← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 5923

بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام

ابن القطان

Полный текст (2 638 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

هذا ما ذكره به ولم يزد عليه، وهو حديث منقطع الإسناد عند النسائي، وذلك أنه عنده من رواية سفيان الثوري، عن الأغر - وهو ابن الصباح - عن خليفة بن حصين، عن قيس بن عاصم. رواه عنده عن سفيان يحيى بن سعيد، ورواه أبو داود عن محمد بن كثير، عن سفيان بهذا الإسناد أيضاً، وقد زيد بينهما واحد - أعني بين خليفة بن حصين، وقيس بن عاصم -. قال أبو علي بن السكن في كتابه في السنن، عن محمد بن يوسف، هو - الفربري - عن البخاري، عن علي بن خشرم، عن وكيع، عن سفيان، عن الأغر، عن خليفة بن حصين، عن أبيه، عن جده قيس بن عاصم أنه قال: «أسلمت فأمرني رسول الله ﷺ أن أغتسل بماء وسدر». ثم قال: هكذا رواه وكيع مجوداً عن أبيه، عن جده. ويحيى بن سعيد وجماعة رووه عن سفيان، لم يذكروا أباه، انتهى كلام أبي علي. فقد تبين بهذا أن رواية يحيى ومحمد بن كثير عن سفيان منقطعة، فإنها كانت معنعنة، فجاء وكيع - وهو في الحفظ من هو - فزاد «عن أبيه» فارتفع الإشكال وتبين الانقطاع. ثم نقول: فإذ لابد في هذا الإسناد من زيادة حصين بن قيس بين خليفة وقيس، فالحديث ضعيف فإنها زيادة عادت بنقص، فإنها ارتفع بها الانقطاع وتحقق ضعف الخبر، فإن حاله مجهولة بل هو في نفسه غير مذكور ولم يجر له ذكر في كتابي البخاري وابن أبي حاتم إلا غير مقصود برسم يخصه

стр. 422

أما البخاري فإنه لما ذكر خليفة بن حصين قال: روى عن أبيه. وأما ابن أبي حاتم فإنه لما ذكر قيس بن عاصم قال: روى عنه ابن ابنه خليفة بن حصين. فأما في باب من اسمه حصين فلم يذكر وابنه خليفة ثقة، وكذلك الأغر بن الصباح فأعلم ذلك. (٤٣٩) وذكر في التيمم ألفاظ حديث عمار. ثم قال: ويروى من حديث عمار أيضاً أن النبي ﷺ «مسح وجهه ويديه إلى نصف الساعد ولم يبلغ المرفقين، ويروى إلى المرفقين». ثم قال: والصحيح المشهور في صفة التيمم من تعليم النبي ﷺ ، إنما هو للوجه والكفين. وهذه الأحاديث التي تزيد على ما في المشهور ذكرها أبو داود والنسائي وغيرهما. انتهى كلامه. ففيه القضاء لأحاديث الوجه والكفين بالصحة والشهرة - وصدق - ولأحاديث نصف الساعد أو المرفقين بنقيض ذلك، إما أنها ليست صحيحة

стр. 423

ولا مشهورة، وإما أنها ليست مشهورة، وإن كانت صحيحة. فإن كان يعني أنها صحيحة ولكن ليست مشهورة، فهي من هذا الباب، فإنها على ما نبين - منقطعة، وذلك أن الحديث الذي فيه نصف الساعد، هو عند أبي داود، من رواية الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن ابن أبزى، عن عمار. والانقطاع فيه، هو فيما بين سلمة بن كهيل وابن أبزى، فإن سلمة لم يسمعه من عبد الرحمن بن أبزى، إنما سمعه من سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي، عن أبيه - في قول جرير - عن الأعمش، أو من أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزى - في قول الثوري - عن سلمة، أو من ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن عبد الرحمن بن أبزى - في قول شعبة، عن سلمة _. والأمر في ذلك عند المحدثين بين أعني أن سلمة لم يسمع هذا من عبد الرحمن بن أبزى. وفي رواية الثوري: عن سلمة، عن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزي في هذا الحديث: ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع، فقال عمر: يا عمار. الحديث. ذكره أبو داود وهو صحيح متصل، مغن عما أورد أبو محمد، فلا أدري لم كتب اللفظ الذي إسناده منقطع وترك هذا!؟ وأما الحديث الآخر الذي فيه إلى المرفقين، فأبين انقطاعاً من هذا، فإن قتادة يقول فيه بلا خلاف عنه: حدثني محدث عن الشعبي. وسنعيد القول فيه في المدرك الرابع إن شاء الله تعالى

стр. 424

(٤٤٠) وذكر من طريق أبي داود، حديثاً بين فيه أنه مرسل بسقوط الصاحب منه، وبقي عليه أن يبين أنه منقطع قبل أن يصل إلى الذي أرسله، وهو ما ذكر عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: خرج رجلان في سفر، وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً الحديث. ثم قال: - يعني أبا داود - ذكر أبي سعيد ليس بمحفوظ في هذا الحديث انتهى كلامه. فقد أعطى فيه أنه مرسل بسقوط أبي سعيد بين عطاء بن يسار والنبي ﷺ وقنع فيه ببعض كلام أبي داود. وأبو داود كما بين أن ذكر أبي سعيد لا يصح فيه، فكذلك بين أنه منقطع قبل أن يصل إلى عطاء. وبيان هذا هو أن أبا داود قال: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، قال: حدثنا عبد الله بن نافع، عن الليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، فذكره. ثم قال أبو داود: غير ابن نافع يرويه عن الليث، عن عميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ ، وذكر أبي سعيد في هذا الحديث وهم ليس بمحفوظ، وهو مرسل

