Полный текст (6 131 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
أضْرب بالدف بَين يَديك إِن رجعت من سفرك سالما. فَقَالَ (: أوف بِنَذْرِك» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» ، وَابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من رِوَايَة بُرَيْدَة ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ لما رَجَعَ من بعض مغازيه، جَاءَتْهُ جَارِيَة سَوْدَاء فَقَالَت: يَا رَسُول الله، إِنِّي نذرت إِن ردك الله سالما أَن أضْرب بَين يَديك بالدف وأتغنى. فَقَالَ لَهَا: إِن كنت نذرت فأوف بِنَذْرِك» . هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَلَفظ ابْن حبَان: «رَجَعَ النَّبِي ﷺ من بعض مغازيه، [فَجَاءَت جَارِيَة سَوْدَاء] فَقَالَت: إِنِّي نذرت [إِن ردك الله سالما] أَن أضْرب عَلَى رَأسك بالدف. فَقَالَ ﵊: إِن كنت نذرت فافعلي وَإِلَّا فَلَا. فَقعدَ النَّبِي ﷺ فَضربت بالدف» . وَقَالَ ابْن الْقطَّان: هُوَ عِنْدِي ضَعِيف؛ لضعف رِوَايَة عَلّي بن حُسَيْن بن وَاقد. قَالَ أَبُو حَاتِم: ضَعِيف. وَقَالَ الْعقيلِيّ: كَانَ مرجئًا. قَالَ: وَلَكِن رَوَاهُ عَن حُسَيْن بن وَاقد غير عَلّي الْمَذْكُور، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة، عَن زيد بن حباب، عَن حُسَيْن ابْن وَاقد، عَن ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه «أَن النَّبِي ﷺ غزا فنذرت أمة سَوْدَاء إِن رده الله سالما أَن تضرب بالدف، فَرجع سالما غانمًا فَأَخْبَرته بِهِ، فَقَالَ: إِن كنت فعلت فافعلي وَإِلَّا فَلَا. فَقَالَت: يَا رَسُول الله، قد فعلت. فَضربت، فَدخل أَبُو بكر وَهِي
стр. 6022
تضرب، وَدخل عمر وَهِي تضرب فَأَلْقَت الدُّف وَجَلَست عَلَيْهِ مقنعة، فَقَالَ ﵊: أَنا هَاهُنَا، وَأَبُو بكر هَاهُنَا، وَهَؤُلَاء هَاهُنَا، إِنِّي لأحسب الشَّيْطَان يفر مِنْك يَا عمر» . قَالَ: فَهَذَا حَدِيث صَحِيح.
قلت: وَعلي بن حُسَيْن بن وَاقد الْمَدِينِيّ أعل الحَدِيث بِهِ ابْن الْقطَّان، قد قَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَذكره ابْن حبَان فِي «الثِّقَات» وَهَذَا التَّضْعِيف خَاص بِرِوَايَة التِّرْمِذِيّ، أما ابْن حبَان فَأخْرجهُ فِي «صَحِيحه» عَن ابْن خُزَيْمَة، نَا زِيَاد بن أَيُّوب، نَا أَبُو تُمَيْلة يَحْيَى بن وَاضح، نَا الْحُسَيْن بن وَاقد، نَا عبد الله بن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه ... . فَذكره كَمَا تقدم، وَكَذَا أخرجه أَحْمد فِي «الْمسند» فَقَالَ: ثَنَا زيد بن الْحباب، حَدثنِي حُسَيْن بن وَاقد، حَدثنِي عبد الله بن بُرَيْدَة، عَن أَبِيه «أَن أمة سَوْدَاء أَتَت رَسُول الله ﷺ وَقد رَجَعَ عَن بعض مغازيه، فَقَالَت: إِنِّي كنت نذرت إِن ردك الله صَالحا أَن أضْرب عَلَيْك بالدف. قَالَ: إِن كنت فعلت فافعلي، وَإِن كنت لم تفعلي فَلَا تفعلي. فَضربت، فَدخل أَبُو بكر وَهِي تضرب، وَدخل غَيره وَهِي تضرب، ثمَّ دخل عمر فَجعلت دفها خلفهَا وَهِي مُقنِعة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن الشَّيْطَان (ليفر) مِنْك يَا عمر، أَنا جَالس هَاهُنَا وَدخل هَؤُلَاءِ، فَلَمَّا أَن دخلت فعلت مَا فعلت» . وَفِي رِوَايَة للبيهقي: «فَإِن كنت نذرت فاضربي. قَالَ: فَجعلت تضرب فَدخل أَبُو بكر وَهِي تضرب، ثمَّ دخل عمر فَأَلْقَت الدُّف (عَنْهَا)
стр. 6023
وَقَعَدت عَلَيْهِ، فَقَالَ ﵇: إِن الشَّيْطَان يخَاف مِنْك يَا عمر» .
قلت: (وَقد ورد) من طرق أخر أَن عمر سمع ذَلِك، رَوَاهُ ابْن طَاهِر فِي «صفوة التصوف» من حَدِيث عبد الله بن أبي مليكَة أَن عَائِشَة حدثته «أَنه كَانَت عِنْد رَسُول الله ﷺ امْرَأَة تغني، فَاسْتَأْذن عمر بن الْخطاب فَأَلْقَت الدُّف وَقَامَت، فَدخل عمر وَالنَّبِيّ ﷺ يضْحك فَقَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي، مَا أضْحكك يَا رَسُول الله؟ فَذكر لَهُ الْخَبَر فَقَالَ: لَا أَبْرَح حَتَّى أسمع [يَا] رَسُول الله ﷺ . فَسمع» قَالَ ابْن طَاهِر: لَوْلَا أَنه من رِوَايَة بكار بن عبد الله لحكمت لَهُ بِالصِّحَّةِ، لَكِن بكار مُتَكَلم فِيهِ.
قلت: هُوَ كَلَام غير قَادِح، وَقد وَثَّقَهُ ابْن حبَان، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لَا نعلم قدحًا فِيهِ. وَرَوَاهُ الْخَطِيب من رِوَايَة عبد الرَّزَّاق عَن بكار، وَجعل الضعْف فِيهِ من طَرِيق آخر لَيْسَ من طَرِيق ابْن طَاهِر، وَرَوَاهُ الفاكهي فِي «تَارِيخ مَكَّة» من طَرِيق آخر غَيرهمَا، وَفِيه مُتَابعَة عبد الْجَبَّار بن الْورْد الثِّقَة لبكار، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مُسَدّد، عَن الْحَارِث بن عبيد، عَن عبيد الله بن الْأَخْنَس، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده «أَن امْرَأَة أَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله، إِنِّي نذرت أَن أضْرب عَلَى رَأسك بالدف. فَقَالَ: أوف بِنَذْرِك» . رجال إِسْنَاده ثِقَات.
стр. 6024
الحَدِيث التَّاسِع عشر
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «إِن الله حرم عَلَى أمتِي الْخمر وَالْميسر والكوبة» فِي أَشْيَاء عدهَا.
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من طرق:
إِحْدَاهَا: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِن الله ﵎ حرم عَلَيْكُم الْخمر وَالْميسر والكوبة - وَهُوَ الطبل - قَالَ: وكل مُسكر حرَام» وَفِي رِوَايَة لَهُ أَنه ﵇ قَالَ: «إِن الله حرم [عليَّ - أَو] وحرم الْخمر وَالْميسر والكوبة. وَقَالَ: كل مُسكر حرَام. قَالَ سُفْيَان: قلت لعَلي مَا الكوبة؟ قَالَ: الطبل» وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» ، وَأَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» بِهَذَا اللَّفْظ، (وَكَذَا ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» .
ثَانِيهَا: عَن عبد الله بن [عمر و] «أَن رَسُول الله ﷺ نهَى عَن الْخمر وَالْميسر والكوبة والغُبَيْراء، وَقَالَ: كل مُسكر حرَام» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» بِهَذَا اللَّفْظ) وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ «القنين» وَأخرجه أَحْمد بِلَفْظ أبي دَاوُد وَزَاد: «المزر والقنين» .
стр. 6025
ثَالِثهَا: عَن قيس بن سعد بن عبَادَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِن رَبِّي حرم عَلّي الْخمر وَالْميسر والقنين والكوبة. قَالَ أَبُو زَكَرِيَّا: القنين الْعود» وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد فِي «مُسْنده» وَكتاب الْأَشْرِبَة لَهُ «إِن الله حرم عَلّي الْخمر والكوبة والقنين، وَإِيَّاكُم والغبيراء فَإِنَّهَا ثلث خمر الْعَالم» . قَالَ أَحْمد: قلت ليحيى بن إِسْحَاق: مَا الكوبة؟ قَالَ: الطبل. وَهَذِه الطّرق كلهَا معلولة خلا الأول، فَإِن إسنادها صَحِيح؛ فَإِن أَبَا دَاوُد خرجه عَن مُحَمَّد بن بشار - وَهُوَ إِمَام حَافظ - عَن أبي أَحْمد وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الله الزبيري، وَهُوَ كُوفِي من رجال «الصَّحِيحَيْنِ» - عَن سُفْيَان الثَّوْريّ - وناهيك فِيهِ - عَن عَلّي بن بذيمة - وَهُوَ ثِقَة - عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، عَن ابْن عَبَّاس، فَهَذَا إِسْنَاد يتَّصل عَلَى شَرط الصَّحِيح، وَقد رَأَيْت بعض مصنفي زمننا أعله بِمَا لَو سكت عَنهُ لَكَانَ أولَى بِهِ. وَأما الطَّرِيق الثَّانِي: فَفِيهِ عنعنة ابْن إِسْحَاق، وَفِي إِسْنَاد رِوَايَة أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ (ابْن) لَهِيعَة وحالته مَعْلُومَة، وَفِيه أَيْضا الْوَلِيد بن عَبدة قَالَ أَبُو حَاتِم: مَجْهُول. وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» ، قَالَ
стр. 6026
الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي: وَوَقع فِي رِوَايَة اللؤْلُؤِي عبد الله بن عمر يَعْنِي بِحَذْف الْوَاو فِي آخِره، وَهُوَ وهم وَالصَّوَاب إِثْبَاتهَا. وَأما الطَّرِيق الثَّالِث: فَفِيهِ عبيد الله بن زحر وَهُوَ ضَعِيف كَمَا هُوَ أسلفته لَك فِي كتاب النّذر، وَقَالَ عبد الْحق: فِي إِسْنَاده يَحْيَى بن أَيُّوب، عَن عبيد الله بن زحر ... ذكر الْكَلَام فِي ابْن زحر، وَذكر من رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة يَحْيَى بن أَيُّوب، عَن ابْن جريج، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة؛ ثمَّ قَالَ: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا يثبت مَرْفُوعا، وَالْمَحْفُوظ من قَول أبي هُرَيْرَة وَاخْتلف فِيهِ.
