Полный текст (2 638 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
سلمة بن الأكوع، قلت: يا رسول الله، إني رجل أصيد، أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: «نعم، وازرره ولو بشوكة»
ثم أتبعه قول البخاري: في إسناد هذا الحديث نظر ثم ساق من عند الدارقطني، عن سلمة أيضاً حديث: «اطرح القرن وصل في القوس».
ثم قال: هذا يرويه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو عندهم منكرالحديث.
فأقول: إنه أخطأ في قوله، في حديث الدراوردي: «عن موسى» هو ابن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي فإنه ليس بموسى بن إبراهيم بل هو موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المذكور في حديث الدارقطني، الذي قال فيه: إنه منكر الحديث، ولم يقع في الإسناد أكثر من موسى بن إبراهيم، ففسره هو بأنه ابن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة، فأخطأ في ذلك، ولكنه خطأ له فيه عذر، فإن موسى بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة، وروى عنه عطاف بن خالد، وعبد الرحمن ابن أبي الموالي، والدراوردي، قاله أبو حاتم.
فهو عند المطالعة على الحديث المذكور، وجد موسى بن إبراهيم الذي
стр. 2347
يروي عن سلمة، روى عنه الدراوردي، فلم يشك أنه الذي يطلب، ورأى مع ذلك اعتناء أبي حاتم بالتفريق بينه وبين الآخر بقوله في بابه: «موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي خلاف هذا، ذاك شيخ ضعيف» يعني خلاف موسى بن إبراهيم المخزومي، الذي يروي عن سلمة، فإن هذا إنما يروي عن أبيه محمد بن إبراهيم، وإن كان هذا أيضاً قد روى عنه الدراوردي، وعطاف بن خالد، وابن أبي ذئب، وموسى بن عبيدة، ومحمد بن طلحة، وعقبة بن خالد، وعبد الله بن نافع الصائغ.
فتأكد سبب الغلط من حيث لم [ .... ] ع.
وبيان أنه في هذا غالط، هو أن الحديث ذكره الطحاوي هكذا: حدثنا ابن أبي داود، حدثنا ابن أبي قتيلة، أخبرنا الدراوردي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سلمة قال: قلت: يا رسول الله، فذكر الحديث.
فهذا الدراوردي قد بين أن الذي حدثه به، هو موسى بن محمد بن إبراهيم، وزاد أنه إنما رواه عن أبيه، عن سلمة، فحديث أبي داود على هذا منقطع.
فإن قلت: ولعل الدراوردي عنده فيه عن الرجلين: عن المخزومي عن سلمة، وعن التيمي عن أبيه عن سلمة، قلنا: هذا يحتمل، ولكن لا يصار إليه بمجرد الاحتمال، ولا يجزم إلا بأن الذي حدثه به هو التيمي، وأنه بينه وبين سلمة فيه واحد وهو أبوه، وقد ذكر أبو بكر البرقاني موسى بن إبراهيم هذا، فذكر عن أبي داود أنه قال: هو موسى بن محمد بن إبراهيم، كما قلنا سواء،
стр. 2348
وذكر عن ابن حنبل أنه كره الرواية عنه.
وهذا الذي تقدم كله هو النظر الذي قاله البخاري: إنه في إسناد هذا الحديث. والله أعلم
(٢٧٧١) وذكر من طريق النسائي عن العباس زاد في بعض النسخ ابن عبد المطلب قال: «رأيت رسول الله ﷺ طاف بالبيت سبعاً، ثم صلى ركعتين بحذائه في حاشية المقام، ليس بينه وبين الطواف أحد».
ثم أتبعه أن قال: هذا منقطع.
هذا نص ما ذكر، وهو خطأ لا شك فيه، وليس هذا الحديث من رواية العباس بن عبد المطلب، وقد رأيته كتبه في كتابه الكبير بخطه في أبواب الستر من كتاب الصلاة هكذا:
روى النسائي، عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن عبد الملك ابن عبد العزيز بن جريج، عن كثير بن كثير، عن أبيه، عن جده قال: «رأيت
стр. 2349
رسول الله ﷺ طاف بالبيت سبعاً، ثم صلى ركعتين بحذائه في حاشية المقام، ليس بينه وبين الطواف أحد».
ثم أتبعه أن قال: كثير بن كثير، لم يسمع هذا الحديث من أبيه، حدثه عنه بعض أهله. ذكر ذلك [أبو داود، ونقله عنه في كتابه] الكبير، وكتبه بخطه، وذلك يحقق غلطه في ظنه أن الصحابي الراوي له هو العباس بن عبد المطلب.
وكأنه والله أعلم علم أن للعباس بن عبد المطلب ابنا اسمه كثير، فظنه [هو] وما علم أن [كثير بن] العباس بن عبد المطلب لا يعرف له حديث عن أبيه، إلا حديث يوم حنين، ورميه ﵇ الحصى في وجوه الكفار وقوله فيه: «الآن حمي الوطيس».
لا يعرف له عنه إلا هذا الحديث الواحد، وممن قال ذلك البزار وغيره، وكذلك فليس لكثير بن العباس بن عبد المطلب هذا ابن اسمه كثير يروي عنه، ولا أعلم أحداً ذكر ذلك، وقد بحثت عنه.
وإذ قد فرغنا من تقدير غلطه، فقد يجب أن أبين من الصحابي المذكور؟ فأقول: ذكر النسائي هذا الحديث في كتاب الصلاة، بالنص الذي ذكره به أبو محمد، وبالإسناد المذكور، عن إسحاق بن إبراهيم، فلم يتخالج أحداً يعلم شيئاً من هذا الشأن شك في أنه كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي، عن أبيه، عن جده المطلب، وهو ثقة معروف بالرواية عن أبيه وعن غيره.
وإن أردت استظهاراً لذلك فانظر في كتاب الحج من كتاب النسائي في
стр. 2350
باب: أين تصلي ركعتا الطواف؟ تجد فيه: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى، عن ابن جريح، عن كثير بن كثير، عن المطلب بن أبي وداعة قال: «رأيت رسول الله ﷺ حين فرغ من سبعة، جاء حاشية المطاف، فصلى ركعتين ليس بينه وبين الطواف أحد».
وفي كتاب الحج عند أبي داود في ترجمة نصها: باب في مكة: حدثنا ابن حنبل، حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثني كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، قال: حدثني بعض أهلي بحديث عن جدي، أنه رأى النبي [ ﷺ مما يلي] باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه وليس بينهما [سترة، قال سفيان: وليس بينه وبين] الكعبة سترة.