стр. 425

ففي هذا من كلام أبي داود بيان أمرين. أحدهما: أن ذكر أبي سعيد وهم، فهو إذن مرسل من مراسل عطاء. والآخر: أن بين الليث وبين بكر بن سوادة، عميرة بن أبي ناجية، فلم يذكر أبو محمد هذا الانقطاع، الذي بين الليث وبين بكر. فإن قلت: هو قد قنع به مرسلاً، والمرسل متصل إلى عطاء بن يسار، بزيادة عميرة بن أبي ناجية، فلعله الذي أورد، وإياه قصد. فالجوب أن نقول: هو إذن قد ترك أن يبين أنه مرسل، في إسناده رجل مجهول، وذلك أن عميرة بن أبي ناجية مجهول الحال، فإذا لم يبين ذلك فقد أوهم أنه لا عيب له إلا الإرسال. والأظهر أنه لم يرد شيئاً من ذلك، ولا اعتقد فيه إلا أنه إذا سقط منه ذكر أبي سعيد، بقي من رواية الليث، عن بكر، عن عطاء مرسلاً، على نحو ما رواه ابن المبارك، عن الليث، ذكر روايته الدارقطني، قال: حدثنا محمد ابن إسماعيل الفارسي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، عن عبد الله بن المبارك، عن ليث، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، أن رجلين أصابتهما جنابة فتيمما نحوه. وإذا كان هذا هو الذي اعتقد، فلم يعتمد إلا منقطعاً فيما بين ليث وبكر ولكنه لم يبينه ولا أيضاً تبين له على نحو ينفعه، فإن المنقطع الذي اعتمد، إنما وصله أبو داود عن رجل مجهول، وهو عميرة بن أبي ناجية، وأقول بعد هذا: إنه قد جاء من رواية أبي الوليد الطيالسي، قال: نبأني الليث بن

стр. 426

سعد عن عمرو بن الحارث، وعميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ فذكر الحديث. ذكره أبو علي بن السكن، قال: حدثنا أبو بكر بن أحمد الواسطي، قال: حدثنا عباس بن محمد، قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، فذكره. فهذا اتصال ما بين الليث وبكر، بعمرو بن الحارث، وهو ثقة، قرنه بعميرة، ووصله بذكر أبي سعيد. فإن قيل: فكيف بما روى ابن لهيعة في هذا، عن بكر بن سوادة، عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد، عن عطاء بن يسار، أن رجلين، هكذا مرسلاً، أليس هذا يعطي انقطاعاً آخر، فيما بين بكر وعطاء برجل مجهول، وهو أبو عبد الله مولى إسماعيل؟ قلنا: هذا لا يلتفت إليه، لضعف راويه ابن لهيعة. وقد تبين المقصود، وهو أن أبا محمد ذكر الإرسال، ولم يذكر الانقطاع فاعلمه. (٤٤١) وذكر من طريق الترمذي حديث أبي هريرة: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة» الحديث. من رواية أبي صالح عنه، ثم حكى عن الترمذي أنه قال: وفي الباب عن

стр. 427

عائشة. وسمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي هريرة أصح، وسمعت البخاري يقول: حديث أبي صالح عن عائشة أصح. هذا نص ما أورد من غير مزيد، وخفي عليه من أمره أنه منقطع، فإنه عند الترمذي من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ومعنعن الأعمش عرضة لتبين الانقطاع، فإنه مدلس، وأبين ما يكون الانقطاع بزيادة واحد في حديث من عرف بالتدليس، فإنه إذا كان ثقة يختلف في قبول معنعنه ما لم يقل: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، فإنه إذا قال ذلك قبل إجماعاً لثقته، وإذا لم يقل ذلك قبله قوم ما لم يتبين في حديث بعينه أنه لم يسمعه، ورده آخرون ما لم يتبين أنه سمعه. فهذا الحديث من ذاك القبيل فإن أبا داود قد بين فيه الانقطاع فقال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا محمد بن فضيل قال: حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين». حدثنا الحسن بن علي، قال: حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، قال: نبئت عن أبي صالح - ولا أراني إلا قد سمعت منه - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكر مثله. ففيه - كما ترى التصريح بالانقطاع في رواية ابن فضيل بزيادة رجل مجهول، والشك في الاتصال، بظن السماع في رواية ابن نمير

стр. 428

فليس ينبغي - وحاله هذه أن يجزم أنه سمعه منه. وفي كتاب عباس الدوري، عن ابن معين، أنه قال: قال سفيان الثوري: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من أبي صالح: «الإمام ضامن» ولم يصحح ابن المديني في هذا الباب شيئاً، لا من رواية أبي هريرة، ولا من رواية عائشة. وفيه أيضاً حديث جابر، وسيأتي في هذا الباب في المشكوك في اتصاله إن شاء الله تعالى. (٤٤٢) وذكر من طريق مسلم عن علي، قال «نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ القرآن وأنا راكع أو ساجد». وسكت عنه، وينبغي أن يكون منقطعاً، فإن الذين رووه بهذا اللفظ - بزيادة ذكر السجود - هم الزهري، وزيد بن أسلم، الوليد بن كثير، وداود بن قيس، يقول جميعهم: عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي

