحِيح. قَالَ: وَقد أغفل هَذَا الحَدِيث الْأَئِمَّة الْحفاظ كَابْن عبد الْبر وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا. هَذَا آخِره فَليتبعْ.
الحَدِيث الْحَادِي عشر
رُوِيَ «أَنه ﵇ أَمر بجلد الشَّارِب أَرْبَعِينَ» .
هَذَا الحَدِيث هُوَ بِنَحْوِ من لفظ أبي دَاوُد الأول الْمَذْكُور قبل هَذَا.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
عَن أنس ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ أُتِي بشارب، فَأمر عشْرين رجلا فَضَربهُ كل وَاحِد مِنْهُم ضربتين بِالْجَرِيدِ وَالنعال» .
стр. 5369
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث قَتَادَة عَنهُ «أَن رجلا رفع إِلَى النَّبِي ﷺ قد سكر، فَأمر قَرِيبا من عشْرين رجلا فجلدوه بِالْجَرِيدِ وَالنعال» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: يحْتَمل أَن يكون رفع إِلَيْهِ بَعْدَمَا ذهب سكره.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَمن الْأَصْحَاب من رَأَى أَن الضَّرْب بِالْيَدِ وَالنعال جَائِز لَا محَالة، وَذكروا وَجْهَيْن فِي أَنه هَل يتَعَيَّن ذَلِك أَو يجوز الْعُدُول إِلَى السِّيَاط؟ وَظَاهر الْمَذْهَب أَن كلا مِنْهُمَا جَائِز، أما الأول فَلِأَنَّهُ الأَصْل وَبِه وَردت الْأَخْبَار. وَأما الثَّانِي فبفعل الصَّحَابَة واستمرارهم عَلَيْهِ.
قلت: أما الأول فقد عرفت فِيهِ حَدِيث أنس وَغَيره، وَأما الثَّانِي فَسَيَأْتِي فِي آخر الْبَاب فعله عَن عمر. وَعلي ﵄ إِن شَاءَ الله.
الحَدِيث الثَّالِث عشر
عَن عَلّي ﵁ أَنه قَالَ: «ضرب رَسُول الله ﷺ بالنعال وأطراف الثِّيَاب، وَضرب أَبُو بكر ﵁ أَرْبَعِينَ سَوْطًا، وَعمر ثَمَانِينَ، وَالْكل سنة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» من رِوَايَة حضين بن المندُر - وَهُوَ أَبُو ساسان - قَالَ: «شهِدت عُثْمَان بن عَفَّان أُتي بالوليد قد صَلَّى الصُّبْح رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ قَالَ: أَزِيدكُم؟ فَشهد عَلَيْهِ رجلَانِ - أَحدهمَا حمْرَان - أَنه شرب الْخمر، وَشهد آخر أَنه رَآهُ يتقيأه، فَقَالَ عُثْمَان: إِنَّه لم يتقيأ حَتَّى شربهَا. فَقَالَ: يَا عَلّي، قُم فاجلده. فَقَالَ عَلّي: قُم يَا حسن فاجلده. فَقَالَ الْحسن: [ولِّ] حارَّها من تولَّى قارَّها.
стр. 5370
فَكَأَنَّهُ وجد عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا عبد الله بن جَعْفَر، قُم فاجلده. فجلده وَعلي يعد حَتَّى بلغ أَرْبَعِينَ فَقَالَ: أمسك. ثمَّ قَالَ: جلد النَّبِي ﷺ أَرْبَعِينَ [وَأَبُو] بكر أَرْبَعِينَ وَعمر ثَمَانِينَ، وكلُ سنة، وَهَذَا أحب إليَّ» .
فَائِدَة: حُضين الْمَذْكُور فِي الْإِسْنَاد بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة، وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة فَتنبه لذَلِك.
فَائِدَة ثَانِيَة: إِن قلت: كَيفَ يجمع بَين هَذَا الحَدِيث والْحَدِيث الْآتِي فِي «بَاب ضَمَان الْوُلَاة» «مَا كنت لأقيم عَلَى أحدٍ حدًّا فَيَمُوت فأجد فِي نَفسِي مِنْهُ شَيْئا إِلَّا صَاحب الْخمر فَإِنَّهُ لَو مَاتَ وديته، وَذَلِكَ أَن رَسُول الله ﷺ لم يسنه، قَالَ: وكلٌ سنة» ؟ فَالْجَوَاب: أَن الضَّرْب سنة، وَالْعدَد مُجْتَهد فِيهِ.
الحَدِيث الرَّابِع عشر
«أنَّه ﷺ أَرَادَ أَن يجلد رجلا فَأتي بِسَوْط خَلِق، فَقَالَ: فَوق هَذَا. فَأتي بِسَوْط جَدِيد، فَقَالَ: بَين هذَيْن» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي «بَاب حد الزِّنَا» فَرَاجعه مِنْهُ، وَلَفظ الحَدِيث فِيمَا مَضَى: «فَأتي بِسَوْط جَدِيد لم تقطع ثَمَرَته» . قَالَ ابْن الصّلاح: ثَمَرَته طرفه. قَالَ: واشتبه هَذَا عَلَى إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَغير أَلْفَاظ الحَدِيث، وَقَالَ فَأتي ثجر وبسرة الثَّمَرَة بعقدها الَّتِي هِيَ منابت الغصون الدقيقة وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك الْغَزالِيّ فِي «بسيطه» ونسأل الله الْعِصْمَة والتوفيق.