فَائِدَة: الكوبة: الطبل الطَّوِيل المتسع الطَّرفَيْنِ الضّيق الْوسط كَذَا فِي الرَّافِعِيّ، وَلم أر من قَيده من أهل اللُّغَة بِهَذَا؛ فقد قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي «الْفَائِق» : هِيَ النَّرْد، وَقيل: الطبل. وَقَالَ ابْن فَارس فِي «الْمُجْمل» : الكوبة الطبل عَلَى مَا قيل، وَقَالَ: النَّرْد. وَحَكَى الْبَيْهَقِيّ عَن أبي عُبَيْدَة أَنَّهَا النَّرْد بلغَة الْيمن، قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: إِنَّهَا النَّرْد، وَيُقَال: الطبل، وَقيل: البربط، وَهَذَا أظهر. وَقَالَ الْخطابِيّ: غلط، وَقَالَ: الكوبة الطبل بل هِيَ النَّرْد. القنين: قيل: إِنَّه الطنبور بلغَة الحبشية. وَقيل: الْعود. كَمَا تقدم فِي آخر حَدِيث قيس بن سعد بن عبَادَة، قيل: لعبة للروم يتقامرون بهَا. قَالَه ابْن الْأَعرَابِي حَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي «الْفَائِق» وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «جَامع المسانيد» : إِنَّه البربط. وَقَالَ فِيهِ فِي تَرْجَمَة قيس
стр. 6027
بن سعد بن عبَادَة: إِنَّه لعبة للروم. والغبيراء: السكركة - أَي بتسكين الرَّاء - تعْمل من الذّرة تصنعها الْحَبَشَة. قَالَه الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِيه» ، وَفِي «معرفَة الصَّحَابَة» لأبي مُوسَى عَن دُحَيْم «أَنه سَأَلَ النَّبِي ﷺ عَن السكركة - أَي بتسكين الرَّاء - وَأخْبر أَنه يصنعه من الْقَمْح فَنَهَاهُ عَنهُ» . وَفِي «مُسْند» الشَّافِعِي أبنا مَالك، عَن زيد بن أسلم، عَن عَطاء بن يسَار «أَن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ عَن الغبيراء فَقَالَ: لَا خير فِيهَا ونهانا عَنْهَا ... قَالَ مَالك عَن زيد: هِيَ السكركة» .
الحَدِيث الْعشْرُونَ
اشْتهر «أَن النَّبِي ﷺ وقف لعَائِشَة ﵂ يَسْتُرهَا حَتَّى تنظر إِلَى الْحَبَشَة وهم يَلْعَبُونَ ويزفنون» والزفن: الرقص.
هُوَ كَمَا قَالَ، فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْهَا «أَن أَبَا بكر دخل عَلَيْهَا وَعِنْدهَا جاريتان فِي أَيَّام منى (يزفنون ويضربان) وَالنَّبِيّ ﷺ متغشٍ بِثَوْبِهِ فانتهرهما أَبُو بكر، فكشف النَّبِي ﷺ (عَن وَجهه فَقَالَ: دعهما يَا أَبَا بكر، فَإِنَّهَا أَيَّام عيد. قَالَت عَائِشَة: وَرَأَيْت النَّبِي ﷺ ) يسترني وَأَنا أنظر إِلَى الْحَبَشَة وهم يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِد فزجرهم عمر، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : دعهم يَا عمر» .
стр. 6028
فَائِدَة: لَا تعَارض بَين هَذَا الحَدِيث والْحَدِيث السالف فِي النِّكَاح «أفعمياوان أَنْتُمَا، ألستما تبصرانه» فَإِن هَذَا كَانَ قبل بُلُوغ عَائِشَة، وَقد جَاءَ مَا يدل عَلَى ذَلِك، وَيحْتَمل أَنه كَانَ قبل أَن يضْرب عَلَيْهِنَّ الْحجاب، ووقائع الْأَعْيَان يسْقط الِاحْتِجَاج بهَا لتطرق الِاحْتِمَال إِلَيْهَا.
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْعشْرين
«أنَّه ﷺ كَانَ لَهُ شعراء يصغي إِلَيْهِم مِنْهُم حسان بن ثَابت وَعبد الله بن رَوَاحَة، واستنشد الشريد شعر أُميَّة بن أبي الصَّلْت، واستمع إِلَيْهِ» .
هَذَا كُله صَحِيح وَهُوَ أظهر من أَن ينص عَلَيْهِ، وَسَنذكر من ذَلِك أَرْبَعَة أَحَادِيث: عَن حسان حديثين، وَعَن ابْن رَوَاحَة حَدِيثا، وَعَن الشريد الثَّقَفِيّ حَدِيثا.
الحَدِيث الأول: رَوَاهُ مُسلم عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «قَالَ حسان: يَا رَسُول الله، ائْذَنْ لي فِي أبي سُفْيَان. قَالَ: فَكيف فِي قَرَابَتي مِنْهُ؟ قَالَ: وَالَّذِي أكرمك لأسلنك مِنْهُم كَمَا تسل الشعرة من الخميرة. فَقَالَ حسان:
ثمَّ بَنو بنت مَخْزُوم ووالدك العَبْد
إِن سَنَام الْمجد من آل هَاشم
وَبعد هَذَا بَيت فِي غير مُسلم:
كرام وَلم يقرب عجائزك الْمجد» _ _ من ولدت أَبنَاء زهرَة مِنْهُم _ _
الحَدِيث الثَّانِي: رَوَاهُ مُسلم أَيْضا عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «اهجوا قُريْشًا فَإِنَّهُ أَشد عَلَيْهَا من رشق
стр. 6029
النبل. فَأرْسل إِلَى ابْن رَوَاحَة فَقَالَ: (اهج) . فهجاهم فَلم يرض، فَأرْسل إِلَى كَعْب بن مَالك، ثمَّ أرسل إِلَى حسان بن ثَابت فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ حسان: قد آن لكم أَن تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الْأسد (الضاري) بِذَنبِهِ. ثمَّ أدلع لِسَانه فَجعل يحركه ثمَّ قَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لأفرينهم بلساني فري الْأَدِيم. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا تعجل، فَإِن أَبَا بكر أعلم قُرَيْش بأنسابها، وَإِن لي فيهم نسبا حَتَّى (يخلص) لَك نسبي. فَأَتَاهُ حسان، ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، قد مَحْض لي نسبك، وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لأسلنك مِنْهُم كَمَا تسل الشعرة من الْعَجِين. قَالَت عَائِشَة: فَسمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لحسان: إِن روح الْقُدس لَا يزَال يؤيدك مَا نافحت (عَن رَسُول الله ﷺ ) [وَقَالَت: سَمِعت رَسُول الله ﷺ ] يَقُول: هجاهم حسان فشفى عَلَيْهِم واشتفى، فَقَالَ حسان:
هجوت مُحَمَّدًا فأجبت عَنهُ ... وَعند الله فِي ذَاك الْجَزَاء
هجوت مُحَمَّدًا برًّا حَنِيفا ... رَسُول الله شيمته الْوَفَاء
فَإِن أبي ووالده وعرضي ... لعرض مُحَمَّد مِنْكُم وقاء
ثكلت بنيتي إِن لم تَرَوْهَا ... تثير النَّقْع موعدها كداء
(يبار عَن الأسنة مشرعات)
عَلَى أكتافها الأسل الظماء
تظل [جيادنا] تمطرت ... تلطمهن بِالْخمرِ النِّسَاء
стр. 6030
فَإِن أعرضتم عَنَّا اعتمرنا ... وَكَانَ الْفَتْح وانكشف الغطاء
وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لضراب يَوْم ... يعز الله فِيهِ من يَشَاء.
[وَقَالَ الله قد أرْسلت عبدا ... يَقُول الْحق لَيْسَ بِهِ خَفَاء] .
وَقَالَ الله: قد أرْسلت جندًا ... هم الْأَنْصَار عرضتها اللِّقَاء.
لنا فِي كل يَوْم من معد ... سباب أَو قتال أَو هجاء.
فَمن يهجو رَسُول الله [مِنْكُم] ... ويمدحه وينصره سَوَاء.
وَجِبْرِيل رَسُول الله فِينَا ... وروح الْقُدس لَيْسَ لَهُ كفاء.