стр. 429

وهو هكذا ينقص منه واحد، فإن الضحاك بن عثمان، وابن عجلان، روياه فزادا بين عبد الله بن حنين وعلي، عبد الله بن عباس، وبذلك يتصل. وليس لك أن تقول: فلعله اعتمد فيه هذا الطريق، وإنما لم يكن لك ذلك، لأن رواية هذين وجماعة غيرهما، ليس فيها للسجود ذكر. (٤٤٣) وذكر من طريق ابن أبي شيبة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن أرقم بن شرحبيل، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ : «حيث جاء أخذ القراءة من حيث بلغ أبو بكر» قال: وذكره البزار عن العباس. قال البخاري: لم يذكر ابو إسحاق سماعاً من أرقم. وقال أبو عمر بن عبد البر: كان أرقم ثقة جليلاً. وقال عن أبي إسحاق: أرقم من أشرف الناس ومن خيارهم. قال ابن عبد البر: هم ثلاثة إخوة: أرقم، وعمرو وهذيل انتهى ما ذكر. والمقصود بيانه منه، هو انقطاع رواية ابن عباس، فإنه ﵁ كثيراً ما يرسل، ولا يذكر من حدثه، حتى لقالوا: إن مسموعاته سبعة عشر

стр. 430

حديثاً، وقد زيد على ذلك، وقد جمعها الحميدي وغيره. ولكن الصحيح الذي يجب أن يعمل به في أمره، هو أن تحمل أحاديثه - مما لم يذكر فيها السماع - على الاتصال، حتى يتبين في حديث منها أنه أخذه عن واسطة بينه وبين النبي ﷺ ، فيقال حينئذ في ذلك الحديث - حين رواه بغير ذكر الواسطة -: مرسل. وهذا الحديث كذلك، [فإنه] إنما يرويه عن أبيه العباس، عن النبي ﷺ . والرواية التي أشار إليها الآن أبو محمد في كتابه، من رواية العباس عن النبي ﷺ ، إنما هي من رواية ابنه عبد الله بن عباس عنه، وكان حقه أن يقول: «وذكر البزار عن ابن عباس، عن أبيه، عن النبي ﷺ »، ليتبين بذلك انقطاع الأولى، التي ساق من عند ابن أبي شيبة، لكنه لم يفعل، فجاء به، كأنه مسموع لهما من النبي ﷺ . والحديث المذكور إنما هو حديث أرقم بن شرحبيل، فرواه عنه أبو إسحاق، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بغير ذكر العباس. هذه رواية ابن أبي شيبة، عن إسرائيل عنه. ورواه عن أرقم، عبد الله بن أبي السفر، فزاد فيه العباس، رواه عن عبد الله بن أبي السفر - عند البزار - قيس بن الربيع، وعند الدارقطني، يحيى ابن آدم

стр. 431

فرواية ابن عباس مرسلة، تتصل بزيادة أبيه العباس، فاعلم ذلك. (٤٤٤) وذكر من طريق أبي داود، من حديث عيسى بن يونس، عن الأخضر بن عجلان عن أبي بكر الحنفي، عن أنس، عن النبي ﷺ ، في قصة الأنصاري الذي سأله: «فباع عليه الحلس والقدح». كذا قال عن أنس، عن النبي ﷺ . والترمذي قد ذكر في كتاب العلل، من رواية معتمر بن سليمان، عن الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس، عن رجل من الأنصار، أن رسول الله ﷺ فذكر قصة الحلس والقدح. فيظهر من هذا أن أنساً إنما أخذ القصة من غيره. وقد عاد ذكر هذا الحديث في باب الأحاديث التي سكت عنها مصححاً لها (٤٤٥) وذكر إثر حديث: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» أن قال: قال أبو

стр. 432

عيسى: وفي الباب عن جابر، والفراسي انتهى كلام أبي عيسى. حديث الفراسي، لم يروه - فيما أعلم - إلا مسلم بن مخشي، ومسلم ابن مخشي لم يرو عنه - فيما أعلم - إلا بكر بن سوادة. هذا نص ما ذكر، وأظن أنه خفي عليه انقطاع حديث الفراسي، وهو حديث لم يسمعه مسلم بن مخشي عن الفراسي، وإنما يروي مسلم بن مخشي عن ابن الفراسي، عن الفراسي. والحديث المذكور هو هذا: قال أبوعمر بن عبد البر: حدثنا خلف بن القاسم قال: حدثنا أحمد بن الحسين الرازي، قال حدثنا أبو الزنباع: روح بن الفرج القطان، قال: حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشي، أنه حدث أن الفراسي قال: كنت أصيد في البحر الأخضر، على أرمات، وكنت أحمل قربة لي، فيها ماء، فإذا لم أتوضأ من القربة رقق ذلك بي، وبقيت لي، فجئت رسول الله ﷺ ، فقصصت ذلك عليه، فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته». وما أرى أبا محمد وقف عليه إلا عند ابن عبد البر، ولذلك لم يقل فيه كما قال في حديث:

стр. 433

(٤٤٦) «إذا كنت سائلاً فسل الصالحين». حيث قال: ابن الفراسي لم يرو عنه إلا مسلم بن مخشي. وذلك أنه لم ير في حديثه هنا لابن الفراسي ذكراً، ورآه في حديث: «سل الصالحين». ومن هناك يتبين أن مسلم بن مخشي لا يروي عن الفراسي إلا بواسطة ابنه. والحديث المذكور ذكره في الزكاة من طريق النسائي، من رواية مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي أن الفراسي قال لرسول الله ﷺ : أسأل يا رسول الله؟ قال: «لا، وإن كنت لا بد سائلاً فاسأل الصالحين». ثم قال: ابن الفراسي لا أعلم روى عنه إلا مسلم بن مخشي. وقال الترمذي في علله: «سألت محمداً عن حديث ابن الفراسي في ماء البحر، فقال: هو حديث مرسل، لم يدرك ابن الفراسي النبي ﷺ ، والفراسي له صحبة». فهذا (كما ترى) يعطي أن الحديث يروى أيضاً عن ابن الفراسي، عن النبي ﷺ ، لا يذكر فيه الفراسي

