Полный текст (2 638 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
رسول الله ﷺ يقول - وهو خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق - فقال رسول ﷺ للنساء: «استأخرن؛ فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق» الحديث.
ثم قال: في إسناده هذا الحديث شداد بن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه.
لم يزد على هذا في تعليله، ولا بيان فيه وإنما علته أن شدادا وأباه أبا عمرو، لا تعرف لهما حال، ويختلف في الأب المذكور.
فمنهم من يقول فيه: أبو عمر.
ومنهم من يقول: أبو عمرو.
قال ابن عبد البر: كان من العباد.
وهذا ليس بكاف فيما ينبغي من تعرف حاله في الرواية، ولا يعرف روى عنه إلا ابنه، ولا يعرف روى عن شداد إلا أبو اليمان: كثير بن اليمان الرحال، وهو روى عنه هذا الحديث، وهو أيضا غير معروف الحال، وإن كان قد روى عنه الدراوردي، وأبو هاشم عمار.
وفي الإسناد أيضا حمزة بن أبي أسيد، وهو يرويه عن أبيه أبي أسيد، وهو أيضا لا تعرف حاله، وإن كان قد روى عنه محمد بن عمرو، وعبد الرحمن ابن الغسيل
стр. 1192
(١٣٩٥) وذكر من طريق أبي داود حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم طعاما، فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها، فإن البركة تنزل من أعلاها».
ثم قال: هذا أصح من حديث النسائي عن عبد الله بن بسر
(١٣٩٦) وصنعوا لرسول الله ﷺ ثريدة بسمن، فقال: «خذوا باسم الله»، وأشار إلى جوانبها بأصابعه الثلاث.
كذا ذكره، ولم يبين علة حديث عبد الله بن بسر، هذا الذي رجح عليه حديث ابن عباس وصححه، وإن كان حديث ابن عباس من رواية عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عنه، فإنما صححه؛ لأنه من رواية شعبة، عن عطاء.
وشعبة والثوري، سمعا منه قديما قبل اختلاطه.
فأما حديث عبد الله بن بسر، فإنه اختصره.
واللفظ الذي فيه: «ثريدة بسمن» - كما ذكر - هو عند النسائي هكذا: حدثنا عمرو بن عثمان، عن بقية، عن صفوان بن عمرو، قال: أخبرني
стр. 1193
الأزهر بن عبد الله، عن عبد الله بن بسر، قال: قالت أمي لأبي: لو صنعنا لرسول الله ﷺ طعاما فدعوته، قال: ففعلنا، فصنعنا له ثريدة بسمن، ثم جاء رسول الله ﷺ فدخل البيت، فوضعت له أمي قطيفة لنا، وجمعتها له، فقعد عليها رسول الله ﷺ فوضعناها له قال: «خذوا باسم الله، فأشار إلى ذروتها بأصابعه الثلاث» فما فرغ قلنا: ادع الله لنا يا رسول الله، قال: «اللهم ارحمهم فاغفر لهم وبارك لهم في رزقهم».
وإنما ترك أن يصحح هذا الحديث لمكان بقية
(١٣٩٧) فأما أزهر بن عبد الله الحرازي، فقد احتاج به في حديث النعمان بن بشير: «في الامتحان بالضرب».
وصفوان بن عمرو ثقة.
ولهذا الحديث طريق جيدة، سنذكره في باب الأحاديث التي ضعفها، ولها طرق صحيحة أو حسنة، إن شاء الله تعالى
(١٣٩٨) وذكر من طريق أبي أحمد، عن يحيى بن زهدم بن الحارث، عن أبيه، قال: أخبرني أبي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 1194
«لا تكرهوا أربعة، فإنها لأربعة» الحديث.
وسكت عنه، والحارث وابنه زهدم مجهولان، فأما يحيى فلا بأس به.
وإنما كتبناه في هذا الباب؛ لأنه وإن كان سكت عنه، فإنه تبرأ من عهدته بما ذكر من إسناده، فهو كالتضعيف له، فلذلك بينا علته في هذا الباب
(١٣٩٩) وذكر من طريق الترمذي، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكرهوا مرضاكم على الطعام» الحديث.
ثم قال فيه: حسن غريب.
كذا ذكره، ولم يبين علته المانعة من تصحيحه، وهي عندي موجبة لضعفه، وذلك أنه من رواية أبي كريب، عن بكر بن يونس بن بكير، عن موسى بن علي عن أبيه، عقبة.
وبكر هذا، قال فيه أبو حاتم: «منكر الحديث ضعيفه»
(١٤٠٠) وذكر من طريق الترمذي أيضا، عن أسماء بنت عميس، أن
стр. 1195
رسول الله ﷺ سألها: «بم تستمشين»؟ الحديث
стр. 1196
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين ما الذي منعه من الصحة، وما أراه يعني إلا عبد الحميد بن جعفر.