الحَدِيث الثَّالِث: رَوَاهُ مُسلم أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه كَانَ يَقُول فِي قصصه يذكر رَسُول الله ﷺ إِن أَخا لكم لَا يَقُول الرَّفَث - يَعْنِي بذلك عبد الله بن رَوَاحَة. قَالَ:
وَفينَا رَسُول الله يَتْلُو كِتَابه ... إِذا اشتق مَعْرُوف من الْفجْر سَاطِع
أرانا الْهدى بعد الْعَمى فَقُلُوبنَا ... بِهِ مُوقِنَات أَن مَا قَالَه وَاقع
يبيت يُجَافِي جنبه عَن فرَاشه ... إِذا اسْتَقَلت (بالكافرين) الْمضَاجِع.
الحَدِيث الرَّابِع: رَوَاهُ مُسلم أَيْضا عَن عَمْرو بن الشريد عَن أَبِيه قَالَ: «أردفني رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: هَل مَعَك من شعر أُميَّة بن أبي الصَّلْت شَيْء؟ قَالَ: نعم. قَالَ: هيه. قَالَ:
стр. 6031
فَأَنْشَدته بَيْتا فَقَالَ: هيه قَالَ: فَأَنْشَدته حَتَّى بلغت مائَة بَيت» وَفِي رِوَايَة «أنشدت النَّبِي ﷺ مائَة قافية من قَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت كل ذَلِك يَقُول: هيه هيه. ثمَّ قَالَ: إِن كَاد فِي شعره ليسلم» .
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين
أنَّه ﷺ قَالَ لفاطمة: «أما مُعَاوِيَة فصعلوك» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح قد سلف مطولا فِي الْأَنْكِحَة.
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين
عَن ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا تقبل شَهَادَة ظنين وَلَا خصم» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه لم أَقف عَلَى من خرجه، وَإِنَّمَا رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» مَوْقُوفا عَلَى [عمر] بلاغًا، وَهَذَا لَفظه: عَن مَالك أَنه بلغه أَن عمر بن الْخطاب قَالَ: «لَا تجوز شَهَادَة خصم وَلَا ظنين» . وَوَقفه عَلَى عَائِشَة وَجَابِر وَأبي هُرَيْرَة، أما حَدِيث عَائِشَة فَتقدم فِي الْبَاب بِلَفْظ: «لَا تجوز شَهَادَة ظنين فِي وَلَاء وَلَا قرَابَة» . وَأما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث حَمَّاد ابْن الْحسن، [عَن أبي دَاوُد] ، عَن قيس بن الرّبيع، عَن عبد الله بن [مُحَمَّد بن] عقيل، عَن جَابر مَرْفُوعا: «لَا تجوز شَهَادَة مُتَّهم وَلَا ظنين» . أعله عبد الْحق بِعَبْد الله بن عقيل
стр. 6032
فَقَالَ: ضعفه النَّاس إِلَّا أَحْمد بن [حَنْبَل و] إِسْحَاق [بن رَاهَوَيْه] والْحميدِي.
قلت: وَغَيرهم كَمَا عَرفته فِي بَاب الْوضُوء وَترك فِي الْإِسْنَاد - كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان - قيس بن الرّبيع وَهُوَ ضَعِيف عِنْده، وَحَمَّاد بن الْحسن وَهُوَ لَا يعرف حَاله.
وَأما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «لَا تجوز شَهَادَة ذِي الْجنَّة والظنينة» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. وَادَّعَى الإِمَام فِي «نهايته» أَن الشَّافِعِي اعْتمد خَبرا صَحِيحا وَهُوَ أَنه ﵇ قَالَ: «لَا تقبل شَهَادَة خصم عَلَى خصم» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَأَصَح مَا رُوِيَ فِي الْبَاب [وَإِن كَانَ مُرْسلا] حَدِيث عبد الرَّحْمَن [عَن] الْأَعْرَج أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا تجوز شَهَادَة ذِي الظنة وَالْجنَّة. [والحنة] وَالْجنَّة: الْجُنُون [والحنة] : الَّذِي يكون بَيْنك وَبَينه عَدَاوَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا أَدْرِي هَذَا التَّفْسِير من قَول من [من] هَؤُلَاءِ الروَاة. يَعْنِي: رُوَاة الحَدِيث، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» وَجعل التَّفْسِير الْمَذْكُور من قَوْله. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ من وَجه آخر مُرْسل عَن طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف «أَن رَسُول الله ﷺ بعث مناديًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى الثَّنية: أَنه لَا
стр. 6033
تجوز شَهَادَة خصم وَلَا ظنين وَالْيَمِين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ» . أخرجه أَبُو دَاوُد فِي «مراسيله» مَعَ حَدِيث الْأَعْرَج.
قلت: الَّذِي فِي «مراسيله» من حَدِيث طَلْحَة الْمَذْكُور «لَا تجوز شَهَادَة الْخصم وَلَا ظنين» لم يزدْ عَلَى هَذَا، ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَانِ المرسلان يقويان حَدِيث عَائِشَة السالف ويؤكدانه.
فَائِدَة: الظنين: الْمُتَّهم، وَقيل المُرَاد الْخصم الْعَدو وَحَكَاهُ الرَّافِعِيّ، وَاعْلَم أَنه تقدم فِي الحَدِيث «إحْنَة» بِالْألف، وَفِي الصَّحِيح: فِي صَدره إحْنَة؛ أَي: حقد، وَلَا تقل: حنة. وَفِي الغريبين للهروي [الحنة] لُغَة ردية واللغة الْعَالِيَة: إحْنَة. قَالَ الْأَصْمَعِي: فِي صَدره إحْنَة، وَلَا يُقَال: حنة. وَحَكَى «حنة» المطرزي عَن ابْن الْأَعرَابِي وَابْن درسْتوَيْه عَن الْخَلِيل وَابْن خالويه.
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْعشْرين
رُوِيَ فِي الْخَبَر: «لَا تجوز شَهَادَة الْوَالِد للْوَلَد وَلَا الْوَلَد للوالد» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب لَا يحضرني من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ، وَاحْتج الْبَيْهَقِيّ فِي الْمَسْأَلَة بِحَدِيث الْمسور بن مخرمَة الثَّابِت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أنَّه ﷺ قَالَ: «فَاطِمَة بضعَة مني ... » الحَدِيث. وَقَالَ
стр. 6034
ابْن الرّفْعَة فِي «مطلبه» : فَهَذِهِ الزِّيَادَة - يَعْنِي: الحَدِيث الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ - اسْتدلَّ [بِهِ] القَاضِي حُسَيْن وَلَو صحت لكفت فِي الْبَاب، وَلَكِن السَّاجِي قَالَ: إِن أهل النَّقْل لَا يثبتون الزِّيَادَة. وَقَالَ فِي «كِفَايَته» : وَمثل هَذَا الحَدِيث كَحَدِيث عَائِشَة السَّابِق: «لَا تجوز شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة» . وَتكلم الْعلمَاء فِي هَذِه الزِّيَادَة فَإِن صحت فَفِي قَوْله «ظنين فِي قرَابَة» دَلِيل عَلَيْهِ.
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين
رُوِيَ أنَّه ﷺ [قَالَ] : «لَا تقبل شَهَادَة خائن وَلَا خَائِنَة، وَلَا ذِي غمر عَلَى أَخِيه» «وَلَا ظنين» فِي رِوَايَة.
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي أَوَائِل الْبَاب.
الحَدِيث السَّادِس بعد الْعشْرين
أنَّه ﷺ قَالَ فِي معرض الذَّم: «يَجِيء قوم يُعْطون الشَّهَادَة قبل أَن يسألوها» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي [صَحِيحَيْهِمَا] من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (خير الْقُرُون
стр. 6035
قَرْني) ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين ... - قَالَ عمرَان: فَلَا أَدْرِي أذكر بعد قرنه قرنين أَو ثَلَاثَة - ثمَّ إِن من بعدهمْ قوما يشْهدُونَ، وَلَا يستشهدون يخونون وَلَا يؤتمنون، وينذرون وَلَا يُوفونَ، وَيظْهر فيهم السّمن» . وَأخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من حَدِيث عمر بن الْخطاب ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «أَحْسنُوا إِلَى أَصْحَابِي ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ - ثمَّ يفشو الْكَذِب حَتَّى يحلف الرجل عَلَى الْيَمين قبل أَن يسْتَحْلف عَلَيْهَا وَيشْهد عَلَى الشَّهَادَة قبل أَن يستشهد عَلَيْهَا ... » الحَدِيث بِطُولِهِ.
الحَدِيث السَّابِع بعد الْعشْرين
أنَّه ﷺ قَالَ: «أَلا أخْبركُم بِخَير الشُّهَدَاء الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قبل أَن يستشهد» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم من طَرِيق زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ ﵁.
فَائِدَتَانِ: الأولَى: فِي المُرَاد بِهَذَا الحَدِيث تَأْوِيلَانِ؛ أصَحهمَا وأشهرهما تَأْوِيل مَالك وأصحابنا عَلَى من عِنْده شَهَادَة لإِنْسَان بِحَق وَلَا يعلم ذَلِك الْإِنْسَان أَنه شَاهد فَأَتَى إِلَيْهِ يُخبرهُ بِأَنَّهُ شَاهد لَهُ. وَثَانِيهمَا: أَنه مَحْمُول عَلَى شَهَادَة الْحِسْبَة وَذَلِكَ فِي غير حُقُوق الْآدَمِيّين. وَفِيه تَأْوِيل
стр. 6036
ثَالِث: أَنه مَحْمُول عَلَى الْمُبَالغَة، كَمَا يُقَال: الْجواد يُعْطي قبل السُّؤَال من غير توقف.