قال سفيان: كان ابن جريح أخبرنا عنه، قال: حدثنا كثير عن أبيه، فسألته، فقال: «فليس من أبي سمعته، ولكن من بعض أهلي عن جدي» انتهى ما ذكر أبو داود.
وفيه بيان الانقطاع الذي أشار إليه في كتابه الكبير من عند أبي داود، وتبين منه أن رواية ابن جريح منقطعة، فإنه ذكر أن سفيان راجع كثيراً وسأله ممن سمعه، فأخبر أنه لم يسمعه من أبيه، وإنما حدثه به بعض أهله.
وثبت بالجميع مقصودنا، وهو بيان الغلط في ذكر العباس فقط، أو بزيادة «عن عبد الملطب» في هذا الحديث، وأنه لا مدخل له هنا.
وقد ذكر الدارقطني في علله هذا الحديث واختلاف الناس فيه، وذكر خلافاً عن ابن جريج، وصوب رواية ابن عيينة، ومراجعته كثيراً، وسؤاله هل سمعه من أبيه أم لا، والله الموفق
стр. 2351
(٢٧٧٢) وذكر حديث المقعد الذي قال فيه النبي ﷺ لما مر بين يديه: «قطع صلاتنا قطع الله أثره».
وقد بينا أمره في موضعين: في باب النقص من الأسانيد، وفي باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها
(٢٧٧٣) وذكر من طريق أبي داود قال: حدثنا عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي من ولد وابصة حدثنا أبي، عن شيبان، فذكر حديث: «اتخاذ النبي ﷺ عموداً في مصلاه يعتمد عليه لما أسن».
ثم قال عقبه: عبد الرحمن الوابصي وهو ابن صخر كان قاضي حلب والرقة، لا أعلم روى عنه إلا ابنه عبد السلام.
هكذا ذكره، ولا أبعد أن يكون كما ذكر، لكنه ليس بمعروف، والمعروف إنما هو ابنه: عبد السلام، هو كان قاضي حلب، وحران، والرقة، وأخاف أن يكون جرى عليه الغلط مما ذكره به ابن أبي حاتم، وإن كان ما ذكر صواباً [، إلا لم يوضحه، ولم يفسره] كما يجب
стр. 2352
قال ابن أبي حاتم: عبد السلام [بن عبد الرحمن بن صخر بن عبد الرحمن] بن وابصة الأسدي، قاضي الرقة، وحران، وحلب، روى عن أبيه، عن جعفر بن برقان، سمع منه أبي بالرقة سنة أربع وأربعين وروى عنه.
هذا جملة ما ذكره به، وهو صواب، وقوله فيه: «قاضي الرقة، وحران، وحلب» هو نعت لعبد السلام المبتدأ بذكره، المعتمد بيان أمره، ولا يصح أن نجعله نعتاً لعبد الرحمن، إلا لو قال هكذا: «عبد السلام بن عبد الرحمن، قاضي الرقة وحران وحلب، ابن صخر بن عبد الرحمن بن وابصة». فإذ لم يفعل، بل ذكر النسب، فلما فرغ أعاد النعت، كان ذلك للمذكور أولاً.
وليس من ها هنا غلط، فإنه والله أعلم - لم يحتج حين كتب هذا الحديث أن ينظر في أمر عبد السلام شيخ أبي داود في الإسناد المذكور، ولذلك لم يبن من أمره شيئاً، ولأنه قد عهد منه تسامح في أشياخ أبي داود، اعتماداً على ما علم من تحفظه، وتحريه في أشياخه الذين أخذ عنهم، وإنما احتاج أن ينظر في أمر الأب: عبد الرحمن والد عبد السلام، فوجد في باب عبد الرحمن عند ابن أبي حاتم وهو ملجؤه ما هذا نصه: «عبد الرحمن بن صخر بن عبد الرحمن بن وابصة بن معبد، والد عبد السلام، قاضي الرقة، وحران وحلب، روى عن شيبان بن عبد الرحمن، وجعفر بن برقان، وطلحة بن زيد، وأبي مريم الأنصاري، وقيس بن الربيع، روى عنه ابنه عبد السلام
стр. 2353
الوابصي».
هذا نهاية ما ذكره به، وهو مغلط لمن لم يقف على باب عبد السلام وما ذكر فيه، إذ يحتمل أن يكون قوله: «قاضي الرقة وحران وحلب» مرفوعاً، فيكون نعتاً لعبد الرحمن كما فهم هو، أو مخفوضاً فيكون نعتاً لعبد السلام كما هو الحق، وإذا كان هذا محتملاً، رجع إلى المبين في باب عبد السلام [وهو لفظة: حران] فإنه ذكرها، أو سقط له ذكرها، ولا يعلم لعبد الرحمن المذكور [راو آخر يروي] عنه إلا ابنه عبد السلام، القاضي الوابصي فاعلم ذلك
(٢٧٧٤) وذكر من طريق أبي أحمد، عن بقية بن الوليد، قال: حدثني مالك بن أنس، عن عبد الكريم الهمداني، عن أبي حمزة قال: سئل النبي ﷺ عن رجل نسي الأذان والإقامة، وقال: «إن الله تجاوز عن أمتي السهو في الصلاة».
ثم أتبعه ما أتبعه، ثم قال: حديث بقية عن مالك، رواه عنه هشام بن خالد.
كذا قال، وهو خطأ لا شك فيه، وإنما رواه عن بقية هشام بن عبد الملك، أبو تقي الحمصي، وهو شيخ متقن، يروي عن بقية وجماعة من الشاميين
стр. 2354
سواه وروى عنه الأئمة: كأبي داود، والرازيين، وغيرهم.
والأمر في ذلك في نفس الإسناد، في الموضع الذي نقله منه، ولا أدري كيف جرى فيه عليه الغلط، إلا أن يكون قد علقه من عند أبي أحمد في جملة ما اقتنى، واختصره اتكالاً على ما علم من شهرته وثقته، فلم يذكر أباه، فلما أراد كتب هذا الحديث كتبه مما عنده، كما قد وجدته يفعل ذلك كثيراً، يكتب الأحاديث مما اقتنى وكتب بخطه، ولا يراجع الأصول.
وقد يكون فيما كتب أوهام، وأراد أن يفسر من أمر هشام ما يتمم به الفائدة للقارئ، فظنه هشام بن خالد، وذلك أن هشام بن خالد، أبا مروان، الأزرق، الدمشقي، اشهر من أصحاب بقية بن الوليد.