فإن الترمذي يرويه هكذا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني عتبة بن عبد الله عن أسماء بنت عميس، فذكره.
وكل هؤلاء ثقة إلا عبد الحميد، فإنه يختلف فيه، كان الثوري يحمل عليه ويرميه بالقدر، وغيره يوثقه
(١٤٠١) وذكر من طريق عبد الملك بن حبيب، حدثنا أسد بن موسى،
стр. 1197
وعلي بن معبد، عن ابن جريج، عن حبة بن سلم، أن رسول الله ﷺ قال: «الشطرنج ملعونة، ملعون من لعب بها» الحديث.
ثم ذكر ضعفه وكونه مرسلا.
وقال ذلك في مرسلين آخرين، ذكرهما أيضا معه من كتاب ابن حبيب.
والمقصود أن نبين بعض ما ضعف به هذا المرسل مما لم يبينه أبو محمد، وذلك حبة بن سلم هذا، فإنه لا يعرف، وإنما يعرف حبة بن سلمة، أخو أبي وائل: شقيق بن سلمة، وهو حبة - بباء واحدة - وقد قيل: إنه هو الذي يروي هذا المرسل.
وذلك أيضا لا ينفع المرسل المذكور، فإن حاله مجهولة
(١٤٠٢) وذكر من طريق أبي أحمد، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تمنى أحدكم فلينظر ماذا يتمنى؛ فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته»
стр. 1198
وإنما سكت عنه، اتكالا على ما قدم في عمر بن أبي سلمة، فأبرزه هنا، تبرؤا من عهدته
(١٤٠٣) وذكر من طريق الترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من عاد مريضا أو زار أخا له في الله، ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا».
قال فيه: حسن غريب.
وهو عندي إلى الضعف أقرب، إلا أنه ربما سمح فيه، لكونه من فضائل الأعمال، فقال فيه: حسن.
وإسناده هو هذا: حدثنا محمد بن بشار والحسين بن أبي كبشة البصري، قالا: حدثنا يوسف بن يعقوب السدوسي، قال: حدثنا أبو سنان القسملي، عن عثمان بن أبي سودة، عن أبي هريرة.
وعثمان بن أبي سودة شامي، يروي عن أبي هريرة، روى عنه أبو سنان وزيد بن واقد، ولا تعرف حاله، وكانت أمه سودة لعبادة بن الصامت، وأبوه
стр. 1199
أبو سودة، لعبد الله بن عمرو بن العاصي.
فأما أبو سنان القسملي، فهو عيسى بن سنان، ولم تثبت عدالته، بل ضعفه ابن حنبل، وابن معين.
فما مثل هذا الحديث حسن
(١٤٠٤) وذكر من طريقه أيضا، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: «من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة».
قال فيه: حسن.
ولم يبين لم لا يصح وذلك - والله أعلم - لأنه من رواية ابن المبارك، عن أبي بكر النهشلي - وهو ثقة - عن مرزوق أبي بكر التيمي، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء.
ومرزوق هذا، هو والد يحيى بن أبي بكير، وهو كوفي، يروي عنه الثوري، وشريك، وإسرائيل، وليث بن أبي سليم، وعمر بن محمد، وغيرهم، ولكنه مع ذلك لم تثبت عدالته، وهو شبيه بالمجهول الحال، والله أعلم
(١٤٠٥) وذكر من طريق البزار، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي،
стр. 1200
عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول: إنك ظالم؛ فقد تودع منهم».
ثم قال: يقال: إن في إسناده انقطاعا.
كذا قال: ولم يبين ذلك، والذي فيه من ذلك هو أن أبا الزبير لا يعرف هل سمع من عبد الله بن عمرو، أم لا.
والحديث أورده البزار هكذا: أخبرنا محمد بن المثنى، أبو موسى، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله الربعي، قال: حدثنا الحسن بن عمرو، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول: إنك ظالم؛ فقد تودع منهم».
وحدثناه يوسف بن موسى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن الحسن بن عمرو الفقيمي، عن أبي الزبير عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول: إنك ظالم؛ فقد تودع منهم».
قال: وهذا الحديث عن الحسن بن عمرو، عن أبي الزبير، هو الصواب عندي.
ثم ذكر حديثا آخر لأبي الزبير، عن عبد الله بن عمرو.
ثم قال: لا نعلم أسند أبو الزبير عن عبد الله بن عمرو إلا هذين الحديثين
انتهى كلام البزار.
وذكر أبو عيسى الترمذي هذا الحديث في كتاب العلل، من رواية محمد ابن الفضيل، عن الحسن بن عمرو، عن أبي الزبير، عن عبد الله بن عمرو، ثم
стр. 1201
قال: سألت محمدا، قلت له: أبو الزبير سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: قد روى عنه، ولا أعرف له سماعا منه.