стр. 434

فمسلم بن مخشي إنما يروي عن الابن، وروايته عن الأب مرسلة، والله أعلم. (٤٤٧) وذكر من طريق النسائي حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل في الصوم، فليس لله حاجة في ترك طعامه وشرابه». هكذا ذكره على أنه متصل، وفيه عندي نظر لا يعدم عليه مساعد، وذلك أنه حديث يرويه عند النسائي ابن أبي ذئب، عن سعيد بن ابي سعيد عن أبي هريرة. وسعيد سمع أبا هريرة، يروى عنه أحاديث يذكر فيها سماعه منه، ويروي أيضاً الكثير عن أبيه، أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، فإذا جاء معنعنة عن أبي هريرة، حملنا علىأنه مما سمع، ما لم يتبين الانقطاع، فإن جاءنا في حديث قد رواه عن أبي هريرة أنه حدث به عن أبيه، عن أبي هريرة، أورث شكاً في الطريق الذي لم يذكر فيه أباه، وظنناه منقطعاً. وحديث هذا الباب من ذلك، فإنه يرويه ابن وهب، عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، كما ذكرناه بزيادة لفظ «والجهل»

стр. 435

ويرويه غير ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، بزيادة: «عن أبيه» في إسناده، ونقص لفظة: «والجهل» من متنه. فيستبعد أن يكون الحديث عن سعيد بن أبي سعيد مسموعا من أبي هريرة كاملا، فيحدث به عن أبيه، عنه ناقصا. قال البخاري: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». لم يذكر «والجهل». وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكر مثله سواء. وقال الترمذي: حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا عثمان بن عمر، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال، فذكره وقال فيه حسن صحيح. وقال البزار: حدثنا عمرو بن علي، قال حدثنا أبو عامر، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ فذكره

стр. 436

قال: وحدثناه عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو قتيبة، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمثله. فهؤلاء آدم بن أبي إياس وأحمد بن يونس، وعثمان بن عمر، وأبو عامر العقدي، وأبو قتيبة: سالم بن قتيبة، كلهم يذكر في الإسناد: «عن أبيه» ولا يذكر في المتن: «والجهل» وكلهم ثقة. وابن وهب يذكر في المتن لفظة: «والجهل» ويسقط من الإسناد «عن أبيه» فروايته - والله أعلم - منقطعة، فاعلم ذلك. (٤٤٨) وذكر من طريق مالك، عن أبي موسى [الأشعري] أن

стр. 437

رسول الله ﷺ قال: «من لعب بالنرد، فقد عصى الله ورسوله». ثم قال: اختلف في إسناد هذا الحديث. كذا قال، ولم يبين من أمره شيئا، إنما هو - والله أعلم - منقطع - أعني رواية مالك - وذلك أنه يرويه عن موسى بن ميسرة، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى. وهكذا يرويه نافع مولى ابن عمر، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وموسى بن عبد الله بن سويد، كلهم عن سعيد بن أبي هند كذلك. وكذا رواه ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن سعيد بن أبي هند كذلك، وخالفه ابن المبارك، فرواه عن أسامة، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة مولى أم هانئ، عن أبي موسى. فذل ذلك على انقطاع الأول

стр. 438

قال الدارقطني: حدثنا يحيى بن صاعد إملاء، حدثنا الحسن بن عيسى النيسابوري، إملاء، في سنة تسع وثلاثين - وكتبت بخطي - حدثنا عبد الله بن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة مولى عقيل - فيما أعلم - عن أبي موسى، عن النبي ﷺ فذكره. قال الدارقطني: وهو أشبه بالصواب. وأبو محمد عبد الحق حسن الرأي في أسامة بن زيد الليثي، وسترى ذلك في موضعه، فاعلم ذلك (٤٤٩) وذكر من طريق عبد الرزاق، عن يحيى بن العلاء، عن جهضم ابن عبد الله، عن محمد بن زيد - هو العبدي - عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع المغانم حتى تقسم، وعن بيع الصدقات حتى تقبض، وعن بيع الآبق، وعن بيع ما في بطون الأنعام، حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن ضربة الغائص»، ثم قال إسناده لا يحتج به. ولم يبين بما ضعف عنده، وقد بيناه في باب الأحاديث التي ضعفها ولم

стр. 439

يبين عللها. ونبين ها هنا - إن شاء الله - أنه منقطع فيما بين جهضم ومحمد بن زيد، ينقص من بينهما رجل مجهول الحال. قال الدارقطني: حدثنا إسماعيل بن يونس بن ياسين، حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جهضم بن عبد الله، عن محمد ابن إبراهيم، عن محمد بن زيد العبدي، عن شهر، عن أبي سعيد الخدري، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعن شراء الغنائم حتى تقسم، وعن شراء الصدقة حتى تقسم، وعن شراء ضربة الغائص». هكذا رواه حاتم بن إسماعيل - وهو ثقة - عن جهضم، فزاد فيه رجلا - وهو محمد بن إبراهيم - وهو الباهلي بصري -. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هو مجهول. (٤٥٠) وذكر من طريق الدارقطني، عن معاذ بن جبل قال: قال

