Полный текст (6 131 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.
стр. 6091
بن الْقَاسِم، عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، عَن عبد الله] بن أبي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب» وَهَذَا يرد قَول الْبَيْهَقِيّ: «رَوَى من أوجهٍ أخر كلهَا ضَعِيفَة» وَقَالَ أَبُو نعيم فِي «معرفَة الصَّحَابَة» فِي تَرْجَمَة عبد الله بن أبي أوفي: أَحْمد بن إِسْحَاق، نَا عَلّي بن مُحَمَّد بن جبلة، ثَنَا يَحْيَى هَاشم، [عَن إِسْمَاعِيل] بن أبي خَالِد، عَن عبد الله بن أبي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب» قَالَ وَرَوَاهُ عبيد بن الْقَاسِم عَن إِسْمَاعِيل وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» أَيْضا عَن سَلمَة بن سهل، عَن مُحَمَّد بن الصَّباح، عَن عتبَة بن الْقَاسِم، بِهِ سَوَاء، وَذكره من أَصْحَابنَا الْفُقَهَاء الْمَاوَرْدِيّ من حَدِيثه عَن عتبَة بِهِ سَوَاء ثمَّ قَالَ: وإرسال هَذَا الحَدِيث أثبت (إِسْنَادًا) .
وَهَذَا الحَدِيث قد ذَكرْنَاهُ فِيمَا مَضَى من كتَابنَا هَذَا فِي تناسب بَيَان الْأَوْلِيَاء وأحكامهم حَيْثُ ذكره الرَّافِعِيّ ووعدنا هُنَاكَ أَنا أَن وصلنا إِلَى هَذَا الْمَكَان تريده إيضاحًا وَقد وفْق الْكَرِيم لذَلِك وَله الحمدُ الْمِنَّة ونقلنا هُنَاكَ أَن النَّوَوِيّ نقل فِي كِتَابه «تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات» عَن جُمْهُور أهل اللُّغَة أَنهم ضبطوا اللحمة فِي هَذَا الحَدِيث بِضَم اللَّازِم وَأَن الْأَزْهَرِي حَكَى عَن ابْن الْأَعرَابِي وَغَيره فتح اللَّازِم وَأَن الْأَزْهَرِي قَالَ إِن مَعْنَى هَذَا الحَدِيث قرَابَة كقرابة النّسَب وَكَذَا قَالَه الإِمَام الرَّافِعِيّ هُنَا إِلَى اللُّغَة
стр. 6092
المنقولة عَن ابْن الْأَعرَابِي فَقَالَ وَفِي «الصِّحَاح» : اللحمة بِالضَّمِّ الْقَرَابَة ولحمة الثَّوْب تضم وتفتح وَكَذَا لحْمَة الصَّيْد. وَحَكَى ابْن الْأَثِير أَنَّهَا فِي النّسَب [بِالضَّمِّ، وَفِي الثَّوْب] تضم وتفتح، قَالَ: وَقيل فِي الثَّوْب بِالْفَتْح وَحده وَقيل فِي النّسَب وَفِي الثَّوْب بِالْفَتْح، فَأَما (بِالْفَتْح) فَمَا يصاد بِهِ الصَّيْد، وَقَوله: «لَا يُبَاع وَلَا يُوهب» يَعْنِي أَن نَفْس الْوَلَاء لَا ينْتَقل من شخص إِلَى شخص بعوض وَبِغير عوض.
الحَدِيث الثَّالِث
«يرْوَى النَّهْي عَن بيع الْوَلَاء وَعَن هِبته» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة د ت ق ن وقبلهم الإمامان مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» وَأحمد فِي «الْمسند» من حَدِيث ابْن عمر ﵄، وَعجب من الرَّافِعِيّ كَيفَ أوردهُ بِهَذِهِ الصّفة وَهِي لفظ «يرْوَى» وَهُوَ بِهَذِهِ المثابة من الصِّحَّة وَأنكر ابْن وضاح أَن يكون نَهْيه من كَلَام النَّبِي ﷺ وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ.
стр. 6093
الحَدِيث الرَّابِع
أنَّه ﷺ قَالَ: «لن يَجْزِي والدًا وَلَده إِلَّا أَن يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه» .
هَذَا الحَدِيث كَمَا عَرفته فِي الْبَاب قبله.
الحَدِيث الْخَامِس
أنَّه ﷺ قَالَ: «مولَى الْقَوْم مِنْهُم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي «سُنَنهمْ» وَأَبُو حَاتِم بن حبَان وَصَححهُ من حَدِيث أبي رَافع قَالَ: بعث رَسُول الله ﷺ رجلا عَلَى الصَّدَقَة من بني مَخْزُوم، قَالَ أَبُو رَافع: فَقَالَ لي اصحبني فَإنَّك [تصيب] مِنْهَا معي قلت حَتَّى أسأَل رَسُول الله ﷺ فَانْطَلق إِلَى النَّبِي ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ موَالِي الْقَوْم من أنفسهم وَإِنَّا لَا تحل لنا الصَّدَقَة. قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ «مولَى الْقَوْم مِنْهُم» كَمَا فِي الْكتاب، وَوَقع فِي الرَّافِعِيّ هُنَا وَفِي قسم الصَّدقَات «موَالِي» بِالْألف، وَالَّذِي رَأَيْت فِي كتب الحَدِيث «مولَى» بحذفها، وَهَذَا الحَدِيث سلف أَيْضا وَاضحا فِي كتاب قسم الصَّدقَات، وَذَكَرْنَاهُ هُنَا لبعد الْعَهْد بِهِ.
стр. 6094
الحَدِيث السَّادِس
أنَّه ﷺ قَالَ: «كل شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل، قَضَاء الله أَحَق، وَشرط الله أوثق، وَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث عَائِشَة ﵂ فِي حَدِيث بَرِيرَة «أَنَّهَا كاتبت أَهلهَا عَلَى تسع أَوَاقٍ ذهب، وَجَاءَت إِلَى عَائِشَة فَقَالَت: أعينيني فِي كتابتي. فَقَالَت لَهَا عَائِشَة: ارجعي إِلَى أهلك فَإِن أَحبُّوا أَن أَقْْضِي عَنْك كاتبتك وَيكون ولاؤك لي فعلت. فَذكرت ذَلِك بَرِيرَة لأَهْلهَا وأبوا إِلَّا أَن يكون لَهُم الْوَلَاء، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ : «اشتريها واعتقيها فَإِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق» ثمَّ قَامَ النَّبِي ﷺ خَطِيبًا فَقَالَ: «كل شَرط ... » إِلَى آخِره بِمثل مَا ذكر المُصَنّف.
الحَدِيث السَّابِع
«أَن بِنْتا لِحَمْزَة أعتقت جَارِيَة، فَمَاتَتْ الْجَارِيَة عَن بنت وَعَن الْمُعتقَة، فَجعل النَّبِي ﷺ نصف مِيرَاثهَا للْبِنْت وَالنّصف للمعتقة» .
هَذَا الحَدِيث سلف وَاضحا فِي كتاب الْفَرَائِض حَيْثُ ذكره الرَّافِعِيّ، وَذكرنَا هُنَاكَ اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِي أَن الْمُعْتق كَانَ لِحَمْزَة أَو لابنته، وَذكرنَا هُنَاكَ عدَّة أَقْوَال فِي اسْم ابْنة حَمْزَة.
стр. 6095
الحَدِيث الثَّامِن
أنَّه ﷺ قَالَ: «ثَلَاث جدهن جد وهزلهن جد، وعدّ مِنْهَا الطَّلَاق» .
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه مَبْسُوطا فِي كتاب الطَّلَاق وَأَنه بِهَذَا اللَّفْظ أَعنِي الْعتاق غَرِيب لَا يَصح ويتهيأ هُنَا عَلَى غلط وَقع لِابْنِ الْجَوْزِيّ فِيهِ فأغنى ذَلِك عَن الْإِعَادَة. هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله وَمِنْه.
وَأما آثاره فسبعة:
أَحدهَا: عَن الْأَعْمَش، عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: قَالَ عمر ﵁: «إِذا كَانَت الْحرَّة تَحت الْمَمْلُوك فَولدت [لَهُ] ولدا فَإِنَّهُ يعْتق بِعِتْق أمه، وَوَلَاؤُهُ لموَالِي أمه، فَإِذا أعتق الْأَب جر الْوَلَاء إِلَى موَالِي أَبِيه» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَمِنْه نقلته، ثمَّ قَالَ: هَذَا مُنْقَطع. قَالَ: وَقد رُوِيَ موصلاً ... فَذكره من حَدِيث الْأَعْمَش، عَن إِبْرَاهِيم، عَن الْأسود، عَنهُ أَنه قَالَ: «إِذا تزوج الْمَمْلُوك الْحرَّة فَولدت فولدها يعتقون بِعتْقِهَا وَيكون ولاؤهم لولاء أمّهم، فَإِذا أعتق الْأَب جر الْوَلَاء» .