الثَّانِيَة: كَيفَ ذمّ فِي الحَدِيث الَّذِي قبل هَذَا الشَّهَادَة قبل الاستشهاد ومدح هُنَا؟ ! وَجمع
[بَينهمَا عَلَى] أوجه أَصَحهَا: أَنه مَحْمُول عَلَى من مَعَه شَهَادَة لآدَمِيّ عَالم بهَا فَيَأْتِي فَيشْهد [بهَا قبل أَن تطلب مِنْهُ. وَالثَّانِي: أَنه مَحْمُول عَلَى شَاهد الزُّور فَيشْهد] بِمَا لَا أصل لَهُ فِيهِ وَلم يستشهد. وَثَالِثهَا: أَنه مَحْمُول عَلَى من ينْتَصب شَاهدا وَلَيْسَ من أَهلهَا. وَرَابِعهَا: أَنه مَحْمُول [عَلَى] من يشْهد لقوم بِالْجنَّةِ أَو بالنَّار من غير توقف، وَهَذَا ضَعِيف.
الحَدِيث الثَّامِن بعد الْعشْرين
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «تَوْبَة الْقَاذِف إكذابه نَفسه» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب لم أَقف عَلَى من خرجه، وَعَزاهُ بعض من تكلم عَلَى أَحَادِيث «الْمُهَذّب» إِلَى «سنَن الْبَيْهَقِيّ» وَلم أره فِيهِ كَذَلِك، وَالَّذِي ذكره الْبَيْهَقِيّ بعد أَن بوب شَهَادَة الْقَاذِف عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ لأبي بكرَة: «تب تقبل شهادتك» . وَعَن الشَّافِعِي «أَنه بلغه عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يُجِيز شَهَادَة الْقَاذِف إِذا تَابَ» . وَفِي رِوَايَة عَنهُ «أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: «وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا أُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين
стр. 6037
تَابُوا» . [فَمن تَابَ] وَأصْلح فشهادته فِي كتاب [الله] مَقْبُولَة وَعَن ابْن أبي نجيح أَنه قَالَ: «الْقَاذِف إِذا تَابَ تقبل شَهَادَته» . وَعَن عَطاء وَطَاوُس وَمُجاهد وَالضَّحَّاك وَعبد الله بن عتبَة مثله. وَعَن الشّعبِيّ قَالَ: «يقبل الله تَوْبَته وَلَا تقبلون شَهَادَته!» . وَعَن مطرف عَن الشّعبِيّ «أَنه كَانَ يَقُول فِي الْقَاذِف إِذا فرغ من ضربه فأكذب نَفسه وَرجع عَن قَوْله: قبلت شَهَادَته» . وَعَن حُصَيْن قَالَ: «رَأَيْت رجلا جلد حدًّا فِي قذف بالريبة، فَلَمَّا فرغ من ضربه أحدث تَوْبَة وَقَالَ: أسْتَغْفر الله وَأَتُوب إِلَيْهِ من قذف الْمُحْصنَات. فَلَقِيت أَبَا الزِّنَاد فَأَخْبَرته بذلك فَقَالَ: الْأَمر عندنَا إِذا رَجَعَ عَن قَوْله واستغفر ربه قبلت شَهَادَته» . وَعَن سُلَيْمَان بن يسَار وَسَعِيد بن الْمسيب وَابْن شهَاب «أَنهم سئلوا عَن رجل جلد هَل تجوز شَهَادَته؟ قَالُوا: لَا، إِلَّا أَن يظْهر مِنْهُ التَّوْبَة» . ثمَّ ذكر الْبَيْهَقِيّ حَدِيث الْإِفْك الثَّابِت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لعَائِشَة: «إِنَّه بَلغنِي عَنْك كَذَا وَكَذَا، فَإِن كنت بريئة فسيبرئك الله، وَإِن كنت قد أَلممْت بالذنب فاستغفري وتوبي إِلَيْهِ، فَإِن العَبْد إِذا اعْترف بِذَنبِهِ ثمَّ تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ» . ثمَّ رَوَى عَن ابْن مَسْعُود مَرْفُوعا: «النَّدَم تَوْبَة» . وَعَن عبد الله مَوْقُوفا عَلَيْهِ بِزِيَادَة: «والتائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ» . قَالَ: وَهَذَا مُنْقَطع وَمَوْقُوف. قَالَ: وَرَوَاهُ أَيْضا مَرْفُوعا بِهَذِهِ الزِّيَادَة قَالَ: وَالْمَعْرُوف يُوقف عَلَيْهِ. وَرُوِيَ بِهَذِهِ الزِّيَادَة من حَدِيث أبي عتبَة الْخَولَانِيّ وَابْن عَبَّاس وَأبي سعدة الْأنْصَارِيّ مَرْفُوعا وَأَسَانِيده ضَعِيفَة. وَعَن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا: «كل شَيْء
стр. 6038
يتَكَلَّم بِهِ ابْن آدم فَإِنَّهُ مَكْتُوب عَلَيْهِ، فَإِذا أَخطَأ الْخَطِيئَة وَأحب أَن يَتُوب إِلَى الله فليأت بقْعَة رفيعة فليمد يَدَيْهِ إِلَى الله وَيَقُول: إِنِّي أَتُوب إِلَيْك مِنْهَا لَا أرجع إِلَيْهَا أبدا. فَإِنَّهُ يغْفر لَهُ مَا لم يرجع فِي عمله ذَلِك» . هَذَا ملخص مَا ذكره الْبَيْهَقِيّ فِي هَذَا الْبَاب وَيُؤْخَذ من مَجْمُوعَة الدّلَالَة لما ذكره المُصَنّف.
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين
أَن سعد بن أبي وَقاص قَالَ: «يَا رَسُول الله، أَرَأَيْت لَو وجدت مَعَ امْرَأَتي رجلا أمهله حَتَّى آتِي بأَرْبعَة شُهَدَاء؟ قَالَ: نعم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح وَقد تقدم بَيَانه فِي كتاب الصّيام وَاضحا، لَكِن الْمَعْرُوف بذلك هُوَ سعد بن عبَادَة لَا ابْن أبي وَقاص فَلَعَلَّهُ من زلل الْكَاتِب.
الحَدِيث الثَّلَاثُونَ
ورد فِي الْخَبَر: «زنا الْعَينَيْنِ النّظر» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح وَقد سلف فِي كتاب اللّعان فَرَاجعه مِنْهُ.
الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ
«أَن رَسُول الله ﷺ أَمر عَامل خَيْبَر يَبِيع الْجمع بِالدَّرَاهِمِ وَيَشْتَرِي ... » الحَدِيث.
هَذَا الحَدِيث صَحِيح وَقد سلف بَيَانه فِي بَاب الرِّبَا وَاضحا.
стр. 6039
الحَدِيث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ
عَن ابْن عَبَّاس ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ قَضَى بِشَاهِد وَيَمِين» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير كِلَاهُمَا، عَن زيد بن الْحباب، عَن سيف بن سُلَيْمَان الْمَكِّيّ، عَن قيس بن سعد، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن ابْن عَبَّاس. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ: إِسْنَاده جيد. وَابْن مَاجَه من رِوَايَة سيف بن سُلَيْمَان بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضا الشَّافِعِي عَن عبد الله بن الْحَارِث المَخْزُومِي، عَن سيف بِهِ بِلَفْظ: «أَنه ﵊ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد» ثمَّ قَالَ عَمْرو: «فِي الْأَمْوَال» . وَحَكَى الشَّافِعِي عَن مُحَمَّد بن الْحسن أَنه تكلم فِيهِ وَقَالَ: لَو أعلم أَن سيف بن سُلَيْمَان يرويهِ لأفسدته عِنْد النَّاس قَالَ الشَّافِعِي: فَقلت: يَا أَبَا عبد الله إِذا أفسدته فسد وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ الرّبيع قَالَ الشَّافِعِي: وَهَذَا الحَدِيث ثَابت عَن رَسُول الله ﷺ لَا يرد أحد من أهل الْعلم مثله لَو لم يكن فِيهِ غَيره مَعَ أَن مَعَه غَيره مِمَّا يشده. وَقَالَ ابْن عبد [الْبر] : لَا مطْعن لأحد فِي إِسْنَاده وَلَا خلاف عِنْد أهل الْمعرفَة بِصِحَّتِهِ وَأَن رِجَاله
стр. 6040
ثِقَات. وَقَالَ الْبَزَّار: وَقيس بن سعد، وَسيف بن سُلَيْمَان وَمن بعدهمَا يُسْتَغْنَى عَن ذكرهمَا فِي النَّقْل وَالْعَدَالَة. وَقَالَ مرّة: فِي الْبَاب: أَحَادِيث حسان أَصَحهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس. وَقَالَ ابْن الطلاع فِي «أَحْكَامه» : حَدِيث ثَابت وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه و «هج الْجَمْر» : لَا مطْعن لأحد فِي إِسْنَاده، وَلَا خلاف بَين أهل الْمعرفَة بِالْحَدِيثِ فِي ثُبُوته، وَقد تَوَاتَرَتْ الْآثَار بِهِ عَن رَسُول الله ﷺ . قَالَ الْحفاظ فِيمَا نَقله عَنْهُم النَّوَوِيّ فِي «شرح مُسلم» : هُوَ أصح أَحَادِيث هَذَا الْبَاب. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَسيف بن سُلَيْمَان الْمَكِّيّ ثَبت ثِقَة عِنْد أَئِمَّة النَّقْل، قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: سَأَلت يَحْيَى بن سعيد عَنهُ فَقَالَ: هُوَ عندنَا مِمَّن يصدق ويحفظ. قَالَ: وَقد تَابعه عَلَى ذَلِك جمَاعَة ... فَذكر ذَلِك بأسانيده. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : قَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم: وَقد تعرض لهَذَا الحَدِيث بعض الْمُخَالفين مِمَّن لَيْسَ من صناعته معرفَة الصَّحِيح من السقيم، فاحتج فِيهِ بِمَا رُوِيَ عَن أبي زَكَرِيَّا يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ: حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا لَيْسَ بِمَحْفُوظ. قَالَ الْحَاكِم: فَأَقُول - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق -: إِن شَيخنَا أَبَا زَكَرِيَّا لم يُطلق هَذَا القَوْل عَلَى حَدِيث سيف بن سُلَيْمَان، عَن قيس بن سعد، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن ابْن عَبَّاس، وَإِنَّمَا أَرَادَ الحَدِيث الَّذِي رُوِيَ عَن ابْن أبي مليكَة عَن ابْن عَبَّاس، أَو الحَدِيث الَّذِي تفرد بِهِ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أبي يَحْيَى، وَأما حَدِيث سيف بن سُلَيْمَان فَلَيْسَ فِي إِسْنَاده من يجرح وَلم نعلم لَهُ أَيْضا عِلّة نعلل بِهِ الحَدِيث، وَالْإِمَام أَبُو زَكَرِيَّا أعرف بِهَذَا الشَّأْن من أَن يظنّ بِهِ أَن يوهن حَدِيثا يظنّ بِهِ يرويهِ