стр. 5371
الحَدِيث الْخَامِس عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا ضرب أحدكُم فليتق الْوَجْه» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ بِأَلْفَاظ، أَحدهَا: «إِذا ضرب أحدكُم أَخَاهُ فليجتنب الْوَجْه، فَإِن الله خلق آدم عَلَى صورته» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ الرَّافِعِيّ سَوَاء، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ: «إِذا ضرب أحدكُم فليجتنب الْوَجْه» وَرَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا فِي كتاب الْعتْق من «صَحِيحه» عَن مُحَمَّد بن عبيد الله، عَن ابْن وهب، عَن مَالك وَابْن فلَان، كِلَاهُمَا عَن سعيد المَقْبُري، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا. قَالَ: وحَدثني عبد الله بن مُحَمَّد، ثَنَا عبد الرَّزَّاق [عَن معمر] أَنبأَنَا همام، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا. «إِذا قَاتل أحدكُم فليجتنب الْوَجْه» . قَالَ الْمزي فِي «أَطْرَافه» ابْن فلَان هَذَا قيل: إِنَّه عبد الله بن زِيَاد بن سمْعَان (أحد) الضُّعَفَاء، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث سَالم، عَن ابْن عمر «أَنه كره أَن تعلم الصُّورَة، وَقَالَ ابْن عمر: «نهَى
стр. 5372
رَسُول الله ﷺ أَن تضرب - (وَفِي رِوَايَة أَن يُضرب - الْوَجْه» ذكره فِي آخر (الطِّبّ) فِي بَاب الوسم.
قَوْله: يَعْنِي الْوَجْه وَكَذَا أَن تعلم أَي يَبْقَى بعلامة. وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر ﵁ قَالَ: «نهَى رَسُول الله ﷺ ) عَن ضرب الْوَجْه وَعَن وسم الْوَجْه» وَاعْلَم أَن فِي إِسْنَاد أبي دَاوُد عمر بن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَضَعفه ابْن معِين، وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: لَا يحْتَج بِهِ وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق لَا يحْتَج. وَوَثَّقَهُ غَيرهم، وَفِي إِسْنَاد النَّسَائِيّ مُحَمَّد بن عجلَان، وَهُوَ صَدُوق. قَالَ الْحَاكِم وَغَيره: هُوَ سيئ الْحِفْظ. وَخرج لَهُ مُسلم فِي الشواهد ثَلَاثَة عشر حَدِيثا.
الحَدِيث السَّادِس عشر
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا تُقَام الْحُدُود فِي الْمَسَاجِد» .
стр. 5373
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث لَا نعرفه بِهَذَا الْإِسْنَاد مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن مُسلم الْمَكِّيّ، وَقد تكلم فِيهِ بعض أهل الْعلم من قبل حفظه. وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَفِي إِسْنَاده: سعيد بن بشير، وَأعله ابْن حزم بِهِ وبإسماعيل بن مُسلم، وَقَالَ: هما ضعيفان. وَذكره ابْن السكن فِي «سنَنه الصِّحَاح» وَرَوَى من غير حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ، وَابْن السكن من حَدِيث حَكِيم بن حزَام، وَفِي إِسْنَاده زفر بن وثيمة، وَمُحَمّد بن عبد الله الشعيثي، وَقد جهل الأول ابْن الْقطَّان، لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» ، ثمَّ ادَّعَى - أَعنِي ابْن الْقطَّان - أمرا آخر فَقَالَ: وَقد تفرد عَنهُ مُحَمَّد بن عبد الله الشعيثي. وَلَيْسَ كَمَا ذكر فقد رَوَى عَنهُ ابْن عجلَان أَيْضا حَدِيث «إِذا خطب إِلَيْكُم من ترْضونَ دينه ... » الحَدِيث.
وَأما الثَّانِي فقد وَثَّقَهُ غير وَاحِد مِنْهُم: دُحَيْم، وَأَبُو حَاتِم وَالْفَلَّاس. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: ضَعِيف الحَدِيث لَيْسَ بِالْقَوِيّ يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ. وَفِيه شَيْء آخر، وَهُوَ الْخلف فِي سَمَاعه من حَكِيم فقد قيل: إِنَّه لم يلقه. حَكَاهُ صَاحب «التذهيب مُخْتَصر
стр. 5374
التَّهْذِيب» . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» بإسقاطه فَقَالَ: ثَنَا وَكِيع، ثَنَا مُحَمَّد بن عبد الله الشعيثي، عَن الْعَبَّاس بن عبد الرَّحْمَن الْمدنِي، عَن حَكِيم بن حزَام قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «لَا تُقَام الْحُدُود فِي الْمَسَاجِد، وَلَا يستقاد فِيهَا» وَذكره ابْن حزم بِهِ وَمُحَمّد بن عبد الله الشعيثي، وَقَالَ: هما مَجْهُولَانِ.
وَقد علمت حَال الشعيثي، فدعواه جهالته عَجِيب، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» من طَرِيق آخر عَن حَكِيم بن حزَام ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث لَا يَصح فِيهِ مُحَمَّد بن سهل، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: مَتْرُوك. وَقَالَ مرّة: كَانَ يضع الحَدِيث وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده «أَن رَسُول الله ﷺ نهَى (أَن يجلد) الْحَد فِي الْمَسْجِد» وَفِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة، وحالته علمت غير مرّة. هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله وَمِنْه. وَأما آثاره فإحدى عشر أثرا:
الأول وَالثَّانِي وَالثَّالِث: عَن عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود ﵃ «قَالُوا للجلاد: «لَا ترفع يَديك حَتَّى يرَى بَيَاض إبطك» . أما الأول فَأخْرجهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَاصِم الْأَحول، عَن أبي عُثْمَان قَالَ: «أُتِي بِرَجُل عمر بن الْخطاب فِي حد، فَأتي بِسَوْط فِيهِ شدَّة فَقَالَ: أُرِيد أَلين من هَذَا. ثمَّ أُتِي بِسَوْط فِيهِ لين فَقَالَ: أُرِيد أَشد من هَذَا. فَأتي بِسَوْط بَين السوطين فَقَالَ: اضْرِب وَلَا يرَى إبطك، وَأعْطِ كل عُضْو حَقه» .