الثَّانِي: عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه «أَن الزبير وَرَافِع بن خديج اخْتَصمَا إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان ﵃ فِي مولاة كَانَت لرافع بن خديج كَانَت تَحت عبد فَولدت مِنْهُ أَوْلَادًا فَاشْتَرَى الزبير العَبْد فَأعْتقهُ، فَقَضَى عُثْمَان ﵁ بِالْوَلَاءِ للزبير» .
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ كَذَا وَمِنْه نقلته ثمَّ قَالَ: (هَذَا) هُوَ الْمَشْهُور عَن
стр. 6096
عُثْمَان وَرَوَى الزُّهْرِيّ عَن عُثْمَان بِخِلَافِهِ مُنْقَطِعًا وَإِنَّمَا الْوَلَاء لَا يجر فَذكرهَا الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ ثمَّ قَالَ وَالرِّوَايَة الأولَى من عُثْمَان اصح بشواهدها قَالَ: ومراسيل الزُّهْرِيّ ردية.
الثَّالِث: أَن عليا ﵁ قَضَى فِي عبد كَانَت تَحْتَهُ حرَّة فَولدت أَوْلَادًا فعتقوا بعتاقة أمّهم، ثمَّ أعتق أبوهم بعد أَن ولاءهم لعصبة أَبِيهِم. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة عَن ابْن هُبَيْرَة كَمَا ذَكرْنَاهُ. قَالَ: وَأخْبرنَا ابْن الْمُبَارك، عَن معمر، عَن يزِيد الرشك «أَن عليا ﵁ كَانَ يجر الْوَلَاء» .
الرَّابِع: عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ: «العَبْد يجر وَلَاؤُه إِذا أعتق» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ قَالَ الْأسود بن يزِيد: «كَانَ شُرَيْح يقْضِي بولاء وَلَده يَعْنِي لموَالِي الْأُم حَتَّى حَدثهُ الْأسود بقول ابْن مَسْعُود فَقَضَى بِهِ شُرَيْح» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: كَذَا قَالَ جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ عَن الْأسود، وَقد رَوَى الحكم عَن إِبْرَاهِيم قَالَ: «كَانَ شُرَيْح لَا يكَاد يرجع عَن قَضَاء قَضَى بِهِ حَتَّى حَدثهُ الْأسود بن يزِيد عَن عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ فِي الْحرَّة تكون تَحت العَبْد فتلد لَهُ أَوْلَادًا ثمَّ يعْتق أبوهم أَنه يصير ولاؤهم إِلَى موالى أَبِيهِم فَأخذ بِهِ شُرَيْح» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا إِسْنَاد صَحِيح. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون الْأسود حَدثهُ عَن عمر وَابْن مَسْعُود جَمِيعًا.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرَوَى مثل مقالتهم عَن زيد بن ثَابت ﵁ وَهَذَا هُوَ الْأَثر الْخَامِس وَفِيمَا تقدم عَن هَؤُلَاءِ كِفَايَة.
الْأَثر السَّادِس وَالسَّابِع: عَن عمر وَعُثْمَان «أَن الْوَلَاء للكبر» .
стр. 6097
رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سُفْيَان، عَن يَحْيَى بن سعيد، عَن سعيد بن الْمسيب، أَن عمر وَعُثْمَان قَالَا: «الْوَلَاء للكبر» .
وَقَالَ أَبُو دَاوُد: «ورد أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَزيد وَابْن مَسْعُود يورثون الْكَبِير من الْوَلَاء» وَقَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة أبنه صَالح: حَدِيث عمر مَرْفُوعا «مَا أحرز الْوَالِد أَو الْوَلَد فَهُوَ لعصبته من كَانَ» هَكَذَا يرويهِ عَمْرو بن شُعَيْب وَقد رُوِيَ عَن عمر وَعُثْمَان وَعلي وَزيد وَابْن مَسْعُود أَنهم قَالُوا: «الْوَلَاء للكبر» فَهَذَا الَّذِي يذهب إِلَيْهِ، وَهُوَ قَول أَكثر النَّاس فِيمَا بلغنَا.
فَائِدَة: الظَّاهِر أَن المُرَاد من الْكبر الْأَقْرَب لَا الْأَكْبَر سنا.
стр. 6098
كتاب التَّدْبِير
стр. 6099
كتاب التَّدْبِير
ذكر فِيهِ ﵀ حديثين وأثارًا:
الحَدِيث الأول
عَن جَابر ﵁ «أَن رجلا دبَّر غُلَاما لَهُ لَيْسَ لَهُ مَال غَيره، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : من يَشْتَرِيهِ مني؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بن النحام» . وَفِي رِوَايَة «أَن رجلا من الْأَنْصَار أعتق عبدا لَهُ عَن دبر مِنْهُ لَا مَال لَهُ غَيره وَعَلِيهِ دين، فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَبَاعَهُ وَقَضَى الدَّين مِنْهُ وَدفع الْفضل إِلَيْهِ» .
هَذَا الحَدِيث بالرواية الأولَى صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من طرق، أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع عَنهُ:
أَحدهَا: فِي الْبيُوع بِلَفْظ أَن «رجلا أعتق غُلَاما لَهُ عَن دبر فَاحْتَاجَ، فَأَخذه رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: من يَشْتَرِيهِ مني؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بن عبد الله بِكَذَا وَكَذَا فَدفعهُ إِلَيْهِ» .
ثَانِيهَا: فِيهِ أَيْضا مُخْتَصرا «أَنه ﵇ بَاعَ الْمُدبر» .
ثَالِثهَا: فِي الاستقراض بِلَفْظ: «أعتق رجل غُلَاما لَهُ عَن دبر، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : من يَشْتَرِيهِ مني؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بن عبد الله فَأخذ ثمنه فَدفعهُ إِلَيْهِ» .
стр. 6100
رَابِعهَا: فِي الْخُصُومَات بِلَفْظ «أَن رجلا أعتق عبدا لَيْسَ لَهُ مَال غَيره، فَرده رَسُول الله ﷺ فابتاعه مِنْهُ نعيم بن النحام» .
خَامِسهَا: فِي كتاب الْأَيْمَان بِلَفْظ «أَن رجلا من الْأَنْصَار دبر مَمْلُوكا لَهُ، وَلم يكن لَهُ مَال غَيره، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: من يَشْتَرِي مني فَاشْتَرَاهُ نعيم بن النحام بثمانمائة دِرْهَم، قَالَ جَابر: كَانَ عبدا قبطيًا مَاتَ عَام أول» .
سادسها: - فِي الْإِكْرَاه كَذَلِك.
سابعها: فِي الْعتْق بِلَفْظ «أعتق رجل منا عبدا [لَهُ] عَن دبر، فَدَعَا رَسُول الله ﷺ بِهِ فَبَاعَهُ، قَالَ جَابر: مَاتَ الْغُلَام عَام أول» وَأخرجه مُسلم فِي الْعتْق بِلَفْظ: «أَن رجلا من الْأَنْصَار أعتق غُلَاما [لَهُ] عَن دبر لم يكن لَهُ مَال غَيره، فَبلغ ذَلِك النَّبِي ﷺ فَقَالَ: من يَشْتَرِيهِ مني؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بثمانمائة دِرْهَم، فَدَفعهَا إِلَيْهِ، قَالَ جَابر: كَانَ عبدا قبطيًا مَاتَ عَام أول» وَفِي رِوَايَة «فَاشْتَرَاهُ نعيم بن النحام، عبدا قبطيًا مَاتَ فِي إِمَارَة ابْن الزبير» وَأخرجه فِي الزَّكَاة أَيْضا بِلَفْظ «أعتق رجل من
стр. 6101
بني عذرة عبدا لَهُ عَن دبر، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: أَلَك مَال غَيره؟ قَالَ: لَا. فَقَالَ: من يَشْتَرِيهِ مني؟ فَاشْتَرَاهُ نعيم بن عبد الله الْعَدوي بثمانمائة دِرْهَم، فجَاء بهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَدَفعهَا إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ: ابدأ بِنَفْسِك فَتصدق عَلَيْهَا، فَإِن فضل شَيْء فلأهلك، فَإِن فضل شَيْء عَن أهلك فلذي قرابتك، فَإِن فضل من قرابتك شَيْء فَهَكَذَا وَهَكَذَا. يَقُول: فَبين ذَلِك وَعَن يَمِينك وَعَن شمالك» وَفِي رِوَايَة لَهُ «أَن رجلا من الْأَنْصَار - يُقَال لَهُ أَبُو مَذْكُور - أعتق غُلَاما لَهُ عَن دبرٍ - يُقَال لَهُ: أَبُو يَعْقُوب ... » وسَاق الحَدِيث بِمَعْنَاهُ.