وهذا من البخاري على أصله في التماسه بين المتعاصرين السماع لشيء ما وإن قل، بحيث يعلم أنهما التقيا، وحينئذ يحتج بما يروي أحدهما عن الآخر معنعنا، ويشتد الأمر في مثل هذا، لما علم من تدليس أبي الزبير
(١٤٠٦) وذكر من طريق الترمذي عن أبي أمية الشعباني، قال: أتيت أبا ثعلبة فقلت: كيف يصنع بهذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر» الحديث.
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين أمره، وذلك أن أبا أمية - واسمه محمد - شامي، لا تعرف حاله، ولا يعرف روى عنه غير عمرو بن جارية اللخمي.
وعمرو بن جارية أيضا لا تعرف حاله، ولا يعرف روى عنه غير عتبة بن أبي حكيم.
وعتبة مختلف فيه، فابن معين يضعفه، وغيره يقول: لا بأس به
(١٤٠٧) وذكر من طريقه أيضا عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:
стр. 1202
«لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، فإنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل» الحديث.
وقال فيه: حسن.
ولم يبين مانع صحته، وذلك أنه من رواية هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة
(١٤٠٨) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث عثمان بن سعد الكاتب، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: «الصمت حكم، وقليل فاعله».
قال فيه: حديث حسن، ويكتب على لينه.
هذا ما ذكره به، فلم يبين لم لا يصح.
وعندي أنه ضعيف، فإنه عند أبي أحمد هكذا: حدثنا الساجي، حدثنا إبراهيم بن غسان الغلابي، حدثنا أبو عاصم عن عثمان بن سعد، فذكره.
وعثمان هذا يضعف، وكان ابن معين يعجب ممن يروي عنه
(١٤٠٩) وذكر من طريق الترمذي عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها» الحديث
стр. 1203
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك أنه من رواية عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة.
وعبد الله بن ضمرة هو السلولي، روى عنه مجاهد، وعبد الرحمن بن سابط، وعطاء بن قرة، وهو مع ذلك غير معروف الحال.
وكذلك عطاء بن قرة السلولي، هو أيضا قد روى عنه جماعة: منهم عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وعبد الرحمن بن [ثابت بن] ثوبان، وهو قد روى عنه هذا الحديث، ولكنه مع ذلك لا تعرف حاله
(١٤١٠) وذكر من طريقه أيضا، عن عبد الله بن محصن - وكانت له صحبة - قال: قال رسول الله ﷺ : «من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه فكأنه حيزت له الدنيا».
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك أنه من رواية مروان بن معاوية، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي شميلة وهو أيضا لا تعرف حاله
стр. 1204
وإن كان قال فيه ابن معين وأبو حاتم: مشهور، فإنما يعنيان برواية حماد ابن زيد عنه، وكم من مشهور لا تقبل روايته
(١٤١١) وذكر من طريقه أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، عن النبي ﷺ قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، في صور الرجال» الحديث.
وقال فيه: حسن.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك أنه من رواية ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده
(١٤١٢) وذكر من طريقه أيضا عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يا رب، بل أشبع يوما وأجوع [يوما]» [الحديث].
وحسنه.
ولم يبين لم لا يصح، وينبغي أن يقال فيه: ضعيف؛ فإنه من رواية يحيى
стр. 1205
ابن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عنه
(١٤١٣) وذكر من طريقه حديث أنس، عن النبي ﷺ قال: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا» الحديث.
وقال فيه: حسن.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك أنه عنده من رواية يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن سنان، عن أنس.
وسعد بن سنان هذا، الصحيح فيه: سنان بن سعد.
وفي باب سنان ذكره ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي خيثمة: سئل ابن معين عن سعد بن سنان، الذي روى عنه يزيد بن أبي حبيب، فقال: «ثقة».
وقال البخاري: «وهنه أحمد». وقال ابن معين: «سمع عبد الله بن يزيد من سنان بن سعد بعدما اختلط».
ففي هذا أنه اختلط
(١٤١٤) وذكر من طريقه عن عطية السعدي، قال رسول الله ﷺ : «لا
стр. 1206
يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس».
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لأي شيء لا يصح، وذلك لأنه من رواية أبي بكر بن أبي النضر، قال: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو عقيل الثقفي، حدثنا عبد الله بن يزيد، أخبرني ربيعة بن يزيد، وعطية بن قيس، عن عطية السعدي، فذكره.
وعبد الله بن يزيد لا أعرف روى عنه إلا أبو عقيل: عبد الله بن عقيل الثقفي، ومحمد بن سعد، ولا تعرف حاله.