стр. 6041
الثِّقَات من الْأَثْبَات. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَعلل الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث بِأَنَّهُ لَا يعلم قيسا يحدث عَن عَمْرو بن دِينَار بِشَيْء، وَلَيْسَ مَا لَا يُعلمهُ الطَّحَاوِيّ لَا يُعلمهُ غَيره. ثمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ حَدِيثا فهم مِنْهُ التَّصْرِيح بِسَمَاع قيس بن سعد عَن عَمْرو بن دِينَار، وَهُوَ حَدِيث الَّذِي وقصته نَاقَته وَهُوَ محرم وَلَفظه: عَن وهب بن جرير عَن أَبِيه قَالَ: سَمِعت قيس بن سعد يحدث عَن عَمْرو بن دِينَار عَن سعيد بن جُبَير ... إِلَى آخِره، ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَلَا يبعد أَن يكون لَهُ عَن عَمْرو غير هَذَا قَالَ: وَلَيْسَ من شَرط قبُول الْأَخْبَار كَثْرَة رِوَايَة الرَّاوِي عَمَّن رَوَى عَنهُ، وَإِذا رَوَى الثِّقَة عَمَّن لَا يُنكر سَمَاعه مِنْهُ حَدِيثا وَاحِدًا وَجب قبُوله وَإِن لم يرو عَنهُ غَيره، وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن ابْن عَبَّاس. كَذَلِك (رَوَاهُ أَبُو حُذَيْفَة، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» من حَدِيث عبد الرَّزَّاق، عَن مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي) عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن ابْن عَبَّاس كَذَلِك وَمَعْنَاهُ. وَخَالَفَهُمَا [خَالِد] بن يزِيد الْعمريّ [تَابعه] عَلَى ذَلِك عبد الله بن مُحَمَّد بن ربيعَة القدامي وعصام بن يُوسُف الْبَلْخِي، وخَالِد والقدامي وعصام لَيْسُوا بأقوياء، وَعبد الرَّزَّاق ثِقَة حجَّة وَتَابعه عَن مُحَمَّد بن مُسلم فَرَوَاهُ عَنهُ عَن عَمْرو عَن طَاوس عَن ابْن عَبَّاس، وَتَابعه أَبُو حُذَيْفَة [عَن] مُحَمَّد بن مُسلم فَرَوَاهُ كَمَا ذكرنَا فَلَا تعلله رِوَايَة من لَا نبالي بِهِ. وَرَوَى بِإِسْنَاد واهٍ عَن عَمْرو عَن جَابر
стр. 6042
بن زيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: وَرِوَايَة الثِّقَات لَا تعلل بِرِوَايَة الضُّعَفَاء. قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي «علله» : سَأَلت مُحَمَّدًا عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: [عَمْرو بن دِينَار] لم يسمع عِنْدِي من ابْن عَبَّاس هَذَا الحَدِيث. نَقله ابْن الْقطَّان عَنهُ، وَالدَّارَقُطْنِيّ أخرجه من حَدِيث عَمْرو بن دِينَار، عَن طَاوس، عَن ابْن عَبَّاس. لَكِن فِيهِ القدامي الْمَتْرُوك، قَالَ الْحَاكِم: وَهَذَا الْخلاف لَا يُعلل هَذَا الحَدِيث من أوجه: مِنْهَا: أَن عَمْرو بن دِينَار قد سمع من ابْن عَبَّاس، وَسمع من جمَاعَة عَن ابْن عَبَّاس فَلَا يُنكر إِن سمع حَدِيثا مِنْهُ وَمن أَصْحَابه أَيْضا. ثَانِيًا: سيف بن سُلَيْمَان ثِقَة مَأْمُون؛ فقد حكم مُسلم بن الْحجَّاج لروايته بِالصِّحَّةِ فَلَا يُقَابله مثل الْعمريّ والقدامي والبلخي.
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ
عَن جَابر ﵁: «أَن النَّبِي ﷺ قَضَى بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد مَعَ يَمِين الطَّالِب» .
هَذَا الحَدِيث حسن رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث جَعْفَر [بن] مُحَمَّد، عَن أَبِيه، عَن جَابر
стр. 6043
مَرْفُوعا: «قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد الْوَاحِد» . قَالَ ابْن عبد الْبر: حَدِيث حسن. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه، عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا [قَالَ:] «وَقَضَى بهَا عَلّي فِيكُم» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَهَذَا أصح، وَهَكَذَا رَوَى الثَّوْريّ عَن جَعْفَر عَن أَبِيه مُرْسلا، وَرَوَاهُ عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة وَيَحْيَى بن [سليم] عَن جَعْفَر، عَن أَبِيه، عَن عَلّي مَرْفُوعا. وَقَالَهُ الْبَيْهَقِيّ قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَنهُ فَقَالَا: هُوَ مُرْسل وَقَالَ الْخَطِيب فِي كتاب من رَوَى عَن مَالك: إِنَّه الصَّوَاب. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: رَوَاهُ جماعات عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه مُرْسلا، وَرَوَاهُ عبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ - وَهُوَ من الثِّقَات - عَن جَعْفَر عَن أَبِيه [عَن جَابر] مَرْفُوعا مَوْصُولا. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : كَانَ جَعْفَر بن مُحَمَّد رُبمَا أرسل هَذَا الحَدِيث وَرُبمَا وَصله عَن جَابر؛ لِأَن جمَاعَة من الثِّقَات حفظوه عَن أَبِيه عَن جَابر، وَالْحكم يُوجب أَن يكون القَوْل قَوْلهم؛ لأَنهم زادوا وهم ثِقَات وَزِيَادَة
стр. 6044
الثِّقَة مَقْبُولَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ الشَّافِعِي لبَعض من [يناظره] : قلت لَهُ: رَوَى الثَّقَفِيّ وَهُوَ ثِقَة [عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه] ، عَن جَابر، عَن رَسُول الله ﷺ «أَنه قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد» . زَاد الْحَنْظَلِي فِي رِوَايَته «الشَّاهِد الْوَاحِد» . قَالَ: وَقَالَ أبي: وَقَضَى بِهِ عَلّي فِي الْعرَاق. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ عَن حميد بن الْأسود وَعبد الله الْعمريّ وَهِشَام بن سعد وَغَيرهم، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد كَذَلِك مَوْصُولا. قَالَ: وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن أبي حَيَّة، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه، عَن جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «أَتَانِي جِبْرِيل وَأَمرَنِي أَن أَقْْضِي بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِد وَقَالَ: إِن يَوْم الْأَرْبَعَاء يَوْم نحس مُسْتَمر» .
قلت: وَأخرجه ابْن عدي كَذَلِك وَابْن حبَان فِي «ضُعَفَائِهِ» إِلَّا أَنه قَالَ: عَن جِبْرِيل عَن ربه قَالَ: «أَمرنِي أَن أَقْْضِي ... » إِلَى آخِره. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد قيل: عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه، عَن جده، عَن النَّبِي ﷺ وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه [عَن جده] عَن عَلّي: «أَنه ﵇ قَضَى بِشَهَادَة رجل وَاحِد مَعَ يَمِين صَاحب الْحق» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حُسَيْن بن زيد، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه، عَن جده، عَن عَلّي مَرْفُوعا. وَعلي بن الْحُسَيْن بن عَلّي بن أبي طَالب جد جَعْفَر بن مُحَمَّد وَإِن لم يدْرك عليًّا فَهُوَ أقرب للاتصال من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَلّي. قَالَ: وَقد رَوَاهُ غير جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن مُحَمَّد بن عَلّي الباقر عَلَى الْإِرْسَال.
стр. 6045
الحَدِيث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ «أَن النَّبِي ﷺ قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه وَاضحا فِي آخر بَاب أدب الْقَضَاء.
الحَدِيث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ
عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «استشرت جِبْرِيل فِي الْقَضَاء بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِد فَأَشَارَ عَلّي بالأموال لَا تعدو ذَلِك» .
هَذَا الحَدِيث غَرِيب لَا أعلم من خرجه مَعَ كَثْرَة طرق هَذَا الحَدِيث، وَحَدِيث عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس مُغنِي فِي الدّلَالَة عَنهُ فَإِن عَمْرو بن دِينَار قَالَ فِي آخِره: «وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَال» وَتَفْسِير الرَّاوِي مقدم عَلَى تَفْسِير غَيره، وعزى هَذَا الحَدِيث الْمَاوَرْدِيّ فِي «حاويه» إِلَى أبي هُرَيْرَة فِي الدَّارَقُطْنِيّ، وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة قَالَ فِي «مطلبه» : أسْندهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة ... فَذكره سَوَاء. وَقَالَ فِي «كِفَايَته» : أخرجه بِسَنَدِهِ عَن أبي هُرَيْرَة. فَذكره سَوَاء. وَلم أره فِي الدَّارَقُطْنِيّ فِي مظنته وَهُوَ بَاب الْفَضَائِل، وَلَا فِي «علله» فليتتبع.