стр. 440

رسول الله ﷺ : «إذا قال الرجل لمملوكه: أنت حر إن شاء الله، فهو حر، وليس له استثناؤه». ثم قال: في إسناده حميد بن مالك، وهو ضعيف انتهى كلامه. فأقول - وبالله التوفيق -: إنه منقطع، فإن حميد بن مالك يرويه عن مكحول، عن معاذ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا معاذ، ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق، ولا خلق شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق، فإذا قال الرجل لمملوكه: أنت حر إن شاء الله، فهو حر، ولا استثناء له، وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق، إن شاء الله، فله استثناؤه». رواه عنه إسماعيل بن عياش، ومكحول إنما أخذه عن مالك بن يخامر، عن معاذ. كذلك روى عمر بن إبراهيم بن خالد، عن حميد بن مالك اللخمي المذكور، قال: حدثنا مكحول، عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما خلق الله تعالى شيئا أبغض إليه من الطلاق، فمن طلق واستثنى فله استثناؤه». وقد ذكر أبو محمد هذه القطعة في الطلاق هكذا وذكر الدارقطني هذه الرواية كما ذكرناها، فاعلم ذلك

стр. 441

(٤٥١) وذكر حديث: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم». وفيه انقطاع لم يعرض له، قد بيناه في باب الأحاديث التي نسبت إلى غير رواتها. (٤٥٢) وذكر حديث: «إنا لاقو العدو غدا». وفيه انقطاع لم يعرض له أيضا، وقد بيناه في باب الأحاديث المشكوك في رفعها. (٤٥٣) وذكر من طريق مسلم، عن ابن عباس، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير»

стр. 442

كذا ذكره وسكت عنه، ولم يضع فيه نظرا لما كان من عند مسلم، وهو من أفراد مسلم، لم يخرجه البخاري، يرويه ميمون بن مهران عن ابن عباس. ولا يتكرر في الكتاب له شيء عن ابن عباس. ولم يسمعه من ابن عباس، بل بينهما فيه سعيد بن جبير. كذلك ذكره أبو داود في كتابه من رواية علي بن الحكم عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وذكره البزار أيضا عن علي بن الحكم كذلك. قال البزار: ولا نعلم أحدا رواه عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، إلا علي بن الحكم. وقد رواه أبو بشر والحكم عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، ولم يذكرا سعيد بن جبير بينهما انتهى كلام البزار. علي بن الحكم ثقة، أخرج له البخاري ومسلم، وممن وثقه النسائي ﵀. وذكر البخاري في تاريخه عن علي الأرقط، قال أظن بين ميمون وابن عباس سعيد بن جبير - يعني في هذا الحديث - فاعلمه

стр. 443

(٤٥٤) وذكر من طريق الترمذي، عن أم سلمة قالت: «كان أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ القميص». كذا ذكره وسكت عنه، وهو إما منقطع، وإما متصل بمن لا تعرف حاله. وذلك أن الترمذي ذكره من رواية عبد المؤمن بن خالد - وهو الحنفي، قاضي مرو، وهو لا بأس به - عن عبد الله بن بريدة، عن أم سلمة. ثم أورده من رواية زياد بن أيوب، عن أبي تميلة عن عبد المؤمن المذكور، عن عبد الله بن بريدة، عن أمه، عن أم سلمة. فالأول منقطع، والثاني عن أم عبد الله بن بريدة، وحالها غير معروفة. (٤٥٥) وذكر من طريق مسلم، عن بلال، عن النبي ﷺ ، - وسأله عن صدقة المرأة على زوجها، وعلى أيتام في حجرها - فقال: «أجران: أجر

стр. 444

القرابة، وأجر الصدقة» ثم قال هذا مختصر. كذا أورده، واختصره من حديث طويل، نذكره بقصته [لنبين] المقصود إن شاء الله. قال مسلم: حدثنا حسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله، قالت: قال رسول الله ﷺ : «تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن». قالت فرجعت إلى عبد الله، فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة، فائته فاسأله، فإن كان يجزئ ذلك عني، وإلا صرفتها إلى غيركم، قالت: فقال لي عبد الله، بل ائتيه أنت، قالت: فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتها حاجتي، قالت: وكان رسول الله ﷺ قد ألقيت عليه المهابة، قالت: فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ ، فأخبره أن امرأتين بالباب، تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما، ولا تخبره من نحن، قالت: فدخل بلال على رسول الله ﷺ ، فسأله، فقال له رسول الله ﷺ : «من هما»؟ فقال: امرأة من الأنصار، وزينب، فقال رسول الله ﷺ : «أي الزيانب»؟ قال: امرأة عبد الله بن مسعود، فقال له رسول الله ﷺ : «لهما

стр. 445

أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة». فأقول - وبالله التوفيق -: إنه منقطع فيما بين عمرو بن الحارث وزينب، وهو عمرو بن الحارث بن المصطلق، أخو جويرية بنت الحارث، زوج النبي ﷺ ، وقد أدرك النبي ﷺ ، وهو غلام، وروى عنه حديثين. وإنما قلنا: إنه منقطع، لأنه حديث يرويه الأعمش كما ذكرنا. فاختلف عليه أصحابه، فشعبة، والثوري، وحفص بن غياث - في إحدى روايتين عنه - قالوا فيه: عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن الحارث، عن زينب، لم يجعلوا بينهما أحدا. ورواه جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن زينب، فلم يذكر بينهما عمرو بن الحارث. وكل هذا تقصير، فرواه حفص بن غياث - في رواية عنه - وأبو معاوية الضرير - في رواية ابن المثنى وعبد الله بن هاشم بن حيان العبدي عنه - فقالا فيه: عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن الحارث، عن ابن أخي زينب، امرأة عبد الله، عن زينب امرأة عبد الله، فأدخل بينهما ابن أخي زينب. والحديث بذلك ذكره أبو علي بن السكن، قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله العسكري قال: حدثنا أبو موسى: محمد بن المثنى. وحدثنا مكي بن عبدان النيسابوري، قال: حدثنا عبد الله بن هاشم بن حيان العبدي قالا: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن الحارث، عن ابن أخي زينب، امرأة عبد الله، عن زينب امرأة