فأما أبو عقيل فثقة
(١٤١٥) وذكر من طريقه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب».
قال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك أنه من رواية زياد بن الحسن بن فرات القزاز، عن أبيه، عن جده، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.
وزياد هذا منكر الحديث، قاله أبو حاتم.
فأما أبوه وجده فثقتان
стр. 1207
(١٤١٦) وذكر من طريقه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الكافر ليسحب لسانه الفرسخ والفرسخين، يتوطؤه الناس».
وقال فيه: حديث [حسن] غريب.
ولم يبين إن كان لا يصح، وهو لا يصح لأنه من رواية الفضل بن يزيد - وهو ثقة - عن أبي المخارق، عن ابن عمر.
وأبو المخارق، هو مغراء، قد قدم فيه التضعيف في حديث:
(١٤١٧) «من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر»
(١٤١٨) وذكر من طريقه عن بريدة، قال رسول الله ﷺ : «أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم».
وقال فيه: حسن.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك لأنه يروى مرسلا.
رواه ضرار بن مرة، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ
стр. 1208
ورواه علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن النبي ﷺ مرسلا.
وليس ينبغي أن يعد ذلك مانعا من صحته
(١٤١٩) وذكر من طريق البزار، عن عبادة بن الصامت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اجر، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة».
ثم قال: هذا من حديث أهل الشام، وإسناده حسن، ذكر ذلك علي بن المديني.
ورواه الترمذي بإسناد آخر. انتهى ما ذكر.
وهو حديث يرويه زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، قال: أخبرني أيوب بن زيد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه، عن جده.
والوليد هذا لا تعرف حاله، فأما ابنه عبادة بن الوليد بن عبادة فثقة، قاله النسائي.
وأما أيوب بن زيد، فهو أيوب بن زيد، [وهو مولى أيوب بن زياد] ولا تعرف أيضا حاله، وقد روى عنه أيضا زيد بن أبي أنيسة، ويزيد بن سنان
стр. 1209
وأما حديث الترمذي فهو هذا: حدثنا يحيى بن موسى حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا عبد الواحد بن سليم، سمع عطاء بن أبي رباح، سمع الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: دعاني أبي، فقال: يا بني، اتق الله، واعلم أنك لا تتقي الله حتى تؤمن بالقدر كله، خيره وشره، فإن مت على غير هذا دخلت النار، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر، ما كان وما هو كائن إلى الأبد».
قال الترمذي: حديث غريب.
وعبد الواحد بن سليم هذا، قال فيه ابن حنبل: «حديثه منكر، أحاديثه موضوعة»
(١٤٢٠) وذكر من طريق الترمذي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أمتي ليس لهم في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية».
قال: هذا حديث غريب.
كذا قال من غير مزيد، وهو حديث لا يصح؛ لأنه عند الترمذي بإسنادين:
أحدهما من رواية القاسم بن حبيب، وعلي بن نزار، عن نزار، عن عكرمة، عن ابن عباس
стр. 1210
وقد رواه أيضا محمد بن بشر عن علي بن نزار، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس.
ونزار هو ابن حيان، مجهول الحال، ولا نعلم روى عنه إلا ابنه علي، والقاسم بن حبيب.
وابنه علي بن نزار قال فيه ابن معين: «ليس حديثه بشيء».
وكذا قال في القاسم بن حبيب التمار. هذا أحد الإسنادين.
والإسناد الآخر هو من رواية محمد بن بشر، عن سلام بن أبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وسلام هذا، هو الخراساني، قال ابن معين أيضا: «ليس حديثه بشيء».
وإن لج لاج في قول ابن معين في أحد من هؤلاء: «أنه ليس بشيء»
فليثبت لنا عدالته، وحينئذ يقبل حديثه
(١٤٢١) وذكر من طريق الترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما قال عبد قط: لا إله إلا الله مخلصا، إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش» الحديث. وحسنه
стр. 1211
ولم يفسر لم لا يصح، وذلك أنه عند الترمذي من رواية الوليد بن القاسم ابن الوليد الهمداني، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.
والوليد بن قاسم هذا، ضعفه ابن معين وهو أيضا ممن لم تثبت عدالته.
وإن كان قد روى عنه جماعة، فحديثه لا يصح لأجل ذلك، وإن لم تعلم جرحته
(١٤٢٢) وذكر من طريقه عن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: «إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم صلاة علي».
وقال فيه: حسن غريب.
وهو حديث يرويه موسى بن يعقوب الزمعي، قال: أخبرني عبد الله بن كيسان، أن عبد الله بن شداد أخبره عن عبد الله بن مسعود.