وَفِي رِوَايَة لأبي نعيم فِي «معرفَة الصَّحَابَة» «أعتق أَبُو مَذْكُور غُلَاما لَهُ يُقَال لَهُ يَعْقُوب القبطي ... » الحَدِيث، وَفِيه «فَاشْتَرَاهُ نعيم بن النحام ختن عمر بن الْخطاب بثمانمائة دِرْهَم» . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد فِي الْعتْق «أَن رجلا أعتق غُلَاما لَهُ عَن دبر مِنْهُ لم يكن لَهُ مَال غَيره فَأمر بِهِ رَسُول الله ﷺ [فَبيع بسبعمائة دِرْهَم أَو بتسعمائة] » [وَفِي رِوَايَة] أَنْت أَحَق بِثمنِهِ وَالله غَنِي عَنهُ» وَفِي رِوَايَة لَهُ «أَنه ﵊ بَاعه بثمانمائة دِرْهَم فَدَفعهَا إِلَيْهِ قَالَ: إِذا كَانَ أحدكُم فَقِيرا فليبدأ بِنَفسِهِ، فَإِن كَانَ فِيهَا فضل فعلَى عِيَاله، فَإِن كَانَ فِيهَا فضل فعلَى ذِي قرَابَته - أَو قَالَ: عَلَى ذِي رَحمَه - وَإِن كَانَ فضلا فهاهنا وَهَاهُنَا» .
стр. 6102
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي الْبيُوع مُخْتَصرا «أَنه ﵊ بَاعَ الْمُدبر ... » وَمُطَولًا كَرِوَايَة مُسلم وَأبي دَاوُد الْأَخِيرَة، وَرَوَاهُ فِي الزَّكَاة أَيْضا مطولا، وَرَوَاهُ مطولا فِي الْعتْق ومختصرًا، وَفِي بَعْضهَا «أَنْت أحْوج إِلَيْهِ» وَفِي بَعْضهَا «فَبَاعَهُ رَسُول الله ﷺ بثمانمائة فَأعْطَاهُ وَقَالَ: دينك» وَفِي «بَعْضهَا أنفقها عَلَى عِيَالك فَإِنَّمَا الصَّدَقَة عَن ظهر غَنِي فابدأ بِمن تعول» وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام مُخْتَصرا، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» مطولا.
هَذَا مَا حضرني من طرق الحَدِيث وَلم أر الرِّوَايَة الثَّانِيَة الَّتِي أوردهَا الإِمَام الرَّافِعِيّ من «أَنه ﵊ قَضَى الدَّين مِنْهُ، ثمَّ دفع الْفضل إِلَيْهِ» وَقد طرق الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي «سنَنه» طرقه فِي أوراق عدَّة، وَلم أر هَذَا فِيهَا بل فِي «الصَّحِيحَيْنِ» «أَنه دفع الثّمن إِلَيْهِ» كَمَا تقدم، وَفِي النَّسَائِيّ أَيْضا أَنه قَالَ لَهُ لما دَفعه إِلَيْهِ «اقْضِ دينك» وَقد تحمل رِوَايَة الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي أَنه قَضَى الدَّين مِنْهُ أَن المُرَاد أَمر بِقَضَائِهِ وَهُوَ شَائِع، وَهَذِه الرِّوَايَة صَرِيحَة فِي رد الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا المُصَنّف، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان فِي «صَحِيحه» عَن جَابر «أَن رجلا من بني عذرة عتق
стр. 6103
مَمْلُوكا لَهُ عَن دبر مِنْهُ، فَبعث إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ فَبَاعَهُ وَدفع ثمنه إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أبدأ بِنَفْسِك فَتصدق عَلَيْهَا، ثمَّ عَلَى أَبَوَيْك، ثمَّ عَلَى قريبك، ثمَّ هَكَذَا وَهَكَذَا» .
تَنْبِيهَات:
أَحدهَا: جَاءَ فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث «أَن الَّذِي دبر هَذَا الْغُلَام مَاتَ، فَبَاعَهُ النَّبِي ﷺ بعد مَوته» رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» عَن جَابر «أَن رجلا مَاتَ وَترك مُدبرا ودينًا فَأمر النَّبِي ﷺ أَن يبيعوه فِي دينه فباعوه بثمانمائة» قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي فِي «مُسْنده» بعد أَن أخرجه من طَرِيق «الصَّحِيحَيْنِ» هَكَذَا سمعته من سُفْيَان عَامَّة دهري، ثمَّ وجدت فِي كتابي «دبر رجل منا غُلَاما فَمَاتَ» فإمَّا أَن يكون خطأ من كتابي أَو خطأ من سُفْيَان، فَإِن كَانَ من سُفْيَان فَابْن جريج أحفظ لحَدِيث أبي الزبير من سُفْيَان وَمَعَ [ابْن جريج] حَدِيث اللَّيْث وَغَيره، وَأَبُو الزبير يحد الحَدِيث تحديدًا يخبر فِيهِ بحياة الَّذِي دبره، وَحَمَّاد بن زيد مَعَ حَمَّاد بن سَلمَة وَغَيره أحفظ لحَدِيث عَمْرو بن دِينَار مَعَ سُفْيَان وَحده. قَالَ: وَقد يسْتَدلّ عَلَى حفظ الحَدِيث من خطئه بِأَقَلّ مِمَّا وجدته فِي [حَدِيث ابْن جريج وَاللَّيْث عَن أبي الزبير وَفِي حَدِيث حَمَّاد عَن عمر، وَغير حَمَّاد يرويهِ عَن عَمْرو كَمَا رَوَاهُ حَمَّاد بن زيد، وَقد أَخْبرنِي] غير وَاحِد مِمَّن لَقِي سُفْيَان قَدِيما أَنه لم يكن يدْخل فِي حَدِيثه
стр. 6104
«مَاتَ» وَعجب بَعضهم مني حِين أخْبرته أَنِّي وجدت فِي كتابي «مَاتَ» وَقَالَ: لَعَلَّ هَذَا خطأ عَنهُ أَو زلَّة مِنْهُ حَفظتهَا عَنهُ.
قلت: وَأما التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهُ أخرج الحَدِيث من طَرِيق سُفْيَان وَفِيه: «أَن سَيّده مَاتَ» ثمَّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث صَحِيح. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي: قَول شريك فِي هَذَا الحَدِيث «مَاتَ» خطأ؛ لِأَن فِي حَدِيث الْأَعْمَش عَن سَلمَة بن كهيل «وَدفع إِلَيْهِ ثمنه وَقَالَ: اقْضِ دينك» وَكَذَا رَوَاهُ عَمْرو بن دِينَار وَأَبُو الزبير عَن جَابر «أَن سيد الْمُدبر كَانَ حيًّا يَوْم بيع الْمُدبر» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَا يشك أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ فِي خطأ شريك فِي هَذَا، وَإِنَّمَا وَقع هَذَا الْخَطَأ لَهُ وَلغيره بِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة «أَن رجلا من الْأَنْصَار أعتق مَمْلُوكه إِن حدث بِهِ حدث فَمَاتَ، فدعى بِهِ النَّبِي ﷺ فَبَاعَهُ من نعيم بن عبد الله أحد بني عدي بن كَعْب» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَوْله: «إِن حدث بِهِ حدث فَمَاتَ» من شَرط الْعتْق وَلَيْسَ بِإِخْبَار عَن موت الْمُعْتق، وَمن هُنَا وَقع الْغَلَط لبَعض الروَاة من ذكر وَفَاة الرجل فِيهِ عِنْد البيع. قَالَ وَالَّذِي عَلَيْهِ تدل رِوَايَة الْجُمْهُور الْمُتَقَدّمَة.
التَّنْبِيه الثَّانِي: قد جَاءَ فِي بعض رِوَايَات هَذَا الحَدِيث أَنه إِنَّمَا بَاعَ خدمَة الْمُدبر لَا نَفسه، فروَى الدَّارَقُطْنِيّ عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَلّي أَنه قَالَ: شهِدت الحَدِيث من جَابر «أَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا أذن فِي خدمته» . وَفِي رِوَايَة (الْبَيْهَقِيّ عَن النَّبِي ﷺ «إِنَّمَا بَاعَ خدمَة الْمُدبر» ) قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهُوَ مُرْسل. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي مناظرة جرت لَهُ: هَذَا الحَدِيث
стр. 6105
مَا رَوَاهُ عَن أبي جَعْفَر - فِيمَا علمت - أحد يثبت حَدِيثه، وَلَو رَوَاهُ من يثبت حَدِيثه مَا كَانَ فِيهِ حجَّة؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطع. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد وَصله عبد الْغفار بن الْقَاسِم عَن أبي جَعْفَر عَن جَابر وَعبد الْغفار هَذَا كَانَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ يرميه بِالْوَضْعِ. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «تَحْقِيقه» وَكذبه سماك بن حَرْب. قلت: هَذَا وهم، وَإِنَّمَا كذبه سماك الْحَنَفِيّ وَهُوَ سماك بن الْوَلِيد. قَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ: سَمِعت شُعْبَة [يَقُول: سَمِعت] سماكًا الْحَنَفِيّ يَقُول لأبي مَرْيَم - يَعْنِي ابْن عبد الْغفار - فِي شَيْء ذكره: كذبت وَالله. وَوَصله أَيْضا أَبُو شيبَة إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان عَن عُثْمَان بن عُمَيْر عَن أبي جَعْفَر عَن جَابر، وَأَبُو شيبَة ضَعِيف لَا يحْتَج بأمثاله.