ويحتمل على بعد أن يكون قد رأى الحديث أيضاً من رواية هشام بن خالد عن بقية، فأراد أن يعرف بذلك، وهذا إنما كان يستقيم له بعد أن يعرف بأن راويه عن بقية في الموضع الذي نقله منه، هو هشام بن عبد الملك، ثم يتبعه أن يقول: ورواه أيضاً هشام بن خالد عن بقية، فأما أن يذكره من عند أبي أحمد، ثم يتبعه أنه رواه هشام بن خالد، عن بقية، فعمل غير صحيح، لما فيه من إبهام الخطأ، من أنه عند أبي أحمد كذلك. فاعلم ذلك والله الموفق
(٢٧٧٥) وذكر [من طريق مسلم عن] صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي ﷺ [صلاة الخوف يوم] ذات الرقاع، وهو سهل بن أبي
стр. 2355
حثمة أن طائفة صفت. الحديث.
كذا قال: إنه سهل بن أبي حثمة، وذلك مما يجب التوقف عنه، وهي زيادة منه.
وبيان هذا، هو أن صالح بن خوات روى عنه هذا الحديث: القاسم بن محمد، ويزيد بن رومان.
فأما القاسم فقال فيه: عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه في الخوف، فذكر القصة.
فما في هذا السياق أنه شاهد القصة أعني سهل بن أبي حثمة ويوجد في رواية القاسم هذه من رواية شعبة وغيره ما لفظه هكذا: عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ صلى بهم صلاة الخوف.
فمثل هذا يوهم أنه شاهد. وإذا حقق النظر وجب تأويله حتى يكون معناه: «صلى بهم» يعني بمن عداه.
فأما رواية يزيد بن رومان، ففيها عن صالح، عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع.
ولم يسم يزيد بن رومان عن صالح هذا المشاهد للقصة من هو، فظنه أبو محمد: سهل بن أبي حثمة المذكور في رواية القاسم، عن صالح، وتأكد ذلك باتحاد الصفة إلا في السلام.
وهذا ممن ظنه خطأ ولم تدع إليه ضرورة، فإنه ليس بمحال أن يكون صالح ابن خوات قد روى القصة عن رجلين: أحدهما شاهد للقصة فلم يسمه، والآخر لم يشاهد، وهو سهل بن أبي حثمة
стр. 2356
والحامل على هذا الذي قلناه، هو أن ذات الرقاع كانت بعد نبي النضير في صدر السنة الرابعة من الهجرة، وسهل بن أبي حثمة توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان سنين في قول كل من رأيته تعرض لذكر سنه، وأقربهم متناولاً الطبري، والواقدي، والكلاباذي، واللالكائي، وابن السكن، وأبو عمر بن عبد [البر وليس فيه أي خلاف إلا] لأبي حاتم الرازي، وهو ما حكاه ابنه [عنه من أن له صحبة، وبايع] تحت الشجرة، وشهد المشاهد كلها إلا بدراً، وكان دليل النبي ﷺ ليلة أحد.
قال ابن أبي حاتم: سمعت رجلاً من ولده سأله أبي عن ذلك، فأخبره بما ذكرت
وأبو عمر قد اختار الأول، فإن هذا عندهم شيء لا يصح، والغلط فيه من هذا الرجل الذي لا يدري من هو، وإنما الذي بعثه رسول الله ﷺ خارصاً، وأبو بكر وعمر بعده وكان دليل النبي ﷺ إلى أحد، وشهد معه المشاهد بعدها أبو حثمة: عبد الله بن ساعدة، والد سهل بن أبي حثمة المذكور، وهكذا ذكره الطبري وغيره، وتوفي في أول خلافة معاوية.
وبهذا كله ذكره أيضاً أبو عمر في الصحابة في باب الكنى، وذكر
стр. 2357
بعضه ابن أبي حاتم في باب عامر.
فعلىة هذا يكون سهل في زمان ذات الرقاع ابن سنتين ونحوهما، وقد روى عن النبي ﷺ مشتركاً مع غيره قصة حويصة ومحيصة في قتل عبد الله بن سهل، وفي ذلك الحديث قال سهل: «لقد ركضتني منها ناقة حمراء» هذا في كتاب مسلم، وهو في الموطأ.
وقال أبو القاسم البغوي بعد أن ذكر أنه كان صغيراً حدثني سليمان بن الأشعث، قال: حدثني أحمد بن صالح، قال: حدثنا عنبسة، قال: حدثنا يونس، عن ابن شهاب، قال: وزعم عبد الله بن عروة عن أبي هريرة، قال: سهل بن أبي حثمة يقول: ركضني من معقله صاحبنا ذلك، وأنا غلام دنوت منه حتى ركضني.
وقد علم أن خيبر كانت أول سنة سبع، فإن كان قتله قبل فتح خيبر إذ كانت صلحاً، كما في رواية سليمان بن بلال، وبشر بن المفضل، وأبي وأويس، عن يحيى بن سعيد فذلك أبعد لضبطه ذلك
(٢٧٧٦) وأما ما روي عنه من قوله: أمرنا رسول الله ﷺ فقال: «إذا
стр. 2358
خرصتم فخذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع».
فإني لا أبعد أن يكون [ذلك مما تلقاه من أبيه] ولعله سمع ذلك آخر حياة النبي ﷺ يقوله لأبيه فإنه كان خارص النبي ﷺ أو لغيره.
فإن قيل: فالحديث الذي ذكر الدارقطني: حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، قال: حدثني عبد الجبار بن سعيد، قال: حدثني محمد بن صدقة، قال: حدثني محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، عن جده سهل بن أبي حثمة، أن رسول الله ﷺ ، بعثه خارصاً، فجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أبا حثمة قد زاد علي في الخرص، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: إن ابن عمك يزعم أنك زدت عليه في الخرص، فقلت: يا رسول الله، لقد تركت له قدر خرفة أهله وما يطعم المساكين، فقال رسول الله ﷺ : «قد زادك ابن عمك وأنصف».
قلنا: هذا لا يصح، فإن محمد بن يحيى، ومحمد بن صدقة الفدكي، وعبد الجبار بن سعيد المساحقي، لا تعرف أحوالهم، وكلهم مدني.
وأما عبد الله بن شبيب، فهو الربعي الأخباري، شيخ المحاملي، ابن صاعد، وابن أبي الدنيا ونحوهم، وهو ذاهب الحديث متروكه، ومنهم من يتهمه بالوضع.