وعبد الله بن كيسان لا تعرف حاله، ولا يعرف روى عنه إلا موسى بن يعقوب الزمعي
(١٤٢٣) وذكر من طريقه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء»
стр. 1212
ثم قال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وهو من رواية الترمذي، عن عباس بن عبد العظيم العنبري قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن أبي هريرة.
وسعيد بن أبي الحسن أخو الحسن، ثقة مشهور.
ولا موضع في الإسناد للنظر إلا عمران بن داور القطان وهو رجل ما بحديثه بأس، وأبو محمد يصحح أحاديثه، وربما حسنها اتباعا للترمذي.
وأقرب ما مر له في ذلك حديث الترمذي عن أنس، عن النبي ﷺ قال:
(١٤٢٤) «يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع» قيل: يا رسول الله، أو يطيق ذلك؟ قال: «يعطى قوة مائة».
وقال فيه: حسن غريب، لا نعرف من حديث قتادة عن أنس، إلا من رواية عمران القطان.
فحكم الحديثين واحد
(١٤٢٥) وذكر من طريقه عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا
стр. 1213
يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر».
وقال فيه: حسن.
وذلك لأنه حديث يرويه يحيى بن الضريس، عن أبي مودود، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان.
وأبو مودود بصري، اسمه فضة، نزل الري، قال فيه أبو حاتم الرازي: «ضعيف»
(١٤٢٦) وذكر من طريقه عن أنس، قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله، إني أريد سفرا فزودني، قال: «زودك الله التقوى»: قال: زدني. الحديث.
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وينبغي على أصله أن يكون صحيحا، فإنه عند الترمذي هكذا من رواية عبد الله بن أبي زياد، قال: حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا جعفر بن سليمان [عن ثابت] عن أنس، فذكره.
ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا جعفر
стр. 1214
وأبو محمد لم يتوقف في شيء من روايات جعفر، ولا يقول فيها: حسان، بل يسكت عنها، مصححا لها.
وقد نبهنا على جملة من ذلك فيما تقدم.
وليس له أن يعتل على الحديث بسيار بن حاتم، فإنه قد روى عنه جماعة: منهم أحمد بن حنبل، وعبد الله بن أبي زياد، وهارون بن عبد الله، فهو من المساتير، وهو يقبلهم، وإنما ألزمناه ما التزم.
والحق في الحديث بحسب الاصطلاح، أنه حسن كما قال الترمذي
(١٤٢٧) وذكر من طريق الترمذي، عن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول في دعائه: «اللهم ارزقني حبك، وحب من يبلغني حبه عندك» الحديث.
وقال فيه: حسن غريب.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك عندي أنه عند الترمذي هكذا: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن أبي عدي، عن حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن يزيد، فذكره.
وكلهم ثقة، إلا سفيان بن وكيع، فإنه متهم بالكذب.
وأبو جعفر الخطمي، اسمه عمير بن يزيد بن خماشة وهو ثقة
стр. 1215
فينبغي أن يكون هذا الحديث بهذا الطريق ضعيفا
(١٤٢٨) وذكر من طريق الترمذي، عن أبي رزين العقيلي، قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: «كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء، وخلق عرشه على الماء».
وأتبعه أن قال فيه: حسن.
ولم يبين لم لا يصح، وذلك أنه يرويه هكذا: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع ابن حدس، عن عمه أبي رزين.
ووكيع بن حدس هذا لا تعرف له حال، وهو يروي عن عمه ما يروي، ولا يعرف عنه راو إلا يعلى بن عطاء.
واختلف عليه فيه أصحابه، فكان شعبة، وهشيم، وأبو عوانة يقولون فيه عنه: وكيع بن عدس.
وقال حماد بن سلمة عنه: وكيع بن حدس.
وكناه من بينهم أبو عوانة فقال فيه: عن أبي مصعب وكيع بن عدس.
وقد وقع ذكره بهذا في كتابي البخاري، وابن أبي حاتم، ولا بينا
стр. 1216
من حاله أكثر من ذلك، وليس في إسناد الحديث المذكور موضع نظر سواه.
وإلى ذلك فإنه لم يكن ينبغي له أن يحسنه، بل كان يلزمه تصحيحه.
فإنه قد ساق في كتاب التعبير، من طريق الترمذي، عن أبي رزين: لقيط ابن عامر المذكور، عن النبي ﷺ قال:
(١٤٢٩) «رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها، فإذا حدث بها وقعت».
وأتبعه قول الترمذي فيه: حسن صحيح.
وهذا الحديث يرويه الترمذي هكذا: حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن عمه، عن أبي رزين، فذكره.
فإذ هذا عنده صحيح، فينبغي أن يكون الأول صحيحا، وإن كان الأول حسنا فينبغي أن يكون هذا حسنا.