الثَّالِث: جَاءَ حَدِيث يُخَالف جَمِيع مَا تقدم وَهُوَ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «الْمُدبر لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَهُوَ حر من الثُّلُث» لكنه ضَعِيف ضعفه الْأَئِمَّة كَمَا سَيَأْتِي بعد هَذَا الحَدِيث.
الرَّابِع: نعيم الَّذِي اشْتَرَى الْمُدبر الْمَذْكُور هُوَ بِضَم النُّون. والنحام بالنُّون وَتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ نعيم بن عبد الله الْقرشِي الْعَدوي، والنحام وَصفا لنعيم لَا لِأَبِيهِ، وَوَقع فِي بعض رِوَايَات مُسلم وَالْبُخَارِيّ «نعيم بن النحام» وَكَذَا وَقع فِي بعض كتب أَصْحَابنَا قبل، وَهُوَ غلط وَصَوَابه «نعيم النحام» والنحام هُوَ نعيم. وَقَالَ ابْن مَاكُولَا: ونعيم
стр. 6106
بن النحام بن عبد الله كَذَا يَقُوله أَصْحَاب الحَدِيث. وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: هُوَ النحام بِضَم النُّون وَتَخْفِيف الْحَاء، وَجعل نعيمًا النحام، وَجعل أَبَاهُ عبد الله. وَقَالَ: أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الْحَاء. قَالَ أَبُو نعيم فِي «معرفَة الصَّحَابَة» : وَوهم بَعضهم فَجعل العَبْد لإِبْرَاهِيم بن نعيم بن النحام، وَهَذَا تَصْحِيف، وَإِنَّمَا كَانَ عبدا لِابْنِ النحام، وَقيل لَهُ: النحام؛ للْحَدِيث الْمَشْهُور أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «دخلت الْجنَّة فَسمِعت نحمة نعيم فِيهَا» .
والنَحمة بِفَتْح النُّون، والسَعلة بِفَتْح السِّين، وَقيل النحيحة المهدودة آخرهَا. قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي كتاب «المبهمات» : اسْم العَبْد الْمُدبر «يَعْقُوب» وَاسم سَيّده «أَبُو مَذْكُور» . قلت: وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فقد تقدم ذَلِك وَاضحا فِي طرق الحَدِيث، قَالَ الإِمَام أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ: لَا يعرف لِابْنِ عليَّة غلط قطّ إِلَّا فِي حَدِيث جَابر هَذَا، حَيْثُ جعل اسْم الْغُلَام اسْم الْمولى، وَاسم الْمولى اسْم الْغُلَام، وَقَول الْخَطِيب - رحمني الله وأياه -: «وَاسم سَيّده أَبُو مَذْكُور» إِن لم يكن علما فِيهِ شَاهد فِي الْعبارَة، وَصَوَابه أَن يُقَال: إِن ذَلِك كنيته، فَإِن ذَلِك كنيته جزما لَا خلاف فِي ذَلِك بَين أهل الْمَدِينَة، وَقد ذكر الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب «معرفَة الصَّحَابَة» أَن اسْم السَّيِّد «مَذْكُور القبطي» وَقَالَ: كَذَا رَوَاهُ سَلمَة بن كهيل عَن جَابر. قَالَ: وَرَوَاهُ أَبُو أَيُّوب عَن أبي الزبير عَن جَابر وَقَالَ: اسْم الْغُلَام «يَعْقُوب» وَالَّذِي أعْتقهُ يُسمى «أَبُو مَذْكُور» قَالَ الْحَافِظ: وَكَأَنَّهُ الْأَصَح. وَوَقع فِي
стр. 6107
«تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات» للنووي ﵀ أَن اسْمه «أَبَا بكر» وَلَعَلَّه تَصْحِيف من النَّاسِخ، وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَنه ذكره هُوَ فِي «شرح مُسلم» «ومختصر المبهمات» كَمَا ذكره الْخَطِيب، وَقد تَابعه عَلَى هَذَا الْغَلَط بعض من صنف فِي زَمَاننَا فنقله عَنهُ وَأقرهُ عَلَيْهِ.
الحَدِيث الثَّانِي
عَن ابْن عمر مَرْفُوعا وموقوفًا: «أَن الْمُدبر من الثُّلُث» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَاكِم، عَن الْأَصَم، عَن الرّبيع، عَن الشَّافِعِي، عَن عَلّي بن ظبْيَان، عَن عبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر قَالَ: «الْمُدبر من الثُّلُث» قَالَ الشَّافِعِي: قَالَ لي عَلّي بن ظبْيَان: كنت أحدث بِهِ مَرْفُوعا فَقَالَ لي أَصْحَابِي: لَيْسَ بمرفوع وَهُوَ مَوْقُوف عَلَى ابْن عمر، فوقفته قَالَ الشَّافِعِي: الْحفاظ يقفونه عَلَى ابْن عمر. قَالَ: وَلَا أعلم من أَدْرَكته من المفتيين اخْتلفُوا فِي أَن الْمُدبر وَصِيَّة من الثُّلُث. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عبيد الله الْكَاتِب [و] أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي بكر وَجَمَاعَة قَالُوا: [نَا] عَلّي بن حَرْب، نَا عَمْرو بن عبد الْجَبَّار أَبُو مُعَاوِيَة الْجَزرِي، عَن
стр. 6108
عَمه عُبَيْدَة بن حسان، عَن أَيُّوب، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «الْمُدبر لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَهُوَ حر من الثُّلُث» قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسْندهُ غير عُبَيْدَة بن حسان وَهُوَ ضَعِيف، وَإِنَّمَا هُوَ عَن ابْن عمر من قَوْله.
قَالَ ابْن الْقطَّان فِي «علله» عُبَيْدَة هَذَا قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم: مُنكر الحَدِيث. وَعَمْرو بن عبد الْجَبَّار لَا يعرف حَاله.
قلت: وَقد اتّفق الْحفاظ عَلَى تَصْحِيح رِوَايَة الْوَقْف وتضعيف رِوَايَة الرّفْع، فَمن ذَلِك مَا تقدم عَن الشَّافِعِي وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَمن ذَلِك أَن الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا سُئِلَ عَنهُ فِي «علله» فَقَالَ: رُوِيَ مَرْفُوعا وموقوفًا وَالْمَوْقُوف أصح. وَقَالَ الْعقيلِيّ فِي «الضُّعَفَاء» بعد رِوَايَته لَهُ: لَا يعرف هَذَا الحَدِيث إِلَّا بعلي بن ظبْيَان. وَقَالَ فِيهِ يَحْيَى: مُنكر الحَدِيث وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن هَذَا [الحَدِيث فَقَالَ أَبُو زرْعَة] حَدِيث بَاطِل. وَامْتنع من قِرَاءَته، وَقَالَ: وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف عَلَى ابْن عمر. وَقَالَ عبد الْحق: إِسْنَاد الرّفْع ضَعِيف وَالصَّحِيح الْوَقْف. وَبَين ذَلِك ابْن الْقطَّان فِي «علله» مُوَافقا لَهُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جماعات مَرْفُوعا، وَالصَّحِيح مَوْقُوف كَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي ﵁. قَالَ: وَرُوِيَ من وَجه آخر مُرْسلا؛ فَرَوَاهُ عَن أبي قلَابَة «أَن رجلا أعتق عبدا لَهُ عَن دبر، فَجعله النَّبِي ﷺ من الثُّلُث» ثمَّ رَوَى عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه
стр. 6109
«أَنه كَانَ يَجعله من الثُّلُث» وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: «يعْتق من ثلثه» وَعَن شُرَيْح وَإِبْرَاهِيم مثل ذَلِك. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، عَن عَلّي بن ظبْيَان كَمَا تقدم مَرْفُوعا وَقَالَ: هَذَا حَدِيث لَا أصل لَهُ. قَالَ: وَقَالَ عُثْمَان بن أبي شيبَة: هَذَا الحَدِيث خطأ.
قلت: وَمُرَاد هما طَريقَة الرّفْع؛ فَإِن طَريقَة الْوَقْف صَحِيحَة كَمَا تقدم عَن الْحفاظ، وَوَقع فِي «الْهِدَايَة» عَلَى مَذْهَب أبي حنيفَة زِيَادَة غَرِيبَة فِي هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: بعد «لَا يُبَاع وَلَا يُوهب» : «وَلَا يُورث» وَهَذِه الْأَخِيرَة غَرِيبَة هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى الْحَدِيثين.