стр. 5375
وَأما الثَّانِي فَغَرِيب لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ، وَأما الْأَثر الثَّالِث: فَأخْرجهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي [ماجد] قَالَ: «جَاءَ رجل من الْمُسلمين بِابْن أَخ لَهُ وَهُوَ سَكرَان فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، إِن ابْن أخي سَكرَان. فَقَالَ: ترتروه ومزمزوه واستنكهوه. فَفَعَلُوا، فرفعه إِلَى السجْن، وَجَاء بِهِ من الْغَد ودعا بِسَوْط، ثمَّ أَمر بثمرته فدقت بَين حجرين حَتَّى صَارَت درة، ثمَّ قَالَ للجلاد: اجلد [وارجع] يدك، وَأعْطِ كل عُضْو حَقه. قلت: مَا أرجع؟ قَالَ: لَا يرَى بَيَاض إبطه. فَضَربهُ ضربا غير مبرح قَالَ: لَيْسَ بالشديد وَلَا بالهين. وضربه فِي قَمِيص وَإِزَار أَو قَمِيص (أَو) سَرَاوِيل» .
الْأَثر الرَّابِع: عَن عَلّي ﵁ أَنه قَالَ: «سَوط الْحَد بَين سوطين، وَضرب بَين ضربتين» .
وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه عَنهُ، وَابْن الصّباغ ذكره مَرْفُوعا.
الْأَثر الْخَامِس: عَن عَلّي ﵁ «أَنه قَالَ للجلاد: أعْط كل عُضْو حَقه، وَاتَّقِ الْوَجْه والمذاكير» .
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» .
الْأَثر السَّادِس: عَن عمر أَنه قَالَ: «سَوط الْحَد بَين سوطين» .
стр. 5376
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» أَيْضا.
الْأَثر السَّابِع: عَن أبي بكر ﵁ أنَّه ﷺ (قَالَ للجلاد: اضْرِب الرَّأْس فَإِن الشَّيْطَان فِيهِ» .
وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه من أهل هَذَا الْفَنّ، وَذكره أَيْضا أَبُو بكر الرَّازِيّ فِي «أَحْكَام الْقُرْآن» فَقَالَ: «أُتِي أَبُو بكر بِرَجُل انْتَفَى من أَبِيه، فَقَالَ أَبُو بكر: اضْرِب الرَّأْس فَإِن الشَّيْطَان فِي الرَّأْس» .
الْأَثر الثَّامِن وَالتَّاسِع: عَن عمر، وَعلي ﵄ « [لَا يجلد] إِلَّا بِالسَّوْطِ» وَاسْتقر الْأَمر عَلَيْهِ.
الْأَثر الْعَاشِر: عَن عَلّي ﵁ «أَنه رَجَعَ عَن رَأْيه فِي الْجلد ثَمَانِينَ، وَكَانَ يجلد فِي خِلَافَته أَرْبَعِينَ» .
وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ.
الْأَثر الْحَادِي عشر: أثر عمر الْمُتَقَدّم فِي أثْنَاء الحَدِيث الْعَاشِر.
стр. 5377
بَاب التَّعْزِير
ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث وآثارًا، أما الْأَحَادِيث فخمسة:
الحَدِيث الأول
حَدِيث «سَرقَة التَّمْر إِذا آواه الجرين، وَبلغ قِيمَته ثمن الْمِجَن فَفِيهِ الْقطع، وَإِن كَانَ دون ذَلِك فَفِيهِ غرم مثله وجلدات نكال» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي كتاب السّرقَة وَاضحا. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ التَّعْزِير من فعل النَّبِي ﷺ .
قلت: هُوَ كَمَا قَالَ فَفِي «سنَن أبي دَاوُد» وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث معمر، عَن بهز بن حَكِيم، عَن أَبِيه، عَن جده: «أَن النَّبِي ﷺ حبس رجلا فِي تُهْمَة» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن. وَأخرجه الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. ثمَّ سَاق من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ حبس رجلا فِي تُهْمَة يَوْمًا وَلَيْلَة استظهارًا (أَو) احْتِيَاطًا» . قَالَ ابْن حبَان فِي «ضُعَفَائِهِ» : لَا يحفظ هَذَا الْمَتْن إِلَّا من هَذَا الطَّرِيق وَطَرِيق أبي هُرَيْرَة، وَالْأول مِمَّا ينْفَرد بِهِ معمر.
стр. 5378
قلت: لَا، فقد قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقد رَوَى إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم هَذَا الحَدِيث عَن بهز بن حَكِيم أتم من هَذَا وأطول. فَذكره. وَفِي هَذَا نظر، وَالظَّاهِر أَنه يرويهِ عَن معمر فَسقط معمر، لَا جرم أخرجه الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن بهز بِهِ، وَابْن حزم قَالَ: هَذَا خبر واهٍ. وَذكره من حَدِيث أنس «أَنه ﵇ حبس فِي تُهْمَة» وَمن حَدِيث عبد الرَّزَّاق السَّابِق، وَمن حَدِيث غَيرهمَا، ثمَّ قَالَ: كُله بَاطِل، فِي حَدِيث أنس أَبُو بكر بن عَيَّاش وَهُوَ ضَعِيف، وَانْفَرَدَ بِهِ إِبْرَاهِيم بن زَكَرِيَّا الوَاسِطِيّ وَلَا يُدْرَى من هُوَ، وَحَدِيث بهز بن حَكِيم عَن أَبِيه عَن جده ضَعِيف. وَقد عرفت جودة حَدِيث حَكِيم، لَا كَمَا قَالَه من ضعفه، وَسَيَأْتِي فِي آخر «كتاب السّير» حَدِيث تَحْرِيمه ﵇ مَتَاع الغال وَهُوَ تَعْزِير، وَسلف فِي «بَاب حد الزِّنَا» نفي المخنثين، قَالَ الرَّافِعِيّ فِيهِ أَثَره: وَهُوَ تعزيره.