وأيضاً فإن في لفظ هذا الخبر ما يدل على الخلل الواقع فيه لو صح، وذلك
стр. 2359
قوله: «إن أبا حثمة زاد علي في الخرص» فهذا يدل على أن صواب الخبر، إنما هو عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ بعث أباه خارصاً، وأن قوله: «بعثه خارصاً» خطأ، يؤكد ذلك ويبينه أن سهل بن أبي حثمة إنما يكنى أبا يحيى، كذلك كناه كل من ذكر كنيته، والخارص في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، إنما هو أبوه أبو حثمة كما ذكرناه [وعليه فلا ينبغي أن نفسر الذي في حديث]، صالح بن خوات بمشاهدة صلاة الخوف [مع النبي ﷺ بأنه سهل بن أبي حثمة] وليس ذلك في نفس الحديث، فلا ينبغي زيادته والله الموفق
(٢٧٧٧) وذكر أيضاً حديث: «لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل».
وفسر ابن سيلان راوية عن أبي هريرة، بأنه عبد ربه، والأمر فيه محتمل أن يكون هو، وأن يكون جابر بن سيلان، فإن كل واحد منهما يروي عن أبي هريرة، وروى عنه محمد بن زيد، وقد بينا أمره في باب الأحاديث التي أغفل ذكر عللها
(٢٧٧٨) وذكر في الجنائز من المراسل، عن إبراهيم التيمي، أن النبي ﷺ «أخذ من قبل القبلة ولم يسل سلا».
كذا قال فيه: إبراهيم التيمي
وليس هو كذلك في المراسيل، وزيادته خطأ، وإنما هو إبراهيم بن يزيد
стр. 2360
النخعي، وهذا قد بيناه بأكثر من هذا في باب نسبة الأحاديث إلى غير رواتها
(٢٧٧٩) وذكر البدنتين اللتين أضلتهما عائشة.
واعتقد في سعد بن سعيد راوية أنه سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، وذلك خطأ، وإنما هو سعد بن سعيد، أخو يحيى بن سعيد وعبد ربه ابن سعيد، وقد تقدم بيان هذا في باب الأحاديث التي ضعفها وهي صحيحة
(٢٧٨٠) وذكر من طريق الطحاوي، حدثنا محمد بن خزيمة، حدثنا يوسف بن عدي - هو القراطيسي - حدثنا ابن إدريس - هو عبد الله الأودي - عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شيء».
هكذا أورد هذا الحديث قائلاً في يوسف بن عدي: «القراطيسي» وذلك زيادة تفسير منه، ليس في نفس الإسناد في الموضع الذي نقله منه، وهو كتاب الطحاوي.
وأبو محمد ﵀ خرج من أمره أنه كثير التقليد في أمر الرواة من غير بحث منه، وذلك أنه نقل الحديث نصاً حرفاً بحرف من كتاب ابن حزم،
стр. 2361
وهو أعني ابن حزم قد جرت عادته بتفسير من يقع في الإسناد، محتاجاً إلى التعريف به، فقد يكون منه في ذلك أوهام وجدنا له من ذلك كثيراً ضمناه بابا مفرداً [في كتاب ألفناه في ذلك، وذلك كتفسيره] حماد، بأنه ابن زيد ويكون ابن سلمة، والراوي عنه موسى بن إسماعيل، وتفسير شيبان بأنه ابن فروخ، وإنما هو النحوي، وهي قبيحة جداً، فإن طبقتهما ليست واحدة، وتفسير داود عن الشعبي بأنه الطائي، وإنما هو ابن أبي هند.
وأشباه هذا كثير، قد بيناه، ودللنا على مواضعه من كتابه في الباب المذكور.
وهذا الذي اعتراه في هذا الحديث، هو أيضاً من ذلك القبيل، ومن مضمون ذلك الباب، قلده فيه أبو محمد فأخطأ لخطئه فيه، وبخطأ نفسه في تقليده إياه، والأمر فيه أبين شيء أنه ليس بالقراطيسي، ومن لا يعرف هذه الصناعة، يظن هذا منا خطأ، ومن أبي محمد صواباً، ولو أن من ينكر علينا هذا [يمن] على نفسه بمطالعة كتاب الطحاوي، تبين له في أعداد من الأسانيد بياناً شافياً أنه أعني يوسف بن عدي ليس بالقراطيسي، وأن القراطيسي ليس بيوسف بن عدي، وذلك بتصفح رواته من فوق وأسفل، واعتبار المواضع التي لم ينسبه فيها بالتي نسبه فيها، وأنه أعني القراطيسي إنما هو يوسف بن يزيد.
فأما يوسف بن عدي، هذا الذي يروي عنه ابن خزيمة، فرجل آخر، ومحمد بن خزيمة كثير الرواية عنه، وهو أول رجل وقع اسمه في كتاب
стр. 2362
الطحاوي.
وفي تهذيب الآثار قال فيه: حدثنا محمد بن خزيمة بن راشد وهو عندهم أحد الثقات قال أحمد بن سعيد بن حزم المنتجالي الصدفي، سألت أبا جعفر العقيلي عنه فقال: هو محمد بن خزيمة بن راشد، كان يقص، قلت له: هو محمد بن نصر بن خزيمة؟
فقال: لست أعرف نصراً، إنما هو كما أقول لك: محمد بن خزيمة بن راشد، وهو ثقة. وسألت عنه أبا عبد الله: صالح بن عبد الله، فقال: هو ثقة، بصري، سكن مصر، وأهل مصر أو [ .... ] يحدثون عنه ويوثقونه.
ولنرجع إلى بيان أمر يوسف بن عدي فنقول: [يوسف هذا، هو آخو] زكرياء بن عدي، كوفي نزل مصر، يروي عن مالك بن أنس، وعبيد الله ابن عمرو، وأبي المليح الرقي، وشريك، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وأبي الأحوص، قاله أبو حاتم.
وأكثر ما تقع روايته في كتاب الطحاوي عن أبي الأحوص، وروى عنه الرازيان، وقال أبو زرعة منهما: إنه وهب إلى مصر في تجارة ومات بها، ووثقاه جميعاً
وقال أبو الحسن: أحمد بن عبد الله بن صالح الكوفي فيما روى عنه
стр. 2363
ابنه يوسف بن يزيد: كوفي نزل مصر، صاحب سنة، وكان ثقة، وهو أخو زكريا، وهو أسن من زكرياء بسنة، وزكرياء أقدم موتاً بسنتين، وزكرياء أشبه بأصحاب الحديث.
وقال ابن وضاح: لقيته بمصر، ويكنى أبا يعقوب، وهو عالي الرواية، نعم الشيخ، ثقة الثقات.