وَأما الْآثَار فَثَلَاثَة:
الأول: عَن عمر ﵁ «أَنه أجَاز وَصِيَّة غُلَام لَهُ [عشر سِنِين» .
هَذَا الْأَثر تقدم بَيَانه وَاضحا فِي آخر كتاب الْوَصَايَا.
الثَّانِي: «أَن عَائِشَة ﵂ باعت مُدبرَة لَهَا سحرتها» .
هَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ الشَّافِعِي ﵁ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عمْرَة عَنْهَا، قَالَ الْحَاكِم: وَهُوَ صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم، وَتقدم بِلَفْظِهِ فِي بَاب دَعْوَى الدَّم والقسامة.
الثَّالِث: عَن ابْن عمر ﵁ «أَنه دبر جاريتين [لَهُ] وَكَانَ يطؤهما» .
стр. 6110
هَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» عَن نَافِع عَنهُ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَنهُ.
стр. 6111
كتاب الْكِتَابَة
стр. 6112
كتاب الْكِتَابَة
ذكر فِيهِ أَحَادِيث وآثارًا، أما الْأَحَادِيث فَثَلَاثَة:
أَحدهَا
أنَّه ﷺ قَالَ: «من أعَان غارمًا أَو غازيًا، أَو مكَاتبا فِي كِتَابَته أظلهُ الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من كتاب حَدِيث سهل بن حنيف ﵁ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَذكره فِي كتاب الْجِهَاد أَيْضا فِي «مُسْتَدْركه» من هَذِه الطَّرِيق، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي «سنَنه» كَمَا أخرجه الْحَاكِم، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث حَيْثُ رَوَاهُ عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل، عَن عبد الله بن سهل بن حنيف [عَن سهل بن حنيف، وَرَوَاهُ عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل، عَن سهل بن حنيف] أَيهمَا أصح؟ فَقَالَ: الطَّرِيقَة الأولَى. كَذَا رَأَيْته فِيهَا، وَلم يظْهر لي اخْتِلَاف الطَّرِيقَيْنِ فِي ذَلِك بل هِيَ متحدة فتأملها.
стр. 6113
الحَدِيث الثَّانِي
أنَّه ﷺ قَالَ: «الْمكَاتب عبدٌ مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم» .
هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ أَيْضا بعد هَذَا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده بِلَفْظ «مَا بَقِي عَلَيْهِ من كِتَابَته دِرْهَم» وَذكره بِلَفْظ «قنّ» بدل «عبد» وَهُوَ حَدِيث مَشْهُور بِاللَّفْظِ الأول ومداره عَلَى عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده. وَلكنه رُوِيَ من طرق مُتَكَلم فِي بَعْضهَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» بِاللَّفْظِ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن سُلَيْمَان بن سليم الْكِنَانِي، عَنهُ. وَإِسْمَاعِيل هَذَا فِيهِ مقَال، لَكِن قَالَ أَحْمد: مَا رَوَى عَن الشاميين فَهُوَ صَحِيح. وَسليمَان هَذَا الَّذِي رَوَى عَنهُ حمصي فَالْحَدِيث إِذن صَحِيح، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «الرَّوْضَة» : إِنَّه حَدِيث حسن. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث عَبَّاس الْجريرِي عَنهُ بِلَفْظ: «أَيّمَا عبد كَاتب عَلَى مائَة أُوقِيَّة فأداها إِلَّا عشرَة أَوَاقٍ فَهُوَ عبد، وَأَيّمَا عبد كَاتب عَلَى مائَة دِينَار فأداها إِلَّا عشرَة دَنَانِير فَهُوَ عبد» . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من حَدِيث الْعَلَاء الْجريرِي عَنهُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» من حَدِيث عَبَّاس
стр. 6114
الْجريرِي بِلَفْظ: «أَيّمَا عبد كُوتِبَ عَلَى ألف أوقيه فاداها [إِلَّا عشرَة أَوَاقٍ فَهُوَ عبد، وَأَيّمَا مكَاتب كُوتِبَ عَلَى مائَة دِينَار فأداها] إِلَّا عشرَة دَنَانِير فَهُوَ عبد» ثمَّ قَالَ: هَذَا [حَدِيث] صَحِيح الْإِسْنَاد. وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم فِي «صَحِيحه» عَن عمر بن مُحَمَّد الْهَمدَانِي، نَا عَمْرو بن عُثْمَان، نَا الْوَلِيد، عَن ابْن جريج، أَخْبرنِي عَطاء، عَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله، إِنَّا نسْمع مِنْك أَحَادِيث أفتأذن لنا أَن نكتبها؟ قَالَ: نعم. فَكَانَ أول مَا كتب كتاب النَّبِي ﷺ إِلَى أهل مَكَّة: لَا يجوز شَرْطَانِ فِي بيع وَاحِد، وَلَا بيع وَسلف جَمِيعًا، وَلَا بيع مَا لم يضمن، وَمن كَانَ مكَاتبا عَلَى مائَة دِرْهَم فقضاها [إِلَّا عشرَة دَرَاهِم فَهُوَ عبد، أوعلى مائَة أُوقِيَّة فقضاها] إِلَّا أُوقِيَّة فَهُوَ عبد» وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث الْحجَّاج بن أَرْطَاة عَنهُ مَرْفُوعا وَلَفْظهمَا: «أَيّمَا عبد كُوتِبَ عَلَى مائَة أُوقِيَّة فأداها إِلَّا عشرَة أَوَاقٍ ثمَّ عجز فَهُوَ رَقِيق» ثمَّ قَالَ النَّسَائِيّ: حجاج ضَعِيف لَا يحْتَج بحَديثه. وَرَوَاهُ أَحْمد من هَذِه الطَّرِيق وَاللَّفْظ إِلَّا أَنه قَالَ: «فأداها إِلَّا عشرَة أَوَاقٍ» فَهُوَ رَقِيق وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث يَحْيَى بن أبي أنيسَة عَنهُ وَلَفظه: عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يخْطب
стр. 6115
يَقُول: «من كَاتب عَبده عَلَى مائَة أُوقِيَّة فأداها إِلَّا عشرَة أَوَاقٍ - أَو قَالَ عشرَة دَرَاهِم - ثمَّ عجز فَهُوَ رَقِيق» وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب. وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي «التَّذْكِرَة» : يَحْيَى هَذَا كَذَّاب. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من طَرِيق ابْن حبَان السالف عَمَّن رَوَاهُ عَن عَمْرو بن عُثْمَان بِهِ: «يَا رَسُول الله، إِنَّا نسْمع مِنْك أَحَادِيث فتأذن لنا أَن نكتبها؟ قَالَ: نعم. فَكَانَ أول مَا كتب كتاب النَّبِي ﷺ إِلَى أهل مَكَّة: لَا يجوز شَرْطَانِ فِي بيع وَاحِد، وَلَا بيع وَسلف، وَلَا بيع مَا لم يضمن، وَمن كَانَ مكَاتبا عَلَى مائَة دِرْهَم فقضاها إِلَّا عشرَة دَرَاهِم فَهُوَ عبد، أَو عَلَى مائَة أُوقِيَّة فقضاها إِلَّا أُوقِيَّة فَهُوَ عبد» قَالَ النَّسَائِيّ هَذَا حَدِيث مُنكر، وَهُوَ عِنْدِي خطأ. وَقَالَ ابْن حزم عَطاء هَذَا هُوَ الْخُرَاسَانِي، وَلم يسمع من عبد الله بن عَمْرو. وَكَذَلِكَ قَالَ عبد الْحق.
طَرِيق آخر: رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» مَوْقُوفا عَلَى ابْن عمر مَرْفُوعا «الْمكَاتب مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم» ذكره من حَدِيث عبد الْبَاقِي بن قَانِع - وَقَالَ: رَاوِي الْكَذِب - عَن مُوسَى بن زَكَرِيَّا، عَن عَبَّاس بن مُحَمَّد، عَن أَحْمد بن يُونُس، عَن هشيم، عَن جَعْفَر بن إِيَاس، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر فَذكره ثمَّ قَالَ: هَذَا خبر مَوْضُوع بِلَا شكّ لم نعرفه قطّ من حَدِيث عَبَّاس بن مُحَمَّد، وَلَا من حَدِيث أَحْمد بن يُونُس [وَلَا من
стр. 6116
حَدِيث هشيم وَلَا] من حَدِيث جَعْفَر بن إِيَاس، وَلَا من حَدِيث نَافِع، وَلَا من حَدِيث ابْن عمر، إِنَّمَا يعرف من قَول ابْن عمر وَغَيره، وَلَا يُدْرَى من مُوسَى بن زَكَرِيَّا أَيْضا. وَقد رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ إِلَى معبد الْجُهَنِيّ عَن عمر بن الْخطاب قَالَ: «الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم» . ثمَّ قَالَ: ابْن حزم وَرُوِيَ عَن عمر وَعُثْمَان وَجَابِر وَأُمَّهَات الْمُؤمنِينَ: «الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم» . ثمَّ قَالَ: وَلَا يَصح عَن أحد مِنْهُم؛ لِأَنَّهُ [عَن] عمر من طَرِيق الْحجَّاج بن أَرْطَاة - وَهُوَ هَالك - عَن ابْن أبي مليكَة مُرْسل [و] من طَرِيق مُحَمَّد بن عبيد الله الْعَرْزَمِي وَهُوَ مثله أَو دونه. وَعَن سعيد بن الْمسيب من طَرِيق ابْن عمر مُرْسل. وَمن طَرِيق سُلَيْمَان التَّيْمِيّ أَن عمر. وَمن طَرِيق ابْن وهب عَن رجال من أهل [الْعلم] أَن عمر وَعُثْمَان وَجَابِر بن عبد الله. وَالَّتِي عَن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ من طَرِيق عمر بن قيس سندل وَهُوَ ضَعِيف [وَهُوَ عَن أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ من طَرِيق أبي معشر المدنى وَهُوَ ضَعِيف] لكنه صَحِيح عَن زيد بن ثَابت وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وَابْن عمر. انْتَهَى.