فَائِدَة: هَذَا الحَدِيث؛ أَعنِي: «الْقَضَاء بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين» رَوَاهُ جماعات من الصَّحَابَة عِنْد المُصَنّف مِنْهُم ثَلَاثَة: ابْن عَبَّاس، وَجَابِر، وَأَبُو هُرَيْرَة، قَالَ الْمَاوَرْدِيّ: رَوَاهُ من الصَّحَابَة عَن رَسُول الله ﷺ ثَمَانِيَة: عَلّي، وَابْن عَبَّاس، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَجَابِر، وَعبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي، وَأبي بن كَعْب، وَزيد بن ثَابت، وَسعد بن عبَادَة.
стр. 6046
قلت: بل رَوَاهُ من الصَّحَابَة أَكثر من [عشْرين] صحابيًّا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» : عَن النَّبِي ﷺ «أَنه قَضَى بِشَاهِد وَيَمِين» : عمر بن الْخطاب، وَعلي، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَابْن عَبَّاس، وَجَابِر، وَابْن عمر، وَابْن عَمْرو، وَزيد بن ثَابت، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، وَسعد بن عبَادَة، وعامر بن ربيعَة، وَسَهل بن سعد، وَعمارَة بن حزم، والمغيرة بن شُعْبَة، وبلال بن الْحَارِث، وَسَلَمَة بن قيس، وَأنس بن مَالك، وَتَمِيم الدَّارِيّ، و (زبيب بن ثَعْلَبَة) ، وسُرق. قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وزبيب بِضَم الزَّاي وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ مثناة تَحت سَاكِنة ثمَّ بَاء مُوَحدَة. قَالَ الْحَاكِم فِي «عُلُوم الحَدِيث» : لَيْسَ فِي الروَاة من يسم بِهَذَا الِاسْم غَيره. وَاعْترض الْمُنْذِرِيّ عَلَيْهِ فَقَالَ: ذكر بَعضهم أَنه من الْأَسْمَاء المفردة وَفِيه نظر، وَفِي الروَاة من اسْمه زبيب غَيره عَلَى خلاف فِيهِ. قَالَ: وَقد قيل فِي زبيب بن ثَعْلَبَة: زنيب - بالنُّون - قَالَه ابْن مَنْدَه فِي «مستخرجه» . وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن أم سَلمَة.
قلت: فتلخص من كل ذَلِك أَن جملَة الصَّحَابَة الَّذين رَوَوْهُ اثْنَان وَعِشْرُونَ، وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو سعيد مُحَمَّد بن عَلّي بن عمر فِي كتاب الشُّهُود بِشَهَادَة رجل وَيَمِين الطَّالِب رَوَاهُ من طَرِيق عبد الله بن يزِيد مولَى المنبعث، عَن رجل من أهل مصر، عَن سرق وَهُوَ ابْن أَسد.
هَذَا الحَدِيث [آخر] الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الْبَاب وَمِنْه.
وَأما آثاره فَثَلَاثَة عشر:
стр. 6047
أَحدهَا: عَن عَلّي ﵁ «أَنه مر بِقوم يَلْعَبُونَ بالشطرنج فَقَالَ: مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون» .
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث ابْن أبي الدُّنْيَا نَا زِيَاد بن أَيُّوب، نَا شَبابَة بن سوار، عَن فُضَيْل، [بن] مَرْزُوق، عَن ميسرَة بن حبيب قَالَ: «مر عَلّي ... » فَذكره، زَاد فِي طَرِيق أُخْرَى من طَرِيق الْأَصْبَغ بن نباتة عَن عَلّي: «لِأَن يمس جمرًا حَتَّى يطفأ خير لَهُ من أَن يَمَسهَا» . ثمَّ رَوَى فِي حَدِيث جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه عَن عَلّي أَنه كَانَ يَقُول: «الشطرنج ميسر الْأَعَاجِم» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: مُرْسلَة، لَكِن لَهَا شَوَاهِد. مِنْهَا مَا تقدم وَمِنْهَا مَا تَأَخّر: رَوَاهُ شريك عَن ابْن أبي لَيْلَى، عَن الحكم قَالَ: قَالَ عَلّي: «صَاحب الشطرنج أكذب النَّاس يَقُول [أحدهم] : قتلت وَمَا قتل» . وَمِنْهَا عَن عمار ابْن أبي عمار قَالَ: «مر عَلّي بِمَجْلِس من مجَالِس تيم الله وهم يَلْعَبُونَ بالشطرنج فَوقف فَقَالَ: «أما وَالله لغير هَذَا خلقْتُمْ، لَوْلَا أَن تكون سنة لضَرَبْت بهَا وُجُوهكُم» .
الْأَثر الثَّانِي: عَن سعيد بن جُبَير «أَنه كَانَ يلْعَب بالشطرنج استدبارًا» .
وَهَذَا رَوَاهُ ظَهره يَقُول: بأيش دفع كَذَا؟ قَالَ: بِكَذَا. قَالَ: ادْفَعْ
стр. 6048
بِكَذَا. قَالَ الشَّافِعِي: وَكَانَ مُحَمَّد بن سِيرِين وَهِشَام بن عُرْوَة يلعبان بِهِ استدبارًا.
الْأَثر الثَّالِث وَالرَّابِع: عَن ابْن الزبير وَأبي هُرَيْرَة ﵄ «أَنَّهُمَا كَانَا يلعبان بالشطرنج» .
وَهَذَانِ الأثران ذكرهمَا الْمَاوَرْدِيّ أَيْضا، وَأثر أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ الصولي فِي جُزْء جمعه فِي الشطرنج بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ.
الْأَثر الْخَامِس: عَن ابْن مَسْعُود ﵁: «أَنه قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: (وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث) قَالَ: هُوَ وَالله الْغناء» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا.
الْأَثر السَّادِس: قَالَ الرَّافِعِيّ: وَقَالَ ابْن عَبَّاس: «إِنَّه الملاهي» .
وَهَذَا الْأَثر ذكره الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فَقَالَ فِي سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس « (وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث) قَالَ: هُوَ الْغناء وأشباهه» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: ورويناه عَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ.
الْأَثر السَّابِع: عَن عمر: «أَنه كَانَ إِذا خلا فِي بَيته ترنم بِالْبَيْتِ والبيتين» .
стр. 6049
وَهَذَا الْأَثر تبع فِي إِيرَاده الْبَغَوِيّ فَإِنَّهُ أوردهُ كَذَلِك، وَذكر أهل الْأَخْبَار «أَن عمر بن الْخطاب أَتَى دَار عبد الرَّحْمَن فَسَمعهُ يتَغَنَّى بالركائب» .
وَكَيف توائى بِالْمَدِينَةِ بَعْدَمَا ... قَضَى وطرًا مِنْهَا جميل بن معمر.
(قَالَ ابْن عبد الْبر: وَذكره الزبير بن بكار الأول) ، قَالَ ابْن عبد الْبر: وَقد ذكره الْمبرد «مقلوبًا أَن عبد الرَّحْمَن [أَتَى] دَار عمر فَسَمعهُ يتَغَنَّى» . وَالَّذِي ذكره الزبير بن بكار الأول، قَالَ ابْن عبد الْبر: وَهُوَ الصَّوَاب.
الْأَثر الثَّامِن: عَن عُثْمَان ﵁: «أَنه كَانَت لَهُ جَارِيَة تغني فَإِذا جَاوَزت السحر قَالَ: أمسكي فَهَذَا وَقت الاسْتِغْفَار» .
وَهَذَا حَكَاهُ من أَصْحَابنَا عِنْد الْمَاوَرْدِيّ فِي «الْحَاوِي» والعمراني فِي «الْبَيَان» وَقَالا: «كَانَ لَهُ جاريتان تُغنيَانِ ... » بِمثل مَا ذكره الرَّافِعِيّ وَغَيره.
الْأَثر التَّاسِع: عَن عمر ﵁: «أَنه كَانَ إِذا سمع الدُّف بعث، فَإِن كَانَ فِي النِّكَاح أَو الْخِتَان سكت، فَإِن كَانَ غَيرهمَا عمل بِالدرةِ» .
وَهَذَا رَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي «مُصَنفه» بِنَحْوِهِ من [طَرِيق ابْن علية عَن أَيُّوب] عَن ابْن سِيرِين قَالَ: «نبئت أَن عمر كَانَ إِذا سمع صَوتا أنكرهُ، فَإِن كَانَ عرسًا أَو ختانًا أقره» .