стр. 5379
الحَدِيث الثَّانِي
عَن أبي بردة بن ينار ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لَا يجلد فَوق عشرَة أسواط إِلَّا فِي حد من حُدُود الله » .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَأَصْحَاب «السّنَن الْأَرْبَعَة» ، وَغلط صَاحب «الْمُنْتَقَى» حَيْثُ قَالَ: رَوَاهُ الْجَمَاعَة إِلَّا النَّسَائِيّ. وَهُوَ فِيهِ فِي بَاب الرَّجْم من طرق، وَقد عزاهُ إِلَيْهِ ابْن عَسَاكِر فِي «أَطْرَافه» ، وَقد تكلم فِي إِسْنَاده ابْن الْمُنْذر والأصيلي، وَقد أوضحت ذَلِك مَعَ جَوَابه فِي «شرح الْعُمْدَة» فَرَاجعه مِنْهُ، وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ أورد الحَدِيث بِلَفْظ: «لَا يجلد فَوق الْعشْرَة إِلَّا فِي حد» بِإِطْلَاق النَّهْي عَن الزِّيَادَة مُطلقًا، والْحَدِيث إِنَّمَا ورد بتقييد النَّهْي عَن الزِّيَادَة بالأسواط لَا مُطلقًا، وَقد صرح الْإِصْطَخْرِي بذلك فِي تصنيفه فِي «أدب الْقَضَاء» فِي الْكَلَام عَلَى تَعْزِير من أَسَاءَ أدبه فَقَالَ: أحب أَن يضْرب بِالدرةِ، فَإِن ضرب بِالسَّوْطِ فَأحب أَن لَا يُزَاد عَلَى الْعشْرَة، فَإِن ضرب بِالدرةِ فَلَا يُزَاد عَلَى سَبْعَة وَثَلَاثِينَ. قَالَ
стр. 5380
الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ عَن الصَّحَابَة فِي مِقْدَار التَّعْزِير آثَار مُخْتَلفَة، وَأحسن مَا يُصَار إِلَيْهِ فِي هَذَا مَا ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ . ثمَّ ذكر الحَدِيث من طرق.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَصحح صَاحب التَّقْرِيب هَذَا الحَدِيث.
قلت: قد وثق، وَقد اعْترض الرَّافِعِيّ فِي «تذنيبه» عَلَى الْغَزالِيّ فِي قَوْله: إِن بعض الْأَئِمَّة (صَححهُ. فَقَالَ: رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم، (وَزَاد) بقوله: بعض الْأَئِمَّة) صَاحب التَّقْرِيب. قَالَ: والْحَدِيث أظهر من أَن يُضَاف تَصْحِيحه إِلَى فَرد من الْأَئِمَّة. قَالَ: وَقد اشْتهر عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ: مذهبي مَا صَحَّ بِهِ الحَدِيث. قَالَ الرَّافِعِيّ: وَالْأَظْهَر أَنه يجوز الزِّيَادَة عَلَى الْعشْر، وَإِنَّمَا المراعى النُّقْصَان عَن الْحَد، والْحَدِيث الْمَذْكُور مَنْسُوخ عَلَى مَا ذكره بَعضهم، وَاحْتج بِعَمَل الصَّحَابَة ﵃ بِخِلَافِهِ من غير إِنْكَار، وَعَن عمر ﵁ أَنه كتب إِلَى أبي مُوسَى الأشعرى ﵁: «أَنه لَا يبلغ بنكال أَكثر من عشْرين سَوْطًا» وَيروَى «ثَلَاثِينَ إِلَى أَرْبَعِينَ» . وَهَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ حَيْثُ قَالَ: بعد [أَن] رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُغيرَة: «كتب عمر بن عبد الْعَزِيز أَن لَا يبلغ فِي التَّعْزِير أدنَى الْحُدُود أَرْبَعِينَ سَوْطًا» : قد رُوِيَ عَن الصَّحَابَة ﵃ فِي مِقْدَار التَّعْزِير آثَار مُخْتَلفَة ... إِلَى آخر مَا أسلفناه عَنهُ.
стр. 5381
تَنْبِيه: من الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا «لَا تَعْزِير فَوق عشْرين سَوْطًا» قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «مَوْضُوعَاته» : قَالَ أَبُو حَاتِم: فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ يضع الحَدِيث، ويروي مَا لَا أصل لَهُ من كَلَام رَسُول الله ﷺ ، لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ إِلَّا اعْتِبَارا.
الحَدِيث الثَّالِث
أنَّه ﷺ قَالَ: «أقيلوا ذَوي الهيئات عثراتهم إِلَّا فِي الْحُدُود» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَو دَاوُد من حَدِيث عبد الْملك بن زيد، عَن مُحَمَّد بن أبي بكر، عَن عمْرَة، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا بِهِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث عطاف بن خَالِد، عَن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أبي بكر، عَن أَبِيه، عَن عمْرَة، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا بِهِ، ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق آخر كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، لَكِن زَاد بعد مُحَمَّد بن أبي بكر: عَن أَبِيه. وَرَوَاهُ من هَذَا الْوَجْه أَحْمد فِي «مُسْنده» ، وَأعله عبد الْحق بِعَبْد الْملك وعطاف، وَقَالَ: هما ضعيفان.
فَأَما الأول: فَقَالَ فِيهِ ابْن الْجُنَيْد والأزدي: ضَعِيف الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا بَأْس بِهِ. وَأما الثَّانِي: فوثقه أَحْمد وَابْن معِين، وَقَالَ
стр. 5382
النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَتكلم فِيهِ مَالك وَلم يحمده، وَقَالَ الرَّازِيّ: لَيْسَ بِذَاكَ. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي عَن الثِّقَات مَا لَا يشبه حَدِيثهمْ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ إِلَّا فِيمَا وَافق الثِّقَات.