قلت قد رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من حَدِيث سعيد بن أبي عرُوبَة، عَن قتادةبة، عَن معبد الجهنيبة، عَن عمر قَالَ: «الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من هَذِه الطَّرِيق فَهَذِهِ طَريقَة صَحِيحَة لم
стр. 6117
يذكرهَا، وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث سعيد بن مَنْصُور، نَا هشيم، عَن خَالِد، عَن أبي قلَابَة قَالَ: «كن أَزوَاج النَّبِي ﷺ لَا يحتجبن من مكَاتب مَا بَقِي عَلَيْهِ دِينَار» .
تَنْبِيهَات:
أَحدهَا: قَالَ الشَّافِعِي: لَا أعلم أحدا رَوَى عَن النَّبِي ﷺ هَذَا الحَدِيث - يَعْنِي حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده الْمُتَقَدّم - إِلَّا عَمْرو بن سعيد. قَالَ: وَعَلَى هَذَا فتيا الْمُفْتِينَ. قَالَ: وَلم أر من رضيت من أهل الْعلم يثبت هَذَا الحَدِيث. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: الشَّافِعِي إِنَّمَا ذكر هَذَا الحَدِيث مُنْقَطِعًا، وَقد رَوَيْنَاهُ من أوجه مَوْصُولا عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده، عَن النَّبِي ﷺ فَذكرهَا.
قلت: وَقد علمت أَنه رُوِيَ من غير طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب، فَإِن عمر رَوَاهُ أَيْضا.
ثَانِيهَا: وَقع فِي أَحْكَام الْمجد بن تَيْمِية أَن هَذَا الحَدِيث لم يروه النَّسَائِيّ، وَقد عجبت مِنْهُ فَهُوَ فِيهِ فِي هَذَا الْبَاب - أَعنِي كتاب الْعتْق - من طرق كَثِيرَة منتشرة كَمَا سلف، وَلم يعزه ابْن الْأَثِير فِي «جَامعه» إِلَيْهِ وَهُوَ من شَرطه أَيْضا.
ثَالِثهَا: قَالَ ابْن الْقطَّان فِي [كِتَابه] «أَحْكَام النّظر» : وَصَحَّ حَدِيث عَلّي وَابْن عَبَّاس:: الْمكَاتب يعْتق مِنْهُ بِقدر مَا أَدَّى، ويقام عَلَيْهِ الْحَد بِقدر مَا عتق مِنْهُ، وَيَرِث بِقدر مَا عتق مِنْهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ. قلت: وَقَالَ الْحَاكِم: صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ. ذكره من طرق،
стр. 6118
وَقَالَ ابْن حزم: هما فِي غَايَة الصِّحَّة. قَالَ ابْن الْقطَّان: فَإِن قيل: حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي مَرْفُوعا «أَيّمَا عبد كَاتب عَلَى مائَة أُوقِيَّة ... » الحَدِيث يُعَارضهُ. قُلْنَا: لم يَصح؛ فَإِنَّهُ مُنْقَطع الْإِسْنَاد. هَذَا لَفظه، وَحكمه عَلَيْهِ بالانقطاع الْمُطلق لَيْسَ بجيد، فَإِن بعض طرقه مُتَّصِل صَحِيح كَمَا سلف.
الحَدِيث الثَّالِث
حَدِيث بَرِيرَة «أَنَّهَا استعانت بعائشة فِي كتَابَتهَا، فَقَالَت: إِن باعوك وَيكون لي الْوَلَاء صببت لَهُم [ثمنك] صبًّا. فراجعتهم فَأَبَوا أَن يبيعوا إِلَّا أَن يكون لَهُم الْوَلَاء ... » الحَدِيث.
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من طرق وَقد سلف بَعْضهَا، هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب.
وَأما آثاره فزائدة عَلَى سِتَّة:
أَحدهَا: اشْتهر عَن الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ ﵃ قولا وفعلاً - الْكِتَابَة عَلَى نجمين.
هُوَ كَمَا قَالَ؛ فقد رَوَى الْبَيْهَقِيّ ذَلِك من فعل عُثْمَان وَابْن عمر ﵃.
الثَّانِي: عَن عُثْمَان ﵁ «أَنه غضب عَلَى عبدٍ لَهُ، فَقَالَ: لأعاقبنك ولأكاتبنك عَلَى نجمين» .
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث مُسلم بن أبي مَرْيَم عَن رجل قَالَ: «كنت مَمْلُوكا لعُثْمَان. قَالَ: بَعَثَنِي عُثْمَان فِي تِجَارَة
стр. 6119
فَقدمت عَلَيْهِ فَأَحْمَد ولايتى. قَالَ: فَقُمْت بَين يَدَيْهِ ذَات يَوْم فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَسأَلك الْكِتَابَة. فقطب عَلّي، قَالَ: فَقَالَ: نعم، وَلَوْلَا آيَة فِي كتاب الله مَا فعلت، لأكاتبنك عَلَى مائَة ألف عَلَى أَن تعدها لي فِي عدتين، وَالله لَا أغضك مِنْهَا درهما. قَالَ: فَخرجت من عِنْده فلقيني الزبير بن الْعَوام فَقَالَ: مَا الَّذِي أَتَى بك؟ قلت: كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ بَعَثَنِي فِي تِجَارَة [فَقدمت] عَلَيْهِ وَأحمد ولايتي إِلَيْهِ فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَسأَلك الْكِتَابَة. قَالَ: فقطب فَقَالَ: نعم، وَلَوْلَا أَنه فِي كتاب الله مَا فعلت، أكاتبك عَلَى مائَة ألف عَلَى أَن تعدها لي فِي عدتين، وَالله لَا أغصك مِنْهَا درهما. قَالَ: فَانْطَلق. قَالَ: فردني إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فلَان كاتبته؟ قَالَ: فقطب وَقَالَ: نعم، وَلَوْلَا أَنه فِي كتاب الله مَا فعلت، أكاتبه عَلَى مائَة ألف أَن يعدها لي فِي عدتين، وَالله لَا أغضه مِنْهَا درهما قَالَ فَغَضب الزبير فَقَالَ: بِاللَّه لَأُمَثِّلَن بَين يَديك، فَإِنَّمَا أطلب إِلَيْك حَاجَة تحول دونهَا يَمِين. قَالَ: فَضرب - لَا أَدْرِي قَالَ: كَتِفي أَو عضدي - ثمَّ قَالَ: كَاتبه. قَالَ: فكاتبته فَانْطَلق بِي الزبير إِلَى أَهله فَأَعْطَانِي مائَة ألف، ثمَّ قَالَ: انْطلق فاطلب فِيهَا من فضل الله، فَإِن غلبك أَمر فأد إِلَى عُثْمَان مَاله مِنْهَا. قَالَ: فَانْطَلَقت فطلبت فِيهَا من فضل الله فأديت إِلَى عُثْمَان مَاله وَإِلَى الزبير مَاله وَفضل فِي يَدي ثَمَانُون ألفا» .
الْأَثر الثَّالِث
عَن عَلّي ﵁: «الْكِتَابَة عَلَى نجمين» .
وَهَذَا إِن صَحَّ نَص.
الْأَثر الرَّابِع: عَن عَلّي ﵁ أَنه قَالَ: «يحط عَن الْمكَاتب قدر ربع كِتَابَته» .