فإن قيل، ولعله إنما قال فيه: حسن، لأنه من رواية حماد بن سلمة، وهذا الذي قال فيه: صحيح، من رواية شعبة.
وفضل ما بين شعبة وحماد في الحفظ بين.
قلنا: قد صحح من حديث حماد بن سلمة ما لا يحصى.
وهو موضع لا نظر فيه عنده، ولا عند أحد من أهل العلم به، فإنه إمام
стр. 1217
وكان عند شعبة من تعظيمه وإجلاله ما هو معلوم في مواضعه، فاعلم ذلك
(١٤٣٠) وذكر أيضا من طريقه عن ابن عمر حديثه الذي فيه: «نحن الفرارون، قال: بل أنتم العكارون وأنا فئتكم».
وأتبعه أن قال فيه: حسن.
ولم يبين لم لا يصح، وإنما ذلك لأنه من رواية يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن عمر.
قال الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، فذكره
стр. 1218
وقد تقدم ذكر يزيد بن أبي زياد.
وسيأتي ذكره وما له فيه في باب الأحاديث التي سكت عنها مصححا لها
(١٤٣١) وذكر من طريق أبي عمر بن عبد البر، من حديث معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : «لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء، من لا حياء له لا دين له».
قال: هذا من حديث الشاميين، وإسناده حسن
(١٤٣٢) قال: وبهذا الإسناد، قال رسول الله ﷺ : «زينوا الإسلام بخصلتين، قلت: وما هما؟ قال: الحياء والسماحة في الله لا في غيره».
ثم قال: ذكرهما في باب مالك، عن صفوان من كتاب التمهيد.
فأقول (وبالله التوفيق): لم يذكرهما أبو عمر حيث ذكر [بل] في باب مالك، عن سلمة بن صفوان.
وإسنادهما عنده هو هذا: حدثنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا أبو بكر: محمد بن الحسين بن صالح السبيعي الحلبي بدمشق، قال: حدثنا أبو محمد: عبد الله بن محمد بن يحيى الأزدي، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، العسقلاني،
стр. 1219
عن معن بن الوليد، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن معاذ.
ومعن بن الوليد ثقة، وسائرهم كذلك، إلا أبا محمد: عبد الله بن محمد، فإني لا أعرفه.
وإنما كتبته لتبحث عنه فلعله معروف، والله [تعالى] الموفق.
[بلغت المقابلة بالأصل المنقول منه هذه النسخة حسب الطاقة والله الموفق].
كمل السفر الأول من كتاب بيان الوهم والإيهام، الواقعين في كتاب الأحكام، بفضل الله وحسن عونه.
يتلوه في أول الثاني إن شاء الله تعالى: باب ذكر أحاديث سكت عنها مصححا لها، وليست بصحيحة [والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى] [وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل]
* * *
стр. 1220
(٧) باب ذكر أحاديث سكت عنها مصححا لها وليست بصحيحة
стр. 1221
اعلم أن مؤاخذته في هذا الباب إنما هي على مصطلحه الذي أقر به في أول كتابه حيث يقول: إن الحديث إذا لم تكن فيه علة، كان سكوته عنه دليلا على صحته، وإنه إنما يعلل الحديث إذا كان فيه أمر، أو نهي، أويتعلق به حكم، وأما ما سوى ذلك فربما كان في بعضها سمح.
قال: وليس منها شيء عن متفق على تركه.
قال: وليس فيها من هذا النوع إلا قليل.
فأقول - وبالله التوفيق -: إن الأحاديث التي سكت عنها:
منها ما ذكرها بأسانيدها، أو بقطع من أسانيدها، وهذا سنفرده بالذكر في باب بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ومنها ما ذكرها مقتصرا من أسانيدها على الصحابي الذي يروي الحديث، فهذا القسم هو الذي يعتمد في هذا الباب بيان ما سكت عنه مما ليس صحيحا إن شاء الله تعالى.
وذلك أن ماسكت عنه من الأحاديث المذكورة هكذا بغير أسانيد ولا قطع منها.
منها ما هو صحيح لا شك في صحته، وهو الأكثر.
ومنها ما ليس بصحيح؛ بل إما حسن، وإما ضعيف، سكت عن جميعها سكوتا واحدا، وهكذا الأمر فيما هو منها؛ مما لا يحكم فيه لفعل مكلف، مما هو من قبيل الترغيب، والإخبار عن ثواب الأعمال، ويزداد في هذا النوع أمر آخر، وهو أنه قد يعتقد في أحاديث أنها لا تعلق لها
стр. 1222
بالأمر والنهي، وهي في نظر غيره ليست كذلك، وقد كان كافيا في الرغبة عن عمله، أن يكون هذا القسم لا يحصل منه في خاطر من يقرؤه في كتابه شيء يعتقد صحته، بل كل ما يراه منه يظن به أنه مما سمح فيه، وربما يكون صحيحا لا شك فيه، أو يظن به أنه صحيح، وهو مما سمح فيه، أو مما اعتقد صحته، مخطئا في ذلك، كما اتفق له في أحاديث الأحكام.