قَالَ ابْن الْقطَّان: وَالزِّيَادَة الثَّانِيَة الَّتِي فِي النَّسَائِيّ تبين انْقِطَاع حَدِيث أبي دَاوُد فِيمَا بَين مُحَمَّد بن أبي بكر وَعمرَة وَقَالَ ابْن عدي: لم يرو هَذَا الحَدِيث غير عبد الْملك، وَهُوَ مُنكر بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي «تَخْرِيجه أَحَادِيث الشهَاب» بعد ذكر مقَالَة ابْن عدي: وَرَوَى هَذَا الحَدِيث أَيْضا أَبُو حرَّة وَاصل بن عبد الرَّحْمَن الرقاشِي، عَن مُحَمَّد، عَن عمْرَة، عَن عَائِشَة، وَأَبُو حرَّة ضَعِيف، وَرَوَاهُ أَبُو بكر بن نَافِع، عَن مُحَمَّد بن أبي بكر، عَن عمْرَة.
قلت: وَأَبُو بكر هَذَا ضَعِيف أَيْضا، قَالَ أَبُو عُثْمَان (سعيد بن عُثْمَان) البرذعي: سَمِعت أَبَا زرْعَة الرَّازِيّ يَقُول: أَبُو بكر بن نَافِع رجل جليل، وَأَبُو بكر بن نَافِع صَاحب حَدِيث عَائِشَة: «أقيلوا ذَوي الهيئات» ضَعِيف.
قَالَ ابْن طَاهِر: وَرَوَى هَذَا الحَدِيث أَيْضا عبد الله بن هَارُون بن مُوسَى الْفَروِي أَبُو عَلْقَمَة، عَن عبد الله بن مُسلم القعْنبِي، عَن ابْن أبي ذِئْب، عَن ابْن شهَاب، عَن أنس، وَهَذَا بَاطِل، وَالْحمل فِيهِ عَلَى الْفَروِي؛ لِأَن من بعده ثِقَات، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِي السّنَن»
стр. 5383
بعد أَن ذكر حَدِيث أبي دَاوُد السالف، وَتكلم عَلَيْهِ: قد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من أوجه أخر لَيْسَ مِنْهَا شَيْء يثبت. وَسَبقه إِلَى ذَلِك الْعقيلِيّ الْحَافِظ، وَقد صَحَّ الحَدِيث الْمَذْكُور بِدُونِ الِاسْتِثْنَاء، أخرجه الشَّافِعِي، وَابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظ لَهما من حَدِيث عَائِشَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «أقيلوا ذَوي الهيئات زلاتهم» وَلَفظ الشَّافِعِي «تجافوا لِذَوي الهيئات عَن عثراتهم» . قَالَ الشَّافِعِي: وَسمعت من أهل الْعلم من يعرف هَذَا الحَدِيث وَيَقُول: «يتجافى للرجل ذِي الْهَيْئَة عَن عثرته مَا لم يكن حدًّا» . قَالَ عبد الْحق: ذكره ابْن عدي فِي بَاب وَاصل بن عبد الرَّحْمَن الرقاشِي وَلم يذكر لَهُ عِلّة.
قلت: وَأخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» عَن الْحسن بن سُفْيَان، ثَنَا سعيد بن [عبد الْجَبَّار] ، وَمُحَمّد بن الصَّباح، وقتيبة بن سعيد، قَالُوا: ثَنَا أَبُو بكر بن نَافِع العُمَري، عَن مُحَمَّد بن أبي بكر بن عَمْرو، بن حزم، عَن عمْرَة عَنْهَا، بِلَفْظ ابْن عدي وَالْبَيْهَقِيّ.
стр. 5384
فَائِدَة: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ الرّبيع: قَالَ الشَّافِعِي: ذُو الهيئات الَّذين يقالون عثراتهم الَّذين لَيْسُوا يعْرفُونَ بِالشَّرِّ فيزل أحدهم الزلة. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: فيهم وَجْهَان، أَحدهمَا: أَصْحَاب الصَّغَائِر دون الْكَبَائِر.
وَثَانِيهمَا: من إِذا أذْنب تَابَ. قَالَ: وَفِي عثراتهم وَجْهَان: أَحدهمَا: الصَّغَائِر. وَثَانِيهمَا: أول مَعْصِيّة زل فِيهَا مُطِيع.
الحَدِيث الرَّابِع وَالْخَامِس
«أَن النَّبِي ﷺ أعرض عَن جمَاعَة استحقوا التَّعْزِير كَالَّذي غل فِي الْغَنِيمَة، وَكَذَا لوى شدقه حِين حكم النَّبِي ﷺ للزبير فِي شراج الْحرَّة وأساء الْأَدَب» .
أما حَدِيث شراج الْحرَّة فَتقدم بَيَانه فِي «بَاب إحْيَاء الْموَات» وَأما حَدِيث الغال فَلَعَلَّهُ يُشِير إِلَى مَا فِي أبي دَاوُد من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا أصَاب غنيمَة أَمر بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاس، فيجيئون بغنائمهم فيخمَّسه ويقسمه، فجَاء رجل يَوْمًا بعد النداء بزمام من شعر فَقَالَ: يَا رَسُول الله، هَذَا كَانَ فِيمَا أصبناه من الْغَنِيمَة. فَقَالَ: سَمِعت بِلَالًا يُنَادي ثَلَاثًا؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَمَا مَنعك أَن تَجِيء بِهِ؟ ! فَاعْتَذر. فَقَالَ: (كلا أَن) تَجِيء بِهِ يَوْم الْقِيَامَة فَلَنْ أقبله مِنْك» وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا فِي «مُسْتَدْركه» بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، ثمَّ قَالَ:
стр. 5385
هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. ذكر ذَلِك فِي موضِعين من كِتَابه وَرَوَاهُ أَيْضا ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» وَمثلهمْ الإِمَام أَحْمد فِي «مُسْنده» .