стр. 446

عبد الله، قالت: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر النساء، تصدقن ولو من حليكن، فإنكن أكثر أهل جهنم» قالت: وكان عبد الله رجلاً خفيف ذات اليد، الحديث. وقد أورد الترمذي في جامعه رواية أبي معاوية هذه، ثم أورد بعدها رواية شعبة فقال: هذا أصح من حديث أبي معاوية، وأبو معاوية وهم في حديثه في قوله عن عمرو بن الحارث، عن ابن أخي زينب، والصحيح إنما هو: عن عمرو بن الحارث بن أخي زينب. وحكى هذا في كتاب العلل عن البخاري. وفيه عندي نظر، فإن أبا معاوية لم ينفرد به، وأيضاً فإن عمر بن الحارث خزاعي، وزينب بنت أبي معاوية، امرأة عبد الله، ثقفية، فلا يتجه أن يكون ابن أخيها إلا لأم، وشيء من ذلك لم يتحقق. وتوهيم حافظ في زيادة زادها لا معنى له إلا لو صرح الناس بمخالفته، وهم لم يصرحوا، وإنما سكتوا عن شيء جاء هو به والله أعلم. وقد يكون في هذا الحديث بحث آخر، فيما بين زينب وبلال، فإن زينب لم تقل في هذا الحديث: إنها سمعته من النبي ﷺ ، ولا ذكرت أن بلالاً

стр. 447

أخبرها وإنما يتبين أنها سمعته منه في حديث آخر، من رواية أبي سعيد. ولم يسقه أبو محمد، ولا عرض له. ذكره البزار: قال: حدثنا محمد بن سكين، وعبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي، قالا: حدثنا سعيد بن الحكم، قال: حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم، عن عياض - هو ابن عبد الله بن سعد بن أبي سرح - عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: (٤٥٦) خرج رسول الله ﷺ في أضحى، أو فطر، فصلى، ثم انصرف فوعظ الناس، وأمرهم بالصدقة فقال: «يا أيها الناس، تصدقوا». ثم انصرف فمر على النساء، فقال لهن: «تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار»، فقلن: يا رسول الله، بم ذاك؟ قال: «إنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لقلب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء»، فقلن: له: ما نقصان عقلها ودينها يا رسول الله [ ﷺ ] قال: «أليس شهادة امرأة نصف شهادة الرجل؟ فذلك من نقصان عقلها، أو ليس إذا حاضت المرأة لم تصل»؟ قلن: بلى، قال: «فذلك من نقصان دينها» قال: ثم انصرف، فلما صار إلى منزله جاءته زينب امرأة عبد الله بن مسعود

стр. 448

تستأذن عليه فقيل: يا رسول الله، هذه زينب تستأذن عليك، قال: «أي الزيانب»؟ قيل: امرأة عبد الله بن مسعود، قال: «ائذن لها»، فأذن لها. فقالت: يا نبي الله، إنك أمرتنا اليوم بالصدقة، وعندي حلي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه هو وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي ﷺ : «صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم». قال لا نعلم رواه عن زيد، عن عياض عن أبي سعيد إلا محمد بن جعفر، ولا نعلمه يروي عن أبي سعيد إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد انتهى كلام البزار. ففي هذا أنها سمعته من النبي ﷺ ، ولكن لا ندري ممن تلقى ذلك أبو سعيد. وبحث ثالث هو أن أبا محمد ساقه في اختصاره عام اللفظ. والحديث إنما فيه قضاء شخصي خاص بهاتين المرأتين، فإن حكم لغيرهما بمثل ذلك فمن دليل آخر، لا من نفس الخبر فاعلم ذلك. (٤٥٧) وذكر من طريق أبي داود، عن فاطمة بنت أبي حبيش، أنها

стр. 449

كانت تستحاض، فقال لها رسول الله ﷺ : «إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف … » الحديث. كذا أورده، وهو - فما أرى - منقطع، وذلك أنه حديث انفرد بلفظه محمد ابن عمرو، عن الزهري، عن عروة. فرواه عن محمد بن عمرو، محمد بن أبي عدي مرتين: أحدهما من كتابه، فجعله عن محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن فاطمة أنها كانت تستحاض. فهو على هذا منقطع، لأنه قد حدث به مرة أخرى من حفظه، فزادهم فيه «عن عائشة» فيما بين عروة وفاطمة، فاتصل، فلو كان بعكس هذا كان أبعد من الريبة - أعني أن يحدث به من حفظه مرسلا، ومن كتابه متصلا، فأما هكذا فهو موضع نظر -

стр. 450

وأبو محمد إنما ساق الرواية المنقطعة، فإنه ساقه عن فاطمة. والمتصلة إنما هي عن عائشة أن فاطمة، فإذا نظر هذا في كتاب أبي داود، تبين منه أن عروة إنما أخذ ذلك عن عائشة، لا عن فاطمة. هذا ولو قدرنا أن عروة سمع من فاطمة. (٤٥٨) وقد يظن به السماع منها لحديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكر بن عبد الله، عن المنذر بن المغيرة، عن عروة، أن فاطمة بنت أبي حبيش، حدثته أنها سألت رسول الله ﷺ فشكت إليه الدم، فقال لها: «إنما ذلك عرق فانظري … » الحديث. وهذا لا يصح منه سماعه منها، للجهل بحالة المنذر بن المغيرة وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عنه فقال: مجهول. ذكره هكذا أبو داود، وهو عند غيره معنعن، لم يقل فيه: إن فاطمة حدثته. (٤٥٩) وكذلك حديث سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة،