فإنك سترى له في هذا الباب من أحاديث الأحكام أحاديث ليست بصحيحة، قد سكت عنها، وهي إما حسنة، وإما ضعيفة.
وهذا الذي عمل به في هذا النوع، هو مما يجب التوقف عنه، فإن القذف بالأحاديث الضعيفة دون أسانيدها لا يجوز عمله، وإنما تسامح الناس فيما هو حث وتحريض أن يكتبوه بأسانيده ويبينوا علله.
ودون هذا أن يكتب بأسانيده، ثم لا تبين علله، اتكالا على ما أظهر من مواضع علله بذكر أسانيده، أو مواضع النظر منها. ودون هذا أن يكتب دون أسانيده، فهذا يتقدر على وجهين:
أحدهما: أن يكتب أحاديث في الترغيب، يبين في أولها أنه تسامح فيها، لأنه حث وترغيب.
والثاني: أن يكتبها كذلك مختلطة بما هو - من هذا النوع - صحيح لا شك فيه أو حسن، ثم لا يميز بين الأصناف الثلاثة، فهذا أصعبها وأقبحها، وهو عمل أبي محمد، فإنك لا تدري مما في كتابه من هذا النوع، ما هو صحيح، مما هو ضعيف، مما هو حسن
стр. 1223
ونعني بالحسن، ما له من الحديث منزلة بين منزلتي الصحيح والضعيف، ويكون الحديث حسنا هكذا، إما بأن يكون أحد رواته مختلفا فيه؛ وثقه قوم وضعفه آخرون، ولا يكون ما ضعف به جرحا مفسرا، فإنه إن كان مفسرا، قدم على توثيق من وثقه، فصار به الحديث ضعيفا.
وإما بأن يكون أحد رواته؛ إما مستورا وإما مجهول الحال.
ولنبين هذين القسمين، فأما المستور فهو من لم تثبت عدالته لدينا ممن روى عنه اثنان فأكثر، فإن هذا يختلف في قبول روايته من لا يرى رواية الراوي العدل عن الراوي تعديلا له.
فطائفة منهم يقبلون روايته، وهؤلاء هم الذين لا يبتغون على الإسلام مزيدا في حق الشاهد والراوي، بل يقنعون بمجرد الإسلام، مع السلامة عن فسق ظاهر، ويتحققون إسلامه برواية عدلين عنه، إذ لم يعهد أحد ممن يتدين يروي الدين إلا عن مسلم.
وطائفة يردون روايته، وهؤلاء هم الذين يبتغون وراء الإسلام مزيدا، وهو عدالة الشاهد أو الراوي، وهذا كله بناء على أن رواية الراوي عن الراوي ليست تعديلا له، فأما من رآها تعديلا له فإنه يكون بقبول روايته أحرى وأولى، ما لم يثبت جرحه.
والحق في هذا أنه لا تقبل روايته، ولو روى عنه جماعة، ما لم تثبت عدالته، ومن يذكر في كتب الرجال برواية أكثر من واحد عنه، مهملا من الجرح والتعديل، فهو غير معروف الحال عند ذاكره بذلك، وربما وقع التصريح بذلك في بعضهم
стр. 1224
(١٤٣٣) وسيأتي منه في هذا الباب حديث: «من زار قبري وجبت له شفاعتي»
стр. 1225
فإن أبا حاتم قال في رواية موسى بن هلال البصري: إنه مجهول، وذلك بعد أن ذكر رواية جماعة عنه
стр. 1226
(١٤٣٤) وكذلك عبد الله بن أبي سفيان، راوي حديث: «حمى حول المدينة بريدا من كل ناحية». قال أبو حاتم: لا أعرفه، بعد أن ذكر رواية زيد بن الحباب وأبي عامر العقدي عنه
(١٤٣٥) وكذلك زياد بن جارية الذي يروي عن حبيب بن مسلمة حديث «التنفيل»
стр. 1227
قال فيه: مجهول، وهو قد ذكر رواية جماعة عنه.
وكذلك أبو مرحوم: عبد الرحيم بن كردم بن أرطبان، ابن عم ابن عون، ذكره أبو حاتم برواية جماعة عنه، منهم أبو عامر العقدي، وأبو أسامة، ومعلى بن أسد، وإبراهيم بن الحجاج السامي، ثم قال فيه: مجهول.
وكذلك أبو يسار القرشي، ذكر أنه روى عنه الليث، والأوزاعي، وقال - مع ذلك - إنه مجهول.