فَائِدَة: مَعْنَى غل: سرق. والشدق - بالشين الْمُعْجَمَة وَالْقَاف - وليه هُوَ فعل المستهزئ بِالنَّاسِ. وشراج الْحرَّة تقدم فِي إحْيَاء الْموَات.
وَإِمَّا آثاره فَثَلَاثَة: أَحدهمَا: أثر عمر، وَقد سلف فِي أثْنَاء الحَدِيث الثَّانِي.
ثَانِيهَا: عَن عمر أَيْضا «أَنه عزّر من زوَّر كتابا» .
وَهُوَ أثر غَرِيب لَا يحضرني من خرجه عَنهُ.
ثَالِثهَا: عَن عَلّي ﵁ «أَنه سُئِلَ عَن قَول الرجل للرجل: يَا فَاسق يَا خَبِيث. فَقَالَ: هن فواحش فِيهِنَّ تَعْزِير وَلَيْسَ فِيهِنَّ حد» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من طَرِيقين: أَحدهمَا: من حَدِيث عبد الْملك بن عُمَيْر، عَن أَصْحَابه، عَن عَلّي «فِي الرجل يَقُول للرجل: يَا خَبِيث يَا فَاسق. لَيْسَ عَلَيْهِ حد مَعْلُوم يُعَزّر الْوَالِي بِمَا يرَى» .
ثَانِيهمَا: من حَدِيث عبد الْملك أَيْضا، عَن شيخ من أهل الْكُوفَة، قَالَ: سَمِعت عليا يَقُول: «إِنَّكُم سَأَلْتُمُونِي عَن الرجل يَقُول للرجل: يَا كَافِر يَا فَاسق يَا خَبِيث. وَلَيْسَ فِيهِ حد وَإِنَّمَا فِيهِ عُقُوبَة من السُّلْطَان، فَلَا تعودوا فتقولوا» .
стр. 5386
كتاب ضَمَان الْوُلَاة
стр. 5387
كتاب ضَمَان الْوُلَاة
ذكر فِيهِ ﵀ حَدِيث: «أَنه ﵇ حد الشَّارِب أَرْبَعِينَ» .
وَهُوَ حَدِيث صَحِيح سلف بَيَانه وَاضحا فِي «بَاب حد الشّرْب» قَالَ الرَّافِعِيّ: وأجمعت الصَّحَابَة عَلَى ذَلِك.
وَذكر من الْآثَار أثر عَلّي ﵁ أَنه قَالَ: «لَيْسَ أحد نُقِيم عَلَيْهِ حد فَيَمُوت، وَأَجد فِي نَفسِي مِنْهُ شَيْئا إِن قَتله إِلَّا حد الْخمر، فَإِنَّهُ شَيْء رَأَيْنَاهُ بعد رَسُول الله ﷺ ، [فَمن] مَاتَ مِنْهُ فديته - إِمَّا قَالَ: فِي بَيت المَال، وَإِمَّا قَالَ: عَلَى عَاقِلَة الإِمَام» . شكّ فِيهِ الشَّافِعِي.
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَاكِم، عَن الْأَصَم، عَن الرّبيع، عَن الشَّافِعِي، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، عَن عَلّي بن يَحْيَى، عَن الْحسن أَن عَلّي بن أبي طَالب قَالَ: «مَا أحد يَمُوت فِي حد من الْحُدُود فأجد فِي نَفسِي مِنْهُ شَيْئا، إِلَّا الَّذِي يَمُوت فِي حد الْخمر، فَإِنَّهُ شَيْء أحدثناه بعد رَسُول الله ﷺ فَمن مَاتَ ... » إِلَى آخِره، وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث عُمَيْر بن سعيد النَّخعِيّ قَالَ: سَمِعت عَلّي بن أبي طَالب يَقُول: «مَا كنت لأقيم عَلَى أحدٍ حدًّا فَيَمُوت فأجد فِي نَفسِي مِنْهُ شَيْئا، إِلَّا صَاحب الْخمر، فَإِنَّهُ لَو مَاتَ وديته؛ وَذَلِكَ أَن رَسُول
стр. 5388
الله (لم يسنه» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه، وَقَالا فِيهِ: «لم يسن فِيهِ شَيْئا، إِنَّمَا قُلْنَاهُ نَحن» وَفِي رِوَايَة لِابْنِ السكن فِي «صحاحه» : «إِنَّمَا هُوَ شَيْء صنعناه» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» و «خلافياته» : أَرَادَ وَالله أعلم أَن رَسُول الله ﷺ لم يسنه بالسياط، وَقد سنه بالنعال، وأطراف الثِّيَاب بِمِقْدَار أَرْبَعِينَ. وَقَالَ: الْمجد فِي «أَحْكَامه» : مَعْنَاهُ لم يقدره ويوقته بِلَفْظِهِ ونطقه. وَكرر الرَّافِعِيّ هَذَا الْأَثر فِي مَوَاضِع أخر من الْبَاب، وَقَالَ: «إِنَّه شَيْء أحدثناه بعد رَسُول الله» . وَقد أٍلفناه عَن رِوَايَة الشَّافِعِي خلاف مَا ذكره عَنهُ، وَذكر - أَعنِي الرَّافِعِيّ - فِي الْبَاب من الْآثَار «أَن الصَّحَابَة حكمُوا فِي الَّتِي بعث إِلَيْهَا عمر لريبة فأجهضت ذَا بَطنهَا بِوُجُوب دِيَة الْجَنِين» وَهَذَا الْأَثر سلف بَيَانه وَاضحا فِي كتاب الدِّيات فَرَاجعه من ثمَّ.