стр. 451

قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش أنها أمرت أسماء، أو أسماء حدثتني أنها أمرت فاطمة بنت أبي حبيش أن تسأل لها رسول الله ﷺ ، الحديث فإنه مشكوك في سماعه إياه من فاطمة، أو من أسماء، وفي متن الحديث ما أنكر على سهيل، وعد مما ساء فيه حفظه، أو ظهر أثر تغيره عليه، وكان قد تغير، وذلك أنه أحال فيه على الأيام، وذلك أنه قال: «فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد». والمعروف في قصة فاطمة الإحالة على الدم والقرء. وعن عروة فيه رواية أخرى لم يشك فيها أن التي حدثته هي أسماء، رواها عن سهيل علي بن عاصم، ذكرها الدارقطني، والمتقدم ذكره أبو داود. (٤٦٠) وذكر أيضا: حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد، عن سهيل بن أبي صالح، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس، قالت: قلت: يا رسول الله، إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت فقال: «لتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا، وتغتسل للفجر غسلا [واحدا] وتتوضأ فيما بين ذلك». فترى قصتها إنما يرويها إما عن عائشة، وإما عن أسماء، وقد قلنا: إنه لو

стр. 452

صح أن عروة سمع من فاطمة، لم ينفع ذلك في الحديث الأول، لإدخال عروة بينه وبينها فيه عائشة. وزعم أبو محمد ابن حزم، أن عروة أدرك فاطمة بنت أبي حبيش ولم يستبعد أن يسمعه من خالته عائشة، ومن ابنة عمه فاطمة. وهذا عندي غير صحيح، ويجب أن يزاد في البحث عنه. وفاطمة، هي فاطمة بنت أبي حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى. وعروة بن الزبير بن العوام، بن خويلد، بن أسد، بن عبد العزى، فخويلد والمطلب أخوان، فهي في قعدد الزبير ﵁، ولا يعرف لها حديث غير هذا، ولم يتبين منه أن عروة أخذه عنها. ومما ينبغي تعرفه من أمر هذا الحديث - وإن لم يكن مما نحن فيه - أن محمد بن عمرو هذا، هو ابن عمرو بن علقمة، وهو شيخ للزهري، قد روى عنه الزهري أحاديث، وتبين هذا في نفس هذا الإسناد في مواضع: منها كتاب سنن ابن السكن، وقال في كتاب الصحابة: إنه لم يرو عن الزهري مسندا غير هذا الحديث فاعلم ذلك

стр. 453

(المدرك الثالث لانقطاع الأحاديث في هذا الباب: وهو العلم بتاريخ الراوي والمروي عنه) (٤٦١) ذكر من طريق أبي داود، عن عكرمة، أن أم حبيبة استحيضت، «فأمرها النبي ﷺ أن تنتظر أيام أقرائها» الحديث. هكذا أورده وسكت عنه، وهو حديث مرسل، أخبر فيه عكرمة بما لم يدرك ولم يسمع، ولم يقل: إن أم حبيبة أخبرته به، ولا أيضا يصح له ذلك. وحين أورد أبو داود هذا الحديث، أورده من رواية أبي بشر: جعفر بن أبي وحشية عنه أن أم حبيبة استحيضت «فأمرها رسول الله ﷺ » الحديث. وكان قد أشار إليه قبل ذلك في جملة إشارات قال فيها: وروى أبو بشر، عن عكرمة، عن النبي ﷺ ، أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمرها الحديث. وهذا أبين في الانقطاع. (٤٦٢) وذكر حديث أبي حميد الساعدي، في وصفه صلاة رسول الله ﷺ

стр. 454

في عشرة من أصحاب النبي ﷺ ، فيهم أبو قتادة، وفيه المخالفة بين الجلوسين في الصلاة، ففي الأولى: «جلس على رجله اليسرى، وفي الأخرى [في الآخر] جلس على الأرض» من رواية محمد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد فذكره. وهو عنده صحيح متصل، وهو من رواية عبد الحميد بن جعفر، عن محمد بن عمرو، وجملة أمره أنه من أهل الصدق. ووثقه يحيى بن سعيد وابن حنبل وابن معين وأخرج له مسلم، وضعفه يحيى بن سعيد في رواية عنه، وكان الثوري يحمل عليه من أجل القدر وزعموا أنه ممن خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن. فلأجل هذا من حاله، يجب التثبت فيما روى من قوله في هذا الحديث: فيهم أبو قتادة، فإن أبا قتادة، توفي زمن علي ﵁، وهو صلى عليه، وهو ممن قتل معه، وسن محمد بن عمرو مقصرة عن إدراك ذلك. وقد قيل في وفاة أبي قتادة غير هذا، من أنه توفي سنة أربع وخمسين، وليس ذلك بصحيح، بل الصحيح ما ذكرناه، وقتل علي ﵁