وعلى هذا نظرت مع أبي محمد الأحاديث التي أذكرها في هذا الباب، فإنه هو قد صحح كثيرا من الحديث بسكوته عنه، وهو من هذا القبيل، وتوقف أيضا عن تصحيح أحاديث منها، عملا بالصواب الذي ينبغي أن يقال به فيهم.
فمما عمل فيه بالصواب من أحاديث هذا الصنف، حديث:
(١٤٣٦) «صلوا في نعالكم خالفوا اليهود»
стр. 1228
وذلك أنه أتبعه أن قال: فيه يعلى بن شداد، لم أرد فيه تعديلا ولا تجريحا
(١٤٣٧) وحديث: «دعوا الحبشة ما دعوكم».
أتبعه أن قال: فيه أبو سكينة: زياد بن مالك، ولم أسمع فيه بتعديل ولا تجريح، وقد روى عنه أبو بكر بن أبي مريم، وجعفر بن برقان
(١٤٣٨) وحديث جابر في الضحايا الذي فيه: «اللهم منك ولك، عن محمد وأمته».
أتبعه أن قال: فيه أبو عياش، روى عنه خالد بن أبي عمران، ويزيد بن أبي حبيب، ولم أسمع فيه بتعديل ولا تجريح.
وأحاديث كثيرة من هذا الصنف، لم يصححها بالسكوت عنها بل إما حسنها هو، أو حسنها اتباعا للترمذي في ذلك، قد كتبنا منها كثيرا في الباب الذي قبل هذا.
وكل هذا الذي عمل به من التوقف عن تصحيح أحاديث هذا الصنف صواب.
فأما ما يقع له مما أثبته في هذا الباب، من سكوته عن الأحاديث - وهي من رواية هذا الصنف - فخطأ
стр. 1229
فهذا قسم المساتير؛ فأما قسم مجهولي الأحوال، فإنهم قوم أنما روى عن كل واحد واحد منهم واحد، لا يعلم روى عنه غيره، فهؤلاء إنما يقبل رواية أحدهم من يرى رواية الراوي العدل عن الراوي تعديلا له، كالعمل بروايته، فأما من لا يرى رواية الراوي عن الراوي تعديلا له، فإنهم لا يقبلون رواية هذا الصنف إلا أن تعلم عدالة أحدهم، فإنه إذا علمت عدالته، لم يضره أن لا يروي عنه إلا واحد، فأما إذا لم تعلم عدالته، وهو لم يرو عنه إلا واحد، فإنه لا يقبل روايته لا من يبتغي على الإسلام مزيدا، ولا من لا يبتغيه.
وقد عمل أبو محمد في هذا بالصواب: من رد روايتهم وقبول رواية من علمت عدالته منهم، وأخطأه ذلك في قوم منهم، صحح أيضا أحاديثهم بالسكوت عنها، تبين ذلك في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: ولعله فيمن سكت عن حديثه من هؤلاء الذين ترى أنت أنه لم يرو عنه إلا واحد، قد رأى هو فيهم ما لم تر، وعلم ما لم تعلم، وكذلك أيضا في أحاديث المساتير الذين قد روى عن كل واحد منهم أكثر من واحد، إلا أن عدالة أحدهم لم تثبت، لعله قد علم في تعديلهم ما لم تعلم.
فالجواب أن أقول: فأعني على تعرف صوابه أو خطئه ببحث يرقى بك عن حضيض تقليده، وإذا فعلت ذلك فقد حصل المقصود، ولعلك إذا فعلت ذلك عرفت صحة قولي، فإن آحاد من اعتراه ذلك فيهم، استوى أهل هذا الشأن في العلم بأحوالهم، وسترى ذلك فيما نذكره منه إن شاء الله تعالى.
وينبغي الآن أن نعرض عليك مثلا يتبين بها من مذهبه ما أخبرتك به من قبول أحاديث من ثبتت عدالته من هذا الصنف، ورد أحاديث من لم تثبت عدالته منهم
стр. 1230
فأما ما اعتراه في ذلك من الخطأ بتصحيح أحاديثهم، فيأتي في نفس الباب.
فمما قبل من أحاديث من ثبتت عدالته منهم حديث:
(١٤٣٩) «الأمر بدفن القتلى في مصارعهم».
قال بإثره: فيه نبيح العنزي، وهو ثقة لم يرو عنه غير الأسود بن قيس، وصحح حديثين من روايته في ذلك، وفي الصحابة جماعة قبل أحاديثهم، وإن لم يرو عن أحدهم إلا واحد، كقيس بن أبي غرزة وغيره.
وأما ما رد من أحاديث من لم تثبت عدالته منهم، فكثير أيضا، نذكر منه ما تيسر عفوا
(١٤٤٠) كحديث: «الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة، وأن الأرض لا
следующие страницы →