وكذا قال فيه أحمد بن صالح: ثقة
وقال مسلمة بن القاسم: يوسف بن عدي البكري، يكنى أبا يعقوب ثقة، كوفي، نزل مصر، روى عنه من أهل بلدنا بقي وابن وضاح.
والمقصود بما نصصناه أن يعلم أنه لم يصفه أحد بأنه القراطيسي، وهو مذكور في أكثر مصنفات الرجال بما ذكرنا الآن بعضه
فأما القراطيسي، فإنه يوسف بن يزيد، أبو يزيد القراطيسي.
قال أبو جعفر بن يونس في كتابه في تاريخ المصريين: هو يوسف بن يزيد ابن كامل بن حكيم القراطيسي، يكنى أبا يزيد، نسبه في موالي بني أمية، توفي يوم السبت، الثالث من ربيع الأول، سنة سبع وثمانين ومائتين، رأى الشافعي.
وقال مسلمة بن القاسم: يوسف بن يزيد بن كامل بن حكيم، أبو يزيد القراطيسي، توفي بمصر يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الأول، سنة سبع وثمانين ومائتين، وصلى عليه ابنه يزيد، وكان مولده سنة سبع وثمانين
стр. 2364
ومائة، أخبرنا عنه غير واحد.
وقال أحمد بن سعيد بن حزم الصدفي، المنتجالي في كتابه: سمعت أحمد بن خالد يقول: يوسف بن يزيد، أبو يزيد القراطيسي، من أوثق الناس، لم أر مثله، و [لا لقيت أحداً إلا وقد لين أو تكلم] فيه، إلا يوسف بن يزيد، ويحيى بن أيوب العلاف، ورفع من شأن يوسف.
فهذا هو القراطيسي المشهور بمصر، فأما يوسف بن عدي، فلا يقول أحد: إنه القراطيسي، وكلاهما ثقة جليل فاعلم ذلك.
ومن هذا الباب ظنه بمحمد بن سعيد الطائفي، أنه المصلوب، والطائفي ثقة، وقد تقدم بيان ذلك في باب الأحاديث التي ضعفها وهي صحيحة
(٢٧٨١) وذكر في قصة رداء صفوان أنه رواه أشعث بن براز عن عكرمة عن ابن عباس.
وهو خطأ لا ريب فيه عند أحد ممن له أدنى معرفة بهذا الباب، فإن أشعث ابن براز لا تعرف له رواية عن عكرمة، وهو بصري، يروي عن البصريين: الحسن، وقتادة، ثابت البناني، وعلي بن زيد.
وإنما راوي الحديث المذكور، أشعث بن سوار، وهو معروف الراوية
стр. 2365
عن عكرمة، ومعروف له رواية راوي هذا الخبر عنه، وهو الفضل بن العلاء الكوفي.
ويكفيك أن البزار قد بين في نفس الإسناد حين ذكره أنه ابن سوار، وقد جرى ذكر هذا مستوعباً في باب الأحاديث التي ضعفها ولم يبين عللها
(٢٧٨٢) وذكر من طريق الدارقطني، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ «من كانت له سريرة صالحة أو سيئة، أظهر الله عليه منها رداء يعرف به».
ثم قال: الصحيح في هذا عن عثمان، عن البني ﷺ انتهى ما أورده.
وقد كتبناه في باب الأحاديث التي أوردها على أنها متصلة وهي منقطعة، وذلك لكونه غير موصل الإسناد عند الدارقطني، ونريد الآن أن نبين منه أن قوله «الحبلي» زيادة منه، وإنما أورده الدارقطني في جملة أحاديث عبد الرحمن السلمي، عن عبد الله، ولم يقل فيه: لا السلمي، ولا الحبلي، ولكن علم بذكره في جملة أحاديث [السلمي - التي وقع السؤال عنها] أنه هو، وإنما قال: وسئل عن حديث أبي [عبد الرحمن السلمي، فالسائل عن حديث عبد الرحمن] بين قبله أنه السلمي
стр. 2366
ولا يصح بالنظر الحديثي أن يكون غيره، وهو أبو عبد الرحمن: عبد الله بن حبيب السلمي، وكان أعمى، مقرئ أهل الكوفة، ثقة، يروي عن عثمان، وعلي، وابن مسعود، ويرسل عن عمر.
فأما الحبلي، فهو عبد الله بن يزيد، يروي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، والمستورد بن شداد، والصنابحي، فأما عن ابن مسعود فلا أعرفه
(٢٧٨٣) وذكر حديث: «إذا قرأتم الحمد، فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم».
فجعل فيه عبد الحميد بن جعفر، هو أبو بكر الحنفي، وذلك من الخطأ الفاحش، وقد بينا ذلك في باب الأسماء المغيرة، وفي باب الكلام الذي يقتضي منه تصحيح أحاديث ليست بصحيحة
(٢٧٨٤) وذكر حديث أسيد بن ظهير في الذي يجد ما سرق منه عندما اشتراه ممن لا يتهم.
فضعفه بتضعيف عكرمة بن خالد المخزومي، بدلاً من عكرمة بن خالد البصري، وقد بينا ذلك في باب الأحاديث التي ضعفها وهي صحيحة.
стр. 2367
(١٨) باب ذكر رجال ضعفهم بما لا يستحقون، وأشياء ذكرها عن غيره، هي محتاجة إلى التعقيب
стр. 2368
لا شك أن هذا الذي نذكر من مضمون هذا الباب، أقل مما يتقاضى، وأقل مما في كتاب أبي محمد منه، ولكنا خفنا إغفال هذا النوع من النظر معه، فنبهنا بهذا النزر على جنسه.
وقد وقع له عكسه في مواضع كثيرة، وذلك أن يسالم رجالا لا تنبغي مسالمتهم، أو يذكرهم بأقل مما يستحقون أن يذكروا به
(٢٧٨٥) كقوله - إثر حديث دخول مكة بغير إحرام -: محمد بن خالد ابن عبد الله الواسطي، ضعيف.
وهذا اللفظ قد يقال لمن هو صدوق، ومن لا يكون به بأس، يستضعف بالقياس إلى من هو فوقه في باب الثقة والأمانة.
ومحمد بن خالد، هو عندهم كذاب.
(٢٧٨٦) وكذلك لما أورد في الجهاد: «انطلقوا باسم الله وبالله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا [طفلا، ولا صغيرا، ولا امرأة] .... » الحديث.
قال: خالد بن الفرز] ليس بقوي
стр. 2369
وهذا اللفظ يطلق على من هو متقرر العدالة، إذا كان غيره أقوى منه.