стр. 5389
كتاب الْخِتَان
стр. 5390
كتاب الْخِتَان
ذكر فِيهِ ﵀ أَرْبَعَة أَحَادِيث:
أَولهَا
«أَنه ﵇ أَمر رجلا أسلم بالاختتان» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد، وَأَبُو دَاوُد، وَالطَّبَرَانِيّ، وَابْن عدي، وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة ابْن جريج قَالَ أخْبرت عَن عثيم بن كُلَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده «أَنه جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَأسلم، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : ألق عَنْك شعر الْكفْر، واختتن» .
هَذَا لَفظهمْ خلا الْأَوَّلين فَإِن لَفْظهمَا: «لما قَالَ: أسلمت. قَالَ النَّبِي ﷺ : ألق عَنْك شعر الْكفْر، يَقُول: احْلق. قَالَ: فَأَخْبرنِي آخر مَعَه أَنه ﵇ قَالَ لآخر: ألق عَنْك شعر الْكفْر، واختتن» وَهَذَا الْإِسْنَاد رَمَاه عبد الْحق بالانقطاع فَقَالَ: هَذَا الحَدِيث مُنْقَطع الْإِسْنَاد. وَتعقبه ابْن الْقطَّان فَقَالَ لم يردهُ عبد الْحق بِغَيْر ذَلِك فيظفر بِهِ من لَا يرد
стр. 5391
الْمُرْسل مُحْتَج بِهِ غير مُتَوَقف، وَهُوَ حَدِيث فِي إِسْنَاده مَعَ الإنقطاع مَجْهُولُونَ. ثمَّ سَاقه من طَرِيق أبي دَاوُد الَّتِي ذَكرنَاهَا، ثمَّ قَالَ: هَذَا إِسْنَاده، وَهُوَ فِي غَايَة الضعْف مَعَ الِانْقِطَاع الَّذِي فِي قَول ابْن جريج «أخْبرت» وَذَلِكَ أَن عثيم بن كُلَيْب وأباه وجده مَجْهُولُونَ، وَمَعَ هَذَا فليته بَقِي هَكَذَا، بل فِيهِ زِيَادَة لَا أَقُول أَنَّهَا صَحِيحَة، وَلكنهَا مُحْتَملَة، وَهِي أَن من الْمُحدثين من قَالَ أَن قَول ابْن جريج «أُخبرتُ عَن عثيم بن كُلَيْب» إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى، وَقد علم ضعفه، وَأُمُور أخر فِي دينه، وَقد كَانَ من النَّاس من كَانَ حسن الرَّأْي فِيهِ مِنْهُم الشَّافِعِي، وَابْن جريج، (قد) رَوَى ابْن جريج أَحَادِيث قَالُوا: إِنَّه إِنَّمَا أَخذهَا عَنهُ فأسقطه وأرسلها عَنهُ، مِنْهَا هَذَا الحَدِيث. وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك فِيهِ أَبُو أَحْمد بن عدي، والخطيب الْبَغْدَادِيّ.
قلت: وَنَقله عَن ابْن عدي الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» و «خلافياته» ، وَأقرهُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَعِنْدِي أَن هَذَا لَا يَصح عَن ابْن جريج فَإِنَّهُ من أهل الدَّين وَالْعلم، وَإِن كَانَ يُدَلس فَلَا يَنْتَهِي فِي التَّدْلِيس إِلَى مثل هَذَا الْفِعْل الْقَبِيح وَلَو قدرناه بِحسن الرَّأْي فِي إِبْرَاهِيم. هَذَا آخر كَلَامه. وَضَعفه أَيْضا الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي كِتَابه «الإِمَام» فَقَالَ: فِي إِسْنَاده مَجْهُول وَهُوَ الَّذِي أخبر ابْن جريج. وَأما النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي «شرح الْمُهَذّب» فِي بَاب مَا يُوجب الْغسْل: إِسْنَاده لَيْسَ بِالْقَوِيّ؛ لِأَن عثيمًا وكليبًا ليسَا بمشهورين وَلَا وثقا، لَكِن أَبَا دَاوُد رَوَاهُ وَلم يُضعفهُ، وَقد
стр. 5392
قَالَ: أَنه إِذا ذكر حَدِيثا وَلم يُضعفهُ فَهُوَ عِنْده صَالح أَي حسن أَو صَحِيح.
قلت: وَذكر ابْن حبَان فِي «ثقاته» عثيم بن كُلَيْب حَيْثُ قَالَ: عثيم بن كُلَيْب يروي عَن أَبِيه عَن جده، رَوَى ابْن جريج عَن رجل عَنهُ. وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» من طَرِيق أَحْمد مستدلاً بهَا.
فَائِدَة: عثيم بِضَم الْعين الْمُهْملَة، وَفتح الْمُثَلَّثَة تَصْغِير عُثْمَان، كَذَا قَيده النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب» وَصَاحب «الإِمَام» وَقد ورد مكبرًا فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ من جِهَة عبد الرَّزَّاق، وَفِي إِسْنَاده مثل مَا فِي المصغر. قَالَ ابْن عَبْدَانِ: هُوَ عثيم بن كثير بن كُلَيْب الْجُهَنِيّ، والصحابي رَاوِيه هُوَ كُلَيْب. قَالَ: وَلَا أَقف عَلَى اسْم أَبِيه. وَظن ابْن أبي حَاتِم أَن كليبًا وَالِد عثيم، وَأَن عثيمًا رَوَى عَن كُلَيْب مُرْسلا، وَهُوَ وهم؛ فَإِن كليبًا جد عثيم، وعثيم رَوَى عَن أَبِيه كثير عَن جده كُلَيْب.
الحَدِيث الثَّانِي
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «الْخِتَان سنة فِي الرِّجَال مكرمَة فِي النِّسَاء» .