стр. 6120
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث ابْن جريج، عَن عَطاء بن السَّائِب الثَّقَفِيّ، عَن [أبي] عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، عَن عَلّي ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: (وَآتُوهُمْ من مَال الله الَّذِي آتَاكُم) قَالَ: ربع الْكِتَابَة» قَالَ ابْن جريج: أَخْبرنِي غير وَاحِد عَن عَطاء أَنه كَانَ يحدث بِهَذَا الحَدِيث لَا يذكر النَّبِي ﷺ ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيقين [أُخْرَيَيْنِ] عَن عَلّي مَوْقُوفا وَقَالَ: حَدِيث ابْن جريج خطأ، وَالصَّوَاب مَوْقُوف. وَرَوَاهُ الْحَاكِم ثمَّ الْبَيْهَقِيّ مَوْقُوفا عَلَى عَلّي [و] مَرْفُوعا. قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : الصَّحِيح رِوَايَة الْوَقْف. وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ الْحَاكِم: رِوَايَة الرّفْع صَحِيحَة الْإِسْنَاد. وَقَالَ عبد الْحق بعد أَن رَوَاهُ عَن النَّسَائِيّ مَرْفُوعا: هَذَا يرويهِ ابْن جريج، عَن عَطاء بن السَّائِب، وَيُقَال أَنه لم يسمع مِنْهُ إِلَّا بعد الِاخْتِلَاط، وَالصَّوَاب مَوْقُوف عَلَى عَلّي ﵁.
الْأَثر الْخَامِس: عَن ابْن عمر ﵄ «أَنه كَاتب عبدا لَهُ عَلَى خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، وَحط عَنهُ خمس آلَاف - سُبع خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألفا
стр. 6121
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» هَكَذَا.
الْأَثر السَّادِس: عَن أبي سعيد المَقْبُري قَالَ: «اشترتني امْرَأَة من بني لَيْث بسوق ذِي الْمجَاز بسبعمائة دِرْهَم، ثمَّ قدمت الْمَدِينَة فكاتبتها عَلَى أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم، فأديت إِلَيْهَا عَامَّة ذَلِك. قَالَ: ثمَّ حملت مَا بَقِي إِلَيْهَا فَقلت: هَذَا مَالك فاقبضيه. قَالَت: لَا وَالله حَتَّى آخذه مِنْك شهرا بِشَهْر وَسنة بِسنة. فَخرجت إِلَى عمر بن الْخطاب فَذكرت ذَلِك، فَقَالَ عمر: ادفعه إِلَى بَيت المَال. ثمَّ بعث إِلَيْهَا فَقَالَ: هَذَا مَالك فِي بَيت المَال. وَعتق أَبُو سعيد، فَإِن شِئْت فَخذي شهرا بِشَهْر وَسنة بِسنة. قَالَ: فَأرْسلت فَأَخَذته» .
هَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» بِإِسْنَادِهِ إِلَى سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أَبِيه ... فَذكره بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَمن «السّنَن» للبيهقي نقلته، فَإِن الإِمَام الرَّافِعِيّ أَشَارَ إِلَيْهِ وَلم يذكرهُ بِلَفْظِهِ، فذكرناه بِكَمَالِهِ.
стр. 6122
كتاب أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ
стр. 6123
كتاب أُمَّهَات الْأَوْلَاد
ذكر فِيهِ ﵀ خَمْسَة أَحَادِيث:
أَحدهَا
عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «أَيّمَا امْرَأَة ولدت من سَيِّدهَا فَهِيَ حرَّة عَن دبر مِنْهُ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظ للْحَاكِم إِلَّا أَنه قَالَ «بعد مَوته» بدل «عَلَى دبر مِنْهُ» وَلَفظ ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ «أَيّمَا رجل ولدت أمته مِنْهُ فَهِيَ مُعتقة عَن دبر» وَلَفظ الدَّارَقُطْنِيّ «من ولدت مِنْهُ أمته فَهِيَ حرَّة من بعد مَوته» . وَفِي رِوَايَة لَهُ «أَيّمَا امْرَأَة ولدت من سَيِّدهَا فَإِنَّهَا إِذا مَاتَ حرَّة إِلَّا أَن يعتقها قبل مَوته» وَلَفظ أَحْمد: «من وطئ أمته فَولدت لَهُ فهى مُعتقة عَن دبر» قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
قلت: فِيهِ نظر؛ فَإِن فِي إِسْنَاده الْحُسَيْن بن عبد الله الْهَاشِمِي قد
стр. 6124
ضَعَّفُوهُ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ ابْن عدي: أَحَادِيثه تشبه بَعْضهَا بَعْضًا، يكْتب حَدِيثه، لم أجد فِي حَدِيثه مُنْكرا جَاوز الْمِقْدَار. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: ضعَّفه أَكثر [أَصْحَاب] الحَدِيث. وَضَعفه أَيْضا عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» .
وَقَالَ الْحَاكِم: وَقد تَابعه أَبُو بكر بن أبي سُبْرَة الْقرشِي، عَن حُسَيْن بن عبد الله ثمَّ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لأم إِبْرَاهِيم حِين ولدت: أعْتقهَا وَلَدهَا» قلت: هَذِه مُتَابعَة تزيد الحَدِيث تضعيفًا؛ فَإِن ابْن أبي سُبْرَة أَيْضا ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيره، وَفِي إِسْنَاد رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ السالفة: ضَعِيف ومجهول، أما الضَّعِيف فَهُوَ أَبُو يُونُس عبد الله بن عبد الله بن أبي عَامر الْقرشِي الأصبحي التَّيْمِيّ الْمَدِينِيّ، قَالَ أَحْمد وَيَحْيَى: ضَعِيف الحَدِيث. وَقَالَ يَحْيَى مرّة أُخْرَى: لَيْسَ بِثِقَة كَانَ يسرق الحَدِيث. وَقَالَ مرّة: لَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ مرّة: صَدُوق، وَلَيْسَ بِحجَّة، وَضَعفه عَلّي. وَقَالَ أَحْمد: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: هُوَ صَالح الحَدِيث. وَقَالَ الفلاس: فِيهِ ضعف، وَهُوَ عِنْدهم من أهل الصدْق.
وَأما الْمَجْهُول فَهُوَ عبيد الله بن يَحْيَى الرهاوي. وَقَالَ ابْن الْقطَّان: وَلَا يعرف حَاله. وَفِي رِوَايَة للدارقطني وَالْبَيْهَقِيّ
стр. 6125
من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: «أم الْوَلَد حرَّة. وَإِن كَانَ سقطا» وَهِي ضَعِيفَة ضعفها عبد الْحق وَالْبَيْهَقِيّ قَالَ: وَالصَّحِيح أَنه من قَول عمر ﵁.
الحَدِيث الثَّانِي
عَن ابْن عمر ﵄ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِذا أولد الرجل أمته وَمَات عَنْهَا فَهِيَ حرَّة» .
هَذَا الحَدِيث رُوِيَ مَرْفُوعا وموقوفًا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عمر ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ نهَى عَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَقَالَ: لَا يبعن وَلَا يوهبن وَلَا يورثن، يسْتَمْتع بهَا سَيِّدهَا مَا دَامَ حيًّا، فَإِذا مَاتَ فَهِيَ حرَّة» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَكَذَا رَوَاهُ عبد الله بن دِينَار فغلط فِيهِ حَيْثُ رَفعه إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ وهم لَا يحل ذكره. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : إِن وَقفه هُوَ الصَّحِيح. وَكَذَا قَالَ عبد الْحق: إِن هَذَا يرْوَى من قَول ابْن عمر وَإنَّهُ لَا يَصح مُسْندًا. وَكَذَا قَالَ الْخَطِيب: إِن الْمَحْفُوظ وَقفه عَلَى ابْن عمر أَن عمر قَضَى بذلك. وَكَذَا رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» . وَذكر هَذَا الحَدِيث ابْن الْقطَّان فِي الْأَحَادِيث الَّتِي ضعفها عبد الْحق وَهِي عِنْده حَسَنَة أَو صَحِيحَة وَقَالَ: رُوَاته كلهم ثِقَات. قَالَ: وَعِنْدِي أَن الَّذِي أسْندهُ ثِقَة خير من الَّذِي أوقفهُ.
стр. 6126
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الْإِلْمَام» : الْمَعْرُوف فِيهِ الْوَقْف عَلَى عمر، وَالَّذِي رَفعه ثِقَة، قيل: وَلَا يَصح مُسْندًا.
الحَدِيث الثَّالِث
أنَّه ﷺ قَالَ فِي جَارِيَة: «أعْتقهَا وَلَدهَا» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» من حَدِيث أبي بكر النَّهْشَلِي - وَقد أخرج لَهُ مُسلم وَوَثَّقَهُ جمَاعَة - عَن حُسَيْن بن عبد الله بن عبيد بن عَبَّاس، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «ذكرت أم إِبْرَاهِيم عِنْد رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: أعْتقهَا وَلَدهَا» وَقد سلف قَرِيبا تَضْعِيف حُسَيْن هَذَا.
قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي: رَوَى هَذَا الحَدِيث ابْن مَاجَه عَن أَحْمد بن يُوسُف السّلمِيّ، عَن أبي عَاصِم، عَن أبي بكر النَّهْشَلِي، عَن حُسَيْن بِهِ. قَالَ: وَقيل إِن الصَّوَاب أَبُو بكر بن عبد الله بن أبي سُبْرَة. وَقد سلف قَول الْبَيْهَقِيّ فِيهِ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس من قَوْله. قَالَ: وَرَوَاهُ سعيد بن كُلَيْب وَعبد الله بن سَلمَة بن أسلم، عَن حُسَيْن بن عبد الله كَمَا رَوَاهُ ابْن أبي سُبْرَة. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث ابْن أبي حُسَيْن، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس وَتفرد بِهِ زِيَاد بن أَيُّوب [وَزِيَاد] ثِقَة. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَلِحَدِيث عِكْرِمَة عِلّة عَجِيبَة [بِإِسْنَاد صَحِيح عَنهُ] ثمَّ ذكر عَن [سعيد
стр. 6127
بن] مَسْرُوق عَن عِكْرِمَة، عَن عمر. قَالَ: «أعْتقهَا وَلَدهَا وَإِن كَانَ سقطا» وَعَن خصيف، عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ عمر فَذكر نَحوه ثمَّ قَالَ فَعَاد الحَدِيث عَلَى عمر. ثمَّ جعله الصَّحِيح، وَلقَائِل أَن يَقُول: هما قضيتان مُخْتَلِفَتَانِ لفظا وَمَعْنى، رَوَى عِكْرِمَة إِحْدَاهَا مَرْفُوعَة وَالْأُخْرَى مَوْقُوفَة وَلَا تعلل إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث ابْن لَهِيعَة، عَن عبيد الله بن أبي جَعْفَر «أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لأم إِبْرَاهِيم أعتقك ولدك» قَالَ: هَذَا مُنْقَطع. قلت: وَضَعِيف. وَرَوَاهُ ابْن حزم عَن ابْن عبد الْبر، ثَنَا عبد الْوَارِث بن سعيد، نَا قَاسم بن أصبغ، نَا مُصعب بن مُحَمَّد، ثَنَا عبيد الله بن عمر - هُوَ الرقي - عَن عبد الْكَرِيم الْجَزرِي، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «لما ولدت مَارِيَة أم إِبْرَاهِيم قَالَ رَسُول الله ﷺ : أعْتقهَا وَلَدهَا كَذَا نَقله عبد الْحق فِي «الْأَحْكَام الْكُبْرَى» وَقد أَخطَأ فِيهِ فِي موضِعين نبه عَلَيْهِمَا ابْن الْقطَّان أَحدهمَا فِي قَوْله: «عبد الْوَارِث بن سعيد» وَإِنَّمَا هُوَ ابْن سُفْيَان ثَانِيهمَا: فِي قَول مُصعب بن مُحَمَّد وَفَسرهُ بِأَنَّهُ القرقساني وَقَالَ فِيهِ: هُوَ ضَعِيف كَانَ فِيهِ غَفلَة. وَهَذَا كُله خطأ؛ القرقساني لَيْسَ لَهُ ذكر هُنَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي كتاب قَاسم بن أصبغ هَكَذَا نَا مُحَمَّد، عَن مُصعب [فمحمد] هُوَ ابْن وضاح، وَمصْعَب [هُوَ] ابْن سعيد المصِّيصِي وَهُوَ أَيْضا يضعف، وَهَذَا الحَدِيث من هَذَا الطَّرِيق قَالَ: إِسْنَاده ثِقَات لَا جرم صَححهُ ابْن حزم وَقَالَ فِي كتاب
стр. 6128
البيع: صَحِيح السَّنَد. وَقَالَ هُنَا: هَذَا خبر جيد السَّنَد كل رُوَاته ثِقَات.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وروينا عَن عَائِشَة ﵂ «أَن النَّبِي ﷺ توفّي وَلم يتْرك دِينَارا وَلَا درهما وَلَا عبدا وَلَا أمة» وَفِي ذَلِك دلَالَة [أَنه] لم يتْرك أم إِبْرَاهِيم أمة وَإِنَّمَا أعتقت بِمَوْتِهِ بِمَا تقدم من حُرْمَة الِاسْتِيلَاد.
الحَدِيث الرَّابِع
عَن ابْن عمر ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «أم الْوَلَد لَا تبَاع وتعتق بِمَوْت سَيِّدهَا» .
هَذَا الحَدِيث هُوَ الحَدِيث الثَّانِي، وَقد تقدم بَيَانه، وَفِي «علل» ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة «أَنه ﵇ سُئِلَ عَن أم الْوَلَد فَقَالَ: يسْتَمْتع بهَا حَيَاته، فَإِذا مَاتَ فَهِيَ حرَّة» فَقَالَ: هَذَا حَدِيث بَاطِل لَا أصل لَهُ.
الحَدِيث الْخَامِس
عَن جَابر قَالَ: «كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ لَا نرَى بذلك بَأْسا» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَالشَّافِعِيّ فِي «السّنَن
стр. 6129
المأثورة» وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمَا» من حَدِيث أبي الزبير أَنه سمع جَابر بن عبد الله يَقُول: «كُنَّا نبيع سرارينا أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَالنَّبِيّ ﷺ حَيّ لَا يرَى بذلك بَأْسا» وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: فَلم يُنكر ذَلِك علينا» وَفِي «علل ابْن أبي حَاتِم» : سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ الْحسن بن زِيَاد اللؤْلُؤِي، عَن ابْن جريج، عَن أبي الزبير، عَن جَابر بن عبد الله: «كُنَّا نبيع سرارينا وَأُمَّهَات الْأَوْلَاد عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ وَهُوَ حَيّ بَين أظهرنَا وَلَا يُنكر ذَلِك علينا» فَقَالَ: حَدِيث مُنكر، وَالْحسن بن زِيَاد ضَعِيف الحَدِيث لَيْسَ بِثِقَة وَلَا مَأْمُون. وَعزا عبد الْحق حَدِيث جَابر هَذَا إِلَى الدَّارَقُطْنِيّ وَلم يُوجد فِي «سنَنه» فَتنبه لَهُ. وَأخرج الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد عَلَى [عهد] رَسُول الله ﷺ » قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح.
قلت: فِيهِ نظر؛ فَإِن فِي إِسْنَاده زيد الْعمي، وحاله مَعْلُومَة بالضعف، لَا جرم رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ: زيد الْعَمى لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَلما ذكره الْعقيلِيّ من حَدِيثه قَالَ: الْمَتْن يرْوَى عَن غير زيد الْعمي بِإِسْنَاد جيد. وَأَشَارَ إِلَى حَدِيث جَابر السالف، وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه»
стр. 6130
وَابْن حبَان فِي «صَحِيحه» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» من حَدِيث جَابر قَالَ: «بعنا أُمَّهَات الْأَوْلَاد عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر، فَلَمَّا كَانَ عمر نَهَانَا فَانْتَهَيْنَا» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: لَيْسَ فِي شَيْء من هَذِه الْأَحَادِيث أَنه ﵇ علم بذلك وأقرهم بذلك عَلَيْهِ.
قلت: لَكِن قد جَاءَ فِي حَدِيث جَابر أَنه ﵇ اطلع عَلَى ذَلِك ونهاهم عَنهُ، فروَى أَبُو بكر بن أبي شيبَة، عَن مُعَاوِيَة بن هِشَام، عَن أَيُّوب، عَن يَحْيَى بن أبي كثير، عَن أبي سَلمَة، عَن جَابر قَالَ: «كُنَّا نبيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد عَلَى عهد رَسُول الله ﷺ وَالنَّبِيّ ﷺ بَين أظهرنَا» ثمَّ ذكر أَنه زجر عَن بيعهنَّ وَكَانَ عمر يشْتَد فِي بيعهنَّ. لَكِن [قَالَ] عبد الْحق: أَيُّوب ضَعِيف، إِلَّا أَن أَبَا حَاتِم قَالَ: كتاب أَيُّوب عَن يَحْيَى صَحِيح.
قَالَ الْخطابِيّ: وَيحْتَمل أَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد كَانَ مُبَاحا فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نهَى عَنهُ ﵇ آخر حَيَاته، وَلم يشْتَهر ذَلِك النَّهْي إِلَى زمَان عمر، فَلَمَّا بلغ عمر النَّهْي نَهَاهُم.
وَقَالَ الرَّافِعِيّ: إِن الزبير خَالف فِي ذَلِك، لَكِن يُقَال: إِن الصَّحَابَة اتَّفقُوا عَلَى أَنه لَا يجوز بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد فِي عهد عمر وَعُثْمَان. قَالَ: ومشهور عَن عَلّي أَنه قَالَ: «اجْتمع رَأْيِي ورأي عمر أَن أُمَّهَات الْأَوْلَاد لَا يبعن، ثمَّ رَأَيْت بعد ذَلِك أَن أبيعهن. فَقَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي: إِنَّك مَعَ رَأْي
следующие страницы →