стр. 6050
الْأَثر الْعَاشِر: وَعَن عمر ﵁ «أَنه قَالَ فِي الْقِصَّة الْمَشْهُورَة لأبي بكرَة: تب أقبل شهادتك. وَكَانَت الصَّحَابَة يروون عَنهُ وَلم يتب» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الشَّافِعِي: أَنا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، قَالَ: سَمِعت الزُّهْرِيّ يَقُول: زعم أهل الْعرَاق أَن شَهَادَة الْمَحْدُود لَا تجوز (فَأشْهد بِاللَّه أَخْبرنِي) فلَان «أَن عمر بن الْخطاب قَالَ لأبي بكرَة: تب تقبل شهادتك، أَو إِن تبت قبلت شهادتك» . قَالَ سُفْيَان: سَمّى الزُّهْرِيّ الَّذِي أخبرهُ فحفظته ونسيته وَشَكَكْت فِيهِ، فَلَمَّا قمنا سَأَلت من حضر فَقَالَ لي عمر بن قيس: هُوَ سعيد بن الْمسيب قَالَ الشَّافِعِي: فَقلت: فَهَل شَككت فِيمَا قَالَ لَك؟ قَالَ: لَا. هُوَ سعيد بن الْمسيب من غير شكّ قَالَ الشَّافِعِي: وَكَثِيرًا مَا سمعته يحدثه فيسمى سعيدًا، وَكَثِيرًا مَا سمعته يَقُول: عَن سعيد إِن شَاءَ الله. وَقد رَوَاهُ غَيره من أهل الْحِفْظ عَن سعيد لَيْسَ فِيهِ شكّ، فَزَاد فِيهِ «أَن عمر استتاب الثَّلَاثَة فَتَابَ اثْنَان فَأجَاز شَهَادَتهمَا وَأَبَى أَبُو بكرَة فَرد شَهَادَته» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طرق عَنهُ كَذَلِك. قَالَ سعيد بن عَاصِم: «وَكَانَ أَبُو بكرَة إِذا أَتَاهُ الرجل يشهده، قَالَ: أشهد [غَيْرِي] فَإِن الْمُسلمين [قد] فسقوني» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا إِن صَحَّ فَلِأَنَّهُ امْتنع من أَن يَتُوب من قذفه، وَأقَام عَلَيْهِ وَلَو كَانَ قد تَابَ مِنْهُ لما (سمي) اسْم الْفسق.
الْأَثر الْحَادِي عشر: عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: «مَضَت السّنة من رَسُول الله
стр. 6051
(وللخليفتين من بعده أَن لَا تقبل شَهَادَة النِّسَاء فِي الْحُدُود» .
وَهَذَا الْأَثر ذكره القَاضِي أَبُو يُوسُف فِي كتاب «الْخراج» فَقَالَ: ثَنَا الْحجَّاج، عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: «مَضَت السّنة ... » فَذكر مثله سَوَاء إِلَّا أَنه قَالَ: «لَا تجوز» بدل «لَا تقبل» . وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» دون ذكر الخليفتين: «وَزِيَادَة النِّكَاح وَالطَّلَاق» وَهَذَا عزاهُ ابْن الرّفْعَة رِوَايَة مَالك لَهُ عَن عقيل عَن ابْن شهَاب قَالَ: «مَضَت السّنة من رَسُول الله ﷺ أَنه لَا تجوز شَهَادَة النِّسَاء فِي الْحُدُود وَلَا فِي النِّكَاح وَلَا فِي الطَّلَاق» .
الْأَثر الثَّانِي عشر: يرْوَى عَن الزُّهْرِيّ أَيْضا أَنه قَالَ: «مَضَت السّنة بِأَنَّهُ تجوز شَهَادَة النِّسَاء فِي كل شي لَا يَلِيهِ غَيْرهنَّ» .
وَهَذَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فَقَالَ: نَا عِيسَى بن يُونُس، عَن الْأَوْزَاعِيّ، عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: «مَضَت السّنة أَن تجوز شَهَادَة النِّسَاء فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ غَيْرهنَّ» .
الْأَثر الثَّالِث عشر: «أَن عَائِشَة وَسَائِر أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ كن يروين من وَرَاء السّتْر ويروي السامعون [عَنْهُن] » وَهَذَا مَعْرُوف لَا يحْتَاج إِلَى عزوه.
стр. 6052
كتاب الدَّعْوَى والبينات
стр. 6053
كتاب الدَّعْوَى والبينات
ذكر فِيهِ ﵀ أَحَادِيث سَبْعَة:
أَحدهَا
عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَن عَلّي بن أَحْمد بن عَبْدَانِ، عَن الطَّبَرَانِيّ، عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن كثير الصُّورِي، نَا الْفرْيَابِيّ، نَا سُفْيَان، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، عَن ابْن أبي مليكَة، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا سَوَاء، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من طَرِيق ابْن عَبَّاس أَيْضا «أَن رَسُول الله ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ» وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن عبيد الله، عَن عَمْرو ابْن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي خطبَته: «الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ» . ثمَّ قَالَ: فِي إِسْنَاده مقَال، وَمُحَمّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي يضعف فِي الحَدِيث من قبل حفظه؛ ضعفه ابْن الْمُبَارك وَغَيره. وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث حجاج عَن عَمْرو،
стр. 6054
وحجاج هُوَ ابْن أَرْطَاة (وَلم يسمعهُ من عَمْرو) إِنَّمَا حدث عَن الْعَرْزَمِي عَنهُ، وَهَذَا الطَّرِيق وَالَّذِي قبله؛ حَدِيث ابْن عَبَّاس مغنى عَنْهُمَا، وَفِي «صَحِيح ابْن حبَان» من حَدِيث مُجَاهِد عَن ابْن عمر فِي حَدِيث طَوِيل فِيهِ: «فَقَامَ رجل فَقَالَ: يَا نبى الله، إِنِّي وَقعت عَلّي جَارِيَة بني فلَان وَإِنَّهَا ولدت مني، فَأمر بولدي أَن يرد إِلَيّ. فَقَالَ ﵇: لَيْسَ بولدك، لَا يجوز هَذَا فِي الْإِسْلَام، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ أولَى بِالْيَمِينِ إِلَّا أَن تقوم بَيِّنَة ... » . ثمَّ ذكر بَاقِي الحَدِيث.
الحَدِيث الثَّانِي
أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَو يُعْطي النَّاس بدعواهم لَا دعى نَاس دِمَاء رجال وَأَمْوَالهمْ» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور وَزِيَادَة: «الْيَمين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ» ، وَأخرجه البُخَارِيّ فِي كتاب التَّفْسِير من «صَحِيحه» بِلَفْظ: «لَو يُعْطَى النَّاس بدعواهم لذهب دِمَاء قوم وَأَمْوَالهمْ» وَفِي آخِره «الْيَمين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ» وَذكر البُخَارِيّ فِيهِ قصَّة وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنهُ «أَن النَّبِي ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ» . هَكَذَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم مَرْفُوعا كَمَا تقدم، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ مَرْفُوعا وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح وَقَالَ
стр. 6055
القَاضِي عِيَاض: قَالَ الْأصيلِيّ: لَا يَصح مَرْفُوعا إِنَّمَا هُوَ من قَول ابْن عَبَّاس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لَو يُعْطَى النَّاس بدعواهم لَا دعى رجال دِمَاء قوم وَأَمْوَالهمْ، لَكِن الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِين عَلَى من أنكر» . وَوَقع فِي «كِفَايَة ابْن الرّفْعَة» فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف قبل قَوْله: «وَالْيَمِين عَلَى الْمُدعَى عَلَيْهِ» : «لَكِن الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي» فِيهِ، وَعَزاهَا إِلَى مُسلم وَهُوَ وهم، فَلَيْسَ لفظ «الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعِي» فِيهِ. وَهَذَا الحَدِيث قَاعِدَة عَظِيمَة من قَوَاعِد أَحْكَام الشَّرْع أَنه لَا يقبل قَول الْإِنْسَان فِيمَا يَدعِيهِ بِمُجَرَّد دَعْوَاهُ؛ بل يحْتَاج إِلَى الْبَيِّنَة أَو تَصْدِيق الْمُدعَى عَلَيْهِ، فَإِن طلب يَمِين الْمُدعَى عَلَيْهِ فَلهُ ذَلِك.
الحَدِيث الثَّالِث
«أَن رجلا من حَضرمَوْت وَآخر من كِنْدَة أَتَيَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ الْحَضْرَمِيّ: يَا رَسُول الله، إِن هَذَا قد غلبني عَلَى أَرض كَانَت لأبي. فَقَالَ الْكِنْدِيّ: هِيَ أرضي فِي يَدي أزرعها فَلَيْسَ [لَهُ] فِيهَا حق! فَقَالَ النَّبِي ﷺ للحضرمي: أَلَك بَيِّنَة؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فلك يَمِينه. قَالَ: يَا رَسُول الله، الرجل فَاجر لَا يُبَالِي عَلَى مَا حلف عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يتورع من شَيْء. فَقَالَ: لَيْسَ لَك مِنْهُ إِلَّا ذَلِك. فَانْطَلق ليحلف فَقَالَ رَسُول الله لما أدبر الرجل: لَئِن حلف عَلَى مَاله ليأكله ظلما ليلقين الله وَهُوَ عَنهُ معرض» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ من رِوَايَة وَائِل بن حجر ﵁ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، قَالَ عبد الْحق: وَلم يخرج البُخَارِيّ عَن
стр. 6056
وَائِل فِي كِتَابه شَيْئا. وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد: «إِنَّه فَاجر لَيْسَ يتورع من شَيْء» لَيْسَ فِيهَا إِلَّا سماك بن حَرْب وَهِي فِي سَنَد مُسلم، وَأما ابْن حزم فَإِنَّهُ أخرج الحَدِيث بطرِيق مُسلم من طَرِيق ابْن وضاح وَالنَّسَائِيّ، ثمَّ ذكر أَن لَفْظَة «انْطلق» من رِوَايَة سماك بن حَرْب وَهُوَ يقبل التَّلْقِين.
فَائِدَتَانِ: أَحدهمَا: حَضرمَوْت بِفَتْح الْحَاء وَإِسْكَان الضَّاد الْمُعْجَمَة. قَالَ أهل اللُّغَة: حَضرمَوْت اسْم لبلد بِالْيمن وَهُوَ أَيْضا اسْم لقبيلة، وَاخْتلف المتكلمون عَلَى الحَدِيث وألفاظ «الْمُهَذّب» فِي المُرَاد بحضرموت فِي هَذَا الحَدِيث؛ فَقيل: الْبَلدة. وَقيل: الْقَبِيلَة. قَالَ النَّوَوِيّ فِي «التَّهْذِيب» : وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر.