وخالد هذا ليس يعرف له من العلم إلا حديثان، هذا أحدهما.
(٢٧٨٧) والآخر: «تحريم خلط البسر والتمر».
ذكر ذلك البزار، ولا يعرف روى عنه إلا الحسن بن صالح، وإنما حذا فيه حذو ابن معين حين قال فيه: ليس بذاك.
وذكر في كتاب الطهارة معمر بن محمد بن عبد الله بن أبي رافع، فقال: معمر وأبوه ضعيفان.
كذا قال: وهما عند المحدثين متروكان.
وعمله هذا في هؤلاء، وفيمن لا يحصى من أمثالهم مناقض لما تقدم ذكره من عمله في تضعيف هشام بن سعد، وإكثاره عليه، وفي تضعيف معلى ابن منصور، وأبي غطفان بن طريف، وأشباههم ممن تقدم ذكرنا لهم.
وما لم نذكره من ذلك لعله الأكثر، وذلك يوجب عليك أن لا تقلد في هذا، فإنك بأقل من بحثه تبلغ فيهم المقصود.
ولننبه على ما عثرنا عليه من هذا النوع، ممن لم يتقدم ذكره.
(٢٧٨٨) فمن ذلك أنه ذكر في الجنائز حديث ابن عباس: «لعن الله
стр. 2370
زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج».
ثم قال هذا يرويه أبو صالح، صاحب الكلبي، وهو عندهم ضعيف جدا.
كذا قال، وإنما كان ينبغي أن يقال هذا في محمد بن سعيد المصلوب، أو الواقدي، أو غياث بن إبراهيم، ونحوهم من المتروكين المجمع عليهم.
فأما أبو صالح: باذام مولى أم هانئ
فليس في هذا الحد، ولا في هذا النمط، ولا أقول: إنه ثقة، ولكني أقول: إنه ليس كما يوهمه هذا الكلام، بل قال علي المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: «لم أر أحدا من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ، وما سمعت أحدا من الناس يقول فيه شيئا، ولم يتركه شعبة [ولا زائدة، ولا عبد الله بن عثمان»
وعن] ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: أبو [صالح مولى أم هانئ ليس به بأس، فإذا روى] عنه الكلبي فليس بشيء، وإذا روى عنه غير الكلبي فليس به بأس؛ لأن الكلبي حدث به مرة من رأيه ومرة عن أبي صالح عن ابن عباس، وقد ذكرنا قبل أن ابن معين أخبر عن نفسه بأنه متى قال في رجل: لا بأس به، فهو عنده ثقة
стр. 2371
وضعف الكلبي لا ينبغي أن يعدي أبا صالح، وليس ينبغي أن يمس أبو صالح بكذبة الكلبي عليه، حيث حكى عنه أنه قال له - أعني أن أبا صالح قال للكلبي -: كل ما حدثتك عن ابن عباس كذب، وفي رواية: فلا تحدث به.
فهذا من كذب الكلبي، وهو عندهم كذاب، وإن كان ابن مهدي ترك الرواية عن أبي صالح، فإن غيره قال فيه ما ذكرناه، فاعلم ذلك.
(٢٧٨٩) وذكر حديث أبي هريرة في النهي عن وضع النعلين عن اليمين أو اليسار، والأمر بوضعهما بين الرجلين
стр. 2372
ثم قال: في إسناده صالح بن رستم أبو عامر، وأصح منه ما روى أبو داود، فذكر حديثا آخر.
هذا ما ذكر، فكأن أبا عامر صالح بن رستم، ابن لهيعة، أو جابر الجعفي، والرجل مشهور، يوثقه قوم: منهم أبو داود الطيالسي.
وقال فيه أحمد بن حنبل: صالح الحديث واخرج له مسلم.
وقول ابن معين فيه: «لا شيء» معناه فيه، أنه ليس كغيره، فإنه قد عهد يقول ذلك فيمن يقل حديثه
فاعلم ذلك.
(٢٧٩٠) وذكر من طريق أبي داود، حديث بهز بم حكيم، عن أبيه، عن جده: «فإنا آخذوها وشطر ماله».
ثم قال: بهز بن حكيم، وثقه علي بن المديني، ويحيى بن معين وغيرهما يضعفه
стр. 2373
هذا ما ذكره به، وهو تقصير به، موهم أن الأكثرين على تضعيفه، وإنما اختلف الناس فيما يروي بهز، عن أبيه، عن جده هكذا، وهو الذي جعله الحاكم في أقسام الصحيح المختلف فيه.
أما أن يقال: إن بهزا وثقه ابن معين، وابن المديني، وضعفه غيرهما فخطأ، نعم لو قال: إن ابن أبي حاتم لم يذكر توثيقه إلا عن ابن معين، وابن المديني صدق، ولو زاد: وضعفه غيرهما عند ابن أبي [حاتم لكان صوابا، وابن أبي حاتم لم يذكر] فيه التضعيف، وإنما حكى عن أبيه، فقط أنه شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به
وعن أبي زرعة انه قال فيه: «صالح، ولكنه ليس بمشهور».
وقول أبي حاتم: لا يحتج به؛ لا ينبغي أن يقبل منه إلا بحجة، وبهز ثقة عند من علمه، وقد وثقه غير من ذكر، كالنسائي، وابن الجارود، وصحح الترمذي روايته عن أبيه، عن جده.
وقال أبو أحمد بن عدي، قد روى عنه ثقات الناس، وذكر أن الزهري روى عنه حديثين ذكرهما، وقال: ولم أر أحدا من الثقات تخلف عنه في الرواية، ولم أر له حديثا منكرا، وأرجو أنه إذا حدث عنه ثقة فلا بأس بحديثه.
وقال أبو جعفر البستي: إسناد بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده
стр. 2374
صحيح.
وقال محمد بن الحسين: سألت ابن معين، هل روى شعبة عن بهز؟ قال: نعم، روى عنه حديثا، وهو قوله ﷺ :
(٢٧٩١) «أترعوون من ذكر الفاجر»
стр. 2375
وقد كان شعبة متوقفا عنه، فلما روى هذا الحديث كتبه، وأبرأه مما اتهمه به.
قلت: فكم له عن أبيه عن جده؟ قال: أحاديث، قلت لأبي عبد الله بن حنبل: ما تقول في بهز؟ قال: سألت غندرا عنه فقال: قد كان شعبة مسه ثم تبين معناه، فكتب عنه.
قال أبو محمد بن قتيبة: كان من خيار الناس.