هَذَا الحَدِيث ضَعِيف بِمرَّة وَهُوَ مَرْوِيّ من طرق:
أَحدهَا: من حَدِيث أبي الْمليح بن أُسَامَة عَن أَبِيه رَفعه «الْخِتَان سنة للرِّجَال مكرمَة للنِّسَاء» رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة، عَن أبي الْمليح بِهِ، وَضَعفه لائح بِسَبَب
стр. 5393
الْحجَّاج هَذَا، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : لَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» : ضَعِيف.
ثَانِيهَا: من حَدِيث أبي أَيُّوب مَرْفُوعا بِهِ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث الْحجَّاج، عَن مَكْحُول، عَن أبي أَيُّوب بِهِ، وَهُوَ ضَعِيف مُنْقَطع كَمَا قَالَه الْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: الَّذِي أتوهم أَنه خطأ، إِنَّمَا أَرَادَ حَدِيث حجاج مَا قد رَوَاهُ مَكْحُول [عَن] أبي الشمَال، عَن أبي أَيُّوب مَرْفُوعا: «خمس من سنَن الْمُرْسلين: التعطر والحناء والسواك ... » الحَدِيث، فَترك أَبَا الشمَال، فَلَا أَدْرِي هَذَا من الْحجَّاج أَو من عبد الْوَاحِد بن زِيَاد الرَّاوِي عَنهُ. قَالَ: وَقد رَوَاهُ النُّعْمَان بن الْمُنْذر عَن مَكْحُول مُرْسلا.
ثَالِثهَا: من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِهِ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث الْوَلِيد بن [الْوَلِيد] عَن ابْن ثَوْبَان، عَن مُحَمَّد بن عجلَان، عَن عِكْرِمَة، عَنهُ بِهِ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا إِسْنَاد ضَعِيف، وَالْمَحْفُوظ أَنه مَوْقُوف عَلَيْهِ. وَكَذَا قَالَ ابْن الرّفْعَة: لَا يَصح. وَقَالَ فِي «الْمعرفَة» : أَنه لَا يثبت رَفعه.
стр. 5394
ثَالِثهَا: من حَدِيث شَدَّاد بن أَوْس مَرْفُوعا بِهِ رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، وَابْن أبي حَاتِم فِي «علله» ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث حجاج بن أَرْطَاة، عَن أبي الْمليح، عَن أَبِيه، عَن شَدَّاد بِهِ. قَالَ ابْن عبد الْبر فِي «تمهيده» بعد أَن رَوَاهُ: هَذَا الحَدِيث يَدُور عَلَى حجاج بن أَرْطَاة، وَلَيْسَ مِمَّن يحْتَج بِهِ قَالَ: وَالَّذِي أجمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ أَن الْخِتَان للرِّجَال كَذَا قَالَ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي كتاب «أَحْكَام النّظر» : هَذَا حَدِيث مُنْقَطع الْإِسْنَاد.
الحَدِيث الثَّالِث
«أنَّه ﷺ قَالَ لأم عَطِيَّة وَكَانَت خافضة: اشمي وَلَا تنهكي» .
هَذَا الحَدِيث يرْوَى من طرق:
أَحدهَا: من حَدِيث مُحَمَّد بن حسان، [قَالَ] عبد الْوَهَّاب: الْكُوفِي، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر، عَن [أم] عَطِيَّة «أَن امْرَأَة كَانَت تختن بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : لَا تنهكي فَإِن ذَلِك أحظى للْمَرْأَة، وَأحب للبعل» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث مُحَمَّد بن حسان ثمَّ قَالَ: مُحَمَّد بن حسان مَجْهُول الحَدِيث، ضَعِيف.
стр. 5395
قلت: أما جَهَالَة مُحَمَّد بن حسان فَلَا نسلمها لَهُ؛ لِأَنَّهُ الشَّامي المصلوب فِي الزندقة التَّالِف، وَقد اسْتَفَدْت ذَلِك من كتاب «إِيضَاح [الْإِشْكَال] » لِلْحَافِظِ عبد الْغَنِيّ حَيْثُ قَالَ: بَاب مُحَمَّد بن سعيد الشَّامي المصلوب فِي الزندقة، ثمَّ ذكر لَهُ حَدِيثا، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ مُحَمَّد بن أبي قيس، وَذكر لَهُ حَدِيثا، ثمَّ قَالَ: وَهُوَ مُحَمَّد بن الطَّبَرِيّ، وَذكر لَهُ حَدِيثا ثمَّ قَالَ: وَهُوَ مُحَمَّد بن حسان وَرَوَى لَهُ هَذَا الحَدِيث وَذكر لَهُ حَدِيثا آخر وَهَذَا نَفِيس يتَعَيَّن عَلَى طَالب الحَدِيث الْوُقُوف عَلَيْهِ، وَقد تبع أَبُو دَاوُد فِي ذَلِك ابْن عدي فَقَالَ فِي «كَامِله» : مُحَمَّد بن حسان لَهُ أَحَادِيث لَا يُوَافق عَلَيْهَا ثمَّ أورد هَذَا الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: مُحَمَّد هَذَا لَيْسَ بِمَعْرُوف وَلَا يعرف إِلَّا من هَذَا الطَّرِيق قَالَ: وَلم [أر لمُحَمد غير] هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث آخر، وَكَذَا الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة فَقَالَ: رَوَاهُ أَيْضا مَرْوَان ابْن مُحَمَّد عَن مُحَمَّد بن حسان، ثمَّ ادَّعَى جهالته وَقد عرفت عَيبه وَأَنه كَذَّاب وَضاع وَأما قَوْله الحَدِيث ضَعِيف فَهُوَ كَمَا قَالَ. قَالَ ابْن الْقطَّان: يشْتَبه أَن عبد الْوَهَّاب لَا يعرف.
قلت: يَكْفِي فِي ضعفه مُحَمَّد بن حسان السالف التَّالِف، قَالَ أَبُو
следующие страницы →