الثَّانِيَة: هَذَا المخاصم للحضرمي اسْمه: امْرُؤ الْقَيْس بن عَابس - بِالْمُوَحَّدَةِ وَالسِّين الْمُهْملَة - الْكِنْدِيّ، كَذَا جَاءَ فِي «صَحِيح مُسلم» وَغَيره، قَالَ الْخَطِيب فِي «المبهمات» : وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من يُسمى «امْرُؤ الْقَيْس» غَيره.
قلت: وَقد ذكر ابْن عبد الْبر فِي «الِاسْتِيعَاب» ابْن عَابس هَذَا وَذكر بعده امْرأ الْقَيْس بن الْأَصْبَغ الْكَلْبِيّ وَقَالَ: بَعثه رَسُول الله ﷺ عَاملا عَلَى [كلب] وَذكر أَنه خَال أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
стр. 6057
وَاسم الْحَضْرَمِيّ: «ربيعَة» بِفَتْح الْعين وبالمثناة تحتهَا قَالَ الشَّيْخ زكي: لَهُ صُحْبَة وَشهد الْفَتْح بِمصْر وَلم يذكرهُ ابْن عبد الْبر فِي الصَّحَابَة وليستدرك عَلَيْهِ.
الحَدِيث الرَّابِع
أنَّه ﷺ قَالَ لهِنْد: «خذي من مَال أبي سُفْيَان مَا يَكْفِيك وولدك بِالْمَعْرُوفِ» .
هَذَا حَدِيث صَحِيح وَقد تقدم بَيَانه وَاضحا فِي كتاب النَّفَقَات.
الحَدِيث الْخَامِس
حَدِيث ركَانَة وَقد سبق بِطُولِهِ فِي كتاب الطَّلَاق قَالَ الرَّافِعِيّ: «قيل كَانَت امْرَأَته تَدعِي أَنه أَرَادَ أَكثر من طلقه، وَكَانَ عَلَيْهِ أَن يحلف، فَلم يعْتد بِيَمِينِهِ قبل التَّحْلِيف فَأَعَادَ عَلَيْهِ» .
الحَدِيث السَّادِس
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ «أَن النَّبِي ﷺ أكره رجلا بَعْدَمَا حلف بِالْخرُوجِ عَن حق صَاحبه كَأَنَّهُ عرف كذبه» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» عَن أسود بن عَامر [عَن] شريك، عَن عَطاء بن السَّائِب، عَن أبي [يَحْيَى] الْأَعْرَج عَن
стр. 6058
ابْن عَبَّاس قَالَ: «اخْتصم رجلَانِ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَوَقَعت الْيَمين عَلَى أَحدهمَا فَحلف بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَاله (عِنْدِي) شَيْء فَنزل جِبْرِيل عَلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِنَّه كَاذِب إِن لَهُ عِنْده حَقه. فَأمره أَن يُعْطِيهِ حَقه وَكَفَّارَة يَمِينه مَعْرفَته أَن لَا إِلَه إِلَّا الله أَو شَهَادَته» . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة وَكِيع، عَن سُفْيَان، عَن عَطاء بن السَّائِب، عَن أبي يَحْيَى الْأَعْرَج، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «جَاءَ رجلَانِ يختصمان فِي شَيْء إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ للْمُدَّعِي: أقِم الْبَيِّنَة فَلم يقمها، قَالَ للْآخر: احْلِف. فَحلف بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ [فَقَالَ النَّبِي ﷺ : ادْفَعْ حَقه وستكفر عَنْك لَا إِلَه إِلَّا الله] مَا صنعت» . وَأخرجه أَيْضا أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي الْأَحْوَص: ثَنَا عَطاء بن السَّائِب، عَن أبي يَحْيَى، عَن ابْن عَبَّاس: «أَنه ﵇ قَالَ لرجل أحلفه: احْلِف بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا الله مَا لَهُ عِنْدِي شَيْء» . وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من هَذِه الطَّرِيق والإسناد بِلَفْظ: «جَاءَ خصمان إِلَى رَسُول الله ﷺ فَادَّعَى أَحدهمَا عَلَى الآخر، فَقَالَ النَّبِي ﷺ للْمُدَّعِي: أقِم. بينتك فَقَالَ: يَا رَسُول الله، لَيْسَ لي بَيِّنَة. فَقَالَ للْآخر: احْلِف بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَاله عَلَيْك أَو عنْدك شَيْء ... » بِنَحْوِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث حَمَّاد عَن عَطاء بن السَّائِب، عَن أبي يَحْيَى، عَن ابْن عَبَّاس: «أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى النَّبِي ﷺ فَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ -
стр. 6059
الطَّالِب الْبَيِّنَة فَلم يكن لَهُ بَيِّنَة، فاستحلف الْمَطْلُوب فَحلف بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ بلَى قد فعلت، وَلَكِن غفر لَك بإخلاص قَول لَا إِلَه إِلَّا الله» . وَرَوَاهُ فِي الْمُسْتَدْرك بِسَنَد النَّسَائِيّ وَأبي دَاوُد عَن أبي يَحْيَى عَن ابْن عَبَّاس «أَن رجلا ادَّعَى عِنْد رجل حقًّا، فاختصما إِلَى نَبِي الله ﷺ فَسَأَلَهُ الْبَيِّنَة فَقَالَ: مَا عِنْدِي بَيِّنَة فَقَالَ للْآخر: احْلِف فَحلف فَقَالَ: وَالله مَاله عِنْدِي شَيْء. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : بل هُوَ عنْدك، ادْفَعْ إِلَيْهِ حَقه. ثمَّ قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : شهادتك أَن لَا إِلَه إِلَّا الله كَفَّارَة يَمِينك» . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَأعله ابْن الْجَوْزِيّ فِي «علله» بِيَحْيَى الرَّاوِي عَن عَطاء وَقَالَ: إِنَّه مَجْهُول. وَفِيه نظر فَأَبُو يَحْيَى هَذَا اسْمه: زِيَاد، كَذَا سَمَّاهُ الإِمَام أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيرهم. وَقَالَ عبد الْحق: اسْمه: «مصدع» وَكَذَا قَالَه [ابْن] عَسَاكِر فِي «الْأَطْرَاف» قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي: وَهُوَ وهم إِنَّمَا هُوَ زِيَاد قَالَ: وَذكر لَهُ البُخَارِيّ فِي «التَّارِيخ» هَذَا الحَدِيث.
قَالَ عبد الْحق: وَأَبُو يَحْيَى هَذَا وَثَّقَهُ ابْن معِين، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: كَانَ عَالما بِابْن عَبَّاس. وَقَالَ أَبُو أَحْمد: كَانَ زائغًا حائدًا عَن الْحق. وَأما ابْن حزم فَإِنَّهُ ذكره فِي «محلاه» من طَرِيق أبي دَاوُد ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث سَاقِط لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه عَن أبي يَحْيَى [وَهُوَ] مصدع الْأَعْرَج مجرح، قطعت عرقوباه فِي التَّشَيُّع. وَالثَّانِي: أَن أَبَا
стр. 6060
الْأَحْوَص [لم] يسمع من عَطاء بن السَّائِب إِلَّا بعد اخْتِلَاط عَطاء، وَإِنَّمَا سمع من عَطاء قبل الِاخْتِلَاط: سُفْيَان، وَشعْبَة، وَحَمَّاد بن زيد، والأكابر المعروفون. ثمَّ قَالَ: ورويناه من طَرِيق وَكِيع عَن الثَّوْريّ عَن عَطاء ... فَذكره، ثمَّ قَالَ: فسفيان الَّذِي صَحَّ سَمَاعه من عَطاء ذكر أَن الرجل حلف بذلك لَا أَن رَسُول الله ﷺ أمره بِأَن يحلف لذَلِك. قَالَ: وَعَلَى كل حَال فَأَبُو يَحْيَى لَا شَيْء.
قلت: قد عرفت أَنْت رِوَايَة حَمَّاد عَن عَطاء الَّذِي قَالَ أَن سَمَاعه مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط، وَقد عرفت حَال أبي يَحْيَى؛ فَبَطل مَا قَالَه أجمع. وَفِي «علل ابْن أبي حَاتِم» : سَأَلت أبي عَن حَدِيث أبي قدامَة الْحَارِث بن عبيد، عَن ثَابت، عَن أنس «أَن رجلا حلف بِلَا إِلَه إِلَّا الله كَاذِبًا فَقَالَ رَسُول رَسُول الله ﷺ : غفر لَهُ كذبه بتصديقه أَن لَا إِلَه إِلَّا الله» . فَقَالَ: حَمَّاد بن سَلمَة يُخَالِفهُ بقوله عَن ثَابت عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، وَهُوَ أشبه من حَدِيث أبي قدامَة. وَقَالَ بعده بأسطر: سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ شُعْبَة، عَن عَطاء بن السَّائِب، عَن أبي البخْترِي، عَن عبيد، عَن ابْن الزبير، عَن النَّبِي ﷺ : «أَن رجلا حلف بِاللَّه كَاذِبًا فغفر لَهُ» . قَالَ أبي: رَوَاهُ عبد الْوَارِث وَجَرِير عَن عَطاء بن السَّائِب عَن أبي يَحْيَى الْأَعْرَج عَن ابْن عَبَّاس ... فَذكره، قلت لأبي: أَيهمَا أصح؟ قَالَ: شُعْبَة أقدم سَمَاعا من هَؤُلَاءِ، وَعَطَاء تغير بِأخرَة.
следующие страницы →