стр. 455

سنة أربعين. وقد ذكر هذا الذي قلناه، أبو جعفر الطحاوي قال: والذي زاد محمد ابن عمرو، غير معروف ولا متصل، لأن في حديثه أنه حضر أبو حميد وأبا قتادة. ووفاة أبي قتادة قبل ذلك بدهر طويل، لأنه قتل مع علي، وصلى عليه، فأين سن محمد بن عمرو من هذا؟ ويزيد هذا المعنى تأكيدا أن عطاف بن خالد، روى هذا الحديث فقال: نبأني محمد بن عمرو بن عطاء، قال نبأني رجل أنه وجد عشرة من أصحاب النبي ﷺ جلوسا، فذكر نحو حديث أبي عاصم. وعطاف بن خالد أبو صفوان القرشي، مدني، ليس بدون عبد الحميد ابن جعفر وإن كان البخاري قد حكى أن مالكا لم يحمده فإن ذلك لا يضره، إذ لم يكن ذلك من مالك بأمر مفسر يجب لأجله ترك روايته. وقد اعترض مالكا في ذلك الطبري بما ذكرناه: من عدم تفسير الجرحة، وبأمر آخر لا نراه صوابا، وهو أن قال: «وحتى ولو كان مالك قد فسر، لم يجب أن نترك بتجريحه رواية عطاف، حتى يكون معه مجرح آخر». وإنما لا نرى هذا صوابا لوجهين: أحدهما أن هذا المذهب ليس بصحيح، بل إذا جرح واحد بما هو جرحة قبل، فإنه نقل منه لحال سيئة تسقط بها العدالة، ولا يحتاج في النقل إلى تعدد الرواة

стр. 456

والوجه الثاني هو أن غير مالك قد وجد عنه أيضا مثل ما ذهب إليه مالك فيه، وهو ابن مهدي، فإنه ذهب إلى عطاف فلم يرضه والذي يرد به هذا، هو ما رد به ما ذهب إليه مالك فيه: من كونه لم يفسر ما زهده فيه، فلو قبلنا منه هذا، كنا قد قلدناه في رأي لا رواية. وغير مالك وابن ومهدي يوثق عطافا، روى أبو طالب عن أحمد بن حنبل أنه قال: هو من أهل المدينة، ثقة صحيح الحديث، روى نحو مائة حديث. وقال ابن معين: ليس به بأس، صالح الحديث. وقد روي عن ابن معين أنه قال: من قلت: ليس به بأس، فهو عندي ثقة. وقال أبو زرعة أيضا: ليس به بأس وهو عند أبي حاتم بحال محمد ابن إسحاق، وسئل عنه فقال: ليس بذاك. وصدق، فإنه ليس بأعلى ما يكون، وما مثله أعرض عن حديثه ولعله أحسن حالا من عبد الحميد بن جعفر. وهو قد بين أن بين محمد بن عمرو وبين أولئك الصحابة رجلا

стр. 457

ولو كان هذا عندي محتاجا إليه في هذا الحديث للقضاء بانقطاعه، كتبته في المدرك الذي فرغت منه. ولكنه غير محتاج إليه، للمتقرر من تاريخ وفاة أبي قتادة، وتقاصر سن محمد بن عمرو عن إدراك حياته رجلا، فإنما جاءت رواية عطاف عاضدة لما قد صح وفرغ منه. (٤٦٣) وقد رواه عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو فقال فيه: عن عياش، أو عباس بن سهل الساعدي، أنه كان في مجلس فيه أبوه، وأبو هريرة، وأبو أسيد، وأبو حميد، ولم يذكر فيه من الفرق بين الجلوسين ما ذكر عبد الحميد بن جعفر، ذكر ذلك أبو داود. (٤٦٤) وللحديث بالفرق بين الجلوسين إسناد صحيح متصل لم يذكر فيه أبو قتادة، ذكره البخاري قال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، سمع يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد سمع محمد بن عمرو بن حلحلة سمع محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كان جالسا في نفر من أصحاب النبي ﷺ ، فذكر صلاة النبي ﷺ فقال أبو حميد: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر

стр. 458

ظهره، فإذا رفع رأسه، استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين، جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، فإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته. فهذا لا ذكر فيه لأبي قتادة ولكن ليس فيه ذكر لسماعه من أبي حميد وإن كان ذلك ظاهره. وقد ذكر أبو محمد هذا الحديث في كتابه في موضع آخر فاعلم ذلك. (٤٦٥) وذكر أيضا من طريق النسائي، عن جابر بن عبد الله «أن جبريل

стр. 459

أتى النبي ﷺ ليعلمه مواقيت الصلاة فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى» الحديث بطوله إلى آخره. وهو أيضا يجب أن يكون مرسلا كذلك، إذ لم يذكر جابر من حدثه بذلك، وهو لم يشاهد ذلك صبيحة الإسراء، لما علم من أنه أنصاري، إنما صحب بالمدينة. وابن عباس، وأبو هريرة، اللذان رويا أيضا قصة إمامة جبريل، فليس يلزم في حديثهما من الإرسال ما في رواية جابر، لأنهما قالا: إن رسول الله ﷺ قال ذلك وقصه عليهم. (٤٦٦) وذكر من طريق أبي داود، عن عوف بن مالك، وخالد بن الوليد، أن رسول الله ﷺ : «قضى بالسلب ولم يخمس السلب»

стр. 460

كذا أورده، وهو كما ذكر، وأصل القصة في كتاب مسلم، وهي عند أبي داود مطولة مشروحة، يتبين من إيرادها أنه عن خالد منقطع الإسناد، وعن عوف متصله. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من أهل اليمن، ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزورا فسأله المددي طائفة من جلده، فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة الدرقة، ومضينا فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر، عليه سرج مذهب، وسلاح مذهب، فجعل الرومي يغري بالمسلمين، وقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب فرسه، فخر، وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين، بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله ﷺ : «قضى بالسلب للقاتل» قال: بلى، ولكني استكثرته، قلت: لتردنه أو لأعرفنكما عند رسول الله ﷺ فأبى أن يرد عليه. قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ فقصصت عليه قصة المددي وما
следующие страницы →