وليس بضار له ما حكاه أحمد بن بشير قال: أتيت البصرة في طلب الحديث، فأتيت بهزا، فوجدته مع قوم يلعبون بالشطرنج؛ فإن استباحتها مسألة فقهية مجتهدة.
(٢٧٩٢) وقد ذكر أبو محمد ﵀ حديث: «إني أسألك بوجه الله» من عند النسائي.
وسكت عنه مصححا له، ولم يبين أنه من رواية بهز، وهذا يزيد عمله هاهنا قبحا، فاعلم ذلك
стр. 2376
(٢٧٩٣) وذكر من طريق أبي داود حديث عمارة بن غزية عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال رسول الله ﷺ : «من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» الحديث.
ثم قال: عمارة بن غزية، وثقه أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، وقال فيه أبو حاتم، ويحيى بن معين: صدوق صالح [وقد ضعفه بعض المتأخرين
انتهى ما] ذكر.
وهو تعسف على عمارة بن غزية؛ فإنه ثقة عندهم، مخرج حديثه في الصحيح، وممن وثقه أيضا الكوفي، وقال النسائي: ليس به بأس.
ولا أعلم أحدا ضعفه إلا ابن حزم، قال فيه في كتاب الإيصال: ضعيف.
ذكره في الزكاة في غير هذا الحديث.
وأراه معني أبي محمد ببعض المتأخرين، وإن هذا لعجب أن يترك فيه أقوال معاصريه أو من هو أقرب إلى عصره، ويحكي فيه عمن لم يشاهده ولا قارب ذلك ما لا تقوم له عليه حجة.
وأظن ان ابن حزم بقي في خاطره - عند كتبه فيه أنه ضعيف - أن العقيلي ذكره في كتاب الضعفاء، والعقيلي لم يزد فيه على ما أصف، وذلك أنه ترجم
стр. 2377
باسمه، ولم يقل فيه شيئا كما عادته أن يقول، غير أنه حكى عن ابن عيينة أنه قال: جالسته كم من مرة فلم أحفظ عنه شيئا.
وهذا لا يضره أصلا، فاعلم ذلك.
هذا الذي ذكرت به من هذا النوع، لم أقصد به استيعاب ما وقع له منه، وإنما ذكرته ممثلا منبها على نوعه، وقد تفرق منه فيما مر كثير، ولعله فيما تركت أكثر، وكذلك ما يتصل بهذا من شرح مواضع لم يشرحها، قد تقدم أيضا من نوعها الكثير، ولعله فيما تركت أكثر.
(٢٧٩٤) فمن ذلك أنه ذكر من طريق الترمذي، عن أبي سعيد المقبري،
стр. 2378
عن أبي رافع، أنه مر بالحسن بن علي وهو يصلي، وقد عقص ضفيرته في قفاه. الحديث.
ثم أتبعه أن قال: قال أبو جعفر الطحاوي: كانت وفاة المقبري سنة خمس وعشرين ومائة، وكانت وفاة علي قبل ذلك بخمس وثمانين سنة، ووفاة أبي رافع قبل ذلك، وعلي كان وصي أبي رافع، فبعيد أن يكون أبو سعيد المقبري شاهد من أبي رافع قصة الحسن، ذكر هذا في كتاب بيان المشكل.
ثم قال أبو محمد عبد الحق: هذا الذي [استبعده الطحاوي ليس ببعيد،] فإن المقبري سمع من عمر بن الخطاب على ما ذكر البخاري في تاريخه.
وقال أبو عمر بن عبد البر: توفي أبو رافع في خلافة عثمان، وقيل: في
стр. 2379
خلافة علي، وهو أصح
انتهى كلامه.
والغرض شرح ما يحتاج إلى شرحه منه، فإنه لما استقرب مستبعد الطحاوي، جعل الحجة في ذلك ما حكاه البخاري، من أن المقبري سمع من عمر.
وكل هذا يحتاج إلى زيادة تفسير، فأقول - وبالله التوفيق - ذلك أنه إن كان ما سلم صحيحا من أن أبا سعيد توفي سنة خمس وعشرين ومائة، وأن بين وفاته ووفاة علي خمسا وثمانين سنة؛ لأن عليا ﵁ مات سنة أربعين، فينبغي أن نضيف إلى ذلك أيامه، وهي أربع سنين وتسعة أشهر، وأيام عثمان ثنتا عشرة سنة، فهذه سبعة عشرة سنة غير ربع، يجيء الجميع مائة سنة وسنتين، فلنقدر أنه سمع من عمر في آخر حياته، لا أقل من أن يكون بسن من يضبط، كثمان سنين أو نحوها، هذه مائة سنة وعشر، فتحتاج سن أبي سعيد ان تكون [هذا القدر،] وذلك شيء لا يعرف له، ولا ذكر به، ولا يصح سماع المقبري من أبي رافع حتى تكون سنه قد بلغت هذا المبلغ.
والأولى أن يقال في ذلك: إن وفاة المقبري لم تكن سنة خمس وعشرين ومائة، وذلك شيء لا أعرف أحدا قاله إلا الطحاوي، وإنما المعروف في وفاته، إما سنة مائة - حكاه الطبري في كتابه ذيل المذيل
وقاله أبو عيسى الترمذي
стр. 2380
وإما في خلافة الوليد بن عبد الملك، كما قال الواقدي وغيره، وكانت وفاة الوليد سنة ست وتسعين.
وإما في خلافة عبد الملك قبل ذلك كله، وهذا قول أبي حاتم الرازي.
فلننزل على أبعد هذه الأقوال، وهو قول من قال: سنة مائة، حتى يكون بين وفاته ووقت حياة أبي رافع، ستون سنة، أو أكثر بقليل، وهذا لا بعد فيه، وهو كاف فيما نريد هاهنا من غير احتياج إلى [تقدير سماعه من عمر.
وما حكاه] البخاري مشكوك فيه، ولم يحكه بإسناد، والذي يقول غيره: إنما هو روى عن عمر، وهذا لا ينكر؛ فإنه قد يرسل عنه.
ويشد ما قلنا من أن أبا سعيد المقبري لا يبعد سماعه للحديث المذكور من أبي رافع، أن أبا داود قال: حدثنا الحسن بن علي، حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: حدثني عمران بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، يحدث عن أبيه، أنه رأى أبا رافع مولى رسول الله ﷺ مر بالحسن بن علي وهو يصلي قائما
الحديث.
ففي هذا أيضا أنه رآه وشاهد فعله، ولو صح هذا كفى، ولكن عمران بن موسى لا أعرف حاله، ولا أعرف روى عنه إلا ابن جريج.
وقد ذكر الدارقطني اختلافهم في هذا الحديث، وقال: إن رواية عمران ابن موسى هذا، أصحها إسنادا، وجعل رواية [مؤمل] بن إسماعيل - عن الثوري، عن مخول بن راشد، عن أبي سعيد، عن أبي رافع، عن أم سلمة
стр. 2381
إن النبي ﷺ : «نهى أن يصلي الرجل وهو معقوص»، وهما؛ لذكره فيه أم سلمة، وغيره لا يذكرها، وقد صح ما أردنا تصحيحه من استقراب مستبعد الطحاوي فاعلمه.
(٢٧٩٥) وذكر من طريق أبي داود في الجمعة، حديث: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء».
ثم رده بأن قال: هذه الزيادة رواها من حديث حسين الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث، عن أوس بن أوس، قال: ويقال: إن عبد الرحمن هذا هو ابن يزيد بن تميم، قاله البخاري وأبو حاتم، وهو منكر الحديث ضعيفه
انتهى كلامه.
وهو صحيح، إلا أنه قد يفهم منه خلاف مراده، فلنبين ما يوهمه ظاهره، ثم نشرح بعد ذلك مراده، فالذي يوهمه ظاهره، هو أن هذا الرجل الذي رواه عنه حسين بن علي الجعفي، الذي [هو عبد الرحمن بن يزيد بن] جابر،
стр. 2382
يقال: إنه عبد الرحمن بن يزيد بن تميم وأنه على كل حال منكر الحديث ضعيفه، سواء قيل فيه: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، أو عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، فيجيء هذا كأنه شهره بأنه ابن يزيد بن تميم، بعد أن وصفه بابن جابر، كأنه ينسب نسبتين: إحداهما أشهر من الأخرى، وقع في الإسناد بأخفاهما، فبينه بأشهرهما، كما نجد في الأسانيد، محمدا الطبري، فنقول: هو محمد بن سعيد المصلوب، وقد تقدم له هو هذا بعينه وكما نجد إبراهيم بن أبي عطاء، فنقول: هو إبراهيم بن أبي يحيى.
ولهذا المعنى وضع أبو محمد: عبد الغني كتابه المسمى بإيضاح المشكل، وليس الأمر في هذا الرجل كذلك، وإنما هناك رجلان: أحدهما: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهذا ثقة، والآخر عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وهذا منكر الحديث وضعيفه، فحسين الجعفي وأبو أسامة يرويان منهما عن عبد الرحمن بن تميم الضعيف، إلا أنهما يغلطان في نسبه، فيقولان فيه: ابن جابر بدلا من ابن تميم، فهما بهذا يخلعان على الضعيف صفة الثقة، فإذا وجد المحدثون رواية أبي أسامة، أو حسين الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، يقولان، هذا خطأ إنما أرادا ابن تميم، والبخاري وأبو حاتم ممن يفعل هذا.
فإذن أبو محمد إنما أخبرنا عن هذا العمل، أي إن هذا الذي قال فيه حسين الجعفي: إنه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، إنما هو ابن تميم، فغلط في ذلك.
قال أبو حاتم الرازي: سألت محمد بن عبد الرحمن ابن أخي حسين
стр. 2383
الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فقال: قدم الكوفة عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، ويزيد بن يزيد بن جابر، ثم قدم عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بعد ذلك بدهر، فالذي يحدث عنه أبو أسامة، وهو ابن تميم، وليس ابن جابر.
قال أبو حاتم: [روى عنه أبو أسامة، وحسين الجعفي] وقالا: هو ابن يزيد ابن جابر، وغلطا في نس [به، ويزيد بن تميم أصح، وهو ضعيف الحديث].
(٢٧٩٦) وذكر من طريق أبي داود، عن زياد بن جبير، عن سعد
стр. 2384
قال: لما بايع رسول الله ﷺ النساء، قالت امرأة جليلة، كأنها من نساء مضر: يا نبي الله، إنا كل على أبنائنا، وآبائنا، وأزواجنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: «الرطب تأكلنه وتهدينه».
ثم اتبعه أن قال: سعد هذا ليس ابن أبي وقاص، والحديث مرسل، قاله ابن المديني
انتهى كلامه.
فأقول - وبالله التوفيق -: إن الذي حمل ابن المديني على هذا، هو أن هشيما رواه عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، أن النبي ﷺ بعث سعدا على الصدقة
الحديث.
قال الدارقطني - لما ذكر الاختلاف على يونس بن عبيد -: يقال: إن سعدا هذا رجل من الأنصار، وليس سعد بن أبي وقاص، وهو أصح إن شاء الله.
انتهى كلامه.
فهذا هو الذي رأى أبو محمد لأجله أن الحديث مرسل، وأن سعدا ليس هو ابن أبي وقاص، والذي يجب أن يقال به فيه هو خلاف هذا، وهو أن سعدا، هو ابن أبي وقاص، وأن الحديث ليس بمرسل - أعني في رواية هشيم عن يونس بن عبيد - وذلك أن عبد السلام بن حرب - وهو حافظ - والثوري - وهو إمام - روياه عن يونس بن عبيد، فقالا فيه: عن زياد بن جبير، عن سعد.
أما رواية عبد السلام بن حرب، فهي هذه التي ساق أبو محمد من طريق أبي داود، فإنه عنده من رواية عبد السلام
стр. 2385
وأما رواية الثوري، فقال البزار في مسند حديث سعد بن أبي وقاص: حدثنا محمد بن يحيى القطعي، قال: حدثنا محمد بن محبب أبو همام، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، عن سعد أن النساء قلن: يا رسول الله، إنا كل على أبنائنا وآبائنا، وأزواجنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: «الرطب تأكلنه وتهدينه».
قال: وهذا الحديث لا نعلمه رواه عن النبي ﷺ إلا سعد بهذا الإسناد.
فإن قلت: فإن محمد بن محبب ضعيف، فالجواب: فعبد السلام ثقة [حافظ ولا يضره كون ابن محبب ضعيفا] ولتعلم أن مذهب البزار في سعد المذكور أنه ابن أبي وقاص، ولعل ما رواه هشيم عن يونس بن عبيد، حديث آخر، فاعلم ذلك والله الموفق.
وذكر أيضا من عند ابن أبي حاتم كلاما في محمد بن حبيب المصري أنه روى عنه أبو إدريس الخولاني، وفيه من الخطأ ما قد بيناه في باب النقص من الأسانيد ولم يعرض له أبو محمد بتعقب فاعلمه
следующие страницы →